← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

البدع الحولية إعداد عبد الله بن عبد العزيز بن أحمد التويجري هذا الكتاب رسالة علمية تقدم بها المؤلف لنيل درجة الماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قسم العقيدة، ومنح صاحبها درجة الماجستير بتقدير ممتاز عام ١٤٠٦ هـ

стр. 2

المقدّمَة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإنه لا يشك مسلم في أن النبي ﷺ لم يفارق الدنيا ويلتحق بالرفيق الأعلى إلا بعد أن أكمل الله هذا الدين الحنيف، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً﴾ (١) ، وجعل رسوله ﷺ خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢) . وأن هذا الدين المؤسس على كتاب الله الكريم، وسنة نبيه عليه أتم الصلاة وأزكى التسليم، صالح لكل زمان ومكان، كفيل بكل ما يحتاجه البشر، ولذلك أمرنا الله باتباعه فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٣) . وأمرنا أن نطيع رسوله ﷺ فقال عز من قائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) . وأمرنا برد كل ما يقع فيه النزاع إليه وإلى رسول ﷺ ، فقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥) . فما دام أن الدين كامل، وليس في حاجة إلى زيادة، فلا حاجة إذن لإحداث البدع

стр. 3

في الدين، والتقُّرب بذلك إلى رب العالمين، ومن أحدث بدعة واستحسنها فقد أتى بشرع زائد، واتهم الشريعة بالنقص، وكأنه استدرك على الله- وعلى رسوله ﷺ ، وكفى بذلك قبحاً. ولكن أعداء الإسلام، ومن يغيظهم انتشاره، حسَّنُوا لبعض الناس البدع، وأظهروها بمظاهر براقة خادعة، وكسوها بمظهر الزهد، والتقرب إلى الله، ومحبة النبي ﷺ ، وقصدهم كله إفساد دينهم، ومزاحمة المشروع بالمبتدع، حتى تكون السنن مستغربة، والبدع تقوم مقامها!. وقد روَّج لهذه البدع بعضُ علماء السوء، وأرباب الطرق (١) الذين جعلوا من ذلك سبيلاً إلى رئاسة الناس، وكسب الأموال، حتى انتشرت في العالم الإسلامي انتشار النار في الهشيم، وصار عامة الناس يعدونها أموراً مشروعة يجب المحافظة عليها، مع تركهم لكثير من السنن المشروعة!. ولزوم السنة ومحاربة البدعة من الأمور التي تجب على عامة المسلمين، وعلى العلماء وطلاب العلم خاصة. والبدع من المنكرات التي يجب تغييرها على حسب القدرة: إما باليد، أو باللسان، أو بالقلب. ومن هذا المنطلق، فقد اخترت الكتابة في هذا الموضوع وهو [البدع الحولية]- والمراد بها: البدع التي تتكرر كل حول في وقت معين منه - أداءً لهذا الواجب على حسب قدرتي واطلاعي المحدود، لاسيما وأن كثيراً من البدع قد تفشى في كثير من البلدان الإسلامية في الوقت الحاضر. والحمد لله الذي حفظ هذه البلاد من كثير من البدع والضلالات بفضله ، ثم بفضل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى - الذي كان لدعوته كبير الأثر في محاربة البدع، ورجوع الناس إلى العقيدة الصحيحة. أسباب اختيار الموضوع: بما أني أحد الدارسين بكلية أصول الدين بالرياض، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، وكان نظام الدراسات العليا في هذه الكلية ينص على أن الطالب يدرس سنة

стр. 4

تمهيدية يقدم بعدها بحثاً علمياً يتناول جانباً من جوانب الحياة في مجال تخصصه، فقد بذلت جهدي في العثور على موضوع يكون ذا فائدة علمية، فوقع اختياري على موضوع (البدع الحولية) . وعلى الرغم مما وجدته من صعوبة في البحث عن هذه البدع ولم شتاتها، فقد اخترت هذا الموضوع لعدة أسباب، منها: انتشار كثير من البدع في البلاد الإسلامية، بل إن بعض الناس في تلك البلدان اعتبر بعض البدع سنناً يجب المحافظة عليها، كاحتفالهم بالمولد النبوي ونحوه. أن من أهم أسباب انتشار البدع هو سكوت العلماء وطلاب العلم عن إنكار هذه البدع، واختياري الكتابة في هذا البحث من باب المشاركة في إنكار هذه المنكرات. ولما كانت هذه البدع منتشرة ومتفرقة في بطون الكتب، أحببت جمعها وتحقيقها، وتقريبها لذهن القارئ، مسلسلة حسب أزمانها، والاستشهاد بكلام العلماء في حكمهم على هذه الأمور المحدثة بأنها بدع منكرة. وكذلك تحقيق الخلاف في بعض الأمور التي اختلف العلماء في حكمها: كعتيرة رجب، والتعريف يوم عرفة، ونحو ذلك. الإشارة إلى بعض الاحتفالات المبتدعة، والتي صار لها رواج بين المسلمين، إلا من عصم الله، ولم يذكرها أغلب العلماء ممن صنفوا في هذا المجال، كالاحتفال بأعياد الميلاد، ورأس السنة الهجرية، وغير ذلك من الاحتفالات المحدثة. الرغبة في الإلمام قدر الاستطاعة بما صنفه العلماء حول هذا الموضوع. وقد سرت في إعداد البحث على خطة تشمل على: مقدمة، وتمهيد، وتسعة فصول، وخاتمة. أما المقدمة: فقد تناولت فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياري له، والمنهج الذي سأسلكه - إن شاء الله تعالى - في معالجة موضوعاته. وأما التمهيد: فقد تكلمت فيه عن البدع: أولاً: تعريف البدع لغة واصطلاحاً.

