← Сира

Сира · id 921

السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (790 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ومن أهم الوفود١ التي جاءت إلى المدينة ما يلي: ١- وفد أحمس: قدم قيس بن غربة الأحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أنتم"؟. فقالوا: نحن أحمس الله، وكان يقال لهم ذلك في الجاهلية. فقال لهم رسول الله ﷺ : "وأنتم اليوم لله". وقال رسول الله ﷺ لبلال: "أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيين". ففعل. ٢- وفد أزد شنوءة: قدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدي في وفد من الأزد مكون من بضعة عشر رجلا فنزلوا على فروة بن عمرو، فحباهم وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا، وكان صرد أفضلهم، فأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. ٣- وقد أزد عمان: أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ صدقة أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله ﷺ فيهم أسد بن بيرح الطاحي، فلما قابلوا رسول الله ﷺ سألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخربة العبدي واسمه مدرك بن خوط: ابعثني إليهم فإن لهم عليّ منة، أسروني يوم جنوب فمنوا عليّ، فوجهه ﷺ معهم إلى عمان. وقدم سلمة بن عياذ الأزدي في أناس من قومه، فسأل رسول الله ﷺ عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبرهم رسول الله ﷺ فقال: ادع الله لي أن يجمع كلمتنا وألفتنا،

стр. 702

فدعا رسول الله لهم، فلما رجع سلمة إلى قومه أسلموا وبارك الله فيهم. ٤- وفد بني أسد: قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف، ورسول الله ﷺ في المسجد مع أصحابه، فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله! إنا شهدنا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله فقبل منهم رسول الله، وسر بإسلامهم وأمرهم بدعوة قومهم، وتعليمهم الإسلام وأكرم وفادتهم ثم عادوا إلى ديارهم. ٥- وفد أسلم: قدم عمير بن أفصى في جماعة من أسلم فقالوا: قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها فإنا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء. فقال رسول الله ﷺ : "أسلم سلمها الله، وغفار غفر الله لها". وكتب رسول الله ﷺ لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السيف والسهل، وفيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي. وكتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس، وشهد عليها أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب ﵄. ٦- وفد أسيد بن أبي أناس: قال ابن عباس ﵁: أهدر رسول الله ﷺ دم أسيد بن أبي أناس لما بلغه أنه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة خرج سارية بن زنيم إلى الطائف. فقال له أسيد: ما وراءك؟

стр. 703

قال سارية: قد أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه، فاخرج يابن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه. فحمل أسيد امرأته، وخرج وهي حامل تنتظر، وسار نحو مكة فألقت غلامًا عند قرن الثعالب وأتى أسيد أهله فلبس قميصًا واعتم، ثم أتى رسول الله ﷺ وسارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟ قال: "نعم". قال: تقبل منه إن جاءك مؤمنًا؟ قال: "نعم". فوضع يده في يد رسول الله ﷺ , فقال: هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول الله ﷺ وأشهد ألا إله إلا الله، فأمر رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره. ٧- وفد أشجع: قدمت أشجع على رسول الله ﷺ عام الخندق وهم مائة ورأسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع، فخرج إليهم رسول الله ﷺ وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمد لا نعلم أحدًا من قومنا أقرب دارًا منك، ولا أقل عددًا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك فجئنا نوادعك، فوادعهم ﷺ ثم أسلموا بعد ذلك. ٨- وفد الأشعريين: روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: $"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا والإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدَّادين من أهل الوبر قبل مطلع الشمس١.

стр. 704

وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب وهم خيار مَن في الأرض". فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت, ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟ فقال ﷺ : "إلا أنتم" ١. قال: ولما لقوا رسول الله ﷺ أسلموا وبايعوا، فقال رسول الله ﷺ : "الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك". ٩- وفد الأشعث بن قيس: قدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس في وفد كندة في ثمانين راكبًا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: $"ألم تسلموا؟ ". قالوا: بلى. قال ﷺ : "فما بال هذا الحرير في أعناقكم"؟. فشقوه منها، فألقوه. ١٠- وفد بارق: قدم وفد بارق على رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله ﷺ : "هذا كتاب من محمد رسول الله لبارق لا تجد ثمارهم ولا ترى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، ومن مر بهم من المسلمين في عرك، أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسع بطنه من غير أن يقتثم". شهد أبو عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وكتب أبي بن كعب.

стр. 705

١١- وفد باهلة: قدم مطرف بن الكاهن الباهلي على رسول الله ﷺ بعد الفتح وافدًا لقومه، فقال يا رسول الله أسلمنا للإسلام وشهدنا دين الله في سماواته وأنه لا إله غيره، وصدقناك وآمنا بكل ما قلت فاكتب لنا كتابًا فكتب له: "من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيئة من باهلة، إن من أحيا أرضًا مواتًا فيها مراح الأنعام فهي له، وعليه في كل ثلاثين من البقر فارض، وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الإبل مسنة، وليس للمصدق أن يصدقها إلا في مراعيها وهم آمنون بأمان الله". ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله ﷺ وافدًا لقومه، فأسلم وكتب رسول الله ﷺ للوفد ولمن أسلم من قومهم كتابًا فيه شرائع الإسلام. وكتبه عثمان بن عفان ﵁. ١٢- وفد بني البكاء: وفد من بني البكاء على رسول الله ﷺ سنة تسع ثلاثة نفر على رأسهم معاوية بن ثور بن عبادة البكائي، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزلة وضيافة، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم، وقال معاوية للنبي ﷺ : إني أتبرك بمسك، وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزًا عفرًا وبرك عليهن. ١٣- وفد بني بكر بن وائل: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ ، فقال له رجل منهم: هل تعرف قس بن ساعدة؟

стр. 706

فقال رسول الله ﷺ : "ليس هو منكم، هذا رجل من أباد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظًا والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه". وكان في الوفد بشير بن الخصاصية، وعبد الله بن مرثد، وحسان بن حوط. وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف عن عمرو بن الحارث بن سدوس وكان ينزل اليمامة فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله ﷺ بجراب من تمر فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة. ١٤- وفود بلى: قدم وفد من بلى في شهر ربيع الأول سنة تسع فأنزلهم ﷺ في منزل ببني جديلة، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة فسلموا عليه وتكلموا معه فقال ﷺ : "يا رويقع". قال: لبيك. قال ﷺ : "من هؤلاء القوم"؟. قال: قومي. قال ﷺ : "مرحبا بك وبقومك". قال: يا رسول الله ﷺ قدمنا وافدين عليك، مقرين بالإسلام ونحن على من وراءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ : "من يرد الله به خيرًا يهده للإسلام". قال فتقدم شيخ الوفد أبو الضبيب فقال: يا رسول الله إنا قدمنا عليك لنصدقنك ونشهد أن ما جئت به الحق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد آباؤنا. فقال رسول الله: "الحمد لله الذي هداكم للإسلام فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار" ١.

стр. 707

١٥- وفود تجيب: قدم وفد تجيب على رسول الله ﷺ وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله ، فسر رسول الله ﷺ بهم وأكرم منزلهم، وقالوا: يا رسول الله ﷺ سقنا إليك حق الله في أموالنا. فقال ﷺ : "ردوها فاقسموها على فقرائكم". قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل من فقرائنا. فقال أبو بكر: يا رسول الله ﷺ ما قدم علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب. فقال ﷺ : "إن الهدى بيد الله ، فمن أراد الله به خيرًا شرح صدره للإيمان". وسألوا رسول الله ﷺ أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله ﷺ فيهم رغبة، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم١. ١٦- وفود بني تغلب: قدم على رسول الله ﷺ وفد بني تغلب ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحارث، فصالح رسول الله ﷺ النصارى على أن يقرهم على دينهم، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم. ١٧- وفود ثمالة والحدان: قدم عبد الله بن علس الثمالي، ومسلمة بن هاران الحداني على رسول الله ﷺ في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على قومهم، وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم كتبه ثابت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة.

