فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم.
فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا.
ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدي فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم.
ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أنه ﷺ قال: "أخف عنا". فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب الأمان في رقعة من أديم١.
٢- شاة أم معبد الخزاعية:
في أثناء رحلة الهجرة مر الرسول وصحبه بخيمة أم معبد، وهي امرأة بدوية كريمة تطعم وتسقي من يأتيها، واسمها عاتكة بنت خالد الخزاعية، تكنى باسم ولدها معبد.
стр. 72
وقف رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أمام خيمة أم معبد وسألاها: "هل عندك شيء".
فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، والسنة سنة شهباء.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد "؟.
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.
فقال ﷺ : "هل بها من لبن"؟.
قالت: هي أجهد من ذلك.
فقال ﷺ : "أتأذنين لي أن أحلبها"؟.
قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجت عليه ودرت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء، ثم ارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالا، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا؟ والشاء عازب ولا حلوبة في البيت؟
فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا.
قال لها: إني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد، فوصفته بصفته الرائعة, بكلام دقيق كأن السامع ينظر إليه، وهو أمامه.
فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا١.
٣- إسلام أبي بريدة:
في أثناء رحلة الهجرة، وفي الطريق على مقربة من المدينة المنورة لقي الرسول ﷺ أبا بريدة ونفرًا من قومه؛ جاءوا يطلبون النبي وأبا بكر ليفوزوا بالمكافأة التي رصدتها
стр. 73
قريش للقضاء عليهما.
كلم أبو بريدة رسول الله ﷺ فعلم صدقه وأمانته وأسلم لوقته، وتبعه سبعون رجلا من قومه، ثم خلع أبو بريدة عمامته، وعقدها برمح رسول الله ﷺ فاتخذها رسول الله ﷺ عمامة له، وبذلك يعد أبو بريدة والمؤمنون معه من أوائل الأنصار الذين اتبعوا الرسول ﷺ بعد الهجرة.
وبإيمان هؤلاء القوم صار للمسلمين قوة في الطريق١, وبدأ المسلمون في تكوين المجتمع القوي المتماسك.
٤- تأمين الزاد:
ومر ﷺ وصاحبه في الطريق على راع فاستسقياه اللبن، فاعتذر بأنه لا لبن في شائه، إلا شاة جف لبنها قريبًا، وهنا ظهرت معجزته ﷺ فلقد مسح ضرعها ودعا فرزقهم الله الكثير من اللبن، وكانت هذه آية كافية لتحويل قلب الراعي من الكفر إلى الإيمان، وتوسم فيه ﷺ الكثير من الخير، فأخبره بأنه رسول الله، وطلب الراعي أن يسير معه فطلب منه ﷺ أن يتمهل حتى يسمع بظهور أمره ﷺ وحينذاك يلحق بالمدينة، ويهاجر إلى رسول الله ﷺ .
عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن.
فقال ﷺ : "ادع بها". فدعا بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت.
وجاء أبو بكر ﵁ بمجن, فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب.
فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك قط.
قال ﷺ : "أوتراك تكتم عليّ حتى أخبرك"؟.
стр. 74
قال: نعم.
قال ﷺ : "فإني محمد رسول الله".
فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ.
قال ﷺ : "إنهم ليقولون ذلك".
قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك.
قال ﷺ : "لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا " ١.
٥- التبشير بالعودة إلى مكة:
ترك رسول الله ﷺ مكة وهي أحب البلاد إلى نفسه، ولذا رأيناه ﷺ حينما ابتعد عن مكة نظر إليها، وودعها بكلمات تؤكد حبه لها، فعن عبد الله بن عدي عن الحمراء أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" ٢.
وعن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ وهو ينظر إلى مكة ليلة الهجرة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" ٣.
وقد كانت عناية الله تعالى برسوله إذ نزل عليه خلال رحلة الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ٤.
يقول ابن عباس: والمعاد هي مكة، وفي الآية بشرى لرسول الله ﷺ في أنه سيعود إلى مكة ساعة أن يسلم أهلها، وتكون دار إسلام٥.
стр. 75
رابعًا: الوصول إلى المدينة
سار ركب الهجرة تحفه عناية الله تعالى حتى وصل إلى قباء في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الأول للهجرة.
وكان أهل المدينة منذ أن عملوا بخروج النبي ﷺ من مكة يغدون كل غداة، ينتظرونه عند الحرة، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم إلى بيوتهم، وإذا بيهودي يقف على أحد المرتفعات حول المدينة ليرى أمرًا بعينه، فإذا به يبصر رسول الله ﷺ وأصحابه في ثياب بيض، فلم يملك اليهودي نفسه، فأخذ يصيح بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه١.
يقول ابن القيم: وسمعت الرجة والتكبير في ديار بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدوم رسول الله ﷺ ، وخرجوا للقائه ﷺ والترحيب به، فأحاطوا به يملأهم الحب، وتغشاهم السكينة، والوحي ينزل عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٢.
يقول عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله ﷺ ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ ، صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر ظنًا منهم أنه رسول الله ﷺ ، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك٣.
وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقبال ركب الهجرة الميمون، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.
ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم٤ ومكث علي بن أبي طالب
стр. 76
بمكة ثلاثًا، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء ونزل على كلثوم بن الهدم مع رسول الله أيضًا.
وأقام رسول الله ﷺ بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس, وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وكان موضع المسجد مربدًا لكلثوم بن الهدم، وقيل بل هو مكان كان يملكه بنو عمرو بن عوف وهو الأولى، وقد صلى الرسول ﷺ الجمعة فيهم، وعلى كل فإن المكان اختيار الله تعالى١.
وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس٢ -يوم الجمعة- ركب ﷺ ناقته وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى أخواله بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم وسار معهم نحو المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل.
وهذه أول جمعة يقيمها رسول الله ﷺ في الإسلام بعد هجرته في ديار بني سالم بن عوف، وألقى فيهم رسول الله ﷺ خطبة الجمعة، وعرفهم بالله، وحثهم على التقوى، وذكرهم بنعيم الله في الآخرة.
يورد ابن كثير هذه الخطبة بنصها، وفيها يقول ﷺ : "الحمد لله أحمده, وأستعينه، وأستغفره, وأستهديه، وأومن به، ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدًا.
أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة،
стр. 77
ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل، ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ١.
والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه يقول سبحانه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٢.
واتقوا الله في عاجل أمركم، وآجله، في السر، والعلانية فإنه: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ ٣.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٤.
إن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة.
خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا، وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينه، ويحيى من حيي عن بينه، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس.
стр. 78
إن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"١.
стр. 79
.........................
стр. 80
النقطة الرابعة: وقفات مع الهجرة
تمت هجرة المسلمين إلى المدينة، وترك المسلمون ديارهم من أجل الله ورسوله، وتحملوا مشقة السفر، ووعثاء الطريق، وابتعدوا بذلك عن أهل مكة، ولم يكن ذلك أمرًا سهلا على نفوسهم، ولا ميسرًا أمامهم، فلقد وقف القرشيون ضد ذوي الشأن منهم فمنعوا البعض من الهجرة، واعتدوا على آخرين، وبذلك فإني أركز على بعض الوقفات لأبين مدى التضحيات التي بذلها جيل العظمة الإسلامية.
١- دقة الطاعة:
التزم أصحاب النبي ﷺ بأوامره لهم، وكان ذلك واضحًا في كل من انتظر مع رسول الله ﷺ في مكة، ولقد رأينا كيف قام عليّ ﵁ بالمبيت على فراش رسول الله ﷺ وعرض نفسه للموت، وكيف كان أبو بكر ﵁ في كل مراحل الهجرة.
ورأينا أبناء أبي بكر ومولاه وهم يعملون خارج الغار لتأمين السلامة للرسول وصاحبه، ولم يأبهوا لعدوان قرشي يلحق بهم، ولم يتأثروا بأي أذى يقع عليهم.
يروي ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ إلى الغار أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟
قلت: لا أدري والله أين أبي؟
فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي١.
وقد استمر أبناء أبي بكر في بيته حتى علموا بوجهة رسول الله ﷺ وأبي بكر من شاعر سمعاه يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم بعد
стр. 81
هما نزلا بالبر ثم تروحا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء بنت أبي بكر ﵂: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله ﷺ ، وأن وجهته إلى المدينة، فرحلنا إليها حين جاءنا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٢- حسن التصرف:
كان أبو بكر يملك خمسة آلاف درهم، حملها إليه ابنه عبد الله في الغار، وجاء أبوه قحافة إلى بناته مغضبًا وهو يقول: والله إني لآراه قد فجعكم بماله مع نفسه، فقالت أسماء بنت أبي بكر: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذه المال، قالت: فوضع يده عليه ثم قال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم.
تقول أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك٢.
٣- تحمل الأذى:
كان من أول المهاجرين أبو سلمة، خرج وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا، لا نترك ابننا معها، إذا نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به.
وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة، وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها، وضياع ابنها، تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها، وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها، وولدها.
стр. 82
فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة، وليس معها أحد من خلق الله، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة١.
٤- التضحية بالمال:
لما أراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ لا والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني قد جعلت لكم مالي.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ربح صهيب, ربح صهيب" ٢.
٥- كيد قريش بالمهاجرين:
تواعد عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل موضعًا يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش وحبس عنهما هشام.
ولما قدما المدينة، ونزلا بقباء، قدم أبو جهل، وأخوه الحارث إلى عياش -وأم الثلاثة واحدة- فقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك فرق لها.
فقال له عمر: يا عياش إن القوم يريدون فتنتك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبى عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه.
فقال له عمر: أما قد فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم
стр. 83
ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها, فخرج عليها معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يابن أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
قال: بلى.
فأناخ وأناخا ليتحول عليها أبو جهل، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا.
وقالا: يا أهل مكة، هكذا افعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا١.
٦- الاستيلاء على الدور:
كان آخر من بقي ممن هاجر عبد الله بن جحش، وكان قد كف بصره، فلما أجمع على الهجرة كرهت امرأته ذلك، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غير المدينة، فهاجر بأهله وماله مكتتمًا من قريش حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ ، فوثب أبو سفيان بن حرب على داره فباعها وملكها لغيره.
مر بها بعد ذلك أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وحويطب بن عبد العزى، وفيها أهب معطونة فذرفت عينا عتبة وتمثل ببيت من شعر:
وكل دار وإن طالت سلامتها ... يومًا سيدركها النكباء والحوب
فأقبل أبو جهل على العباس وقال: هذا ما أدخلتم علينا٢.
هذه الوقفات السريعة مع المهاجرين تبين مدى الجهود التي بذلوها في سبيل الله تعالى.
стр. 84
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة
مدخل
...
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة
مكث رسول الله ﷺ في قباء حتى صلى الجمعة في بني سالم بن عوف، وبعدها واصل رحلته إلى المدينة التي نورت بهجرته ﷺ إليها.
وقد حزن بنو عوف لفراق رسول الله ﷺ لأنهم تصوروه هاجر إليهم وما تركهم إلا ضجرًا فسألوه: أتتركنا ملالا منا يا رسول الله؟ أم إلى من هم خير منا؟
فقال لهم ﷺ : "إني أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" ١.
وإنما كانت المدينة هكذا لأنها تغزو غيرها، وتنتصر، وتكون حاضرة لسائر المدن والقرى وقد تحقق ذلك بتأسيس دولة الإسلام الكبرى.
وفي هذا تأكيد لبني عوف أنه ﷺ ما تركهم ضجرًا أو سآمة.
وكان يوم وصوله ﷺ إليها يومًا سعيدًا مشرقًا، امتلأت فيه قلوب الناس بالحب، وعمهم الفرح، وأخذ رسول الله ﷺ يؤسس لنفسه، وللمسلمين ما يحقق لهم الاستقرار والأمن في هذا المجتمع الجديد، وفي هذا المبحث سنتناول الأمور التالية:
أولا: الترحيب بقدوم الرسول ﷺ .
ثانيًا: تأسيس المسجد النبوي.
ثالثًا: هجرة أهل الرسول ﷺ .
رابعًا: تأمين سكن النبي ﷺ وزوجاته.