стр. 5

ثانياً: حكم البدع في الإسلام. ثالثاً: أسباب نشأة البدع. رابعاً: أول بدعة ظهرت في الإسلام. خامساً: أسباب انتشار البدع. سادساً: آثار البدع على المجتمع. سابعاً: وسائل الوقاية من البدع. ثامناً: البدع الحولية. ثم تسعة فصول على النحو التالي: الفصل الأول: شهر المحرم: ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: البدعة الحزن فيه عند الرافضة. المبحث الثالث: بدعة الفرح فيه عند النواصب. الفصل الثاني: شهر صفر: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: بدعة التشاؤم به. الفصل الثالث: شهر ربيع الأول: بدعة الاحتفال بالمولد النبوي: ويشمل على ستة مباحث: المبحث الأول: أول من أحدث هذه البدعة. المبحث الثاني: حالة المجتمع في ذلك العصر. المبحث الثالث: بعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها. المبحث الرابع: طريقة إحياء المولد. المبحث الخامس: حقيقة محبته ﷺ .

стр. 6

المبحث السادس: موقف أهل السنة من هذه البدعة. الفصل الرابع: شهر رجب: ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: ويحتوي علي مطلبين. * المطلب الأول: تعظيم الكفار لشهر رجب. * المطلب الثاني: عتيرة رجب. المبحث الثالث: بدعة تخصيصه بالصيام أو القيام وحكم العمرة فيه والزيارة الرجبية. المبحث الرابع: بدعة صلاة الرغائب. المبحث الخامس: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج. الفصل الخامس: شهر شعبان، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان. المبحث الثالث: بدعة الصلاة الألفية. الفصل السادس: شهر رمضان: ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول: فضل هذا الشهر وما ورد فيه. المبحث الثاني: بعض البدع التي تقام في هذا الشهر. أولاً: قراءة سورة الأنعام. ثانياً: بدعة صلاة التراويح بعد المغرب. ثالثاً: بدعة صلاة القدر. رابعاً: بدعة القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن

стр. 7

كلها في ركعة. خامساً: بدعة سرد آيات الدعاء. سادساً: بدعة الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح. سابعاً: بعض بدع ليلة ختم القرآن. ثامناً: بدعة التسحير. تاسعاً: البدع المتعلقة برؤية هلال رمضان. عاشراً: بدعة حفيظة رمضان. أحد عشر: بدعة قرع النحاس آخر الشهر. اثنا عشر: بدعة وداع رمضان. ثلاثة عشر: بدعة الاحتفال بذكرى غزوة بدر. الفصل السابع: شهر شوال، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: بدعة التشاؤم من الزواج فيه المبحث الثالث: بدعة عيد الأبرار. الفصل الثامن: شهر ذي الحجة، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه. المبحث الثاني: بدعة التعريف. المبحث الثالث: بدعة عيد غدير خم. الفصل التاسع: مشابهة المسلمين للكفار في أعيادهم. ويشتمل على ثمانية مباحث: المبحث الأول: الاحتفال بعيد ميلاد المسيح.

стр. 8

المبحث الثاني: الاحتفال بالنيروز. المبحث الثالث: الاحتفال بأعياد الميلاد. المبحث الرابع: الاحتفالات والأعياد المحدثة. المبحث الخامس: الاحتفال برأس السنة الهجرية. البحث السادس: الاحتفال برأس القرن الهجري. المبحث السابع: الاحتفال بذكرى بعض العلماء. المبحث الثامن: مشروعية مخالفة أهل الكتاب. الخاتمة: وذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث. منهجي في إعداد البحث . أفردت كل شهر بفصل خاص، ذكرت في مقدمته بعض الآثار الواردة فيه، وأشرت في بعض الأشهر إلى بعض الأحاديث الموضوعة، وهناك بعض الأشهر لم أعثر فيما اطلعت عليه من كتب السنة على آثار في فضله كشهر ربيع الأول. ذكرت أشهر البدع التي تحدث في كل شهر من شهور السنة الهجرية مستشهداً بكلام الأئمة الأعلام، وبعض العلماء، على كون هذه الأمور مبتدعة، ليس لها أصل من الكتابة أو السنة أو الإجماع. وهناك بعض الأشهر لم أجد-حسب اطلاعي المحدود- أحداً من العلماء ذكر فيها شيئاً من البدع-كشهر ربيع الثاني، وشهري جماد الأولى والثاني، وشهر ذي القعدة -. حققت الخلاف - قدر استطاعتي - في بعض الأمور التي اختلف العلماء فيها كعتيرة رجب، وليلة النصف من شعبان، والتعريف يوم عرفة، وذكرت ما ترجح لي في الحكم على هذه الأمور. ذكرت بعض الاحتفالات المحدثة، التي أصلها التشبّه بأهل الكتاب وغيرهم، في احتفالاتهم الباطلة ثم عقبت ذلك بذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار على النهي عن التشبه بأهل الكتاب عموماً، وعن مشابهتهم في احتفالاتهم وأعيادهم خصوصاً.