стр. 708

١٨- وفود جذام: وفد رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي، ثم أحد بني الضبيب على رسول الله ﷺ في الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدًا وأسلم فكتب رسول الله ﷺ كتابًا: "هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم إلى رسول الله فمن آمن -وفي لفظ- فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسول الله ومن أدبر -وفي لفظ- من أبى فله أمان شهرين". فلما قدم على قومه أجابوه وأسلموا. ١٩- وفود جرم: روى ابن سعد عن سعد بن مرة الجرمي عن أبيه قال: وفد على رسول الله ﷺ رجلان منا يقال لأحدهما: الأصقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح، والآخر هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح فأسلما، وكتب لهما رسول الله ﷺ كتابًا. ٢٠- وفود جرير بن عبد الله البجلي: بعث إليّ رسول الله ﷺ فأتيته فقال: "ما جاء بك"؟. قلت: جئت لأسلم. فألقى إليّ كساءه وقال: "إذًا أتاكم كريم قوم فأكرموه ". فقال رسول الله ﷺ : "أدعوك إلى شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان، وتنصح لكل مسلم، وتطيع الوالي وإن كان عبدًا حبشيًا". ٢١- وفود همدان: قدموا سنة تسع بعد مرجعه ﷺ من تبوك، فكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمّر عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وبعث إلى سائرهم خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام، فأقام ستة أشهر يدعوهم فلم يجيبوه، ثم بعث علي بن أبي طالب، وأمره أن يقفل خالدًا، فجاء عليّ إلى همدان، وقرأ عليهم كتابًا

стр. 709

من رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا جميعًا، وكتب عليّ ببشارة إسلامهم إلى رسول الله ﷺ فلما قرأ الكتاب خر ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان". ٢٢- وفود فزارة: قدم هذا الوفد سنة تسع بعد مرجعه ﷺ من تبوك، قدم في بضعة عشر رجلا جاءوا مقرين بالإسلام، وشكوا جدب بلادهم، فصعد رسول الله ﷺ المنبر، فرفع يديه واستسقى وقال: "اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا، مغيثًا، مريحًا، طبقًا، واسعًا، عاجلا، غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء" ١. ٢٣- وفد نجران: كانت وفادة أهل نجران٢ سنة تسع، وقوام الوفد ستون رجلا، منهم أربعة وعشرون من الأشراف، فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران، أحدهم العاقب، كانت إليه الإمارة والحكومة واسمه عبد المسيح، والثاني السيد، كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية واسمه الأيهم أو شرحبيل، والثالث الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية، والقيادة الروحانية، واسمه أبو حارثة بن علقمة. ولما نزل الوفد بالمدينة، ولقي النبي ﷺ سألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، وسألوه عما يقول في عيسى ﵇، فمكث رسول الله ﷺ يومه ذلك حتى نزل عليه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ

стр. 710

مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١. وقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا، فقبل رسول الله ﷺ منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حلة ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتابًا، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلا أمينًا فبعث عليهم أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح. ثم طفق الإسلام يفشو فيهم، فقد ذكروا أن السيد والعاقب أسلما بعدما رجعا إلى نجران، وأن النبي ﷺ بعث إليهم عليًا، ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، ومعلوم أن الصدقة إنما تؤخذ من المسلمين. ٢٤- وفد بني حنيفة: كانت وفادتهم سنة تسع وكانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة الكذاب وهم مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث من بني حنيفة، نزل هذا الوفد في بيت رجل من الأنصار، ثم جاءوا إلى النبي ﷺ فأسلموا، واختلفت الروايات في مسليمة الكذاب، ويظهر بعد التأمل في جميعها أن مسيلمة صدر منه الاستنكاف والأنفة والاستكبار والطموح إلى الإمارة، وأنه لم يحضر مع سائر الوفد إلى رسول الله ﷺ وأن النبي ﷺ أراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل أولا، فلما رأى أن ذلك لا يجدي فيه نفعًا تفرس فيه الشر. ٢٥- وفد بني عامر بن صعصعة: كان فيهم عامر بن الطفيل عدو الله وأربد بن قيس أخو لبيد لأمه وخالد بن جعفر وجبار بن جعفر، وجبار بن أسلم، وكانوا رؤساء القوم، وشياطينهم وكان عامر هو

стр. 711

الذي غدر بأصحاب بئر معونة، فلما أراد هذا الوفد أن يقدم المدينة تآمر عامر وأربد، واتفقا على الفتك بالنبي ﷺ ، فلما جاء الوفد جعل عامر يكلم النبي ﷺ ، ودار أربد خلفه، واخترط سيفه شبرًا ثم حبس الله يده فلم يقدر على سله وعصم الله نبيه ودعا عليهما النبي ﷺ , فلما رجعا أرسل الله على أربد وجمله صاعقة فأحرقته, وأما عامر فنزل على امرأة سلولية فأصيب بغدة في عنقه فمات وهو يقول: أغذة كغدة البعير وموتًا في بيت السلولية. وفي صحيح البخاري: أن عامرًا أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء، فطعن في بيت امرأة، فقال: أغدة كغدة البعير، في بيت امرأة من بني فلان ايتوني بفرسي، فركب فمات على فرسه. ٢٦- وفد طيئ: قدم هذا الوفد وفيهم زيد الخيل، فلما كلموا النبي ﷺ ، وعرض عليهم الإسلام أسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله ﷺ عن زيد: "ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيته دونما يقال فيه، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه". وسماه زيد الخير. وهكذا: تتابعت الوفود من كل أنحاء جزيرة العرب، ودخل الجميع في دين الله أفواجًا. وقد استعد رسول الله ﷺ وأصحابه لاستقبال الوفود، والترحيب بهم ورعايتهم وتزويدهم بما يحتاجون إليه في دين الله تعالى.

стр. 712

ثانيًا: نظام استقبال الوفود وضع النبي ﷺ نظامًا حسنًا في معاملة الوفود يعتمد على النقاط التالية: ١- استقبال الوفود: عين رسول الله ﷺ بعض أصحابه لاستقبال الوفود حين وصولهم إلى المدينة، وتيسير معاشهم مدة إقامتهم في مدينة رسول الله ﷺ . ٢- تهيئة مكان نزول الوفود: أعد رسول الله ﷺ عددًا من دور المدينة لإنزال الوفود بها، ومنها دار رملة بنت الحارث النجارية، وهي دار واسعة، وفيها نخيل وزروع، وقد نزل بها وفد سلامان، ووفد تميم بن عيينة بن حصن، ووفد بني كلاب، ومنها دار المغيرة بن شعبة، ونزل بها الأخلاف من ثقيف، ومنها دار أبي أيوب الأنصاري ونزل بها وفد نجران, ومنها دار يزيد بن أبي سفيان، ونزل بها وفد همدان, ومنها دار بلال، وقد نزل بها ملك أيلة حين قدم مع أهل الشام واليمن. ٣- إكرام الوفد: أمر النبي ﷺ أصحابه بأن يحسنوا استقبال الوفود، ويكرموا وفادتهم فقاموا بذلك خير قيام، ففي طبقات ابن سعد أن وفد بني حنيفة نزلوا دار رملة فأكلوا مرة خبزًا ولحمًا، ومرة خبزًا ولبنًا، ومرة خبزًا وسمنًا. وفيه أن النبي ﷺ رحب بوفد تجيب، وأكرمهم، وحباهم، وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم، ووفادتهم. ٤- الاستعداد للقاء الوفد: اتخذ النبي ﷺ قبة في المسجد النبوي يستقبل فيها الوفود، وجعل خالد بن سعيد بن العاص لاستقابلهم، وتهيئة لقائهم برسول الله ﷺ ويستأذن لهم عند رسول الله ﷺ . وكان الرسول ﷺ حين يلتقي بالوفد يلبس أحسن ثيابه، ويأمر أصحابه بذلك، فقد لبس ﷺ وأبو بكر وعمر يوم استقبال وفد كندة حللا يمانية وقد بنى الصحابة لرسول الله ﷺ دكة من طين يجلس عليها حين يستقبل الوفود. ٥- الاستماع للوفد أولا: كان الرسول ﷺ يستقبل الوفد، ويستمع منه أولا، ليعرف موضوعه، ومذهبه وبعد ذلك يرد عليه، أو يكلف أحدًا من أصحابه بالرد. وكان يجيب على أسئلة الوفد ويعرض عليهم الإسلام، ويقبل منهم الجزية، وكان يسمع للوفد أولا، ثم يرد عليهم. وأكتفي هنا بإيراد نموذجين:

