← Акыда

Акыда · id 9209

الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة

عبد الرحمن الدوسري

Полный текст (161 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن يك ذا فم مريض ... يجد مراً به العذب الفرات فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدهما، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب وطاردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب ومبيضة للوجه ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق ودافعة للظلم وناصرة للمظلوم وقامعة لإخلاط الشهوات، حافظة للنعمة دافعة للنقمة ومنزلة للرحمة وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوجاع البطن، لأنها رياضة للنفس والبدن جميعاً تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة تتحرك معها أغلب المفاصل وينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء، زيادة على ما يجري فيها من إنشراح الصدر وقوة النفس والروح المعنوي الذي تقوى به الطبيعة، مما لا يقدر الملاحدة على إنكاره إلا حين المكابرة. والصلاة من أعظم وسائل الراحة والصبر، وهي مجلبة للرزق حافظة للصحة الحسية والمعنوية دافعة للأذى مطردة للأدواء - أدواء الشبهات والشهوات - مقوية للقلب مفرحة للنفس الزكية، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، لا سيما إذا

стр. 107

أعطيت حقها في التكميل ظاهراً وباطناً. فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة واستجلبت مصالحهما بمثل الصلاة لأنها صلة بين العبد وربه وعلى قدر صلة العبد بربه تنفتح له الخيرات وتنقطع عنه الشرور أو تقل. وما أبتلي رجلان بعاهة أو مصيبة أو مرض إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم. والمؤمنون حقيقة يجدون فيها الراحة والمتعة والسرور كما كان ﷺ يقول لبلال: (أرحنا بالصلاة) ، ويقول: (جعلت قرة عيني في الصلاة) . فالمؤمنون تقر أعينهم بالمثول بين يدي مولاهم في الصلاة أعظم مما تقر عيون أهل الدنيا بمقابلة حكامهم والحظوة منهم ولهذا كان علامة الإيمان المسارعة إلى الصلاة وعلامة صحة القلب وسلامته من أمراض الفتنة فرحته بالصلاة وتلذذه بطول إقامتها دون أن يخطر بباله الخروج منها وعلى العكس مريض القلب الذي إن صلاها فصلاته تشبه العادة يأتي بها من غير وعي وإحساس ويرتقب انتهاءها والخروج منها بسرعة حتى أن كثيراً من الناس يشكو الإمام الذي يطيل الصلاة ويهجر مسجده إلى غيره فمثل هذا لا ينتفع بصلاته إلا قليلاً. أما الأول فهو الذي تؤتي صلاته ثمارها الطيبة ونتائجها

стр. 108

الحسنة التي يتأثر بها في سلوكه لقوة صلته بالله وازدياد محبته وتعظيمه ومراقبته. فمن هنا كانت الصلاة تأمر صاحبها بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتجعل قلبه متقداً بالغيرة لدين الله والغضب لحرماته وحدوده فتندفع قواه وجوارحه لحمل رسالته وقمع المفتري عليه والقيام بإصلاح ما أفسده المبطلون في كل مكان شعوراً منه بأداء وظيفة الله في الأرض فيكون من ورثة نبي الله ﵊ لا من ورثة أعدائه. ٢) أما "الصبر" فهو نصف الإيمان. لأنه ماهية مركبة من صبر وشكر كما قال بعض السلف مستنداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ . والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وهو ثلاثة أنواع: ١) صبر على فرائض الله فلا يضيعها أبداً. ٢) وصبر عن محارمه فلا يرتكبها أو ينتهكها. ٣) وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها. وأركان الصبر ثلاثة: ١) حبس النفس على المكروه. ٢) وتحمل الأذى في سبيله.

стр. 109

٣) انتظار الفرج. ومن استكمل أنواع الصبر وأركانه فقد استكمل الصبر وكانت عاقبته الحصول على لذة الدنيا والآخرة، والفوز والظفر بما هو موعود فيهما، قال ابن القيم ما معناه: ولا يصل أحد إلى مقصوده إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط. وقد قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ا: (خير عيش أدركناه بالصبر) . وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر وناشئة عنه، وإذا تأملت النقصان المكتسب أيضاً وجدته من عدم الصبر، وكذا فإن صحة القلوب والأبدان والأرواح ترجع إلى الصبر، وكثرة أسقام القلب والبدن تنشأ من انعدام الصبر. ولو لم تكن في الصبر إلا أن معية الله مع أهله لكفى فإن الله مع الصابرين يؤيدهم ويقويهم ويثبتهم ويؤنسهم، ولا يدعهم في الطريق وحدهم، ولا يكلهم إلى أنفسهم ويتركهم لطاقاتهم المحدودة ما داموا متوكلين عليه حاملين لواءه، ويجلي هذا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، وقوله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ . وقول الرسول ﷺ : (إن النصر مع الصبر) .

стр. 110

وكرر الله ذكر الصبر والأمر به وحسن نتائجه في القرآن الكريم لأن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي يقتضيه حمل الرسالة والاستقامة على الطريق بين شتى النزعات والدوافع المختلفة، وضخامة المجهود الذي يقتضيه القيام على دعوة الله، والدفع بدينه إلى الأمام بين شتى الصراعات الفكرية والدموية، فلا بد من الصبر والمصابرة في هذا كله. وصبر المؤمن على طاعات الله ثم صبره في كف نفسه عن معاصيه يقويه في الصبر على جهاد أعداء الله، وعلى كيدهم والكيد لهم، ثم المرابطة على بطء النصر والمرابطة لارتجائه. ولئلا يضعف الصبر بطول المدة وكثرة المشقة أرشد الله عباده إلى الزاد والمدد الروحي فقرن الصلاة إلى الصبر وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ، فهي المدد الروحي الذي لا ينقطع، والزاد المعنوي الذي لا ينضب ولا ينفد، ويزداد القلب قوة يستسهل بها الصعاب، ويقرب عليه بها البعيد فتجدد طاقاتهم، ويمتد حبل صبرهم، وتكسبهم هذه الصلاة كمال الرضى والثقة واليقين، كما في يوم (الخندق) و (حنين) وغيرهما، ولهذا كان يكثر منها رسول الله ﷺ كلما حز به أمر، وكان مطلوباً من كل مسلم أن يأمر أهله بالصلاة كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، وقال ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع

стр. 111

سنين، واضربوهم على تركها لعشر ... ) ، وكان قيام الليل وتلاوة القرآن فيه مفتاحاً للقلوب، وطاقة للجوارح، كما قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ . هذا وقد أظهر الطب الحديث فائدة عظيمة للصلاة، وهي أن الدماغ ينتفع إنتفاعاً كبيراً بالصلاة ذات الخشوع، كما قرر ذلك فطاحل الأطباء في هذا العصر، وهذا من بعض الأسباب التي يرجع إليها قوة تفكير أساطين الصحابة الكرام، وسلامة عقولهم، ونفوذ بصيرتهم، وقوة جنانهم، وصلابة عودهم، فكانوا بذلك معجزة بين الأمم فلم يخلفهم مثلهم إلا قليل نادر. ولا شك أن الذين يتجهون بكل حب وتعظيم إلى القوة المطلقة إلى ذي الحول والطول جل وعلا، ويخرون للأذقان سجداً لعزته وسلطانه وشكراً لنعمته وإحسانه، ولا شك أنهم يكونون موصولي السبب بجنابه العظيم فيستمدون منه جميع قواهم كما قال ﷺ في الحديث القدسي عن ربه تعالى (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) وقال أيضاً: (فبي يسمع، وبي يبصر، بي يبطش ... الخ) وأحاديث كثيرة في هذا المعنى. فالصلاة من أكبر العوامل التي تربي

стр. 112

الشخصية وتجعلها ربانية التصور، وربانية الشعور والوعي، وربانية السلوك والتصرف. ثم إن في الصلاة منفعة عظيمة، وعلاجاً واقياً وشافياً من شر ما يصاب به الإنسان في حياته الاجتماعية وهو الشح والجبن الذي نبه الله عليه ورسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ . وقال ﷺ : (شر ما أوتي العبد شح هالع أو جبن خالع) . فالشح يبذر الهلع والفقر في القلب، ويجعل صاحبه فقير القلب مهما استغنى كما وصفه النبي ﷺ : (بأنه كالذي يشرب ماء البحر) ، فإنه لا يروى بل يزداد عطشه وغلبته. وأما الجبن فإنه يروث الخوف والذعر الذي يتزايد بصاحبه، حتى يكون عند المصائب والحروب كالذي يغشى عليه من الموت، وفي الأمن والرخاء حديد البصر ذلق اللسان، مثل المنافقين المعوقين الذين فضحهم الله في سورة الأحزاب. وقد يكون الجبان كسولاً. عادم الإرادة ولهذا ورد في الحديث تعليم النبي ﷺ لأبي أمامة أن يدعو بهذه الدعوات: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل وضلع الدين وقهر الرجال) ، فإنها ثمانية أشياء كل اثنين منها قرينان مزدوجان، فالهم والحزن أخوان، والعجز والكسل أخوان، والجبن والبخل أخوان،

стр. 113

وضلع الدين وقهر الرجال أخوان. والمصلي الصحيح الذي يقيم الصلاة حق إقامتها ينجيه الله ويعيده من هذه الأمور لكثرة ما يسبّحه ويستغفره، ويوحده ويحمده، ويعترف بذنبه وبعبوديته لربه، وقد قال الله تعالى عن نبيه يونس ﵇: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وللصلاة وشروطها فوائد ومزايا، وحكم بالغة غير ما ذكرته لا أحب الإطالة بذكرها هنا لأني أفردت لها رسالة مستقلة ولله الحمد والمنة.

стр. 114

جواب سؤال: الأَخذ بالأسباب وعلاقة ذلك بالإيمان بالغيب مما لا شك فيه أن الغيبيات نوع من المخرج السهل من الضيق والأزمات، بدلاً من تعميق التفكير في الأسباب والمسببات، وهو الطريق الصحيح للخروج من الضيق والأزمات. ولقد مرت الأمة الإسلامية في فترات صعبة كثيرة، وكانت تخرج من الضيق والأزمات بالتفكير المستنير لاجتياز تلك الأزمات، بمعرفة الأسباب والمسببات، وبالتالي التفكير في الأسباب والمسببات. ولكنها في العصر الهابط وما بعده اختلط عليها التفكير من جراء الغشاوات التي غشت العقول وحرفت الأفكار، فغشا فيها نوع من الغيبيات أقعدها عن التفكير المستنير، فلجأت للغيبيات وسلكت طريق المخرج السهل، فأدى ذلك إلى عدم وجود القدرة لديها لاجتياز الفترات الصعبة، فازدادت الصعوبات وطالت مدة الفترات الصعبة، فوقعت في المحذور إلى أن انهارت. واختيار المرء للمخرج السهل طبيعي في الإنسان من حيث هو إنسان، ولذلك فإن سلوك المخرج السهل، أيا

стр. 115

كان، سواء أكان الغيبيات أو غيرها، إلا أن الغيبيات أشد خطراً على بني الإنسان من أي شيء آخر. ولذلك فإن اللجوء إليها يصيب المقتل ويكون مدمراً للإنسان. والثغرة التي يدخل منها اللجوء إلى الغيبيات لدى المسلمين؛ هي الإيمان بالقضاء والقدر، واليقين بأن الله هو الذي يخلق كل شيء ويفعل كل شيء. فكان المخرج السهل أن يتكل المرء على المقدر ذلك إن الأمر مقدر، وأن الله هو الفعال، فلتكن مشيئة الله، وليكن ما أراده الله. هكذا بكل بساطة يجري القعود عن التفكير بالأسباب والمسببات ويستسلم للأقدار. والحقيقة هي أن الله كما قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ ، قد قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ ، وكما قال: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ، وقد قال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ . والحقيقة كذلك هي: إن الله أراد بنا أشياء وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فنحن لم نطلع على قدر الله لأنه مطوي عنا، فلا نعلمه ولا يمكن أن نعلمه، وأما ما أراده

стр. 116

منا فقد أمرنا بالقيام به، أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا وأراد منا قتال الكفار وقتال البغاة وإن كان يعلم أننا سنهزم أمامهم. وأراد منا أن نكون دولة واحدة ولو في الأرض كلها وإن كان يعلم أن المسلمين سيكونون دولاً متعددة، وإن البقعة الصغيرة ستكون عدة دول. وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا، وإن كان يعلم أن بأسننا بيننا سيكون شديداً. قال ﵊: (سألت الله ثلاثا: فأجابني باثنتين، ولم يجبني في الثالثة: سألته أن لا يهلك أمتي بالطاعون فأجابني، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنين - القحط - فأجابني، وسألته أن لا يجعل بأس أمتي بينها شديداً فلم يجبني) . فالله حين يأمرنا بشيء لا يعني إنه لم يقدر علينا ضده، وحين ينهانا عن شيء لا يعني إنه لم يكتب علينا خلافه، فنحن لسنا مأمورين بما قدره لنا أو كتبه علينا، وإنما مأمورون بتنفيذ ما يأمرنا به، بغض النظر عما هو مقدر لنا ومكتوب علينا. والغيبيات هي الاستسلام لما نزعم أنه مقدر علينا ومكتوب لنا، وعدم القيام بما أمرنا به من الله. ذلك أن الاستسلام أسهل من تنفيذ الأوامر، والمرء بطبيعته يختار الأسهل الأهون على الأشد الأصعب. لهذا يختار الاستسلام على الاضطلاع بالأشق الأصعب،

