قال: "أولم تكن تسير في قومك بالمرباع"؟.
قلت: بلى.
قال: "فإن ذلك لم يحل لك في دينك".
قلت: أجل وعرفت أنه نبي مرسل، يعرف ما يجهل.
ثم قال: "يا عدي أسلم تسلم".
فقلت: إني من أهل دين.
قال: "أنا أعلم بدينك منك".
فقلت: أنت أعلم بديني مني؟
قال: "نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك".
فقلت: بلى.
قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك".
يقول عدي: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل.
فقال ﷺ : "يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة ويطلب من يقبله، فلا يجد أحدًا يقبله منه".
يقول عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم١.
стр. 667
رابعا: غزوة تبوك والتصدى لعدوانية الرومان
استعداد المسلمين للغزوة
...
رابعًا: غزوة تبوك والتصدي لعدوانية الرومان
لم يقبل الرومان انتصار المسلمين، وتوحد الجزيرة تحت راية الإسلام وكبر عليهم أن تظهر قوة كبرى مجاورة لهم، فجهزوا جموعا كثيرة بالشام عند حلفائهم الغساسنة، وأرادوا غزو المسلمين في ديارهم، والقضاء على دولتهم الناشئة فكان أن جاءهم النبي ﷺ غازيًا في "تبوك".
والحديث عن غزوة تبوك يتطلب النقاط التالية:
١- استعداد المسلمين للغزوة:
علم رسول الله ﷺ بما يعمل له الرومان فجهز المسلمين وأعد العدة وكانت غزوة تبوك.
وتبوك موضع بين الحجر وأول الشام، وإليها كانت غزوة النبي ﷺ .
وقد وقعت هذه الغزوة في حر شديد، ومع قلة أموال المسلمين ولذلك سميت "غزوة العسرة".
ونظرًا لبعد مسافة تبوك عن المدينة، وللظروف التي أحاطت بها صرح الرسول ﷺ بجهة الغزوة على غير عادته ليستعد الصحابة لها، وليكونوا على بينة من المشاق التي سيتحملونها في خروجهم.
ندب الرسول ﷺ أهل المدينة للخروج إلى تبوك، وأرسل إلى القبائل وإلى مكة يستنفرهم إلى عدوهم فبعث بريدة بن الحصيب وأمره أن يبلغ الفرع، وبعث أبا رهم الغفاري إلى قومه، وأبا واقد الليثي إلى قومه، وأبا جعدة الضمري إلى قومه بالساحل، ورافع بن مكيث بن جندب بن جنادة إلى جهينة، ونعيم بن مسعود إلى أشجع، وبديل بن ورقاء وعمرو بن سالم وبسر بن سفيان إلى بني كعب بن عمرو، والعباس بن مرداس إلى بني سليم.
وحض على الجهاد ورغب فيه، وأمر بالصدقة فحملت صدقات كثيرة، وأول من
стр. 668
حمل صدقته أبو بكر الصديق ﵁, جاء بماله كله أربعة آلاف درهم، فقال له رسول الله ﷺ : "هل أبقيت لبناتك شيئًا"؟.
قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
وجاء عمر بن الخطاب ﵁ بنصف ماله، فقال له رسول الله ﷺ : "هل أبقيت شيئًا"؟.
قال: نعم، نصف مالي جئت به.
وبلغ عمر ما جاء به أبو بكر ﵁ فقال: ما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه.
وحمل العباس بن عبد المطلب ﵁ مالا يقال: إنه تسعون ألفًا.
وحمل طلحة بن عبيد الله مالا.
وحمل عبد الرحمن بن عوف مائتي أوقية.
وحمل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة مالا.
وتصدق عاصم بن عدي بتسعين وسقًا تمرًا.
وجهز عثمان بن عفان ﵁ ثلث ذلك الجيش، فكان من أكثرهم نفقة، فلقد كفلت نفقته مئونة ثلث الجيش حتى إن كان ليقال: ما بقيت له حاجة!
جاء عثمان ﵁ بألف دينار ففرغها في حجر النبي ﷺ ، فجعل ﷺ يقبلها ويقول: "ما ضر عثمان ما فعل هذا اليوم". قالها مرارًا.
