← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السبب الثاني: الجهل بالمقاصد. مما يجب على الناظر في الشريعة الإسلامية أمران: الأمر الأول: أن يعتقد فيها الكمال لا النقصان، وأن يرتبط بها ارتباط طاعة وثقة وإيمان في عباداتها وعاداتها ومعاملاتها، وأن لا يخرج عنها؛ لأن الخروج عنها مروق من الدين، لأنه قد ثبت كمالها وتمامها، فالزائد عليها أو المنقص منها هو المبتدع. فالشريعة قد جاءت كاملة، والدين قد أتمه الله ورضية لنا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ (١) . والرسول ﷺ هو خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) . وقد جاء بالرسالة الجامعة الخاتمة، فيستحيل أن يترك الله الناس بغير بيان، وبغير مرشد وهو القائل سبحانه: ﴿ ... مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (٣) . إلا إذا كان شرعه باقياً صالحاً كافياً كاملاً، حجَّة على هذه الدهور إلى يوم القيامة، وقد صرح بحفظه للرسالة، حتى تكون الحجة سليمة بعيدة عن الشكوك والريب والظنون، وتظل تعاليمها صافية ناصعة، لا تمسها يد الإنسان ولا فكره السقيم وهواه الشارد، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) . فبعد هذا كله، يجب الانقياد لهذه الشريعة والاعتقاد الجازم بكمالها ووفائها بما تتطلبه الحياة دائماً وأبدأً إلى ما شاء الله. واعتقاد غير هذا ضرب من المروق والابتداع. الأمر الثاني: ... أن القرآن لا تضاد بين آياته ولا بين الأحاديث النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع يصدر من نبع واحد، ويخرج من مشكاة واحدة، وينتظمه شرع واحد، وغاية واحدة. فإذا جهل إنسان هذا، أداة جهله إلى الشذوذ والخروج والابتداع، وبيان ذلك:

стр. 37

أن الكفار وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وأرباب البيان واللسان، والمتربصين برسول الله ﷺ لمحاولة إثبات أن ما جاء به من القرآن هو من عنده قد حاورا في بيان القرآن وسبكه، وقد أخبر الله سبحانه عن ذلك فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (١) . وكذلك ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قال رجل لابن عباس ﵄: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ، قال -قوله تعالى-: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢) ، قوله تعالى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣) ، قوله تعالى ﴿ ... وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ (٤) ، قوله تعالى ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٥) . فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿....أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (٦) إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٧) . فذكر خلق السماء قبل خلق

стр. 38

الأرض، ثم قال: ﴿ ... َإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ....﴾ (١) إلى قوله: ﴿.... طَائِعِينَ﴾ (٢) . فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال تعالى: ﴿ ... وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٣) ، ﴿....عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٤) ، ﴿....سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٥) . فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس ﵄: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٦) ، في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور، فصعق من في السموات ومن الأرض، إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون. ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ : فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فخُتم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِف أن الله لا يُكتمُ حديثاً، وعنده ﴿.....يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ (٧) . وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله ﴿دَحَاهَا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ : سمى نفسه ذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله

стр. 39

لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله (١) . ا. هـ (٢) . السبب الثالث: تحسين الظن بالعقل: من أسباب حدوث البدع تحسين الظن بالعقل، وبيان ذلك من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن الله جعل للعقول في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون؛ إذ لو كان كيف يكون؟ فعلم الله لا ينتهي، وعلم العبد ينتهي، وما ينتهي لا يساوي ما لا ينتهي. وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلاً، وصفاتها وأحوالها، وأفعالها وأحكامها، جملة وتفصيلاً. فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف العبد؛ فإنَّ علمه بذلك الشيء قاصر ناقص، وهذا في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل. إن المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ١- قسم ضروري: لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده، وأن الواحد أكثر من الاثنين. ٢- وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يُعلم به، أو يجعل له طريق إلى العلم به: وذلك كعلم المغيبات عنه، سواء كانت قريبة منه أو بعيدة عنه. ٣- قسم نظري: يمكن أن يعلمه وممكن أن لا يعلمه، وتلك هي الممكنات التي تدرك

стр. 40

بواسطة لا بنفسها إلا أن يعلم بها إخباراً. وقد زعم أهل العقول أنفسهم أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة؛ لاختلاف القرائح والأنظار، وإذا وقع الخلاف فيها، كان لابد من مخبر يأتي بالحق أو مجتهد يُبين الصواب، وقد تعارضت الأدلة لتعارض العقول؛ إذ لابد أن يكون أحد المجتهدين مصيباً والآخر على شبهة، فلابد إذاً من إخبار يكون صادقاً لا يحتمل الكذب أو الضلال، ولا يكون هذا إلا في الوحي والعلم الإلهي الذي يكون على يد رسول. إذن، لا وثوق بالعقل، ولا مناص من الرجوع إلى الوحي الإلهي. الوجه الثاني: لما ثبت قصور العقل في الإدراك والعلم، ثبت أنه قد يحيط بشيء دون آخر؛ لأن علمه غير محيط وشامل، فما ادَّعى علمه لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها؛ لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال، والدليل على ذلك: أحوال أهل الفترات فإنهم وضعوا أحكاماً على العباد بمقتضى السياسات، لا تجد فيها أصلاً منتظماً، وقاعدة مطردة على الشرع بعد ما جاء، بل استحسنوا أموراً تجد العقول بعد تنويرها يالشرع تنكرها، وترميها بالجهل والضلال، مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها، ومع أنهم كانوا أهل عقول باهرة، وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم شاملة، لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلة، فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار، وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجَّةً بعد الرسل، والله الحجة البالغة، والنعمة السابغة. فالإنسان مهما ظن أنه أتقن وأجاد وأبدع في أمر من الأمور إلا ويتبين له قصوره، ويتمنى أن يعيد هذا العمل ويلحظ فيه ما غاب عنه، وهذا يدل على القصور الذي يعتري العقل، ولكن الشرع بخلاف ذلك؛ لأنه من عند الحكيم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علماً، وكل شيءٍ عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. الوجه الثالث: أن ما ندري علمه في الحياة ينقسم كما تقدم إلى: بدهي، وضروري، وغيره وهو النظر الكسبي، والنظري لا يعرف إلا من طريق ضروري، إما بواسطة أو بغير واسطة؛

