Полный текст (161 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
س) إذا ما معنى قوله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؟
ج) القرآن يفسر بعضه بعضاً.
فمعناها إننا إذا اهتدينا وتواصينا بالحق وصبرنا على الأذى فيه وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر وتعاونا مع إخواننا على البر والتقوى وجاهدنا في الله حق جهاده، فحققنا الاهتداء الواجب علينا، لا يضرنا حينئذ ضلال الضالين وعناد المعاندين بعد ذلك، إذ بدونه لا تتحق الهداية أبداً.
س) ما هو الإلحاد ؟
ج) هو الميل عن الحق والانحراف عنه بشتى الاعتقادات والتأويل، ولذا سمي لحد القبر لحداً لميله عن وسطه إلى أحد جوانبه.
فالمنحرف عن صراط الله والمعاكس لحكمه بالتأويل الفاسد وإبداء التشكيك يسمى ملحداً.
والذي يعدل بربه غيره فيتألهه بالحب والتعظيم وقبول مبادئه أو تنفيذ نظمه وتشريعاته باستحسان يكون ملحداً.
وأول الناس إلحاداً المشركون الذين أشنقوا لآلهتهم من أسماء الله، كاللات والعزى من الآل الذي هو الإله، ومن العزيز الذي هو ذو العزة، وهكذا.
ثم كل من ألحد في أسمائه وصفاته وصرفها عن ظاهرها وأخضع نصوص التنزيل لقوانين (أرسطو) المنطقية وإضرابه، وكل من خالف النص في القدر والبعث وغيره،
стр. 37
أو تأول شرائع الإسلام والإيمان على خلاف ما بينه الرسول ﷺ قولاً وفعلاً، أو غير حدود الله وأحكامه بحجة التطوير والحضارة والرفق بالإنسان، وما إلى ذلك، فهو ملحد.
وكذلك من زعم إن النصوص الشرعية لا تفيد اليقين الموجب للعمل حتى يقبلها العقل ويستسيغها، فإنه ملحد، لأنه جعل العقل البشري نداً للدين الإلهي.
س) ما حكم الملحد ؟
ج) يكفر وتجري عليه وعلى ماله أحكام المرتدين.
إذا قامت عليه الحجة بالتعريف بالدليل، أو أنكر الأدلة الشرعية، ولم يخضع وأصر على عناده بالاستسلام لغيرها.
س) ما هو الشرك ؟
ج) هو أن تجعل لله نداً وهو خلقك.
وهو أكبر الكبائر، وهو الماحق للأعمال والمبطل لها والحارم من ثوابها.
فكل من عدل بالله غيره، بالحب والتعظيم أو أتبع خطواته ومبادءه المخالفة لملة إبراهيم فهو مشرك.
وكذا من أنتصر له وقاتل معه تحت راية عميه، يدعو إلى عصبيه، أو ينتصر لعصبية، ومذاهب مادية، مما قذف به الغربيون علينا فهو مشرك. وقد تبرأ منه الرسول ﷺ في الحديث المشهور.
وكذلك الذين بدلوا قولاً غير الذي قيل لهم، فجعلوا حدود الوطن فوق حدود الله، ومحبة الجنس والقوم فوق محبته، أو
стр. 38
إندفع باسم التحرر والتطوير ونحوه مما وضعته البروتوكولات الصهيونية سراً ونفذه تلاميذ الأفرنج جهراً من كل ما هو مخالف لحكم الله وخارج عن تعاليم الإسلام، فهو مشرك أيضاً.
س) ما هو الند والأنداد ؟
ج) الند هو الشبه والمثل، والأنداد جمع ند، وهي الأمثال والنظراء والأشباه.
وهي أعم من الأصنام الحجرية الميتة الصامتة.
فيدخل في مسماها أنواع من البشر المتحرك الناطق الذي يفرض سلطته قهراً أو تضليلاً، فيحاط بهالة من الثناء والتعظيم، لما يروج للناس من دعايات تغرر بالجماهير، فمن استجاب لمذاهب أحد من هؤلاء أو مبادئه، وأنطلق لتنفيذ خططه والسير في ركابه دون ردها إلى الله ورسوله ﷺ ووزنها بميزان الشريعة الحقة فهو مشرك.
ويدخل أيضاً في عموم الأنداد الرؤساء الروحيون الذين يقدسهم أهل الملل والنحل وسائر المبتدعة، فالمتقبل لما يصدر منهم برحابة صدر هو مشرك أيضاً.
إلى غير ذلك من كل ما يعدل الناس به الله، ويعتبرونه لهم نبراساً في سير الحياة وممثلاً لمناهجهم، ويحظى منهم بالتوجه إليه ما لا يحظى به رب العالمين، كما هو المشاهد من حالة الناس
стр. 39
اليوم مع محبوبيهم من الزعماء السياسيين أو الدينيين.
فكله شرك مناقض لمدلول الشهادتين.
وكذلك القول على الله بغير علم هو عديل للشرك، لأنه افتراء على الله، ولا أحد أظلم ممن أفترى على الله.
س) ما الدليل على ذلك ؟
ج) الأدلة كثيرة متظافرة من الكتاب والسنة.
منها قوله تعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، وقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ..﴾ ، إلى قوله ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا - بضم التاء وكسر الباء - مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا - بفتح التاء والباء - وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ، وقوله ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، وقوله ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ ، وقوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
أي لا أحد أظلم من أهل هذه الأوصاف، فهم على غاية من الشرك.
فلا أحد أشد ظلماً وأعظم شركاً وجرماً ممن بذل مجهوده الأدبي أو المادي أو المعنوي لتقرير مذاهبه ومبادئه وفلسفاته المخالفة لشرع الله أو المنقضة لملة إبراهيم، بل هو في عمله هذا من المحادين لله ورسوله.
فانتبهوا يا أولي الأبصار.
стр. 40
والأدلة كثيرة جداً يطول بها المقام.
س) هل للوثنية رسم خاص وصبغة واحدة قد انتهت بها أم لا ؟
ج) إن الوثنية برسمها الخاص وصبغتها الواحدة التي تجمعها هي:
(١) تقديس غير الله.
(٢) أو تحكيم غيره.
(٣) وتشريع ما هو مناف لشرعه الحكيم.
ولكن ليس معنى هذا انحصارها برسم خاص قد انقضى، أو بصبغة واحدة تلبس بها غيرنا ونحن معصومون منها.
بل إن فروع هذه القواعد الثلاثة الخبيثة كثيرة جداً، فكل من تلبس بشيء منها كان وثنياً، أو كان فيه من الوثنية بحسبه، مهما كان، وفي أي محيط كان.
لأن للإنسان في هذه الحياة وظائف خاصة أوجده الله من أجلها، فإن هو أخل بها أو تجاوزها إلى غيرها أو اعتدى فيها كان ظالماً باخساً لحق الله، وفيه من الوثنية بقدر ما أرتكبه.
س) هل الجاهلية مقصورة على قرون مضت أو تتجدد صبغتها في الناس ؟
ج) ليست مقصورة على قرون، بل قد تزيد الجاهلية في قرن على ما قبله من القرون، إذ لها طوابع خاصة يتصف بها كل فرد وكل أمة عتت عن أمر ربها ورسله وتبعت
стр. 41
أهواءها في كل شيء.
حتى إن جاهلية اليوم تعتبر أفظع من كل جاهلية سبقتها، لأن فيها من الإغراء على كفر النعم وإنكار الخالق أو التنكر لدينه وشريعته والتهجم على حكمته والاستهانة بعزته وتحسين الخلاعة والرذيلة والفجور وذهاب الغيرة والحياء ما لم يكن في محيط أبي جهل وأبي لهب وما قبله من كل جاهلية.
وقد لا ينتهي الأمر عند هذا الحد ما دامت الإنسانية خارجة عن حدودها متمردة على نظام الله.
