← Акыда

Акыда · id 9209

الأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة

عبد الرحمن الدوسري

Полный текст (161 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

من أهل الصنائع عن حرفته، وإجباره على العمل وتشجيعه من مال الله الذي هو بيت المال. وعلى كل عامل من المسلمين بذل الجهد في الإبداع والاختراع وتسليح وتسخير كل مادة نصحاً لله ورسوله، بنية إعزاز الدين ورفعة شأن المسلمين وإعلاء كلمة الله في الأرض وقمع المفتري عليه. س) ما حكم السحر ؟ ج) هو من كبائر الذنوب المنصوص عليها. وقد يكون الساحر مشركاً أو كافراً أو مفسداً، يجب قتله قصاصاً أو حداً أو تعزيراً. حسب نشاطه في الفتك أو الشعوذة أو الفتنة عن الدين أو تسهيل الفساد لطالبه أو تغطية الجرائم أو التفريق بين المرء وزوجه أو عمل ما يفتك بالحياة أو يزيل العقل، إلى غير ذلك من سوء نتائجه. س) كيف جعل الله (الفتنة أشد من القتل) وما معناها ؟ ج) بما أن حياة الإنسان الحياة الطيبة هي بصحة دينه وحسن أخلاقه وسلامة عقله وتفكيره من المؤثرات. فإن القيام بفتنته عن دينه وإفساد أخلاقه وبلورة تفكيره يعتبر قتلاً معنوياً لروحه وجناية على عقله، وقتل الروح أعظم من قتل الجسم، فلذا قال تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ . لأن الطواغيت الذين

стр. 72

يصدون الناس عن دينهم بفتنة القوة أو الإغراء بالدعايات الباطلة التي يضلون بها الناس، ويحسنون بها القبيح وينددون بالطيب، ويشغلون الأمة عن القرآن بما يقذفونه عليهم من لهو الحديث الباطل والمجون، ويصرفونهم عن حب الله وطاعته والعمل لأجله إلى حب الأوطان والعشائر وتقديس الأمور المادية والعمل من أجل ذلك، (. . . [٤] . . .) الدعاة إلى الله بكل نقيصة. هؤلاء فتنتهم أشد وأعظم نكاية وعاقبة من القتل، وقد أخبر الله عن فرعون أنه رمى المؤمنين بموسى بتدبير مؤامرة لإخراج الناس من بلادهم. كما رمى قبلهم موسى وهارون بذلك، إذ قال ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ، وقال لمن آمن به ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا..﴾ . وجميع أنواع الفتنة والتضليل الذي عمله ويعمله المبطلون للصد عن سبيل الله وإغراء الناس على الخروج من حكم دينه وعداء أهله وإيذائهم، هي أشد من القتل وأكبر لا محالة. --- ٤) العبارة غير مفهومه (منبر التوحيد والجهاد) . س) ما معنى التقوى ؟ ج) التقوى مشتق في أصل اللغة من التوقي، وأخذ الوقاية عما يضر. وبما أن الإنسان يجعل لنفسه وقاية عن حر الشمس من الاستظلال بمظلة واللجوء إلى ظل، فعليه أن يأخذ لنفسه وقاية من عذاب الله وناره. وكما يتقي من الحر

стр. 73

باستعمال المراوح والمكيفات ومن البرد بالملابس واللجوء إلى مواطن الدفئ، يطلب الله منه أن يأخذ وقاية من حر جهنم وزمهريرها. وكما يأخذ لنفسه وسائل الوقاية من عدوه في الدنيا فليأخذ لنفسه وقاية من زبانية جهنم. فهذا مدلول أمر الله لعباده بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ . وكيف يقي الإنسان نفسه وأهله منها إلا بالتربية الدينية التي تحسن بها معاملتهم لله. س) أيجوز إطلاق هذه المقالة (إرادة الشعب من إرادة الله) ؟ ج) هذا افتراء عظيم تجرأ به على الله بعض فلاسفة المذاهب ومنفذيها جرأة لم يسبق لها مثيل في أي محيط كافر غابر القرون. إذ غاية ما قص الله عنهم التعلق بالمشيئة بقولهم ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ، فكذبهم الله. وهؤلاء جعلوا للشعب الموهوم (إرادة الأمر) لتبرير خططهم التي ينفذوها، ويلزم من هذا الأفك إفساد اللوازم المبطلة له والدامغة لمن قاله. إذ على قولهم الفاسد يكون للشعب أن يفعل ما شاء ويتصرف في حياته تصرف من ليس مقيداً بشريعة وكتاب، بل على وفق ما يهواه وعلى أساس المادة والشهوة والقوة، كالشعوب الكافرة التي لا تدين بدين يقبله الله ولا ترعى خلقاً ولا فضيلة. فهذا

стр. 74

الأفك العظيم لم يجرأ عليه أبو جهل ومن على شاكلته مع خبثه وعناده. لأن قبحه معروف ببداهة العقول، حيث أن أذواق الشعوب ونزعاتها تختلف، فإذا جعلت إرادة الشعب من إرادة الله صارت نزعات الوجودية والشيوعية والنازية والصهيونية ووحشية الغاب وغيرها من إرادة الله التي أمر بها، وصار كل ما تهواه النفوس الشريرة ويعشقه مرضى القلوب من التهتك والانحلال ومعاقرة الخمر ودغدغة الغرائز وإشباع الشهوات على حساب الغير من أمر الله. فعلام ينتقدوا على غيرهم ويصيحوا عليه إذا كانت إرادة الشعوب ورغباتها من إرادة الله في حكمه الذي يرتضيه. ولأي شيء يرسل الله الرسل وينزل الكتب ويشرع الجهاد والأمر والنهي على الناس إذا كانت إرادتهم من إرادته التي يرتضيها، هذا هو عين المحال ومنتهى الفجور والضلال. والذين تزعموا هذا الأفك لا يطبقونه على أنفسهم، بل يسمحوا لها بغزو الشعب الذي لا يخضع لسلطانهم ويسير وفق أهدافهم، فكأن الشعب الذي يحكمونه هم بقوة الحديد والنار هو الشعب الذي أرادته ألوهية من أراده الله. والباطل لا بد أن يتناقض وينادي على نفسه بالبطلان. فقد أشركوا بالله شركاً عظيماً إذ جعلوا الشعب ندا من دون الله وأهواءه أنداداً لشريعته وحكمه بدلاً من أن يكون محتكماً إلى الله ملتزماً لحدوده متكيفاً بشريعته منفذاً لها.

стр. 75

س) وما مقالة من يقول (الدين أفيون الشعوب) ؟ ج) هذه مقالة نطق بها (كارل ماركس) اليهودي الذي نبش الشيوعية المزدكية اليهودية بعد ما قبرها الإسلام، فاخترع هذه المقالة بزعم أن الدين مخدر ومبلد للشعوب. وكلامه مردود بالحق الحقيق بالقبول، وهو أن الدين الصحيح الحنيف ملة إبراهيم الذي أمر الله خلقه بإقامته؛ دين يلهب القلوب والمشاعر محرك لجميع الأحاسيس والقوى دافع بها إلى الأمام، لا يقبل من أهله الذل والاستكانة والخضوع للظلم ومجاملة الأعداء والسكوت على الباطل والفساد، أو الجمود على طقوس، وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان. بل يوجب عليهم النهوض والاستعداد بكل قوة وتسخير كل دابة ومادة على وجه الأرض أو في جوفها أو أجوائها كيلا يغلبهم عدوهم في ذلك، وأن يجعلوا جميع مواهبهم وطاقاتهم في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه، والبراءة ممن جانب دينه وتنكر لحكم شريعته. فهذا الدين صحيح على العكس مما قاله اليهودي وأتباعه من تلاميذ الأفرنج، الذين ربوهم وأبرزوهم لمحاربة هذا الدين الصحيح، الذي لا يوقف في وجوه أهله لو حملوه كما أنزل. أما الأديان الأخرى المزعومة من لاهوتية وثنية فيصح أن يقال عنها بكلمة اليهودي لتقيد أهلها بالخرافات وتقييدهم العلم الفني والاختراع عن الانطلاق.