стр. 41

إذ قد اعترف الجميع أن العلوم المكتسبة لابد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما، فإن كانتا ضروريتين فذاك، وإن كانتا مكتسبتين، فلا بد في اكتساب كل واحدة منهما من مقدمتين، وينظر فيهما كما تقدم، وكذلك إن كانت واحدة ضرورية وأخرى مكتسبة، فلابد للمكتسبة من مقدمتين، فإن انتهينا إلى ضرورتين فهو المطلوب، وإلا لزم التسلسل أو الدور وكلاهما محال. فإذاً، لا يمكن أن نعرف غير الضروري إلا منهما مما عقلنا وعلمنا من مشاهدة باطنة كالألم واللذة، أو بديهي للعقل كعلمنا بوجودنا، وما أشبه ذلك مما هو معتاد لنا في هذه الدار؛ لأننا لم يتقدم لنا علم إلا بما هو معتاد في هذه الدار. أما الشيء غير المعتاد، فقبل النبوات لم يكن لنا به علم ولا معرفة، فلما جاءت النبوات بما ليس لنا به علم ولا عادة لم نحل ما لم نعرف إلا على ما عرفنا، ولذلك أنكر الناس هذا لأنهم لم يعرفوه، كقلب العصا ثعباناً، وفرق البحر. وعلى هذا ينبغي إدراك أمرين: الأول: أن العقل ما دام على هذه الصورة لا يجعل حاكماً بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب على العاقل أن يقدم ما حقه التقديم وهو الشرع، ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العاقل القاصر؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص على الكامل؛ لأنه خلاف المعقول والمنقول. الثاني: إذا وجد الإنسان في الشرع إخباراً يقتضي ظاهراً خرق العادة المألوفة التي لم يعرفها ولم يسبق له أن رآها، أو علم بها علماً صحيحاً يصدق به، فلا يجوز أن يقدم لأول وهلة الإنكار بإطلاق، بل أمامه أحد أمرين: إما أن يصدق به حسب ما جاء به، ويكل العلم فيه إلى عالمه، وهو ظاهر قوله تعالى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) . أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر. والأمثلة على خوارق العادات كثيرة منها: وزن الأعمال، وعذاب القبر، وإنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها، ورؤية الله في الآخرة (٢) .

стр. 42

فالحاصل: أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله (١) . السبب الرابع: اتباع الهوى. يطلق الهوى على هوى النفس، وهوى النفس: إراداتها، والجمع: أهواء، والهوى: محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه. قال تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢) ، أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله ، والهوى على إطلاقه لا يكون إلا مذموماً (٣) . ولذلك سمي أهل البدع، أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك (٤) . واتباع الهوى يتجلى في مظاهر عدة نتائجها عظيمة الخطر، من هذه المظاهر: الانحراف عن الصراط المستقيم، يؤيد هذا قول الحق ﵎ لرسوله ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥) ، وقول تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ (٦) ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٧) . فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يتبع الشريعة ولا يتبع الهوى، ولا يركن إلى أهواء الناس، فإنه إذا مال إلى أهوائهم انحرف عن الصراط المستقيم. اتباع المتشابه وترك المحكم؛ لأنَّ في المتشابه طلبتهم من التأويل، وإرضاء ما

стр. 43

في قلوبهم من شهوة ومرض وفتنة وفساد، قال تعالى: ﴿ ... فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) التقيد بالشهوات والعمل لها، والسير وراء مظاهر الحياة الزائفة وترك ما أمرهم الله به، قال تعالى: ﴿.....إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) . صاحب الهوى أعمى أصم أبكم، لا يرى خيراً ولا يسمع نصحاً، ولا ينطق خيراً، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ....﴾ (٣) . أن صاحب الهوى منافق؛ لأنه يميل حيث يميل هواه فيظهر بمظهر الجد والحزم أمام الناس، ولكنه يفعل ما يمليه عليه هواه، وقد أحسن الله وصف أهل الأهواء بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤) . لهذا، فإن صاحب الهوى معرض لكل هذه المظاهر الخطيرة مهلك لنفسه ولغيره، ومن أجل ذلك ورد التحذير من اتباع الهوى في الكتاب والسنة (٥) . والأمثلة كثيرة على كون الإعراض عن الدليل والاعتماد على أصحاب الهوى سبب في حدوث البدع، والخروج عن منهج الصحابة والتابعين والسلف الصالح، فإنهم لما اتبعوا أهواءهم بغير علم ضلوا عن سواء السبيل. ومن هذه الأمثلة- وهو أشدها -: قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين، هو المرجوع إليه دون غيره، حتى ردُّوا بذلك براهين الرسالة، وحجَّة القرآن، ودليل العقل، فقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٦) .