стр. 713

النموذج الأول: قدم وفد تميم على رسول الله ﷺ وتكلم خطيبهم فقال "الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنُّ، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالا وعظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عدة. فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن الشماس، أخي بني الحارث بن الخزرج: $"قم فأجب الرجل في خطبته". فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله. ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولا، أكرمه نسبًا وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، فأنزل عليه كتابًا وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين. ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوو رحمه أكرم الناس حسبًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالا. ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعا رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدًا وكان قتله علينا يسيرًا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. قال ابن إسحاق: فلما فرغ ثابت بن الشماس من قوله، قال الأقرع بن حابس وأبي: إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا.

стр. 714

فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم. النموذج الثاني: قدم ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد بن بكر، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه فقال: أيكم ابن عبد المطلب. فقال رسول الله ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب". قال: أمحمد؟ قال: "نعم". قال: يابن عبد المطلب، إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدن بها عليّ في نفسك. قال: "لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك". قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله بعثك لنا رسولا؟ قال: "اللهم نعم". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: "اللهم نعم". قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: "اللهم نعم". قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، الزكاة، والصيام، والحج، وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منهما كما ينشده في التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره، راجعًا

стр. 715

فقال رسول الله ﷺ : "إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة". إن المواجهة الصادقة بين الوفود ورسول الله ﷺ كثيرًا ما كانت تحقق الثمار المطلوبة، وبها انتشر الإسلام في كل الجزيرة العربية. ٦- الإهداء للوفد: يروي البخاري بسنده عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أوصى عند موته بثلاث منها إجازة الوفد بمثل ما كان يجيزهم. وقد أعطي النبي ﷺ قروة بن عمرو الجذامي اثني عشر أوقية من الفضة، وأعطى كل واحد من وفد تميم ذلك، وفعل ذلك مع كل من وفد عليه. وسر هذا الإهداء أنه يولد الحب، ويعظم الإخلاص ويبرز حسن المعاملة. ٧- توديع الوفود: كان النبي ﷺ يحسن توديع الوفود كما يحسن استقبالهم، وكان يوصيهم بالدعوة، ويبعث معهم من يعلمهم القرآن إن احتاجوا إليه. وهكذا وضع رسول الله ﷺ سياسة حسنة في التعامل مع رجال الوفود التي قدمت إليه في المدينة المنورة لأن كل وفد يمثل قبيلته وجماعته، فتقدير الوفد وتكريمه يعد تكريمًا للقبيلة كلها. وأيضا فإن تأليف القلوب، والتعامل الكريم، وإبراز حسن الخلق من أساسيات التحرك بالدعوة بل هو الدعوة بعينها. ويجب على المسلمين أن يهتموا بهذا الجانب الحيوي، وبخاصة أن العالم المعاصر تشابكت مصالحه، وكثرت اللقاءات فيه، وساعدت المخترعات الحديثة في تواصل الناس، وترابط المصالح، وبذلك تلتقي الدعوة مع الفطرة، ومع التقدم الحضاري الإنساني.

стр. 716

ثالثًا: حج أبي بكر ﵁ وإعلان نهاية الوثنية في الجزيرة العربية: اقترب موسم الحج في العام التاسع الهجري فكره رسول الله أن يخرج للحج مع المشركين وبخاصة أنه ﷺ عقد معهم عقد أمان يوم تبوك. إن اشتراك رسول الله ﷺ مع المشركين في حج البيت يؤدي إلى ضرار بالمسلمين وشعائرهم؛ لأن المشركين يعارضون بتلبيتهم تلبية المسلمين فإن قال المسلمون: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك قال المشركون: إلا شريكا هو لك، كما أنهم يطوفون بالبيت عرايا، ويرفعون أصواتهم بالشرك حيث يعتقدون ذلك وليس هناك ما يمنعهم من حج بيت الله. وفي ذلك إفساد لروحانية الحج، ومضيعة لآثاره، كما إن اشتراك الرسول معهم في حجهم وبدعهم يعد إقرارًا لهم فيما يفعلون. لكل ذلك كره رسول الله أن يحج معهم، واستعمل على الحج أبا بكر الصديق ﵁ ليؤكد ثبات حق المسلمين في الحج وليتعلم المسلمون الحج عمليًا لأهمية العمل في إتقان أداء النسك. خرج أبو بكر ﵁ في ثلاثمائة رجل وعشرين بدنة قلدها ﷺ النعال وأشعرها بيده ﷺ في الجانب الأيمن، واستعمل عليها ناجية بن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر ﵁ خمس بدنات، وحج عامئذ عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأهدى بدنا، وأهل أبو بكر ﵁ من ذي الحليفة. وسار حتى إذا كان بالعرج في السحر، سمع رغاء القصواء، فإذا عليّ بن أبي طالب ﵁ عليها فقال له أبو بكر: قد استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟! قال عليّ: لا ولكن بعثني أقرأ سورة براءة على الناس، فأنبذ إلى كل ذي عهد عهده١ وكانت عادة العرب أن القوم منهم إذا عاهد سيدهم عهدًا مع غيره لا ينقضه