ورغب ﷺ أهل الغنى في الخير والمعروف، فتبادل المسلمون في ذلك حتى إن الرجل ليأتي بالبعير إلى الرجل والرجلين فيقول: هذا البعير بينكما تعتقبانه، ويأتي الرجل بالنفقة فيعطيها بعض من يخرج، وأتت النساء بكل ما قدرن عليه، فكن يلقين في ثوب مبسوط بين يدي النبي ﷺ ، المسك، والمعاضد، والخلاخل، والأقرطة، والخواتيم، والخدمات.
وكان الناس في حر شديد، وحين طابت الثمار، وحسنت الظلال، وبدأ الناس يحبون المقام، ويكرهون الشخوص أخذهم ﷺ بالجد، ودعاهم إلى الخروج وعسكر بثنية الوداع.
تجمع المسلمون بثنية الوداع حتى بلغ عددهم قريبًا من أربعين ألفًا فيهم كثير من
стр. 669
الأعراب، وعبد الله بن أبي وأشياعه من المنافقين.
وكان لا بد من حمولة للمجاهدين لطول السفر، وصعوبة الطريق، وظهر واضحًا أن الذي لا يجد ما يحمله لن يغزو، وله عذره، وهنا جاء عدد من أصحاب النبي ﷺ يشكون له عدم وجود ما يركبون، وأخذوا في البكاء حزنًا على فوت الجهاد منهم.
وهم سبعة: أبو ليلى المازني، وسلمة بن صخر الزرقي، وثعلبة بن غنمة السلمي، وعلبة بن زيد الحارثي، والعرباض بن سارية السلمي، وهرمي بن عمرو المزني، وسالم بن عمير، جاءوا يستحملون رسول الله ﷺ ، وكانوا أهل حاجة.
فقال لهم ﷺ : "لا أجد ما أحملكم عليه".
فولوا يبكون، فلقي اثنان منهما يامين بن عمير بن كعب فقال: ما يبكيكما؟
قالا: جئنا إلى رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج، ونحن نكره أن تفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ فأعطاهما ناضحًا له، فارتحله اثنان منهم، وزود كل واحد صاعين من تمر.
وحمل العباس بن عبد المطلب منهم رجلين.
وحمل عثمان بن عفان منهم ثلاثة١.
وأبطأ أبو ذر عن رسول الله ﷺ من أجل بعيره، وكان الحر شديدًا فخرج وحده، حتى لحق برسول الله ﷺ نصف النهار وقد بلغ منه العطش.
فقال له ﷺ : "مرحبًا بأبي ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده، ما خلفك"؟.
فأخبره أبو ذر ﵁ خبر بعيره.
فقال ﷺ : "إن كنت لمن أعز أهلي عليّ تخلفًا! لقد غفر الله لك بكل خطوة ذنبًا إلى أن بلغتني".
يروي ابن هشام أن رسول الله ﷺ مضى سائرًا فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله تخلف فلان، فيقول: "دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم،
стр. 670
وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه". حتى قيل: يا رسول الله! قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: "دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فلقد أراحكم الله منه". وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا ذر". فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ : "رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" ١.
وولى رسول الله ﷺ على المدينة "سباع بن عرفطة ﵁" وخلف معه علي بن أبي طالب على أهله، وعقد الألوية والرايات، فدفع اللواء الأعظم لأبي بكر، والراية الكبرى للزبير بن العوام، وأمر ﷺ كل من خرج معه باتخاذ لواء أو راية.
وأخذ الجيش الإسلامي يتحرك من ذات الثنية باتجاه الشام.
وهنا برز أصحاب النفاق وانسحبوا من ذي الثنية ورجعوا إلى المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي وأشياعه.
وقالوا: يحسب محمد ﷺ أن قتال بني الأصفر -الروم- للعب؟
ونافق آخرون وهم الأعراب الذين أخذوا يتخلفون عن الجيش معتذرين بأسباب واهية كاذبة.
وكان تخلفهم رحمة بالمؤمنين الصادقين, ولذلك كان ﷺ كلما أخبره أصحابه بتخلف فلان يقول: "دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه".