стр. 117

ويتخذ الإيمان بالقدر تكئة لهذا الاختيار. إن الله أمرنا بالإيمان بالقدر خيره وشره، ولكنه لم يعلمنا بما قدره لنا وكتبه علينا. بل أمرنا بأوامر ظاهرة ونهانا عن نواه معينة، أعلمنا بها، وبينها لنا، فخلط الإيمان بما أمرنا أن نؤمن به، بالأوامر التي أمرنا بتنفيذها، هو الذي يلبس علينا وجه العمل وكيفية السير. لذلك كان هذا الخلط هو الذي تتسرب إلينا منه الغيبيات، وهو الذي يسهل اتخاذ هذه الغيبيات تكئة لاختيار الأسهل الأهون على الأشق الأصعب. لذلك كان هذا الخلط هو الذي يأتي منه خطر الاستسلام، وخطر القعود عن الأعمال. صحيح أن الله هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، ولكن الله جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها وجعل للأشياء قوانين تتشكل بحسبها وتتحول أو تبقى وفق هذه القوانين. وهو وإن كان قادراً على خرق هذه النواميس، وتلك القوانين، ولكنه لا يخرقها إلا لنبي، ولا ينقضها إلا لرسول. فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين، لا يعني إنه سينصر المؤمنين وهم لا يأخذون بأسباب النصر، لأن النصر بدون الأخذ بأسبابه مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل، فكون الله قادر على الشيء لا يعني أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه. فقدرة الله هي صفة خاصة به، وقدرة العبد خاصة به، ولا علاقة لها

стр. 118

بقدرة الله. فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها، وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله هو الذي يعمل على القعود، وهو الذي يحذر الأمم والشعوب. إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي يقر بأنه ناصر من ينصره، وهذا نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فالإيمان به فرض، وإنكاره كفر، ما في ذلك شك، ولكن خلط هذا الإيمان بالعمل يقعد من ينصر الله عن العمل لأنه سينصره حتماً. فمن ينصر الله قد أمره الله بالعمل، ومع أنه أعلمه بأنه سينصره ولكنه في نفس الوقت أمره بالعمل، فاعتماده على وعد الله، وعدم قيامه بالعمل، هو عصيان الله وليس نصراً له. فقعوده عن العمل ينفي عنه إنه ينصر الله، ولذلك فإن عدم النصر لمن يدعي أنه ينصر الله ولا يعمل، لا يعني أن الله قد أخلف وعده، بل يعني أن الرجل بعدم قيامه بما أمر الله من اتخاذ أسباب بالنصر، فقد عصى الله فخرج عن كونه ينصر الله، لأن نصر الله هو القيام بأوامره واجتناب نواهيه، ولذلك فإن الله لن ينصره، ما دام لم ينصر الله بالقيام بما أمره به من الأعمال. فالخلط بين الإيمان بما أمر بالإيمان به، وبين القيام بما أمره الله به من الأعمال، يؤدي إلى الحرمان مما وعده الله به من جراء القعود وعدم العمل. وإقامة دولة أي دولة، في جماعة أي جماعة، لها قوانين ونواميس، وهي أن تتقبل تلك الجماعة أو الفئة الأقوى فيها

стр. 119

للمفاهيم والمقاييس والقناعات التي تقوم عليها تلك الدولة، وما لم تتقبل تلك المفاهيم والمقاييس والقناعات لا يمكن أن تقوم فيها الدولة. ولو تسلط عليها متسلطون، وتولى السلطة فيها أقوياء. فالأصل في إقامة الدولة هو تقبل الجماعة أو الفئة الأقوى لتلك المفاهيم والمقاييس والقناعات فالخطوة الأولى هي المفاهيم - والمقاييس والقناعات - هذه هي نواميس الجماعات، وهذه هي قوانين الحكم والسلطان. فهذه القوانين مشاهدة منظورة، فمحاولة تجاهلها، وأخذ السلطة بالقوة والقهر، لا يمكن أن يوجد الدولة، وإن كان يمكن أن يوجد المتسلطين إلى حين. وإزالة الدولة المستعمرة عن البلاد التي تستعمرها، لها قوانين ونواميس، وهي أن تكون لدى من يعملون لإزالتها، القوة المادية التي تتغلب على قواها المادية، والقوة الفكرية التي تمكنها من إدراك الأحابيل وإدراك معنى القوة المادية. فما لم توجد القوة الفكرية والقوة المادية لا يمكن إزالة الدولة المستعمرة، وانتفاضات الأمم مهما عظمت لا يمكن أن تزيل الاستعمار ولو كان عدواً لله، لذلك لا بد من معرفة قوانين ونواميس الله في التسلط والاستعمار. وهكذا كل شيء في الوجود. فالله تعالى، قد خلق الوجود، وخلق له قوانين، وخلق الناس وخلق لعيشهم قوانين. وأمرهم بأوامر ونهاهم عن نواه، فيجب أن لا

стр. 120

يخلطوا إيمانهم به، بما أمرهم ونهاهم أي أن لا يخلطوا ما أمرهم بالإيمان به من الأمور، بما أمرهم بالقيام به من الأعمال، فهذا الخلط هو الذي يسبب الغيبة ويتخذ تكئة للجوء إليها. فهو لم يأمرهم بالعمل على أنه قادر على خرق القوانين والنواميس، وهو أمرهم بالإيمان بوجود الجنة والنار، ووعدهم بالرحمة والغفران، ولكنه لم يأمرهم بالعمل بالجنة والنار ولا بالعمل بما وعدهم. بل أمرهم بالعمل بما يدخل الجنة ويقي من النار. وأمرهم بعدم الاعتماد على رحمته فهو رحيم، ولكنه كذلك منتقم، يعاقب العاصي ويثيب الطائع. فيجب أن لا يخلطوا بين ما أمرهم بالإيمان به، وما أمرهم بالعمل فيه. لذلك يجب أن يفرقوا بين ما أمرهم بالإيمان به، وما أمرهم بالعمل فيه. فالغيبيات كلها تأتي من الخلط بين ما يجب التصديق به تصديقاً جازماً، وبين ما يجب القيام به من الأعمال فإذا لم يوجد هذا الخلط لم توجد الغيبيات، لذلك يجب التفريق بين ما يجب الإيمان به وما يجب العمل به وما لم يحصل هذا التفريق ويتقي الخلط فإنه ستظل الغيبيات تتسرب إلى النفوس وستظل الناس تتخذ الغيبيات تكئة للخروج إلى الأسهل الأهون في الضيق والأزمات، ولا سيما في الفترات الصعبة من الحياة. ٥ من صفر، سنة ١٣٩٤ هـ ٢٧ / ٢ / ١٩٧٤ م

