← Акыда

Акыда · id 9214

البدع الحولية

عبد الله بن عبد العزيز التويجري

Полный текст (427 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الناس عن دينهم الصحيح، ومن ثم الرئاسة عليهم. ونشر مذاهبهم وعقائدهم الباطلة. ٤- تحول البدع إلى عادة يصعب الانصراف عنها إلا بعد جهد كبير. ٥- موافقة البدعة لأهواء النفوس وغرائز الناس التي حرص الدين على تنظيمها، والحد من الانطلاق معها، وعدم وجود مقاومة فعالة تمنع من انتشارها، وامتداد أخطارها وتغلغلها في النفوس (١) . فهذه بعض أسباب انتشار البدع. ذكرناها على وجه الإيجاز؛ لأن القصد الإشارة وليس الاستيعاب. والله أعلم. سادساً: آثار البدع على المجتمع: لاشك أن للبدع آثار تظهر في المجتمعات التي تُقر تلك البدع ولا تنكرها، وليست هذه الآثار تشمل المجتمع كله، بل تخص من يقرّ بالبدعة أو يعمل بها، أو يدعو إليها ويرغِّب الناس فيها، ومن يقبل ذلك منه من الناس، وتظهر هذه الآثار جليَّة على أفراد المبتدعين ومتبعيهم، الذين هم جزء من المجتمع، وعدم الإنكار عليهم ومحاربة بدعهم يجعل هذه الآثار تشمل المجتمع كله. وهذه الآثار والظواهر منها ما يخص أفراد المبتدعين، ومنها ما يعم مجتمعهم. وهذه الآثار على سبيل الإيجاز هي: ١- اتباع المتشابه: لأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، ويعرف ذلك

стр. 72

من سيرتهم ومن منطقهم، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١) . فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نَّبه الله على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (٢) ومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) . وقد قال ﷺ : ((فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) (٤) . ٢- إماتة السنَّة: ومن الآثار الضارة للبدعة: إماتة السنَّة؛ لأنَّه ما ظهرت بدعة إلا وماتت سنة من السنن، لأن البدعة لا تظهر وتشيع إلا بعد تخلي الناس عن السنة الصحيحة، فظهور البدع علامة دالَّة على ترك السنة. قال ابن عباس ﵄ ((ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن)) (٥) ٣- الجدل: من الآثار المترتبة على الوقوع في البدع: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذََّّر الله من ذلك بقوله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) . فقد نهى عن الفرقة

стр. 73

والاختلاف، بعد مجيء البينات، الكتاب والسنة؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهواءهم. وقال ﷺ : ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)) (١) . وقال ﷺ : ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم)) (٢) والألد الخصم: أي شديد الخصومة، واللدد: الخصومة الشديدة (٣) ٤- اتباع الهوى: ومن آثار البدع: اتباع أهلها لأهوائهم وعدم التقيد بما شرع الله. ولاشك أن هذا عين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٥) . واتباع الهوى أمر باطن لا يظهر، ولكن يتبين بعرض أعمال صاحبه على الشرع، فعند عرضها على الشرع نرى أنها لا تمثل إلا هوى صاحبها، ولا تصدر إلا من مبتدع جاهل، يقول في الأمور بغير علم، وخاصة أمور الدين. ٥- مفارقة الجماعة: ومن آثار البدع: مفارقة أهلها الجماعة، وشق عصا الطاعة على جماعة المسلمين؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب، وقد حذَّر الله من ذلك بقوله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ.....﴾ (٦) .