стр. 9

قمت بتخريج الآيات والأحاديث والآثار على النحو التالي: بالنسبة للآيات: أذكر رقم الآية والسورة التي وردت فيها. وبالنسبة للأحاديث والآثار: فإني أذكر راوي الحديث أو الأثر، واسم الكتاب، والجزء ورقم الصفحة، ورقم الحديث إن وجد. وبالنسبة للأحاديث المتفق على صحتها: اقتصرت على رواية الشيخين لها فقط دون غيرهما. قمت بتفسير الكلمات الغريبة التي مرَّت في البحث، وذلك بالرجوع إلى الكتب التي تعني بتفسير غريب الحديث والأثر، وكذلك كتب اللغة. ترجمت لجميع الأعلام الذين ورد ذكرهم في هذا البحث بشكل مختصر وذلك بذكر اسم المترجم له، وتاريخ ولادته، ووفاته، وبعض صفاته، وبعض مؤلفاته- إذا كانت له مؤلفات -. ووضعت ذلك كله في الهامش ليكون أسهل عند الرجوع إليه، ورجعت في ذلك إلى كتب التراجم المعتمدة، وهناك بعض الأعلام لم أعثر على ترجمة لهم فأشرت إلى ذلك في الهامش (١) . قمت بعمل فهارس شاملة لهذه الرسالة: فوضعت فهرساً للآيات، وفهرساً للأحاديث والآثار، وفهرساً للأعلام، وفهرساً للأماكن والبلدان، وفهرساً للفرق، وفهرساً لمصادر البحث، وفهرساً للموضوعات. وكل ذلك تم عمله في أصل الرسالة، ولكني اكتفيت هنا - خشية الإطالة - بذكر فهرس مصادر البحث وكذا فهرس الموضوعات. واتبعت في هذا الطرق التي يجري اتباعها في عمل مثل هذه الفهارس، ووضحت في بداية كل فهرس الطريقة المتبعة فيه لتسهل الاستفادة منه (٢) . التزمت بما ورد في خطة البحث المشار إليها سابقاً، وحاولت أن أوفي كل موضوع حقه قدر الإمكان، حتى استدعى ذلك الإطالة في بعض الموضوعات. بذلت جهدي، واستفرغت طاقتي في صياغة أسلوب هذا البحث، ليكون سهل العبارة، متناسق التركيب، واضح المعنى. وأشرت في كل مبحث إلى المراجع التي اعتمدت عليها ليسهل على القارئ الرجوع إليها.

стр. 10

وبعد: فإنني أجزم بأنني لو أعدت النظر في هذا البحث مرة بعد أخرى لوجدت فيه ما يحتاج إلى تعديل أو تبديل، أو تقديم أو تأخير، ولكني أقول: هذا جهد المقل، فما كان فيه من صواب فمن الله وأحمده على ذلك، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان وأستغفر الله من الخطأ والزلل، فالكمال لله وحده، والعصمة لأنبيائه ورسله، وكل كتاب لا يخلوا من هذا سوى كتاب الله فهو الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) . وقال عز من قائل: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرا﴾ (٢) . فلا شك أن النقص مستول على جملة البشر إلا من عصم الله. وأنه من باب الاعتراف بالجميل، وإرجاع الفضل إلى أهله، لا يفوتني أن أشكر الله العلي القدير على ما يسر لي من سبل البحث، ثم أشكر كل من مدَّ لي يد العون والمساعدة بتوجيهات وإرشاداته خلال إعدادي لهذا البحث. وأخص بالشكر فضيلة الشيخ / فهد بن حمين الفهد، المشرف على هذه الرسالة، والأستاذ بكلية أصول الدين، الذي منحني الكثير من وقته وجهده وعلمه، رغم كثرة مشاغله، فقد وجدت من فضيلته كل تعاون وتوجيه، مع رحابة صدر وتواضع جم، فكان لي - بعد الله - خير مرشد ومعين وموجه إلى طريقة البحث السليم، فالله أسأل أن يجزيه عني خير الجزاء وأن يجزل له المثوبة والأجر، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين. كما أخص بالشكر فضيلة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ الأستاذ بكلية الشريعة بالرياض الذي عرضت عليه خطة البحث قبل تقديمها للكلية، وأبدى بعض الملاحظات القيمة عليها، وجعل مكتبته الخاصة رهن إشارتي، ولم يبخل عليَّ بعلمه ومشورته ووقته أيضاً، رغم كثرة التزاماته، فجزاه الله عني وعن المسلمين خير الجزاء. كما أتقدم بالشكر والتقدير لكلية أصول الدين، ولعموم الأساتذة الأفاضل أعضاء

