برسول الله ﷺ فلعل الله أن يصلح به تلك الحرب، وكانوا يرون أنها لا تصلح فلقوه من العام المقبل سبعين رجلا، قد آمنوا به، فأخذ منهم النقباء اثني عشر رجلا فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ .
وعن ابن إسحاق قال: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام فأطفأ الله ذلك وألف بينهم١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الأنصار بم تمنون عليّ! ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله؟ ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله؟ ألم تكونوا أعداء فألف الله بين قلوبكم"؟. قالوا: بلى يا رسول الله٢.
ولسوف تدرك طبيعة القوم, وأثر يوم بعاث فيهم بما رواه البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار.
وقال المهاجري: يا للمهاجرين.
فلما سمعهما رسول الله ﷺ قال: "ما هذا؟ ما بال دعوى الجاهلية؟ ".
فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين.
فقال النبي ﷺ : "دعوها فإنها منتنة" ٣.
تقول عائشة ﵂: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله ﷺ ، فقدم رسول الله ﷺ المدينة وقد افترق ملؤهم، وقتلت سراتهم وجرحوا فقدمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام٤.
قال الحافظ ابن حجر: فقتل في حرب بعاث من أكابرهم من كان يتكبر
стр. 37
ويأنف أن يدخل في الإسلام حتى لا يكون تحت حكم غيره، وقد بقي من هذا النحو عبد الله بن أبي بن سلول١, وقد تولى الله تعالى إذابة شحناء أهل المدينة، وألف بين قلوبهم، وجمعهم على المودة، والرحمة، والحب، والتعاون يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وبهذا صار أهل المدينة في ألفة، وتماسك, وهم كذلك إلى اليوم.
بكل هذه الحقائق عن المدينة وأهلها جعلها الله تعالى موئل الإسلام، ومستقره، وأمر المسلمين بالهجرة إليها، وتأسيس دولة الإسلام الأولى فيها، والله أعلم حيث يجعل رسالته، والله على كل شيء قدير.
١٠- حب أهل المدينة للإسلام:
تميز أهل المدينة بطبيعة مغايرة لأهل مكة بسبب اشتغالهم بزراعة الأرض وفلاحة البساتين، التي جعلتهم يعيشون بين عوامل طبيعية عديدة لا يدركون شيئًا عن حركتها وبين عمل وسعي لا يعرفون شيئًا عن نتائجه!!
إن تقلب الجو، واضطراب الطبيعة، ونزول المطر، وتغير المناخ كل ذلك له تأثير مباشر في فكرهم ومعاشهم وحياتهم؛ لأنهم يتأكدون من وجوده، ويعرفون أهميته ومع ذلك لا يدركون مصدره، ولا يعرفون سببه، ولا يحددون بدايته أو نهايته إنه غيب بالنسبة لهم.
كما أن نتاج الزرع، ومحاصيل الضرع وتغير المناخ أمور تتحرك بين يدي قدرة خافية لا يعلمون عنها شيئًا كذلك. الأمر الذي جعل حكماءهم يتساءلون عن فاعل كل هذا؟ ومدبره؟ والمتصرف فيه؟
لقد أدت إقامة اليهود بـ: "يثرب" إلى تذكير أهلها بدين الله تعالى القائم على التوحيد، فلقد كان اليهود أهل كتاب، يؤمنون بالله الواحد، ويدينون بدين
стр. 38
موسى ﵇، وهذا أبقى في عقول أهل المدينة فكرة التوحيد، مما جعلهم ينظرون إلى الأصنام نظرة باهتة، فلم يحدث أن أقام أهل المدينة لها بيتًا، أو قدموها في الحرب أو هتفوا بها في مناسباتهم، وأعيادهم, وهذا الأمر ساعدهم على تقبل دعوة التوحيد حين جاءتهم، والدخول في دين الله تعالى حين علموا به.
كما أن فكرة بعثة نبي بدين الله تعالى صار حقيقة متوقعة بعدما نطق بها اليهود وخوفوا بها العرب، الأمر الذي دفع الأوس والخزرج إلى تقبل فكرة النبوة، والتحرك إلى رسول الله، والإسراع في اعتناق الإسلام.
جاء في سيرة ابن هشام ما رواه عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما لقي رسول الله ﷺ رهطًا من الخزرج أول مرة قال لهم: "من أنتم"؟.
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: "أمن موالي يهود"؟.
قالوا: نعم.
قال: "أفلا تجلسون أكلمكم"؟.
قالوا: بلى.
فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله بهم في الإسلام أن يهودًا كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوثًا، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله فلا رجل أعز منك
стр. 39
ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا١.
إن الوثنية التي عاشها الأوس والخزرج كانت هزيلة، بحيث لم تتمكن من تحمل ضغوط الإيمان، ولم يتحمس أحد من أهل المدينة ليصنع للأصنام هالة, أو ينشئ لها مكانًا مقدسًا، ولم تجد الأصنام فريقًا يعمل لحمايتها، والدفاع عنها، كما هو الحال في مكة، فلما جاءهم الإسلام أسرعوا إليه، وتخلصوا من الأصنام تخلصًا كليًا، وارتبطت نفوسهم بالله حتى كأنهم ولدوا في الإسلام، وعايشوه من زمن طويل، وما كان اتخاذهم للأصنام، وتوجههم نحوها إلا رمزًا يتشبهون به بغيرهم، لتكون لهم آلهة, كما كان لغيرهم, ولعل هذا الصمت التاريخي عن مصير آلهة الأوس والخزرج بعد الهجرة يفسر مدى هوان هذه الأصنام عند أهل يثرب، وعدم الارتباط بها، وسرعة وشمولية التخلص منها بعد دخولهم في دين الله تعالى.
إن الإسلام جاء إلى المدينة، بعد لقاء العقبة الأول، وحملة مصعب بن عمير ﵁ أول داعية أرسله رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد بيعة العقبة الأولى، وقد قام مصعب بمهمته خير قيام، فانتشر الإسلام في كل بيوت المدينة، خلال مدة لم تدم أكثر من عام واحد، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها قرآن يتلى، وذكر لرسول الله ﷺ إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف٢.
إن سرعة انتشار الإسلام في المدينة وإن كان بسبب ما فيه من الوضوح والسماحة والعدل والانسجام مع تكوين الإنسان ونشاطه وأهدافه، وبسبب همة مصعب بن عمير ﵁ في الدعوة بصدق وإخلاص، حيث أخذ يحرك الأفئدة بالقرآن ويلين العواطف بتلاوته البهية، ويقنع العقول بالحق، ويرضيها وهو يعرض عليها آيات الله في الأنفس والآفاق، مع كل هذا فإن من أكبر العوامل التي ساعدت على هذا الإيمان السريع ووضعية أهل المدينة بالنسبة للأصنام، فلم يحدث أن عارضوا مصعبًا، أو دافعوا عن أصنامهم، أو جادلوا حول ألوهيتها، وإنما آمنوا بالله مسرعين لشعورهم بما في ألوهية الأصنام من ريب وشك.
стр. 40
لقد كان أغلب الأوس والخزرج يعبدون "مناة" ويصنعون على مثاله أصنامًا من خشب يضعونها في دورهم, إلا أنهم كانوا يدركون هوانها، وعجزها.
يدل على ذلك ما روي أن عمرو بن الجموح كان قد اتخذ لنفسه صنمًا من خشب يشبه "مناة" فلما أسلم فتيان من الأوس كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة، وفيها فضلات الناس منكسًا على رأسه فلما أصبح عمرو ذهب ليتمسح بالصنم فلم يجده في المكان الذي تركه فيه، فأخذ يسأل، ويقول: ويلكم! من عدا على آلهتنا هذه الليلة؟
وأخذ يلتمسه في كافة نواحي المدينة حتى إذا وجده غسله، وطهره، وطيبه، ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل هذا بك لأخزينه!
فإذا أمسى وقام عمرو عدوا عليه مرة أخرى، وفعلوا به مثل ما فعلوا، فيغدو عمرو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى, فيغسله، ويطهره، ويطيبه.