стр. 74

وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿..وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣) . وقال ﷺ : ((افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) (٤) . وفي رواية: ((كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة)) (٥) فالنبي ﷺ قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة؛ كالقدرية، والخوارج، والروافض وأمثالهم؛ ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله وأسمائه.. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان (٦) . ٦- ضلال الناس: ومن آثار البدع: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولاً وعملاً، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط،

стр. 75

فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ....﴾ (١) الحديث (٢) . والمبتدعة قد ألَّفُوا الفرق وجمعوا الجماعات، وساروا بهم في بدعهم بغير فهْم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفراد، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة. ٧- الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها: ومن آثار البدع: أن صاحب البدعة إذا أصابه مرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، وقال ﷺ : ((إن بعدي من أمتي، - أو سيكون بعدي من أمتي - قوماً يقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرار الخلق والخليقة)) (٣) . فصاحب البدعة لا توبة له عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهر الخروج عنها ويصر عليها باطناً، وعدم توبة صاحب البدعة لها أسباب، منها: أن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جداً، لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.

стр. 76

أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدّعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصوداً بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة. أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ (٢) ، فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاط، يستسهلون به الصعب، ويرون أعمالهم أفضل من عمل غيرهم ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) .. (٤) سابعاً: وسائل الوقاية من البدع: للوقاية من البدع وسائل عدة، نذكر منها على سبيل الإيجاز: ١- الاعتصام بالكتاب والسنة، - بالإضافة إلى نشر ذلك وتبليغه للناس على أكبر قدر ممكن -: وقد جاءت أوامر الاعتصام بالكتاب والسنة صريحة في ذلك، منها: قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٥) . وحبل الله هو القرآن (٦) ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٧) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً

стр. 77

لَنْ تَبُورَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢) . والآيات كثيرة في هذا الباب وحصرها ليس من السهولة بمكان، والقصد التنبيه لا الحصر. وقال ﷺ : ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل علَّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل....)) الحديث (٣) . وقال ﷺ : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) (٤) . وفي رواية: ((إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه)) (٥) . وقال ﷺ : ((تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو بيده لهو أشد تفصيا (٦) من الإبل في عقولها)) (٧) . وقال ﷺ : ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده....)) (٨) .

стр. 78

وقال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) . والسنة بيان القرآن، فكما تجب المحافظة على الكتاب - كما تقدم من الأدلة السابقة - فكذلك تجب المحافظة على بيانه. فالسنة - وهي بيان الكتاب - لا تقل أهمية عن القرآن. وقد بين الرسول ﷺ وجوب تبليغ السنة ونشرها على أوسع نطاق ممكن، فقال ﵊: ((بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (٢) . وقال ﷺ : ((ليبلغ الشاهد الغائب)) (٣) . وقال ﷺ : ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)) (٤) . وقال ﷺ : ((نضر الله امرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره)) (٥) . فما تقدَّم من النصوص يدلُّ على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر سنته، ونشر سنته ﷺ وتبليغها؛ لأنَّ في ذلك وقاية من إحداث البدع وظهورها. ٢- تطبيق السنة في سلوك الفرد وسلوك المجتمع:

стр. 79

وذلك بتطبيق ما علمه الإنسان من السنة على سلوكه في جميع مجالات الحياة، فتطبيق السنة يجعل البدعة أمراً منكراً في المجتمع، تظهر ملامحها البشعة ومظهرها السيء، وتدل بنفسها على ما تحمله من قبح وتهديد للإسلام والمسلمين، فيجعل الناس ينفرون من البدع، لعدم قبول الناس وموافقتهم لمرتكب البدعة، ولما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطبقون السنة في جميع تصرفاتهم وأفعالهم لم تظهر فيهم البدع، وإذا ظهرت قُضي عليها مباشرة؛ لأن المبتدع بفعله البدعة قد شذَّ عن المجتمع الذي يعيش فيه، فتكون مقامته سهلة، ولكن في آخر الزمان يختلف الوضع، فيكون المتمسك بدين الله وسنة رسوله ﷺ كالقابض على الجمر، ويكون حيداً غريباً في مجتمعه، كما قال ﵊: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء)) (١) . ٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: البدع في بدايتها تكون صغيرة ثم تكبر، يبدعها فرد وسرعان ما يلتف حوله أهل الأهواء، لموافقة هذه البدعة أهواءهم وشهوة أنفسهم، أو أن هذه البدعة تريحهم من بعض تكاليف الشرع. فما هو الموقف الواجب اتخاذه؟. الجواب على ذلك هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أوجبه الله علينا بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) . فقد أوجب الله علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكفاية. فلا يجب على كل أحد بعينه، فإذا لم يقم به يقوم بواجبه، أثم كل قادر بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته، كما قال ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف

стр. 80

الإيمان)) (١) . (٢) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات التي جعل الله بها أمة محمد ﷺ خير الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..﴾ (٣) . قال أبو هريرة ﵁: (( ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام)) (٤) . وفي قول أبو هريرة- ﵁ ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناهما الشامل، يدخل فيهما الجهاد في سبيل الله والعمل على تبليغ رسالة الإسلام بشتى الوسائل الممكنة. وقد جعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، ومما يتميزون به على غيرهم، كما جعل الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من صفات المنافقين ومما يميزهم عن غيرهم.

стр. 81

فقال تعالى في وصف المؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) . وقال جل وعلا واصفاً المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (٢) . ولا شك أن التحذير من البدع والنهي عنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن إحداث البدع ودعوة الناس إليها من الأمر بالمنكر الذي هو من خصائص المنافقين ومن تبعهم. وقد نص الله على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص الرسالة المحمدية، وأهدافها البارزة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ......﴾ (٣) . وقد أرشد الرسول ﷺ في عدة أحاديث إلى عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشموله لكل مسلم، فقال-﵇: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (٤) . وجعل-﵊ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجب الجالسين على الطريق، وبين أن ذلك من حقوق الطريق، فقال ﵊: ((إياكم والجلوس على الطرقات)) . فقالوا: مالنا بد، إنَّما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها)) . فقالوا: وما حق الطريق؟. قال: ((غض البصر، وكف الأذى، وردّ السلام، وأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر)) (٥) . وقال ﷺ : ((إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذاك منكم فليتق الله وليأمر

стр. 82

بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن يكذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (١) . وقال ﵊: ((مثل القائم على حدود الله، والمدهن (٢) فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصيبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها في أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً)) (٣) ففي هذا الحديث تحذير منه ﷺ عن عاقبة السكوت عن المنكرات والبدع، وقد مثَّل النبي ﷺ بركاب السفينة - وما أحسن التمثيل - فإن سكوت المسلمين عن أهل المنكر والمبتدعة، يؤدي إلى تفشي هذه المنكرات والبدع في المجتمعات، مما يجعلهم مستحلين للعقوبة، فإذا نزلت العقوبة شملت الفاعل والراضي بالفعل، فالأول لمباشرته المنكر، والثاني لسكوته عن الإنكار. وقد قال ﵊: ((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم)) (٤) . ولكن قد يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥) ، على أن الإنسان ليس مسئولاً إلا عن نفسه وتصرفاته، ولا شأن له بالآخرين وما يفعلونه. فالجواب على ذلك ما قاله أبو بكر الصديق ﵁ قال: ((يا أيها الناس! إنكم

стр. 83

تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١) ، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)) (٢) . فما تقدَّم من الآيات والأحاديث يدلُّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل شخص؛ لا بعينه وإنَّما على الكفاية على حسب قدرته وطاقته، وأنه من خصائص أمة محمد ﷺ وأن تركه من خصائص المنافقين، وإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جنوا على أنفسهم، وصاروا مستحقين للعقوبة. ولا شك أن البدع من أكبر المنكرات التي يجب النهي عنها، وأن التهاون في ذلك يساعد على انتشار البدع، وتمسك الناس بها، واعتقادهم أن هذه البدع لو كانت أمراً منكراً لنهى عنه الناس عامة والعلماء خاصة، وأن سكوت العلماء عن الإنكار دليل على موافقة هذا الأمر المبتدع للشرع، إذ لو كان مخالفاً لحصل الإنكار. فالأمر بالمعروف وهو لزوم الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر من البدع والمعاصي؛ من أهم أسباب الوقاية من البدع، وله دور كبير في ذلك. جعلنا الله وإياكم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، مخلصين ذلك لله وحده، والله أعلم. ٤- القضاء على أسباب البدع: وأسباب البدع سبق وتكلمنا عنها، ويكون القضاء عليها بأمور عدة، منها: أ- منع العامة من القول في الدين، وعدم اعتبار آرائهم مهما كانت مناصبهم فيه. ب- الرد على ما يوجه إلى الدين من حملات ظاهرة أو خفية، وكشف مظاهر الابتداع، وتسليط الضوء عليها من القرآن والسنة لمنعها من التغلغل والانتشار. جـ- الاحتراز من كل خروج عن حدود السنة مهما قلّ أثره أو صغر أمره. د- صدّ تيارات الفكر العقائدي والتي لا حاجة للمسلم فيها، بل وردّ النصّ بالتحذير