стр. 11

قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة الذين كان لتوجيهاتهم الطيبة أكبر الأثر في خروج هذا البحث على هذا الشكل. وختاماً: أرجو المعذرة مرة أخرى عما يحصل في هذا البحث من خطأ أو تقصير أو نقص، وأسأله أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم المؤلف

стр. 12

التمهيد البدع أولاً: تعريف البدع لغة واصطلاحاً. ثانياً: حكم البدع في الإسلام. ثالثاً: أسباب نشأة البدع. رابعاً: أول بدعة ظهرت في الإسلام. خامساً: أسباب انتشار البدع. سادساً: آثار البدع على المجتمع. سابعاً: وسائل الوقاية من البدع. ثامناً: البدع الحولية.

стр. 13

أولاً: تعريف البدعة . ١- البدع لغة: قال ابن منظور: ((بدع الشيء يبدعه بدعاً وابتدعه: أنشأه وبدأه. وبدع الركيَّة: استنبطها وأحداثها ... والبديع والبدع: الشيء الذي يكون أولاً)) . وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١) أي: ما كنت أول من أُرسِل، قد أرسل قبلي رسلٌ كثير.... وفلان بدع في هذا الأمر أي أول لم يسبقه أحد.... وأبدع وابتدع وتبدَّع: أتى ببدعةٍ، قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٢) . قال رؤبة: إن كنت للهِ التقيّ الأطوعا فليس وجه الحقِّ أن تبدعا وبدّعه: نسبة إلى البدعةِ. والبديع: المحدث العجيب، والبديع: المبدع. وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال. والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعهِ الأشياء وإحداثه إياها. وهو البديع الأول قبل كل شيءٍ، ويجوز أن يكون بمعنى مبدع، أو يكون من بدع الخلق أي بدأه، والله

стр. 14

تعالى كما قال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) . أي: خالقها ومبدعها، فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق ... وسقاء بديع: أي جديد.... وأبدعت الإبل: بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال. وأبدعت هي: كلت أو عطبت، وقيل: لا يكون الإبداع إلا بظلع. وأبدع وأبدع به وأبدع: كلَّت راحلته أو عطبت وبقي منقطعاً به، وحسر عليه ظهره أو قام به أي وقف به. وفي الحديث: أن رجلاً أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أبدع بي فاحملني (٢) . أي: انقطع بي لكلال راحلتي.... كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعاً أي إنشاء أمر خارج عما أعتيد منها (٣) . فتبين لنا مما تقدَّم أن معنى (بدع) يقصد به غالباً الإحداث والاختراع على غير مثال سابق. وإبداع الإبل - أي تعبها وكللها - أمر حادث أيضاً، فالمعتاد منها الاستمرار في السير. فالبدعة: اسم هيئة من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع، وهي كل شيء أحدث على غير مثال سابق (٤) . ٢- البدعة في الاصطلاح: اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة في الاصطلاح، فمنهم من جعلها مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما حدث بعد عصر الرسول ﷺ سواء كان محموداً أو

стр. 15

مذموماً، ونبين ذلك فيما يلي: القول الأول: أن كل ما حدث بعد عصر الرسول الله ﷺ فهو بدعة، سواء كان محموداً أو مذموماً. وقال به الشافعي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، والغزالي في الإحياء، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (١) ، والنووي في شرح

стр. 16

صحيح مسلم (١) . قال الإمام الشافعي ﵀ فيما روي عن حرملة بن يحي قال: سمعت الإمام الشافعي ﵀ يقول: (البدعة بدعتان: بدعة محمود وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم) (٢) . وقال العز بن عبد السلام في تعريف البدعة هي: (فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله ﷺ (٣) . وقد اعتمدوا في ذلك على ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال

стр. 17

في صلاة التراويح: ((نعم البدعة هذه)) (١) . القول الثاني: أن البدعة لا تطلق على ما خالف السنة وبه قال الشاطبي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، وابن رجب الحنبلي،

стр. 18

وشيخ الإسلام ابن تيمية، والزركشي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة: أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. وسواء كان هذا مفعولاً على عهد النبي ﷺ أو لم يكن. فما فعل بعده بأمره؛ من قتال المرتدين، والخوارج (١) المارقين، وفارس، والترك، والروم، وإخراج اليهود والنصارى من

стр. 19

جزيرة العرب، وغير ذلك - هو من سنته (١) . وقال الشاطبي في تعريف البدعة: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) . وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنَّما يخصّها بالعبادات. وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) (٢) . أدلة أصحاب القول الثاني: أ- من السنة: ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا وصوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول ((صبحكم ومساكم)) ، ويقول: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: ((أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة)) ، ثم يقول: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي)) (٣) . ما رواه ابن مسعود ﵁ مرفوعاً وموقوفاً أنه كان يقول: ((إنما هما اثنتان الكلام