стр. 717

إلا هو أو أقرب الناس إليه من عصبته النسبية. وكان رسول الله ﷺ قد عهد إلى أبي بكر ﵁ أن يخالف المشركين, فيقف يوم عرفة بعرفة ولا يقف بجمع "مزدلفة" ولا يدفع من عرفة حتى تغرب الشمس، ويدفع من جمع قبل طلوع الشمس، فخرج أبو بكر ﵁ حتى أتى مكة وهو مفرد بالحج، فخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، وطاف يوم التروية حين زاغت الشمس بالبيت سبعًا ثم ركب راحلته من باب بني شيبة، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ولم يركب حتى طلعت الشمس على ثبير١، فانتهى إلى نمرة٢، فنزل في قبة من شعر فقال فيها، وركب راحلته لما زاغت الشمس، فخطب ببطن عرفة، ثم أناخ فصلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، ثم ركب راحلته فوقف بالهضاب من عرفة، فلما أفطر الصائم دفع يسير العنق حتى نزل بجمع قريبًا من النار التي على قزح٣ فلما طلع الفجر صلى الفجر ثم وقف فلما أسفر دفع وجعل يقول في وقوفه: "يا أيها الناس، أسفروا". ثم دفع قبل الشمس، وكان يسير بهدوء حتى انتهى إلى "محسر"٤ فأوضع راحلته لتسرع، فلما جاز وادي محسر عاد إلى مسيره الأول، حتى رمى الجمرة راكبًا بسبع حصيات، ثم رجع إلى المنحر فنحر، ثم حلق. وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ يوم النحر عند الجمرة براءة، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده وقال: إن رسول الله ﷺ يقول: "لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". وخطب أبو بكر ﵁ يوم النحر بعد الظهر على راحلته، وأقام يرمي الجمار ماشيًا ذاهبًا وجاثيًا فلما رمى يوم الصدر هو "اليوم الرابع"، وجاوز العقبة ركب، وصلى بالأبطح الظهر والعصر وصلى بمكة المغرب والعشاء، ثم خرج من ليلته قافلا إلى المدينة٥ ولما علم العرب جميعًا بأن رسول الله ﷺ تبرأ من الشرك والمشركين، ونقض العهود التي عاهدهم عليها, وأعطاهم مهلة أربعة أشهر ليستريحوا في الأرض آمنين، ويختاروا لأنفسهم ما يريدون. لما حدث ذلك أقبل على الإسلام من كان مترددًا, فأسلم مشركو مكة, وأقبلت وفود معان، وغسان من الشمال، وغامد، ونجران من الجنوب وهكذا جاءت الوفود من الأماكن النائية لتعلن تمام إسلام الجزيرة كلها ودخول أبنائها في دين الله تعالى.

стр. 718

رابعًا: حجة الوداع وتحديد المعالم الكبرى في الإسلام ثم كانت حجة الوداع، ويقال لها: حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة التمام، وقد أجمع ﷺ الخروج في ذي القعدة سنة عشر من مهاجره وقد أسلمت جزيرة العرب ومن شاء الله من أهل اليمن، فصلى الظهر بمسجد المدينة أربعًا، وأذن في الناس بالحج، فقدم المدينة بشر كثير يريدون أن يأتموا برسول الله ﷺ ويعملوا بعمله، وسار من المدينة متدهنًا مترجلا يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، ومعه أزواجه، وأهل بيته، وعامة المهاجرين، فلما انتهى إليه اجتماع أصحابه والهدى دخل مسجد ذي الحليفة فصلى العصر ركعتين١، ثم خرج فدعا بالهدى فأشعره في الجانب الأيمن بيده ووجهه إلى القبلة، وقلده نعلين نعلين ثم ركب ناقته، فلما استوى بالبيداء أحرم٢. وساق مائة بدنة وأمر ناجية بن جندب أن يشعر ما فضل من البدن، واستعمله على الهدي، وكان مع ناجية بن جندب فتيان من أسلم، وكانوا يسوقونها سوقًا ويتبعون بها الرعي، وعليها الجلال، فقال ناجية بن جندب: يا رسول الله! أرأيت ما عطب منها كيف أصنع به؟ قال ﷺ : تنحره وتلقى قلائده في دمه، ثم تضرب به صفحته اليمنى، ثم لا تأكل منه ولا أحد من أهل رفقتك. وأمر من كان معه هدى أن يهل كما أهل، وسار وبين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله أمم لا يحصون كثرة: كلهم قد قدموا ليأتموا به ﷺ ويقال: كان معه تسعون ألفًا، ويقال: مائة وأربعة عشر ألفًا، ويقال: أكثر من ذلك.

стр. 719

ومر ﷺ برجل يسوق بدنة، فقال: "اركبها، ويلك"!. قال: إنها بدنة. قال: "اركبها". وكان يأمر المشاة أن يركبوا على بدنهم. وطيبته عائشة ﵂ لإحرامه بيدها، وأحرمت وتطيبت، فلما كانوا بالقاحة سال من الصفرة على وجهها، فقال: ما أحسن لونك الآن يا شقيراء. وكان يصلي بين مكة والمدينة ركعتين أمثالا لا يخاف إلا الله، فلما قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم سلم وقال: "أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا سفر". وأصبح ﷺ يوم الأحد بيلملم١، ثم راح فتعشى بشرف السيالة٢ وصلى المغرب والعشاء، ثم صلى الصبح بعرق الظبية, بين الروحاء والسيالة، وهو دون الروحاء، ثم نزل الروحاء، فإذا بحمار عقير فقال: دعوه حتى يأتي صاحبه، فأهداه له ﷺ ، فأمر به أبا بكر ﵁ فقسمه بين الصحابة، وقال: "صيد البر لكم حلال إلا ما صدتم أو صيد لكم". ثم راح من الروحاء فصلى العصر بالمنصرف، وصلى المغرب والعشاء بالمتعشى وتعشى به، وصلى الصبح بالأثاية، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج. ولما انتهى إلى الثنيتين بات بينهما بين كداء وكدى ثم أصبح فاغتسل ودخلها نهار الاثنين من ذي الحجة من أعلاها حتى انتهى إلى باب بني شيبة، فلما رأى البيت رفع يديه، فوقع زمام راحلته فأخذه بشماله، ثم قال حين رأى البيت: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من عظمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة وبرًا" ٣. ولما دخل المسجد بدأ بالطواف قبل الصلاة. وطاف راكبًا على راحلته، فلما انتهى إلى الركن استلمه وهو مضطبع بردائه، وقال: "بسم الله والله أكبر". ثم رمل ثلاثة من الحجر إلى الحجر، وكان يأمر من استلم الركن أن يقول: "بسم الله والله أكبر إيمانًا بالله، وتصديقًا بما جاء به محمد ﷺ ". وقال

стр. 720

فيما بين الركن اليماني والأسود ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ١. ولم يستلم من الأركان إلا اليماني والأسود ومشى أربعة أشواط على مهل. ثم انتهى خلف المقام فصلى ركعتين يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ٢ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣ ثم عاد إلى الركن فاستلمه. وقال لعمر ﵁: "إنك رجل قوي، إن وجدت الركن خاليًا فاستلمه، وإلا فلا تزاحم عليه فتؤذي". وقال لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "كيف صنعت بالركن يا أبا محمد "؟ فقال: استلمت وتركت. قال: "أصبت". ثم خرج إلى الصفا من باب بني مخزوم، وقال: "أبدأ بما بدأ الله به". وسعى على راحلته فصعد على الصفا فكبر سبع تكبيرات، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم دعا بين ذلك، ونزل إلى المروة، فلما انصبت قدماه في الوادي رمل وقال في المشي: "أيها الناس! إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وسعى حتى انكشف إزاره عن فخذه". وقال في الوادي: "رب اغفر وارحم، وأنت الأعز الأكرم". فلما انتهى إلى المروة فعل عليها مثل ما فعل على الصفا، فبدأ بالصفا وختم بالمروة. وأقام بمكة يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس، وكان يوم التروية يوم الجمعة، فخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة، وقام يوم التروية بين الركن والمقام، فوعظ الناس وقال: "من استطاع أن يصلي الظهر بمنى فليفعل". فصلى في حجته هذه صلاة أربعة أيام, وهو مقيم بمكة حتى خرج إلى منى.