وهي أمور تحتاج لتفصيل نورده فيما يلي:
стр. 85
أولا: الترحيب بقدوم رسول الله ﷺ
لما صلى رسول الله ﷺ الجمعة في بني عمرو بن عوف أرسل إلى أخواله بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، وتقاطر الأنصار جميعًا خلفهم، حتى اجتمعوا حول رسول الله ﷺ مرحبين به، فركب الرسول ﷺ ناقته، والناس عن يمينه وشماله وخلفه، منهم الراكب ومنهم الماشي يهللون ويكبرون.
اجتمع بنو عمرو بن عوف وقالوا: يا رسول الله أخرجت ملالا لنا، أم تريد دارًا خيرًا من دارنا؟
فقال ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، فخلوها، فإنها مأمورة".
فخرج رسول الله ﷺ من قباء يريد المدينة فوجد الناس قد ملئوا الطرق ومعهم الخدم والصبيان وهم يقولون: الله أكبر، جاءنا محمد، جاءنا رسول الله.
يقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان يقولون: محمد جاء فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر فكنا في بعض جرار المدينة، فبعث لنا رسول الله ﷺ رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار، فخرج الأنصار واستقبلهما زهاء خمسمائة منهم، حتى انتهوا إليها فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، وخرج أهل المدينة حتى إن العوائق فوق البيوت يتراءينه ويقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ١.
وعن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع٢
стр. 86
وعن البراء ﵁ قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ويقول أنس: ما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة٢.
وقد تجلى الترحيب العام برسول الله ﷺ من كافة قبائل المدينة، وكان كل منهم يتمنى أن ينزل الرسول ﷺ عنده، ويعده بالعدة، والعدد، والثروة، والطاعة، وكان الرسول ﷺ يعرفهم بأنه سيترك الناقة تبرك حيث يريد الله لها.
ويقول لهم: "دعوها فإنها مأمورة" ٣.
ولما علم الأنصار بذلك لم يتعرضوا للناقة، وكل منهم يدعو الله أن يكون بيته هو المكان المختار لنزول رسول الله ﷺ .
فسار رسول الله ﷺ راكبًا ناقته، حتى إذا أتت دار بني عدي بن النجار قامت إليه وجوههم تأمل في نزوله عندها، ثم إن ناقته ﷺ لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ثم تحلحلت، وأرزمت ووضعت جرانها، وجعل جبار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة فلم تفعل، فنزل رسول الله ﷺ عنها وقال: هنا المنزل إن شاء الله وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ٤.
وجاء أبو أيوب فقال له رسول الله ﷺ : "أي بيوت أهلنا أقرب"؟.
فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، وقد حططنا رحلك فيها
стр. 87
قال ﷺ : "فانطلق فهيئ لنا مقيلا". فذهب فهيأ لهما مقيلا١.
يروي الطبراني عن عبد الله بن الزبير أنه كان هناك عريش يرشونه، ويعمرونه ويتبردون فيه، حتى نزل فيه رسول الله ﷺ عن راحلته فأوى على الظل فنزل فيه فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه أأنقل رحلك إليه.
قال ﷺ : "نعم". فذهب برحله إلى المنزل.
فأتاه آخر فقال: يا رسول الله انزل عليّ.
فقال ﷺ : "المرء مع رحله حيث كان".
فنزل رسول الله ﷺ في منزل أبي أيوب وقر قراره، واطمأنت داره، ونزل معه زيد بن حارثة٢.
يقول عبد الله بن سلام ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فجئت لأنظر إليه، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" ٣.
ويقول أبو أيوب ﵁: لما نزل رسول الله ﷺ في بيتي، كان في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو.
فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل.
فقال ﷺ : "إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
يقول أبو أيوب فكان رسول الله ﷺ في سفله، وكنا فوقه في المسكن، وكنا نحرص على تحقيق ما يرضيه ويريحه.
حدث مرة أن انكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفًا أن تقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه،
стр. 88
ويقال إن أبا أيوب بعد هذه الحادثة ألح على رسول الله ﷺ حتى أسكنه العلو١.
وقد تكفل أهل المدينة بخدمة رسول الله ﷺ ، وتجهيز طعامه وشرابه، وتحقيق كل ما يحتاج إليه، يهدونه لرسول الله ﷺ حبًا، وتقديرًا.
ولقد كان أبو أيوب يصنع له الطعام، ويقدمه، وينتظر فضله ليأكله.
يقول زيد بن ثابت: لقد كنا في بني مالك بن النجار، ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﷺ من بيت أبي أيوب ثلاث، أو أربع جفان، وما كانت تخطئه.
جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة٢.
وكان الأنصار يتحرون الطعام الذي يحبه رسول الله ﷺ لإعداده له فبرغم أنه ﷺ لم يعب طعامًا، ولم يأمر بطعام، فإنهم لاحظوا إقبال رسول الله ﷺ على نوع من المرق يسمى "الطفيشل" وعلى الهريس ولذلك كانوا يكثرون له ﷺ منهما.
وكان ﷺ لا يأكل وحده، وإنما كان يطعم معه من أصحابه عددًا يتراوح بين خمسة إلى ستة عشر رجلا، حسب كمية الطعام المهدى إليه.
وهكذا عاشت المدينة حياة البهجة، والسرور، وقدرت الخير الذي وفد عليها وأقبلوا على الإسلام فهمًا وعلمًا، وتطبيقًا, وشعروا أن رسول الله ﷺ جاءهم بخيري الدنيا والآخرة، فسعدوا بهجرته، وأنزلوه فيهم منزلة الروح والعقل، وجعلوا حبه فوق حبهم لأنفسهم، فهو وهم معه برسالته يعيشون الإسلام نقيًا واضحًا.
وفي نفس الوقت تقوقع الكفار والمنافقون واليهود في المدينة، وأدركوا أن دولتهم قد انهارت، ولا سلطان لهم في المدينة بعد اليوم, وعبر بعضهم عما في قلبه من حقد وغضب، ومن ذلك أن رسول الله ﷺ رغب في أن ينزل على سيد الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول فقال له عبد الله: اذهب إلى الذين دعوك فانزل إليهم ورفض أن ينزله عنده كراهية له.