стр. 121

س) كيف بمن يقول: (الدين مصدر الطائفية والشقاق ... الخ) ؟ ج) هذه فكرة ركزها الاستعمار في تعليمه الثقافي، الذي هو امتداد للحروب الصليبية وتلقاها بالقبول والتشجيع أصحاب المبادئ القومية والمبادئ المادية والنحل الوثنية المطلية بشعارات يستحسنها الذين نسوا حظاً مما ذكروا به. والدين الإسلامي الصحيح على العكس مما رموه به، فهو مصدر الوحدة الصحيحة وتحقيقه سبب العز والتمكين، والتضامن والتراحم. وأي طائفية في دين يقول لأهله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . وإنما تتكون الطائفية من الإفتراء على الله سواء كان بحجة دين كاذب، أو مذهب مادي أو وثني يصبغ بطلاء الجنس والوطن. ولو أخلصوا لله واتبعوا محمداً الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما حصلت طائفية كالصدر الأول من الإسلام في الوقت الذي لم تأخذ المادة في قلوبهم محلاً. فلما احتلت المادة والأنانية مكانها في القلوب لعبت السياسة دورها في بث التفرقة والشقاق باسم مذهب وأسرة، وباسم ملة ونحلة وفلسفة، هذا مع التظلم من الأوضاع والتنديد

стр. 122

بالمسئولين، واختلاف الأكاذيب، وتزوير الوثائق والمكاتيب لإضرام نار الفتنة والتخريب حتى جاء دور الحروب الصليبية الغاشمة البشعة وما أعقبها من تعصبات مذهبية ظاهراً، وتعسف سياسي ومكر ومؤامرات لئيمة تصبغ بأسماء مذهبية، على الرغم من حسن معاملة المسلمين مع الغزاة المغلوبين، والخونة المجاورين من أولئك. وكل هذا امتاد لما قيل من الدسائس السياسية ضد السلام ليشغلوا أهله في أرضهم بذلك، فيبقى كالمريض في بيته. فما يرى من مظاهر الطائفية المذهبية هو في الحقيقة مبادئ وأحزاب سياسية مطلية بطلاء المذهبية المختلفة، فالجريرة إذن هي على السياسة الماكرة الكافرة لا على الدين الصحيح الذي هو أساس الوحدة بجميع معانيها. ثم الصليبيين لما عجزوا عن محاربة الإسلام بالسيف غزوه غزواً ثقافياً بذلوا به الأموال الطائلة للمبشرين، ولما أخفقوا بعد مجهودهم الكبير وأيقنوا استحالة تنصير المسلمين أبرموا الأمر لإخراج أبنائه منه فقط دون أن يتشرفوا في الدخول إلى المسيحية - بزعمهم - بل يعيدوهم إلى حروب وثنية، ومن تقديس الجنس والوطن واستبدال حدود الله بحدوده، وحماية كيان القوم بدل حماية دين الله، واستبدال محبة الله ورسوله بمحبة هذه الطقوس والشعارات،

стр. 123

ودعوى العمل للوحدة التي تجمع الفرق تحت اسم "القومية" بدلاً من "الدين". و (لـ) تبرير خطتهم الأثيمة وتغطية باطلهم على الناس السطحيين، رموا الدين بدائهم هم رموه بالطائفية وهم بها أقوم وألصق. وتحمس لهذه الفكرة لفيف من النصارى ليخدعوا بها المسلمين على حساب الدين الإسلامي الصحيح الذي بشر عيسى به - فكذبوه - واعترف بكرامة عيسى وأظهر براءة أمه، فجرت فتنتهم هذه على حساب هذا الدين لا على حساب دينهم المزعوم الذي يبرأ منه عيسى وكل نبي. وقد حمى الله الوحدة والعزة والتمكين بتحقيق دين محمد ﷺ وكتب الشقاق على من تنكبه وتولى عنه، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ... ﴾ ، فحصر الله حالتهم من الشقاق. كما هو واقع بينهم الآن على الرغم من زعم الوحدة الكاذبة.

стр. 124

س) سائل يقول: أنا مسلم مؤمن أصلي وأصوم ولكني أؤمن بالاشتراكية وأعتقد أنها حق، فهل يقدح ذلك في ديني ؟ ج) الحمد لله رب العالمين. أولاً: إن الإيمان ليس مقصوراً على الصلاة والصوم ونحوهما، بل لا بد في الإيمان

стр. 125

من تحكيم شرع الله والرجوع إلى حكمه في جميع شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. قال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... ﴾ ، وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ... ﴾ . وقال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ، والنصوص في هذا كثيرة من الكتاب والسنة. وعلى السائل أن ينظر في منشئ ما يسمى بالاشتراكية وفلسفتها وطقوسها ليعرف المرجع فيها، هل هو إلى الله ورسوله أو إلى طواغيت اليهود الماكرين من (كارل ماركس) و (لينين) وإلى أتباعهم من كل ملحد منكر لله ورسله مستهزئ بالأديان سوى دين اليهود ومن كل سياسي عابد للمادة والقيادة قد صيرته أغراضه إلى ذلك؟ فللإسلام أحكامه المغنية لأهله عن كل مذهب ومبدأ مرجعها كتاب الله وسنة رسوله، ولا تلتقي مع غيرها في جوهرها وحقيقتها، إلا بالتأويل الفاسد، الذي هو من فروع تحريف اليهود وأشباههم للكلم عن مواضعه.

стр. 126

وقد حصر الله منبع المسلمين المؤمنين على القرآن والسنة وقصر أخذهم عليهما وحرم عليهم طاعة الكفار والاقتباس منهم والتشبه بهم بجميع أنواعهم. ثانياً: لا بد للمسلم المؤمن بالله وما جاء عنه، من الكفر بالطاغوت بجميع أنواعه والطاغوت في اللغة مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، تقول العرب: (طغى السيل) أي جاوز ماؤه حافتي الوادي، و (طغى الماء) إذا جاوز مده قامة الإنسان بحيث يغرقه، ومن ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ . فالله حد لبني الإنسان حدوداً في كل شيء من أمور الحياة فمن جاوز حدود الله وتعداها فقد طغى، قال الله تعالى ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ . وكلمة الشهادة "لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" مكونة من النفي والإثبات، فالنفي يقتضي الكفر بالطاغوت المتجاوز لحدود الله والذي آلهه بعض الناس من دون الله بطاعة أمره وإباحة ما يبيحه من الحرام وتحريم ما يحرمه من الحلال. ولما تلا رسول الله ﷺ على عدي بن حاتم قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، قال عدي: إننا لم نتخذهم أرباباً!!، فقال رسول الله ﷺ له (أليس يحلون لكم ما حرم الله فتستحلوه ويحرمون عليكم ما أحله الله فتحرموه؟) ، قال: بلى، قال: (فتلك عبادتهم) ، فجعل طاعتهم من دون الله عبادة لهم وجعلها