ثم يعدون عليه إذا أمسى، فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يومًا فغسله، وطهره، وطيبه، ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال: إني والله لا أعلم من يصنع بك ما ترى، فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك.
فلما أمسى، ونام عمرو عدوا عليه، فأخذوا السيف من عنقه، ثم أحضروا كلبًا وربطوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس، فلما جاء عمرو في الغداة لم يجده في مكانه الذي كان فيه.
فخرج يتبعه، وابنه معاذ يحاول أن يهون له من شأن إلهه، وأن يحببه إلى الإسلام فكان يعرض عن ابنه مغضبًا، وغدا ينقلب عن إلهه، والمسلمون يزينون في قلبه دين الله فيثور في وجوههم، وإن كان كلامهم ينزل بسويداء فؤاده.
واستمر عمرو بن الجموح في بحثه عن صنمه حتى وجده في تلك البئر منكسًا مقرونًا بكلب ميت، فلما رآه وأبصر شأنه قال:
والله لو كنت إلهًا لم تكن ... أنت وكلب وسط بئر في قرن
أف لملقاك إلهًا مستدن ... الآن فتشناك عن سوء الغبن
стр. 41
الحمد لله العلي ذي المنن ... الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن ... أكون في ظلمة قبر مرتهن
بأحمد المهدي النبي المرتهن١
لقد دخل أهل المدينة في الإسلام صادقين، وكانوا خير عون لرسول الله ﷺ في نشر الإسلام، واشتركوا معه في غزواته وجهاده.
وقد هيأ الله أنفسهم لتقبل الإسلام بما كانوا يسمعونه من اليهود، فلقد كان اليهود يقولون للأوس والخزرج: لقد أظلنا زمان نبي يدعو لدين الله تعالى وسنسبقكم إليه لننتصر به عليكم ونقتلكم قتل عاد وإرم, فلما بعث رسول الله ﷺ سبقهم الأنصار ودخلوا في دين الله تعالى.
لقد كانت مقالة اليهود تلك بمثابة التنبيه للأوس والخزرج، أدت بهم إلى التفكير في هذا الدين الجديد، وهذه المقالة دعوة حسنة، قدرها الله للمدنيين جعلتهم يفكرون، وينظرون، ويؤمنون.
قد يتصور البعض أن مقالة اليهود للأوس والخزرج هي دافعهم الوحيد إلى الإسلام وهي التي جعلتهم يسلمون من غير تفكير ليكون السبق لهم!!
وهذا تصور غير صحيح حيث نلاحظ أن إسلام الأوس والخزرج تم بعد ثلاثة لقاءات في العقبة كثر فيه الحوار بين رسول الله ﷺ وبينهم، ولو كانت غايتهم السبق المجرد لآمنوا واتفقوا، وبايعوا في اللقاء الأول.
وأيضًا: يعلم عرب المدينة "الأوس والخزرج" جيدًا أن اليهود لن يتركوا دينهم أبدًا لما اعتقدوه فيه؛ لأنهم يرون أن رسالتهم آخر الرسالات، ونبيهم أعظم الأنبياء، وأنهم شعب الله المختار، ولا يعقل أن يتبعوا واحدًا من العرب وقد ثبتت هذه الحقيقة يوم أن قبل اليهود الموت بعد غزوة الأحزاب، وفضلوه على الإسلام، وكان يكفيهم يومئذ أن يعلنوا إسلامهم، ويفوزوا بعفو رسول الله ﷺ .
وقد يتصور البعض أن قبول عرب المدينة "الأوس والخزرج" للإسلام كان
стр. 42
للحصول على مصلحة دنيوية عاجلة، وهي البحث عن الاستقرار، والأمن، وتحقيق الصلح فيما بينهم، ووضع نهاية للحرب التي دامت طويلا.
لا نتصور ذلك لأن البيعة كانت على الجهاد والحرب، وهذا يعني بداية النزاع مع الوثنين في الجزيرة العربية كلها، وعلى رأسهم قريش، وبذلك اتسع الصراع وتشعب وبعدما كان بين الأوس والخزرج صار بين أهل المدينة وبين مشركي الجزيرة كلها، وعلى رأسهم القرشيون، والأعراب، وأهل البوادي بعدما كان منحصرًا بين الأوس والخزرج.
وأيضًا فإن أهل المدينة بايعوا الرسول ﷺ فريقًا واحدًا، بصوت واحد، وعلى بنود واحدة، بلا أدنى تنافس بينهم.
ولم يتحدث التاريخ أن قبيلة الأوس وهي القليلة العدد، الضعيفة القوة كانت هي الأسرع إلى الإسلام لضعفها.
ولم يتحدث التاريخ أن قبيلة الخزرج ... وهي الكثيرة العدد كانت هي الأبطأ في اعتناق الإسلام لقوتها.
لم يتحدث التاريخ عن هذا ولا ذاك، وإنما كان الخزرج هم الأسرع إلى الإسلام قبل الأوس، مما يدل على أن إسلام أهل المدينة كان يقينًا صادقًا مع الله تعالى قائمًا على الرضى والاقتناع.
ولم يكن هدف أهل المدينة تثبيت سلطانهم، والمحافظة على رئاستهم ... لأن الذي حدث بعد الهجرة يشير إلى غير ذلك؛ لأن أهل المدينة أسلموا أمرهم لرسول الله ﷺ وأخذ الرسول ﷺ وأصحابه يتصرفون في المدينة لأنهم أصحاب الحق في إدارة المدينة، وأصحاب الكلمة العليا بها، وكثيرًا ما كانت الإدارة والقيادة للمهاجرين بلا اعتراض من الأنصار.
إن إيمان أهل المدينة "الأوس والخزرج" كان بعد اقتناعهم بالإسلام، وتقبلهم لمبادئه، وإيمانًا منهم بأنه هو الطريق الصحيح لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، ونشر الخير بين الناس بمنهج الله تعالى.
стр. 43
الفصل الأول: السيرة النبوية من الهجرة حتى وفاته ﷺ
مدخل
...
الفصل الأول: السيرة النبوية من الهجرة حتى وفاته ﷺ
تمهيد:
أخذ كفار مكة في صدر الناس عن الإسلام، والعمل على إطفاء نور الله في قلوب المؤمنين، واستعملوا من أجل ذلك كافة ما أمكنهم من عمل، وأخذوا في إلحاق الأذى برسول الله ﷺ وأصحابه معه, حتى أنهم دبروا لقتل رسول الله ﷺ وآذوا المؤمنين إيذاء شديدًا، وقد أحاطت عناية الله برسوله ﷺ وبدينه، فساق إلى مكة نفرا من الأوس والخزرج، دخلوا في الإسلام، وبايعوا رسول الله ﷺ على الجهاد والموت كما هو واضح في بيعة العقبة الثانية١.
فكان أن أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة، وهاجر ﷺ بعدهم ولحق بهم، واستقر حال المسلمين بعد تمام الهجرة وتأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة.
وأخذت الأحداث تتابع، وبدأ نصر الله لدينه وللمؤمنين يتحقق في أرض الواقع، ووصل دين الله إلى العالم كله، وبذلك عاشت سيرة الرسول، وحركته لله في العقول والقلوب، وحفظت في السطور والصدور، وبرزت في الأعمال والسلوك.
وقد تأسست دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة بعد الهجرة، وصارت نموذجًا حيًا لحضارة راقية، قامت على التوحيد الخالص، والعبودية الكاملة لله وحده والتمسك بالعمل الصالح، والخلق الكريم.
وفي منهجنا لدراسة هذه المرحلة أحب أن أفرق بين أمرين:
الأمر الأول:
أقصد بأحداث السيرة النبوية الأحداث التي عاشها رسول الله ﷺ بصورة شخصية في جانبها الأغلب، وإن شاركه غيره فيها كهجرته ﷺ وإنشاء بيوته، وزواجه، وأولاده، وتعامله مع أصحابه ... إلخ. إلى وفاته ﷺ .