ولم يأبه النبي ﷺ بهذه المعارضة من أهل الشرك والنفاق فهي معارضة ضعيفة خائفة ... وأنى تلك المعارضة مما كان يراه في مكة!!
ولقد اعتذر الأنصار لرسول الله ﷺ عن موقف أبي، وبينوا له أن سببه ضياع المجد الذي كان يأمل فيه٣.
ومن الملاحظ أن رسول الله ﷺ لم يطلب من أحد أن ينزل عليه إلا ابن أبي، ولعلها حكمة قدرها الله تعالى لرسوله ليعلم طبائع الناس، وبخاصة هؤلاء الذين أضيروا بظهور الإسلام.
стр. 89
ثانيًا: تأمين سكن النبي ﷺ وزوجاته
أقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري سبعة أشهر حتى أقام بيوتًا لزوجاته ﵅.
وقد أسس النبي ﷺ تسعة بيوت حول المسجد في الجهة الجنوبية والشرقية والشمالية.
وقد أخذ النبي ﷺ في تأسيسها بعد الهجرة، واحدًا بعد الآخر فبنى أولا بيتًا لسودة بنت زمعة، كما بنى بيتًا ثانيًا لعائشة بنت أبي بكر ﵄، فهما زوجتاه حين الهجرة وبعد ذلك كان ﷺ كلما أحدث أهلا بنى بيتًا، واستمر هكذا حتى بنى سائر البيوت، وعددها تسعة.
والأرض التي أقيمت فيها البيوت كانت مملوكة لحارثة بن النعمان الخزرجي ﵁ وكان يتنازل لرسول الله ﷺ عن الأرض بقدر الحاجة، فكلما بنى النبي بزوجة تنازل الحارث لرسول الله عن أرض لإقامة بيت لها فيه!!
وأول البيوت تأسيسا هو بيت سودة وثانيها هو بيت عائشة الذي يلي الروضة مباشرة من جهة الشرق، وفيه دفن رسول الله ﷺ وهو الذي يعرف الآن بالحضرة النبوية وقد أقيم فوقها قبة خضراء بعد وفاته ﷺ وبعدها كان بيت سودة بنت زمعة ﵂ ملاصقًا لبيت عائشة من جهة الشرق، وقد بنى النبي ﷺ بيتًا لابنته
стр. 90
فاطمة حين تزوجها ابن عمها علي ﵁ في شمال بيت عائشة عن يسار المصلى إلى القبلة في الروضة الشريفة، أي أنه كان خلف بيت عائشة، وقد اتخذ النبي ﷺ طريقًا إلى بيت فاطمة يعرف بخوخة علي حيث كان يأتي بابها كل يوم، ويأخذ بعضادتيه ويقول: "الصلاة, ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " ١.
يقول عمر بن علي بن الحسين ﵁: كان في بيت فاطمة كوة إلى بيت عائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ إذا خرج اطلع من الكوة إلى فاطمة وعلي يعلم خبرهم٢.
وقد توزعت بيوت أزواج النبي ﷺ حول مسجده فلقد أقيم بيت زينب بنت خديجة الهلالية شرق بيت فاطمة وشمال بيت سودة ﵅.
كما أقيم بيت زينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش إلى الشرق من بيت سودة وزينب الهلالية وأقيم بيت حفصة بنت عمر أمام بيت عائشة من جهة الجنوب وقد أقيمت الحجر الباقية خلف المسجد من الجهة الشمالية، والشمالية الغربية المواجهة للقبلة وتعرف هذه البيوت ببيوت النبي، أو بيوت أزواج النبي، أو حجر النبي ﷺ .
وكان البيت مكونًا من حجرة وفناء، حيث حوائط الحجرة من جريد النخل المغطى من الخارج بالشعر والوبر، والمطين من الداخل، وللحجرة باب يفتح على الموجود أمامها وللبيت باب مرتبط بالخارج.
وقد بلغت مساحة كل واحدة من الحجرة والفناء ثمانية أذرع طولا، وعرضًا، وبذلك بلغ الطول ستة عشر ذراعًا أني أن مجموعهما معًا كان مائة وثمانية وعشرين ذراعًا.
ويبدو أن مساحة البيوت لم تكن واحدة لأن خمسة منها كان مكونًا من فناء فقط.
يقول عمران بن أنس: ترك النبي ﷺ أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد وخمسة أبيات مطينة لا حجر لها, على أبوابها مسوح الشعر، أي أنها لم تكن على
стр. 91
مساحة واحدة١.
يروي ابن سعد في طبقاته: أن حوائط بيوت النبي ﷺ كانت مكونة من جريد مطين بالطين، وسقفها من الجريد، وأبوابها من خشب العرعر الذي كان ينبت في بلاد العرب وللباب حلقة من ساج٢.
وقد استدل بعض العلماء بما ورد من أن الصحابة كانوا ينقرون باب النبي ﷺ بأظافرهم على أن الأبواب لم تكن بها حلقة، إلا أن الظاهر من قوله بأظافرهم أن الصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك تأدبًا مع رسول الله ﷺ مخافة إزعاجه إذا ضربوا بأيديهم على الحلقة.
وكانت الحجرة متوسطة الارتفاع، ينال الواقف فيها السقف بيده، وكانت بسيطة الفرش.
وقد أعد النبي ﷺ مكانًا خلف بيت فاطمة من جهة الشمال وجعله لمبيت الفقراء وهو المعروف بمكان الصفة.
أمر الوليد بن عبد الملك واليه على المدينة عمر بن عبد العزيز بهدم حجر أزواج النبي ﷺ وضمها للمسجد فبكى أبناء الصحابة وقالوا: ليتها تركت ولم تهدم حتى يطلع الناس على البناء، ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ ، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده٣.
ولعل في هدم الحجرات أسبابًا من أهمها عدم الحاجة إليها، وللاستفادة بها في توسعة المسجد، وحتى لا يتخذها المسلمون مزارًا يعبد، ولذلك لم يؤثر عن أحد من التابعين إنكارا، ولم يحدث أن عارض عمر بن عبد العزيز الأمر إليه بالهدم وهو من هو؟ إنه عمر بن عبد العزيز, وكفى!! لقد رضي بالهدم، ولم ينكر.