стр. 20

والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله)) (١) ما رواه العرباض بن سارية - رض الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسير اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٢) ب- ومن الآثار: ما ورد عن ابن العباس ﵄ أنه قال: ((ما أتى على الناس عام، إلا

стр. 21

أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنَّة، حتى تحيا البدع وتموت السنن)) (١) . وورد عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم)) (٢) . فما تقدم من الأحاديث والآثار، يدلُّ على أنَّ البدعة لم ترد في الشرع إلا مذمومة. فالراجح- والله أعلم - أن البدعة لا تطلق إلا على ما خالف السنة، فليس في البدع محمود. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (واعلم أن هذه القاعدة وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة. بدليل قول عمر ﵁ في صلاة الترويح: ((نعمت البدعة هذه)) (٣) . وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. والجواب: أما القول ((أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في

стр. 22

النار)) ، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نصُّ رسول الله ﷺ ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذمّ البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم..... (ولا يحلُّ لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ ، وهي قوله: ((كل بدعة ضلالة)) . بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة رسول الله ﷺ أقرب منه إلى التأويل) (١) . فأمَّا صلاة الترويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله في الجماعة. ولا صلاتها في الجماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاَّها رسول الله ﷺ في الجماعة، في أول شهر رمضان ثلاث ليال، وقال في الرابعة: ((أمَّا بعد: فإنه لم يخف على مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها)) (٢) . فعلَّل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر بن الخطاب ﵁ جمعهم على قارئ واحد (٣) ، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسُمِّي بدعة؛ لأنَّهُ في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأنَّ السنَّة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته ﷺ ، فانتفى المعارض (٤) . وأما قولُ عمر- ﵁: ((نعمت البدعة هذه)) فأكثر المحتجِّين بهذا لو أردنا أن نثبت حكماً بقول عمر ﵁ الذين لم يُخالف فيه، لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﷺ ، ومن اعتقد أن قول الصاحب حجَّة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.

стр. 23

وتسمية عمر ﵁ صلاة التراويح بدعة، تسمية لغوية، لا تسمية شرعية؛ لأن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثال سابق. وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي. فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دلَّ على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقاً، ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر ﵁، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صحَّ أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنَّه عمل مبتدأ، وكذلك صلاة التراويح، ومثلها جمع القرآن الكريم، ونفي عمر ﵁ ليهود خيبر (١) ونصارى نجران (٢) ، ونحوهما من جزيرة العرب (٣) . ثانياً: حكم البدع في الإسلام: يختلف حكم البدعة باختلاف تقسيمها، فالعلماء الذين قسَّمُوا البدعة إلى خمسة

стр. 24

أقسام بحسب الأحكام التكليفية- كالعز بن عبد السلام وغيره-لا إشكال عندهم- ﵏ في حكم البدعة، فهي عندهم تنقسم إلى بدعة واجبة وبدعة مندوبة، وبدعة مباحة وبدعة مكروهة وبدعة محرمة. فالبدعة الواجبة حكمها الوجوب، والبدعة المندوبة حكمها الندب ... وهكذا باقي أقسام البدعة عندهم. وأما على قول من قال إن البدع كلها مذمومة - وهو القول الراجح من أقوال العلماء -فإنهم قالوا بأن البدع حرام، ولكنها تتفاوت في التحريم: أ- فمنها ما هو كفر لا يحتمل التأويل، كبدعة الجاهلية التي نبَّه عليها القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿َا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ (٣) . وكذلك بدعة المنافقين في اتخاذ الدين ذريعة لحفظ النفس والمال ... وما أشبه ذلك من أنواع الكفر ب- ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو مختلف فيها هل هي كفر أم لا؟ ؛ كبدعة الخوارج، والقدرية (٤) ،

стр. 25

والمرجئة (١) ، ومن أشبههم من الفرق الضَّالة. ج- ومنها ما هو معصية؛ كبدعة التبتل، والصيام قائماً في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع. د-ومنها ما هو مكروه، كبدعة التعريف - وهو اجتماع الناس في المساجد للدعاء عشية عرفة - وذكر السلاطين في خطبة الجمعة، ونحو ذلك. فهذه البدع ليست في رتبة واحدة، وليس حكمها واحد. وكما أن المعاصي منها ما هو صغيرة، ومنها ما هو كبيرة ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات - التحسينات - فإن كانت الضروريات- وهي الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال - فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين. والبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع: فمنها ما يقع في الضروريات، ومنها ما يقع في الحاجيات، ومنها ما يقع في التحسينات. وما يقع في رتبة الضروريات: منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال.

стр. 26

فمثال وقوعه في الدين: ما تقدم من اختراع الكفار، وتغييرهم ملة إبراهيم ﵇ من نحوه قول تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ (١) . قال سعيد بن المسيب- ﵀: البحيرة: التي يمنح درّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس. والسَّائبة: كانوا يسبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. والوصيلة: الناقة البكر، تُبكّر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنى بعد بأنثى، وكانوا يُسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل فلم يُحمل عليه شيء، وسموه الحامي (٢) . ففي الآية السابقة نفي لفعل أهل الجاهلية وتغييرهم ملة إبراهيم ﵇، حيث اخترعوا أشياء من أنفسهم، ونسبوه إلى الدين، وجعلوها من شعائرهم. ومثال ما يقع في النفس: ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب، كل ذلك على استعجاب الموت لنيل الدرجات العلى بزعمهم. ومنها قتل العرب أولادهم في الجاهلية خشية الفقر أو العار، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) . وقال تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤) .

стр. 27

ومثال ما يقع في النسل: نكاحات الجاهلية، فجاء عن عائشة أم المؤمنين ﵂: ((أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنَّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تُسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، ج معوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطته به (١) ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم)) (٢) . ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بَّينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسِنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ

стр. 28

إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢) . فخرجت أقوام عن هذا الأصل فزعموا أن العقل له مجال في التشريع وأنه مُحسن ومُقبح، فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه. ومثال ما يقع في المال: أالكفار قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (٣) . فإنهم لما استحلوا العمل به احتجُّوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهر، فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (٤) ؛ أي: ليس البيع مثل الربا، فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة المحدثات كسائر ما حدثوا في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر. ومن ذلك أيضاً ما شرعوه في الأموال كالحظوظ التي كانوا يخصُّون بها الأمير، وسموها بأسماء مختلفة بينها شاعرهم بقول: لك المرباع فيها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول (٥) فلما أنزل الله القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية (٦) ، ارتفع حكم هذه البدعة (٧) . ويرى الشاطبي أن البدعة لا تكون صغيرة إلا إذا توفرت فيها عدة شروط؛ منها:

стр. 29

١- أن لا يداوم عليها، فإنَّ الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه؛ لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يُصيِّرها كبيرة. ٢- أن لا يدعو المبتدع إلى بدعته، فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها، فيكون إثم ذلك كله عليه. ٣- أن لا يفعلها في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن، وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يُقتدى به أو ممن يحسن الظن به، فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام؛ لأنه إما أن يقتدي العوام بصاحبها فيها، وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه، أو أن يتوهم الناس أن ما أظهره هو من شعائر الإسلام فكأنه بإظهاره لها يقول: هذه سنة فاتبعوها. ٤-أن لا يستصغرها ولا يستحقرها، فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب فكان ذلك سبباً لعظم ما هو صغير فإذا تحققت هذه الشروط، فإن ذلك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة، فإذا تخلف شرط منها أو أكثر، صارت كبيرة، أو خيف أن تكون كبيرة، كما أن المعاصي كذلك (١) . وبعد أن تكلمنا عن حكم البدع نورد بشكل موجز موقف السلف الصالح من البدع عموماً وتحذيرهم منها، فمن ذلك: قول ابن مسعود ﵁: ((الاقتصاد في السنة، أحسن من الاجتهاد في البدعة)) (٢) . وقول ابن عباس- ﵄: ((ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع، وتموت السنن)) (٣) .

стр. 30

وكذلك قول ابن مسعود ﵁: ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم)) (١) . وقال معاذ بن جبل ﵁: ((إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم (٢) ، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق)) (٣) . فموقف السلف من البدع صريح وواضح، وهو التحذير من البدع والحرص الشديد على التمسك بالسنة والاعتصام بها، ولهذا قال أئمة الإسلام؛ كسفيان الثوري وغيره، أن البدع أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها. ومعنى قولهم أن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ولا

стр. 31

رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يتوب ما دام يراه حسناً لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو بأنه ترك حسناً مأموراً به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسناً وهو سيء في نفسه الأمر فإنه لا يتوب. ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة، بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين، وطوائف من أهل البدع والضلال (١) . وسئل الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (الرجل يصوم ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل) (٢) . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (أن تحذير الأمة من البدع والقائلين بها واجب باتفاق المسلمين) (٣) . وقال أيضاً ﵀: (إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع، فإن النبي ﷺ أمر بقتال الخوارج ونهى عن قتال أئمة الظلم، وقال في الذي يشرب الخمر: ((لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)) (٤) .

стр. 32

وقال في ذي الخويصرة: ((يخرج من ضئضيء هذا أقوام يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين- وفي رواية: ((من الإسلام)) - كما يمرق السهم من الرمية، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة)) (١) ........ ثم إن أهل المعاصي ذنوبهم: فعل بعض ما نُهوا عنه: من سرقة، أو زنا، أو شرب خمر، أو أكل مال بالباطل. وأهل البدع ذنوبهم: ترك ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين، فإن الخوارج أصل بدعتهم أنهم لا يرون طاعة الرسول ﷺ واتباعه فيما خالف ظاهر القرآن عندهم، وهذا ترك واجب. وكذلك الرافضة (٢) لا يرونه عدالة الصحابة ومحبتهم، والاستغفار لهم، وهذا ترك واجب ... ) (٣) .

