← Общие книги

Общие книги · id 9202

الحجاب شريعة الله في الإسلام واليهودية والنصرانية

سامى عامرى

Полный текст (121 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الصغيرة؛ ويبدو أنّهما قد اختارا هذا القول لاعتقادهما أنّ باب الافتتان في القرى الصغيرة أقلّ.. وجليّ من الحديث عن استعمال الزينة لعين واحدة فقط, أنّ هذا النص متعلّق بفريضة انتقاب المرأة, وهو ما فهمه عدد من النقاد من هذا النصّ. (١) تمثّل امرأة اسمها ((قمحيث)) ((?????)) في الكتابات الدينيّة اليهوديّة, رمزًا من رموز العفّة والالتزام الأخلاقي العالي؛ فقد جاء في التلمود أنّها قد سُئلت عن السبب الذي وفّقها ليكون لها سبعة أبناء يتولون منصب رئاسة الكهنة, فأجابت بقولها: ((لم تر قائمة باب بيتي ضفائر شعري طوال أيام حياتي)) ((???? ?? ??? ????? ???? ???? ????)) (Yoma ٤٧a) .. لقد كان أمر ستر اليهوديّة شعرها, بل وكامل بدنها, محلّ عناية من كثير من فقهاء اليهود لاتصاله الوثيق بخصلة العفّة التي لا بدّ أن تتحلّى بها المرأة اليهوديّة؛ حتّى إنّ ((دانيال القوميصي)) (٢) قد شنّ هجومًا لاذعًا على اليهود الحاخميين (٣) لأنّهم أجازوا للمرأة اليهوديّة أن تكشف وجهها للأمميين (غير اليهود) . (٤)

стр. 72

الحجاب للمرأة المتزوّجة: جاء في كتاب ((المائدة المنضودة)) ((????? ????)) (١) للفقيه اليهودي البارز ((يوسف قارو)) (٢) : ((يجب على النساء المتزوّجات أن يغطين رؤوسهن على الدوام, أمّا غير المتزوّجات فلا ينطبق عليهن هذا القانون.)) (٣) وجاءت قواعد ستر الرأس في التلمود على هذه الصورة: ((يغطّي الرجال رؤوسهم أحيانًا, ويكشفونها أحيانًا أخرى, لكنّ النساء يغطّين رؤوسهن دائمًا, ولا يغطّي البناتُ الصغار رؤوسهن البتّة.)) (Nedarim ٣٠ b) (٤) .. ولذلك ذهب جمهور فقهاء اليهود إلى إلزام المتزوّجات دون العذارى بالحجاب, وربّما يعود ذلك إلى ظاهرة الزواج المبكّر عند اليهود, إذ إنّ عامة العذارى هن من صغيرات السنّ اللائي لم يبلغن الحلم أو لم يتجاوزنه بسنوات كثيرة. وذهب بعض أعلام الفقه اليهودي في المقابل إلى إلزام غير المتزوّجة أيضًا بتغطية رأسها؛ فقد كتب ((باخ)) قائلاّ بما أنّ ((مصدر التحريم هو فقرة ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن بشعر مكشوف)) , ولم تقل هذه الفقرة بقصر الكلام على النساء المتزوّجات؛ فإنّ المتزوّجات وغير المتزوّجات داخلات في الحكم.)) (٥)

стр. 73

وكان الفقيه اليهودي ((موسى بن ميمون)) موافقًا ((لباخ)) في صرامته؛ إذ قد قال في كتابه في الشرع التوراتي: ((على بنات إسرائيل ألاّ يخرجن إلى السوق برأس مكشوف؛ سواء كنّ متزوّجات أو غير متزوّجات.)) (١) الباروكة كحجاب: اتفق فقهاء اليهود على فريضة تغطية المرأة رأسها, لكنهم اختلفوا في تفاصيل هذا الأمر. وقد ظهرت بينهم نقاشات طويلة لازالت تشغلهم إلى اليوم حول حكم وضع باروكة على الشعركحجاب تغطّي به المرأة رأسها. وقد جاء في التلمود أنّ ((رب)) ((??)) (٢) قد قال: ((كلُّ ما منع الحكماء الخروج به إلى الشارع؛ فهو ممنوع في فناء البيت باستثناء شبكة الشعر (hair-net) والباروكة)) ((?? ????? ????? ???? ?? ???"? ???? ???? ?? ???? ??? ????? ???? ?????)) (Shabbath ٦٤b) وأضاف التلمود أنّ الحبر ((عناني بار شاشون)) ((???? ?? ????)) (٣) قد خالفه في جواز ذلك.. وهو ما يظهر الجدل المبكّر حول شرعية الباروكة لتغطية الشعر, وقبل ذلك, هو يثبت أهميّة وجوب تغطية الشعر ابتداءً. ذهب بعض الفقهاء اليهود إلى القول بجواز أن تلبس المرأة باروكة تغطي بها شعرها, بإطلاق.. وذهب آخرون إلى أنّ لبس الباروكة لا يجوز إلاّ في البلاد التي من أعرافها أن تلبس المرأة باروكة, فإن لم تكن هذه العادة موجودة؛ فإنّ على المرأة أن تغطي رأسها بخمار.. وذهب في المقابل جمهور فقهاء اليهود, إلى عدم شرعيّة لبس الباروكة كوسيلة لتغطية الشعر, ومن أعلام من ذهب هذا المذهب الحبر ((Ya’akov Emden)) والحبر ((Vilna Gaon)) والحبر ((Shlomo Kluger)) و ((Maharaz Hayot)) و ((Chatam Sofer)) , و ((Zanzar Rav)) ,

стр. 74

و ((Maharsham)) , حتّى قال الحبر ((عوبيديا يوسف)) ((Ovadiah Yosef)) : ((يبدو أنّ غالبية الأحرونيم (١) يحرّمون (الباروكة)) ) (٢) حلق العروس شعرها: انتشرت عادة حلق النساء اليهوديات شعورهن بالكامل عند إقامة العرس في هنغاريا وفي جليقيا بإسبانيا وفي أوكرانيا, وهن يقمن بتغْطية رؤوسهن بمنديل بعد حلق الشعر. وكان النساء في بعض الأزمان يستعملن الباروكة بصورة كليّة أو جزئيّة بعد ذلك. ولازالت هذه العادة موجودة إلى اليوم في الأوساط اليهوديّة المتديّنة في فلسطين المحتلّة. كان هناك عدد من الفقهاء (البوسقيم) ممن أيّدوا بشدّة حلق العروس شعرها, وحجّتهم في ذلك أساسًا أنّ العروس بفعلها ذاك تضمن ألاّ يظهر من شعرها شيء, فيما عارض آخرون هذا العرف لأنّه يجعل المرأة تبدو قبيحة يوم عرسها! (٣) والثابت من هذا العرف (الغريب!) , هو أنّ اليهود في فقههم, يتعاملون بحرج شديد مع شعر المرأة وأمر ستره وكشفه؛ ممّا أداهم إلى مثل هذا المذهب المنكر! الرجل الذي يرضى بكشف شعر زوجته, ديوّث: لمّا كان حكم تغطية المرأة المتزوّجة رأسها موصولاً بالتوراة, والعرف اليهودي السويّ, ومراعاة العفّة التي أريد للمرأة اليهوديّة أن تتميّز بها عن غيرها؛ فقد كان سماح الرجل لزوجته أن تسير في الشارع مكشوفة الشعر, من القبائح والرذائل الشنيعة التي تظهر وهاء إيمان هذا اليهودي وعدم التزامه بما تدعو إليه الأسفار المقدّسة وأقوال الأحبار المرجّحة؛