وسار الجيش إلى تبوك، بعدما تخلص من المنافقين وضعاف الإيمان، وقد بلغ عدده ثلاثين ألفًا.
وعندما وصل المسلمون إلى "ذي خشب" وهو جبل يقع شمال المدينة قريبًا منها أخذ ﷺ يصلي والمسلمون معه الظهر والعصر والمغرب والعشاء جمعًا، يؤخر الظهر حتى تدبر
стр. 671
الشمس ويصلي العصر جمع تقديم، ويصلي المغرب مع العشاء وقت العشاء جمع تأخير واستمر ﷺ على ذلك حتى رجع من تبوك.
لما وصل الجيش إلى تبوك جمع النبي ﷺ جنوده، وخطب فيهم وقال ﷺ :
"أيها الناس! أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنن محمد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عواقبها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف القتل قتل الشهداء، وأعمى الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى.
وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرًا، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجرًا، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما ألقي في القلب اليقين، والارتياب من الكفر.
النياحة من عمل الجاهلية، والغلو من جمر جهنم، والشكر وقاية من النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة إبليس، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المال أكل مال اليتيم.
والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع، والأمر إلى آخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الرؤيا رؤيا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتل المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأل على الله يكذبه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يتتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذبه، اللهم اغفر لي ولأمتي، اللهم اغفر لي ولأمتي أستغفر الله لي ولكم".
وطاف على ناقته بالناس وهو يقول: "يا أيها الناس! يد الله فوق يد المعطي،
стр. 672
ويد المعطِي الوسطى ويد المعطَى السفلى، أيها الناس استغنوا ولو بحزم الحطب، اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! اللهم هل بلغت! ".
وجلس بتبوك في نفر من أصحابه وهو سابعهم، فجاء رجل من بني سعد هذيم فسلم فقال: "اجلس".
فقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
فقال: "أفلح وجهك".
ثم قال: "يا بلال، أطعمنا"!. فبسط نطعًا، ثم أخرج من حميت له خرجات من تمر معجون بسمن وأقط، ثم قال ﷺ : "كلوا". فأكلوا حتى شبعوا.
فقال الرجل: يا رسول الله إني كنت لآكل هذا وحدي!!
فقال ﷺ : "الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد".
ثم جاء من الغد متحينًا الغداء ليزداد في الإسلام يقينًا، فإذا عشرة حوله ﵇ فقال ﷺ : "هات أطعمنا يا بلال"!. فجعل يخرج من جراب تمرًا بكفه قبضة قبضة، فقال: "أخرج ولا تخف من ذي العرش إقتارًا"!. فجاء بالجراب فنثره، فحزره الرجل مدين، فوضع ﷺ يده على التمر ثم قال: "كلوا باسم الله". فأكل القوم وأكل الرجل وكان صاحب تمر، حتى ما يجد له مسلكًا، وبقي على النطع مثل الذي جاء به بلال كأنهم لم يأكلوا منه تمرة واحدة.
ثم عاد الرجل من الغد، وعاد نفر، فكانوا عشرة أو يزيدون رجلا أو رجلين، فقال ﷺ : "يا بلال أطعمنا". فجاء بذلك الجراب بعينه فنثره، ووضع ﷺ يده عليه وقال: "كلوا باسم الله". فأكلوا حتى شبعوا، ثم رفع مثل الذي صب، ففعل مثل ذلك ثلاثة أيام١.
وعسكر النبي ﷺ بجنوده في "تبوك" عشرين يومًا حتى فتح الله عليهم فعادوا إلى المدينة بلا قتال وبلا حرب.
стр. 673
٢- نتائج الغزوة:
عسكر النبي ﷺ والمسلمون في تبوك، وعسكر قبالتهم جيش الروم، فشاور رسول الله ﷺ أصحابه في التقدم بعد أن بين لهم أن الأمر بيدهم وعليهم أن يختاروا لأنفسهم، وبخاصة أن الله لم يأمر بشيء، فرأوا الرجوع إلى المدينة، والاكتفاء بما حقق الله لهم في هذه الغزوة, إن غزوة "تبوك" خلت من القتال ولكنها تركت آثارًا عديدة على المسلمين وعلى غيرهم أما أثرها مع المسلمين فقد محص الله صفهم، وأحاطهم بآيات من عنده كإكثار الطعام وهم في أمس الحاجة إليه، ونزول المطر بدعاء النبي ﷺ .