وستبقى عرضة لعقوباته حتى تفيء إلى أمره، وتتصور دينها ومقوماتها الصالحة المصلحة تصوراً صحيحاً، تهتدي به إلى حسن تطبيقه دون إخلال.
س) بماذا يحصل هذا التصور وينتج ثمراته ؟
ج) (١) بمعرفة حقيقة الألوهية لمالك الملك جل وعلا معرفة روحية، تستلزم الخضوع لسلطانه والانقياد لأمره، لا كمعرفة اليهود الذين قالوا (سمعنا وعصينا) .
فمن لم ينقاد لحكمه ويمتثل أوامره فقد قال بلسان حاله وسوء فعاله (سمعنا وعصينا) ، وإن لم ينطق بذلك.
(٢) معرفة حقيقة العبودية، وإن الإنسان لا بد له أن يكون عبدا، فإما عبداً للرحمن وإما عبداً للهوى والشيطان، فشرفه وزكاته بعبودية الله وأخذ كتابه بقوة وحمل شريعته تطبيقاً وتبليغاً ودفعاً بها بالقوة، أشد مما يقوم به أهل الباطل وحملة المذاهب المادية لنشر مبادئهم وفرض وحدة أهدافهم المزعومة.
فإن قصر في
стр. 42
ذلك لا بد أن يرتكس في الجاهلية، ويكون ممن غضب الله عليهم.
س) لماذا يرتكس في الجاهلية وينال غضب الله وعقوباته ؟
ج) لأنه لم يقم بواجب الألوهية ويقدرها حق قدرها، ويخلص أعماله لربه، ويحسن معاملته معه، ويحقق عبوديته بتنفيذ أوامره والانقياد لحكمه في كل شيء.
بل جعل الحكم لنفسه أو لمحبوبه ومتبوعه، لا لله الذي خلقه وصوره وأنشأه لعبادته، مختاراً أن يكون خليفته في الأرض لتطبيق شرعه فيها وإصلاحها، على ضوء هدايته التي يتلقاها من وحيه الموروث حقاً من رسوله، ويتكيف به ويستقيم على نهجه، دون أن يتلقى شيئاً من مصدر آخر يشوبه به، فيكون عائداً للوثنية لا محققاً للعبودية.
والله حصر مقصوده من خلقه الثقلين بعبادته حصراً، فمن جعل لنفسه الخيرة فيما يفعله ويسلكه فقد أفتات على الله الذي يقول ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، ويقول ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ .
стр. 43
س) يتعلل ملاحدة زماننا بالتوحيد زاعمين الاعتراف بالله والرسول لكن يرون ضرورة التطوير والتنظيم الاجتماعي فما الجواب ؟
ج) إن الإيمان بالله ورسوله ليس مجرد أقاويل ودعاوي، فالدعاوي لا تتعذر على أحد، حتى اليهود وغيرهم يدعون الإيمان بالله وبكتبه المنزلة على رسلهم من عنده.
والمنافقون من هذه الأمة كذلك، فقد أخبر الله نبينا عنهم وفضحهم في عدة سور وآيات، منها قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا..﴾ ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ..﴾ ، إلى قوله ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، من أوائل سورة البقرة، وقوله أيضاً ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ .. الخ.
وفضحهم وكشف أسرارهم ونواياهم الخبيثة الفاسدة المفسدة في سورة النساء والمائدة والأنفال والتوبة والحشر، حتى أخبر عنهم إنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم، نسوا الله فنسيهم، وأخبر أنهم يمالئون اليهود سراً وجهراً عن شعور وعن غير شعور.
وجميع ما ذكر فيهم من الصفات تجدها صفات مضطردة في منافقي كل زمان، وإن تسترت بمذهب
стр. 44
وشعار أو إنصبغت بطلاء.
حتى جاء دور منافقي أزماننا الماهرين بإطلاق الشعارات وتزيين الطلاء وتحبيب الفحشاء والمنكر، والعبرة بالميزان الصحيح والمعيار الصحيح، لا بالشعارات والدعاوى.
فدعوى الإيمان بالله ورسوله لا تصدق إلا بالانقياد لحكم الله والمسارعة لمرضاته، وطاعة رسوله والاهتداء بهديه، وذلك لا يتم إلا بتطبيق كتاب الله وسنة رسوله، والتكيف بهما دون تكييفهما وإخضاع نصوصهما للأهواء، بل بإدراكهما بحسن التصور المستمد من ذاتهما لا بمقررات سابقة أو لاحقة من مصدر آخر، أو مقولات يفتعلها بنفسه ثم يجعلها ميزاناً لما أنزل الله.
هذا هو عين الضلال والمشاقة لله ورسوله والتقديم بين يديهما، عياذ بالله من ذلك.
س) إذا ما دور الإنسان في إجراء التطوير والتجديد في نظام المجتمع ؟
ج) بما أن كينونة كل مخلوق حادث في العوالم العلوية والسفلية كينونة مقيدة، متحيزة في حدود من الزمان والمكان والنظام الإلهي المحكم لها، وهي لا تملك مجاوزة ذلك على الإطلاق، بل لا تملك الإحاطة بالكلي المطلق بأي حال، وكل له دائرة ونظام ومحور يدور به، إن هو انفلت منه أختل توازنه وفسد هيكله، أو كاد يعطب.
فكذلك الكينونة البشرية بجملتها - لا مجرد تفكيرها فحسب - ليس لها مجاوزة
стр. 45
ما وضعها وأحاطها به من حدود ونظام ملائم لطبيعتها، حسب إرادة الله الأزلية السرمدية وعلمه المحيط الأزلي الأبدي وحكمته الشاملة لجميع تطورات العصور واختلاف البيئات.
فالإنسان مخلوق بطبيعته الحادثة الناقصة، وإدراكه مهما توسع لا بد أن يكون محدوداً حسب طبيعته أولاً، ثم هو محدود بوظيفته برب العالمين ثانياً؛ وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق جميع معاني العبادة لله والتزام حكمه تماماً بلا نقص ولا زيادة، وهو بفطرته لا يملك أن يستقر في هذا الكون العظيم الهائل كذرة تائه مفلة ضائعة.
فلا بد له من رباط معين بهذا الكون يضمن له الاستقرار فيه بعيشة راضية ويعرف فيه مكانه حقاً، ولذا قال تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ.. يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ .
فلذلك لا بد له من عقيدة ربانية تفسر له ما حوله وتفسر له مكانه، وتضبط وظيفته بضوابط حكيمة لا تتأثر بملابسات العصر والبيئة، لأنها من وضع علام الغيوب الحكيم العليم بمصالح عباده.
وهذه العقيدة وما يتفرع منها من نظم وأحكام هي خاتمة الرسالات والشرائع الإلهية المنزلة على نبينا محمد ﷺ والتي من فرط فيها أو تجاوزها كان كافراً أو منافقاً كفراً أو نفاقاً قولياً اعتقادياً أو عملياً، والعملي أنكى وأفظع.
стр. 46
س) كيف التوفيق بين العمل يما يمليه التصور الاعتقادي وما يتخيل من التطور الاجتماعي ؟
ج) إن هناك تلازماً وثيقاً بين طبيعة التصور الاعتقادي وطبيعة النظام الاجتماعي، تلازماً لا ينفصل، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة، بل هناك أعظم من ذلك، وهو الانبثاق الذاتي - في المجتمع الذي لم تمرج عقول أهله وتفسد فطرتهم -
فالنظام الاجتماعي الفطري هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود ومركز الإنسان فيه ووظيفته وغاية وجوده الإنساني.