стр. 76

س) وكيف قولة من يقول: (الدين سبيل الناس لتأمين ما بعد الحياة وقد ذهب بأمن الحياة ذاتها) ؟ ج) هذا قول منشؤه الثقافة الفاجرة الكافرة المغرضة، وهو متناقض تناقضاً لا يخفي على ذي لب غير متأثر بها، كشأن الباطل دائماً ينادي على نفسه بالبطلان. وذلك أن كل إنسان لا يحصل له تأمين الحياة والعيشة الراضية إلا إذا سعى سعياً صحيحاً لتأمين ما بعدها، بمراقبة رب العالمين حقاً والوقوف عند حدوده بإعطاء كل ذي حق حقه دون غش ولا مراوغة، بل بما رسمه الله على لسان رسوله إذ قال: (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به تكن مسلماً، وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمناً) ، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه) ، (ولا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ، (الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ، (إن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرماً فلا تظالموا) ، إلى غير ذلك. وما في القرآن من قوله ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ، وغيرها من الآيات الكثيرة، فبلزوم الناس هذه الطريقة الدينية الصحيحة يحصل لهم الأمن والتعايش السلمي في الحياة أولا، ثم بعدها ثانياً. وما أذهب

стр. 77

على الناس أمنهم إلا افتياتهم على دين الله وخروجهم عن تعاليمه النافعة في الحياة وبعدها طبعاً. فهذا الأفاك الأثيم صاحب هذه المقالة هل يطمع بالأمن في الحياة والتعايش السلمي إذ نبذ الناس دين الله وتعلقوا بالمادة والأنانية وحب الشهوات وطلب الرئاسة والعلو في الأرض؟ ألم يحصل بذلك الشر المستطير؟ ألا يرى العالم مهدداً في كل وقت وحين بحروب طاحنة قد خلت من قبلها حروب؟ ألا يرى الدول المادية منهمكة في صنع ما يدمر المدنية ويفتك بالحياة؟ حقاً إن تأمين الحياة لا يحصل إلا بالعمل الصالح الخالص المقصود به تأمين ما بعدها خوفاً من الله ورجاء ثوابه. وذلك لا يتحقق إلا بالإيمان بالغيب الذي هو مصدر الخير ومنبع الفضيلة والجمال كما أسلفنا. ولذا حصر الله الهداية والمنفعة بالتذكرة عليه، فقال في فواتح القرآن ﴿.. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ . إلى غير ذلك من الآيات والأحكام، التي لما انطبع بها أسلافنا كانوا أصلح الخلق وأنصح الخلق للخلق وأرحم الخلق بالخلق، ممتثلين ما قدمناه من الآيات والأحاديث وأضعافها مما فهموه وطبقوه. ولما حرمت (أوروبا) من الإيمان بالغيب وثمرته الطيبة كانت على العكس من ذلك، أفسد الخلق وأعشق الخلق للخلق وأفتك الخلق بالخلق،

стр. 78

وكان على سيرتهم كل من تقبل ثقافتهم وسار على منهاجهم. س) وكيق بقول من يقول (الدين سبب الطائفية والشقاق) ؟ ج) هذه فكرة ركزها الاستعمار في تعليمه الثقافي الذي هو امتداد للحروب الصليبية، ضمن تخطيط صهيوني أثبتته البروتوكولات الصهيونية المكتشفة، تلقاها بالقبول والتشجيع أصحاب المبادئ القومية والمذاهب المادية والنحل الوثنية المطلية بشعارات يستحسنها الذين نسوا حظأ مما ذكروا به، والمندفعون لحاجات في صدورهم، وهي منبثقة من تلك البروتوكلات. والدين الإسلامي الصحيح على العكس مما رموه به، فهو مصدر الوحدة الصحيحة، وتحقيقه سبب العز والتمكن والتضامن والتراحم والبذل والإيثار، وأي طائفية في دين يقول لأهله ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . وإنما نشأت الطائفية ممن لا يعترف إلا بدينه وبذم ما سواه، كاليهود والنصارى الذين أخبر الله عنهم إنهم يعرفون نبينا كما يعرفون أبناءهم فكتموه وهم يعلمون، وبذروا بذور الطائفية بشتى الدسائس. فالطائفية تنشأ دائماً من الافتراء على الله، سواء كان بحجة دين كاذب أو مذهب مادي أو وثني يصبغ بطلاء الجنس والوطن.

стр. 79

(. . . [٤] . . .) من الإسلام في الوقت الذي لم تأخذ المادة في قلوبهم محلا، فلما احتلت المادة والأنانية مكاناً في القلوب لعبت السياسة دورها في بث التفرقة والشقاق، باسم مذهب أو أسرة وباسم ملة أو نحلة وفلسفة، هذا كله مع التظلم من الأوضاع والتنديد بالمسؤولين والاختلاق والأكاذيب وتزوير الوثائق والمكاتيب لإضرام نار الفتنة والتحزب. حتى جاء دور الحرب الصليبية الغاشم البشع، وما أعقبه من تعسف سياسي ومكر ومؤمرات لئيمة تصبغ بأسماء مذهبية، على الرغم من حسن معاملة المسلمين مع الغزاة المغلوبين والخونة المجاورين من أولئك. وكل هذا امتداد لما قبله من الدسائس السياسية ضد الإسلام، ليشغلوا أهله في أرضهم ويوقفوا مده الثوري عنهم، فيبقى كالمريض في بيته. فما يرى من ظاهر الطائفية المذهبية هو في الحقيقة مبادئ وأحزاب سياسية مطلية بطلاء المذهبية المختلفة، فالعيب والجريرة هي على السياسة الماكرة الكافرة، لا على الدين الصحيح الذي اختاره الله أساساً للوحددة بجميع معانيها. ثم أن الصليبيين لما عجزوا عن محاربة الإسلام بالسيف غزوه غزوا ثقافياً بذلوا فيه الأموال الطائلة للمبشرين، ولما أخفقوا بعد مجهودهم الكبير وأيقنوا استحالة تنصير المسلمين، أبرموا

стр. 80

الأمر الجديد لإخراج أبناءهم منه فقط دون أن يتشرفوا بالدخول في المسيحية على زعمهم، بل يعيدوهم إلى ضروب من الوثنية تحت تقديس الجنس والوطن واستبدال حدود الله بحدوده، وحماية كيان القوم بدل حماية دين الله، واستبدال محبة الله ورسوله بحجة هذه الطقوس والشعارات، ودعوى العمل للوحدة التي تجمع الفرق تحت اسم القومية بدلاً من الدين، كأنه لبنٌ خالص لا يجري بين أهلها الشقاق ولا تحل فيهم الأنانية والانتهازية. وقد عكس الله مقاصدهم وأحاط مجتمعهم بالفوضى وكافة الخلافات والمخازي، ولكنهم يغالطون ويخادعون لتبرير خطتهم الأثيمة وتغطية باطلهم على الأغمار والسطحينن. فيرمون الدين بدائهم هم، يرمونه بالطائفية، وهم بها أحق وألصق. وقد تحمس لهذه الفكرة الخاطئة لفيف من النصارى ليخدعوا بها المسلمين على حساب الدين الإسلامي الصحيح، الذي بشر به عيسى فكذبوه، وهو الدين الذي اعترف بكرامة عيسى وأظهر براءة أمه، فأبى لؤمهم إلا أن يخاصموه ويمكروا بأهله ويوالوا اليهود وينفذوا مخططاتهم ضده، وهم الذي آذوا عيسى وحاولوا قتله وقالوا فيه وفي أمه بهتاناً عظيماً، وكانت خطتهم على حساب ديننا، لا على حساب دينهم المزعوم الذي يبرأ منه عيسى وكل نبي. وقد ضمن الله الوحدة والعز والتمكين بتحقيق دين محمد ﵇ وكتب الشقاق العقيم على