стр. 75

ولذلك قرّر الأحبار أنّ من يرى زوجته تخرج ورأسها غير مغطى؛ هو رجل كافر (godless) . وعليه إلزامًا أن يطلّقها (١) .. وجاء في ((الزوهار)) في نفس الشأن: ((قال الحبر ((حزقياهو)) : ((لتكن اللعنة على كلّ رجل يسمح لزوجته أن تكشف شعرها. هذا جزء من عفّة الأسرة.)) (Zohar III, ١٢٥b) (٢) ؛ وهو ما يعدّ منتهى الرفض واللفظ لمن يرضى أن تحسر المرأة عن شعرها في غير بيتها. وقد علّق الحبر ((أبراهام جومبينر)) ((????? ???????)) (٣) على هذا الحكم بقوله: ((أكّد الزوهار بشدّة على ألاّ يظهر أيّ من شعر المرأة, وهذا هو العرف المقبول.)) (٤) الجزاء الأخروي الوبيل للتبرّج: ثبت بما سبق أنّ المرأة التي ترضى أن تكشف شعرها في الشارع, مذنبة في الدنيا, وعليها وزر عظيم بسبب ما فعلت.. ولاشكّ أنّ عقابها الدنيوي له ما بعده من عقاب أُخروي (٥) , وقد جاء في أحد ((المدراشات)) في الحديث عن المرتبة الرابعة في النار: ((دخل البيت الرابع, ووجد نساءً معلّقات من أثدائهن. قال أمامه: ((اكشف السرّ, وفسّر هذه المأساة العظيمة.)) قال له ... ((هؤلاء هنّ النسوة اللائي كشفن رؤوسهن في الأسواق

стр. 76

)) (١) .. ولا شكّ أنّ هذا العقاب كفيل بإثارة الهلع في صدر من تؤمن بربّانية مصدره, كما أنه قبل ذلك دليل صريح على شناعة كشف المرأة شعرها في غير بيتها! **** الحجاب في التاريخ اليهوديّ: الحجاب قبل زمن المسيح ابن مريم: رغم ندرة الآثار المتاحة حول لباس اليهوديات في زمن ما قبل المسيح, فإنّه بإمكاننا من خلال تجميع الشذرات المتاحة أن نستنبط أنّ اليهوديات كن يغطين رؤوسهن وفي أحيان وجوههن, فقد جاء في كتاب: ((مدخل عام إلى الأسفار المقدسة)) ((A General Introduction to the Sacred Scriptures)) في مبحث ((لباس العبريات)) أنّ: ((النساء اليهوديات واليونانيات لم يكن يظهرن أبدًا في الأماكن العامة دون خمار.)) (٢) . ويَذكر هذا الكتاب أنّ من أسمائه: ((???)) و ((????)) و ((??'?)) . (٣) ويوضّح حدوده بقوله: ((الحجاب العبري القديم كان في بعض الأحيان كبيرًا إلى درجة أنه كان يغطي كامل البدن.)) (٤)

стр. 77

الحجاب زمن المسيح ابن مريم وأثناء القرون الوسطى: أكّد ((أدمون ستابفر)) ((Edmond Stapfer)) في كتابه عن فلسطين زمن المسيح, أنّ اليهوديات كنّ لا يخرحن إلى الشارع إلاّ ورؤوسهن مغطّاة بالكامل (١) , وشهد ((معجم تندل للكتاب المقدس)) أنّ النساء اليهوديات في زمن ((بولس)) كنّ دائما يغطين رؤوسهن في الأماكن العامة. (٢) وكانت اليهوديات في آخر القرن التالي له (القرن الثاني) , بشهادة ((ترتليان)) النصراني, يُعرفن بارتدائهن الحجاب في الأماكن العامة, فقد قال: ((من السائد عند اليهود أن تكون رؤوس نسائهن مغطاة؛ حتّى يُعرفن.)) ((Apud Iudaeos tam sollemne est feminis eorum uelamen capitis ut inde noscantur)) (٣) كما شهد المعجم الكتابي ((Dictionary of Judaism in the Biblical Period)) أنّ العملات التي أصدرها الإمبراطور الروماني ((فسباين)) ((Vespasian)) والمسمّاة ((Judaea

стр. 78

Capta coins)) والتي احتفى فيها باحتلال منطقة ((اليهوديّة)) و ((تدمير الهيكل)) على يد ((تيطس)) سنة ٧٠م, تظهر أنّ الحجاب كان ((جزءًا من الملابس الخارجيّة)) (١) .. ويخبرنا الحبر ((راشي)) عن حال اليهوديات في زمانه فقال: ((تخرج النساء الإسرائيليات في البلاد العربيّة منتقبات (??????) , في حين أنّ اليهوديات في الهند يخرجن وهن لابسات عباءة وقد شددنها بأفواههن.)) (٢) اعتبرت المرأة الكاشفة رأسها خلال عهد التنايتِك (٣) أنها تهين حشمتها. وإذا خرجت بدون غطاء رأس؛ تغرّم بأربعمائة (زوزيم) لهذه الجريمة. (٤)

стр. 79

ومن خلال ما وفّرته لنا مخطوطات ((جنيزة)) ؛ فإنّه بإمكاننا أن نقول إنّ المرأة اليهوديّة كانت تغطّي (أحيانًا على الأقل) وجهها في القرن الحادي عشر؛ فطبق ما قاله ((جويتن)) فإنّ عَقدًا أبرمه أحد اليهود القرّائين في فلسطين في ٢٦ يناير ١٠٢٨م جاء فيه أنّ من المقتنيات التي أحضرتها الزوجة إلى بيت زوجها, أعدادًا من الخُمُر وأغطية الوجه وثيابًا طويلة تصل إلى الأرض. وفي وثيقة أخرى لزواج أحد الحاخاميين في الفسطاط (القاهرة القديمة) كان ((الخمار)) أحد المقتنيات المذكورة في العقد. (١) ويلخّص الحبر ((Shmuel Herzfeld)) (٢) الحال في القرون الوسطى, بقوله: ((كانت النساء في القرون الوسطى يغطين أجزاء من شعورهن طوال الوقت, داخل بيوتهن وخارجها, باستثناء فترة قصيرة من القرن الثاني عشر. وقد كان كشفهن لرؤوسهن عندما يسرن في الخارج يعتبر فعلاً شنيعًا جدًا.)) (٣) الحجاب في العصر الحديث: تقول الموسوعة اليهوديّة ((The Oxford Dictionary of the Jewish Religion)) : ((في الأزمنة الحديثة, تغطي الأرثودكسيّات (أي المتديّنات) المتزوّجات رؤوسهن بباروكة أو خمار إذا كنّ في مكان عام.. تحلق النساء رؤوسهن قبل الزواج في التجمعات الحسيدية (٤) , ويرتدين خمارًا. وتغطي غير المتزوجة في اليمن أيضًا رأسها.)) (٥) وتحدّث الحبر ((ماير شلّر)) ((Mayer Schiller)) عن واقع المرأة اليهوديّة اليوم؛ فبيّن أنّ هناك من اليهوديّات من يرفضن ارتداء الباروكة ويرين وجوب تغطية الشعر كاملاً بشال, وهي ظاهرة معروفة عند اليهوديات الهنغاريات, ومنهن من يغطين رؤوسهن بشال, ويضعن في مقدم الرأس جزءًا من باروكة بادية على أنّها ليست شعرًا حقيقيًا, وهو مسلك اليهوديات

стр. 80

في العائلات اليهوديّة الحاخاميّة في أوكرانيا, وقد أجازه بعض الأحبار كالحبر ((يعقوب أمدن)) . ومنهن من يلبسن باروكة يضعن فوقها قبّعة, وهناك من يلبسن باروكة لتغطية الرأسٍ كما هو بين اليهوديات البولنديات والليتوانيات الحسيديات, وهو أيضًا عرف يهوديات ألمانيا. (١)

стр. 81

صورة غلاف المعجم الكتابي الشهير ((A Dictionary of the Bible)) طبعة ١٩٠٨م وفيه صور باليد لما كان عليه أهل الكتاب من قبل (لاحظ النقاب وغطاء الرأس!)