стр. 84

منها، كآراء غير المسلمين فيها يتصل بالعقيدة، أو الأمور الغيبة ونحوها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١) قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.﴾ (٢) وقال ﷺ : ((لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضبِّ (٣) تبعتموهم)) قلنا: يا رسول! اليهود والنصارى؟. قال: ((فمن؟)) (٤) . فحذر النبي ﷺ من اتباع سننهم والوقوع فيما وقعوا فيه، وتقليدهم من غير تبصر، وهذا علم من أعلام نبوته. فواقع الحال يشهد بأنا أصبحنا نقلدهم في كثير من الأشياء، حتى صار المسلمون يقيمون الاحتفالات بأعياد النصارى، ونحو ذلك من التقليد الأعمى في كثير من الأمور، وقد ألف بعض العلماء المعاصرين كتاباً ذكر فيه جملة من الأمور التي وقع فيها المسلمون من مشابهة المشركين (٥) . فكثير من البدع إنما أحدثت تقليداً لليهود والنصارى وغيرهم (٦) . هـ- الاعتماد على الكتاب والسنة فقط في أمور العقيدة التي لا مجال للاجتهاد والاستحسان والقياس فيها. وعدم الاعتماد على ما يعده بعض أهل الضلال مستنداً كالعقل ونحوه. وما هو أوهى من ذلك كالمنامات ونحوها. وترك الخوض في المتشابه؛ لأن الخوض فيه علامة على أهل الزيغ والبدع. وسبب كل بلاء ومصيبة دخلت على المسلمين. فما ذكرناه هو بعض الأمور التي في اتباعها أثر كبير في القضاء على أسباب

стр. 85

البدع، وهذه الأمور لا تحقيق الهدف لوحدها، وإنما لا من احتساب العلماء وطلاب العلم وبذل وسعهم، في تطبيقها والدعوة إليها، وحثّ على الالتزام بها. لكي تؤدي الغرض المطلوب، والهدف المقصود، والله الهادي إلى سواء السبيل. سابعاً: البدع الحولية: المراد بالبدع الحولية: هي البدع التي تقام كل حول مرة، وفي نفس الميعاد، ولا يمكن أن تتكرر في سنة واحدة. فمثلاً: بدعة الحزن عند الرافضة في يوم عاشوراء - العاشر من محرم - تقام كل سنة في هذا اليوم ولا علاقة لها بفرق الأيام بين سنة وأخرى، فلا يمكن أن يجعلوا موسمهم هذا يوم التاسع من محرم ولا العشرين منه، وإنما يقيمونه كل سنة في العشر من محرم. وكذلك بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فإنه يحتفل بها في هذه الليلة بالذات من كل عام. وكذلك بالنسبة لبدعة صلاة الرغائب التي لا تتعلق بتاريخ معين، وإنما هي متعلقة بليلة أول جمعة من رجب، فربما كانت تلك الليلة ليلة اليوم الأول من رجب وربما كانت ليلة الثاني أو الثالث أو الرابع......من شهر رجب فهي تتكرر كل عام في ليلة أول جمعة من رجب. والحول والسنة والعام، معناها واحد. وقد وردت هذه الأسماء الثلاثة في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ (١) ، فأتى بذكر السنة والعام في آية واحدة، وقال عز من قائل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ... ﴾ (٢) . وقد تختص بالجدب، والعام بالخصب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٣) ، فعبَّر بالسنين عن الجدب. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤) ، فعبَّر بالعام عن الخصب، وقد وقع التعبير