وعن عبد الله بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ ، حين هدمها عمر بن عبد العزيز والي المدينة بأمر الوليد، كانت بيوتًا باللبن وبها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددها تسعة بيوت، وهي ما بين بيت عائشة ﵂
стр. 92
إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ .
ورأيت بيت أم سلمة وحجرتها من لبن فسألت ابن ابنها: من بناها؟
فقال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن، فلما قدم رسول الله ﷺ نظر إلى اللبن فدخل عليها فقال: ما هذا البناء؟
فقالت: أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس.
فقال: "يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان" ١.
وعن الحسن البصري قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ ، في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقفها بيدي٢.
وقد كان الحسن صغيرًا آنذاك فإنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وليس له عند المحدثين سماع من عثمان مما يدل على انخفاض السقف٣.
ثم إن هذا الارتفاع لحجراته ﷺ وهو أن الواقف يتناول سقفها بيده، هو الذي تثبته النصوص، ولقد سبق أنه ﷺ جعل ارتفاع مسجده على هذه الوتيرة، وما كان ليجعل حجراته أعلى من المسجد، وقد قال ﷺ في شأن البنيان: "النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه" ٤.
وقد بقيت أمهات المؤمنين، بعد وفاة رسول الله ﷺ كل في حجرتها على هيئتها التي بنيت عليها ما عدا عائشة ﵂ فإنها لما أذنت بدفن عمر بن الخطاب ﵁ بجوار أبيها أقامت جدارًا داخليًا قسم بيتها إلى قسمين هما:
القسم الأول: هو الفناء، ويضم القسم الجنوبي من البيت وفيه دفن النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر ﵄.
القسم الثاني: وهو الحجرة ويقع شمال القسم الأول، وهو الذي اتخذته عائشة ﵂ بيتًا لها.
стр. 93
واستمر الحال على هذا الوضع حتى هدمت البيوت جميعا في عهد الوليد بن عبد الملك.
صفحة إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟
стр. 94
ثالثًا: هجرة آل النبي ﷺ
لما استقر المقام برسول الله ﷺ في المدينة ونزل عند أبي أيوب الأنصاري ﵁ كلف عبد الله بن أريقط الدؤلي، دليله في رحلة الهجرة أن يقوم برحلة ثانية يأتي فيها بأهله وأهل أبي بكر، وأرسل معه زيد بن حارثة، وأبا رافع مولى رسول الله ﷺ وزودهم بجملين، وخمسمائة درهم، ليشتروا بها إبلا من "قديد"١.
وكان رسول الله ﷺ قد اختبر عبد الله بن أريقط وعلم أمانته، وخبرته، ولذلك اختاره ليأتي بأهله، وهي ولا شك مهمة أسهل من مهمته الأولى.
فذهب ابن أريقط ومن معه، وجاءوا بمن كلفوا بالإتيان بهم وهم:
١- سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ وكان قد دخل بها في مكة.
٢- عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله ﷺ التي لم يدخل بها إلا بعد أن بنى لها بيتًا في المدينة.
٣- أم رومان زوج أبي بكر، وأم عائشة ﵂.
٤- فاطمة بنت رسول الله ﷺ .
٥- أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
٦- أسماء بنت أبي بكر وزوج الزبير بن العوام.
٧- عبد الله بن أبي بكر.
٨- أسامة بن زيد.
٩- أيمن بن زيد أخو أسامة.
١٠- أم أيمن، حاضنة النبي ﷺ وأم أسامة وأيمن.
стр. 95
١١- أم أبي بكر رضي الله عنها١.
وكانت عائشة تركب جملا مع أمها، فشرد بهما، فأخذت أم رومان تقول واعروساه! وابنتاه!.
تقول عائشة ﵂: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلته، فوقف بإذن الله تعالى، وسلمنا الله وسرنا حتى نزلنا بـ"السنح"٢، وذهب كل إلى وليه، وأقامت سودة وأبناء النبي ﷺ في دار أبي أيوب، أما عائشة فقد ذهبت للإقامة مع أبيها، ولم يدخل بها ﷺ إلا بعد إقامة بيتها بعد أن انتهى من بناء بيت سودة رضي الله عنها٣.
تقول عائشة ﵂: وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي هذا، الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه، ودفن فيه صلى الله عليه وسلم٤.
وقد تصادف أن طلحة بن عبد الله ﵁ خرج يريد الهجرة فتقابل مع آل النبي ﷺ خارج مكة فهاجر معهم وصحبهم حتى وصلوا جميعًا إلى المدينة المنورة.
стр. 96
رابعًا: إقامة المسجد النبوي
استقر مقام النبي ﷺ عند أبي أيوب قريبًا من المكان الذي بركت فيه الناقة، وكان مبرك الناقة مربدًا لبني النجار دفن المشركون في جزء منه، وفي جزء آخر نخل وشجر، والباقي خراب يملؤه ماء السيول والأمطار.
أرسل رسول الله ﷺ لبني النجار وقال لهم: ثامنوني على حائطكم هذا. فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا من الله تعالى.
وكان المربد مملوكًا لغلامين يتيمين من بني النجار هما: سهل وسهيل أبناء رافع بن أبي عمرو، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فدعاهما الرسول وساومهما على شراء المربد ليتخذه مسجدًا.
فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله ﷺ .
فأبى النبي ﷺ أن يقبله منهما هبة، واستمر معهما حتى ابتاعه ليكون مسجدًا فلما اشتراه النبي ﷺ أمر بالنخل فقطع، وبالقبور فنبشت، وبالعظام فغيبت، وبالخرب فسويت، وبما فيه من مياه فجففت، وبذلك أصبح المكان جاهزًا للبناء فيه.
أخذ الصحابة في البناء، ومعهم رسول الله ﷺ , وكان ﷺ ينقل معهم اللبن ويقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة١
وأدى اشتراك رسول الله ﷺ في العمل جميع الصحابة إلى بذل الجهد، وتحمل مشاق العمل بنفس راضية.