стр. 82

الحجاب في النصرانيّة أهميّة اللباس في النصرانيّة: رغم أنّ البلاد التي عامة أهلها من النصارى, تعرف اليوم حالة من (الانفجار) الجنسي, وسيادة للتفلّت الأخلاقي, وانهيارًا للضوابط الأخلاقيّة, إلاّ انّ ذلك في الحقيقة لا يعود بصورة مباشرة إلى الأحكام التي نشرتها النصرانيّة في كتبها المقدّسة.. لقد جاءت النصرانيّة في القرن الأوّل ميلادي لترث من اليهوديّة أسفارها القديمة, ورغم أنّ مؤسسها الحقيقي ((بولس)) قد أعلن القطيعة مع الشريعة اليهوديّة, معلنًا انتهاء العمل بالشريعة القديمة, وبداية عهد الخلاص المبذول بدم المسيح على الصليب (١) , إلاّ إنّ ((بولس)) نفسه, ومعه الكنيسة, لم يستطيعا أن يتجاوزا مسألة اللباس (الشرعي) وأهميّته في حياة الفرد النصراني.. كان كتّاب أسفار العهد الجديد, على قناعة تامة بأهميّة اللباس في ضبط السلوك الفردي وتوجيه العلاقات العامة, خاصة بين الرجال والنساء.. كما كان اهتمام رجال الكنيسة الأوائل بجانب العفّة, والانضباط الجنسيّ, من أهمّ الدوافع التي حفّزت المجموعات النصرانيّة المبكّرة على أن تعتني بأمر اللباس الشرعي الخاص بالمرأة ... لقد كانت الكنيسة الأولى مشغولة بأمر الطاقة الجنسيّة في الرجل والمرأة ومآلات أثرها في الإنسان إن لم تضبط وتحكم وتحجز عن موارد الحرام.. وبلغت في هذا الشأن مبلغًا شديدًا يظهر في قول مؤلّف إنجيل متّى ٥/٢٧-٢٩ - نقلاً عن المسيح -بزعمه-: ((وَسَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: لاَ تَزْنِ! أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ بِقَصْدِ أَنْ يَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ! فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى فَخًّا لَكَ، فَاقْلَعْهَا وَارْمِهَا عَنْكَ، فَخَيْرٌ لَكَ أَنْ تَفْقِدَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُطْرَحَ جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ!)) !!!

стр. 83

لقد كان وعي الكنيسة الأولى بأمر (العورات) وما يباح رؤيته من المرأة, على درجة عالية من الحساسيّة.. وكان الربط بين العفّة واللباس بارزًا, وكان اليقين ثابتًا أنّ العفّة ليست معنى مجرّدًا مستكنًا في القلب, وإنّما لها تجليّات في الأعمال والسلوك واللباس.. كان لباس المرأة في حسّ هذه الكنيسة في بداية تكوّنها مرتبطًا بمجمل سلوك المرأة في حياتها, ولم يكن رمزًا لمعنى باهت, أو علامة على فكرة مجرّدة, بل كان وثيق الصلّة بالتكوين النفسي والفكري والسلوكي للمرأة ككائن اجتماعي.. ومن أشهر النصوص التي تجلّي النموذج (الشكلي) لهيئة المرأة النصرانيّة (التقيّة) في الأسفار المقدّسة: ~ ١بطرس ٣/٣-٦: ((وعلى المرأة ألا تعتمد الزينة الخارجية لإظهار جمالها، بضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب الفاخرة. وإنما لتعتمد الزينة الداخلية، ليكون قلبها متزينا بروح الوداعة والهدوء. هذه هي الزينة التي لا تفنى، وهي غالية الثمن في نظر الله! وبها كانت تتزين النساء التقيات قديما، فكانت الواحدة منهن تتكل على الله وتخضع لزوجها. فسارة، مثلا، كانت تطيع زوجها إبراهيم وتدعوه: ((سيدي)) . والمؤمنات اللواتي يقتدين بها، يثبتن أنهن بنات لها، إذ يتصرفن تصرفا صالحا، فلا يخفن أي تهديد.)) ~ ١تيموثاوس ٢/٩-١٠: ((كما أريد أيضا، أن تظهر النساء بمظهر لائق محشوم اللباس، متزينات بالحياء والرزانة، غير متحليات بالجدائل والذهب واللآلئ والحلل الغالية الثمن، بل بما يليق بنساء يعترفن علنا بأنهن يعشن في تقوى الله، بالأعمال الصالحة!)) لقد منعت هذه الأحكام المرأة من: o كلّ زينة خارجيّة لإظهار الجمال. o ضفر الشعر. o الحليّ الذهبيّ. o الثياب الفاخرة. o الحلل غالية الثمن.

стр. 84

وهي محرّمات قد وردت على سبيل المثال لا الحصر, كما أنّها عناوين لأصناف كثيرة من اللباس؛ مما يعني أنّ النصرانيّة تمنع المرأة صراحة من (التعبير) عن جمالها أمام الرجال.. كما ظهر هذا الضبط السلوكي في الملبس, في التشريع الكنسي المبكّر؛ فقد جاء في ((الدسقوليّة)) (١) : o ((إن أردتِ ان تكوني مؤمنة ومرضية لله فلا تتزيني لكي تُرضي رجالاً غرباء.)) (٢) o ((لا تشتهي لبس المقانع والثياب الخفيفة التي لا تليق إلاّ بالزانيات.)) (٣) o ((لا تزوقي وجهك الذي خلقه الله. فليس فيه شيء ينقص زينة, لأن كل ما خلقه الله فهو حسن جدًا, ولا يحتاج إلى زينة. وما زيد على الحسن فإنّه يُغير نعمة الخالق.)) (٤) لقد رفضت الكنيسة الأولى أن تتحوّل المرأة إلى دمية ملوّنة لاجتذاب الأعين النهمة, أو كيان (متوحّد) في ذاته لا يرى من نفسه إلا الأصباغ والجدائل؛ فكانت شديدة الحزم في رسم حدود لباس المرأة وزينتها إذا خرجت من البيت. وقد أحكمت الجزم بالالتزام برسم دائرة مغلقة من الأحكام التي تمنع ظهور التسيّب الأخلاقي بين الجنسين, وإن لم يبلغ ذلك درجة الاستواء التشريعي؛ فقد كان همّ مقاومة نزوع المرأة إلى أن تتبذّل في اللباس وتفارق سبيل الحشمة, هاجسًا قويًا لدى أئمة الكنيسة, جعلهم يتحسسون من كلّ فعل أو خاطرة عابرة من النساء.. استمرّ أمر الدعوة إلى العفّة في اللباس في شغل حيّز كبير من اهتمامات آباء الكنيسة وتشريعاتها.. غير أنّه مع تململ الغربيين من سلطان الكنيسة المتجبّرة, وفساد رجال الدين؛

стр. 85

فارقت النصرانيّة الحاليّة التراث الآبائي القديم, وانخرطت على مراحل في معايشة أعراف حديثة لا تستند إلى أصول عريقة في تكوينها الجنيني المبكّر والجيني الأصيل. ولأنّ النصرانيّة هي: (١) نصوص مقدّسة. (٢) تفاسير مقدّسة لهذه النصوص ممن تعتقد الكنيسة أنّ روح القدس كان يسدّد أفهامهم. فسننظر في هذه النصوص المعتقد لها القداسة, والتفاسير المعتقد لها العصمة؛ لنستبين من خلال ذلك الموقف الأصيل للنصرانيّة الأولى من الحجاب.. **** الحجاب في العهد الجديد: جاء في رسالة بولس الأولى إلى كورنثوس ١١/٤-١٠: ((فكل رجل يصلي أو يتنبأ، وعلى رأسه غطاء، يجلب العار على رأسه. وكل امرأة تصلي أو تتنبأ، وليس على رأسها غطاء، تجلب العار على رأسها، لأن كشف الغطاء كحلق الشعر تماما. فإذا كانت المرأة لا تغطي رأسها، فليقص شعرها! ولكن، مادام من العار على المرأة أن يقص شعرها أو يحلق، فلتغط رأسها. ذلك لأن الرجل عليه ألا يغطي رأسه، باعتباره صورة الله ومجده. وأما المرأة فهي مجد الرجل. فإن الرجل لم يؤخذ من المرأة، بل المرأة أخذت من الرجل؛ والرجل لم يوجد لأجل المرأة، بل المرأة وجدت لأجل الرجل. لذا يجب على المرأة أن تضع على رأسها علامة الخضوع، من أجل الملائكة.)) صرّح ((بولس)) في النصّ السالف أنّه لا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها داخل الكنيسة إذا كانت تصلّي أو تتنبّأ.. ونقول: تبعًا لذلك فمن باب أولى عدم كشفه خارجها.. إذ الفتنة خارجها أشدّ.. فإذا كان المنع مقررًا داخل دور العبادة حيث الأصل أن تكون الأنفس أكثر استعدادًا لمواجهة فتنة الشيطان؛ فمن باب أولى حرمة هذا الأمر في الخارج حيث عوامل الاستثارة والاستجابة أكبر.. وهو نفس ما قرّره ((ترتليان)) إذ قال في الفصل ٢٢ من كتابه ((حول الصلاة)) ((De Oratione)) -وإن كان قد طرحه بصورة عكسيّة؛ إذ إنّ من النساء في زمانه من كن يرتدين الحجاب في الشارع, ويعرين رؤوسهن في الكنيسة-: ((لماذا تكشفن