стр. 44

فحين نُبِّهُوا على وجه الحجَّة بقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (١) ، لم يكن لهم جواب إلاَّ الإنكار، اعتماداً على اتباع الآباء، واطراحاً لما سواه ولم يزل مثل هذا مذموماً في الشرائع، كما حكي الله عن قوم نوح ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٢) . وعن قوم إبراهيم-﵇ بقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ*أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ* قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣) . إلى آخر ذلك مما في معناه، فكان الجميع مذمومين حين اعتبروا واعتقدوا أن الحقَّ تابع لهم، ولم يلتفتوا إلى أنَّ الحق هو المقدَّمُ (٤) . السبب الخامس: القول في الدين بغير علم وقبول ذلك من قائله. لقد حذَّر الله من القول بغير علم، وجعل ذلك من المحرمات، بل من أكبرها، فقال في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) . فقد عطف الله القول بغير علم على الإشراك بالله وكفى بذلك ذمّاً وترهيباً. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... ﴾ (٦) . فالقول بغير علم كذب، والكذب حرام، واستجابة لدعوة الشيطان. وقد حذرنا الله تعالى من اتباعه فقال جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) . وقد وردت أحاديث تحذر من الفتوى أو الحكم بغير علم، وخاصة فيها يتعلق

стр. 45

بأمور الدين. قال ﷺ : ((من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه)) (١) . وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار. فإما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)) (٢) . والقولُ في الدِّين بغير علم إضلال، وعلى من أضلَّ إثمُ من وقع في الضلال بسبب إضلاله، فضلاً عن إثمه؛ لوقوعه في الضلال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) . فيجب على من لا يعلم أن يقول: لا أدري، أو أن يسأل غيره، ولنا في رسول الله ﷺ أُسْوةٌ حسنة، فعندما سُئِل عن شرِّ البقاع، قال: ((لا أدري)) (٤) . وقال ﵊: ((ما أدري أتُبَّعٌ لعين هو أم لا، وما أدري أعزير نبي هو أم لا)) (٥) . ولَمَّا سُئِل ابن عمر- ﵄ عن مسألة فقال: ((لا علم لي بها، فلما

стр. 46

أدبر الرجل قال ابن عمر: نِعْم ما قال ابن عمر: سئِل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به)) (١) . فإذا مارس الجاهلُ العلم، وأفتى في الدِّين، وقع في البدعة قاصداً أو غير قاصد، وكان مبتدعاً بادِّعائهِ العلم أولاً، وبما استحدثه مما خالف الشرع بعد ذلك، وانتشار ذلك سبب في قبض العلم، وفشو الجهل والظلام، قال ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يُقبضُ العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئِلُوا فأفتُوا بغير علم فضلُّوا وأضلًّوا)) (٢) على أن الجهل ليس قاصراً على من ليس عنده علم مطلقاً، فإنه يشمل من عنده علم كثير، ولكنه يتجاوز ما يعلم إلى ما لا يعلم ويتجرأ على ما لا يعرف، بلا دليل واضح، أو اجتهاد مقبول. وألوان الجهل كثيرة، وكلهما تؤدي إلى إحداث البدع؛ فمنها: الجهل بأساليب اللغة. ومنها: الجهل بالسنَّةِ، وسنتكلم عنه في السبب التالي من أسباب الابتداع.

стр. 47

السبب السادس: الجهل بالسنة: ويشمل: أ- الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها. ب- الجهل بمكانة السنة من التشريع. أ- الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها. ومعنى ذلك: الجهل بمصطلح الحديث، وعدم التفريق بين الأحاديث الصحيحة وبين الأحاديث الضعيفة والموضوعة أيضاً، ونتيجة لهذا الجهل اعتمد المبتدعة على الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ والضعيفة، كمصدر من مصادر التشريع، والحكم على الأمور المحدثة بأنها سنن. وقد اتفق العلماء على عدم الأخذ بالأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ ، وعدم اعتبارها، لا في فضائل الأعمال ولا غيرها؛ لأنها ليست من الشرع، وكذلك لما ورد في ذلك من الآثار. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ....﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ، وقال ﷺ : ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (٣) ، وقال-﵇: ((لا تكذبوا على فإنَّهُ من كذب على فليلج النار)) (٤) . وقد شدَّد العلماء في النكير على ذلك: قال الشيخ أبو محمد الجويني

стр. 48

الشافعي: (يكفر من تعمد الكذب على الرسول ﷺ ولو لم يستحله، والجمهور على أنه لا يكفر بذلك، ولكنه يفسق وتُردّ رواياته كلها، ويبطل الاحتجاج بجميعها) (١) . فكثير من البدع التي أُحدثت، قد اعتمد محدثوها على أحاديث ضعيفة بل أكثرها موضوع، كالذين اخترعوا أذكاراً وأدعية خاصة لبعض الشهور، وتخصيص بعض الشهور بالصيام أو العمرة، والتوسيع على أهل البيت في عاشوراء والاكتحال فيه والاختضاب، وغير ذلك من البدع التي هي موضوع بحثنا هذا. فلو كان لهم علم بالسنة، ما اعتمدوا على هذه الأحاديث الموضوعة التي سبق وذكرت أنه لا يعتمد عليها أبداً لا في الفضائل ولا في غيرها. أما من دعا إلى هذه البدع، معتمداً على هذه الأحاديث الموضوعة مع علمه بأنها موضوعة، فهذا من أصحاب الهوى المتّبع الذين تقدم ذكرهم ومن المتبعين للمتشابه، القاصدين هدم الإسلام ومحاربة أهله، والتشويش على الناس في دينهم متخذين في ذلك أساليب مُقنَّعة، ومن ثم تركهم للسنن ثم الواجبات، مكتفين بما أحدث من هذه البدع. ب- الجهل بمكانة السنة من التشريع. إذا كان الجهل بقواعد الحديث- التي يتم على أساسها الحكم عليه بالقبول أو الردّ- قد أدّى إلى الوضع، ودخول ما ليس من السنة فيها، ومعارضة ما ثبت منها به، فإن الجهل بمكانة السنة من الشرع قد أدَّى إلى الخروج عن حد الاتباع، الذي وجهت الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة إليه، تحت دعوى موافقة العقل ونحو ذلك. ومن أظهر المواقف الشائعة فيما يتصل بهذا الموضوع - موضوع إنكار ما ثبت بالسنة الصحيحة صريحاً واضحاً تحت زعم موافقة العقل - إنكار من أنكر رؤية الله في الآخرة، أو نزول المسيح آخر الزمان، أو عذاب القبر ونحو ذلك. وانقسم المبتدعة في موقفهم من السنة كأساس تشريعي إلى قسمين: ١- قسم أنكر ما عدا القرآن جملة وتفصيلاً. ٢- وقسم أنكر أخبار الآحاد.