وكل نظام لا يقوم على أساس هذا التفسير فهو نظام مصطنع لا يعيش إلا فترة، يشقى بها الإنسان بإهدار كرامته وخراب أسرته وضياع عرضه وتسخيره بيد من لا يرحمه، وذلك لبعد الشقة بين ما استورد عليه باسم التطوير، ودين الفطرة الإنسانية حتما.
خذ صورة مثال واحد من التلازم الوثيق بين طبيعة التصور الصحيح لحكم الله وبين طبيعة النظام الاجتماعي.. تحريم الزنى ودواعي قربانه من إظهار الزينة وإبداء المفاتن المغرية عليه، وشرع العقوبة الرادة عن ارتكابه، إذا تصورت مفاسده الوخيمة وآثاره السيئة من هتك العرض وضياع النسب وزوال العفة والشرف وتبادل الخيانة الزوجية، تمنيت زيادة العقوبة على مرتكبه، خصوصاً إذا ارتكبه في حقك، فهذا من التلازم والارتباط الوثيق بين حكم الشرع وطبيعة النظام الاجتماعي بالمعقول الصحيح.
ثم أعكس الأمر ولاحظ أن
стр. 47
المرأة المزنى بها أخت لكل إنسان إن لم تكن بنت لكل إنسان، فالذي يرضى بزناها ولا تأخذه الغيرة في إقامة حد الله على الزانيين بلا رأفة في دينه، هو ديوث عقلاً، غير مؤمن شرعاً، وكذلك من انشرح صدره لتهتك أخواته النساء وإظهار زينتهن ومفاتنهن بحجة التطور والحضارة هو ديوث، راض بعرض عرضه، وبعرض لحومهن كعرض السلعة المبتذلة.
وهو خارج عن شرف الإنسانية نازل إلى أحط الصفات البهيمية التي لا تستنكر الفساد، ولا تكترث من نزول بعضها على بعض، ولا تعرف للحرم والوكر قيمة.
فتشريعات الله الاعتقادية والحكمية ضرورة حتمية، كما أن طبيعة النظام الاجتماعية ضرورة شعورية، وقس على هذا مسائل الشرك والظلم والربا والسرقة والاغتصاب وأنواع الاحتيال وتحريم العمل على إضاعة الحياء بكل وسيلة وتحريم الجور والقتل بغير حق وإثارة الفتن والحروب والإسراف والتبذير في المال ومنع ذوي الحق حقوقهم فيه وغير ذلك مما غايته إصلاح القلب البشري وإقامة الحياة في الأرض على أسس من الحق والعدل الأزليين الكامنين في بنية الكون وبنية الحياة الشريفة.
ولهذا وذاك تتحتم يقظة الإنسان لحكمة التشريع الإلهي وعيه وتدبره، ضماناً لسير الأمور في الأرض على نهج ملة إبراهيم في الولاء والبراءة والحب والبغض، وعلى وفق شريعة محمد في الفروع، من العدالة والحق وصيانة الدين والعرض والكرامة
стр. 48
الإنسانية، استمداداً من العقيدة الإسلامية بمعناها الصحيح، فإذا لم يكن البشر واعين لحكمة التشريع وثمراته، من جلب نفع أو دفع ضرر، فلن يطبقوه على تمامه أو على وجهه الصحيح.
فالتطور أو الحضارة مثلا يجب أن تقصر على نحو تطور الإنسان في مسكنه من كوخ أو بيت طين إلى بيت حجري أو مسلح، ومن ركوب الإبل والخيل والحمير إلى ركوب السيارة والقطار الحديدي والطائرة ونحوها، ومن التروح بمروحة الخوص ونحوها إلى مراوح الكهرباء والمكيفات، ومن سرر الجريد وفرش الحصر والليف إلى سرر الحديد والأخشاب اللطيفة والفرش الناعمة المتنوعة الجديدة، وكذلك تطوره في الدفاع الحربي من الرمي بالنبال والطعن في الرماح إلى الرمي بالرصاص والقذائف النارية والمدافع والألغام والقنابل اليدوية والسيطرة على الجو وغير ذلك من أنواع القوة.
وكل ما هو قابل للتطور الصحيح بصفة لا ينشأ منها مفسدة تنخرم معها المصلحة بما فيه مجال للتطور وقابلية، يختلف وضعه باختلاف الزمان والمكان مما أبهمه الله وعممه، كالأمر بالاستعداد بالقوة ليشمل كل قوة تحدث، ويستوجبه الدفاع من جميع أنواع المخترعات على مدى الأجيال والأزمنة، وكالأمر بالعدل والشورى، أطلقه ليكون على الطرق التي تقضيها حالة المجتمع من هيئة الحكم وتفريعها وتنويعها، ومن صورة الشورى، ومما تتكون منه انتخاب أو تعيين، وهل هو من رؤساء عشائر أو وجهاء بلاد
стр. 49
أو رجال علم وفن، حسب ما تقتضيه الأوضاع المستقبلة، وكسياسة الاقتصاد السليمة مما حرم الله، وسياسة الهجرة والسياحة التي مدار الأمر فيها على التفكير في آيات الله وملكوته والفرار بالدين من الفتن وتبليغ الرسالة والدفع بالملة المحمية إلى الأمام، ومدار النهي عنها؛ الأشر والبطر والبذخ والإلقاء بالنفس في المهالك الحسية أو المعنوية، فاطلق الله تنويعها سلباً وإيجاباً إلى ما يقتضيه التطور وفق الحكمة الصحيحة والأمور المستقيمة، وهكذا.
ولا يجري التطور على العقيدة والأحكام الأصيلة والأخلاق الزكية المشروعة، فإنه حينئذ يكون كفراً أو شركاً وإلحاداً وانحرافاً وانحطاطاً من الفضيلة إلى الرذيلة.
أما العقيدة فهي التي تطور السلوك والأحكام وتتكيف به الأوضاع على وفق حكم الله، كما أنزل ليقوم الإنسان بحق الألوهية فعلا، كما نطق به قولاً، ويصدق مع الله في إخلاص عبادته.
وقد زادت فتنة الناس بعقولهم حين تطوروا بإنتاج المخترعات واكتشاف أنواع الماديات، فكانت هذه الفتنة على حساب الروح وحساب الطاقة التي تتصل بالله وتوقن بالغيب، الذي هو مصدر البداية للخير، وجميع هذه الكشوف والمخترعات ليست هي التي توجه الحياة أو تحكمها، وإنما يحكمها طريقة الاستفادة من ذلك حسب نور الله، أو التخبط في الظلمة، أفي سبيل الخير أو الشر؟ وفي سبيل السلم أو الحرب؟ والعقل يميز بين الخير والشر سطحياً، ولكن ليس هو الذي يقرر الطريق
стр. 50
ويفضي بالحكم الصحيح المضطرد، فكثيراً ما قرر عقل الإنسان شيئاً أنه خطأ ولا يجوز فعله ثم اندفع إلى فعله ذلك، المقرر لمنعه، لإنحراف روحه وانجرافها مع الشهوات وطمعها بالنفوذ الباطل.
فالروح المستنيرة بوحي الله المهتدية بهديه هي التي تقرر الحكم الصالح وتسخر العقل ليسير في طريقه على تقوى من الله ورضوانه، فالتزام حدود الله وضبط التصور بكتابه وشرعه تصوراً صحيحاً هو الذي يرسم الطريق، وتتكيف به النفس المؤمنة المطمئنة تكيفاً سليماً مشبعاً بروح التقوى، وما سواه يكون مكيفاً منصبغاً بألوان من الوثنية ومدفوعاً إلى الباطل، لا دافعاً مسيراً لغيره، وتدبر القرآن وانظر كيف امتزج التشريع الإسلامي دائماً بالتوجه إلى الله، إذ لا تخلو أية تشريعية من ذكر الله والأمر بتقواه والتوجيه إلى خشيته والترغيب في مثوبته والتخويف من عذابه، ليمتزج تشريع الأحكام وتنفيذها بتقوى الله وحسن مراقبته.