стр. 86

عن الخصب بالسنين أيضاً في قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ.........﴾ (١) . أما الحول فإنه يقع على الخصب والجدب جميعاً. والسنة - الحول - على قسمين: طبيعة، واصطلاحية. فالطبيعة: هي القمرية، وأولها استهلال القمر في غرة المحرم وآخرها سلخ ذي الحجة من تلك السنة. وهي اثنا عشر شهراً هلالياً، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢) . وعدد أيامها: ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً، وخمس وسدس يوم تقريباً، ويجتمع من هذا الخمس والسدس يوم في كل ثلاث سنين، فتصير السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً، ويبقى من ذلك بعد اليوم الذي اجتمع شيء، فيجتمع منه ومن خمس اليوم وسدسه في السنة السادسة يوم واحد.... وهكذا إلى أن يبقى الكسر أصلاً، بأحد عشر يوماً عند تمام ثلاثين سنة، وتسمى تلك السنين كبائس العرب. والاصطلاحية: هي الشمسية، وشهورها اثنا عشر شهراً كما في السنة الطبيعية، إلا أن كل طائفة راعت عدم دوران سنيها، جعلت في أشهرها زيادة في الأيام إما جملة وإما متفرقة وسمتها نسيئاً. وعدد أيامها عند جميع الطوائف (٣) ، ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوماً وربع يوم، فتكون زيادتها على العربية-الطبيعة-عشرة أيام وثمانية أعشار يوم، وخمسة أسداس يوم (٤) . وفي كتابنا هذا سنتطرق للبدع التي تحدث في كل شهر من شهور السنة الهجرية؛ مبتدئين بشهر محرم إلى شهر ذي الحجة، وهناك بعض الشهور لم نطلع- حسب وسعنا- فيها على بدع، فلذلك لم نوردها كشهر ربيع الثاني، وشهري جمادى الأولى والثانية، وذي القعدة. فنسأل الله العون والتوفيق، إنه على كل شيء قدير.

стр. 87

الفصل الأول شهر المحرم المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه . المبحث الثاني: البدعة فيه عند الرافضة. المبحث الثالث: بدعة الفرح فيه عند الناصبة. ...

стр. 88

المبحث الأول بعض الآثار الواردة فيه عن أبي بكرة - رضي الله-عن النبي ﷺ قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)) الحديث. متفق عليه (١) . عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: ((أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل)) (٢) . عن عائشة-﵂ قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش (٣) في

стр. 89

الجاهلية، فلما قد المدينة (١) صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. متفق عليه (٢) . عن ابن عباس ﵄ قال: قدِم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟)) . قالوا: هذا يوم صالح. هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: ((فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه)) متفق عليه (٣) . عن أبي موسى-﵁ قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً، قال

стр. 90

النبي ﷺ : ((فصوموه أنتم)) متفق عليه (١) . عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵄ يوم عاشوراء، عام حجّ، على المنبر يقول: ((يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر)) متفق عليه (٢) . عن ابن عباس ﵄ قال: ((ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّلة على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر - يعني شهر رمضان)) (٣) . عن الرُّبّيع بنت معوذ ﵂ قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء

стр. 91

إلى قرى الأنصار: ((من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم)) قالت: فكنا نصومه بعد ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن (١) ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. متفق عليه (٢) . عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: أمر النبي ﷺ رجلاً من أسلم (٣) أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. متفق عليه (٤) . عن أبي قتادة-﵁: عن رسول الله ﷺ قال: ((ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله)) (٥) .