стр. 721

وركب حين زاغت الشمس في يوم التروية، بعد أن طاف بالبيت فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى. ثم أصبح فسار إلى عرفة، ولم يركب من منى حتى رأى الشمس قد طلعت، ثم ركب إلى عرفة، ونزل بنمرة، وقد ضرب له بها قبة من شعر، ويقال: إنما قال إلى فيء صخرة، وميمونة ﵂ تتبع ظلها حتى راح، وأزواجه في قباب خز فلما كان حين زاغت الشمس أمر براحلته القصواء، فرحلت برحل رث وقطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فلما توجه قال: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة". ثم أتى بطن عرنة، وكانت قريش لا تشك أنه لا يتجاوز المزدلفة يقف بها، فقال نوفل بن معاوية الديلمي وهو يسير إلى جنبه: يا رسول الله ظن قومك أنك تقف بجمع. فقال ﷺ : "لقد كنت أقف بعرفة قبل النبوة خلافًا لهم". وكانت قريش كلها تقف بجمع إلا شيبة بن ربيعة من بينهم فإنه كان يقف بعرفة. وخطب ﷺ حين زاغت الشمس، ببطن عرنة على ناقته فلما كان آخر خطبته أذن بلال وسكت ﷺ من كلامه، فلما فرغ بلال من أذانه تكلم بكلمات، وأناخ راحلته، وأقام بلال فصلى ﵇ الظهر، ثم أقام العصر جمع بينهما بأذان وإقامتين، ثم ركب، وهو يشير بيده إلى الناس: "ارتفعوا إلى عرفة". وكان من خطبته بعرفة قبل الصلاتين: "أيها الناس إني والله ما أدري لعلي لا ألقاكم بمكاني هذا، بعد يومكم هذا، رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، واعلموا أن أموالكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، واعلموا أن الصدور لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة أهل الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، وأول دماء الجاهلية أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مسترضعًا في بني سعد بن بكر فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع كله، وأول ربا أضعه ربا العباس بن

стр. 722

عبد المطلب، اتقوا الله في النساء إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن عضتم به: كتاب الله وأنتم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بإصبعه السبابة يشير إلى السماء يرفعها ويكبها ثلاثًا: "اللهم اشهد". ووقف على راحلته حتى غربت الشمس يدعو ونزل عليه وهو واقف بعرفة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. ومال إلى شعب الأذاخر، عن يسار الطريق بين المأزمتين فقضى حاجته، ولم يصل حتى نزل قريبًا من الدار التي على قزح، وصلى المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد لهما، وبإقامتين، لكل صلاة منهما إقامة، ولم يسبح بينهما، ولا آثر واحدة منهما، فلما كان في السحر أذن لمن استأذنه من أهل الضعف من الذرية والنساء في التقدم من جمع قبل حطمة الناس وحبس نساءه حتى دفعن بدفعه حين أصبح، فرمى الذين تقدموا الجمرة قبل الفجر أو مع الفجر. ولما برق الفجر صلى ﵇ الصبح، ثم ركب راحلته ووقف على قزح. وأردف الفضل بن العباس من مزدلفة إلى منى، وقال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف". وحمل حصى العقبة من المزدلفة، وأوضع في وادي محسر ولم يقطع التلبية حتى رمى الجمرة ورمى جمرة العقبة يوم النحر على ناقته، بلا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك. ولما انتهى إلى المنحر قال: "هذا المنحر، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة طريق ومنحر". ثم نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة بالحربة، ثم أعطى رجلا فنحر ما بقي. ولما فرغ من نحر الهدي دعا الحلاق فحلق.

стр. 723

وخطب في حجته ﷺ ثلاث خطب: الأولى قبل التروية بيوم بعد الظهر بمكة، والثانية يوم عرفة بعرفة بعد الظهر على راحلته القصواء، والثالثة يوم النحر بعد الصلاة، وكانت خطبة يوم النحر أطولها وأهمها؛ لأنه ﷺ وضح فيها المعالم الكبرى في الإسلام وهو يودع أصحابه عند الموقف العظيم، وهذا نص خطبة النحر كما ذكرها ابن هشام والمقريزي وغيرها. "أيها الناس! اسمعوا من قولي واعقلوه، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أيها الناس! أي شهر هذا"؟ فسكتوا. فقال: "هذا شهر حرام". وأي بلد هذا؟ فسكتوا، فقال: "بلد حرام". وأي يوم هذا؟ فسكتوا فقال: "يوم حرام". ثم قال: "إن الله حرم دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، حرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت"؟. قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد! ". ثم قال: "إنكم سوف تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت"؟ قال الناس: نعم! قال: "اللهم اشهد! ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلِمون ولا تظلَمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وأول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد بن ليث فقتلته هذيل، ألا هل بلغت"؟. الوا: اللهم نعم! قال: اللهم اشهد! فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا ما أعطي عن طيب نفس".

стр. 724

فقال عمرو بن يثربي: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي اجتزر منها شاة؟ فقال: "إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وأزنادًا بخبت الجميش فلا تهجها". ثم قال: "أيها الناس! ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ ١. يحرمون ما أحل الله، ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الذي يدعى شهر مضر: الذي جاء بين جمادى الآخرة وشعبان، والشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت"؟. فقال الناس: نعم. فقال: "اللهم اشهد". ثم قال: أيها الناس إن للنساء عليكم حقًا، وإن لكم عليهن حقًا: فعليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا ولا يدخلن بيوتكم أحدًا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وأن تضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ ". قال الناس: نعم! قال: "اللهم اشهد. أيها الناس! إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه من أعمالكم، إن المسلم أخو المسلم، وإنما المسلمون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم دم أخيه ولا ماله إلا بطيب نفس منه، وإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله، ولا تظلموا أنفسكم، ولا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، إني قد

стр. 725

تركت فيكم ما لا تضلون به: كتاب الله، ألا هل بلغت"؟. قال الناس: نعم. قال: "اللهم اشهد" ١. وقد تضمنت الخطبة القضايا التالية: ١- بيان ما لمكة وأشهر الحج ويوم النحر من حرمة تدعو المسلم إلى المحافظة عليها. ٢- تحريم العدوان على المسلم وضرورة المحافظة على كيانه الإنساني الكامل، وأن حرمة الإنسان لا تقل عند الله عن حرمة مكان الحج وزمنه ويومه. ٣- توضيح إطار المسئولية الدينية التي يلتزم الإنسان بها في صدق وأمانة وإخلاص بعيدًا عن المحسوبية، والعنصرية والمحاباة. ٤- ضرورة الفضل التام بين ما كان في الجاهلية وما جاء به الإسلام، فلا استمرار لعادة ولا تقدير لحكم سابق إن خالفه الإسلام أو هدمه. ٥- الزمان ثابت لا يتغير وهو يدور مع الأيام والشهور ولا يصح تغييره للهوى والعبث. ٦- بيان أن المرأة صنو الرجل في المسئولية والجزاء، ولهن حقوقهن في إطار خلقتهن وعلى الرجل أن يحترم في المرأة إنسانيتها، وأن يتقي الله تعالى وهو يعاملها. ٧- على المسلمين أن يعلموا أن عدوهم الأكبر هو إبليس اللعين، وهم مكلفون بمقاومته والحذر من ألاعيبه. ٨- وكان ﷺ يشهد الناس عن كل قضية يذكرها لهم ويبرئ ذمته أمام ربه ويناديه: "اللهم فاشهد". ٩- حمل رسول الله ﷺ المسئولية للمسلمين، وأشهد الله على أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة. وبذلك وضح للمسلمين أهم ما يحتاجون إليه من توجيهات ودروس.