стр. 49

أما القسم الأول: فقد استدلُّوا لما قالوا بـ: أن في القرآن بياناً لكل شيء ولا حاجة معه إلى سواه، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) ، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) . قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) ، ولو كانت السنة حجة لتكفَّل الله بحفظها، ولما حصر الحفظ في القرآن بتقديم الجار والمجرور. أدلة منكري خبر الواحد (٤) : وما استدلُّوا به واهٍ لا حجة فيه؛ ذلك لأنَّ السنة إنما هي بيان للقرآن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥) والعمل بالسنة ليس إلا عملاً بالقرآن، واتباعاً لتوجيهه في الأخذ بها، ثم إن السنة توضح في أحيان كثيرة ما يُراد من الآيات القرآنية، وبدونها لا يمكن فهم المراد من القرآن وبالتالي لا يتيسر العمل بها. ومثال ذلك: ورد في القرآن الأمر بإقامة الصلاة على العموم، وقد أخرجت السنة من ذلك النساء الحيض، وحددت عدد الركعات، وكيفية الأداء.... ونحو ذلك. وجاء القرآن بأحكام الميراث بين المسلمين عامة، ومنعت السنة أن يرث قاتل ممن قتله. وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود-﵁ قال: ((لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٦) ، قال الصحابة: وأينا لم يظلم؟! فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ

стр. 50

عَظِيمٌ﴾ (١)) ) (٢) . وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ((لعن الله الواشمات والمستوشمات (٣) ، والمتنمصات (٤) والمتفلجات (٥) للحسن المغيرات خلق الله تعالى، فقالت امرأة كانت تقرأ القرآن - أي تحفظه - تسمى أم يعقوب (٦) : ما هذا؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعنة رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟ قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، فقال عبد الله: والله لئن قرأتيه وجدتيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٧)) ) (٨) . وعن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدث عن سنة نبينا ﷺ إذ قال

стр. 51

له رجل: يا أبا نجيد! حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرؤون (١) القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وحدودها؟ أكتب محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال، ولكن قد شهدتُ وغبت، ثم قال: فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا. فقال الرجل: أحييتني أحياك الله. قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين.......)) (٢) . وكان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: ((اتركهما. فقال: إنَّما نهى عنهما أن تُتخذا سُلَّما يوصل إلى الغرور، فقال ابن عباس: فإنَّ النبي ﷺ قد نهى عن صلاة بعد العصر، وما أدري أتعذب عليها أم تؤجر؟ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..﴾ (٣)) (٤) . وقد ورد تحذير الرسول ﷺ من هذه البدعة، وتنفيره منها: فعن أبي رافع ﵁ أن رسول الله ﷺ قال والناس حوله: ((لا أعرفن أحدكم

стр. 52

يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكئ على أريكته، فيقول: ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا)) (١) . وأما ما استدلَّ به القائلون بهذه البدعة - إنكار السن - من الآيات، فلا يفيد ما ادعَّوه؛ لأنَّ بيان الكتاب لكل شيء إنما هو بحسب ما أشار إليه من أصول الأدلة، التي يمكن معها فهم ما أجمله القرآن، ومعرفة حكم ما لم يرد النص القرآني بحكمه صراحة. وأول هذه الأصول: السنة النبوية الشريفة. والمراد بالكتاب في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) : هو اللوح المحفوظ (٣) . والحصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) ، ليس حقيقاً؛ لأنّ الله حفظ أشياء غير القرآن، وقال تعالى: ﴿يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٥) ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٦) ، أي: يحفظك. وأما استدلُّوا به من أدلة منكري خبر الواحد: فأدلة المنكرين لخبر الواحد والرد عليها تطول في مقامنا هذا، ولاسيما أنه لا علاقة له بموضوع بحثنا، ولكن من باب الفائدة نذكر خلاصة الرد عليهم: * قال الخطيب البغدادي: (وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين،

стр. 53

ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين، في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه فثبت أن من دين جميعهم وجوبه؛ إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه، والله أعلم) (١) ا. هـ. ومن الجهل بمكانة السنة من التشريع: تقديم غيرهم مما لا يثبت إلا بها عليها، أو معارضتها به، كالقياس والاستحسان ونحو ذلك، أي: تقديم الرأي على النص. والاجتهاد في الشريعة الإسلامية لابد من اعتماده على النصِّ وتقديمه على كل ما سواه، فإذا ما وجد نص في مسألة وجب المصير إليه. وقد أرشدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكذلك الآثار عن السلف الصالح إلى هذا الأمر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) . وفي الحديث: ((لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلاً حتى بدا فيهم أبناء سباياً الأمم، فأفتوا بالرأي فضلُّوا وأضلُّوا)) (٥) .

стр. 54

وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق ﵁ إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ ، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا. فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ ، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به (١) . وفي حديث قبض العلم قال ﷺ : (( ... فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضِلون)) (٢) . وقال ابن مسعود ﵁: ((لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاً ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم)) (٣) .