стр. 44
الأمر الثاني:
أعني بأحداث حركة النبي ﷺ بالدعوة، الأحداث التي كان النبي ﷺ يقوم بها مع سائر المسلمين في نشر الإسلام وتبليغه للناس، وذلك كالجهاد، وإرسال الرسائل، واستقبال الوفود ... إلخ، مما له صلة بتبليغ الإسلام، وإن قام به الرسول ﷺ وحده أحيانًا.
إن الترابط بين الأمرين كبير، إلا أني فرقت بينهما منهجيًا، لأجعل الأمر الأول في دراسة السيرة، وأجعل الأمر الثاني في دراسة حركة الرسول ﷺ بالدعوة وإن قام بهما معًا رسول الله ﷺ .
وفي هذا الفصل تأتي دراسة السيرة النبوية في العهد المدني ولذلك أراها تتناول المباحث التالية:
المبحث الأول: الهجرة النبوية.
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة بعد الهجرة.
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة.
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة.
المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجات النبي ﷺ .
المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي ﷺ .
المبحث السابع: حسن معاشرة النبي ﷺ لزوجاته.
المبحث الثامن: أبناء النبي ﷺ .
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ .
المبحث العاشر: أداؤه ﷺ رسالة الله تعالى.
وأما وفاته ﷺ فسوف أجعلها بإذن الله تعالى في نهاية الحديث عن حركة الرسول بالدعوة ليكون الحديث في هذا الموضوع خاتمًا للسيرة والحركة معًا.
والله الموفق.
стр. 45
المبحث الأول: الهجرة النبوية
مدخل
...
المبحث الأول: الهجرة النبوية
تمهيد:
بعث رسول الله ﷺ إلى العالم كله فأخذ يبلغ الإسلام، ويتحرك به وفق منهج واقعي، فبدأ بالدعوة في مكة حيث بدأ نزول الوحي فيها، واستمرت الدعوة في مكة موطنها الأول ثلاثة عشر عامًا، تنوعت فيها الوسائل، وتعددت الأساليب، وتحمل المسلمون مع رسول الله ﷺ مسئولية تبليغ الإسلام، ونشره بين الناس.
ومع أن الإسلام دين الخلق الكريم، والمعاملات النبيلة، والعقيدة الصافية الصادقة، ومسلكه الحسن الدائم، وغايته تكريم الإنسان، والمحافظة على كافة الحقوق وتحقيق السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
رغم أن الإسلام هكذا فإن أهل مكة، وبخاصة كبراؤها وسادتها لم يؤمنوا بدعوة الله، وإنما أخذوا في ردها، وصد الناس عنها، يدفعهم الحقد، وتغذيهم العصبية، ويحركهم الحرص على وضعيتهم الظالمة التي جعلوها منهج حياتهم.
وقد رأينا في دراسة العهد المكي مدى عدوانية كفار مكة، واضطهادهم لكل من أسلم ووقوفهم سدًا يصد الناس عن استماع دعوة الله, وأخذوا يتهمون محمدًا ﷺ بالأكاذيب المضللة حتى لا يسمعه أحد، مستفيدين من كثرتهم ومنزلتهم في قلوب الناس وتحكمهم في التجارة والمال، وقد نجحوا في عدوانيتهم إلى حد بعيد.
إن عرب الجزيرة كانوا يقولون: "أهل الرجل أعرف به" فنأوا بأنفسهم عن الصراع الموجود في مكة، منتظرين نتائجه ليتخذوا بعد ذلك الموقف الذي يرونه.
لقد دخل في الإسلام عدد قليل من مكة، ولو استمر إيمان الناس بالوتيرة التي سارت عليها خلال العهد المكي لاحتاج رسول الله ﷺ إلى الزمن كله ليصل الإسلام إلى الناس في العالم كله، لأن جملة من دخل في الإسلام خلال العهد المكي لم يزد عن المائتين إلا قليلا، على خوف من طواغيت مكة واعتداء كبرائها.
أمام هذا كان لا بد لدعوة الله تعالى أن تتخذ منهجًا جديدًا، ومسارًا آخر تحقق
стр. 46
به انطلاقة كبرى للإسلام.
وكان قدر الله تعالى مع حاجات الدعوة وواقعها، ومع آمال رسول الله ﷺ والمسلمين فأمرهم بالهجرة العامة من مكة إلى بلد آخر.
وقد سبق للمسلمين أن هاجر نفر منهم إلى الحبشة، تدريبًا لهم على ترك مكة، واكتشافًا لمعرفة حياة الآخرين ومذاهبهم، وليعلموا أن ترك الديار والأهل والمال والولد من أجل العقيدة والدين أمر مشروع، ولربما كان واجبًا حين لا يأمن المسلم على دينه وعقيدته.
وقد بلغ عدد المهاجرين إلى الحبشة قريبًا من ثمانين مسلمًا ومسلمة، ولذلك فهي هجرة خاصة في عدد المهاجرين وفي الأهداف المقصودة، أما الهجرة إلى المدينة فإنها تعرف بالهجرة العامة لأن جميع المسلمين كلفوا بها كما تعرف بالهجرة النبوية لأن النبي ﷺ هاجر فيها مع المسلمين.
ولما اشتد عنت الكفار، وغلظ عدوانهم على رسول الله ﷺ والمؤمنين معه نزل أمر الله تعالى بالهجرة إلى المدينة, فهاجر إليها المسلمون جميعًا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
والحديث عن الهجرة يتناول النقاط التالية:
النقطة الأولى: تحديد موطن الهجرة.
النقطة الثانية: أهمية الهجرة.
النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة.
النقطة الرابعة: وقفات بارزة في الهجرة.
وذلك في الصفحات التالية:
والله الموفق.
стр. 47
النقطة الأولى: تحديد موطن الهجرة
إن ترك موطن الصبا والبعد عن الأهل والأحبة إلى مكان جديد لشاق على النفس يحتاج إلى تفهم لسببه، واقتناع بأهميته، والوقوف على الغايات السامية التي تقتضيه.
وكان رسول الله ﷺ يعلم صعوبة الأمر بالهجرة على أصحابه ولذلك تدرج في أمرهم بالهجرة، وإخبارهم بمكانها ووجهتها.
ففي البداية قال النبي ﷺ لأصحابه: "إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين"١.
فبدأهم بأنها رؤيا منامية، ورؤيا الأنبياء حق، ولم يحدد لهم مكان الهجرة لتنشغل نفوسهم بالبحث عنها والتفكير في شأنهم معها، وليعلموا أنها حصينة لوصفها بأنها بين لابتين، وغنية لأنها ذات نخل.
وقد ظن الصحابة بعد أن أخبرهم الرسول ﷺ برؤياه تلك أنها اليمامة٢.
أو هجر٣، أو يثرب٤، أو قنسرين٥ لوجود الصفات التي أخبرهم بها رسول الله ﷺ فيها، ومع هذا الظن لم يتصرفوا من تلقاء أنفسهم وإنما انتظروا تحديد دار هجرتهم من رسول الله ﷺ ويبدو أن هذا التحديد تم بعد مراحل تمهيدية.
ففي المرحلة الأولى أخبرهم النبي ﷺ برؤياه.
يحدث أبو موسى الأشعري أن البداية كانت في قول النبي ﷺ : "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، أو هجر
стр. 48
فإذا هي المدينة " يثرب""١.
وبعد ذلك نزل الوحي على رسول الله ﷺ يخيره في الهجرة إلى واحد من أماكن ثلاثة هي: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين فعن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أوحى إليّ أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين" ٢.
ثم كان تحديد دار الهجرة بعد ذلك، يروي الترمذي في سننه أن النبي ﷺ بعد أن أخبر أصحابه بالهجرة من مكة بأيام خرج إليهم مسرورًا، وهو يقول لهم: "قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها" ٣.
وإنما كان التدرج حول أمر الهجرة لحال المهاجرين حتى يسهل عليهم ترك الأهل والدار، وربما كان لأحدهم ارتباط معين يحتاج إلى وقت لينتهي منه ويؤدي ما عليه.