стр. 81

من تنكب عنه وتولى، قال تعالى ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ ، فحصر الله حالتهم في الشقاق كما هو واقع فعلاً بينهم الآن. على الرغم من زعمهم الوحدة الكاذبة، وموالاتهم أعداء الله ورسله تبديلاً منهم لقول الله الذي نهاهم عن موالاتهم وأمرهم بالبراءة منهم كلياً. والله غالب على أمره. --- ٤) العبارة غير مفهومة (منبر التويحد والجهاد) . س) ما حكم هذه المقالة (الدين لله، والوطن للجميع) ؟ ج) هذه المقالة انبثقت مما قبلها وصاغها الحاقدون على الإسلام الذين رموه بالطائفية بهذه الصيغة المزوقة إفكاً وتضليلاً، ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن جميع القضايا والشؤون، بحجة الوطن الذي جعلوه نداً لله وفصلوا بسببه الدين عن الدولة، وحصروه في أضيق نطاق. فأعادوا بذلك الحكم القيصري والكسروي بألون وأسماء جديدة، والعبرة بالمعاني؛ من سوء التحكم والأعمال المخالفة للشرع، وعدم العدل، لا بالأسماء والألقاب. فهي خطة شركية قل من انتبه لها، ولا يجوز للمسلمين إقرارها أبداً، ولكن غلبت عليهم سلامة الصدر فاغتروا بما يطلقه أولئك من الدجل والتهويل ويخادعون به الله والمؤمنين، من دعوى تعظيم الدين والارتفاع به عن مستوى السياسة التي هي غش وكذب، ليخدعوا به المسلمين ويخرسوهم. والله لا يرضى من عباده أن يتهاونوا

стр. 82

بالحكم ويتنازلوا عن حدوده قيد شعرة، أو تنقص فيهم الرغبة الصادقة في تنفيذه - بدلاً من أن تنعدم - لحب وطن أو عشيرة، بل ولا لحب ولد أو والد أو أخ قريب. فالدين الذي لله يجب أن يسيطر على الجميع ويكون أحب وأعز من الوطن، وأن لا يتخذ الوطن أو العشيرة ندا من دون الله ويعمل من أجله ما يخالف حكم الله، وتبذل النفوس والأموال دون كيان العصبية القومية وفي سبيل الوطن لا في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه، بل لتعزيز المفتري عليه. فهذه وثنية جديدة أفظع من كل وثنية سبقتها، إذ يعملوا تحت هذا الشعار الوثني ما يشاؤون، ويخططوا لحياتهم الوطنية تخطيط من ليس مقيداً بشريعة ربه. وكونها أفظع من كل وثنية هو لمزيد فتنتها وإخراجها للناس بهذا الأسلوب الذي صاغته (أوروبا) هروباً من حكم الكنيسة، والله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ، ويقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ..﴾ . وقد عملوا منذ زمن طويل على ذلك حتى كسبوا بعض أولاد المسلمين فنفذوا لهم هذه الخطة التي طوحوا بها حكم الإسلام، بحجة أقلية نصرانية، انتحلوا هذه النحلة من أجلها فيما يزعمون (. . . [٥] . . .) في تقديس الجنس، وعطلوا دعوة الإسلام وأوقفوا زحفه إرضاء لهذه الأقلية وإغضاباً لله. بينما هي

стр. 83

تزحف بالدعاية النصرانية وبث الإلحاد على حساب المسلمين وفي عقر بيوتهم، وجعلوا الحكم لغير الله من أجلها. وأباحوا من أجلها ما حرم الله بإقرارهم له، وإعفاء مرتكبه من العقوبة، ليشهدوا لهم مع تلاميذ الأفرنج من أبنائهم إنهم متحررون كفوء للحكم. فيا له من دين جعلوه يتلاشى أمام مصالح الوطن وأوضاعه التي يتعشقونها، فكأنهم قالوا (الدين لله يطرح ظهرياً ليس له حق في شؤوننا الوطنية من سياسة وعلم واقتصاد وغيره) ، مرحى مرحى لهذا الدين المعطل المطروح على الرف. --- ٥) العبارة غير مفهومه (منبر التوحيد والجهاد) . س) إذا ما هو السير المجدي في الحياة ؟ ج) هو السير على صراط الله المستقيم الذي أوجبه الله وسار عليه الرسول وأصحابه، وأن نتبنى الإسلام تبنياً صادقاً صحيحاً بروحه وتعاليمه، ونكون به مثالاً يحتذي. ولا نوالي من حاد عنه بحجة عصبية أو وطنية أو هدف مادي مما قذفت به علينا الثقافة الاستعمارية، وإن لا نخرج عن تعاليم الإسلام قيد شعرة. ونوالي في الله ونعادي فيه، لا نوالي أحداً أو نعاديه لغاية أخرى على حساب الإسلام، بل نقف مع إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وقفة المناصر المدافع، كالبنيان المرصوص، ونعادي من يمتهنهم أو يؤذيهم أو يضيق عليهم سبل المعايش. فتتعالى عليه صيحاتنا حتى نكشفه ونخزيه، ونعمل بجد وإخلاص على سد ثغور الشقاق بتخليص

стр. 84

الدين من شوائب البدع والطرق التي أنشأت ونشأت لأغراض سياسية، ولا تنخدع بطلب الوحدة أو رجائها في غير الدين. فإن ما يزعمه تلاميذ الأفرنج الخارجون عن حكم الله إلى غيره من مقاومة الانتهازية والرجعية إفك صراح وزعم خيالي لا يمكن تحقيقه، لأن خطتهم هي الجالية للانتهازية المشيعة بها. وهي عين الرجعية التي رجعوا بها إلى الوثنية المادية بألوان جديدة وأعادوا بها كل خلق ذميم، ولا يمكن زوال الانتهازية وقتل الأنانية إلا بتحقيق الدين الحنيف ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ . تالله إنه لا يليق بالشعوب الإسلامية والعرب خاصة أن تتبنى هذه الأفكار الغربية التي اضطرت إليها شعوب (أوروبا) المادية، فهي لا تليق بكرامة المسلمين ولا تتفق مع رسالتهم التي أوجب الله عليهم حملها. بل تنزل بهم من مقام الأساتذة الربانيين في الأرض المتكيفين بهدي الله والمسيرين للدنيا بجميع نظمها على ضوئه إلى مقام التلاميذ الضعفاء الصعاليك المتلقفين لما عليهم بدون إحساس. وهي أيضاً إذابة لشخصيتهم بين الأمم وإعدام لميزتها التي ميزها الله بها، حيث تندمج بتلك الأفكار ضمن الدول والأمم العلمانية اللادينية. فتخرج من الخيرية التي هيأها الله لها وأناط سؤودها وشرفها به. ومن ثم نهانا الله عن التشبه بأي قوم في شعائرهم وشعاراتهم وأزيائهم كي لا تنحدر هذه الأمة عن مستواها في قليل ولا كثير.