стр. 127

معنىً اتخاذهم أرباباً من دون الله. وطواغيت هذا الزمان من أنواع الاشتراكيين والقوميين الماديين يبيحون لشعوبهم ما حرمه الله من الخمور والزنى والقمار والربا وسائر الملاهي والفواحش، فتستحلها شعوبهم ولا يستهجنها إلا القليل، وأكثرهم يحبذها ويفرح بها. ومن ناحية أخرى يحرمون عليهم الحلال من التكسب والتملك، ويسدون عليهم أبواب الابتغاء من رزق الله ويصادرون الممتلكات الحرة تأميماً، بحجة الاستغلال تحريماً منهم للحلال، فيحرمه الكثير من غوغاوية شعوبهم بجميع أنواع الطاغوتية والتسلط، فالذي يحبذ فعلهم ويؤمن بما يسمونه إشتراكية يكون مؤمناً بأنواع الطاغوت، غير كافر به، كما أمر الله، قال الله سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ ، ومن لم يكفر بالطاغوت لم يحقق التوحيد، بل كان مناقضا لمدلول "لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . فإذا اعتقد أن ما يسمونه إشتراكية هو من دين الله أو مطابق لوحيه فقد زاد بذلك افتراءً على الله وكانت جريمته أشد من جريمة المشرك، وحينئذٍ نقول له على سبيل التنزل

стр. 128

وتوضيح خطئه: إذا كنت تعتقد أن اشتراكيتهم المزعومة من دين الله أو على طريقة وحيه، فهل دين الله ووحيه يبيح الخمور التي أباحوها وأكثروا من مصانعها وحموا باعتها وشاربيها بل جعلوها مخففة لعقوبات الجرائم أو مسقطة لها؟ وهل من الدين إباحتهم للزنى بحال الرضى وتشريع القوانين المعفية لمرتكبه من إقامة حدود الله؟ هل هذا من الدين؟ أو هذا يعتبر في العرف الشرعي والعربي الأصيل ديانة؟ فهذا الذي يزعم أنه مسلم مؤمن سينكر ذلك ويعلن أمامنا تحريمه والله يعلم بما يبطن وحينئذِ نقول له: يجب عليك أن تبغض من هذه صفته وتعاديه وتشك في جميع ما يزعمه من الإصلاحات الأخرى على الأقل إن لم تكفر بها، فكيف تعلن إيمانك بما يسمونه إشتراكية وتعتقد أحقيتها، والمشرع لها ليس أميناً في دينه على الأقل، بل هو من القسم الذي ذكرناه؟ وبهذا يتضح ثالثها: وهو أن هذا السائل حكم إيمانه بما يسمى الإشتراكية لم يدفعه إلى الإيمان بها إلا محبته لمن انتحلها وتبناها، وأجزم جزم اليقين أن هذه الإشتراكية المزعومة لو تبناها (قاسم العراف) لكان هذا السائل من أول الكافرين بها والمبغضين لها، فأصبح قبول أمثال هذا نابعٌ من محبته للأشخاص الذين انصرف قلبه إليهم من دون الله حتى صاروا كالأنداد، قال الله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ

стр. 129

يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ... وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ . ولا شك أن الحب يعمي ويصم وأن للدعاية وسحر البيان تأثيرهما القوي وأنه لولا شعبية المحبوب الذي تبنَّى ما يسمى بالإشتراكية وقوة دعايته وتأثير أهل قطره أيضاً لما راجت هذا الرواج فإن مصر لا ينكر تأثيرها على العالمين العربي والإسلامي ولذلك صارت أكبر هدف للغزو الفكري والعسكري قبل هذا القرن. وبالجملة فعلى السائل المحترم - طهر الله قلبه - أن ينظر في مراجعها لدى التطبيق ولا يغتر بتسميتها عربية، بل ينظر هل لهم مراجع في تطبيقها غير ما كتبه طغاتها اليهود (ماركس) و (لينين) واتباعهما ممن اجتهدوا في تفسير أقوالهما؟ أم لها مرجع وحيد يستقى من كتاب الله وسنة رسوله حتى يتقبلها المسلم؟ فإن كان الأمر على الأول فلا يجوز للمسلم بتاتاً قبولها بل يجب عليه رفضها من الأساس. ولا يشك عاقل أن مراجعهم كلها من تلك الطواغيت وحينئذٍ يكون رفضها من مستلزمات الشهادتين اللتين لا يصح إيمان المسلم بدون السير والعمل على مدلولهما ولله در الخليفة الثاني عمر الفاروق حيث قال: (إنما ينتفض الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) . والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد

стр. 130

س) جواب عن وجوب الجهاد، هل هو الآن في الفور أم لا ؟ ج) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين. أما بعد: فإن الجهاد هو ذروة السنام من الدين ووجوبه مُحتَّم على القادرين، والناكص عنه مع القدرة على خطر من دينه. وقصة الثلاثة الذي خُلّفوا مشهورة وخطيرة وجديرة بالاعتبار. وأنا ممن يقول أن وجوبه للهجوم، لا للدفاع، كما يقوله المهزومون، هزيمة عقلية، ممن انطبعوا بدعايات المستشرقين، من أن الإسلام قام بالقهر والسيف، ونسوا أن يردوا عليهم من واقعهم ويُوضّحوا هدف الإسلام من الجهاد، كما سلكه العلاّمة المودودي وغيره، لا أن يضربوا بكتاب الله بعضه ببعض ويجعلوا الآيات المكية وما نزل أول الهجرة قاض على الآيات المدنية الأخيرة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ما معناه: أنه لا يوجد بين آيات الجهاد والصفح تعارض يوجب القول بالنسخ، وليس فيها شيء منسوخ قطعاً ولكن يُصار إلى الآيات المكية في حالة ضعف المسلمين وإلى الآيات المدنية في حالة قوة المسلمين حسب التفصيل بالتدرّج الذي لا يتحطم به كيانهم،

стр. 131

وقد قال ﵊: (بعثت بالكتاب الهدي والسيف القاهر) ، أو كما قال، فإني نقلت كلام الشيخ بالمعنى لأني لم أستحضر المرجع حين هذه الكتابة. وليس الهدف من تحتيم الجهاد إكراه الناس على الإسلام كما زعمه الملاحدة، وانصبغ به المهزومون. وإنما الهدف من تحتيمه أن تكون كلمة الله هي العليا وذلك بإقامة حكم الإسلام وتحكيم شريعة الله وقمع المفتري عليه، حتى لا تكون فتنة بل يكون حكم الله ظاهراً قاهراً يمنعها، كما قال ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ . فلم يقل سبحانه لعباده الكتلة الشرقية أو الغربية مولاكم، لأنه لا يرضى منهم أن يستنصروا بالكفر، بل قال ﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾ ، وقد قال في الآية (٥٦) من سورة المائدة ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . أما إعتناق العقيدة؛ فهذا موكول إلى الضمير ولا إكراه في الدين، حتى لا ينتشر النفاق الذي هو أخطر من الكفر الصريح. هذا وإن شبهات القائلين بأن الجهاد للدفاع هو كون