стр. 92

ما رواه عبد بن عمر ﵄ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون، قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ : ((إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه)) (١) . عن جابر بن سمرة ﵄ قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده)) (٢) . عن ابن عمر-﵄ قال: ((صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه)) (٣) . ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ((حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ : ((فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع)) . قال: فلم يأت العام المقبل حتى تُوفي رسول الله ﷺ . وفي رواية: ((لئن

стр. 93

بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)) (١) . عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس ﵄ وهو متوسد رداءه عند زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائماً. قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: ((نعم)) (٢) . عن ابن عباس ﵄ قال: ((أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر)) (٣) . عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً أو بعده يوماً)) (٤) . قال ابن قيم الجوزية: (فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس، تبَّين له زوال

стр. 94

الإشكال، وسعة علم ابن عباس ﵄، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: ((صم اليوم التاسع)) ، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: ((صوموا يوماً قبله ويوماً بعده)) وهو الذي روى: ((أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر)) . وكل هذه الآثار عنه، يصدق بعضها بعضاً، ويؤيد بعضها بعضاً. فمراتب صومه ثلاث: أكملها: أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وجده بالصوم، وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب) ا. هـ (١) . وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر) (٢)

стр. 95

المبحث الثاني بدعة الحزن في شهر محرم عند الرافضة (١) في اليوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي عرف بـ (عاشوراء) أكرم الله الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ بالشهادة، وذلك سنة ٦١هـ (٢) ، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيد اشباب أهل الجنة (٣) ، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء، كما قال ﷺ لما سُئِل: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: ((الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل: يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة خفف عنه، ولا

стр. 96

يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض، وليس عليه خطيئة)) (١) . فكان الحسن والحسين-﵄ قد سبق لهما من الله ما سبق من المنزلة العالية، ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب، فإنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في عز وكرامة، والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما، ومات النبي ﷺ ولم يستكملا سن التمييز، فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقها بأهل بيتهما، كما ابتلي من كان أفضل منهما، فإن علي بن أبي طالب ﵁ أفضل منهما وقد قُتِلَ شهيداً، وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس، كما كان مقتل عثمان بن عفان-﵁ من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم. فلما قتل عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين على بن أبي طالب-﵁ وبايع الصحابة للحسن ابنه الذي قال فيه ﷺ : ((إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين

стр. 97

فئتين عظيمتين من المسلمين)) (١) . فنزل عن الولاية، وأصلح الله به بين الطائفتين، ثم إنه مات-﵁، وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر، ولم يكونوا من أهل ذلك، بل لما أرسل إليهم ابن عمه (٢) أخلفوا وعده، ونقضوا عهده، وأعانوا عليه من عدوه أن يدفعوه عنه، ويقاتلوه معه. وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما، قد أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم، ولا يقبل منهم، ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحة، ولا يترتب عليه ما يسر، وكان الأمر كما قالوا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. فلما خرج الحسين- ﵁-ورأى أن الأمور قد تغيرت، طلب منهم أن يدعوه يراجع، أو يلحق ببعض الثغور، أو يلحق بابن عمه يزيد، فمنعوه هذا وهذا، حتى يستأسر، وقاتلوه، فقاتلهم فقتلوه، وطائفة ممن معه، مظلوماً شهيداً شهادة أكرمه الله بها، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه، واعتدى عليه. فأوجب ذلك شراً بين الناس، فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إمَّا ملحدة منافقة، وإما ضالَّة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن

стр. 98

ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية، من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصار الشيطان بسبب قتل الحسين ﵁ يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصراخ، والبكاء، والعطش، وإنشاء المراثي، وما يفضي إلى ذلك من سبّ السلف ولعنهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب، حتى يسب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب، وكان قصد من سن ذلك، فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة، من أعظم ما حرمه الله ورسوله) . ا. هـ (٢) . وهذا مخالف لشرع الله؛ فالذي أمر به الله ورسوله في المصيبة- إن كانت جديدة-إنَّما هو الصبر، والاسترجاع والاحتساب، كما قال تعالى: ﴿....وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) . وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) (٤) . وقال ﷺ : ((أنا برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (٥)) ) (٦) . وقال ﷺ : ((النائحة إذا لم