وقد وجه النبي من عسكره في تبوك سرايا إلى القبائل العربية الموجودة في المنطقة وكانت تابعة للرومان, فلما رأى العرب قوة المسلمين قبلت العهد مع رسول الله ﷺ وصاروا من أهل الذمة, وعلى رأس هذه القبائل أهل أيلة، وأهل جرباء، وأهل أذرح، وأهل مقتا، حيث أتى يحنة بن رؤبة صاحب أيلة رسول الله ﷺ وصالحه على إعطاء الجزية وتبعه أهل جرباء وأذرح، فكتب لهم النبي ﷺ كتابًا وأعطاه لهم وجاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي ﷺ ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة١: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقًا يريدونه، من بر أو بحر".
وقد كتب الكتاب جهيم بن الصلت، وشرحبيل بن حسنة، بإذن رسول الله٢.
وكتب ﷺ لأهل "جرباء" كتابًا جاء فيه: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله ﷺ لأهل جرباء وأذرح, أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم"٣.
стр. 674
وكتب لأهل أذرح ما يلي: "من محمد النبي رسول الله لأهل أذرح إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان للمسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين من المخافة، وهم آمنون حتى يحدث إليهم محمد قبل خروجه"١.
وكتب لأهل "مقتا" كتابًا جاء فيه: "أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وأن عليهم ربع غزولهم وربع ثمارهم"٢.
وأرسل خالد بن الوليد في بعث إلى أكيدر دومة، رجل من كندة وكان ملكًا عليها، وكان نصرانيًا، فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه امرأته فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟
قال: لا والله.
قالت: فمن يترك هذه.
قال: لا أحد.
فنزل فأمر بفرسه، فأسرج له، وركب معه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له: حسان فركب، وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا لقيهم خيل رسول الله ﷺ ، فأخذته وقتلوا أخاه، وقد كان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلمه خالد فبعث به إلى رسول الله ﷺ قبل قدومه به عليه فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله ﷺ : "أتعجبون من لين هذه؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها" ٣.
ثم إن رسول الله حقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته٤ وبذلك تحقق للمسلمين العزة والقوة في هذه المناطق البعيدة.
أما آثار تبوك على غير المسلمين فلقد أيقنوا أن قوة الإسلام غالبة، وأنه لا قبل لأي فريق في مواجهة المسلمين وبدءوا يدركون صدق الإسلام وخطأهم فيه.
стр. 675
٣- موقف المنافقين بعد الغزوة:
سارع المنافقون بالخروج إلى ثنية الوداع حينما ندب النبي ﷺ لغزوة تبوك.
ويبدو أن خروج المنافقين كان مناورة منهم لتثبيط همة المؤمنين ونشر الذعر بينهم وحتى لا يتهموا بالقعود والنكوص، وظنوا أن بمقدورهم القعود بالجيش كله من الغزو ولذلك ناقشوا كثيرًا في التخلف، وأكثروا من الحلف وهم كاذبون، وبدءوا في إضعاف عزائم المجاهدين مرة ببعد المسافة، وأخرى بقسوة الحر، وثالثة بوعورة الطريق، ورابعة بقوة الروم والأعراب المتحالفين معهم, وكل تلك أمور بينها رسول الله ﷺ لأصحابه حين دعاهم للخروج.
وكان أمل المنافقين القضاء على رسول الله ﷺ وعلى الإسلام كله، ولذلك خرجوا مع الجيش الإسلامي، وانتهزوا كل ما أمكنهم لتحقيق مآربهم، وأهم أفعالهم:
١- إنشاء مسجد الضرار:
بنى المنافقون في "ذي أوان" بجوار المدينة مسجدًا يتآمرون فيه، بعدما كانوا يجلسون في الخلاء ويراهم المسلمون، ويطلعون على مكرهم، وخبثهم، وهذا المسجد هو الذي عرف بمسجد الضرار، وقد دعوا الرسول ﷺ للصلاة فيه، فوعدهم بالصلاة معهم فيه حين رجوعه من الغزوة، وأثناء عودته من تبوك نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ١.