стр. 132

وجوبه على أربع مراحل فاضطربت أفكارهم مع ما فيهم من الهزيمة العقلية، والله من وراء القصد. وهذه المراحل ذكرها الإمام ابن القيم وغيره: فأولها: الإذن، الذي هو بمعنى الرخصة، وذلك في قوله في سورة الحج ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ . ثم جاء الثاني على سبيل الوجوب؛ وهو قتال من يقاتل المسلمين، بقوله سبحانه ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ فأمر الله المسلمين بقتال من يقاتلهم، ولعلماء التفسير تفسيران لهذه الآية. أحدهما: قتال المحارب الذي يبدأ بالقتال. وثانيهما: قتال كل قادر تهيأ للقتال من جميع الكفار بخلاف الصبيان والشيوخ والعجزة والنساء اللاتي لم يقاتلن، وفسروا قوله ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ بقتل من لا يقدر على قتالكم. ثم جاءت المرحلة الثالثة بوجوب قتال الكفار جميعاً إلا من كان مرتبطاً مع المسلمين بعهد وميثاق. ثم جاء الدور الرابع بالبراءة من عهود الكفار، كما افتتح الله سورة التوبة بذلك، وأمرهم بإمهالهم أربعة أشهر ينظرون فيها أمرهم، فإما أن يسلموا أو يخضعوا لحكم الإسلام ويدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وإما أن يُقاتلوا بعد انسلاخ الأشهر الحرم الجديدة التي

стр. 133

فيها إمهالهم، وليس المقصود بها الأشهر الأولى المعروفة بالشهور الحرام. فهذه مراحل إيجاب القتال، ولكن للمسلمين أن يفهموا أن الجهاد أربعة أنواع: ١) جهاد الشيطان. ٢) جهاد النفس. ٣) جهاد الكفار. ٤) جهاد المنافقين. فأما جهاد الشيطان: فبتكذيب وعده ومعصية أمره وارتكاب نهيه فإنه يَعِدُ الأماني ويمني الغرور ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء وينهى عن الهدى والتقى والعفة وكل خلق جميل قال تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً﴾ . والأمر باتخاذه عدواً تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ومجاهدته لأنه العدو الذي لا تفتر عداوته على عدد أنفاس المسلم. وأما جهاد النفس: فهو مقدم على جهاد العدو الخارجي وأصل له، فإن من لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أمرها الله به وتترك ما نهى عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه الخارجي. وكيف يتمكن من جهاد عدوه الخارجي وهو مهزوم من الداخل من عدوه الذي بين جنبيه المتسلط عليه؟

стр. 134

والذي لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج، ولهذا قال ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ ، فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه فيسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله فيكون كله لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه. ومن يحقق الجهاد النفسي جهاد النفس والشيطان تحصل له قوة وسلطان وعُدّة معنوية يجاهد بها أعداء الله وأعداءه في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله لتكون كلمة الله هي العليا وحينئذٍ يكون في معية الله فيظفر بالنصر، فإن الله مع المتقين ومع المحسنين ومع الصابرين ومع المؤمنين يدفع عنهم ما لا يدفعون عن أنفسهم بل بدفاعه عنهم ينتصرون على عدوهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولولا دفاعه عنهم تخطفهم عدوهم واجتاحهم. وهذه المدافعة عنهم بحسب إيمانهم وصدقهم معه ، فعلى قدر الإيمان تكون المدافعة، فإن قوي الإيمان قويت المدافعة والعكس بالعكس. وليعلم أهل الجهاد أنه لا بد لهم من عدة أمور: أحدهما: جهاد النفس وهو على أربع مراتب: ١) أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق حاصراً مهمته في ذلك على المنهل النبوي.

стр. 135

٢) أن يجاهدها على العمل بما علمه من وحي الله المبارك لأن مجرد العلم بلا عمل خطيئة كبرى. ومن عمل بما علم أورثه الله على ما لم يعلم كما في الأثر. ٣) أن يجاهد نفسه على الدعوة إلى الله وتعليم وحيه من لا يعلمه لأن من لم يقم بهذا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى. فالدعوة إلى الله من أعظم ضروب الجهاد ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب الله حتى يكون داعياً به إلى الله. ٤) أن يجاهد نفسه على الصبر على مشاق الدعوة وتحمل أذى الناس في سبيل الله، فإن الدعوة إلى الحق والصبر عليه من ضروريات الدين ومن استكمل هذه المراتب كان من الربانيين، قال ابن القيم ﵀: (السلف مجمعون على أن العالم لا يسمى ربانياً حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلَّم فذاك يُدَّعى عظيماً في ملكوت السماء) . ثانيهما: تكوين قيادة إسلامية على أعلى المستويات في القوة والصلابة والحزم والتوكل على الله واستصغار كل قوة دون الله متطبعة بقوله تعالى ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ وألا تضيع جهودها وطاقاتها تحت القيادات العلمانية كما ضاعت في حروب فلسطين حين رفضت فيها تلك القيادات نصر

стр. 136

الله واستجابت لزعماء الكفر في إيقاف القتال. وقد وردت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ومن قاتل تحت راية عميّة ... فليس مني ولست منه) ، وقال: (إنه من جنى جهنم وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) ، فتكوين القيادة المسلمة المستقلة من ضروريات الجهاد والدين. ثالثهما: تحري مَهجَر يُهاجر إليه من حقق الجهاد النفسي ليكون منطلقاً ينطلقون منه بعد كمال تربيتهم على ما يحبه الله ويوجبه. أما بقاؤهم في وسط المجتمعات الجاهلية والقيادات العلمانية فإنهم يُمدونها بعناصر القوة والبقاء فتكون حياتهم لصالح أعدائهم لا لصالح دينهم وعقيدتهم ويكونون لتلقي الضربات والتعذيب والإساءة إلى تاريخهم بكل تهمة ملعونة تجعل أقرب قريب يتبرأ منهم. ومن واجبهم البحث عن مهجر في غير البلاد العربية ولو أن الأخوان المسلمين على قوتهم وكثرتهم وتسلحهم عام (٤٧ م) كونوا قيادة إسلامية مستقلة لنجحوا في إقصاء اليهود وتطهير فلسطين وجعلها منطلقاً منها يحتلون أكثر البلاد العربية خصوصاً مصر ولكن غلب عليهم الجهل والنخوة العصبية فقاتلوا تحت قياداة ضليعة مع الكافر لا تريد تحرير فلسطين. والبحث يطول ولكنّي أكتفي بهذا. والله الهادي. الشطر الثاني من السؤال:

стр. 137

س) هل الواجب قتال الصهيونية فقط دون اليهود؟ وهل يجوز لعن اليهود ولعن كل كافر ؟ ج) إن قتال الكفار على العموم واجب بالنصوص القطعية من وحي الله كتاباً وسنة. وهذا القتال الواجب للهجوم لا للدفاع، كما تصوره بعض المنهزمين هزيمة عقلية باسم الدفاع عن تشويه سمعة الإسلام، والذين اشتبهت عليهم معاني النصوص التي يفيد بعضها الخصوص، فأعمتهم هزيمتهم العقلية أو الهوى عن النظر في العمومات الصارفة الناسخة لما قبلها، لكونها عامة ومتأخرة. قال الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ، وقال ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) . وغير ذلك من النصوص الواضحة التي لا نطيل بها المقام ولكن المهزومين وأصحاب الهوى يضربون صفحاً عن هذه

стр. 138

النصوص القاطعة العامة الناسخة لما قبلها لتأخرها في النزول ويتمسكون فقط بقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ كما يأخذون التعليل بآية الأذن في الجهاد غافلين أو متغافلين أن مشروعية القتال جاءت في القرآن على مراحل. الأولى: الأذن المفيد للإباحة مقروناً بأسبابه كما في الآيتين (٣٩) و (٤٠) من سورة الحج. الثانية: تقييده بحالة الاعتداء كما في الآيتين (١٩٠) و (١٩١) من سورة البقرة. الثالثة: تعميم وجوبه على الفور ابتداء كما في سورة (براءة) التي ورد فيها الإعلان من الله ورسوله بالبراءة من كل مشرك وكافر ونقض عهودهم الغير مؤجلة وإمهالهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر ثم بعدها يقاتلون ويطاردون ويحاصرون، ويلزم كل مرصد حتى يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة التي هي عمود الإسلام ويؤتوا الزكاة التي هي حقه المالي وذلك في الآية الخامسة السالفة الذكر التي قيد الله فيها تخلية سبيلهم بذلك. والحديث الصحيح تضمنه أيضاً. وليس وجوب الجهاد والقتال لمجرد الإكراه على الدين كما صوره أعداء الإسلام، وجعل المنهزمون يتهربون من

стр. 139

ذكره ويقيدونه بالدفاع، ولكن وجوب الجهاد لعدة أمور، أهمها: ١) مقاومة الشرك والمشركين، لأن الله لا يقبل الشرك أبداً. ٢) إزالة العقبات التي تعترض سبيل الدعوة إلى الله. ٣) حماية العقيدة من كل الأخطار التي تتهددها. ٤) الدفاع عن المسلمين وعن أوطانهم. س) ما الماسونية ؟ ج) الحمد لله رب العالمين. الماسونية جمعية سرية يهودية يسمونها بالقوة الخفية أسسوها بادئ الأمر ضد النصارى لتعمل على تحريف إنجيلهم أو أناجيلهم وإفساد عقائدهم وأفكارهم وتشتت أمرهم بأنواع الخلاف والشقاق وقد سلكوا شتى الأساليب الدقيقة لتحقيق ذلك. فلما جاء الإسلام وسعوا دائرتها ليحيطوه بأشراكها. واليهودية العالمية تمد الجمعيات الماسونية برجال الفكر والدهاء والمكر ويلبسون لكل عصر لبوسه الملائم بل يلبسون لكل أمة وشعب وبلد لبوسها الملائم، بل يدخلون إلى كل رجل من مداخله وأذواقه الخاصة حتى يستطيعوا فتنته، وقد حصلت اعترافات كثيرة في أوقات متفرقة على أن الماسونية أوجدت لخدمة أهداف اليهود الشريرة وتسهيل عملية استيلائهم على

стр. 140

عقول القادة وتحطيم نفوسهم وتحويلهم إلى عبيد يؤمنون بالماسونية ويكفرون بالله ويخونون أوطانهم ويبيعون أمتهم لصالح اليهود، وذلك لقوة انطلاء المكر الماسوني وشدة تأثيره على القلوب، بحيث كسبت أعظم وأكثر القادة من الشرق والغرب، وتغلغلت الماسونية في الأسر المالكة والطبقات الحاكمة في أوربا ومن دار في فلكها الثقافي في البلاد العربية. ولهم طرق في خداع الشعوب إذا لمسوا فيهم الإحساس بخطر الماسونية أو الامتعاض من حكامهم المتهمين بها فإنهم حينئذ يوعزون إليهم بإغلاق أي مؤسسة افتضحت بالماسونية ليقيموا على أنقاضها مؤسسة تحمل اسماً آخر وهي في الباطن عين الماسونية، ليبرئ المسؤول نفسه من وصمتها ويكسب سمعة جديدة يقلب بها صفحة من نوع آخر لخدمة اليهود. وقد جاء في قرار المؤتمر الماسوني المنعقد عام (١٩٠٠ م) في باريس: أن غاية المؤتمر الماسونية تأسيس جمهوريات علمانية (تتخذ الوصولية والنفعية) أساساً للاتحاد الماسوني. ومن نتائجها القديمة: ١) تحريف الكتب المقدسة والعبث بتفريق الأديان والجماعات وإضرام نيران الحروب والعداوة بين الأمم. ومن نتائجها في أول الإسلام: ٢) عمل المؤامرة لقتل الخليفة الثاني.

стр. 141

٣) اختلاق الأكايب على الخليفة الثالث وعماله. ٤) تزوير المكاتيب وقلب الحقائق حتى جرى ما جرى. ٥) العبث بعقول الأحزاب حتى انشؤوا فيهم الخوارج والنواصب. ٦) نشر التجهم بفروعه المختلفة من جهمية ومعتزلة وقدرية وغيرهم هذا إلى جانب القرامطة والباطنية في نواح أخرى. ٧) أكاذيبهم على الأمويين والتعاون مع الأعاجم على الإطاحة بهم حتى تسنى لهم ترويج هذه المذاهب وما عملوه في زمنهم من إبراز المختار الكذاب ونحوه كما ضبطه صاحب كتاب (تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في الإسلام) (الذي ينبغي إقتناؤه) ثم العمل على إضرام نيران الحروب التترية والصليبية وإبراز من يخدمها ويمد للغزاة سبيل الفتك كالنصير الطوسي وابن العلقمي وغيرهم على نصارى الشرق وإثارة النعرة فيهم ليتعاونوا مع إخوانهم الغزاة ضد المسلمين ويتجسسوا لهم ويدلوهم على كل طريق كما قرره قادة الغزو في ثنائهم على نصارى العرب، عكس ما يزعمه اتباع (جورج حبش) ونحوه من القوميين عن جهل أو تضليل.