стр. 85

س) هل على العرب زيادة تأكيد في النهي عن ذلك ؟ ج) نعم يتحتم على الأمة العربية بجميع شعوبها الصحيحة أن لا تنحاز إلى العلمانية اللادينية أو تطبق شيئاً من الأفكار الدخيلة بحجة ما، أو تجعل الوطن والمادة هما الغاية في كل شيء والدين (صفر على الشمال) . لأنها إن ربحت - على سبيل الفرض - أقلية في جوف بلادها فهو أولاً تحصيل حاصل. وثانياً؛ هو خسارة عظيمة لقاء طرحها رسالات ربها وتخليها عن قيادة الأمم وهداية أهل الأرض. كما تخسر أيضاً مودة جميع المسلمين وارتباطهم الروحي بها في المشارق والمغارب، وتجعل الدول أولئك حجة على المسلمين الذين يتعلقون بالعرب النابذين لدينهم والمعرضين عن قضاياهم. فيخسروا المكانة الروحية التي احتلوها بسبب الدين ويفقدوه من مئات الملايين. ثم لا يربحوا من الأقلية التي يزعمونها كما يربحوها لو طبقوا الإسلام. س) هل يجوز إنكار الجن وما حكم منكرهم ؟ ج) لا يجوز إنكارهم شرعاً ولا عقلاً، فهم عالم ظهرت آثاره، بحيث اضطر الملاحدة القدماء المنكرون لهم إلى الاعتراف بقوة غيبية سموها (قوى الشر) ، كما سموا

стр. 86

الملائكة (قوى الخير) ، مع إنكارهم لهم أيضاً. والمنكر لهؤلاء وهؤلاء مكذب لله القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، والقائل لرسوله ﵇: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ . فالمنكر لهم منكر لقول الله، معترض للحكم بالردة من الإسلام بعد قيام الحجة عليه بتفهيمه لذلك. ثم إن إنكارهم رجعية قديمة كما ذكرنا.

стр. 87

حكم التشرِيع إن ما أمر به الشارع من قول وفعل فيه مصلحة لبدن ابن آدم خاصة؛ فضلاً عن المنافع الأخرى، والأجور المضاعفة عند الله، وعلى الأخص الصلاة. وما نهى عنه الشارع؛ ففيه أضرار بالجسم زيادة على أضراره الأخرى في المجتمع، وما فيه من الإثم والعقوبات، وعلى الأخص الحقد والكراهية والحسد والشك. وإستعمال الأشربة المسكرة والمخدرة بأصنافها المتنوعة، حتى المفتر منها. فقد أثبت الطب الحديث بالتشريح والنظارات المكبرة جداً، أن في الجسم مواد كثيرة متنوعة، ما تدفع عنه ما يعرض له من أدواء وجراثيم، مثل الكريات البيض التي تتصادم مع الجراثيم الوبائية فتقتلها أو تبتلعها وغيرها من مواد إضافية ومفرزات كيماوية، يحملها الدم ويتحول بعضها من سائل خفيف إلى شبه نسيج من الخيطان، يتجمع حول الجرح الحادث ليضيق مساحته، ويجعله يلتئم بسرعة، وهذا

стр. 88

يسمى في عرف الطب الحديث "ينبر يتوجين"، إلى غير ذلك مما بثه الله للدفاع الداخلي في جسم الآدمي عما يطرأ عليه. لكن هذه الوسائل الدقيقة العظيمة المفعول في مقاومة الأدواء، تتأثر جداً بما يلتبس به الإنسان من حقد ملتهب، وكراهية متبرمة، وحسد وغضب ينشأ منهما، وبتأثرها لها لا تستطيع على مقاومة عوارض الأدواء، فيستفحل المرض في البدن، حتى قد يعود خطراً بضعف تلك الأشياء عن المقاومة، بسبب تلك الذنوب. وإن المشروبات التي فيها كحول مسكرة أو مخدرة أو مفترة، يكون لها أسوء التأثير قي شل حركة تلك المواد عن مقاومة الأمراض، زيادة على ما تنقله معها من الأدواء المضرة. فإذا تواصل هجوم الأدواء على البدن، مع إنعدام المُدافع فيه لها، استفحل المرض وامتدت جذوره الفاتكة. فالله لم يحرم على عباده إلى الخبائث التي ينتج عنها الإضرار مادياً ومعنوياً، أدبياً وروحياً. الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم، بسلب صحة أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم العزيزة، فهو الرحمن الرحيم العليم الحكيم لا إله إلا هو. وما أمر به عباده، فكله خير ونعمة وشفاء ورحمة ومنفعة مادية وأدبية لأموالهم وأفهامهم، ومعنوية لأبدانهم وأرواحهم.

стр. 89

فالتوحيد الذي هو أصل الأصول، له تأثير عظيم في ضبط الصحة وحمايتها، ومدافعة أكثر ما يطرؤ عليها من أمراض. إذ سبب الأمراض في الغالب مخالفة أوامر الله في إسراف بأكل أو شرب وإقتراف معصية تحدث أوجاعاً في القلب أو البدن، كالزنا واللواط أو إطلاق النظر إلى ما لا يحل، والتولع بعشقه، ثم التحسر على صعوبته أو عدم تحصيله، أو الهيام به، مما يتأثر به القلب، ليشقى هو والبدن جميعاً، ويصاب بعلل شتى قد يكون من بعضها السل أو السرطان، وقد تزداد الآلام إذا انضم إلى ذلك صرف المال ولم يحصل المطلوب، فتزداد الحسرة وتتفاقم الأمراض، أو بما يولع به نفسه من المشروبات المسكرة والمخدرة التي يسترسل فيها طالباً الشفاء ببعضها من بعض والتعلل بها بفقدان الإحساس عما يجده من الحسرات على عدم تحصيل مطلوبه من مال أو رغبة أو معشوق، كالمسترسل في المعاصي، لما يجد فيها في صدره من الضيق والهم والغم، الذي يجعله يعاودها لعله يشفي غليله، كما قال شاعر هذا النوع: وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها فإن التوحيد الصحيح الخالص يقوي القلب على فعل الخير ويشرح الصدر ويجعل الإنسان متوجهاً إلى الله، متعلقاً به في جميع أموره، منصرفاً إليه بالحب والتعظيم

стр. 90

والخوف والرجاء والإجلال والطاعة والإنقياد والتوكل والإنابة، ودوام ذكر الله محبة وخضوعاً، فيمتلئ القلب من محبته وتعظيمه، بحيث لا يكون فيه فراغ لغير حب الله وما نزل من الحق، بل يكون الله أحب إليه مما سواه وأجل مما سواه ولا يرى اللذة والنعيم والسرور إلا بذلك، فيكون هذا القلب الذي هو ملك الأعضاء قد استكمل ملوكيته ومعنويته من الحياة والعلم وقوة الجنان ونفاذ البصيرة وكمال الرغبة إلى الله والاعتماد إليه والالتذاذ بذكره وتلاوة كتابه، فيكون القرآن ربيعاً لذلك القلب يرتع في حكمه ومواعظه وتوجيهاته أعظم مما ترتع الأجسام في الربيع الخصب، فيكون شفاء لهمه وغمه ومسلياً له يستغني به عما سواه، فلا يألف إلا الطاعات المزكية لنفسه المرغمة لعدوه من شياطين الجن والإنس، ولا يكون فيه هوى مخالفاً لما في كتاب ربه فيسلم من الأمراض التي تنشأ غالباً من المعاصي كما قدمنا، ثم يتحصن عنها ويحتمي منها بطاعة الله، فبتحقيق مقتضيات التوحيد ينفتح للعبد باب الخير والسرور واللذة والابتهاج، ويستنير القلب بنور الله الذي يكون له فرقاناً يفرق بين الحق والباطل والصحيح والسقيم فيكون نشيطاً في طاعة الله، قوياً في أمره، معظماً لشعائره، غيوراً على دينه وحرماته، مسارعاً لمرضاته، مبتعداً عن المخالفات التي ينشأ منها الإثم والحرج، مجتنباً معاصيه، محاذراً منها. عالماً أن الهوى من أكبر أدواء النفوس، ومخالفته من أعظم أدويتها، ولا يسلم