стр. 86

أمام الله, ما تغطينه أمام الرجال؟ هل أنتن محتشمات في الشارع أكثر من الكنيسة؟)) (١) .. إنّ العفّة بارتداء الحجاب عند ((ترتليان)) , فريضة في الشارع كما في الكنيسة! ومما يؤكّد أنّ ((بولس)) كان يرى وجوب الحجاب, أنّ الفيلسوف والمؤرّخ ((ديو ذهبي الفم)) ((Dio Chrysostom)) -وكان من معاصري ((بولس)) - قد أشار إلى أن النساء في طرسوس-بلد ((بولس)) - كنّ يغطين أنفسهن عندما يكنّ في الشارع فلا يظهر منهن شيء (٢) .. كما أنّ أهل كورنثوس الذين تنصّروا, والذين وجه إليهم ((بولس)) رسالتيه, كانوا في الأساس على قسمين: اليونان الأمميين, واليهود المتنصّرين (كما هو ظاهر من الحديث عن الرجال الذين ختنوا والآخرين الذين لم يختنوا في ١كورنثوس ٧/١٨) .. ونعلم تاريخيًا أنّ لباس النساء اليونانيات كان معتنيًا بصورة كبيرة بالستر؛ إذ إنّ أشهر أنواعه والمسمّى ((peplum)) , هو رداء تضعه المرأة على رأسها؛ فلا يظهر منها شيء, كما أنّه كان من عادة اليونانيات أن يغطين وجوههن فلا تبدو منهن إلاّ عين واحدة (٣) . لقد ((كانت عادة (اليونانيات) أن يغطين أنفسهن في الحياة العامة (كما تؤكّد ذلك المنحوتات) , على خلاف أمرهن في بيوتهن أو في علاقاتهن داخل بيوتهن. ما كان حال

стр. 87

اليهوديات قاصراً على عقد شعورهن, وإنمّا كنّ يغطينها بطريقة آمنة عندما يكنّ خارجًا, لقد كنّ بالتأكيد مغطيّات في الأماكن العامة, وما كنّ يتكشفن في الهيكل.)) (١) أمّا فيما يتعلّق بنساء الإمبراطوريّة الرومانيّة, فكنّ يغطين رؤوسهن دلالة على أنّهن نساء محترمات, وكنّ يلبسن إمّا النقاب أو غطاء رأس, وهنّ في ذلك يُعلِمن من يراهن من الرجال أنّه لا يجوز لهم الاقتراب منهن, وأنّ أيّ فعل متعد منهم سيكلّفهم عقوبة زاجرة. (٢) ويعلّق المؤرّخ اليوناني المشهور ((بلوتارك)) (٣) –وقد عاش في اليونان وروما- بعد ذكره لأعراف زمانه عند الحِداد على الميت وأنّ الأبناء كانوا يغطون رؤوسهم فيما تكشف البنات رؤوسهن: ((ينتمي الحِداد إلى المخالف للعادة)) (٤) ؛ وفي ذلك دلالة على موافقة حجاب النساء للمألوف والمقبول في القرن الأول ميلادي؛ فليس كشف النساء رؤوسهن علامة على الحزن عند وفاة قريب إلاّ استثناءً مخالف لأصل الستر.

стр. 88

وقد كان مجتمع ((قمران)) الذي ساهمت مخطوطاته المكتشفة في منتصف القرن العشرين, في تحقيق فهم أفضل للبيئة التي ظهر فيها المسيح, يرى أن المرأة غير المحجّبة أشبه بمن يعاني إعاقة بدنيّة؛ ممّا يلزم منه أن تقصيها جماعة الناس عن المجتمع؛ احترامًا للملائكة. (١) في ظلّ هذه الأجواء, لا يمكن أن نتصوّر أنّ ((بولس)) كان يقول لأهل كورنثوس: على نسائكم أن يغطين رؤوسهن في الكنائس, فإن لم يفعلن ذلك؛ فلتُقصّ شعورهن إهانة لهن, أمّا في الشارع أمام جماهير الرجال؛ فلهنّ أن يتبرّجن!!! إنّ أسلوب الأمر والزجر الوارد في كلام ((بولس)) يظهر أنّه يدعو إلى مزيد حشمة والتزام, وما كان بصدد تخفيف ما يفرضه العرف في بيئته وزمانه. إنّ آفة عامة التفاسير المعاصرة- كما اعترف بذلك بعض النقاد الغربيين المحققين - أنّها تفسِّر بعقليتها الغربية الأوروبيّة المعاصرة, كتبًا شرقيّة كتبت في أزمنة قديمة.. إنّ وَصْلَ كلام ((بولس)) إلى أهل كورنثوس, ببيئتة الطرسوسية, وخلفيّته اليهوديّة, وأعراف من وجه إليهم رسالتيه؛ ليجعلنا ندرك معنى حديثه عن حكم الحجاب داخل الكنيسة بصورته الأجلى والأوسع ... كما أنّه من غير المنطقي أن نتحدّث عمّا قرّره العهد الجديد من حرمة النظر إلى النساء بشهوة, وأنّ ذلك فعل قبيح يستدعي من المرء أن يقلع عينه لأجل تفاديه-سواء أكان الحديث على الحقيقة أم على المجاز- , وما أعلنه النصارى في القرن الثاني للميلاد بأنهم يتميّزون بالعفّة والتباعد الشديد عن دواعي إثارة الشهوة ولو بالنظر (٢) من (جهة) .. ثمّ

стр. 89

نقول من (جهة أخرى) إنّ النصرانية تعلن مع ذلك في قرونها الأولى أنّها قد قررت مخالفة شريعة اليهود وأعراف الرومان واليونانيين التي تفرض على النساء الحجاب!!! كيف تتميّز النصرانيّة –على ألسنة دعاتها الأوائل- بالدعوة إلى العفّة, ثم تخالف كلّ شرائع البيئة التي وجدت فيها وأعرافها, بإباحة السفور الذي كان يعدّ في ظلّ ذاك الواقع اجتراءً على الثوابت الأخلاقيّة للمجتمع؟!! كيف يصحّ أن تكون النصرانيّة في القرون الميلاديّة الأولى أرقى أخلاقيًا من شرائع الأمم الأخرى وأعرافها؛ باستبشاعها الشديد للتبذّل الجنسي إلى حدّ اعتبار نظرة الرجل إلى المرأة مهلكة من المهالك, وزنى قد اكتملت أركانه.. ثمّ هي تقرّر مخالفة ما استقرّت عليه الأمم التي ظهرت فيها؛ بإباحة السفور للمرأة؟!! أين المنطق؟! ثمّ إنّ المنطق الاستنباطي والترتيبي ((لبولس)) في حديثه عن حجاب المرأة في الكنيسة؛ ليدلّ بذاته على أنّ ((بولس)) كان يرى فريضة الحجاب ملزمة للمرأة في الكنيسة وخارجها؛ إذ إنّه قد أكّد على أنّ المرأة خاضعة للرجل: ((فكما أن الكنيسة قد أُخضِعت للمسيح، فكذلك الزوجات أيضًا لأزواجهن، في كل شيء.)) (أفسس ٥/٢٤) , ورتّب على هذا الخضوع إلزام المرأة بوضع علامة له, وهو الحجاب كما هو متبادر من السياق: ((لذا يجب على المرأة أن تضع على رأسها علامة الخضوع، من أجل الملائكة (١) .)) (١كورنثوس ١١/١٠) (٢) ..