فأفهم هذا الجواب لتخلص من شبهات المضللين.
س) كيف مقالة من يقول (الحكم للشعب، والمال للشعب) ؟
ج) هذه كلمات مخترعة، ومخترعوها كاذبون في زعمهم لا يطبقون ذلك على أنفسهم، فيتنازلوا للشعب ولا عن رأي واحد من آرائهم.
بل هي نغمة تغرير لإلهاء الشعوب التي
стр. 51
تحب التنفس من حكمها الأول، لتنخدع بالحكم الثاني، الذي هو أشقى وأضل سبيلاً.
والحق أن الشعوب البشرية يجب أن تكون مصونة الكرامة نائلة للعدل والحرمة الصحيحة لا تساق كالأنعام.
ولكن لا يجوز إطلاق هذه الكلمات على عواهنها، فالحكم لله الذي يجب أن يكون توجيه الشعب على نور وحيه وحكمه على وفق شريعته، لا أن يقول (الحكم للشعب) ، من يوجه الشعوب نحو رغباته هو من أصحاب المذاهب المادية والمبادئ الوثنية المخالفة لما أنزل الله، ويفرض سلطته عليها قهراً، تحت شعارات دجلية ماكرة.
وكذلك (مال الله) يجب صرفه في المصالح العامة وحفظ ثغور المسلمين والدفاع عن جميع قضاياهم في مشارق الأرض ومغاربها، فوق كل شيء، والقيام بالدعوة إلى الله، والاستعداد بكل قوة لقمع المفتري عليه أو المعتدي على بعض المسلمين، وسد حاجة ذوي الحاجات المذكورين في سورة الحشر، ويقدم في صرفه ما تدعو الحاجة الضرورية إليه من ذلك، هكذا يعمل بمال الله، لا يجوز أن ينتهبه ذو الأنانية، ولا أن يصرف في البذخ والميوعة والتبذير، فضلاً عن الفسق والفجور والمسارح والبلاجات الخليعة.
ولا يجوز قطعاً ان يقال (مال الشعب) ، لأنه إذا سلم هذا، كان لهم أن يفعلوا ذلك وان يبددوا قسماً كبيراً منه على حفظ سلطانهم والتجسس وشراء الضمائر، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن الشعب يختلف في القوة والضعف والغنى
стр. 52
والفقر والمعرفة والجهل والصلاح والحزم والخمول، فكيف يكون المال ملكاً للمستغني عنه بثروته أو بقوته أو بعلمه وفنه أو من يجب حرمانه منه لفساده وخبثه، وما إلى ذلك، وصدق الله العظيم يقول ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ ، ولكن راجت هذه الأكاذيب لتعطيل الحكم بالشريعة.
س) كيف لنا بمن يقول (الدين علاقة بين العبد وربه فقط، لا شأن له في السياسة والحكم) ؟
ج) هذه خطة انتهجها الثائرون على الكنيسة في (أوروبا) ، التي ليس عندها ثروة تشريعية وافية بأساليب الحكم والسياسة حسب التطوير الصحيح.
فانتهج هذه الخطة تلاميذ الأفرنج من أبنائنا وعملوا على تطبيقها في بلاد المسلمين وفرضها عليهم، بتلقين قوي من أساتذتهم، وتأييد استعماري يحظى به العملاء والمغرضون، الذين يريدون الحكم على أشلاء الإسلام وحساب أهله، وقد أراحوا المستعمرين والمبشرين بتطبيق هذه الخطة التي أبعدوا بها حكم الله وأزاحوا المسلمين عن تعاليم شريعتهم وآدابها، وصبغوهم بصبغة أفرنجية في تقاليدهم وعقائدهم وأخلاقهم وملابسهم، حتى حولوهم بهذه الخطة وتحت شعاراتها المختلفة إلى نوع من الخلق لا يصلح شرقياً ولا غربياً.
ومع أن هذه في حق الإسلام والمسلمين فرية عظيمة وخطة أثيمة، فهي في الحقيقة حجة على أولئك دامغة لرؤوسهم مرغمة لأنوفهم، لأن
стр. 53
علاقة العبد بربه يجب أن تكون عامة في كل شيء.
بحيث لا يمشي إلا على وفق شريعته، ولا يحكم إلا بكتابه وسنة نبيه، ولا يتحرك إلا لمرضاته واجتناب سخطه، ولا يحب أو يبغض إلا من أجله، لا لنفع أو من أجل عشيرة أو وطن أو قرابة أو مال، ولا يوالي أو يعادي إلا في الله ومن أجل إعلاء كلمته، لا لغرض آخر.
فلا يوالي أعداءه أو يعادي أحبابه لحاجة في نفسه، أو لأجل شيء مما تقدم، ولا يخطط نظام الحكم أو ينفذها مستنداً على تلك القواعد الانتهازية ضارباً بكتاب الله وتوحيده وشريعته عرض الحائط، فإن هو فعل ذلك لم يحسن علاقته بربه بل قطعها وكان متناقضاً في قوله، أفاكاً أثيماً، لأن الله لا يرضى من عبده أن يحكم بغير شريعته أو يتخلى عن دعوة الإسلام والدفاع عن جميع قضايا المسلمين.
ولا أن يوالي النصارى بحجة وطنية أو قومية عصبية جلبها من (أوروبا) واطرح بها ملة إبراهيم ﵇.
كما لا يرضى من عبده أن يعيش بإيمان أعزل امام كفر وإلحاد مسلح، بل يوجب عليه لتحقيق الصدق معه والاخلاص له أن يستعد لأعداء الله بجميع المستطاع من حول وقوة، مهما تنوعت وتطورت، ليقمعهم، كي لا يغلبوه ويتحكموا في مصيره، وكذلك يوجب عليه أن يكون غيوراً على حرماته حافظاً لحدوده ناصراً لدينه دافعاً له إلى الأمام، لا يقتصر من عبادته على نوع دون نوع، ولا يقصر بالغزو لنشر الحق
стр. 54
فيغزوه أعداء الله بالباطل.
فإن لم يفعل هكذا لم يحسن علاقته بربه، وكان خواناً أثيماً، إذا علاقته بربه عامة في جميع الشؤون الحربية منها والسلمية والاقتصادية والاجتماعية وسائر السلوك في المسجد والدائرة والمصنع والسوق على السواء.
س) ما الدليل على ذلك شرعاً وعقلا ؟
ج) الأدلة الشرعية كثيرة متواترة.
منها أن الله أوجب عبادته على العموم، ومعاني العبادة ولوازمها كثيرة عظيمة، لا يجوز لأحد الترخص بشيء منها (إلا) بدليل شرعي، وجميع النواحي الدينية والدنيوية التي أوجبها الله على خلقه في القرآن أو ندب إليها وحض عليها أناطها بالأمر بالتقوى والتزام حدوده.
حتى في المواريث والديون، قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ .
وفي تزويج النساء وعشرتهن وطلاقهن قال ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ ، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ، ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ .
وفي الصدقات ونحوها ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ .
وفي الأمور السياسية ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ، ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ،
стр. 55
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ..﴾ إلى قوله ﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ من سورة المائدة، والآيات في الأمور السياسية كثيرة متنوعة.
وفي الشؤون الحربية لنصرة العقيدة وإقامة سلطان الله وإعلاء كلمته في الأرض يقول الله ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ، ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ ، ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..﴾ إلى أن قال ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ
стр. 56
اللَّهِ﴾ ، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ .
ورخص الله للمؤمنين بقصر الصلاة في السفر خوف الفتنة بادئ الأمر، ثم شرع لهم صلاة الخوف حالة الحرب على عدة صفات تناسب حال المحارب، لعظم شأن الصلاة، وأمرهم فيها أن يحملوا السلاح ويكروا ويفروا إذا اقتضت المصلحة في أثنائها، وهي صحيحة لا تتأثر في ذلك، فأي دين يأمر بالقوة ويجمع بين الحرب والعبادة في آن واحد غير دين المسلمين، حتى قال لهم الله محذراً ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن قال ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ .
وفي الولاء والمحالفة، نهي عباده أن يتخذوا من دونه ومن دون إخوانهم المؤمنين وليجة من القوم الآخرين، وفي الاحتماء والخضوع لهم واختيارهم تقدم قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى..﴾ ، من سورة المائدة، ونصوص أخرى كثيرة.
وفي المعاملات يقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ..﴾ ، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ .
وغير ذلك من الشؤون الاجتماعية كثير وفي سورة (النور) و (الحجرات) آيات واضحة لا نطيل بها المقام، وفي الأحاديث النبوية بحور
стр. 57
زاخرة من ذلك.
وملاك ما تقدم قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ، وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ، أي اتقوه واجب تقواه، وبالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئاً، فإن تركتم شيئاً فإنكم لم تتقوا الله حق تقاته.
وأما الدليل العقلي الصريح الذي لا يجوز تجاهله، فهو مرغم لأنوف أهل هذه الأكذوبة أشد إرغام، وذلك بأن نتسائل؛ مع الذين افتروا على الله وقالوا (إن الدين علاقة بين العبد وربه فقط) ؟
فنقول: هل يرضى رئيس أي دولة من الدول التي قررت هذه الأكذوبة مذهباً لها، أن يقتصر رعاياه وجنده وموظفوه على مجرد احترام اسمه والثناء عليه والدعاء له دون أن يتقيدوا بأوامره وينفذوا أنظمته وتشريعاته ويغضبوا للنيل من كرامته أو انتهاك حدوده، بل يقبلوا بعض أنظمته ويرفضوا الباقي، ويعملوا بضده أو يجلبوا نظم وتشريعات دولة أخرى يحلوها محل أنظمته، زاعمين إنها أنسب لحالهم وأوفق لتطورهم؟
هل يعتبرهم في هذه الأحوال، أو بعضها، قائمين في وظائفهم مخلصين له في أعمالهم؟ أو يعتبرهم في مثل هذه الأحوال عملاء وأذناب للعدو فيقصيهم من عملهم ويحاكمهم ثم يعاقبهم؟
لا شك أنه يعتبرهم في مثل هذه الأحوال خونة خارجين عليه منحازين لغيره، خارقين لنظامه، ويسوقهم للمحاكمة وينزل بهم العقوبات الصارمة، فكيف
стр. 58
يجعلون لله ما لا يرضون لأنفسهم؟
حقاً لقد جعلوا لأنفسهم منزلة أعظم من منزلة رب العالمين إذ حصروا طاعته والانقياد لحكمه في الشيء القليل، وأوجبوا على الناس الانقياد لحكمهم في كل شيء والاستسلام لهم في كل ناحية، ففرضوا على الناس تأليههم دون الله، وقد تعدوا وتجاوزوا بالظلم والجحود قول من قال (سأنزل مثل ما أنزل الله) ، وبلغوا من تجاوز الحدود ما لم يبلغه أي كافر في سابق القرون.
فاحفظ الدليل واسأل الله الهداية إلى سواء السبيل.
س) ما حكم من رفض السنة وقصر العمل والحجة على القرآن ؟
ج) هذه خطة الزنادقة والملاحدة ليقضوا على شطر الدين، ويلبسوا على الناس بتعظيم القرآن، وهم كاذبون، وإلا فالقرآن يأمر باتباع الرسول وطاعته.
وذلك لا يحصل إلا باتباع سنته والتأسي به.
وقد أجمع من يعتد به أهل العلم؛ إن السنة المطهرة مستقلة في تشريع الأحكام، وإنها كالقرآن في تحليل الحرام وتحريم الحلال، وقد ثبت عنه ﷺ إنه قال: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) .
وقد اختلق الزنادقة حديثاً وضعوه على الرسول، وهو "ما أتاكم عني فاعرضوه على الكتاب الله فإن وافقه فأنا قلته وإلا فلم أقله".
وعارض المسلمون هذا الحديث حتى أثبتوا شاهداً على بطلانه من نفس متنه، لأن الله يقول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
стр. 59
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ، وهذا النص القرآني معارض لهذا الإفك الموضوع، والباطل لا بد له أن ينقض نفسه بنفسه.
وبالإجمال فثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بالتشريع ضرورة دينية، لا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام.
س) ما حكم من يرمي الإسلام والمسلمين بالرجعية ؟
ج) هو مستدرك على الله في حكمه، منتقض لدينه، مستهين بعزته، معرض عن الاقتداء برسوله إلى الاقتداء بالغربيين الكفرة.
فهو ملحد جره إلحاده إلى جعل الشعارات الحديثة والمذاهب المادية أنداداً من دون الله، يسعى لها وينظم الحكم على ضوئها نابذاً بتنزيل الله عرض الحائط.
وهو الرجعي في الحقيقة لرجوعه إلى آراء كل ملحد في غابر القرون، وتفضيله خطط أعداء الرسل من كل أمة، فلا تفتش في أقواله وأعماله إلا وتجدها مقولة معمولة من الكفرة السابقين، مهما زعم التجديد.
والإسلام أعظم دين ثوري، يحارب الرجعية ويدعو إلى النهضة التقدمية بمعناها الصحيح، وأعداؤه يقصدونه بالهجوم على الرجعية ومحاربتها، وإن زعموا أن معناها الرجوع إلى الوراء أو التمسك بالقديم.
والحق أنه ليس كل تمسك بالقديم يعتبر رجوعاً إلى الوراء، ولا كل ولوع بالمستحدث يعتبر تقدمية، بل يجب وزن الأشياء بالميزان الصحيح والنظر في واقعها ونتائجها.
فالقديم
стр. 60
المجانب للحق المرتكز على التقليد المحض الذي ظهرت سوء آثاره ونتائجه هو الذي يجب رفضه، لا لكونه قديماً بل لكونه باطلاً فاسداً موروثاً عن تقليد.
والجديد أو المجدد إذا كان مرتكزاً على حق وينتج منه الخير والصلاح والفضيلة وتنعدم أو تقل معه الرذيلة، يجب قبوله ويعتبر تقدماً، لا لكونه جديداً ولكن لكونه صالحاً حسن النتائج نابغاً من عقيدة وإيمان.
فالإسلام قديم، يدعو إلى الأمانة بدل الخيانة، وإلى الوفاء بدل الغدر، وإلى النصح والإخلاص بدل الخيانة والنفاق، وإلى الصدق والبر بدل الكذب والفجور، وإلى العفة بدل الزنا، وإلى الاحتشام والتستر بدل العرى والتهتك، وإلى الإيثار بدل الأثرة، والإخاء والتعاون بدل الشقاق والتنافر، وينادي أن قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق، وعرض كل واحد عرض لأخيه تجب منه الغيرة عليه والغضب لأجله، ويفرض العقوبات الشديدة الرادعة لإصلاح البيوت وحفظ الأسر عن اختلاط الأنساب، بدل الفوضى الجنسية وضيعة الشرف والنسب.