стр. 91

من اتباع الهوى ويحظى بمخالفته إلا من استمسك بالعروة الوثقى بسلوك جميع ما يقتضيه توحيد الألوهية والربوبية فكان له القرآن هادياً والرسول ﷺ قائداً، فلم يتبع نفسه هواها، ولم يستجب لشيء من همسات شياطين الجن والإنس أو نداءاتهم، بل يحصر استجابته في كل شيء لدعوة الله وندائه، متيقناً أنه لا يدعوه أو يناديه إلا لما يحييه الحياة المعنوية الطيبة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ . عارفاً أن الله أقامه في الدنيا مقام جهاد متواصل بجميع أنواع الجهاد، جهاد النفس والهوى، وجهاد شياطين الجن والإنس الذين يغزونه بالباطل، ويوحون زخرف القول ويزينون له ما يخالف وحي مولاه مما يفسد قلبه ويفسد حياته. ثم جهاد أعداء الله الذين يقعدون بكل سبيل يوعدون ويصدون عن سبيل الله، جهاداً متنوعاً متواصلاً يقمعهم به عن الوصول إلى غاياتهم الدنيئة، التي يخدعون الناس فيها بشتى الأسماء والألقاب. جازماً أن من أقام نفسه هذه المقام وأشغلها في ذلك يحصل على الحياة الطيبة النافعة في الدارين، ويكون من جند الرحمن المنصورين وحزبه المفلحين، وأن من انعكس فلم يستعمل نفسه في طاعة الله والجهاد في سبيله فتح على نفسه أبواب الشر فغلبه هواه واستهوته الشياطين وانقضت عليه شياطين الإنس والجن من كل جانب فكسبوا نفسه

стр. 92

العزيزة كسباً رخيصاً وكان من حزب الشيطان ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ . فهكذا يصير الإنسان في حياته لا محالة ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ . والنفس إن لم يشغلها صاحبها بالحق، ويصنها بوحي الرحمن الرحيم، شغلته بالباطل، وسلكت به خطوات كل شيطان رجيم، لهذا كان الإنسان لا بد له من الإيمان بالغيب وإستشعار عظمة الله والخوف الشديد من هجوم الموت الذي ما بعده إلا دقة الساعة الكبرى يوم الفزع الأكبر، ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى، وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى، فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ . فالإيمان بالغيب هو مصدر الهداية والرشد والسعادة، لأنه يجعل من ضمير الإنسان رقيباً باطنياً يراقبه في كل عمل ويخوفه من عقوبات الله العاجلة والآجلة، فيكون من ناحية على خوف ووجل من سوء المصير ومغبة التقصير فيراقب الله تماماً، مسارعاً لمرضاته، يبذل النفس والنفيس لتنفيذ أوامره في كلماته الحسنى التي تضمنها القرآن، فينشغل جسمه وقلبه بأعمال الخير والهداية عن أعمال الشر والغواية،

стр. 93

فتنفتح له أبواب الخير والسعادة بالمقاصد الحسنة والأعمال الصالحة، وتنغلق عنه أبواب الشرور باستدامة ذكر الله ومراقبته والاستحياء منه حق الحياء ومواصلة التوبة والاستغفار. قال ثابت بن قره: (راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الأنام، وراحة اللسان في قلة الكلام، والذنوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولا بد. والضعيف لا يقوى على مقاومة العوارض) . وقال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها ومن أعظم أمراض القلوب "فتنة الشبهات" التي يقوم بها شياطين الجن والإنس في كل زمان ومكان ليلبسوا بها على الناس دينهم ويشككوهم في خالقهم، بل في جميع أمور الغيب، ويولعونهم بحب الجنس والوطن والمادة، فيحلوا المذاهب المادية والمبادئ القومية الجنسية والوطنية محل الروحانيات التي بها سلامة الصدور وشفاء القلوب، ويشغلونهم بالمطربات الشيطانية ولهو الحديث عن ذكر الله

стр. 94

وما نزل من الحق، لتكون قلوبهم متأهلة للافتتان بالشهوات. وإذا جثمت على المجتمع فتنة الشبهات مع فتنة الشهوات فقد شقي وضل عن سواء السبيل، وهم يمهدون بالأولى للأخرى ليحدثوا الفراغ. عن جميع أنواع الحق الذي تقتضيه عبادة الله، فيشغلوه بالباطل كل على حسبه من ذلك الفراغ والعياذ بالله. فالإنسان - ولو كان مسلماً - كلما ضعفت في قلبه محبة الله ومراقبته، وضعفت فيه الغيرة على دين الله ومحارمه مالت نفسه إلى ما تألفها وتشتهيها من ملذات الحياة الدنيا، دون مبالاة بحكم الله فيها، أو بسوء نتائجها، لأنه بحصول ذلك يندفع إليها اندفاعاً لا شعورياً يقضي به وطره، ويشغل به فراغه، الذي حدث له. فإن حصل له شيء من التوفيق ينيب به إلى الله، انجبر الصدع الذي نابه من طائق الشيطان، وإن لم يحصل له ذلك استمر في طريق الغي والهوى الذي ينسيه الله، فيعاقبه الله بأن ينسيه نفسه فيكون منهوماً بإشباع شهواته التي لا تنقضي، واتباع هواه الذي لا يقبل معذرة ولا تسويقاً، فيجعل قي قلبه الجشع والتلهف على ما يهواه، ثم الحسرة والغيظ على عدم نيله، مما يجره إلى مسكر ومخدر يغطي عقله ويريح شعوره المتبلبل،

стр. 95

وقد يندفع إلى أنواع المشروبات يقصد بها التقوي على نهمته ناسياً أنها استنزاف عاجل يطيح بقوته عن قريب، وقد يشرب القبيح المكروه عنده من أنواع الدخان يتسلى به عن وساوس خاطره ووهج صدره، ويعاود أنواع المعاصي للاستشفاء بها عما قبلها، أو عن آثار ما قبلها وهكذا. وكل ما حصل ويحصل للناس من التمادي في الإثم والفساد وشرب ما لا يليق لهم شربه، إنما هو ناتج من ضعف القيام بعبودية الله وتحقيق محبته وتعظيمه، وضعف إستقبال القلب لذكر الله وما نزل من الحق، وعدم الفرحة الصحيحة بكتاب الله الذي أنزله شفاءً للقلوب وعزاً وفخراً للنفوس المؤمنة، التي نعرف قيمتها بين الأمم بما هيأها الله للخيرية واصطفاها لحمل الرسالة وأداء الأمانة وإصلاح الأرض بنور الله وتطهيرها من كل كفر وظلم وفسق وفجور. فمن عرف قيمته، وقام بواجبه، ورعى أمانته حق رعايتها، وحمل رسالته الإلهية الثقيلة، شمخت نفسه بها وترفع عن الدنايا والسفاسف، وربأ بنفسه وأهاب بها من النزول إلى مستوى الطغام والتشبه بالبهائم في نيل الشهوات. إذ كيف يتدنى بنفسه إلى فعل ما ينهى الناس عنه وإقتراف خيانة الله أو ترك ما يأمر الناس بفعله. إذاً لا يكون صحيحاً حامل رسالة، ولا صادقاً مع الله، ولا شريفاً في