стр. 676
لقد كان المسجد ستارًا للمنافقين عن أعين المسلمين، لكن عين الله لا تنام، ولذلك أمر النبي ﷺ بهدم المسجد، وحرقه، بعدما أمره الله تعالى بعدم الصلاة فيه، وبين له أن سبب تأسيسه هو الإضرار بالمسلمين والكفر بما أنزل الله، وتفريق المسلمين وإيواء أعداء الله ورسوله.
٢- نشر الإشاعات الكاذبة:
أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أن يبقى في أهله، وحينئذ قال المنافقون: ما خلفه محمد إلا خوفًا عليه، ويسرًا به, فلما سمع علي ذلك أخذ سلاحه ولحق بالمسلمين بـ"الجرف" فأعاده النبي ﷺ وقال له: "كذبوا إنما خلفتك ورائي في أهلي وأهلك".
وأخذ المنافقون يهولون في قوة الرومان، ويستهينون بالمسلمين.
يقول وديعة بن ثابت المنافق: ما لي أرى أصحاب محمد اتسعت بطونهم، وكذب لسانهم، وجبنوا عن اللقاء.
ويقول الجلاس بن سويد المنافق: الرومان سادتنا وعظماؤنا، ولئن كان محمد صادقًا فنحن شر من الحمير.
فقال له عمير ﵁: أنت شر من الحمير، محمد الصادق وأنت الكاذب.
فلما أتي رسول الله ﷺ بالمنافقين وسألهم عن أقوالهم السيئة قال وديعة: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ١.
وجاء الجلاس فحلف أنه ما قال من ذلك شيئًا وأن عميرًا كذب عليه، فأنزل الله فيه قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي
стр. 677
الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ١.
فلما نزلت الآية قال الجلاس: عمير صادق وأنا كاذب يا رسول الله وكان للجلاس دية في الجاهلية على بعض قومه، وكان محتاجًا، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أخذها منهم وأعطاها له فاستغنى بها وتاب فتاب الله عليه٢.
٣- محاولة قتل النبي ﷺ :
وفي أثناء الطريق مكر أناس من المنافقين لقتل رسول الله ﷺ عند العقبة٣، فلما بلغوها أرادوا أن يسلكوها مع رسول الله ﷺ فأخبره الله بخبرهم فقال ﷺ للناس: "اسلكوا بطن الوادي فإنه أسهل لكم وأوسع"!. ليبعد المنافقين عن مؤامرتهم فسلك الناس بطن الوادي، وسلك ﷺ العقبة، وأمر عمار بن ياسر أن يأخذ بزمام الناقة يقودها، وأمر حذيفة بن اليمان يسوق خلفه، فغضب المنافقون، وأصروا على سلوك العقبة فأمر ﷺ حذيفة أن يردهم، فرجع إليهم فجعل يضرب وجوه رواحلهم بمحجن في يده، فانحطوا من العقبة مسرعين حتى خالطوا، الناس فلما أصبح رسول الله ﷺ قال له أسيد بن حضير: يا رسول الله! ما منعك البارحة من سلوك الوادي، فقد كان أسهل؟
فقال ﷺ : "يا أبا يحيى! أتدري ما أراد البارحة المنافقون وما هموا به؟ قالوا: نتبعه في العقبة، فإذا أظلم الليل عليه قطعوا أنساع راحلتي ونخسوها حتى يطرحوني عن راحلتي "!.
فقال أسيد: يا رسول الله! فقد اجتمع الناس ونزلوا، فمر كل بطن أن يقتل الرجل الذي هم بهذا.
قال ﷺ : "يا أسيد إني أكره أن يقول الناس إن محمدًا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه".
فقال أسيد: يا رسول الله! هؤلاء ليسوا بأصحاب!
стр. 678
قال ﷺ : "أوليس يظهرون شهادة ألا إله إلا الله"!.
قال: بلى! ولا شهادة لهم!
قال: "أوليس يظهرون أني رسول الله"؟.
قال: بلى! ولا شهادة لهم!
قال ﷺ : "فقد نهيت عن قتل أولئك" ١.