стр. 90

فكان (الخضوع) و (الحجاب) متلازمين.. ولمّا علمنا من كلام ((بولس)) أنّ المرأة خاضعة للرجل في جميع شأنها, كما أنّ الكنيسة خاضعة للمسيح في جميع أمرها؛ أدركنا أنّ هذا الحجاب ملازم لها دائمًا ملازمة خضوعها المتواصل للرجل. **** الحجاب عند آباء الكنيسة وقدّيسيها: إجماع آباء الكنيسة على فريضة الحجاب: إنّ القول إنّ فريضة التزام الحجاب داخل الكنيسة, يلزم منها من باب أولى إلزام المرأة بالحجاب خارجها؛ ليس اجتهادًا إسلاميًا مُسقَطاً على النصرانيّة, وإنّما هو قول أعمدة الكنيسة وآبائها؛ فإنّه كما قالت الناقدة ((جويس إ. سالزبوري)) ((Joyce E. Salisbury)) : ((كان شعر المرأة رمزًا وتعبيرًا عن جانبها الجنسي (her sexuality) ونوعها (her gender) , وهو ما جعل آباء الكنيسة يقولون دائمًا إنّ على النساء أن يغطّين رؤوسهن.)) (١) وقرّرت الباحثة ((دي أنجلو)) ((D'Angelo)) أنّ: ((المفسّرين (للكتاب المقدس) منذ ترتليان كانوا يرون أنّ بولس يقرّر أنّه لا بدّ أن يُغطى رأس المرأة بحجاب؛ حتى لا يتمّ إغواء الملائكة.)) (٢) وقد جاء في معجم: ((A Dictionary of Christian Antiquities)) : ((بما أنّ التعليم الرسولي وعرف الشرق قد اعتَبَرا أنّه غير لائق بالمرأة أن تُرى برأس غير مغطّى؛ فإنّ النساء

стр. 91

في كنائس الشرق وإفريقيا قد غطين رؤوسهن, لا فقط في المجامع, بل عامة لمّا كنّ يظهرن في الأماكن العامة.)) (١) وقال ((ألفن شميت)) : ((طلب كلّ من آباء الكنيسة والعديد من المجامع الكنسيّة بصورة مقنّنة من المرأة المتزوجة أن تتحجّب.)) . (٢) إنّها الحقيقة الدينيّة/التاريخيّة التي يعمل اليوم أرباب الكنائس عامة, والتقليديّة خاصة, على تغييبها عن وعي النصراني وذاكرته, والزعم أنّ الحجاب هو رمز ديني إسلامي وافد على المجتمعات النصرانيّة.. وفي التالي من الحديث تفصيل مُسْنَدٌ للأقوال.. ترتليان ترتليان: ولد ((ترتليان)) سنة ١٦٠م وتوفي سنة ٢٢٠م.. وعاش في مرحلة تكوّن معالم الكنيسة الأولى, وتشكُّلِ المفاهيم الأخلاقيّة والسلوكيّة المبكّرة.. سُمِّي بأبي الكنيسة اللاتينيّة.. كان غزير التأليف, وله كتابات في الرد على اليهود والوثنيين والهراطقة.. كما كانت له عناية خاصة بالمواضيع الأخلاقيّة وقضايا المرأة.. (٣) الحجاب عند ترتليان:

стр. 92

يُعدّ حرص ((ترتليان)) على إلزام المرأة بالحجاب, من الحقائق التاريخيّة الذائعة المعلومة؛ فهو القائل في كتابه: ((حول حجاب العذارى)) ((De Virginibus Velandis)) إنّ على العذراء أن تلبس الحجاب في الشارع كما في الكنيسة دون فارق, وقال أيضًا في نفس المؤلَّّف: كما أنّها مطالبة بالحجاب من أجل الملائكة, فهي كذلك مطالبة به من أجل الرجال حتى لا يفتنوا بها. (١) ومدح في نفس الكتاب المرأة العربية لأنها تغطّي كلّ وجهها إلا عينًا واحدة: ((الإناث الوثنيات في بلاد العرب سيكنّ الحاكمات عليكن, فهن لا يغطين فقط الرأس, وإنّما يغطين الوجه أيضًا, فهن مغطيات بصورة كاملة؛ حتّى إنهن قانعات بعين واحدة غير مغطاة؛ ليتمتعن بنصف الضوء على أن يعرين وجوههن كاملة. الأولى بالأنثى أن ترى غيرها لا أن تُرى من غيرها.)) (٢) وقال: ((غطِّي رأسكِ! إن كنت أمًّا؛ فلأجل ابنك, وإن كنت أختًا؛ فلأجل إخوتك.)) (٣) وقال في مؤلّفه ((الإكليل)) ((De Corona)) إنّ على المرأة أن تتحجّب؛ لأنّ ذلك يتوافق مع قوانين الله ((المنحوتة في الطبيعة)) ؛ معتبرًا أنّ ((بولس)) كان في شأن الحجاب يقدّم القانون الطبيعي والقانون الكاشف للطبيعة. فالنواميس الكونية والشرعية تتوافق مع بعضها ولا تتنافر, والتقاؤها في فرض الحجاب على المرأة ظاهرٌ معاينٌ. (٤) ويفهم من كلامه أنّ النصرانيات كنّ يرتدين الحجاب في الأماكن العامة في زمانه؛ فقد قال في كتابه: ((حول الصلاة)) ((De Oratione)) موبخًا النساء اللواتي يذهبن إلى الكنيسة غير محجّبات: ((لماذا تكشفن أمام الله, ما تغطينه أمام الرجال؟ هل أنتن محتشمات في الشارع أكثر

стр. 93

من الكنيسة؟)) (١) .. وهذا إخبار عن واقع الحجاب وإقرار له, والإقرار وجه من أوجه الموافقة والتأييد. كلمنت السكندري كلمنت السكندري: ولد ((كلمنت السكندري)) سنة ١٥٠م وتوفي سنة ٢١٥م.. كان من أعظم اللاهوتيين في زمانه.. وقد تتلمذ عليه اللاهوتي البارز ((أريجن)) .. تميّز بكثرة اقتباساته من الكتاب المقدس في أطروحاته المكتوبة, وعنايته بتقديم النصرانيّة في ثوب علمي جذّاب.. كانت له عناية بالقضايا اللاهوتيّة في زمانه, كما انشغل بالتأصيل للجانب الأخلاقي للطائفة النصرانيّة الآخذة في النمو.. ألّف ثلاثة أبحاث هامة موصولة بالجانب الأخلاقي: ((Paedagogus)) و ((Protrepticus)) و ((Stromata)) . (٢) الحجاب عند كلمنت السكندري: كتب قديس الكنيسة ((كلمنت الاسكندري)) مؤلَّفه ((المعلّم)) ((Paedagogus)) , وهو يعتبر مع كتاب ((Symposion he peri hagneias)) لقديس الكنيسة ((ميثوديوس ألمبوس))

стр. 94

((Methodius of Olympus)) (١) أبرز كتابين ألّفا في القرون النصرانيّة الأولى في أمر واجبات المرأة ومقامها. (٢) يتكوّن هذا المؤلّف من ثلاثة كتب: تحدّث ((كلمنت الاسكندري)) في الكتاب الأوّل عن المعلّم وأصول التعليم: حبّ المعلّم للناس, وعالميّة التعليم ومكافأته وعقوبته. وخصّص الكتابين الثاني والثالث للقضايا الجزئيّة التفصيليّة, وقد عرضها في أسلوب شديد لاذع, وتطرّق فيهما إلى أمور: الأكل والشرب, والنوم, والاتباع, والجنس, والنظافة الشخصيّة, والملكيّة وأمور أخرى ... لمّا تطرّق قديس الكنيسة ((كلمنت السكندري)) إلى قضيّة ما يجوز للمرأة أن تكشفه من جسدها, قال بصراحة, وصرامة, ووضوح: ((لا بدّ للمرأة أن تغطّي جسدها بصورة كاملة, ما لم تكن موجودة في بيتها؛ لأنّ هذا الطراز من اللباس وقور, وهو يحميها من حملقة العيون في جسدها ... وهي أيضًا بتغطيتها وجهها لا تدعو غيرها ليسقط في الخطيئة.)) (٣)