فهل من العقل والإنصاف أن يرمي بالرجعية لهذا الأشياء، بحجة أنها تقاليد قديمة أكل عليها الدهر وشرب، وأن التمسك بها رجوع إلى الوراء؟
بالله عليكم هل التمسك بسورة الإسراء وغيرها كسورة النور، التي قال الله فيها ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا..﴾ يكون رجعياً راجعاً إلى الوراء؟ أم الرجعي هو الراجع إلى الوراء السحيق خاصة، والقائل لمنزل سورة النور: نبذناها،
стр. 61
والراجع إلى تقاليد قرون بالية سحيقة أكل الدهر عليها تماماً وشرب، قرون تلفت بعدما تجرعت الفوضى والنتائج السيئة المتنوعة، الناشئة من العري والتهتك وعبادة الشهوات والتكالب المسعور على المادة والتحل الجنسي والجرائم الأخرى التي اعتبرها المؤرخون سبباً في انحطاطهم وهلاكهم؟ أيكون تقليدهم والرجوع إلى مساوئ أخلاقهم تقدمية؟ والابتعاد عنه بالتزام حدود الله والاستنارة بوحيه رجعية؟
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، إن الرجعية الخبيثة حاربها القرآن من تقليد الآباء بغير برهان من الله، وجعل بعض الأشياء أنداداً من دون الله، والاحتكام لشريعة الطاغوت من سائر البشر المتجاوز لحدوده والظلم والجور والكذب والبهتان والزنا ودواعي قربانه من أظهار الزينة والمفاتن، والسعي في الفساد والتطفيف والاعتداء والشقاق، واحتقار الناس وغمط حقوقهم والتسلط عليهم استعلاء في الأرض، وغير ذلك من أنواع الرجعية، التي افتتن بها اليوم تلاميذ الافرنج وسموها تقدمية.
بينما القرآن يأمر بالتقدمية الصحيحة، من العفة والنزاهة والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والاستعداد بكل قوة قاهرة للأعداء وأخذ الحذر منهم، وعدم موالاتهم والركون إليهم، أو جعل بعضهم وليجة ووليا من دون المؤمنين، كما يفعله من يزعم التقدمية هذا اليوم، وأيضاً فهو يأمر بتسخير كل دابة ومادة على وجه
стр. 62
الأرض أو في جوفها للتغلب بها على الأعداء والسبق في مضمار الحياة.
فالإسلام لا يحرم العلوم النافعة والوسائل والمخترعات الحديثة، أو يأمر بالرجوع إلى الماضي في جميع مرافق الحياة، شأن الكنيسة والكهنوت، حتى يجوز أن يسمى (رجعية) .
وإنما رجوعه إلى الماضي في العقيدة والإيمان بوحي الله لفظاً واعتقاداً وتطبيقاً، آمراً بإيثار الله ورسوله في المحبة على كل شيء، فمن وصفه بالرجعية لهذه الأسباب فهو كافر عقلاً وشرعاً، إذا عاند بعد التفهيم، وكيف يوصف بالرجعية دين يجمع بين الغاية والوسيلة، والمادة والروح، والمحبة والوجدان، والحكمة والعاطفة، يضبط كل شيء بحدود كيلا يطغى.
فرميه بالرجعية مكابرة وقلب للحقائق.
س) هل بين الحق والباطل طريقاً وسطاً يطلبه الناس ويختاروه ؟
ج) كلا.
فإن الله حصر الضلال فيما سوى الحق.
فليس فيما سواه طريقاً صالحاً ولا حلول ولا أنصاف حلول أبداً، قال تعالى ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ .
س) إذا قال القبوري (أنا لم أشرك وإنما جعلت النبي أو الولي المقبور واسطة وشفيعاً يقربني إلى الله) فما جوابه ؟
ج) هو أن الله أخبر عن المشركين إنهم لم يعتقدوا
стр. 63
في أحجارهم وأشجارهم ونحوها الربوبية، بل قالوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، وإنهم يقولون ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، فلم يقبل الله ذلك منهم بل شدد النكير عليهم وتوعدهم وأمر رسله بقتالهم واستباحة سبيهم وأموالهم.
وتعلق القبوريون في هذه الأزمنة بالمقدسين عندهم أعظم من تعلق أولئك المشركين، لأن الأوائل يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، كما أخبر الله عنهم بقوله ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ .
أما القبوريون والمفتونون بتقديس الأشياء في هذا الزمان فهم يشركون في الرخاء والشدة، بل تزداد ضراعتهم إلى المقبورين حال الشدة أعظم مما يضرعوا إلى الله أو يلتفتوا إليه.
فهم عدلوا بربهم غيره إذ ساووه بملوك الدنيا الذين يجهلون أحوال رعايهم ونواياهم ونواياها وخباياها فيحتاجوا دائماً إلى وسيط يعرفهم بالناس ويشفع عندهم للمذنبين.
والله لا تخفى عليه خافية، ولا دونه ودون توبة عباده حجاب، وما لهم من دونه من ولي ولا شفيع، قال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ..﴾ ، ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ..﴾ ، ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ..﴾ ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا
стр. 64
شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ .
فإن القبوري بجعله المقبور واسطة وشفيعاً قد انتقص الله انتقاصاُ عظيماً، حيث قاسه بالمخلوق الذي يحابي في فضله وحكمه وعدله فيطعي من له وسيط وشفيع أكثر مما يعطي غيره، أو يحرم من ليس له واسطة لجهله بحاله أو استقاله، ويعفو عن المذنب الذي له شفيع ويطرح الآخر في السجن والعذاب، وذنبهما واحد، تقدس الله عن ذلك.
فهذا القبوري اتهم الله بالمحاباة من حيث لا يشعر، وانتهج خطة المشركين الذين هم بربهم يعدلون، زاعماً أنه موحد وهو مخالف للتوحيد - عافاه الله من ذلك -
فعليه التوبة وإخلاص الدين لله من جديد.
س) إذا قال لك القبوري (أتنكر شفاعة النبي ووجاهته؟ فأنا أريد شفاعته) فما الجواب ؟
ج) شفاعة النبي ﷺ لا تنكر، فهو صاحب المقام المحمود، وكذلك شفاعة غيره فيما يأذن به الله.
لكن ينبغي معرفة الحد في ذلك، وهو على أمرين:
أحدهما: إنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه، وقد أخبر النبي ﷺ عن حاله يوم القيامة أنه يسجد ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه دون أن يعرفها من قبل، ثم يقول الله له: (ارفع رأسك وسل تعطي واشفع تشفع) ، ويحد له حداً، وفي بعض طرق الحديث (ثم يحد لي حداً) .
فالذي يطمع بشفاعة النبي ﷺ يطلبها من الله، فيقول (اللهم شفعه في) .
وقد نها ﷺ عن
стр. 65
الاستشفاع به على الله كما أورده ابن اسحق في قصة الاستسقاء بما معناه (إنه لا يستشفع على الله بأحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، الله فوق عرشه على سماوات، ولعرشه منه أطيط كأطيط الرحل بالراكب) .
فإذا سألت الله أن يجعلك من شفعاء محمد ﵊ فإنك بذلك تضرعت إلى الله أن يجعلك في ضمن الحد الذي يأذن الله له بالشفاعة فيهم.
أما أن تسأله إياها رأساً فكأنك تريد المحاباة دون غيرك، وتريد منه هو أن يطمع في ذلك أيضاً، وهو مكرم عن ذلك، فهذه خطيئتان يزيدان شناعة في الأمر الثاني.
وهو افتياتك عليه ﷺ فأنك طمعت في ما لا يتصور أن يطمع فيه عاقل مقدراً لله ورسوله حق قدرهما.
لأن الشفاعة لا يتحقق طلبها ويصح رجاؤها إلا بعد تبين الأمر للشافع وموافقته على الشفاعة ورضائه بها، وهناك يصح رجاؤها والتعلق بها بإذن الله، مع الإنابة من الإنسان المذنب النافية للإصرار.
ولا يصح لك أن تقول (فلان) شفيعي قبل أن يعلم ويتبين حالك وملابساتك وصحة نيتك وصدق عزيمتك على الإقلاع عن الذنب، وهذا شيء لا يعلمه إلا علام الغيوب جل وعلا.