стр. 96

نفسه، بل يكون كاذباً دنيئاً متلاعباً، ولذا قال الله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ . فالذي يعرف قيمته، وما اختاره الله له؛ واصطفاه وخوله وحباه من جميع النعم والكرامات، يكون مشغولاً بأمرين عظيمين جداً: أحدهما: أن يكون مشغوفاً غاية الشغف بحب من أنعم عليه بنعمة الإيجاد والأحاسيس والقوى، وتفضل عليه بسائر نعمه وفضله وجوده وإحسانه الدائم المتواصل، ويكون ذاكراً له ذكراً صحيحاً من أعماق قلبه، متفكراً في آياته وآلائه وعظمته وجلاله، سابحاً في بحر معرفته، والتلذذ بذكر أسمائه الحسنى، والفرح بقراءة كتابه العزيز. بحيث يمتلئ قلبه من محبته وتعظيمه، والاطمئنان لوعده، والابتهاج والسرور بذكره جل وعلا. فلا يكون فيه فراغ لغير ذلك تشغله به شياطين الجن والإنس من لهو الحديث والخزعبلات والمجون، فإذا كان قلبه على ما ذكرنا سعى للقيام بشكر الله شكراً عملياً وذلك بحسن التصرف في نعمه بأن يستعملها فيما يرضيه لا بشيء مما يسخطه، وأن يكون ممتثلاً لأوامره، مسارعاً في طاعاته، مجتنباً نواهيه، حافظاً لحدوده، غيوراً على دينه وحرماته، معظماً لرسوله، مقتدياً به في كل ما يأتي ويذر، وأن يقوم بجميع أنواع الجهاد المستطاعة لقمع المفتري على الله ورسوله، وتوقير دينه، وإعلاء كلمته. فهذا هو الشكر

стр. 97

الواجب المطلوب ليس الشكر باللسان الذي يشترك فيه كل الناس بأقوالهم الجوفاء. ثانيهما: أن ينشغل بحمل رسالته التي اختاره الله لها واصطفاه لحملها، مقدراً ما هيأه الله له من هذه الوظيفة الشريفة، فيتشرف بكتاب الله، ويفرح به فرحة عظيمة لا تشبهها أي فرحة بأي نيل يناله، لأن القلب السليم يعرف أنه مهما نال من مُتَع الدنيا وخزائنها، فاتحاف الله له بالقرآن أعظم فائدة له من ذلك. إذ فيه الشفاء والنور لقلبه والصيانة لجوارحه والعز والسؤدد والتفوق على غيره في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهو مصدر عزه وسعادته، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ . فبقوة فرحته وتشرفه بالقرآن ومحبة منزله جل وعلا واستشعار عظمته، يتلوه حق تلاوته بالتدبر الصحيح، مستغنياً بهدايته عما سواها، ساعياً في تنفيذ أوامر الله وأحكامه، قائماً حق القيام بحمل هذه الرسالة الشريفة حملاً صحيحاً بتطبيق العمل الذي يكون به أسوة حسنة للناس أولاً، ثم بالدعوة والتبليغ والدفع به إلى الأمام ثانياً. كيلا يسبقه أهل الدعوات الأخرى ويغلبوه على حمل رسالة مولاه، فينشغل غاية الإنشغال بأداء وظيفته الشريفة التي

стр. 98

اصطفاه الله لها، فلا يكون في قلبه فراغ ولا في أوقاته مجال أبداً لغير ذلك ومع هذا فلا يتبرم أو يضجر لما يخالطه من المحبة واللذة والغبطة والسرور في ذلك، متيقناً أن العزة والسؤدد والسعادة الكاملة والحياة الطيبة في الدارين إنما هي بتحقيق طاعة الله والقيام بواجب مولاه وجندية مولاه وحفظ حدود مولاه راجياً رحمته خائفاً من عذابه المتنوع. وبإنشغال المؤمن بهذين الأصلين ومقتضياتهما مما قدمناه يكون قد طهر قلبه مما سوى الله، وملك جوارحه واستعملها في طاعة الله، وضبط أوقاته واستغرقها في خدمة وظائف الله بغاية الحب والسرور والاغتباط. ومن كانت هذه حاله فلا تساوره الهموم والأحزان، ولا يعتريه السخط والملل، لأنه متنعم بما يجعله معتزاً، متشرفٌ بما يسلكه متوكلٌ على الله، مستعين به، راضٍ عن محبوبه جل وعلا، صابرٌ على بلائه جازمٌ أنه تربية لنفسه وسبكٌ لضميره أحسن وأحكم من تربية المخلوق للمخلوق الذي يصطفيه في مهمات الدفاع عن مبادئه وكيانه. وإذا كان على هذه الحال فلا يمكن أن يلهو باللعب والطرب أو ينشغل بلهو الحديث عن مهماته العظيمة ووظائفه الشريفة، ولا أن يأكل أو يشرب ما يضر ببدنه أو يخامر عقله أو يفتر نفسه أو يخدر جسمه والمفترات، كالقات والشمة والتمباك والحشيشة

стр. 99

والمشروبات الأخرى، المسكرة منها أو المفترة أو المنعشة، ونحوها مما يتعاطاه المترفون أو الفارغون أو مبلبلو الخواطر الذين ما تطمئن قلوبهم ولا تأنس بذكر الله ولم تشتغل بواجبها مما ذكرنا آنفاً. فكل ما يعتري النفوس من تناول هذه الأشياء أو الولوع بعشق المحبوبات لديها ناشء بسبب ذلك. فإن المحب لله يشتغل بمقتضيات محبته ولوازمها مستلذ بمحبته أعظم من كل لذة تحصل بمحبة أي معشوق في الدنيا كما أنه يكون مندفعاً ومنهمكاً بالأعمال التي ينال بها القرب من محبوبه ورضاه. فأهل الإيمان بعد تجريد توحيد قلوبهم لله وإقبالهم عليه دون ما سواه، يكونون حنفاء لله مخلصين له لا يحبون شيئاً إلا في الله ولله، ولا يتوكلون إلا عليه ولا يرجون أو يخافون إلا إياه ولا يسألون إلا منه ولا يوالون أو يعادون إلا فيه ومن أجله، فلا يكون للهوى عليهم سبيل، أو يكون منهم إلتفات إليه، إن حاربوه وطلقوه، لأنهم قد ثبت عنهم إرادة ما سوى الله بإرادته، ومحبة ما سواه بمحبته، وخوف ما سواه بخوفه، ورجاء ما سواه برجائه. فبذلك حققوا عبوديتهم لله ومحوا الهوى الذي يتخذ آلها من دونه. فلم يعتريهم في سائر سلوكهم شيء مما يزاحم الألوهية

стр. 100

ويفتح للشياطين عليهم منفذاً ومجالاً، لأنهم قد صدقوا بقلوبهم وجوارحهم في محاربة الشياطين بسلاح وحي الله وتحصنوا منهم بقربه وطاعته ومحبته، فانتعشت قواهم الروحية والمعنوية بقوة إيمانهم ويقينهم وحبهم لربهم وأنسهم به وانشغالهم الدائب في طاعته واشتداد شوقهم إليه ورضاهم بما يصدر منه وعنه لفرط حبهم وحسن مقابلتهم للنعمة والمعروف. قال ابن القيم ﵀: (ومن غلظ طبعه وكثفت نفسه عن فهم هذا والتصديق به فلينظر حال كبير - أو كثير - من عشاق الصور الذين قد امتلأت قلوبهم بحب ما يعشقونه من - جميل وجمال - جاه أو مال أو علم وقد شاهد الناس من ذلك عجائب في أنفسهم وفي غيرهم) ، انتهى بتصرف يسير هو ما بين الخطوط توضيحاً مني. ولا شك أن ما يتأثر به القلوب والأرواح تنفعل به طبيعة البدن من كل شيء وفي كل شيء. وإذا كان القلب خراباً من قلة التوحيد والتوكل والتقوى والخشية من الله والتوجه إليه، أو خراباً من عدم ذلك بالكلية فإنه يكون مقفراً من روح الله أعزل من ذكره وأسلحة وحيه وحصانة حبه وقربه، فإنه يكون مصروعاً بشتى أنواع الصرع، صرع الهوى والشياطين وأكثر الناس صرعى من ذلك لا يفيقون من سكر الهوى الذي بواسطته صرعتهم الأرواح الخبيثة