стр. 99

تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال (١) من قطران (٢) ودرع من جرب (٣)) ) (٤) . وفي الصحيح عن النبي ﷺ : ((ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف له خيراً منها)) (٥) . إلا آجره الله في مصيبته وأخلفه خيراً منها. وقال ﷺ : ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم (٦) ، والنياحة على الميت)) (٧) . فكيف إذا انظم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم، وإعانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه في الدين من الفساد، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى. فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي، من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاء قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدين. ولم يعرف المسلمين أكثر كذباً وفتناً، ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه

стр. 100

الطائفة الضالة الغاوية، فإنهم شر من الخوارج المارقين وأولئك قال فيهم النبي ﷺ : ((يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)) (١) . وهؤلاء يعانون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي ﷺ ، وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من أعداء الإسلام (٢) على ما فعلوه (٣) ببغداد (٤) وغيرها، بأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ولد العباس بن عبد المطلب، وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين، من القتل والسبي وخراب الديار، وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام (٥) .

стр. 101

وهذه الطائفة هم الرافضة: الذين اشتهروا دون غيرهم من الطوائف بسبِّ الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر ﵄-ولعنهما وبغضهما وتكفيرهما-والعياذ بالله، ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: (الذي يسبّ أبا بكر وعمر) (١) . وبهذا سميت الرافضة، فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر ﵄ لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي، وقيل: إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر- ﵄. وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه عبد الله بن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي-﵁؛ بدعوى الإمام بالنص، وادَّعى العصمة له.

стр. 102

ولهذا لما كان مبدأه من النفاق قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق، وحب بني هاشم إيمان، وبغضهم نفاق (١) . وهذه الفرقة هي التي وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (إن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذباً وجهلاً، ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية (٢) ، والإسماعيلية (٣) وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة

стр. 103

يعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه، فهم كما قال فيهم الشُّعبي-﵀-وكان من أعلم الناس بهم-: لو كانوا من البهائم لكانوا حمراً، ولو كانوا من الطير لكانوا رخماً (١) ا. هـ. (٢) . وأما في الوقت الحاضر: فيستقبل بعض المنتسبين إلى الإسلام في بعض البلدان شهر محرم بالحزن والهم والخرافات والأباطيل؛ فيصنعون ضريحاً (٣) من الخشب، مزيناً بالأوراق الملونة ويسمونه ضريح الحسين، أو كربلاء (٤) ، ويجعلون فيه قبرين، ويطلقون عليه اسم (التعزية) ، ويجتمع أطفال بملابس وردية أو خضر، ويسمونهم فقراء الحسين. وفي اليوم الأول من شهر تكنس البيوت وتغسل وتنظف، ثم يوضع الطعام، وتقرأ عليه فاتحة الكتاب، وأوائل البقرة، وسورة الكافرون، والإخلاص، والفلق، والناس. ثم يصلى على النبي ﷺ ويوهب ثواب الطعام للموتى.