ولعل تأخير تحديد المكان يؤدي إلى صرف أذهان القرشيين عن أهمية الهجرة، وإدراك خطورتها عليهم وعلى تجارتهم لأنهم كانوا يخافون من دخول أهل المدينة في الإسلام لتأثيرهم على أهل مكة وبخاصة إذا انضم الرسول ﷺ إليهم، وقادهم بدينه الذي يدعو إليه.
ولم يتصور أهل مكة أن الهجرة هذه المرة ستكون شاملة للرسول والمسلمين جميعًا وظنوها واحدة تشبه سابقيها، ولذا لما بدأ المسلمون في الرحيل إلى المدينة لم يتعرض لهم أحد، مع أنهم كانوا يخرجون أرسالا٤ ظنًا من أهل مكة أن الرسول ﷺ لن يلحق بهم كما فعل مع مهاجري الحبشة.
وقد رحلت عائلات بأكملها فقبيلة بني غنم رحل منهم، أربعة عشر رجلا، وسبع نسوة، كما تحرك عمر بن الخطاب ﵁، وأهله، وعشيرته وحلفاؤه في عشرين رجلا وامرأة.
واستمر رحيل المسلمين من مكة حتى لم يبق منهم إلا رسول الله ﷺ وبنوه، وأبو بكر وبنوه، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حيث أبقاهم رسول الله ﷺ بأمر الله تعالى، فلما علم أهل مكة بإعداد الرسول ﷺ للهجرة خافوا من الأمر ووقع في أيديهم، فأخذوا في التخطيط لقتل رسول الله ﷺ حتى لا يقع ما يحذرون منه.
стр. 49
النقطة الثانية: أهمية الهجرة
الهجرة هي الترك مطلقًا، وتشمل ترك المحسوسات والمعنويات ولذلك فهناك ترك المعاصي، وترك الأفكار الضالة، وهناك ترك الديار والبلاد والرحيل عنها إلى مكان آخر، وكلاهما هجرة وترك، والفاعل لأحدهما مهاجر وتارك.
ومن الهجرة الحسية ما تقوله الملائكة للمستضعفين الذين ظلموا أنفسهم، وبقوا تحت سيطرة الطغاة أذلاء مستعبدين ليقيموا عليهم الحجة، ويبينوا لهم أن الضعف معصية وجريمة يعاقب الله من رضي به، وهو قادر على الخلاص وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١.
ومن الهجرة المعنوية جاء قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ٢.
وقد هاجر المسلمون إلى الحبشة تاركين مكة وما فيها من ضلال وشرك، فهي هجرة حسية، وهجرة معنوية معًا.
والهجرة إذا أطلقت فإنها تنصرف إلى هجرة المسلمين ومعهم رسول الله ﷺ
стр. 50
من مكة إلى المدينة المنورة، والذين قاموا بالهجرة هم المهاجرون الذين قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١.
ويندرج معهم كل من ترك موطنه أيا كان موقعه، ولحق برسول الله ﷺ في المدينة يقول ابن الأثير: "والمراد بالمهاجر في الشريعة من فارق أهله، ووطنه، وجاء إلى بلد الإسلام، وقصد النبي ﷺ رغبة فيه، وإيثارًا له"٢.
وكلام ابن الأثير لا يقيد الهجرة بمكان خاص وإنما يجعل الهجرة شاملة لأى مكان ما دامت تقصد الرسول ﷺ في بلد الإسلام رغبة في صحبته، وإيثارًا للتعلم منه، وابتعادًا عن أعداء الله الذين يبغونهم الفتنة والضرر.
وعلى ذلك فمن ترك دار الشرك، ولحق بدار الإسلام فهو مهاجر، يقول ابن عباس ﵁: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر من المهاجرين، لأنهم هجروا دار الشرك إلى دار الإسلام، وكان من الأنصار مهاجرون تركوا المدينة يوم أن كانت دار شرك وقصدوا رسول الله ﷺ عند العقبة"٣.
والهجرة المقصودة من الدراسة هي الهجرة إلى المدينة المنورة.
وترجع أهمية الهجرة إلى المدينة المنورة إلى أنها تمثل الانطلاقة الكبرى لانتشار الإسلام بعد ما وقف أهل مكة من الإسلام والمسلمين موقف العنت والكبرياء، وأخذوا يصدون عن سبيل الله بكل وسيلة ممكنة، مهما كان فيها من الكذب والغلو والبعد عن الحق والسداد.
يصور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة إلى الله تعالى ويبين بوضوح أنهم لم يتدبروا حقيقتها، ولم يتفهموا ما تدعوهم إليه، وإنما كانت اعتراضاتهم تتسم بالفوضوية، واللجوء إلى السفه والجهل، وتبتعد ابتعادًا كليًا عن المناقشة الهادفة الصحيحة.
стр. 51
فالرسول ﷺ يدعوهم إلى دين الله تعالى، ويدلل على الحق بالحسنى، ويبين الإسلام بكافة الوسائل والأساليب، ويقدم أمامهم الآيات الواضحات، ومع ذلك استمروا على عنتهم وغلوهم متعللين بالحجج الواهية والأجوبة الباهتة.
فمرة يبرزون تميزهم بالغنى المادي والوجاهة الاجتماعية والسلطان القوي وما دروا أن ما هم فيه من فضل هو من الله، والأولى بهم أن يشكروا الرازق المعطي، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ١.
ومرة يطالبون الرسول ﷺ بتبديل الآيات، والإتيان بغيرها، وكأنهم في حفلة راقصة، تغير فيها الراقصة الملابس مع كل مقطع وأغنية، متصورين رسول الله قادرًا على التغيير أو التبديل ... وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
ومرة يشعرون بالعجز، فيتهمون رسول الله ﷺ بما ليس فيه، ويصفونه بالكذب والسحر ومعاداة دين الآباء يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٣.
ومرة يتعنتون في المناقشة، ويطلبون من الرسول أن يعيد لهم آباءهم من قبورهم ليشهدوا بصدقة, يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ
стр. 52
حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
ومرة يصيبهم الحنق والغيظ، وتتبدى منهم العداوة للمؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
ومرة ينكرون الحق، الثابت مستدلين بعدم الفهم، وجنوحهم إلى الظن، والخيال يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ٣.
ووصل الحال بأهل مكة أنهم حاولوا قتل رسول الله ﷺ أكثر من مرة، وكان أن نجاه الله منهم.
وقد اشتد إيذاء الكفار لكل من أسلم لمنعهم من الإسلام، وإبعادهم عن رسول الله ﷺ .
ولذلك كان الإذن بالهجرة نهاية لفترة مؤلمة عاشها المسلمون، وبداية لقوة الإسلام وتطبيقه في حركة الحياة والناس ... وكان هذا سبب رضى المؤمنين وسعادتهم.
لقد كانت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة مرحلة طبيعية، انطلقت فيها دعوتهم بعد حصارها الطويل، وكانت انفراجة حاسمة لا بد منها لنشر كلمة الحق بين القاضي والداني بلا عائق أو عناد.
وكان المسلمون قد أدركوا بعد أن استعصى عليهم الانطلاق إلى غايتهم الكبرى أن تغيير المكان والأقوام أمر ضروري لتحقيق النجاح المنشود.
стр. 53
ولم يعد ممكنًا للمسلمين أن يمارسوا نشاطهم المحدود المقيد في مكة بعد ثلاث عشرة سنة كانت محسوبة من عمر دعوتهم، وتيقنوا من حاجة الإسلام والمسلمين إلى منطلق أمين, يمكنهم من الوصول للناس في العالم كله, ولهذا كانت استجابتهم لرسول الله ﷺ حين أمرهم بالهجرة إلى المدينة المنورة.
كانت الهجرة للمدينة إذن أمرًا ضروريًا، بعد أن هيأ أهلها للمسلمين المكيين الفرصة الطيبة للخلاص من مراقبة الأعداء، والبعد عن اضطهادهم وعنتهم.