стр. 55

وقد اختلف العلماء في الرأي المقصود إليه بالذمِّ في الآثار المتقدمة فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد بمخالفة السنن؛ لأنهم استعملوا آراءهم وأقيستهم في ردِّ الأحاديث، حتى طعنوا في المشهور منها الذي بلغ التواتر؛ كأحاديث الشفاعة، وأنكروا أن يخرج أحد من النار بعد أن يدخلها، وأنكروا الحوض، والميزان، وعذاب القبر.....إلى غير ذلك من كلامهم في الصفات والعلم والنظر. وقال أكثر أهل العلم: الرأي المذموم الذي لا يجوز النظر فيه ولا الاشتغال به، هو ما كان في نحو ذلك من ضروب البدع. قال أحمد بن حنبل ﵀: (لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل) (١) . وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة، هو القول في الأحكام بالاستحسان، والتشاغل بالأغلوطات، ورد الفروع بعضها إلى بعض، دون ردّها إلى أصول السنن. والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل وفرعت وشققت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن. ففي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل للسنن والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله ومعانيه (٢) . السبب السابع: اتباع المتشابه: من أسباب الابتداع القوية: اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة من العلماء المبتدعين، وابتغاء تأويله من الجهلة المتعالمين.

стр. 56

والأصل في بيان هذا السبب قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) . وقسَّم الشاطبيّ المتشابه إلى قسمين: ١- حقيقي: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ . وهو ما لم يجعل لنا سبيل إلى فهم معناه، ولا نصب لنا دليل على المراد منه، فإذا نظر المجتهد في أصول الشريعة وتقصاها وجمع أطرافها لم يجد فيها ما يحكم له معناه، ولا ما يدل على مقصوده ومغزاه، ولا يكون إلا فيما لا يتعلق به تكليف سوى مجرد الإيمان به. ٢- إضافي: وتشابهه من جهة أن الناظر قصر في الاجتهاد أو زاغ عن طريق البيان، اتباعاً للهوى فلا يصحّ أن ينسب الاشتباه إلى الأدلة، وإنَّما ينسب إلى الناظرين التقصير أو الجهل بمواقع الأدلة، فيطلق عليهم أنهم متبعون للمتشابه؛ لأنهم إذا كانوا على ذلك مع حصول البيان فما الظن بهم مع عدمه ومن هؤلاء: المعتزلة (٢) ، والخوارج (٣) ، وغيرهم (٤) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والذي اقتضى شهرة القول عن أهل السنة، بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ظهور التأويلات الباطلة من أهل البدع؛

стр. 57

كالجهمية (١) ، والقدرية (٢) من المعتزلة وغيرهم، فصار أولئك يتكلمون في تأويل القرآن برأيهم الفاسد، وهذا أصل معروف لأهل البدع، أنهم يفسرون القرآن برأيهم العقلي، وتأويلهم اللغوي، فتفاسير المعتزلة مملوءة بتأويل النصوص المثبتة للصفات والقدر على غير ما أراده الله ورسوله فإنكار السلف والأئمة هو لهذه التأويلات الفاسدة، كما قال الإمام أحمد بن حنبل في ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن وتأوَّلته على غير تأويله، فهذا الذي أنكره السلف والأئمة من التأويل. فجاء بعدهم قوم انتسبوا إلى السنة بغير خبرة تامة بها، وبما يخالفها ظنُّوا أن المتشابه لا يعلم معناها إلا الله، فظنُّوا أن معنى التأويل هو معناه في اصطلاح المتأخرين، وهو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح، فصاروا في موضع يقولون وينصرون أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ثم يتناقضون في ذلك من وجوه: أحدهما: أنهم يقولون: النصوص تجري على ظواهرها، ولا يزيدون على المعنى الظاهر منها، ولهذا يبطلون كل تأويل يخالف الظاهر، ويقرون المعنى الظاهر، ويقولون مع هذا، إنَّ له تأويلاً لا يعلمه إلا الله، والتأويل عندهم ما يناقض الظاهر، فكيف يكون له تأويل يخالف الظاهر، وقد قرر معناه الظاهر؟! . ومنها: أنا وجدنا هؤلاء كلهم لا يحتج عليهم بنص يخالف قولهم، لا في مسألة أصلية، ولا فرعية، إلا تأوَّلُوا ذلك النص بتأويلات متكلفة مستخرجة من جنس تحريف الكلم عن مواضعه، من جنس تأويلات الجهمية والقدرية للنصوص التي تخالفهم، فأين هذا من قولهم: لا يعلم معاني النصوص المتشابهة إلا الله تعالى؟!. وهذا أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الصابر في المحنة. لما صنف كتابه في الرد

стр. 58

على الزنادقة والجهمية، فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويله، تكلِّم على معاني المتشابه، الذي اتبعه الزائغون، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، آية آية، وبين معناها، وفسَّرها ليبين فساد تأويل الزائغين، واحتجَّ على أن الله يُرى، وأن القرآن غير مخلوق، وأن الله فوق العرش، بالحجج العقلية والسمعية، ورد ما احتجَّ به النفاة من الحجج العقلية والسمعية، وبين معاني الآيات التي سمَّاها هو متشابهة، وفسرها آية آية، وحديثاً حديثاً، وبين فساد ما تأولها عليه الزائغون، وبين هو معناها، ولم يقل أحمد- ﵀: أن هذه الآيات والأحاديث لا يفهم معناها إلا الله، ولا قال أحد له ذلك، بل الطوائف كلها مجتمعة على إمكان معرفة معناها، لكن يتنازعون في المراد كما يتنازعون في آيات الأمر والنهي..... وكان الإمام أحمد-﵀-ينكر طريقة أهل البدع الذين يفسِّرون القرآن برأيهم وتأويلهم من غير استدلال بسنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة، والتابعين، الذين بلَّغهم الصحابة معاني القرآن، كما بلَّغُوهم ألفاظه، ونقلوا هذا كما نقلوا هذا، لكن أهل البدع يتأوَّلُون النصوص بتأويلات تخالف مراد الله ورسوله، ويدعون أن هذا هو التأويل الذي يعلمه الراسخون، وهم مبطلون في ذلك، لاسيما تأوّلات القرامطة والباطنية (١) الملاحدة،