стр. 95

أوغسطين أوغسطين: ولد قديس الكنيسة ((أوغسطين)) سنة ٣٥٤م وتوفي سنة ٤٣٠م.. هو أحد لاهوتيي الكنيسة الأوائل, وأهم من ساهم في صياغة اللاهوت الكنسي, وقد امتد تأثيره على الكنائس الغربيّة منذ القرن الخامس إلى اليوم, ويعتبر من أهم روافد الفكر البروتستانتي في كتابات ((مارتن لوثر)) .. (١) الحجاب عند أوغسطين: تحدّث قديس الكنيسة ((أوغسطين)) عن الحجاب في رسالته: ((حول العذريّة)) ((De virginitate)) حيث أعلن النكير الشديد واللوم والتأنيب على من تلبس حجابًا رقيقًا أو تلفّ رأسها بطريقة جذابة للرجال, معتبرًا أنّ ذلك ينافي العفّة (٢) . وقد ورد هذا التنبيه الأخلاقي بصورة تعميميّة تنفي أن يكون خاصًا بالعذارى فقط؛ إذ جُعلت علّته العفّة, وهي واجبة على العذارى وغيرهن. وجاء النهي عن ترك احترام المواصفات الدينيّة للحجاب؛ مما يعني أنّ الحجاب فرضٌ في ذاته!

стр. 96

وصرّح قديس الكنيسة ((أوغسطين)) في رسالته إلى قسيس اسمه ((بوسيديو)) ((Possidio)) أنّ الذين هم ((من العالم)) -أي المنشغلين عن الآخرة بلذائد الدنيا الدانية-يبحثون عن الطريق لإرضاء زوجاتهم إن كانوا رجالاً, ويبحثن عن الطريق لإرضاء أزواجهن إن كنّ نساءً, أمّا النساء اللواتي يعملن بما أمر به الرسول (١) , فإنهن يغطين رؤوسهن وإن كنّ متزوجات. ((illi autem cogitant quae sunt mundi, quo modo placeant vel viri uxoribus vel mulieres maritis, nisi quod capillos nudare feminas, quas etiam caput velare Apostolus iubet, nec maritatas decet)) (٢) وقرّر في مؤلّفه ((حول أعمال الراهب)) ((De Opere Monachorum)) –كغيره من الآباء-أنّ على المرأة أن تغطي جسدها, بما فيه الرأس؛ لأنّها ليست صورة الله, بخلاف الرجل الذي قرّر الكتاب المقدّس أنّه صورة الله؛ ليكون ذلك علّة أخرى -مع الدعوة إلى العفة-, لفرض الحجاب على النساء. (٣) يوحنا ذهبي الفم يوحنا ذهبي الفم: ولد قديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) ((??????? ? ???????????)) سنة ٣٤٧م وتوفي سنة ٤٠٧م.. كان رئيس أساقفة القسطنطينية.. اشتهر ببراعته في الخطابة.. كان كثير التأليف.. من أهم كتاباته, تعليقاته المطوّلة على أسفار من الكتاب المقدس.. تعتبر

стр. 97

أقواله المحفوظة إحدى أهم المراجع المعتمدة في الكنائس التقليديّة لنصرة مذاهبها, ويكثر الاستدلال بكتاباته في مؤلّفات رجال الدين الكنيسة المصريّة المرقسيّة الأرثودكسيّة.. (١) الحجاب عند يوحنا ذهبي الفم: لقديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) مواعظ شهيرة, تعرّض خلالها لشرح نصّ الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١١/٤-٥: ((فَكُلُّ رَجُلٍ يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ، وَعَلَى رَأْسِهِ غِطَاءٌ، يَجْلِبُ الْعَارَ عَلَى رَأْسِهِ. وَكُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ، وَلَيْسَ عَلَى رَأْسِهَا غِطَاءٌ، تَجْلِبُ الْعَارَ عَلَى رَأْسِهَا)) وقد قال في التعليق على هذا النصّ إنّ ((بولس)) لم يأمر الرجل بكشف الرأس طوال الوقت, وإنّما فقط حال صلاته, لكنّه ((أمر المرأة أن تكون كامل الوقت مغطاة.)) (٢) وقال أيضًا في نفس الموضع: ((إذا كان حلق شعر المرأة مخز دائمًا؛ فإنّ كشفها شعرها يعدّ أمرًا يستحقّ دائمًا التوبيخ)) . (٣) في تأكيد على وجوب ملازمة المرأة لارتداء الحجاب! وعلّق على نصّ الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١١/١٠: ((لِذَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَضَعَ عَلَى رَأْسِهَا عَلاَمَةَ الْخُضُوعِ، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ.)) بقوله: ((يعني أنّه ليس فقط في وقت الصلاة, وإنّما عليها أن تكون دائمًا مغطاة)) . (٤)

стр. 98

وأضاف في وصف شكل حجاب المرأة في تعليقه على الرسالة الأولى إلى كورنثوس ١١/٦؛ بأنّ على المرأة أن تكون: ((محميّة من النظر, من كلّ جهة.)) (١) , وفي ترجمة انجليزية أخرى لنفس النصّ: ((ملفوفة من كلّ جهة.)) (٢) ؛ مما يعني أنّ قديس الكنيسة ((يوحنا ذهبي الفم)) يرى وجوب النقاب على المرأة النصرانيّة! وقرّر في تعليقه على ١ كورنثوس ١١/١٦ أنّ من عارض أحكام ((بولس)) -التي شرحها ((ذهبي الفم)) سابقًا-؛ فهو معارض بذلك للكنيسة نفسها. (٣) أمبروز أمبروز: ولد قديس الكنيسة ((أمبروز)) سنة ٣٣٧م وتوفي سنة ٣٩٧م.. كان أسقفًا لمدينة ميلانو.. يعتبر من أئمة اللاهوتيين في القرن الرابع.. كان له اهتمام بالجانب الأخلاقي النصراني,

стр. 99

بالإضافة إلى اللاهوت والليتورجيات.. من أهم مؤلّفاته: ((De officiis ministrorum)) وهو في ثلاثة كتب حول الأخلاق النصرانيّة.. (١) الحجاب عند أمبروز: تحدّث قديس الكنيسة ((أمبروز)) (٢) عن الحجاب في مؤلفه ((حول العذارى)) ((De Virginibus)) .. ودلّت عبارته فيه على أنّه يراه إلزاميًا لكلّ النساء؛ فقد قال في لغة صارمة, محذّرة: ((هل يوجد شيء أكثر إثارة للشهوة من الحركات غير اللائقة لعرض عري هذه الأعضاء التي غطّتها الطبيعة أو أمر العرف بتغطيتها, واللهو بإطلاق النظر, وإدارة العنق, وإرسال الشعر)) . (٣) وقال في كتابه ((حول التوبة)) ((De Paenitentia)) : ((لندع العرف نفسه يعلّمنا. تغطّي المرأة وجهها بنقاب للسبب الآتي؛ وهو أن يكون احتشامها محميًا في المكان العام, وألا يلتقي وجهها بسهولة مع تحديق الشباب فيه ... إذا كانت تغطّي رأسها بالخمار حتّى لا تَرى أو تُرى (ولو) عن غير قصد (لأنّه إذا كان الرأس مغطى؛ كان الوجه مغطى) , فكم بالأحرى أنّه عليها أن تغطي نفسها بثوب الحشمة؛ حتى إنّها تتخذ لنفسها في المكان العام مكانًا منزويًا secret place.)) (٤) توما الأكويني