رأى الصحابة رسول الله ﷺ يضع رداءه ويحمل اللبن، حتى أن صدره اغبر من التراب فوضعوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:
لئن قعدنا والني يعمل ... ذاك إذا العمل المضلل
وفي أثناء العمل رأى الصحابة عثمان بن مظعون ﵁ يحمل لبنة، ويبعدها عن
стр. 97
ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، ونظر إلى ثوبه فإذا أصابه غبار نفضه، فنظر إليه علي ابن أبي طالب وقال:
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائمًا وقاعدا
ومن يرى عن الغبار عائدا
فسمع عمار بن ياسر مقالة علي، فأخذ يرددها، وهو لا يدري من يعني بها علي ﵁ فسمعه عثمان بن مظعون فظن أنه يعرض به فقال له: يابن سمية ما أعرفني بمن تعرض.
وكان مع عثمان جريدة فقال لعمار: لتكفن أو لأعرضن بها وجهك.
فسمعه رسول الله ﷺ فغضب وقال: "إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، ووضع يده بين عينيه"، فكف الناس عن عمار إلا أنهم قالوا له: إن النبي غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن.
فقال عمار: أنا أرضيه كما غضب.
فذهب عمار إلى رسول الله ﷺ وقال له: ما لي ولأصحابك؟.
فقال ﷺ : "ما لك ولهم"؟.
قال عمار: يريدون قتلي يحملون لبنة لبنة، ويحملون علي لبنتين لبنتين.
فأخذ النبي بيده وطاف به المسجد، وأخذ يمسح جلد رأسه بيديه من التراب وهو ﷺ يقول: "يابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة، ويدعونك إلى النار".
فقال عمار: أعوذ بالله من الفتن١.
يروي البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يحملون لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب ويقول: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" ٢.
стр. 98
وكان الرسول يعلم ذلك مما يؤكد أن قول عمار لرسول الله ﷺ إن أصحابك يريدون قتلي هي من الدعابة مع رسول الله ليذهب عنه الغضب.
وقد حاول الصحابة أن يستريح رسول الله ﷺ عن العمل فأبى, يقول أسامة بن زيد: إن رسول الله ﷺ خرج ومعه حجر يحمله على كتفه فلقيه أسيد بن حضير فقال أسيد: يا رسول الله أعطينيه.
فأبى رسول الله ﷺ وقال: "اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى الله مني" ١.
وكان رسول الله ﷺ يكل الأعمال التي تحتاج لخبرة إلى من يملك هذه الخبرة، فلقد جاء طلق بن علي، وهو رجل من بني حنيفة، يحسن عجين الطين، فلما رآه النبي ﷺ قال لأصحابه: "إن هذا الحنفي لصاحب طين، قربوا الحنفي من الطين، فإنه أحسنكم له سبكًا، وأشدكم منكبًا" ٢.
وكانت سعة المسجد حين بناه النبي ﷺ أول مرة سبعين ذراعًا، في ستين أو يزيد، وجعل جدره من خشب، ولم يسطح، فلما اشتكى الصحابة الحر والمطر، جعل ﷺ جدره من الخشب، والسواري من جذوع النخل، وظللوه بالخوص والجذوع، فكان الظل ثم طينوه بالطين فانقطع المطر، وأبقوا وسط المسجد رحبة بلا سقف.
وقبلة المسجد كانت أولا إلى بيت المقدس جهة الشمال، وأسسوا له ثلاثة أبواب في مؤخرته هي:
أ- باب أبي بكر جنوب المسجد وهو الآن جهة القبلة بعدما حولت إلى مكة وصار بعد التوسعة العثمانية جزءا داخل المسجد.
ب- باب عاتكة وهو باب الرحمة ويقع غرب المسجد داخل توسعة الملك فهد.
ج- باب النبي وهو الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ويعرف بباب عثمان.
стр. 99
وقد قام النبي ﷺ ببناء المسجد ليكون موضعًا للصلاة، ومكانًا لاجتماعه ﷺ مع أصحابه، ومقر الحكم والإدارة، ومنطلق الدعوة والإرشاد.
وبعد فتح خيبر أعاد النبي ﷺ بناء المسجد مرة ثانية وزاد مساحته لأن أبعاده في البناء الثاني صارت مائة ذراع في مائة ذراع وقد قام عثمان بن عفان بشراء المساحة الجديدة وأهداها لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم١.
ولم يغال النبي ﷺ في بناء المسجد، ولا في زخرفته، بل كان القصد وترك الغلو، فبنى المسجد باللبن، وسقف بالجريد، وكانت أعمدته سيقان النخل، وقوائم الباب من الحجارة.
واتخذ النبي ﷺ لنفسه منبرًا هو جذع نخلة حن يوم اتخذ النبي ﷺ منبرًا من الخشب مكونًا من ثلاث درجات.
واستمر المسجد على ما تركه رسول الله ﷺ إلى أن كانت خلافة عمر فزاد مساحته وبناه باللبن والجريد فلما كان عثمان زاد فيه مساحة كبيرة، وبنى عمده وجدره بالحجارة المنقوشة، وسقفه بالساج.
يروي البخاري بسنده عن ابن عمر أن مسجد رسول الله ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل، وأعلاه مظلل بجريد النخل.
ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر فبناه بجذوع النخل ولم يزد فيه وزاد فيه عمر وبناه بمواده في عهد رسول الله ﷺ باللبن، والجريد، وأعاد عمده خشبًا.
ثم إنها نخرت في خلافة عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، ونقل إليه الحصباء من العقيق٢.
وأخذ الخلفاء والسلاطين يهتمون بالمسجد النبوي بناء، ومساحة، حتى كانت الدولة السعودية الثالثة، فتوسع المسجد مرتين، الأولى في عهد الملك سعود بن
стр. 100
عبد العزيز، والثانية في عهد أخيه الملك فهد بن عبد العزيز حتى بلغت مساحة المسجد مساحة المدينة كلها في عهد رسول الله ﷺ .
وقد قام المسجد النبوي بمهام خطيرة، ففيه بدأ رسول الله ﷺ يؤم المسلمين، ويلتقي بهم، وكان ﷺ يلتقي بالوفود، والغرباء بداخله.
وقد أدرك المسلمون أهمية المسجد النبوي لما فيه من كثرة البركة، وعظم الخير كما علمهم رسول الله ﷺ .
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" ١.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" ٢.
وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي" ٣.
والمسلمون في كل عصر، ومن كل مصر يشدون رحالهم إلى مسجد رسول الله ﷺ ويتشرفون بالسلام على رسول الله ﷺ تعاودهم الذكريات الخالدة، ويعيشون حياة المصطفى ﷺ .