كان المطلوب آنذاك أن يهاجر من مكة جميع القادرين على تركها، لتيخذوا المدينة مركزًا جديدًا للدعوة وقد تحقق هذا، ولم يبق في مكة إلا من حبس أو فتن.
ولا شك أن هجرة المسلمين كانت معروفة لأعدائهم لأنهم لم يكونوا يعيشون وحدهم في مجتمعات منعزلة، وإنما كانوا يعاشرون جماعات تعارضهم وتحرص على تعطيل دعوتهم، ولهم معهم كل يوم معارضات ومشاحنات، ولذلك كان أهل مكة يدركون رحيل المسلمين من بينهم كلما غابوا عنهم.
وخرج المسلمون من مكة غير آسفين عليها, وقدموا على المجهول تاركين أهلهم وأموالهم مرغمين، وكانوا مع ذلك راضين بالحياة الجديدة الآمنة، وكان طريق الهجرة مفتوحًا أمامهم فهاجر بعضهم أمام الناس، وتسلل بعضهم الآخر في ظلمات الليل في غفلة وستر.
ولم يكن في الهجرة عند بدايتها شيء من الخطر، ولم يقف أهل مكة ضدها، ولعلها كانت تبدو أمام المشركين نوعًا من الهروب من ميدان العمل، أو نوعًا من السلبية أمام الأخطار، ولعلهم قاسوها على هجرة المسلمين قبل ذلك إلى الحبشة، وظنوها مجرد رحيل فريق من المسلمين إلى غير بلدهم ليعيشوا غرباء مدة يعودون بعدها إلى مكة.
ولم يعجز القرشيون أن يوجدوا لأنفسهم بعض التعليلات المناسبة لأفهامهم، بسبب عدم معارضتهم للمسلمين وهم يرحلون عن مكة، فلقد تصوروا أن هجرة المسلمين راحة لهم مما يرون ويسمعون، وأملوا في افصل بينهم وبين رسولهم، وبخاصة
стр. 54
أن الرسول باق في مكة معهم كما تصوروا.
ولم يكن المسلمون آنذاك قوة تؤثر بالضرر على المنطقة أثناء الهجرة، فتركهم أعداؤهم يهاجرون بعد أن ضحوا بكل شيء في سبيل عقيدتهم، ولم يكن في الهجرة شيء من العنف أو الإثارة، ولذلك سمح القرشيون لكثير من المهاجرين بالهجرة بعد أن تركوا أموالهم وبيوتهم.
وبدت هجرة المسلمين أمام المشركين كأنها نوع من الهزيمة، أو صورة للفرار من ميدان التنافس والصراع.
إلا أن الهجرة لم تكن شيئًا من ذلك أبدًا؛ لأن المهاجرين ذهبوا إلى المدينة ليباشروا الأعمال الضخمة التي تخدم الدعوة، ويتحملوا مسئوليتها أمام الناس.
وقد تحول الإسلام بهم إلى مجتمع متكامل ينطق بالعمل والتطبيق في حيوية ونشاط، ويتوحد بأخوة العقيدة التي تربط بين القلوب والأرواح، وتجمع بين الأجساد والأعمال، وتجعل الطرق والهدف واحدًا، وتزيل جميع الفوارق المادية، وتقضي على غبش الهوى ونزغات الضلال.
إن المهاجرين لم يضيعوا وقتًا يخدمون فيه دينهم، وبخاصة بعد أن هاجر الجميع وعلى رأسهم رسول الله ﷺ . لقد بدأت المواجهات الحاسمة، والأعمال المتتابعة في خدمة الدعوة إلى الله تعالى.
قد يتصور أحد أن هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة كانت من أجل الراحة والهدوء، وإيثارًا للسلامة من اضطهاد يتعرضون له في مكة، أو سترًا لضعفهم وقلتهم, وكل هذا غير صحيح، ومردود.
أين هي السلامة وسط السرايا والغزوات التي اشتركوا فيها؟ والتي لم تنقطع طوال الفترة المدنية؟!
وأين هذا الهدوء وقد تحولت حياتهم كلها إلى عبادة، ودعوة، وجهاد؟
وأين هذا الضعف في المهاجرين وقد تنوعت غزواتهم في كل الجهات والقبائل المحيطة بالمدينة؟
стр. 55
إنهم هاجروا لله ورسوله، واستمروا على ذلك حتى ماتوا لله وروسوله.
وقد شجع المسلمون أهل مكة بصمتهم، وتواضعهم على قبول هذا التحليل الكاذب ليصرفوهم عن ملاحقتهم بالضرر.
وربما كان القرشيون يقنعون أنفسهم بقبول هذا الفهم ويصدقون خيالهم، ليفتخروا أمام الناس بانتصارهم على المسلمين بعد الخصومات الطويلة.
لقد تصور القرشيون صدق نظرتهم في المهاجرين لأن المهاجرين لم يتكلموا عن شيء، وكل ما اعتنوا به حين الهجرة هو خروجهم من مكة إلى حيث أمر رسول الله ﷺ .
وقد بقي رسول الله ﷺ في مكة ليكون آخر من يهاجر منها، ولعله كان يخشى على أصحابه إذا هاجر قبلهم فنصحهم بالرحيل قبله ليضمن لهم نوعًا من الأمن والسلامة، وليكون خلف ظهورهم كالقائد الذي اضطرته ظروف الحرب للانسحاب فإنه يبقى مع آخر المتراجعين من جيشه أملا في سلامتهم وتحقيقًا للغايات المطلوبة منهم.
ولعل الرسول ﷺ كان يضلل أعداءه ببقائه بينهم ليوهمهم بأنه سيكون معهم بعد ذهاب أصحابه إلى المدينة, وبذلك تنتهي خطورته ويفقد أنصاره ويعيش صامتًا مداهنًا لأن القائد بمفرده لا يفعل شيئًا، وكل قوته في تنفيذ جنوده، واتباعهم لأوامره وتوجيهاته.
لقد تبخرت تصوراتهم كالسراب بعد أن هاجر رسول الله ﷺ ولحق بأصحابه في المدينة، وبدأت دولة الإسلام تتعالى، وتنطلق في العالمين.
стр. 56
النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة النبوية
مدخل
...
النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة النبوية
هاجر المسلمون من مكة ورحلوا إلى المدينة ولم يبق في مكة أحد من المسلمين إلا علي بن أبي طالب ﵁ وأبا بكر الصديق ﵁ وأبناء أبي بكر، وأسامة بن زيد، وعامر بن فهيرة فلقد بقوا مع رسول الله ﷺ بأمره، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة.
فيقول له رسول الله ﷺ : "لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا" ١، فيطمع أبو بكر أن يكون هو، وأخذ يستعد لذلك فابتاع راحلتين وحبسهما في داره، وأخذ في علفهما والاهتمام بهما، واستمر الحال على هذا مدة أربعة أشهر٢ حتى تمت الهجرة النبوية، في إطار تنظيم قدرة الله تعالى لرسوله ﷺ وقد اشتمل تنظيم الهجرة على ما يلي:
стр. 57
أولا: تآمر القرشيين على قتل رسول الله ﷺ
هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ أهل مكة يشعرون أن تجمع المسلمين في المدينة مع أهلها خطر عليهم، وبخاصة إذا لحق محمد ﷺ بهم فأخذوا يتآمرون للقضاء على رسول الله ﷺ وهو بينهم قبل أن يتركهم إلى المدينة ويتعاظم شأنه.
يقول ابن إسحاق: ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ فاجتمعوا له في دار الندوة، يتشاورون فيما يصنعون في أمره ﷺ حين خافوه، وكان ذلك في شهر صفر من العام الثالث عشر للنبوة.
فلما غدوا في اليوم الذي اتعدوا له اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل نجدي يتسم بالهدوء والوقار وعليه بتله١ فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا.
قالوا: أجل، فأدخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش.
стр. 58
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا مع من اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا.
قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرًا، والنابغة، ومن مضى منهم، حتى يصيبه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا، وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه، حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم, دبروا فيه رأيًا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسبيًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم.
فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا أرى غيره،
стр. 59
فتفرق القوم على ذلك، وهم مجمعون على تنفيذه١.
وقد وقع اختيارهم على أحد عشر رجلا من أكابر قريش وهم:
١- أبو جهل بن هشام.
٢- الحكم بن أبي العاص.
٣- عقبة بن أبي معيط.
٤- النضر بن الحارث.
٥- أمية بن خلف.
٦- زمعة بن الأسود.
٧- طعيمة بن عدي.
٨- أبو لهب.
٩- أبي بن خلف.
١٠- نبيه بن الحجاج.
١١- منبه بن الحجاج.
اجتمع هؤلاء الرجال المختارون وفيهم أبو جهل بن هشام عند بيت رسول الله ﷺ لتنفيذ المؤامرة المتفق عليها، فقال لهم أبو جهل وهم على بابه ﷺ استهزاء وسخرية: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم؛ ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
استمرت هذه الجماعة في حصارها لرسول الله ﷺ لتقتله فور خروجه إليهم، لكنه ﷺ خرج عليهم وأخذ حفنة من تراب في يده وألقاها على رءوسهم وهم في عماية وغشاوة، ثم قال ﷺ : "نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم يا أبا جهل"، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه ﷺ ، فجعل ينثر التراب على رءوسهم ويتلو هؤلاء الآيات من سورة يس، وفيها يقول الله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ,
стр. 60
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ١, فلما فرغ رسول الله ﷺ من قراءة هذه الآيات، لم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب٢.
стр. 61
ثانيًا: التخطيط للهجرة
قدرة الله غالبة، وأمره نافذ، وكان من اليسير أن يزيل الكفر والكافرين بـ: "كن", لكن إرادة الله قضت بجريان أمور الدعوة على عادة البشر وسنن الحياة، ليتملى المسلمون حركة القدرة الإلهية، وينظروا في مسار الأمور اعتبارًا وعظة، ولذلك كانت الهجرة عملا بشريًا، راعت كافة الاحتمالات، ورسمت منهجًا للحركة الصحيحة، وقد أعان الله تعالى رسوله والمسلمين على النجاح، وقدر لهم أن يتم أخطر عمل في حياة المسلمين بفكر البشر، ليكون دليلا للمستقبل ومبدأ للتأسي، وقد عالجت الخطة جميع الجوانب التي نلحظها في الأمور التالية:
١- الإعداد المسبق للهجرة:
أعد الرسول ﷺ للهجرة عدتها قبل أن يتحرك من بيته.
تقول عائشة ﵂: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر١ الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ جاء متقنعًا٢ في ساعة لم يكن يأتينا فيها!
стр. 62
فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. تقول عائشة: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له.
فلما دخل ﷺ قال لأبي بكر: "أخرج من عندك".
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك١ بأبي أنت يا رسول الله.
قال ﷺ : "فإني قد أذن لي في الخروج".
فقال أبو بكر: الصحابة٢ بأبي أنت يا رسول الله.
قال رسول الله ﷺ : "نعم".
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله ﷺ : "بالثمن" ٣.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز٤ وصنعنا لهما سفرة في جراب٥.
وقد نظم رسول الله ﷺ أمر الهجرة وحدد لجميع من سيساعده دوره وعمله، كما سيتضح ذلك من عمل علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن أبي بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط، وأسماء بنت أبي بكر.
٢- مبيت علي ﵁ على فراشه ﷺ :
لما عزم رسول الله ﷺ على الهجرة وعلمت قريش ذلك، وخافت على نفسها من أثر إيجاد قوة للمسلمين خارج مكة، قررت قتل رسول الله ﷺ وفق الخطة التي قرروها في اجتماع دار الندوة.
وفي الليلة التي عزم الرسول ﷺ على الهجرة فيها، تجمع فتيان قريش حول
стр. 63
بيت النبي، يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فأخبر جبريل ﵊ رسول الله ﷺ بمؤامرة القوم، وأمره أن لا يبيت هذه الليلة على فراشه الذي يبيت عليه, فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" ١.
ولقد نجحت هذه الخطة نجاحًا واضحًا، فلقد رأى رجل رسول الله ﷺ وهو يخرج من بيته، ويضع على رءوسهم التراب، فجاء للفتيان وقال لهم: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك فيكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، أفما ترون ما بكم؟
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب فظنوه بسبب الريح، أو بغيره، ولم يصدقوا الرجل في مقالته، واستمروا على ظنهم أن رسول الله ﷺ لم يخرج لرؤيتهم رجلا على فراش رسول الله ﷺ وكانوا ينظرون في الفراش بين الفينة والفينة فيجدون شخصًا مسجًا ببرد رسول الله، فيظنونه نائمًا ولذلك استمروا في مكانهم.
فلما جاء الصباح، وقام علي من نومه وخرج عليهم، علموا أنهم قد خدعوا، وقال بعضهم لبعض: لقد صدقنا الذي حدثنا٢.
ونلاحظ دقة التخطيط وحسن الاختيار في مبيت علي ﵁ مكان رسول الله، فلقد اختار رسول الله ﷺ ابن أخيه لينام مكانه لما في مبيته من تضحية، والموت فيها وارد، وما دام الأمر هكذا فلتكن التضحية بالأهل والأقارب أما في صحبة الهجرة فلقد اختار الرسول ﷺ أبا بكر ﵁ ليعلم الجميع أن غاية رسول الله ﷺ تبليغ رسالته التي كلف بها، ولو كان يقصد الزعامة لأخذ نفرًا من قبيلته مثل علي بن أبي طالب، أو حمزة بن عبد المطلب أو غيرهما.
ومن قدر الله أن الرجال الذين أحاطوا ببيت النبي ﷺ انصرفوا عن اقتحامه وبقوا خارج الدار حتى الصباح، ولم يتعجل أهل مكة خبر مقتل محمد مع أن
стр. 64
رجالهم جاءوا واستعدوا لتحقيق هذه الغاية.
يذكر السهيلي أن الرجال حينما هموا بالدخول لقتل رسول الله ﷺ ، سمعوا صياح امرأة من داخل الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث الناس عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا١.
وهكذا جرى قدر الله، وخرج الرسول ﷺ ليلا إلى دار أبي بكر، وصرف الله أهل مكة عن حراسة الطرق المؤدية إلى بيت رسول الله ﷺ ظنًا منهم أنهم أحكموا الخطة، ولن يتمكن محمد ﷺ من الخروج من بيته ورجالهم يحيطون به.
ووصل محمد ﷺ إلى بيت أبي بكر فاصطحبه وذهبا سويًا إلى الغار.
٣- الوصول إلى غار ثور:
خرج رسول الله ﷺ من داره ليلا وذهب مسرعًا إلى دار أبي بكر فوجده مستعدًا للرحيل، فخرجا سويًا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وسارا معًا في نفس الليلة إلى الغار المتفق على الاختباء فيه، وعندما وصلا إلى الغار طلب أبو بكر من رسول الله ﷺ أن ينتظر حتى يدخل هو الغار ينظر ما فيه، وذلك من باب الحرص على سلامة رسول الله ﷺ فلربما كان في الغار حيوان مؤذ، يتصدى له أبو بكر فداء لرسول الله ﷺ .
عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي ﷺ مرة، وخلفه مرة، فسأله النبي ﷺ عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى انتهيا إلى الغار من ثور، قال أبو بكر: قف كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه، وأقصه، فإذا كانت فيه دابة أصابتني قبلك. قال نافع٢: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفًا أن تخرج منه دابة، أو شيء يؤذي رسول الله ﷺ .
وفي الوصول للغار نلحظ الأعمال التالية:
- فلقد خرج الرسول ﷺ وأبو بكر من الخوخة خلف البيت ليبتعدا عن أعين
стр. 65
القرشيين الذين يعملون على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم١ ومن المحتمل اهتمامهم بمراقبة بيت أبي بكر في هذه اللية الحاسمة.