стр. 104

وفي خلال هذا الشهر تمنع الزينة، فتضع النساء زينتهن، ولا يأكل الناس اللحوم، ولا يقيمون ولائم الأفراح، بل ولا يتم فيه عقود الزواج، وتمنع الزوجة من زوجها إن كان لم يمض على زواجهما أكثر من شهرين، ويكثر ضرب الوجوه والصدور، وشق الجيوب والنياحة، ويبدأ اللعن على معاوية وأصحابه ويزيد وسائر الصحابة. وفي العشر الأول من الشهر: تشعل النيران، ويتواثب الناس عليها، والأطفال يطوفون الطرقات، ويصيحون: يا حسين يا حسين. وكل من يولد في هذا الشهر يعتبر شؤماً سيئ الطالع، وفي بعض المناطق تدق الطبول والدفوف، وتصدح الموسيقى وتنشر الرايات، وينصب الضريح ويمر الرجال والنساء والصبيان من تحته، يتمسحون بالرايات ويتبركون، معتقدين أنهم بذلك لا يصيبهم مرض وتطوع أعمارهم. وفي بعض البلدان يخرج الناس في ليلة عاشوراء معصبين عيني الرجل يطوفون الطرقات، فإذا ما قاربت الشمس على البزوغ عادوا إلى بيوتهم. وفي يوم عاشوراء تطهى أطعمة خاصة، ويخرج أهل القرى والمدائن إلى مكان خاص يسمونه (كربلاء) فيطوفون حول الضريح الذي يقيمونه ويتبركون بالرايات وتدق الطبول وتضرع الدفوف، فإذا غربت الشمس دفن هذا الضريح، أو ألقي في الماء، وعاد الناس إلى بيوتهم، ويجلس بعض الناس على الطرقات بمشروبات يسمونها (السلسبيل) ، ويسقونها للناس بدون مقابل، ويجلس بعض الوعاظ في الأيام العشر الأول فيذكرون محاسن الحسين، ومساوئ ينسبونها لمعاوية، ويزيد، ويصبون عليها وعلى أصحابها اللعنات. ويروون في فضل عاشوراء وشهر المحرم أحاديث موضوعة وضعيفة وروايات مكذوبة. وبعد أربعين يوماً من عاشوراء، يحتفلون يوماً واحداً يسمونه الأربعين: يجمعون

стр. 105

فيه الأموال، ويشترون بها أطعمة خاصة يدعون الناس إليها. وهذه البدع تعمل في الهند والباكستان، وفي البلدان التي يقطنها الشيعة ولاسيما إيران والعراق والبحرين (١) . وإقامتهم لحفلات العزاء والنياحة والجزع، وتصوير الصور، وضرب الصدور، وما أشبه ذلك مما يصدر منهم في يوم عاشوراء وما قبله من شهر محرم، إنما يعتقدون بذلك القربة إلى الله وتكفير السيئات والذنوب التي صدرت منهم في السنة كلها، ولم يعلموا أن فعلهم هذا مما يوجب الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى. وصدق الله تعالى القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ......﴾ (٢) . وقال من قائل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (٣) .

стр. 106

المبحث الثالث بدعة الفرح في يوم عاشوراء عند النواصب (١) تقدم في المبحث السابق، ذكر بدعة الحزن في يوم عاشوراء عند الرافضة، وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله - عن الذين عارضوا الرافضة، فجعلوا يوم عاشوراء موسم فرح، وهم النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيت النبي ﷺ ومن الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح (٢) . وكان أول ظهورهم على زمن النبي ﷺ ، وذلك لما أبو سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة (٣) ، فقسمها بين الأربعة:

стр. 107

الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، أحد بني كلاب. فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد (١) ويدعنا! . قال: ((إنَّما

стр. 108

أتألفهم)) ، فأقبل رجل غائر العينين (١) ، مشرف الوجنتين (٢) ، ناتئ (٣) الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد! ، فقال: ((من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟)) . فسأله رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد ﵁ فمنعه، فلما ولَّى قال: ((إن من ضئضئ هذا - أو في عقب هذا - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون (٤) من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)) (٥) . وفي رواية لمسلم: بينما نحن عن رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً، أتاه ذو

стр. 109

الخويصرة -وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل! قال رسول الله ﷺ : ((ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل)) فقال عمر بن الخطاب- ﵁: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ : ((دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٣) فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه (٤) فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر (٥) ، يخرجون على حين فرقة من الناس)) . قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب-﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل (٦) فالتمس فوجد فأتي به

стр. 110

حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت (١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت الكوفة (٢) بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسي، وكان رأسهم المختار بن عبيد الكذاب. وقوم من الناصبة المبغضين لعلي ﵁ وأولاده، منهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ثبت في
следующие страницы →