стр. 101

وأسرتهم الشهوات واستعبدتهم ففيهم الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند معاينة الموت إن لم يتداركه الله بلطفه وتوفيقه فيستشفي بشفاء الوحي ويصحو بقوارعه ويفيق فينيب إلى ربه فحينئذ يعرف حاله وينظر إلى أبناء الدنيا مصروعين حوله يميناً وشمالاً على اختلاف طبقاتهم وشدة انهماكهم فمنهم من أطبق به الجنون ومنهم من يفيق أحياناً وتصرعه شهواته وأطماعه وأغراضه أحياناً فإذا أفاق أبصر الحق أو بعضه فعمل بعمل أهل العقل واليقين وإذا انتابته أغراضه وانصرع بها عمل ما يتلقه ويشقيه في الدنيا والآخرة. فلهذا تجد أهل المخالفات للشريعة يعملون ما يخالف العقل الصريح والذوق السليم بحيث لو شرع وفرض عليهم وحثهم الوعاظ على فعله لاستنكروه وقالوا هذا خرافة - هذا فعل وحشي - فلو أمروا مثلاً بالزنى لقالوا: كيف ذلك وجميع بنات آدم أخوات لنا وعلى الأخص المسلمات؟ كيف يكون الإنسان كالحيوان ينزوا على أخته ثم يعقبه الآخر؟ أين العفة؟ أين الصيانة؟ أين المصونة؟ ولكن سكر الهوى وصرع الشيطان يدفعانه إلى عكس الحقيقة فيتعشق الخبيث النجس مقتدياً بالجعل من حيث لا يشعر. وكذلك لو فرض عليه شرب أي نوع من أنواع الخمر

стр. 102

لقال في حال عقله الصريح: كيف أشرب ما يذهب عقلي ويزيل عني الميزة الإنسانية ويلحقني بالبهائم؟ ولو قيل له تناول الحشيشة أو الأفيون الترياق أو القات وما شاكله من المخدرات والمفترات، لامتعض من ذلك وقال: كيف أتناول ما يخدر جسمي ويبلدني ويذهب برجولتي ومنزلتي إلى مستوى البهائم؟! كما لو قيل لذي العقل الصريح والقلب الذي لم يتأثر بأمراض الغفلة والإعراض عن الله: إن شرب الدخان مفترض عليك من سيجارة إلى حشيشة ونحوها، لقال: الله أكبر، كيف أضع الدخان في صدري؟! كيف أدخله إلى أعماق بدني؟! هذه ليست بشريعة حكيم مفكر. هذا عمل وحشي وتشريع خامل جاهل. كيف أنفق الدراهم في شراء هذه الأشياء التي تضر بصحتي وتجعل نفسي رهينة لها أسيرة لتناولها؟! هذا سفه وخبال. لأي شيء أعشقه وأدفع له عزيز مالي وثمرة كدي وكدحي؟! هل أعشقه وأرغب فيه لطيب ريحه أو لحسن طعمه أو لالتذاذ بمنظره أو التقوي بتناوله؟! كل هذا مفقود وعكسه موجود. الخمر طعمها مر، وريحها عفن نتن والأشياء المخدرة كذلك في سوء

стр. 103

المنظر والمخبر خبيثة الريح والطعم والضرر على العقل والروح والبدن والخسارة في المال وكذلك الدخان بسائر أنواعه، لا أربح منه إلا خراب الأسنان وكثرة السعال وخبث الريح وضعف البدن والقوى وإضاعة المال وإيذاء من يكرهه من الإخوان بإفساد الجو اللطيف عليهم. ومن يؤذ إخوانه فلا خير فيه. هكذا منطق العقل الصريح المستقيم والذوق السليم. كما أنهما يناديان على كل خصلة حرمها الشارع بقبحها في العاجل وسوء عواقبها ونتائجها في المستقبل من غش وخداع وتطفيف ونصب وتلصص وإغتيال وفحش وشتم وغير ذلك. لأن الجرائم ليست فطرية تولد مع الإنسان. وإنما هي عوارض وقتية تسنح له ويرتكبها لحاجة تضغط عليه أو تأثير بيئة أو سوء توجيه. أما الذي يولد مع الإنسان فهي فطرة الله التي فطر بني الإنسان عليها من الخيارة والعدالة والاتجاه إلى الله، ثم ما ينميه الله بها من شريعته المزكية لنفوسهم المنورة لقلوبهم فيما يبعثه من رسل وينزله من كتب. فإذا غلبتهم نفوسهم بما ذكرنا واجتالتهم الشياطين فسدت فطرتهم وسرجت عقولهم فانحرفوا إلى الأعمال والسجايا والتقاليد التي لا ترضاها العقول السليمة الفطرية المتجهة إل فاطرها القائمة بشكره وذكره.

стр. 104

وإذا سلموا من ذلك وكان الحكم للعقل الصريح حكم بما ذكرناه آنفا، مؤيداً لما جاءت به الشريعةـ ثم إذا تشرفت العقول والأرواح بتقبل شريعة الله حصل لها الكمال المطلق الصحيح الذي تزكوا به النفوس ويحصل به الفرقان من نور هداية الله ومدده وتوفيقه فتبصر الحقائق على ما هي عليه لأنها تكون على بينة من ربها بهدايته لها إلى الصراط المستقيم وإمدادها بالعلم والحكمة فتندفع إلى الطاعات وتنزجر عن المحظورات على بصيرة وعن حب وتعظيم لله وخوف كامل ومراقبة صحيحة، فنتجوا تلك العقول من الصرع الحسي والمعنوي وتتحرر من رق الهوى والشهوات وعبودية الأشخاص والمذاهب المادية فأولئك أهل لتلك الحياة الطيبة التي لا يتعاطون فيها ما يضرهم في دينهم ودنياهم، زد على هذا، ما يربحونه من اتباع الشريعة والتأدب بآدابها والتزام فرائض الله وحفظ حدوده مما يضمن لهم السعادة في الدارين. وقد قدمنا أن جميع ما أمر به الله من قول وفعل من سائر العبادات فيه مصلحة لبدن ابن آدم وعقله وروحه؛ فضلاً عن مزيد الثواب ورفعة الدرجات عند الله، فضلاً عما يكسبونه في الدنيا من السؤود والنصر والعزة والسلطان، ولتأت من ذلك على أمثلة فنقول: ١) منها "الصلاة"، إذا قام إليها الإنسان عن حب