- التحرك السريع ليلا فلقد وصل النبي وأبو بكر إلى الغار في نفس الليلة التي خرج فيها الرسول من بيته، مع أن جبل ثور يقع جنوب مكة بخمسة أميال، والطريق إليه وعر وشاق.
- الاتجاه نحو الجنوب جهة اليمن مع أن المدينة جهة الشمال؛ لأن القرشيين عندما يدركون هرب رسول الله ﷺ سيبحثون عنه في كل أنحاء مكة، وبخاصة جهة المدينة المنورة التي هاجر إليها المسلمون.
يقول المباركفوري: ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشًا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي، المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن ... نعم سلك النبي ﷺ هذا الطريق وسار فيه نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور، وهو جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة٢.
- المكث في الغار ثلاثة أيام، وهي المدة التي سوف ينشط فيها القرشيون للبحث عن رسول الله ﷺ ، وفيها سيجندون الرجال، ويبحثون في كافة الجهات، ومن المنتظر أنهم بعد ثلاثة أيام سيصابون بالإحباط، ويهدءون.
- أمر الرسول ﷺ مولى أبي بكر عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه بالنهار، ويسير بها حيث سار الرسول وصاحبه لتنمحي آثارهما, فلا يستطيع أحد اقتفاء أثرهما، وقد قام عامر بن فهيرة بما كلف به خير قيام.
٤- البقاء في الغار:
استقر الرسول ﷺ وصاحبه أبو بكر في الغار، ونشط المكيون في البحث عن محمد ﷺ بعدما فر منهم، ورصدوا لمن يأتي به حيًا، أو ميتًا مائة من الإبل، ولم
стр. 66
يقصروا في السعي فلقد أحضروا رجالا يقتفون الأثر، يقودونهم إلى الناحية التي سار فيها محمد ﷺ وتتبع الدليل أثر الرسول وأبي بكر، فوجد أنهما أخذا طريق اليمن، وساروا فيه حتى وصلوا إلى غار ثور وتوقفوا، فأخذ القرشيون يفتشون في جبل ثور حتى وصلوا إلى الغار، ونظروا فيه فوجدوا على بابه نسيج العنكبوت، وحمامتين مع بيضهما في عشهما، فقالوا: لو دخل محمد هاهنا لانهدم بيت العنكبوت ولضاع عش الحمامة وانكسر بيضها!!
ونظر أبو بكر فرأى رجلا مواجهًا للغار فقال: يا رسول الله إنه ليرانا.
فقال رسول الله ﷺ : "كلا إن الملائكة تسترنا بأجنحتها".
فجلس الرجل وبال جهة الغار، فقال رسول الله ﷺ : لو كان يرانا ما فعل ذلك١.
واشتد خوف أبي بكر ﵁ وقال للنبي ﷺ لو نظر أحدهم تحت أقدامه لرآنا!! فقال له النبي ﷺ : "اسكت يا أبا بكر, ما بلك باثنين الله ثالثهما" ٢.
واستمر الرسول في الغار ثلاثة أيام بعيدًا عن الناس إلا أن التخطيط الذي وضعه الرسول ﷺ للهجرة جعله يحيط بكل ما يدور بين المكيين، ويسهل له وصول كل ما يحتاجه من سبل الحياة وأخبار الناس.
- فلقد أمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع ما يقوله الناس في النهار على أن يأتي رسول الله ﷺ في المساء بما كان في ذلك اليوم من خبر.
- وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام والشراب بما يصلحهما إذا أمست.
- وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم بالنهار على أن يأتي بالغنم الغار ليلا ليسقيهما لبنًا، وليعفو أثر عبد الله وأسماء.
وبعد أن مكث رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام سكن الناس، وشعروا أن محمدًا فر بعيدًا عن مكة، فأتاهما عبد الله بن أريقط الذي استأجره الرسول دليلا
стр. 67
للهجرة ومعه بعيراهما وثالث له، وأتتهما أسماء بزاد السفر الذي لم تجعل له حبلا يعلق به، فشقت نطاقها نصفين جعلت أحدهما حبلا للزاد فسميت بذات النطاقين لذلك١.
٥- في الطريق إلى المدينة:
خرج رسول الله ﷺ من الغار بعد ثلاثة أيام، وقادهما الدليل إلى حيث يقصدون بكل أمان وصدق، وسيطر الحذر على الركب الكريم في مسيرته، وبرزت مواقف عديدة صنعها القدر الإلهي، وأبقاها عبرة، وعظة للناس, وأهم هذه المواقف ما يلي:
- استفاد الرسول ﷺ في الهجرة بخبرة رجل مشرك هو عبد الله بن أريقط، وأستأجره ليكون الدليل لمعرفته بالطرق ومساراتها, وهذا أمر جائز شرعًا لتعين الرجل لذلك العمل وعدم وجود أحد من المسلمين للقيام بهذا الدور، وأيضًا فإن في اختيار رجل مشرك لقيادة الرحلة من الأمور التي تعمي على أهل مكة طريق الهجرة لأنهم لا يتصورون مشركًا يقود محمدًا وصحبه في الطريق.
- لم يسلك الركب الطريق إلى المدينة بعد الخروج من الغار وإنما أمعن في الاتجاه إلى الجنوب، ثم اتجه غربًا نحو الساحل حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر.
- إن الطرق بين مكة والمدينة وعرة، موحشة، لا يرى فيها المسافر ما يخفف عناء السفر من زرع وماء، وأساسها طريقان:
أحدهما شرقي محاذ لبلاد نجد.
والآخر: غربي محاذ لساحل البحر الأحمر.
وقد اختار الدليل الطريق الثاني. بيد أنه لم يسلك جادة هذه الطريق طوال الرحلة بل كان يلتوي هنا وهناك تفاديًا من أن يلحقهم من يقفوا أثرهم من القرشيين ممن كان يطمع في الحصول على الجائزة التي قررتها قريش لمن يأتي بالرسول ﷺ .
وقد وصف ابن هشام الطريق الذي سلكه الرسول ﷺ وصحبه من جبل ثور إلى المدينة لإظهار مدى التخفي والاستتار الذي سلكه الدليل بركب الهجرة، فقال: إن
стр. 68
عبد الله بن أريقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما إلى الساحل، حتى عارض الطريق أسفل عسفان١، التي تبعد عن مكة بستة وثلاثين ميلا, ثم سلك بهما الدليل على أسفل أمج٢ ثم استجاز بهما الدليل حتى عارض الطريق بعد أن جاوز قديد، ثم سلك الخرار٣، وهو واد يقع في نحو منتصف الطريق بين مكة والمدينة، ثم أخذ بهما الحداجد٤، وتقع في أرض مستوية صلبة، ثم هبط بهما العَرِج٥. ثم هبط وادي العتيق الذي يؤدي إلى المدينة٦.
كان أبو بكر ﵁ خير صديق يصاحب رسول الله ﷺ في الهجرة، فلقد قام بحراسته وخدمته ومساعدته خير قيام.
يروي البراء بن عازب حديث الهجرة فيقول ﵁: ابتاع أبو بكر من عازب رحلا فحملته معه، فسأله عازب عن مسير رسول الله ﷺ .
قال له أبو بكر: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلا، فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، ففرشت لرسول الله ﷺ فروة معي، ثم اضطجع عليها النبي ﷺ ، فانطلقت أنفض ما حوله فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة، يريد من الصخرة مثل الذي أردنا.
فسألته: لمن أنت يا غلام؟
فقال: أنا لفلان.
فقلت له: هل في غنمك من لبن؟
قال: نعم.
стр. 69
قلت له: هل أنت حالب؟
قال: نعم.
فأخذ شاة من غنمه فقلت له: انفض الضرع.
فحلب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها لرسول الله ﷺ فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ﷺ ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله ﷺ حتى رضيت.
ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
قال: "بلى". فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له.
فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.
فقال: "لا تحزن إن الله معنا" ١.