وهو فاتح بابه للتوبة بلا شفيع، ويفرح بتوبة عبده أشد من فرحة الواجد لراحلته الضائعة في مفازة - كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ
فإذا أبيت إلا أن تجعل بينك وبينه وسيط وشفيع فما قدرته حق قدره ولا أيقنت بسعة رحمته للمؤمنين، بل طلبت من النبي
стр. 66
أن يحابيك دون غيرك بالشفاعة، واتهمت الله أيضاً بالمحاباة كما تقدم.
س) ما هو واجبنا نحو الله ؟
ج) هو ما قدمنا من تحقيق التوحيد بإخلاص العبادة له والنصح والصدق معه وبذل النفس والنفيس في إعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه بجميع وسائل الجهاد.
وأن يعتبر الإنسان نفسه عبداً مملوكاً لا يتصرف في شيء إلا وفق أوامر مولاه ﵎.
ولا ينفق مال الله إلا بحقه وفيما يرضيه، ولا يتقدم على جنابه العظيم بأي حكم أو تشريع مخالف لما أنزل.
ولا يؤثر محبة شيء أبداً على طاعته ونصرة دينه، ولو أقرب قريب، بل يعاديه في ذات الله إذا اقتضى الأمر.
س) ما هو واجبنا نحو رسول الله ؟
ج) ينضبط واجبنا نحوه ﷺ بتحقيق قوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ، فيجب أن يكون أحب إلى كل مسلم مؤمن من نفسه ووالده وولده وأمواله والناس أجمعين، كما قال ﷺ : (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) .
فمحبته لا يكتفي فيها بأصل الحب بل لا بد من إيثاره في الحب على كل شيء، وأن يكون حقه ﷺ آثر من حقوقنا، وحكمه
стр. 67
أنفذ علينا من حكم أنفسنا، وشفقتنا عليه وعلى نصرة ما جاء به من الحق أعظم من شفقتنا على أنفسنا وعلى أقرب قريب لنا.
وأن نبذل دونه المهج والأرواح ونجعلها فداء له، وأموالنا وقاء له في كل نائبة تجري على دينه.
وأن لا نتخلى عن الدفاع عن سنته ودينه القويم بالسلاح والقلم واللسان، فإن المتخلف بقلمه ولسانه جرمه أشد من جريمة المتولي يوم الزحف.
وأن لا يصدنا عن ذلك ما يتح لنا من المصالح والأهواء والمناصب، ولا ننحرف عنها إلى ما تجدد من المبادئ والمذاهب، ولا يشغلنا عن نشر سنته وتبليغ دعوته أي شاغل، ونجعل ما نستحصل عليه من كد وكسب في هذا السبيل، لنجعل من حياتنا امتداد لحياته الطاهرة، فيكون قرطا لنا في الدار الآخرة.
وأن نتبع جميع ما يدعونا إليه ونستفصل عن سنته لنقتدي بها، فإنه لا يعمل إلا خيراً ولا يأمر إلا بما فيه الخير والعز والسعادة.
وأن ننصرف عن جميع ما ينهاها عنه، فإنه لا ينهي إلا عما فيه الشر والشقاق الأبدي، وقد وصف نفسه بأنه آخذ بحجز أمته عن النار، فينبغي أن لا تنفلت منه فتقع في خزي الدنيا وجحيمها وعذاب الآخرة وحميمها.
стр. 68
س) ما هو مثل السوء أجارنا الله منه ؟
ج) هو ما ضربه الله لمن كلفه بحمل كتابه عملاً ونصحاً وتبليغاً فتقاعس عن حمله كما قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ .
فشبه من لم ينتفع بما أنزل الله عليه بحمله الصحيح بـ (الحمار) الذي يحمل الكتب ولا يستفيد منها.
وضرب مثلاً آخر أسوأ من هذا لمن انخلع من آيات الله ووحيه وطرحها إلى غيرها تقديساً للأرض والجنس وحباً لشهوات النفس ورغباتها.
فشبهه بالكلب، وأخبر عن خبث سيرته في الأرض وإيذائه للناس بقوله تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ..﴾ .
وهذه طبيعة حتمية للمنحرفين عن هدى الله ورسوله، تجدهم يتهارطون تهارط الكلاب علانية على رؤوس الأشهاد ولا يخجلون من تفكه أعدائهم عليهم.
فهذه معجزة عظيمة من معجزات القرآن الخالدة.
стр. 69
س) ما حقيقة الزهد ؟
ج) هي أن لا يجعل الدنيا غاية قصده أو يؤثرها على الاخرة، ويفضل السعي للتفاخر والتكاثر بها.
بل تكون غايته من العمل نصرة دين الله والسعي للآخرة، الذي يحقق بها جميع معاني الجهاد في سبيل الله وحسن المعاملة معه ومع خلقه.
وليس الزهد الانصراف عن الأعمال والتخلي عن شؤون الحياة والعيش عيشة الدروشة التي هي من رواسب الوثنية.
فإنها لا يجوز أن تسمى زهداً، فهي جبن وضعف نفس وتعطيل للمواهب والطاقات البشرية.
وهي من المبتدعات السيئة التأثير المسببة لتأخر المسلمين عن السبق الصحيح والزحف بدينهم ورسالتهم إلى الأمام، حتى غزاهم أهل الباطل في عقر دارهم ومزقهم شر تمزيق.
س) ما حكم التقليد ؟
ج) التقليد في أصول الدين والتوحيد لا يجوز، بل يجب فهم الدين كما جاءت به الرسل على وجهه الصحيح الملهب للضمائر والدافع لجميع القوى والجوارح إلى الأمام في سبيل الله.
أما في فروع الدين فيجوز تقليد أي مذهب من المذاهب السنية، ولو لم يلتزم مذهباً معيناً.
بشرط أن لا يتتبع الرخص.
وعلى العالم البحث عن الدليل والحرص على التمسك بما كان أقرب لقول النبي ﷺ من غيره في تفريعات المذاهب.
стр. 70
س) هل يجوز الطعن على المذاهب السنية بحجة الأخذ بالحديث ؟
ج) تعلم الحديث والاستنباط منه فرض كفاية - استقلالاً - ولكن لا يجوز لمن رزقه الله طول الباع فيه، فضلاً عمن أولي منه قليلاً، أن يطعن على المذاهب أو يندد باتباعها في الفروع.
لأنها مرتكزة على الكتاب والسنة والقياس المستنبط منهما في فقه الأحكام، ويندر أن توجد مسألة فقهية مرتكزة على تعليل شاذ.
ولا يجوز لمدعي الحديث أن يقرن المذاهب السنية بمذاهب المبتدعة من أهل الكلام، الذين يرون النصوص الشرعية لا تفيد اليقين والعياذ بالله.
فالفرق عظيم بين هذه وهذه، كما لا يجوز أيضاً أن يفرض إقامة الحجة على المقلد المتمذهب ببعض المذاهب السنية بمجرد تلاوة بعض الأحاديث عليه.
لأنه يرى أن إمامه أعلم بحديث الرسول من هذا، ولم يقلد إمامه إلا ليقينه أنه أعرف بالسنة، لا لأنه منطقي يأخذ بالمعقول.
فأفهم تغنم.
س) ما حكم تعلم العلم والفنون والصنائع ؟
ج) تعلم العلم الشرعي فرض كفاية على كل مسلم، وقد يكون فرض عين عند الحاجة.
وكذا تعلم الفنون الصناعية والحرف والمخترعات الضرورية للمجتمع حسب أوضاع كل زمان.
ولولي الأمر جبر فئة من الناس عليها، ومنه من يتخلى
стр. 71
من أهل الصنائع عن حرفته، وإجباره على العمل وتشجيعه من مال الله الذي هو بيت المال.
وعلى كل عامل من المسلمين بذل الجهد في الإبداع والاختراع وتسليح وتسخير كل مادة نصحاً لله ورسوله، بنية إعزاز الدين ورفعة شأن المسلمين وإعلاء كلمة الله في الأرض وقمع المفتري عليه.