стр. 59

وكذلك أهل الكلام المحدث من الجهمية والقدرية وغيرهم. ولكن هؤلاء يعترفون بأنهم لا يعلمون التأويل، وإنما غايتهم أن يقولوا: ظاهر هذه الآية غير مراد، ولكن يحتمل أن يُراد كذا، وأن يُراد كذا. ولو تأولها الواحد منهم بتأويل معين، فهو لا يعلم أنه مُراد الله ورسوله، بل يجوز أن يكون مراد الله ورسوله عندهم غير ذلك؛ كالتأويلات التي يذكرونها في نصوص الكتاب والسنة كما يذكرونه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ (١) ، و ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) ، و ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٣) ، و ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) . وقوله ﷺ : ((وينزل ربنا)) (٥)) (٦) . السبب الثامن: الأخذ بغير ما اعتبره الشرع طريقاً لإثبات الأحكام: ومن أسباب حدوث البدع، الأخذ بغير ما اعتبره الشرع طريقاً لإثبات الأحكام، ويتمثل هذا في الاستناد إلى رؤيا الرسول ﷺ في النوم، وأخذ الأحكام عنه، ونشرها بين الناس، أو العمل بها دون نظر إلى موافقتها للشريعة أو عدم الموافقة، وهذا خطأ؛ لأنَّ الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال، حتى تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها، عُمِل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنَّما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا

стр. 60

فإن قيل: إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل، وأيضاً إن المخبر في المنام قد يكون النبي ﷺ ، وهو قد قال: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي)) (١) . وإذا كان كذلك، فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة. فالجواب على ذلك بما يأتي: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى وجه البشارة والنذارة وهذا كاف. وأيضاً: فإنَّ الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شروطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشرط مما ينظر فيه، فقد تتوفر وقد لا تتوفر. وأيضاً: فهي منقسمة إلى الحلم، وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غير الصالحة؟ . ويلزم أيضاً على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي ﷺ ، وهو منهي عنه بالإجماع (٢) . قال النووي ﵀ في معنى حديث ((من رآني في المنام فقد رآني)) : معنى الحديث: أن رؤيته صحيحة، وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بها؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا- جمهور المحدثين- على أن من شرط من تُقْبَلْ روايته وشهادته أن يكون متيقظاً، لا مغفلاً ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، مختلّ الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته، لاختلال ضبطه. هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة. أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأنَّ ذلك ليس

стр. 61

حكماً بمجرد المنام، بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم (١) . فمما يجب الحذر منه ما يقع لبعض الناس وهو أن يرى النبي ﷺ في منامه، فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من نومه فيُقْدمِ على فعله أو تركه بمجرد المنام دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى قواعد السلف ﵏ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) . ومعنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتاب الله، ومعنى قوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ ، أي: إلى الرسول في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، على ما قاله العلماء ﵏، وإن كانت رؤيا النبي ﷺ حقاً لا شك فيها لقوله ﵊: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي)) (٣) . لكن لم يكلف الله تعالى عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم. قال ﵊: ((رُفِع القلم عن ثلاثة..)) (٤) وعدَّ فيهم النائم حتى يستيقظ؛ لأنَّه إذا كان نائماً فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه وجهٌ. الوجه الثاني: أن العلم والرواية لا يؤخذان إلا من متيقظ حاضر العقل، والنائم ليس كذلك. الوجه الثالث: أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة ﷺ : ((تركتُ فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي)) (٥) . فجعل ﵇ النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الثقلين فقط لا ثالث لهما، ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد

стр. 62

لهما ثالثاً. فعلى هذا من رأى النبي ﷺ في منامه وأمَرهُ بشيءٍ أو نهاهُ عن شيءٍ فيتعين عليه عرض ذلك على الكتاب والسنة؛ إذ أنه ﵊ إنما كلف أمته باتباعهما. فإذا عرض رؤياه على شريعته ﷺ فإن وافقتها علم أن الرؤيا حق، وأن الكلام حق وتبقى الرؤيا تأنيساً له، وإن خالفتها، عَلِم أن الرؤيا حق، وأن الكلام الذي وقع له فيها ألقاه الشيطان له في ذهنه والنفس الأمارة؛ لأنهما يوسوسان له في حال يقظته، فكيف في حال نومه! . ولو كان المنام مما يتعبد به لبيَّنهُ ﷺ ، أو نبَّه عليه أو أشار إليه ولو مرة واحدة كما فعل في غيره (١) . ويحكى أن شُريك بن عبد الله القاضي، دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولِم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يُظهر لك طاعة ويضمر معصية، فقال له شُريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل- ﵇ ولا أن معبرك بيوسف الصديق ﵇، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحيا المهدي، وقال: اخرج عني (٢) . السبب التاسع: الغلو في بعض الأشخاص. ومن أسباب الابتداع أيضاً التغالي في تعظيم الشيوخ والأشخاص إلى درجة

стр. 63

إلحاقهم بما لا يستحقونه، فيزعم بعض الناس أنه لا ولي لله أعظم من فلان، وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور، وهذا باطل محض، وبدعة فاحشة؛ لأنَّهُ لا يمكن أن يبلغ المتأخرون أبداً مبالغ المتقدمين، فخير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، وهكذا يكون الأمر أبداً إلى قيام الساعة، فأقوى ما كان أهل الإسلام في دينهم وأعمالهم ويقينهم وأحوالهم في أول الإسلام، ثم لا زال ينقص شيئاً فشيئاً إلى آخر الدنيا، لكن لا يذهب الحق جملة، بل لابد من طائفة تقوم به وتعتقده، وتعمل بمقتضاه على حسبهم في إيمانهم لا ما كان عليه الأولون من كل وجه؛ لأنه لو أنفق أحد المتأخرين وزن أُحُد (١) ذهباً ما بلغ مدّ أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نصيفه، وإذا كان كذلك في المال فكذلك في سائر شُعب الإيمان. ومن الناس من يزعم أن فلاناً من الناس مساوٍ للنبي ﷺ ، إلا أنه لا يأتيه الوحي ومن هؤلاء الشيعة الإمامية (٢) . ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع، لما وسع ذلك عقل أحد، ولكن النبي ﷺ قال: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع ... )) (٣) الحديث. فهؤلاء غلوا كما غلت النصارى