стр. 101
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة
مدخل
...
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة
استقر رسول الله ﷺ في المدينة بعدما هاجر إليها المسلمون من مكة ومن الجزيرة العربية، وأصبح الرسول ﷺ أمام حال يختلف تمامًا عن الحال في مكة.
وجد النبي ﷺ أمامه مجتمعًا يسلم أمره إليه، مع اختلاف عناصره، وتنوع مذاهبه واتجاهاته، وتباين طبقاته المادية والثقافية.
وجد النبي ﷺ أمامه المهاجرين بعدما تركوا ديارهم وأموالهم وأهاليهم، وجاءوا بإيمانهم وثقتهم في الله فقط، ولم يكن عندهم تصور معين يعيشون فيه، أو عمل يتوقعونه، إنما جاءوا بفقرهم يرجون فضل الله ورحمته، ويعبدون أنفسهم لله تعالى، وينصرون دعوته بصدق وإخلاص فهم كما قال الله عنهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١.
ومع المهاجرين كان الأنصار وهم من آمن بالإسلام، وبايع رسول الله ﷺ وأغلبهم من الأوس والخزرج، وهؤلاء لم يخرجوا من ديارهم، وعاشوا مع أموالهم وأقربائهم وأعمالهم التي تعودوا عليها، وكل ما جد عليهم أنهم جعلوا الإيمان في قلوبهم يقينًا صادقًا، وأحبوا به كل مؤمن وبخاصة من هاجر إليهم، ورحبوا بهم، وأنزلوهم منزلة الروح والعقل، وتنازلوا عن كل خصيصة لهم وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
стр. 102
ووجد رسول الله ﷺ مع المسلمين اليهود بقبائلهم، وقد تفرقوا، وسكنوا ظاهرًا، وأسلموا أمورهم مؤقتًا لرسول الله بسبب شعروهم بالضعف والخوف.
ومعهم كان المشركون الذين سلكوا مسلك اليهود، فاستسلموا ظاهرًا مع امتلاء قلوبهم بالحقد والحسد.
وتذبذب المنافقون بين هؤلاء وهؤلاء، وقد أخفوا الكراهية للإسلام، والمسلمين أمام هذا الوضع الجديد كان من الضروري تنظيم العلاقات بين سكان المدينة لتتكون منهم لأول مرة في تاريخ المدينة دولة تملك الأرض والشعب والقيادة الواحدة والتعاليم الواحدة التي تحكم الأفراد جميعًا.
إن سكان المدينة هم الشعب، ومعهم كان رسول الله ﷺ هو قائد الناس، يتلقى وحي الله، ويعلمه للناس، ويشكل به الحياة علمًا وفهمًا وسلوكًا، ويظهر الإسلام للعالم عقيدة وشريعة وخلقًا.
وابتدأ النبي ﷺ بتنظيم الحياة الاجتماعية بين الناس على أساس تحديد الحقوق والواجبات للجميع، وقد اشتمل هذا التنظيم على ما يلي:
стр. 103
١- تنظيم الإخاء بين المسلمين:
آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، إذ قال لهم: "تآخوا في الله أخوين أخوين"، ليتحقق الترابط، والتكافل فيما بينهم.
ولم تكن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصاري فقط، وإنما كانت تتم أحيانًا بين مهاجر ومهاجر، فلقد آخى النبي ﷺ بينه وبين علي بن أبي طالب، وآخى بين عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود، وآخى بين عمه حمزة وبين زيد بن حارثة وكل هؤلاء مهاجرون١.
وابتدأت المؤاخاة في مسجد رسول الله ﷺ عند أول مجيئه ﷺ وكانت تتجدد كلما ظهر مسلم جديد، أو جاء المدينة مؤمن مهاجر.
стр. 104
يورد ابن إسحاق صورًا لهذه المؤاخاة، ويحدد أشخاصها وعنه نقل غيره من المحدثين والعلماء.
يقول ابن إسحاق: وآخى النبي ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال: تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخى فكان رسول الله ﷺ سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب ﵁ أخوين.
وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله ﷺ ، وعم رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضر القتال إن حدث به حادث الموت.
وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، الطيار في الجنة، ومعاذ بن جبل، أخو بني سلمة أخوين، مع أن جعفر بن أبي طالب كان يومئذ غائبًا بأرض الحبشة.
وكان أبو بكر الصديق ﵁، ابن أبي قحافة، وخارجة بن زهير، أخو بلحارث بن الخزرج أخوين.
وعمر بن الخطاب ﵁ وعتبان بن مالك، أخو بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج أخوين.
وأبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله، وسعد بن معاذ بن النعمان، أخو بني عبد الأشهل أخوين.
وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع أخو بلحارث بن الخزرج أخوين, والزبير بن العوام، وسلامة بن سلامة بن وقش، أخو بني عبد الأشهل أخوين, وعثمان بن عفان، وأوس بن ثابت بن المنذر، أخو بني النجار أخوين.
وطلحة بن عبيد الله، وكعب بن مالك، أخو بني سلمه أخوين.
وسعد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب، أخو بني النجار أخوين.
ومصعب بن عمير بن هشام، وأبو أيوب خالد بن زيد، أخو بني النجار أخوين, وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر بن وقش أخو بني عبد الأشهل أخوين,
стр. 105
وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم، وحذيفة بن اليمان، أخو بني عبد الدار حليف بني عبد الأشهل أخوين.
وثابت بن قيس بن الشماس، أخو بلحارث بن الخزرج، خطيب رسول الله ﷺ وعمار بن ياسر أخوين.
وأبو ذر، وهو برير بن جنادة الغفاري، والمنذر بن عمرو، أخو بني سعد بن كعب بن الخزرج أخوين.
وكان حاطب بن أبي بلتعة، حليف بني أسد بن عبد العزى وعويم بن ساعدة أخو بني عمرو بن عوف أخوين.
وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء عويمر بن ثعلبة، أخو بلحارث بن الخزرج أخوين, وبلال، مولى أبي بكر ﵄، ومؤذن رسول الله ﷺ وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين.
فهؤلاء من سمي لنا، ممن كان رسول الله آخى بينهم من أصحابه١.