стр. 142

ومن نتائج الماسونية أخيراً: ٨) قيام الثورة الفرنسية على حكم الكنيسة الذي هو من أوضاعها المقصودة لإشقاء الناس ومحاربة العلم والمخترعين ليتم لهم ما يريدونه من حرب الدين واقتلاعه من النفوس حتى جروا أوغاد المسلمين بالتقليد إلى محاربة دينهم دون النظر إلى الفوارق العظيمة بين الدين الإسلامي ودين الكنيسة وطالما يستغلون عبث السياسة وتلاعب الموظفين تحت الاستبداد لنيل أغراضهم من الإسلام وأهله كأنهم إذا حكموا حولوا الدنيا إلى جنات الفردوس. ولكون الماسونية تخدم أغراض اليهود وتعمل على إقامة دولتهم وتدعيمها فإنها لا تزال تعمل في إقامة الثورات المتواصلة التي تخسر فيها بلاد المسلمين رجالها وعلماءها وتتبدد طاقاتها وتضيع ثرواتها ويقل إنتاجها بتأميم مصانعها ومصالحها واستعباد أهلها بأفكار تضرهم وتنفع اليهود لأنها ملتقطة من مزابلهم. وقد جاء في قرار المؤتمر الدولي المنعقد في (بروكسل) : يجب أن لا يغرب عن الأذهان أن الماسونية هي التي دبرت الثورة الفرنسية في محافلها لأجل تحقيق أغراضها ص ١٢٤ وجاء في محفل الكرسي الأكبر سنة (١٩٢٢ م) (ص ٢٨١) : أن الماسونية التي لعبت أهم الأدوار في إشعال الثورة الفرنسية يجب أن تكون على أهبة الاستعداد للقيام بأية

стр. 143

ثورة منتظرة في المستقبل. فعلى السائل والقارئ أن يعلما منشأ الثورات وحالة المتبجحين بها وأنهم ماسونيون أذناب اليهود. ثم يعلم السائل والقارئ من نفس اعتراف الماسونيين هذا؛ أنهم قد لعبوا دورهم الخطير في السياسة الأوروبية القائمة على أسس الاستعمار والعنصرية، ليعلما الفرق الشاسع بين خطتهم الآثمة وما يدعونه من مبادئ الإنسانية، وهاكم تعميماً لهم في مضابط المشرق الأعظم عام (١٨٩٣ م) نصه هكذا (إن المشرق الأعظم يرى حفظ الأسرار من أهم واجبات الماسونية ويمنع منعاً باتاً كل النشرات المتعلقة بالأفعال والحركات.... إن كل شيء عندنا قد يسدل عليه ستار من السر وبقوة الوحدة والكتمان ننتصر في المعارك الفاصلة) فإذا كانت الماسونية تعمل لخير الإنسانية فما الداعي إلى التكتم الشديد؟ وهاكم قرارات أخرى تتعلق بتحطيم الدين، فقد نصت مضابط المحفل الماسوني الأكبر عام (١٨٩٧ م) (ص ٥٤) : لا يقبل المتدينون في المحافل الماسونية لأن الذي ينخرط في المحافل يجب أن يكون حراً والماسوني الحقيقي لا يكون متديناً وعلى الماسونية أن تتفق مع كل أولئك الذين لا يدعون إلى الدين أمثال الإشتراكيين والديمقراطيين ودعاة حقوق الإنسان والجمعيات المتحررة وعليها أن

стр. 144

تشترك في المجالات الأخرى للعمل كالجامعات الشعبية والمدارس السياسية والمؤسسات الأخرى. نشرت المشرق الأعظم عام (١٩٠٣ م) (ص ٣٠٠) وجاء فيه أيضاً (على الأخوان أن ينفذوا في صوف الجمعيات الدينية وغيرها، بل عليهم إن احتاج الأمر أن يقوموا بتأسيس تلك الجمعيات على أن لا تشم منها أي رائحة حقيقية للدين. عليكم أن تلموا شمل قطيعكم أينما كنتم حتى في المعابد الصغيرة وعليكم أن تولوا أمورها السذج من رجال الدين ولتطعموا - حفية - ذوي القلوب الكبيرة من الرجال بقطرات من سمومكم. وبغية التفرقة بين الفرد وأسرته عليكم أن تنزعوا الأخلاق من أسسها لأن النفوس تميل إلى قطع روابط الأسرة والإقتراب من الأمور المحرمة فعليكم أن تنتزعوا أمثال هؤلاء من بين أطفالهم وزوجاتهم وتقذفوا بهم إلى لذائذ الحياة البهيمية) . وهذا القرار من الماسونيين يكفي وحده للتدليل على مبلغ روح الهدم والكره التي يحملونها نحو المجتعات مما يخالف معنى الإنسانية التي يتشدقون بها إفكاً وتضليلاً. فيا لها من يهودية تسعى في الأرض فساداً، وجاء في قرار مؤتمر محافل الماسونية عام (١٨٨٤ م) يجب على الماسونيين الذين بيدهم زمام الأمور أن يأتوا بالماسونيين إلى سدة الحكم وأن يقربوهم من كراسيه وأن يكثروا من

стр. 145

عددهم فيه، وفي وسع الماسوني أن يكون مواطناً أو نائباً أو رئيساً بشرط أن يكون ماسونياً وعليه أن يستلهم الأفكار الماسونية، ومهما علت مكانته الإجتماعية فإنه يستوحي مذهبه من المحفل الماسوني لا من مكانته. إن الماسونية هي سيدة الأحزاب السياسية لا خادمتها وإنها هي المنظمة الوحيدة التي تناهض الأديان والتقاليد. إن الجمعيات الرياضية والفرق الموسيقية وغيرها من المؤسسات التي تربي البيئة الناشئة عقلياً وجسمياً هي المرتع الخصب لنمو الماسونية فيها، ويمكن إضافة المكتبات والدورات وغيرها إلى ذلك (وقد أضافوها) وجاء في قرارات المؤتمر الماسوني العالمي المنعقد في باريس عام (١٩٠٠ م) إن هدف الماسونية تكوين جمهوريات لا دينية علمانية إن من أهداف الماسونية محاربة الأديان وصيانة الدول اللادينية العلمانية ولذا فهي تستسيغ الارهاب بالتجرد عن مفاهيم الأخلاق والضمير، ويجب أن تكون الماسونية مرنة حسب الظروف والأوضاع. إن النضال ضد الأديان لا يبلغ نهايته إلا بعد أن يفصل الدين عن الدول وستحل الماسونية محل الأديان وإن محافلها ستقوم مقام المعابد. ليس هناك أي قانون سياسي أو ديني (يعني المسيحي ونحوه) إلا ونظمته المحافل الماسونية. وإن الماسونية هي
следующие страницы →