стр. 64

في عيسى- ﵇، حيث قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (١) . وقال ﷺ : ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله)) (٢) . فالغلو في الأشخاص هو الذي جعل النصارى تقول إن عيسى هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣) قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤) قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٥) قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (٦) . والغلو هو الذي جعل اليهود تقول عزير ابن الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧) ، الغلو والتغالي في الأشخاص من أسباب حدوث البدع ظهرت سابقاً وما زالت حتى عصرتنا الحاضر (٨) رابعاً: أول بدعة ظهرت في الإسلام: وأمَّا أوّل التفرق والابتداع في الإسلام، فكان بعد مقتل عثمان بن عفان

стр. 65

-﵁، وافتراق المسلمين، فلما اتفق علي بن أبي طالب ومعاوية- ﵄-على التحكيم، أنكرت الخوارج، وقالوا: لا حكم إلا الله، وفارقوا جماعة المسلمين، فأرسل إليهم ابن عباس- ﵄ فناظرهم فرجع نصفهم، والآخرون أغاروا على ماشية الناس، واستحلوا دماءهم، فقتلوا ابن خباب،

стр. 66

وقالوا: كنا قتله، فقاتلهم على- ﵁. وأصل مذهبهم -الخوارج - تعظيم القرآن وطلب اتباعه، لكن خرجوا عن السنة والجماعة، فهم لا يرون اتباع السنة، التي يظنون أنها تخالف القرآن، كالرجم ونصاب السرقة وغير ذلك.... فضلُّوا، فإن الرسول ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، والله قد أنزل عليه الكتاب والحكمة، وجوزوا على النبي ﷺ أن يكون ظالماً، فلم ينقادوا لحكم النبي ﷺ ، ولا لحكم الأئمة بعده، بل قالوا: إن عثمان وعلياً ومن والاهما قد حكموا بغير ما أنزل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) فكفَّروا المسلمين بهذا وبغيره، وتكفيرهم وتكفير سائر أهل البدع مبني على مقدمتين باطلتين: إحداهما: أن هذا يخالف القرآن. والثانية: أن من خالف القرآن يكفر، ولو كان مخطئاً، أو مذنباً معتقداَ للوجوب والتحريم، وبإزاء الخوارج ظهرت الشيعة. غلوا في الأئمة وجعلوهم معصومين، يعلمون كل شيء، وأوجبوا الرجوع إليهم في جميع ما جاءت به الرسل، فلا يعرجون لا على القرآن ولا على السنة، بل على قول من ظنوه معصوماً. وانتهى الأمر إلى الائتمام بإمام معدوم لا حقيقة له، فكانوا أضل من الخوارج. فإن أولئك يرجعون إلى القرآن وهو حق وإن غلطوا فيه، وهؤلاء لا يرجعون إلى شيء بل إلى معدوم لا حقيقة له، ثم إنما يتمسكون بما ينقل لهم عن بعض الموتى، فيتمسكون بنقل غير مصدق، عن قائل غير معصوم، ولهذا كانوا أكذب الطوائف. والخوارج صادقون فحديثهم من أصح الحديث، وحديث الشيعة من أكذب الحديث (٢)

стр. 67

خامساً: أسباب انتشار البدع: انتشار البدع له أسباب عدة، منها: ١- سكوت كثير من العلماء على تلك المبتدعات الضآلة، والعوام إذا رأوا سكوت العالم على أمر حسبوا أن ذلك الأمر لا يخالف الشرع. وأدهى من ذلك، أن بعض العلماء الذين فسدت نياتهم، آثروا الدنيا على الآخرة، فأخذوا يروِّجون تلك البدع ويحسنونها للمسلمين، لينالوا الشهرة بينهم، وتكون هذه الشهرة طريقاً لجمع المال وتحصيله منهم من طرق عدة، ومن ثم الوصول إلى رئاستهم على أولئك المغفلين السذَّج الذين يحسبون أن كل بيضاء شحمة، وكل سوداء تمرة. ٢- عمل العالم بالبدعة وتقليد الناس له، لوثوقهم بأنه لا يفعل إلا ما فيه الصواب، وربما كان عمله على وجه المخالفة، فيظن الناس أن ذلك مشروعاً. ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك. ٣- تبني الحكام للبدعة، وتأييدهم لها، وعملهم على انتشارها، لموافقتها أهواءهم، كما حدث من المأمون ومن بعده في القول بخلق القرآن؛ وذلك أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزيَّنُوا له القول بخلق القرآن، ونفي الصفات عن الله ، ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية،

стр. 68

وبني العباس خليفة إلا على مذهب السل ومنهاجهم. فقد قال الخليفة هارون الرشيد: (بلغني أن بشراً المريسي زعم أن القرآن مخلوق، عليَّ إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلةً ما قتلتها أحداً قط) (١) . فكان بشر متوارياً أيام هارون نحواً من عشرين سنة حتى مات هارون، فظهر ودعا إلى الضلالة، وكان من المحنة ما كان (٢) .