ولقد برز خلق الأنصار العظيم، وهم يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم وقد تجردوا من شح النفس، وملئوا قلوبهم بحب الله ورسوله، فكانوا قدوة مثالية في عالم الإيثار الرائع، والإنسانية النبيلة حتى إنهم قبلوا أخوة جعفر بن أبي طالب لمعاذ بن جبل رغم اغتراب جعفر وجعلوا له حق المشاركة والعطاء والولاء.
تورد كتب السنة نماذج لهؤلاء الصفوة من أتباع رسول الله ﷺ حيث نقرأ عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ : أقسم بيننا وبين إخوتنا النخيل قال: ﷺ : "لا".
فقالوا: تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة.
قالوا: سمعنا وأطعنا٢.
روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: إن
стр. 106
إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم.
فقالوا: أموالنا بيننا قطائع.
فقال ﷺ : "أو غير ذلك"؟
قالوا: وما ذاك يا رسول الله.
قال ﷺ : "هم قوم لا يعرفون العمل, فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر".
قالوا: نعم١.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها.
قال ﷺ : "أما لا فاصبروا حتى تلقوني, فإنه سيصيبكم بعدي أثرة" ٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله.
قال: "لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتهم الله لهم" ٣.
وقد سجلت السنة موقف أنصاري بلغ في الإيثار مبلغًا يستجلب تمام رضى الله ، لقد بات الرجل طاويًا وزوجته كذلك، وفوق ذلك نوما صبيانهما دون عشاء، وآثرا ضيف رسول الله ﷺ من المهاجرين بما كان عندهم من طعام.
والعظيم في الأمر أن الأنصاري يطلب هذا وتوافقه زوجته، والأم على أطفالها جد حانية، ولا تؤثر بطعامها عليهم أحدًا إلا أن صنيع الإيمان في قلوب الأنصار غير الطبائع إلى أسمى ما يتصوره عقل يفهم أو يخطر ببال مفكر أريب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
стр. 107
سبحان الله!!
والله لا يحدث هذا إلا بسبب صدق الإيمان.
ومحال أن يتم إلا لله .
عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء, فقال رسول الله ﷺ : "من يضيف هذا"؟
فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال لها: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ .
فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني.
فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، فهيأت الأم طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان بصوت يصدرونه، وباتا طاويين فلما أصبح غدا الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فقال له ﷺ : "ضحك الله الليلة -أو عجب- من فعالكما" ١.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ولم يكن المهاجرون أقل مروءة، وإخلاصًا، وحبًا من الأنصار، لأنهم بعدما استقروا، وعرفوا طرق العمل، وأتتهم الدنيا ردوا لإخوانهم الأنصار ما أخذوه منهم.
- عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، التي كانوا منحوهم إياها من ثمارهم٢.
- يقول أنس: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها الذي أخذته من أم أيمن وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانه من حائطه٣.
стр. 108
- قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه، أو بعضه، وكان النبي ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا نعطيكهن، قد أعطانيهن.
فقال نبي الله ﷺ : "يا أم أيمن اتركيه، ولك كذا وكذا".
وتقول: كلا والذي لا إله إلا هو.
فجعل ﷺ يقول كذا ثم كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله حتى رضيت١.
بل إن بعض المهاجرين ما قبل أن يكون عبثًا على أخيه الأنصاري، نعم هو لا يجيد الزراعة، ولكنه يمكن أن يعمل في التجارة، وفعلا ذهب إلى السوق وتاجر، وإذا كانت الأيام الأولى أيام تعلم، وتعليم، واستعداد، وجهاد، فإن في الوقت سعة بجانب ذلك للذهاب إلى السوق ليعمل في تجارة يتكسب من ورائها ولو قليلا بدلا من الاعتماد على أخيه مهما كان سخيًا غنيًا.
- قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجها!
فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟
قال: سوق بني قينقاع.
قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو.
فما لبث أن جاء عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة من زعفران فقال رسول الله ﷺ : "أتزوجت".
قال: نعم.
قال: "ومن"؟.
ال: امرأة من الأنصار.
قال: "كم سقت"؟.
стр. 109
قال: زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب.
فقال له النبي ﷺ : "أولم ولو بشاة" ١.
يتحدث الرسول ﷺ عن فضل الأنصار والمهاجرين فيما يرويه الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ثلة يدخلون الجنة لفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهو في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أي عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك. من هؤلاء الذين آثرتهم علينا"؟
فيقول الله: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب وهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ "٢.
- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، وذلك في مرض رسول الله ﷺ الأخير.
فقال: ما يبكيكم؟
قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا.
فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك.
فخرج النبي ﷺ وقد عصب رأسه بحاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشى -بطانتي- وعيبتي -خاصتي- وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم" ٣.
стр. 110
- وعن أنس قال: إن النبي ﷺ رأى صبيانًا ونساء مقبلين من عرس فقام النبي ﷺ منتصبًا لهم فقال: "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" ١.
لقد صهرت هذه الأخوة المسلمين في بوتقة واحدة، وربطتهم بحبل الله المتين، وخلصت نفوسهم من شهوات النفس، وأزاحت من حياتهم وساوس الهوى والشيطان، وشعر كل مسلم بأخوته للآخرين بلا فرق بين حر ومولى، أو غني وفقير، أو كبير وصغير، أو مهاجر وأنصاري وصار الجميع جنودًا لله تعالى، يضحون بكل ما يملكون في صدق وإخلاص.
لقد أقاموا بجهدهم وجهادهم دولة الإسلام الأولى، في سموها ورفعتها، وربانيتها، وأصبحوا مثالا يفتخر المسلمون بهم في كل مكان، وصدق قول الله فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢.
والآية تقدم صورة كريمة، رائعة لهذا الجيل المتفرد في حياة الأمة الإسلامية الذي اتصف وتميز بالحقائق التالية:
١- جعلوا حياتهم لله تعالى، فساروا بأمره واتبعوا منهجه، وكانوا بحق خير معية لرسول الله ﷺ وخير جند لله تعالى.
٢ عاشت آمالهم وأحلامهم وأعمالهم كلها بفضل الله ورضوانه محفوظة في الدنيا.