والحديث واضح الدلالة في دور أبي بكر خلال رحلة الهجرة، فلقد كان ﵁ يبحث لرسول الله عن ظل عند الظهيرة يأوى إليه، ويسوي له المكان، وكان يقوم بحراسة النبي ﷺ ، ويراقب له الطرق، وكان يعد له الطعام، ويبرد له الشراب، ويسقيه اللبن، وكان دائم الخوف على رسول الله ﷺ لأنه كان يلتفت كثيرًا والرسول يقول له: "لا تحزن إن الله معنا"، وكان أبو بكر شيخًا معروفًا للعرب، مصدقًا لديهم يقابله أحدهم ويسأله: من هذا الرجل الذي معك؟
فيرد أبو بكر: هذا الرجل يهديني الطريق. فيظن السائل أنه طريق المدينة، بينما هو طريق الإسلام والرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
لقد قام أبو بكر ﵁ بدوره خير قيام مع رسول الله ﷺ أثناء الهجرة، وكان حبه لرسول الله ﷺ يملك عليه جوارحه وحياته كلها، خطب رسول الله ﷺ الناس مرة وقال: "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت
متخذًا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته"٣.
يذكر عمر بن الخطاب ليلة الهجرة فيقول: والذي نفسي بيده لتلك الليلة لأبي بكر خير من آل عمر٤.
стр. 70
ثالثًا: عناية الله بنبيه في الهجرة
امتدت رعاية الله لنبيه ﷺ في كل أعمال الهجرة.
فلقد أعمى الله عقول وأبصار من أحاطوا ببيت رسول الله ﷺ ليلة الهجرة حتى خرج ﷺ وألقى على رأسهم التراب، ولم يشعروا به.
وهدى الله رسوله ﷺ إلى وضع تنظيم يتحرك فيه كل من اشترك في أعمال الهجرة وفق إمكانياته، وبصورة لا تعطي القرشيين أي خبر عن الهجرة.
وخلق الله في برهة وجيزة عند باب الغار ما يصرفهم عن الدخول فيه, الأمر الذي جعل كفار مكة لا يتصورون أن أحدًا دخل الغار من مدة طويلة.
وبعدما خرج رسول الله ﷺ من الغار، وأخذ طريقه إلى المدينة تجلت عناية الله، وبرزت المعونة الإلهية للرسول، وصاحبه في صور عديدة منها:
١- رد سراقة بن مالك:
رصدت قريش مائة من الإبل لمن يأتي برسول الله ﷺ أو بأبي بكر حيًا أو ميتًا، وتلك ثروة يلهث وراءها الشباب والرجال في مكة وبخاصة إذا أتت من عمل يصون قوميتهم، ويحافظ على آلهتهم كما يتصورون.
ومن أكبر الذين اجتهدوا في نيل هذه الجائزة سراقة بن مالك وكان له في هذا المجال قصة يرويها البخاري في صحيحه بسنده عن سراقة بن مالك.
يقول سراقة بن مالك: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره.
стр. 71
فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم.
فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا.
ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدي فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم.
ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أنه ﷺ قال: "أخف عنا". فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب الأمان في رقعة من أديم١.
٢- شاة أم معبد الخزاعية:
في أثناء رحلة الهجرة مر الرسول وصحبه بخيمة أم معبد، وهي امرأة بدوية كريمة تطعم وتسقي من يأتيها، واسمها عاتكة بنت خالد الخزاعية، تكنى باسم ولدها معبد.
стр. 72
وقف رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أمام خيمة أم معبد وسألاها: "هل عندك شيء".
فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، والسنة سنة شهباء.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد "؟.
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.
فقال ﷺ : "هل بها من لبن"؟.
قالت: هي أجهد من ذلك.
فقال ﷺ : "أتأذنين لي أن أحلبها"؟.
قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجت عليه ودرت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء، ثم ارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالا، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا؟ والشاء عازب ولا حلوبة في البيت؟
فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا.
قال لها: إني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد، فوصفته بصفته الرائعة, بكلام دقيق كأن السامع ينظر إليه، وهو أمامه.
فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا١.
٣- إسلام أبي بريدة:
في أثناء رحلة الهجرة، وفي الطريق على مقربة من المدينة المنورة لقي الرسول ﷺ أبا بريدة ونفرًا من قومه؛ جاءوا يطلبون النبي وأبا بكر ليفوزوا بالمكافأة التي رصدتها
стр. 73
قريش للقضاء عليهما.
كلم أبو بريدة رسول الله ﷺ فعلم صدقه وأمانته وأسلم لوقته، وتبعه سبعون رجلا من قومه، ثم خلع أبو بريدة عمامته، وعقدها برمح رسول الله ﷺ فاتخذها رسول الله ﷺ عمامة له، وبذلك يعد أبو بريدة والمؤمنون معه من أوائل الأنصار الذين اتبعوا الرسول ﷺ بعد الهجرة.
وبإيمان هؤلاء القوم صار للمسلمين قوة في الطريق١, وبدأ المسلمون في تكوين المجتمع القوي المتماسك.
٤- تأمين الزاد:
ومر ﷺ وصاحبه في الطريق على راع فاستسقياه اللبن، فاعتذر بأنه لا لبن في شائه، إلا شاة جف لبنها قريبًا، وهنا ظهرت معجزته ﷺ فلقد مسح ضرعها ودعا فرزقهم الله الكثير من اللبن، وكانت هذه آية كافية لتحويل قلب الراعي من الكفر إلى الإيمان، وتوسم فيه ﷺ الكثير من الخير، فأخبره بأنه رسول الله، وطلب الراعي أن يسير معه فطلب منه ﷺ أن يتمهل حتى يسمع بظهور أمره ﷺ وحينذاك يلحق بالمدينة، ويهاجر إلى رسول الله ﷺ .
عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن.
فقال ﷺ : "ادع بها". فدعا بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت.
وجاء أبو بكر ﵁ بمجن, فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب.
فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك قط.
قال ﷺ : "أوتراك تكتم عليّ حتى أخبرك"؟.
стр. 74
قال: نعم.
قال ﷺ : "فإني محمد رسول الله".
فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ.
قال ﷺ : "إنهم ليقولون ذلك".
قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك.
قال ﷺ : "لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا " ١.
٥- التبشير بالعودة إلى مكة:
ترك رسول الله ﷺ مكة وهي أحب البلاد إلى نفسه، ولذا رأيناه ﷺ حينما ابتعد عن مكة نظر إليها، وودعها بكلمات تؤكد حبه لها، فعن عبد الله بن عدي عن الحمراء أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" ٢.
وعن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ وهو ينظر إلى مكة ليلة الهجرة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" ٣.
وقد كانت عناية الله تعالى برسوله إذ نزل عليه خلال رحلة الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ٤.
يقول ابن عباس: والمعاد هي مكة، وفي الآية بشرى لرسول الله ﷺ في أنه سيعود إلى مكة ساعة أن يسلم أهلها، وتكون دار إسلام٥.
стр. 75
رابعًا: الوصول إلى المدينة
سار ركب الهجرة تحفه عناية الله تعالى حتى وصل إلى قباء في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الأول للهجرة.
وكان أهل المدينة منذ أن عملوا بخروج النبي ﷺ من مكة يغدون كل غداة، ينتظرونه عند الحرة، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم إلى بيوتهم، وإذا بيهودي يقف على أحد المرتفعات حول المدينة ليرى أمرًا بعينه، فإذا به يبصر رسول الله ﷺ وأصحابه في ثياب بيض، فلم يملك اليهودي نفسه، فأخذ يصيح بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه١.
يقول ابن القيم: وسمعت الرجة والتكبير في ديار بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدوم رسول الله ﷺ ، وخرجوا للقائه ﷺ والترحيب به، فأحاطوا به يملأهم الحب، وتغشاهم السكينة، والوحي ينزل عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٢.
يقول عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله ﷺ ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ ، صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر ظنًا منهم أنه رسول الله ﷺ ، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك٣.
وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقبال ركب الهجرة الميمون، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.
ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم٤ ومكث علي بن أبي طالب