стр. 105

وتعظيم لله، ورغبة فيما عنده، وتشرف واعتزاز بمقابلته جل وعلا، فوقف أمام ربه مالك الملك وقفة أخشع وأخضع من وقفته أمام حاكم من حكام الدنيا فصلاها وهو حاضر القلب متلذذٌ بالحظوة والوقوف بين يدي الله الملك العلام متشرفٌ بذلك أعظم مما يتشرف ويفرح لو حظي بمقابلة حاكم عظيم. فهذا ينطبع بحب الله وتعظيمه في تكرر هذه الوقفات الجليلة أعظم مما ينطبع حاشية السلطان المكثرون من الاتصال به، فتندفع جوارحه إلى طاعة الله ويرهب من معصيته ويقوم بتنفيذ أحكامه وتطبيق حدوده في كتابه والانتصار لدينه وقمع المفتري عليه وبغض المنحرف عنه. فلهذا كانت الصلاة من أعظم الأدوية للقلوب والمروحات لها وللأبدان فشأنها في تفريح القلب وتقويته وابتهاجه أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع بدنه وقواه وآلاته في عبوديته، وإعطاء كل عضو حقه منها واشتغاله عن التعلق بالمخلوق وملابسته ومجاورته وانجذاب قوى قلبه وجوارحه إلى ربه وفاطره، وحصول راحته من أعدائه الشياطين حالة الصلاة، مما تكون به من أكبر الأدوية والمفرحات وأجلّ الأغذية الملائمة للقلوب الصحيحة فقط. وأما القلوب المريضة المعتلة فهي كالأبدان المريضة لا تناسبها الأغذية الفاضلة ولا تستطيب الحلو كما قال الشاعر:

стр. 106

ومن يك ذا فم مريض ... يجد مراً به العذب الفرات فالصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة ودفع مفاسدهما، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب وطاردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب ومبيضة للوجه ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق ودافعة للظلم وناصرة للمظلوم وقامعة لإخلاط الشهوات، حافظة للنعمة دافعة للنقمة ومنزلة للرحمة وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوجاع البطن، لأنها رياضة للنفس والبدن جميعاً تشتمل على حركات وأوضاع مختلفة تتحرك معها أغلب المفاصل وينغمز معها أكثر الأعضاء الباطنة كالمعدة والأمعاء وسائر آلات النفس والغذاء، زيادة على ما يجري فيها من إنشراح الصدر وقوة النفس والروح المعنوي الذي تقوى به الطبيعة، مما لا يقدر الملاحدة على إنكاره إلا حين المكابرة. والصلاة من أعظم وسائل الراحة والصبر، وهي مجلبة للرزق حافظة للصحة الحسية والمعنوية دافعة للأذى مطردة للأدواء - أدواء الشبهات والشهوات - مقوية للقلب مفرحة للنفس الزكية، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن. وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، لا سيما إذا

стр. 107

أعطيت حقها في التكميل ظاهراً وباطناً. فما استدفعت شرور الدنيا والآخرة واستجلبت مصالحهما بمثل الصلاة لأنها صلة بين العبد وربه وعلى قدر صلة العبد بربه تنفتح له الخيرات وتنقطع عنه الشرور أو تقل. وما أبتلي رجلان بعاهة أو مصيبة أو مرض إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم. والمؤمنون حقيقة يجدون فيها الراحة والمتعة والسرور كما كان ﷺ يقول لبلال: (أرحنا بالصلاة) ، ويقول: (جعلت قرة عيني في الصلاة) . فالمؤمنون تقر أعينهم بالمثول بين يدي مولاهم في الصلاة أعظم مما تقر عيون أهل الدنيا بمقابلة حكامهم والحظوة منهم ولهذا كان علامة الإيمان المسارعة إلى الصلاة وعلامة صحة القلب وسلامته من أمراض الفتنة فرحته بالصلاة وتلذذه بطول إقامتها دون أن يخطر بباله الخروج منها وعلى العكس مريض القلب الذي إن صلاها فصلاته تشبه العادة يأتي بها من غير وعي وإحساس ويرتقب انتهاءها والخروج منها بسرعة حتى أن كثيراً من الناس يشكو الإمام الذي يطيل الصلاة ويهجر مسجده إلى غيره فمثل هذا لا ينتفع بصلاته إلا قليلاً. أما الأول فهو الذي تؤتي صلاته ثمارها الطيبة ونتائجها

стр. 108

الحسنة التي يتأثر بها في سلوكه لقوة صلته بالله وازدياد محبته وتعظيمه ومراقبته. فمن هنا كانت الصلاة تأمر صاحبها بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتجعل قلبه متقداً بالغيرة لدين الله والغضب لحرماته وحدوده فتندفع قواه وجوارحه لحمل رسالته وقمع المفتري عليه والقيام بإصلاح ما أفسده المبطلون في كل مكان شعوراً منه بأداء وظيفة الله في الأرض فيكون من ورثة نبي الله ﵊ لا من ورثة أعدائه. ٢) أما "الصبر" فهو نصف الإيمان. لأنه ماهية مركبة من صبر وشكر كما قال بعض السلف مستنداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ . والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وهو ثلاثة أنواع: ١) صبر على فرائض الله فلا يضيعها أبداً. ٢) وصبر عن محارمه فلا يرتكبها أو ينتهكها. ٣) وصبر على أقضيته وأقداره فلا يتسخطها. وأركان الصبر ثلاثة: ١) حبس النفس على المكروه. ٢) وتحمل الأذى في سبيله.

стр. 109

٣) انتظار الفرج. ومن استكمل أنواع الصبر وأركانه فقد استكمل الصبر وكانت عاقبته الحصول على لذة الدنيا والآخرة، والفوز والظفر بما هو موعود فيهما، قال ابن القيم ما معناه: ولا يصل أحد إلى مقصوده إلا على جسر الصبر، كما لا يصل أحد إلى الجنة إلا على الصراط. وقد قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ا: (خير عيش أدركناه بالصبر) . وإذا تأملت مراتب الكمال المكتسب في العالم رأيتها كلها منوطة بالصبر وناشئة عنه، وإذا تأملت النقصان المكتسب أيضاً وجدته من عدم الصبر، وكذا فإن صحة القلوب والأبدان والأرواح ترجع إلى الصبر، وكثرة أسقام القلب والبدن تنشأ من انعدام الصبر. ولو لم تكن في الصبر إلا أن معية الله مع أهله لكفى فإن الله مع الصابرين يؤيدهم ويقويهم ويثبتهم ويؤنسهم، ولا يدعهم في الطريق وحدهم، ولا يكلهم إلى أنفسهم ويتركهم لطاقاتهم المحدودة ما داموا متوكلين عليه حاملين لواءه، ويجلي هذا قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ، وقوله ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ . وقول الرسول ﷺ : (إن النصر مع الصبر) .

стр. 110

وكرر الله ذكر الصبر والأمر به وحسن نتائجه في القرآن الكريم لأن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي يقتضيه حمل الرسالة والاستقامة على الطريق بين شتى النزعات والدوافع المختلفة، وضخامة المجهود الذي يقتضيه القيام على دعوة الله، والدفع بدينه إلى الأمام بين شتى الصراعات الفكرية والدموية، فلا بد من الصبر والمصابرة في هذا كله. وصبر المؤمن على طاعات الله ثم صبره في كف نفسه عن معاصيه يقويه في الصبر على جهاد أعداء الله، وعلى كيدهم والكيد لهم، ثم المرابطة على بطء النصر والمرابطة لارتجائه. ولئلا يضعف الصبر بطول المدة وكثرة المشقة أرشد الله عباده إلى الزاد والمدد الروحي فقرن الصلاة إلى الصبر وقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ، فهي المدد الروحي الذي لا ينقطع، والزاد المعنوي الذي لا ينضب ولا ينفد، ويزداد القلب قوة يستسهل بها الصعاب، ويقرب عليه بها البعيد فتجدد طاقاتهم، ويمتد حبل صبرهم، وتكسبهم هذه الصلاة كمال الرضى والثقة واليقين، كما في يوم (الخندق) و (حنين) وغيرهما، ولهذا كان يكثر منها رسول الله ﷺ كلما حز به أمر، وكان مطلوباً من كل مسلم أن يأمر أهله بالصلاة كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، وقال ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع
следующие страницы →