стр. 69

فلما ولي المأمون الخلافة، اجتمع بجماعة من المعتزلة منهم بشر بن غياث المريسي، فخدعوه وأخذ عنهم المذهب الباطل، ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهراً، فاستدعى نائبه (١) ببغداد جماعة من أئمة الحديث، فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع عن ذلك الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجند يسابوري، فحملا على بعير وسُيِّرا إلى الخليفة عن أمره بذلك وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة (٢) جاءهما رجل من الأعراب من عُبَّادهم، فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا! إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تحبيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميداً. قال أحمد ﵀: وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه.

стр. 70

فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة، جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله، إن المأمون قد سلّ سيفاً لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن، ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثى الإمام أحمد ﵀ على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته، قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد: أحمد: ففرحنا. واستمرت هذه المحنة واستمر دعمها من قبل الخليفة المعتصم بل قد أسرف في تعذيب الإمام أحمد بن حنبل، وأوجعه ضرباً إلى درجة فقدان الوعي، كل ذلك لأجل أن يوافقه على القول بخلق القرآن. واستمرت هذه المحنة حتى ولي المتوكل على الله الخلافة، فاستبشر الناس بولايته؛ لأنَّه كان محباً للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق أن لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن (١) . فلولا تبني هؤلاء الخلفاء لهذه البدعة لما وصلت إلى ما وصلت إليه، ولما وصل الأمر إلى تعذيب الأئمة الأعلام بسب إنكارهم لهذه البدعة. وأمثال هؤلاء الخلفاء كثير قديماً (٢) وحاضراً، ممن جعلوا تبني البدع طريقاً لإبعاد

стр. 71

الناس عن دينهم الصحيح، ومن ثم الرئاسة عليهم. ونشر مذاهبهم وعقائدهم الباطلة. ٤- تحول البدع إلى عادة يصعب الانصراف عنها إلا بعد جهد كبير. ٥- موافقة البدعة لأهواء النفوس وغرائز الناس التي حرص الدين على تنظيمها، والحد من الانطلاق معها، وعدم وجود مقاومة فعالة تمنع من انتشارها، وامتداد أخطارها وتغلغلها في النفوس (١) . فهذه بعض أسباب انتشار البدع. ذكرناها على وجه الإيجاز؛ لأن القصد الإشارة وليس الاستيعاب. والله أعلم. سادساً: آثار البدع على المجتمع: لاشك أن للبدع آثار تظهر في المجتمعات التي تُقر تلك البدع ولا تنكرها، وليست هذه الآثار تشمل المجتمع كله، بل تخص من يقرّ بالبدعة أو يعمل بها، أو يدعو إليها ويرغِّب الناس فيها، ومن يقبل ذلك منه من الناس، وتظهر هذه الآثار جليَّة على أفراد المبتدعين ومتبعيهم، الذين هم جزء من المجتمع، وعدم الإنكار عليهم ومحاربة بدعهم يجعل هذه الآثار تشمل المجتمع كله. وهذه الآثار والظواهر منها ما يخص أفراد المبتدعين، ومنها ما يعم مجتمعهم. وهذه الآثار على سبيل الإيجاز هي: ١- اتباع المتشابه: لأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، ويعرف ذلك

стр. 72

من سيرتهم ومن منطقهم، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١) . فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نَّبه الله على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (٢) ومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) . وقد قال ﷺ : ((فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) (٤) . ٢- إماتة السنَّة: ومن الآثار الضارة للبدعة: إماتة السنَّة؛ لأنَّه ما ظهرت بدعة إلا وماتت سنة من السنن، لأن البدعة لا تظهر وتشيع إلا بعد تخلي الناس عن السنة الصحيحة، فظهور البدع علامة دالَّة على ترك السنة. قال ابن عباس ﵄ ((ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن)) (٥) ٣- الجدل: من الآثار المترتبة على الوقوع في البدع: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذََّّر الله من ذلك بقوله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) . فقد نهى عن الفرقة

стр. 73

والاختلاف، بعد مجيء البينات، الكتاب والسنة؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهواءهم. وقال ﷺ : ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) (١) . وقال ﷺ : ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم)) (٢) والألد الخصم: أي شديد الخصومة، واللدد: الخصومة الشديدة (٣) ٤- اتباع الهوى: ومن آثار البدع: اتباع أهلها لأهوائهم وعدم التقيد بما شرع الله. ولاشك أن هذا عين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٥) . واتباع الهوى أمر باطن لا يظهر، ولكن يتبين بعرض أعمال صاحبه على الشرع، فعند عرضها على الشرع نرى أنها لا تمثل إلا هوى صاحبها، ولا تصدر إلا من مبتدع جاهل، يقول في الأمور بغير علم، وخاصة أمور الدين. ٥- مفارقة الجماعة: ومن آثار البدع: مفارقة أهلها الجماعة، وشق عصا الطاعة على جماعة المسلمين؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب، وقد حذَّر الله من ذلك بقوله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ.....﴾ (٦) .

стр. 74

وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿..وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣) . وقال ﷺ : ((افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) (٤) . وفي رواية: ((كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة)) (٥) فالنبي ﷺ قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة؛ كالقدرية، والخوارج، والروافض وأمثالهم؛ ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله وأسمائه.. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان (٦) . ٦- ضلال الناس: ومن آثار البدع: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولاً وعملاً، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط،

стр. 75

فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ....﴾ (١) الحديث (٢) . والمبتدعة قد ألَّفُوا الفرق وجمعوا الجماعات، وساروا بهم في بدعهم بغير فهْم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفراد، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة. ٧- الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها: ومن آثار البدع: أن صاحب البدعة إذا أصابه مرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، وقال ﷺ : ((إن بعدي من أمتي، - أو سيكون بعدي من أمتي - قوماً يقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرار الخلق والخليقة)) (٣) . فصاحب البدعة لا توبة له عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهر الخروج عنها ويصر عليها باطناً، وعدم توبة صاحب البدعة لها أسباب، منها: أن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جداً، لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.
следующие страницы →