стр. 100

توما الأكويني: ولد ((توما الأكويني)) سنة ١٢٢٥م وتوفي سنة ١٢٧٤م.. أكبر لاهوتي كاثوليكي في القرون الوسطى.. كان من أبرز الداعين إلى التعمّق في فهم تراث آباء الكنيسة (١) , خاصة ((أوغسطين)) , وله اطّلاع واسع على أقوالهم ومذاهبهم.. دَوَّن عامة أفكاره في كتابه ((الخلاصة اللاهوتيّة)) ((Summa Theologica)) حيث تعرّض إلى عامة القضايا اللاهوتية التي كانت تشغل أهل زمانه.. قرّر البابا ((ليون الثالث عشر)) سنة ١٨٧٩م في وثيقته ((?terni Patris)) أنّ أفكار ((توما الأكويني)) معبّرة عن المعتقد الرسمي للكنيسة الكاثوليكيّة.. (٢) الحجاب عند توما الأكويني: نقل قدّيس الكنيسة ((توما الأكويني)) الجزء الخاص بالحجاب في رسالة قديس الكنيسة ((أوغسطين)) إلى صاحبه ((بوسيديو)) –الذي ذكرناه سابقًا- دون أن ينكر معناه أو يردّ دلالته, وإنما أضاف أنّ المرأة إذا كانت تعيش في بيئة ترى وجوب الحجاب, فإنّها آثمة إن نزعته. وإذا كان العرف لا ينكر نزع الحجاب؛ فإنّ هذا العرف ((non sit laudabilis)) أي: ((غير جدير بالثناء)) , وإن لم تكن هي آثمة في هذه الحال. (٣)

стр. 101

ولا شكّ أنّه يلزم ممّا قاله ((توما الأكويني)) تأثيم النصرانيات في البلاد العربيّة؛ لأنّهن لا يرتدين الحجاب في بيئة ترى وجوبه! *** لم تحافظ الكنيسة بعد عصر الآباء على فريضة الحجاب, ونشأت فيها الرخاوة في الأحكام المحدثة. ولمّا ظهر التيّار البروتستانتي, شنّع أعلامه على الفساد الأخلاقي المستشري في البلاد بسبب فساد البابوات, وطُرِح أمر العفّة بالنسبة للنساء من جديد, وأبرَزَ عدد من أعلام البروتستانت أهميّة العناية باللباس كمظهر نصراني جدير بالعناية, وقد كان لهذا الفكر حضور في حياتهم الخاصة, فهذه ((Katharina von Bora)) زوجة ((مارتن لوثر)) قد التزمت بارتداء غطاء للرأس حتى بعد تركها للرهبنة, وكان كبار أعلام مؤسسي المذهب البروتستانتي يكبرون فضيلة الحجاب ((كجون نوكس)) ((John Knox)) , و ((كالفن)) الذي قال: ((إذا سُمِح للنساء أن يكنّ كاشفات للرأس, فسيؤول بهن ذلك إلى أن يستبحن كشف كامل صدورهن, وسيقمن بعرض أنفسهن وكأنّهن في استعراض وقح, سيكنّ صفيقات إلى درجة أنّه لن يكون هناك مجال للعفّة والحياء.)) (١) **** الحجاب في المجامع الكنسيّة: قرّر القانون الخامس في مجمع إيرلندي عقد في منتصف القرن الخامس ميلاديًا, بقيادة قديس الكنيسة ((باتريك)) , أنّ زوجة القسيس: ((لا بدّ أنّ تتحجّب عندما تخرج من البيت.)) (٢) في مراعاة لحرمة عورة زوجة القسيس. ****

стр. 102

الحجاب في التقليد الكنسي: مما يعجب له العاقل أنّ المنصّرين لا يستنكفون من التشهير بالمسلمات لتغطيتهن شعورهنّ؛ رغم أنّ هؤلاء المنصّرين أنفسهم يملؤون بيوتهم ودور العبادة التي يقومون عليها بصور ((مريم)) أمّ المسيح وهي ترتدي الزيّ الإسلامي.. مسبلة لباسها على عورتها.. فهلاّ سخر القوم, إن كانوا من أهل (العدل) و (الإنصاف) , من (أمّ إلههم) التي ترتدي نفس زيّ المسلِمات؟!! (١) وبالنظر في أهم الكتب القديمة التي تمثّل الأحكام التي فرضتها الكنيسة على النصارى في القرون الأولى؛ سنلاحظ بجلاء حضور (الحجاب) كفريضة ربّانية لا تعفى منها المرأة إذا تجاوزت عتبة بابها وكانت في محضر الرجال.

стр. 103

الدسقولية: يعتبر كتاب ((الدسقولية)) أحد أهم المراجع التعبّدية والتشريعية والسلوكية للكنائس الأولى وللكنيستين الأرثودكسية المصرية (١) والحبشيّة اليوم؛ وهو يضم –كما يزعم القوم-تعاليم عباديّة وسلوكيّة كثيرة لرسل المسيح الاثنى عشر (٢) , وقد جاء فيه إلزام المرأة بالحجاب:

стр. 104

((لا تتشبهن بهؤلاء النساء أيتها المسيحيات إذا أردتن أن تكن مؤمنات. اهتمي بزوجك لترضيه وحده. وإذا مشيت في الطريق فغطي رأسك بردائك فإنك إذا تغطيت بعفة تُصانين عن نظر الأشرار.)) (١) بل جاء التصريح بأمر النقاب: ((لا تستحم امرأة مؤمنة مع ذكور. واذا غطت وجهها فتغطيه بفزع من نظر رجال غرباء.)) !! (٢) وتبدو الترجمة السريانيّة أكثر وضوحًا في قولها: ((إذا كانت هناك حمّامات للنساء في المدينة أو الحي؛ فلا تذهب المرأة المؤمنة لتغتسل في الحمّامات مع الرجال؛ إذا كنتِ تغطين وجهك أمام الرجال الأجانب بغطاء العفّة, فكيف تذهبين مع الرجال الأجانب إلى الحمّامات؟)) (٣) وجاء أيضًا في ((الدسقوليّة)) : ((يكون مشيكِ ووجهك ينظر إلى أسفل, وأنت مطرقة مغطاة من كلّ ناحية.)) ! (٤) التراث الرسولي: كتاب ((التراث الرسولي)) ((Apostolic Tradition)) هو كتاب ينسبه التقليد الكنسي إلى قديس الكنيسة اللاهوتي الروماني ((هيبوليتوس)) (٥) , وتعتبره الكنيسة الأرثودكسية المصرية أحد أهم

стр. 105

مراجعها في العبادات الطقوسية, وهو ((يتحدث عن الأحكام الكنسية, وطقوس الرسامات, والرتب الكنسية, وخدمة الافخارستيا, والعماد)) (١) ويعكس حالها في القرن الثاني وبداية القرن الثالث. جاء في كتاب ((التراث الرسولي)) أنّ الحجاب الذي على المرأة أن ترتديه أثناء العبادة, لا بد أن يكون ثخينًا: ((وليس مجرد قطعة من الكتان؛ لأنّ ذلك ليس تغطية)) . (٢) ويقول صاحبا كتاب ((أصول المسيحيّة)) ((The Origins of Christianity)) إن الإلزام بارتداء الحجاب هنا, هو ((في كلّ وقت على الظاهر)) (٣) ؛ أي أنّه غير مخصوص بحضور القداس. (٤) المراسيم الرسولية: جاء في كتاب: ((المراسيم الرسولية)) ((The Apostolic Constitutions)) (٥) –وهو يعرف أيضًا في بعض المراجع العربية باسم ((الفرائض الرسولية)) - ويعود إلى القرن الرابع (٦) , وتعتبره الكنيسة الأرثودكسية المصريّة أحد مراجعها التشريعية الأولى:

стр. 106

((ولمّا تكونين في الشارع, غطِّي رأسكِ؛ لأنّك بهذه التغطية ستتحاشين أن يراك المتسكّعون.)) (١) ((إذا أردتِ أن ترضيه (عريسك السماوي) ؛ غطِّي رأسك لمّا تكونين في الشارع, غطّي وجهك لتمنعي النظرات الطائشة.)) (٢) وجاء في هذه الوثيقة في سياق آخر في عدم السماح للمرأة أن تستحم في أماكن يوجد فيها رجال: ((فإذا كان على المرأة أن تغطّي وجهها وأن تخفيه بحشمة عن الرجال الأجانب؛ فكيف تتعرّين في الحمام أمام رجال.)) (٣) المجموع الصفوي: جاء في كتاب ((المجموع الصفوي)) الذي يعدّ أحد أهم المراجع التشريعيّة للكنيسة الأرثودكسيّة المصريّة: ((إذا مشيت في الطريق فغطّي رأسك بردائك وتغطي بعفة؛ فإنك تصونين نفسك من الناس الأشرار, ولا تزوّقي وجهك فليس فيك شيء ينقص زينة. وليكن وجهك ينظر إلى أسفل مطرقة وأنت مغطاة من كلّ ناحية.)) (٤) .. وعلّل ذلك بقوله: ((لئلاّ تكون سببًا في إثارة الشهوة الرديئة في من ينظر إليها؛ فتجلب عليه الخطية؛ لأنه يكون مخالفاً للوصيّة: ((من نظر إلى امرأة ليشتهيها؛ فقد زنى بها في قلبه)) (متّى ٥/٢٧)) ) (٥) شبهة:

стр. 107

قد يقول قائل من النصارى إنّ ما قرّره آباء الكنيسة وما أثبته التقليد الكنسي, هو (١) مجرّد اجتهاد ظرفي, وهو (٢) خاص بالبيئة التي عاش فيها السابقون! الجواب: هذا الاعتراض هو في حقيقته هروب من مواجهة الحقيقة؛ لأنّ: ? أقوال آباء الكنيسة, خاصة إذا كانت مما هو مجمع عليه بينهم, تعتبر مصدرًا من مصادر التشريع المعصوم في الكنيسة الكاثوليكيّة والكنائس الأرثودكسيّة.. ولم نر من الآباء من نصّ صراحة على إباحة كشف الرأس, وقد نقل النقّاد الغربيون-ممن لا صلة لهم بالإسلام- إجماع الآباء على هذه الفريضة. ? لو فرضنا-جدلاً- وجود أقوال لآباء آخرين يرون وجوب السفور أو استحبابه أو جوازه, فإنّ ذلك لا ينفي أنّ أعظم الآباء كانوا يرون وجوبه. والأصل أن يؤخذ قول أئمة آباء الكنيسة, ولا تتبّع الاجتهادات التي يقول بها قلّة –إن وجدت أصلاً-! ? تؤمن طائفة البروتستانت -الرافضة لقداسة أقوال آباء الكنيسة- بحتميّة تسديد الروح القدس لكلّ اجتهاد حتّى يوافق الصواب.. وهاقد علمنا أنّ الآباء الذين هم أئمة الكنيسة وعظماؤها وأطهر من فيها (كما هو مُعتقد أئمة البروتستانت أنفسهم) , قد أجمعوا على أمر الحجاب, فهل كان روح القدس غائبًا عنهم لمّا قالوا ما قالوا؟!! ? لا توجد أيّة حجّة من كلام آباء الكنيسة أنهم كانوا يفتون لواقعهم فقط؛ بل كانت أقوالهم صريحة في أنّ اللباس الذي يتحدثون في شأنه, هو لباس المرأة في كلّ زمان ومكان.. وهو أيضًا نفس الأمر فيما يتعلّق بالتشريع الكنسي المبكّر.. ? العلّة الكبرى لضبط الآباء لحدود اللباس الشرعي للمرأة في النصرانيّة, هي منع الفتنة وردع التسيّب الجنسي, وهي علّة لا ينسخها تغيّر الزمان ولا تبدلّ المكان؛ لأنّ الفتنة بين الرجال والنساء, هي نفس الفتنة في كلّ زمان ومكان, ولأنّ الانحلال الجنسي مرذول في كل وقت وبيئة.. السؤال الذي يلحّ في فرض نفسه الآن هو: لماذا لا ترتدي المرأة النصرانية الأرثودكسية في مصر النقاب -أو تغطي جسدها كلّه عدا الوجه-؛ مادام الحكم بوجوب التقيّد بالحجاب قد ورد بصيغة

стр. 108

الإلزام والجزم في التقليد المتلقى من الرسل, هذا التقليد الذي قال في تعريفه بابا الكنيسة المصرية الأرثودكسيّة ((شنودة الثالث)) : ((هو كلّ تعليم وصل إلينا عن طريق التسليم الرسولي والآبائي, غير الكلام الذي ترك لنا كتابة في الكتاب المقدس, في موضوعات ربما لم تذكر في الكتاب, ولكنها لا تتعارض معه في شيء ما.)) (١) ووصفه بأنّه: ((حياة الكنيسة, أو هو الكنيسة الحيّة)) ؟!! (٢) ألا يعتبر -إذن- ترك الحجاب أو النقاب من طرف النساء النصرانيات في مصر؛ هدمًا للدين, وقتلاً ((للكنيسة الحيّة)) ؟!!! **** الحجاب في التاريخ النصراني: شهد معجم ((Dictionnaire des antiquités chrétiennes)) عند حديثه عن لباس النصارى الأوائل أنّه: ((عامة, كان الرجال يظهرون في الأماكن العامة برأس مكشوف, وكان النساء يرتدين الحجاب.)) ((En général, les hommes se montraient en public tête nue, et les femmes voilées)) (٣) , وفصّل معجم ((A Dictionary of Christian

стр. 109

Antiquities)) الأمر بقوله إنّ النساء النصرانيات كنّ يلبسن غطاءً للرأس يوافق أعراف بلادهن ومقامهن. (١) وتذكر الموسوعة البريطانيّة -الإلكترونيّة-لسنة ٢٠٠٨م في مقال: ((خمار)) ((wimple)) أنّ النساء في أوروبا منذ آخر القرن الثاني عشر إلى بداية القرن الرابع عشر, قد ارتدين-بصور واسعة- خمارًا يغطّي الرأس ويلتفّ حول الرقبة والخدين والذقن؛ متأثّرات في ذلك -كما تقول هذه الموسوعة- بالمسلمات, بعد عودة الجنود الصليبيين من بلاد المسلمين. (٢) ولم يكن هذا الشكل في اللباس بذلك مخالفًا لأحكام الكنيسة, بل هو موافق لأوامر الحجاب فيها من قبل, وقد استُجلِب من ناحية الشكل (كموضة) جديدة واردة من العالم الإسلامي. وكانت المرأة المصرية الأرثودكسية طوال تاريخها حتى بداية القرن العشرين, ترتدي الحجاب, كما نقلته ((فيبي أرمانيوس)) -التي يظهر من اسمها أنّها نصرانية- في مقالها عن المرأة في مصر ضمن كتاب: ((موسوعة النساء والثقافات الإسلامية)) ((Encyclopedia of Women and Islamic Cultures)) ((تاريخيًا, كان كل من النساء القبطيات والمسلمات يرتدين النقاب حتى

стр. 110

بداية القرن العشرين.)) ((Historically, both Coptic and Muslim women wore the veil until the turn of the twentieth century)) . (١) ونقلت لنا الموسوعة الإنجليزية ((The English Cyclopaedia)) الصادرة سنة ١٨٦٧م أنّ عامة النساء النصرانيات في مصر (القبطيات كما تسميهن) يرتدين النقاب في ذاك الزمان. (٢) بعض الفرق النصرانية اليوم - (المينوتيين) (٣) و (الآمش) (٤) على سبيل المثال -لازالت تحافظ على أمر ارتداء غطاء الرأس بأمر من رؤساء الكنيسة؛ بدعوى أنّ غطاء الرأس ما هو إلا رمز لخضوع المرأة للرجل وللربّ (٥) , وهو نفس التفسير الذي قدمه ((بولس)) في العهد الجديد.
следующие страницы →