стр. 33

ثالثاً: أسباب نشأة البدع: الابتداع هو الإحداث في الدين، والإحداث في الدين له أسباب عدة، منها: الجهل بأدوات الفهم. الجهل بالمقاصد. تحسين الظن بالعقل. اتباع الهوى. القول في الدين بغير علم وقبول ذلك من قائله. الجهل بالسنة، ويشمل: الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها. الجهل بمكانة السنة من التشريع. ٧. اتباع المتشابه. الأخذ بغير ما اعتبره الشارع طريقاً لإثبات الأحكام. الغلو في بعض الأشخاص. وقد تجتمع هذه الأسباب، وقد تنفصل، فإذا اجتمعت، فتارة يجتمع منها اثنان، وتارة يجتمع ثلاثة. وبذلك تتحدد الأسباب المؤدية إلى حدوث البدعة، وهي: السبب الأول: الجهل بأدوات الفهم. لقد أنزل الله القرآن عربياً، جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، وقد أخبر الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ

стр. 34

بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١) . فمن هذا نعلم أن القرآن نزل عربياً على رسول عربي لينذر العرب أولاً، ثم ينذر الأمم كافة، وأن الشريعة لا تفهم إلا إذا فهم اللسان العربي، ويعبر عن هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً......﴾ (٢) . وإن كان الرسول ﷺ بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم، وعامة الألسنة في هذا الأمر، تبعاً للِّسان العربي، وإذا كان كذلك، فلا يُفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه، وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها. وأنها فيما فطرت عليه من لسانها، لها دلالات وأدوات لفهم أدوات المقاصد والمعاني، وهي: الخطاب بالعام يرادُ به الظاهر، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) . فهذا من العام الظاهر الذي لا خصوص فيه. الخطاب بالعام يراد به العام من وجه والخاص من وجه، مثاله: قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (٤) . فهذا عام لم يخرج عن أحد من الناس؛ لأنَّ كل إنسان خلق من ذكر وأنثى، عدا عيسى ﵇. ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥) ، فهذا خاص؛ لأنَّ التقوى إنما تكون من المكلف العاقل، فكان في الآية عام وهو خلق الناس والشعوب والقبائل، وكان فيها خاص وهو إن أكرمكم عند الله أتقاكم. الخطاب بالعام يُراد به الخاص، ومثاله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٦) . فالمراد بالناس الآخرين الخصوص لا العموم، وإلا فالمجموع لهم الناس ناس أيضاً، وهم قد خرجوا، لكن لفظ الناس يقع على ثلاثة

стр. 35

منهم، وعلى جميع الناس، وعلى ما بين ذلك. الخطاب بالظاهر يًُراد به غير الظاهر، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (١) ، فإنهُ لمَّا قال: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ دلَّ على أن المراد أهلها. فإذا ثبت هذا، فيجب على الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً أمران: أحدهما: ... أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى عربياً أوكالعربي، عالماً بلسان العرب بالغاً فيه ما بلغ العرب، أو ما بلغ أئمة اللغة المتقدمون (٢) ، وليس المراد أن يكون حافظاً كحفظهم وجامعاً كجمعهم، وأنَّما المراد أن يصير فهمه عربياً في الجملة. ثانيهما: إذا أشكل عليه لفظ في الكتاب أو في السنة، فلا يقدمُ على القول فيه دون أن يستظهر بغيره، ممن له علم بالعربية، فقد يكون إماماً فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات، فالأولى في حقه الاحتياط؛ إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصَّة حتى يسأل عنها، كما خفي على ابن عباس ﵄ معنى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ حتى قال أحد الأعراب في خصومة في بئر: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها (٣) . ومن الأمثلة على تحريف المعاني القرآنية للقصور في اللغة وفي فهم أساليها: قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من الحلائل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤) ، حيث جمع أربعة إلى ثلاثة إلى اثنين فنتج تسعاً ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب وأن معنى الآية: (فانكحوا إن شئتم اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً (٥) . (٦)

стр. 36

السبب الثاني: الجهل بالمقاصد. مما يجب على الناظر في الشريعة الإسلامية أمران: الأمر الأول: أن يعتقد فيها الكمال لا النقصان، وأن يرتبط بها ارتباط طاعة وثقة وإيمان في عباداتها وعاداتها ومعاملاتها، وأن لا يخرج عنها؛ لأن الخروج عنها مروق من الدين، لأنه قد ثبت كمالها وتمامها، فالزائد عليها أو المنقص منها هو المبتدع. فالشريعة قد جاءت كاملة، والدين قد أتمه الله ورضية لنا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ (١) . والرسول ﷺ هو خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) . وقد جاء بالرسالة الجامعة الخاتمة، فيستحيل أن يترك الله الناس بغير بيان، وبغير مرشد وهو القائل سبحانه: ﴿ ... مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٣) . إلا إذا كان شرعه باقياً صالحاً كافياً كاملاً، حجَّة على هذه الدهور إلى يوم القيامة، وقد صرح بحفظه للرسالة، حتى تكون الحجة سليمة بعيدة عن الشكوك والريب والظنون، وتظل تعاليمها صافية ناصعة، لا تمسها يد الإنسان ولا فكره السقيم وهواه الشارد، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) . فبعد هذا كله، يجب الانقياد لهذه الشريعة والاعتقاد الجازم بكمالها ووفائها بما تتطلبه الحياة دائماً وأبدأً إلى ما شاء الله. واعتقاد غير هذا ضرب من المروق والابتداع. الأمر الثاني: ... أن القرآن لا تضاد بين آياته ولا بين الأحاديث النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع يصدر من نبع واحد، ويخرج من مشكاة واحدة، وينتظمه شرع واحد، وغاية واحدة. فإذا جهل إنسان هذا، أداة جهله إلى الشذوذ والخروج والابتداع، وبيان ذلك:

стр. 37

أن الكفار وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وأرباب البيان واللسان، والمتربصين برسول الله ﷺ لمحاولة إثبات أن ما جاء به من القرآن هو من عنده قد حاورا في بيان القرآن وسبكه، وقد أخبر الله سبحانه عن ذلك فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (١) . وكذلك ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قال رجل لابن عباس ﵄: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ، قال -قوله تعالى-: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢) ، قوله تعالى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) ، قوله تعالى ﴿ ... وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ (٤) ، قوله تعالى ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٥) . فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿....أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (٦) إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٧) . فذكر خلق السماء قبل خلق

стр. 38

الأرض، ثم قال: ﴿ ... َإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ....﴾ (١) إلى قوله: ﴿.... طَائِعِينَ﴾ (٢) . فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال تعالى: ﴿ ... وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٣) ، ﴿....عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٤) ، ﴿....سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٥) . فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس ﵄: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٦) ، في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور، فصعق من في السموات ومن الأرض، إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون. ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ : فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فخُتم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِف أن الله لا يُكتمُ حديثاً، وعنده ﴿.....يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ (٧) . وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله ﴿دَحَاهَا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ : سمى نفسه ذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله

стр. 39

لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله (١) . ا. هـ (٢) . السبب الثالث: تحسين الظن بالعقل: من أسباب حدوث البدع تحسين الظن بالعقل، وبيان ذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الله جعل للعقول في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون؛ إذ لو كان كيف يكون؟ فعلم الله لا ينتهي، وعلم العبد ينتهي، وما ينتهي لا يساوي ما لا ينتهي. وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلاً، وصفاتها وأحوالها، وأفعالها وأحكامها، جملة وتفصيلاً. فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف العبد؛ فإنَّ علمه بذلك الشيء قاصر ناقص، وهذا في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل. إن المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- قسم ضروري: لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده، وأن الواحد أكثر من الاثنين. ٢- وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يُعلم به، أو يجعل له طريق إلى العلم به: وذلك كعلم المغيبات عنه، سواء كانت قريبة منه أو بعيدة عنه. ٣- قسم نظري: يمكن أن يعلمه وممكن أن لا يعلمه، وتلك هي الممكنات التي تدرك

стр. 40

بواسطة لا بنفسها إلا أن يعلم بها إخباراً. وقد زعم أهل العقول أنفسهم أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة؛ لاختلاف القرائح والأنظار، وإذا وقع الخلاف فيها، كان لابد من مخبر يأتي بالحق أو مجتهد يُبين الصواب، وقد تعارضت الأدلة لتعارض العقول؛ إذ لابد أن يكون أحد المجتهدين مصيباً والآخر على شبهة، فلابد إذاً من إخبار يكون صادقاً لا يحتمل الكذب أو الضلال، ولا يكون هذا إلا في الوحي والعلم الإلهي الذي يكون على يد رسول. إذن، لا وثوق بالعقل، ولا مناص من الرجوع إلى الوحي الإلهي. الوجه الثاني: لما ثبت قصور العقل في الإدراك والعلم، ثبت أنه قد يحيط بشيء دون آخر؛ لأن علمه غير محيط وشامل، فما ادَّعى علمه لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها؛ لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال، والدليل على ذلك: أحوال أهل الفترات فإنهم وضعوا أحكاماً على العباد بمقتضى السياسات، لا تجد فيها أصلاً منتظماً، وقاعدة مطردة على الشرع بعد ما جاء، بل استحسنوا أموراً تجد العقول بعد تنويرها يالشرع تنكرها، وترميها بالجهل والضلال، مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها، ومع أنهم كانوا أهل عقول باهرة، وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم شاملة، لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلة، فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار، وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجَّةً بعد الرسل، والله الحجة البالغة، والنعمة السابغة. فالإنسان مهما ظن أنه أتقن وأجاد وأبدع في أمر من الأمور إلا ويتبين له قصوره، ويتمنى أن يعيد هذا العمل ويلحظ فيه ما غاب عنه، وهذا يدل على القصور الذي يعتري العقل، ولكن الشرع بخلاف ذلك؛ لأنه من عند الحكيم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علماً، وكل شيءٍ عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. الوجه الثالث: أن ما ندري علمه في الحياة ينقسم كما تقدم إلى: بدهي، وضروري، وغيره وهو النظر الكسبي، والنظري لا يعرف إلا من طريق ضروري، إما بواسطة أو بغير واسطة؛
следующие страницы →