стр. 726

خامسًا: آخر بعوث النبي ﷺ بعث أسامة كبر على الرومان أن ينضم أتباعهم السابقون من عرب الشمال إلى ركب الإسلام واتباع محمد ﷺ فأخذوا في اضطهاد من يعلن إسلامه، وقتلوا والي "معان" بعد دخوله في الإسلام وانضمامه إلى المسلمين، فكان لا بد من تلقين الرومان درسًا يعلمون به أن محمدًا لن يترك أتباعه، ويدركون أن عاقبة عدوانهم ستنقلب عليهم, وأن مصلحتهم في تجنب معاداة المسلمين، وعدم الاستهانة بهم وبدينهم فأخذ ﷺ في أوائل العام الحادي عشر بتجهيز جيش ضخم وأمر عليه الصحابي "أسامة بن زيد" ﵁ ولم يبلغ بعد الثامنة عشرة، وجعل في الجيش كبار الصحابة, وأمر ﷺ أسامة أن يطأ أرض الروم ولا يتعمق في المسير لتحقيق هدف واضح يؤدي إلى إرهاب الروم، ويمنعهم من العدوان على المسلمين والتعدي على بلادهم, وقد تم تجهيز الجيش، واستعد للرحيل، وشاءت إرادة الله تعالى أن تكون حركته في أول عهد أبي بكر ﵁ بعدما لقي رسول الله ربه في هذه الأثناء. ولعل من أوضح دروس هذا البعث تولية أسامة إمارة الجيش ليكون درسًا للشباب الإسلامي ليعلموا دورهم في بناء الأمة، وتيقنوا من أهميتهم في المحافظة على قوتها, وقد انضم كبار الصحابة إلى جيش أسامة طاعة لرسول الله ﷺ ، وحبًا في الجهاد، وإبقاء لضرورة طاعة أمر الله ورسوله على الزمن كله، وتقديم النص الصريح على أي اجتهاد عقلي مهما كانت دقته ووضوحه. وسيأتي تفصيل بعث أسامة حين نتناول بالدراسة تاريخ الدعوة في عهد أبي بكر ﵁.

стр. 727

المبحث السادس عشر: انتقال الرسول إلى الله تعالى أسلمت الجزيرة كلها، وأخذ الفرس والروم في تفهم الإسلام والتعامل معه وتأكدت حقائق الدين بكل جوانبه، فتمت مصادره، وتحددت معالمه، ونزل كل ما يحتاجه الإسلام من وحي الله تعالى ولذلك نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٢. وقد فهم كثير من الصحابة أن هاتين الآيتين فيهما نعي رسول الله٣ وإخبار بقرب انتقاله ﷺ إلى الله تعالى؛ لأن الرسالة هي غاية مجيء محمد ﷺ إلى الدنيا، فإذا ما كملت الرسالة وتم الدين ونزل ما رضيه الله للناس لم يعد هناك داع لبقاء رسول الله ﷺ في الحياة بين الناس. وقد أعد الله الأمة لتقبل رحيل رسول الله ﷺ فدارس جبريل ﵇ محمدا ﷺ بالقرآن في رمضان الأخير مرتين، وكان يدارسه قبل ذلك في كل رمضان مرة واحدة. وعلم النبي أصحابه على إدارة شئون الحياة، والمحافظة على الإسلام، والحركة بالدعوة عن طريق قيادة السرايا، وإدارة شئون المدينة، وإقامة الصلاة، والدعوة إلى الإسلام فرادى وجماعات، في إطار تعاليم الله الثابتة، ومنهجه الذي يحرص المسلمون على تطبيقه، وصيانته من كل عبث، والدفاع عنه ضد كل معتد أثيم. وبكل هذا أدى الرسول وظيفته، وأتم الغاية التي خلق لها، ووصل إلى النهاية. وجاء وقت الرحيل، فاعتكف ﷺ في رمضان من العام العاشر عشرين يومًا وكان يعتكف قبل ذلك عشرًا، وجاءه جبريل فدارسه القرآن مرتين، وكان يدارسه

стр. 728

قبل ذلك مرة واحدة، وقال لأصحابه في حجة الوداع: "إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا". وكرر ذلك. يقول ابن مسعود: نعى إلينا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، حين دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة ﵂، فنظر إلينا فشدد ودمعت عيناه وقال: "مرحبًا بكم، حياكم الله، رحمكم الله، آواكم الله، حفظكم الله، رفعكم الله، وفقكم الله، سلمكم الله، قبلكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأوصي الله بكم، وأستخلفه عليكم، وأؤديكم إليه، إني لكم منه نذير وبشير ألا تعلو على الله في عباده، وبلاده فإنه قال لي ولكم ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ " ١. قلنا: فمتى أجلك؟ فقال ﷺ : "دنا الفراق والمنقلب إلى الله وسدرة المنتهى والرفيق الأعلى وجنة المأوى". فقلنا: من يغسلك؟ فقال: "أهلي". قلنا: فيم نكفنك؟ قال: "في ثيابي أو في بياض". قلنا: فمن يصلي عليك؟ قال: "مهلا، غفر الله لكم، وجزاكم عن نبيكم خيرًا". فبكينا وبكى، ثم قال: "ضعوني على سريري على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة ليصلي عليّ جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وملك الموت مع الملائكة، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا فصلوا عليّ ولا تؤذوني بتزكية ولا رنة، أقرئوا أنفسكم مني السلام، ومن غاب من أصحابي فأقرئوه مني السلام، ومن تابعكم على ديني فأقرئوه السلام" ٢. وفي أوائل صفر من العام الحادي عشر للهجرة خرج النبي ﷺ إلى جبل أحد

стр. 729

ليودع الأموات كالأحياء، ثم خطب في أصحابه وقال: "إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني أنظر إليكم من مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوها" ١. وفي ليلة من ليالي صفر من نفس العام خرج إلى البقيع وخاطب الموتى قائلا: "السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن عليكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى ٢ ... وإنا بكم للاحقون". ولما رجع ﷺ من البقيع وجد عائشة تشكو ألمًا وتقول: وارأساه. فقال ﷺ : "بل أنا والله يا عائشة وارأساه، وما ضرك لو مت قبلي فقمت إليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك". قالت ﵂: والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك. فتبسم رسول الله ﷺ ، ونام به وجعه وهو يدور على نسائه، حتى اشتد عليه المرض وهو في بيت ميمونة٣. وفي يوم الاثنين التاسع والعشرين من صفر بدأ مرض رسول الله ﷺ الأخير الذي استمر أربعة عشر يومًا. ولما ثقل المرض برسول الله ﷺ أخذ يسأل: "أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا"؟ ٤. يستعجل يوم عائشة ﵂ ففهم الصحابة، وفهمت أمهات المؤمنين مراد النبي ﷺ بسؤاله فأذن له أن يستمر عند عائشة مدة مرضه, فانتقل ﷺ إلى بيت عائشة يمشي بين الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وذلك بعد مرضه بسبعة أيام٥. ثم إنه ﷺ خرج يومًا بين العباس وعلي حتى جلس على المنبر فحمد الله تعالى ثم قال:

стр. 730

"أيها الناس إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ولا يخشى الشحناء من قبلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليّ مني حقًا إن كان له أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". ثم نزل فصلى الظهر ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى، فادعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: "أيها الناس من كان عنده شيء فليؤده ولا يقل فضوح الدنيا، ألا وإن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة". ثم صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم، ثم قال: "إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عندنا فاختار ما عنده"١. وفي يوم الأربعاء قبل وفاته بخمسة أيام قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة يا رسول الله: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله ﷺ : "مه إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" ٢. ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين العباس وعلي لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا تتأخر وقال لهما: "أجلساني إلى جنبه". فأجلساه إلى جنب أبي بكر الأيسر، فكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر٣. وعن عائشة وابن عباس ﵄ أنه لما نزل برسول الله ﷺ المرض طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال ﷺ وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا. وقال ﷺ : "قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحرم ذلك على أمته.