س) ما حكم السحر ؟
ج) هو من كبائر الذنوب المنصوص عليها.
وقد يكون الساحر مشركاً أو كافراً أو مفسداً، يجب قتله قصاصاً أو حداً أو تعزيراً.
حسب نشاطه في الفتك أو الشعوذة أو الفتنة عن الدين أو تسهيل الفساد لطالبه أو تغطية الجرائم أو التفريق بين المرء وزوجه أو عمل ما يفتك بالحياة أو يزيل العقل، إلى غير ذلك من سوء نتائجه.
س) كيف جعل الله (الفتنة أشد من القتل) وما معناها ؟
ج) بما أن حياة الإنسان الحياة الطيبة هي بصحة دينه وحسن أخلاقه وسلامة عقله وتفكيره من المؤثرات.
فإن القيام بفتنته عن دينه وإفساد أخلاقه وبلورة تفكيره يعتبر قتلاً معنوياً لروحه وجناية على عقله، وقتل الروح أعظم من قتل الجسم، فلذا قال تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ ، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
لأن الطواغيت الذين
стр. 72
يصدون الناس عن دينهم بفتنة القوة أو الإغراء بالدعايات الباطلة التي يضلون بها الناس، ويحسنون بها القبيح وينددون بالطيب، ويشغلون الأمة عن القرآن بما يقذفونه عليهم من لهو الحديث الباطل والمجون، ويصرفونهم عن حب الله وطاعته والعمل لأجله إلى حب الأوطان والعشائر وتقديس الأمور المادية والعمل من أجل ذلك، (. . . [٤] . . .) الدعاة إلى الله بكل نقيصة.
هؤلاء فتنتهم أشد وأعظم نكاية وعاقبة من القتل، وقد أخبر الله عن فرعون أنه رمى المؤمنين بموسى بتدبير مؤامرة لإخراج الناس من بلادهم.
كما رمى قبلهم موسى وهارون بذلك، إذ قال ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ، وقال لمن آمن به ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا..﴾ .
وجميع أنواع الفتنة والتضليل الذي عمله ويعمله المبطلون للصد عن سبيل الله وإغراء الناس على الخروج من حكم دينه وعداء أهله وإيذائهم، هي أشد من القتل وأكبر لا محالة.
---
٤) العبارة غير مفهومه (منبر التوحيد والجهاد) .
س) ما معنى التقوى ؟
ج) التقوى مشتق في أصل اللغة من التوقي، وأخذ الوقاية عما يضر.
وبما أن الإنسان يجعل لنفسه وقاية عن حر الشمس من الاستظلال بمظلة واللجوء إلى ظل، فعليه أن يأخذ لنفسه وقاية من عذاب الله وناره.
وكما يتقي من الحر
стр. 73
باستعمال المراوح والمكيفات ومن البرد بالملابس واللجوء إلى مواطن الدفئ، يطلب الله منه أن يأخذ وقاية من حر جهنم وزمهريرها.
وكما يأخذ لنفسه وسائل الوقاية من عدوه في الدنيا فليأخذ لنفسه وقاية من زبانية جهنم.
فهذا مدلول أمر الله لعباده بالتقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ .
وكيف يقي الإنسان نفسه وأهله منها إلا بالتربية الدينية التي تحسن بها معاملتهم لله.
س) أيجوز إطلاق هذه المقالة (إرادة الشعب من إرادة الله) ؟
ج) هذا افتراء عظيم تجرأ به على الله بعض فلاسفة المذاهب ومنفذيها جرأة لم يسبق لها مثيل في أي محيط كافر غابر القرون.
إذ غاية ما قص الله عنهم التعلق بالمشيئة بقولهم ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ، فكذبهم الله.
وهؤلاء جعلوا للشعب الموهوم (إرادة الأمر) لتبرير خططهم التي ينفذوها، ويلزم من هذا الأفك إفساد اللوازم المبطلة له والدامغة لمن قاله.
إذ على قولهم الفاسد يكون للشعب أن يفعل ما شاء ويتصرف في حياته تصرف من ليس مقيداً بشريعة وكتاب، بل على وفق ما يهواه وعلى أساس المادة والشهوة والقوة، كالشعوب الكافرة التي لا تدين بدين يقبله الله ولا ترعى خلقاً ولا فضيلة.
فهذا
стр. 74
الأفك العظيم لم يجرأ عليه أبو جهل ومن على شاكلته مع خبثه وعناده.
لأن قبحه معروف ببداهة العقول، حيث أن أذواق الشعوب ونزعاتها تختلف، فإذا جعلت إرادة الشعب من إرادة الله صارت نزعات الوجودية والشيوعية والنازية والصهيونية ووحشية الغاب وغيرها من إرادة الله التي أمر بها، وصار كل ما تهواه النفوس الشريرة ويعشقه مرضى القلوب من التهتك والانحلال ومعاقرة الخمر ودغدغة الغرائز وإشباع الشهوات على حساب الغير من أمر الله.
فعلام ينتقدوا على غيرهم ويصيحوا عليه إذا كانت إرادة الشعوب ورغباتها من إرادة الله في حكمه الذي يرتضيه.
ولأي شيء يرسل الله الرسل وينزل الكتب ويشرع الجهاد والأمر والنهي على الناس إذا كانت إرادتهم من إرادته التي يرتضيها، هذا هو عين المحال ومنتهى الفجور والضلال.
والذين تزعموا هذا الأفك لا يطبقونه على أنفسهم، بل يسمحوا لها بغزو الشعب الذي لا يخضع لسلطانهم ويسير وفق أهدافهم، فكأن الشعب الذي يحكمونه هم بقوة الحديد والنار هو الشعب الذي أرادته ألوهية من أراده الله.
والباطل لا بد أن يتناقض وينادي على نفسه بالبطلان.
فقد أشركوا بالله شركاً عظيماً إذ جعلوا الشعب ندا من دون الله وأهواءه أنداداً لشريعته وحكمه بدلاً من أن يكون محتكماً إلى الله ملتزماً لحدوده متكيفاً بشريعته منفذاً لها.
стр. 75
س) وما مقالة من يقول (الدين أفيون الشعوب) ؟
ج) هذه مقالة نطق بها (كارل ماركس) اليهودي الذي نبش الشيوعية المزدكية اليهودية بعد ما قبرها الإسلام، فاخترع هذه المقالة بزعم أن الدين مخدر ومبلد للشعوب.
وكلامه مردود بالحق الحقيق بالقبول، وهو أن الدين الصحيح الحنيف ملة إبراهيم الذي أمر الله خلقه بإقامته؛ دين يلهب القلوب والمشاعر محرك لجميع الأحاسيس والقوى دافع بها إلى الأمام، لا يقبل من أهله الذل والاستكانة والخضوع للظلم ومجاملة الأعداء والسكوت على الباطل والفساد، أو الجمود على طقوس، وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان.
بل يوجب عليهم النهوض والاستعداد بكل قوة وتسخير كل دابة ومادة على وجه الأرض أو في جوفها أو أجوائها كيلا يغلبهم عدوهم في ذلك، وأن يجعلوا جميع مواهبهم وطاقاتهم في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه، والبراءة ممن جانب دينه وتنكر لحكم شريعته.
فهذا الدين صحيح على العكس مما قاله اليهودي وأتباعه من تلاميذ الأفرنج، الذين ربوهم وأبرزوهم لمحاربة هذا الدين الصحيح، الذي لا يوقف في وجوه أهله لو حملوه كما أنزل.
أما الأديان الأخرى المزعومة من لاهوتية وثنية فيصح أن يقال عنها بكلمة اليهودي لتقيد أهلها بالخرافات وتقييدهم العلم الفني والاختراع عن الانطلاق.
следующие страницы →