стр. 731

تقول عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا١. وعن ابن عباس أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي مات فيه فسأله الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا. فأخذ العباس بن عبد المطلب بيد علي وقال له: يا علي أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا إلى رسول الله فلنسألنه فيمن هذا الأمر بعده؟ إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس من بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله٢. وقال رسول الله ﷺ لعائشة: "ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" ٣. يقول ابن إسحاق: فكان المسلمون يرون أن رسول الله مات شهيدًا، مع ما أكرمه الله به من النبوة. تقول عائشة ﵂: لدنا "رسول الله" ﷺ في مرضه، فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني، فقلنا: يقول ذلك كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني"؟. قلنا: فهمناه كراهية المريض للدواء. فقال ﷺ : "لا يبقى أحد في البيت إلا لد قصاصًا وأنا أنظر، فلدوا جميعًا إلا العباس فإنه لم يشهد معهم". وزاد ألم المرض برسول الله ﷺ في يوم الخميس قبل وفاته بأربعة أيام. يقول ابن عباس ﵁: يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله وجعه فقال:

стр. 732

ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدًا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول: غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال ﷺ : "قوموا عني". فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب ذلك الكتاب وذلك لاختلافهم ولغطهم١. ويجب أن يكون واضحًا أن ما أراد رسول الله كتابه كان أمرًا عاديًا لأنه لو كان من واجبات الشريعة لكتبه ﷺ بلا تأثر بكلام عمر أو بكلام غيره لسابق حسمه في أمور الدين، وأيضا فقد سبق ذلك إعلان تمام الدين وكماله. وحكمة الله في عدم كتابة أمر في هذا الوقت واضحة منعًا لمن يقول: إن المريض قد يختلف عليه عقله إذا اشتد مرضه. فإذا ما تصورنا أنه ﷺ كان يريد أن يعهد لأبي بكر ﵁ في الكتاب الذي كان يريده كما رجح البعض فإنه دليل على ثانوية الأمر، وحتى يبقى هذا الشأن شورى بين المسلمين لم يغيره ﷺ كلام عمر ولا غيره. وكان ﷺ قد قال لعائشة في مرضه هذا: "لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابًا وأعهد عهدًا لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". فلم يكن والله أعلم الكتاب الذي أراد أن يكتب إلا في استخلاف أبي بكر. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى نفس على نفسه بالمعوذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي مات فيه طفقت أنفس عنه بالمعوذات التي كان ينفس، وأمسح بيد النبي ﷺ عنه لبركتها. ولما كان يوم الاثنين والناس في صلاة الفجر وأبو بكر يصلي لهم لم يفاجئهم إلا رسول الله يكشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم صفوف في الصلاة، ثم تبسم

стр. 733

يضحك سرورًا باستقامة أمر الناس وإخلاصهم مع الدين لله وهو ليس معهم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة، وهم الناس أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ فأشار إليهم بيده رسول الله أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر١، وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله ﷺ قد أفاق من وجعه فرجع أبو بكر إلى أهله بالسنح حيث كان مسكنه. ومع هذا التصور الذي شعر به المسلمون بعد صلاة الفجر كانت هي الصلاة الأخيرة لرسول الله ﷺ حيث توفي صباح يوم الاثنين وهو عند عائشة ﵂. تقول عائشة: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه، ودخل عليّ عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مسندة رسول الله إلى صدري فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناوله فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته بأمره فاستن به وهو مستند إلى صدري، وبين يديه ركوة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات" ٢. وكان رسول الله ﷺ يقول: "إنه لن يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يحيا أو يخير". فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذ عائشة غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم الرفيق الأعلى". فكان آخر كلمة تكلم بها: "اللهم الرفيق الأعلى" ٣. فلما رأت عائشة ﵂ شدة الموت التي لحقت برسول الله ﷺ قالت: فلا أكره شدة الموت لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم٤. ولم يترك النبي ﷺ مالا، وخرج من الدنيا وهو مدين, يقول عمرو بن الحارث: ما ترك

стр. 734

النبي ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة. وعن عائشة: توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير١. وعن أنس بن مالك قال: لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه. فقال لها ﷺ : "ليس على أبيك كرب بعد اليوم". فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه مَنْ جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب٢. وعن عائشة قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه التي قبض فيها فسارها فبكت، ثم دعاها فسارها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارني أنه يقبض في وجعه، الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته يتبعه فضحكت٣. وتوفي رسول الله ﷺ صباح يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة٤ ومثل اليوم الذي ولد فيه. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا. فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاضية برد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيني، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم" ٥. وعن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ وعليه ملحفة منعطفًا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها

стр. 735

الناس فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح للطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه، فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم" ١. وعن عائشة أن رسول الله ﷺ مات وأبو بكر بالسنح، حيث كان مسكنه بالعالية، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله، ولكنه ذهب لملاقاة ربه، كما ذهب موسى ﵇ لملاقاة ربه أربعين يومًا وسيرجع والله ما كان في نفسي إلا ذلك وليبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر على فرس من منزله بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا. ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فقال له أبو بكر: أيها الحالف على رسلك, فأقبل إليه الناس وتركوا عمر، فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ ٢, وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٣. فأخذ الناس يبكون وقد تيقنوا موت رسول الله ﷺ يقول ابن عباس: والله لكأني بالناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى هويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن رسول الله قد مات٤.

стр. 736

ولما عرفوا أنه ﷺ مات دهش الناس وطاشت عقولهم، فمنهم من خبل، ومنهم من أصمت، ولم يكن أثبت وأحزم من أبي بكر والعباس١. وقد قضى المسلمون بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء في اختيار خليفة رسول الله بعد وفاته وبعد مشاورات تمت بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ووقى الله المسلمين شر الفتنة. ولما فرغ الناس من بيعة أبي بكر، وجمعهم الله على خليفة واحد، وصرف عنهم كيد الشيطان أقبلوا على تجهيز نبيهم. يروي ابن إسحاق بسنده أن علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وقثم بن العباس، وشقران مولى رسول الله، وأسامة بن زيد هم الذين تولوا غسله، وأن أوس بن خولى -وكان بدريًا- دخل معهم، وحضر غسل رسول الله، وأسنده إلى صدره، وكان العباس والفضل وقثم يقبلونه معه، وكان أسامة بن زيد وشقران هما اللذان يصبان الماء عليه، وعليّ يغسله بعدما أسنده إلى صدره، وعليه قميصه يدلكه به من ورائه لا يفضي بيده إلى رسول الله، وعليّ يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيًا وميتًا، ولم ير من رسول الله ما يرى من الميت٢. حدثني يحيى بن عبادة بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله من ثيابه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله ﷺ فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكون والقميص دون أيديهم، فلما فرغوا من غسله كفنوه في ثلاثة أثواب صحاريين وبرد وحبرة أدرج فيها إدراجًا. وحدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ﷺ تساءلوا عن طريقة الحفر هل يحفرون كحفر أهل مكة أو كحفر أهل المدينة؟ وكان أبو عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهيل

стр. 737

هو الذي كان يحفر لأهل المدينة وكان يلحد. فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما: اذهب إلى أبي عبيدة، وللآخر اذهب إلى أبي طلحة ثم دعا الله قائلا: اللهم خر لرسول الله، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله. فلما فرغ الصحابة من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء وضع سريره في بيته، وقد اختلف المسلمون في دفنه فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل: بل ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض". فرفع فراش رسول الله الذي توفي عليه فحفر له تحته. ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالا يصلون عليه عشرًا عشرًا، حتى إذا فرغ الرجال دخل النساء، حتى إذا فرغ النساء دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله أحد وقاموا بدفنه ﷺ والنساء عنه بعيد تقول عائشة ﵂: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء. وكان الذين نزلوا في قبره علي بن أبي طالب والفضل وقثم بن العباس، وشقران مولاه وأوس بن خولى، وجعلوا تحته ﷺ قطيفة كان يلبسها ويفترشها، وكان آخر الناس عهدًا به قثم بن عباس. وبعد مدة ذهب أبو بكر وعمر لزيارة أم أيمن ﵂ كما كان رسول الله يفعل فلما رأتهما بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله. قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكني أبكي لأن الوحي انقطع من السماء, فهيجتهما على البكاء فأخذا يبكيان١. وهكذا.. انتقل رسول الله ﷺ إلى الله تعالى وترك من ورائه أمته تحمل الأمانة، وتقدر المسئولية, وتعلم عن يقين أن الله تعالى سيحاسبها بميزان الوحي الذي تركه ﷺ في

стр. 738

الناس، ليكون شاهدًا فيهم. انتقل رسول الله ﷺ إلى الله بعد أن ترك الإسلام كله، وصار كل شيء بينا حكمه، معروفة جنباته. حيث لا عذر بعد ذلك لناقض، أو كسول, ولا أهمية لعداوة أو نفاق. انتقل رسول الله إلى ربه بذاته، وترك في أمته الوحي كله، وعرفهم أنه ترك لهم ما فيه كل الفلاح والهدى, يقول ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي" ١. انتقل الرسول ﷺ إلى ربه بعد أن وضح لأمته طريقة الحياة بعزة، وكرامة، وأخلاق وبعد أن وضع أيديهم على الحقائق التالية: ١- الإنسان متميز عن سائر المخلوقات بحقوق تناسبه ولا بد من المحافظة عليها، والوفاء بواجباتها بالمنهج الذي عاشه الرسول ﷺ وصحابته. ٢- القوة المادية أساس حماية العزة والكرامة, والضعفاء لا ينالون إلا الهوان, والذل وضياع الحقوق. ٣- الإسلام أمانة في عنق كل مسلم, ومصادره وتعاليمه واضحة بينة, ولا عذر لمسلم في البعد عن الإسلام بصورة كلية أو جزئية, ولا عذر للأمة إن قصرت في واجبات الإسلام. ٤- سينتقل الجميع إلى الله, وسيحاسبون على كل ما قدموا ولن ينفع إلا الصدق، والإيمان، والعمل الصالح، وستجزى كل نفس بما عملت, وما ربك بظلام للعبيد.

стр. 739

الفصل الثالث: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المدنية مدخل ... الفصل الثالث: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المدنية تمهيد: سيرة النبي ﷺ زاد وفير للإنسانية كلها، وللمسلمين على الخصوص. فهو ﷺ صورة شاملة للإسلام، يجمع كل حقائقه، ويوضح كافة جوانبه، جعله الله تعالى منبع العلوم والمعارف، وخصه بنزول الوحي والتنزيل، ووكله بجبريل ﵇ يلقي إليه القرآن، ويوحي إليه بالأحاديث, وكل باحث عن شيء في الإسلام فمرجعه رسول الله، ومصدره ما أوحي إليه ﷺ . وهو ﷺ تطبيق عملي للوحي المنزل، وتجسيد بشري لتعاليم الله تعالى، فعمله حجة، وسلوكه طريق، ومعاشه وحياته أسوة للناس أجمعين. ولم يكن اهتمام علماء المسلمين بالسيرة النبوية إلا إبرازًا لمناط الأسوة والقدوة نظريًا وعمليًا، ولتبقى بين العالمين منارة هدى، ومصدر إشعاع وخير. وحين أعانني الله تعالى على كتابة السيرة النبوية حاولت أن ألم بأحداثها جميعًا لتكون صفحة واضحة أمام من يطلع عليها لدرجة تغنيه عن أمهات الكتب، والمصادر القديمة للسيرة النبوية مع الإشارة إلى ما يستفاد من أحداثها واضعًا الحدث في صورته الناطقة بدوره في تحقيق الخير وصيانة الحقوق، وحاولت بعد ذلك أن أكتب بعض الركائز المفيدة للدعاة المعاصرين، ولكافة المسلمين، حتى لا تنقطع الأمة المسلمة عن ماضيها، وبذلك تعيش الحاضر بروح الماضي، وتعيد الماضي في صورة العصر الحديث. وليعلم الجميع أنه لا جديد عن الدعوة إلى الله تعالى بعد رسول الله ﷺ وكل ما جاء بعد عصره ﷺ فهو مستمد منه وراجع إليه. وكل مسلم يبتعد عن رسول الله فهو بعيد عن الحق والصواب. إن رسول الله ﷺ ترك للناس الإسلام حقيقة كاملة خالية من العوج والاضطراب وترك أمته تطبق الإسلام وتتلزم به, وعرفهم أن الفوز والفلاح في اتباع وحي الله تعالى، والالتزام الدقيق بالإسلام. وقد أوجب الله تعالى الدعوة إلى دينه وكلف الأمة الإسلامة بأن تبلغ الإسلام للناس بالكيفية التي دعا بها رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين. وفي هذا الفصل أورد أهم الركائز المستفادة من سيرة رسول الله في المدينة المنورة وذلك في المباحث التالية:

стр. 740

المبحث الأول: ضرورة بناء الأمة الإسلامية [قاعدة الدعوة] مدخل ... المبحث الأول: ضرورة بناء الأمة الإسلامية "قاعدة الدعوة" الإسلام دين الله تعالى أنزله للناس ليسعدوا به، وكلف المسلمين أن يقوموا بالدعوة إليه وأداء الأمانة التي حملهم الله بها. وقضية الدعوة ليست أمرًا سهلا لأنها تتعامل مع عديد من الناس اختلفت عقائدهم، وتباينت اتجاهاتهم، وتعارضت أمانيهم وخياراتهم, ولذلك فهي مسألة صعبة تحتاج إلى الإعداد والاستعداد. ففي الكتاب الثاني من هذه السلسلة بينت نظرة الإسلام للإنسان واهتمامه به وتوضيح أركان الإسلام وغاياته من خلال الركائز المستفادة من السيرة في مكة. وهنا أحاول بيان ما يستفاد من المرحلة المدنية. بينت المرحلة المدنية أهمية اعتماد الدعاة في حركتهم على قاعدة صلبة، وقوة يقظة, وقد تمثل ذلك في نشوء دولة الإسلام في المدينة المنورة بقيادة رسول الله ﷺ , لقد قامت الدعوة في مكة على جهود فردية، وتضحيات نفر قليل من أصحاب رسول الله ﷺ وسط عداوات أهل مكة، ومباشرتهم الأذى والاضطهاد لكل من أسلم؛ ولذلك مضت مدة طويلة أسلم فيها عدد قليل عاشوا خلالها حالة من الخوف والاضطهاد. وكان رسول الله ﷺ يحاول إيجاد القاعدة القوية لانطلاق الإسلام فعرض نفسه على القبائل وعلى أهل الطائف ليعيش معهم ويؤمنوا بالإسلام، ويحمونه بما يحمون به أنفسهم وأهليهم فلم يستجيبوا له, فلما استجاب له أهل المدينة وبايعوه عند العقبة هاجر وأصحابه إليهم، وأسس دولة الإسلام في المدينة، وبذلك بدأت حركة الدعوة ولها قوة وتأثير.
следующие страницы →