وقد فضح الله المنافقين بنزول الوحي يوضح صفاتهم، ويبين أكاذيبهم، ويحدد منزلتهم السافلة، وخلقهم الرديء.
فإنهم لما اعتذروا لعدم الاستعداد قال الله عنهم ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ٢.
وحتى يعرف المؤمنون أن في تخلف المنافقين خيرًا قال الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٣.
وحتى لا يغتر المسلمون بمظهر المنافقين قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ ٤.
وحتى لا يصدق المسلمون أيمانهم قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ٥ ويقول تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ
٤- الثلاثة الذين تخلفوا:
تخلف عن رسول الله ثلاثة من المسلمين هم: كعب بن مالك الأنصاري ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فلما رجع رسول الله ﷺ من تبوك جاءوا وندموا
على تخلفهم، وبينوا أنه لا عذر لهم في التخلف، ولم يكذبوا كغيرهم.
لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى ركعتين بالمسجد, جاءه المخلفون يعتذرون ويحلفون, ورسول الله يكل حقيقتهم إلى الله تعالى.
فلما جاء كعب بن مالك تبسم له رسول الله ﷺ تبسم المغضب وقال له: "ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك"؟.
قال كعب: بلى يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثًا كاذبا لترضى عني، ليوشكن الله أن يسخط عليّ، ولئن حدثتك اليوم حديثًا صادقًا تجد عليّ فيه، إني لأرجو عقبى الله فيه، ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك!
فقال ﷺ : "أما أنت فقد صدقت! فقم حتى يقضي الله فيك".
وبمثل ذلك ذكر صاحباه، فنهى ﷺ عن كلام الثلاثة فاجتنبهم الناس وتغيروا لهم حتى تنكرت لهم أنفسهم، فلبثوا على ذلك خمسين ليلة، وقد قعد مرارة وهلال في بيوتهما، وكان كعب يخرج فيشهد الصلوات مع المسلمين ويطوف بالأسواق، فلا يكلمه أحد، ويأتي رسول الله ﷺ ، وهو في مجلسه بعد الصلوات، فيسلم عليه ويصلي قريبًا منه يسارقه النظر، وهو معرض عنه، وتسور يومًا جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمه، وأحب الناس إليه، فسلم عليه فلم يرد ﵇ فقال: يا أبا قتادة! أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، وكرر ذلك فقال في الثالثة: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناه وانصرف.
يقول كعب: فبينما أنا أمشي بسوق المدينة، وإذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على "كعب بن مالك"؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع لي كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرتها.
стр. 681
فلما مضت أربعون ليلة بعث إليّ رسول الله ﷺ وإلى هلال بن أمية ومرارة بن ربيع مع خزيمة بن ثابت يأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فقال كعب لامرأته: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض!
وبكى هلال بن أمية وامتنع عن الطعام، وواصل اليومين والثلاثة ما يذوق طعامًا، إلا أن يشرب الشربة من الماء أو الضيح من اللبن، ويصلي الليل ولم يخرج من بيته لأن أحدًا لا يكلمه، حتى إن الوالدين يهجرونه لطاعة رسول الله ﷺ .
وجاءت امرأته فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له، وأنا أرق به من غيري، فإن رأيت أن تدعني أخدمه فعلت.
قال: "نعم، ولكن لا تدعيه يصل إليك! ".
فقالت: يا رسول الله! ما به من حركة إليّ! والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، وإن لحيته لتقطر دموعًا الليل والنهار، ولقد ظهر البياض على عينيه حتى تخوفت أن يذهب بصره.
فلما كملت خمسون ليلة، وهم كما قال الله تعالى قد ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ١ أنزل الله توبتهم بقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٤.
فأعلم رسول الله ﷺ أصحابه بذلك عند الصبح، فخرج أبو بكر ﵁ فأوفى على
стр. 682
سلع فصاح: قد تاب الله على كعب بن مالك! يبشره، فأتاه حمزة بن عمرو فبشره فنزع ثوبيه وكساهما إياه ولا يملك غيرهما، واستعار ثوبين من أبي قتادة فلبسهما، ثم انطلق إلى رسول الله والناس يهنئونه، وخرج أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل إلى هلال يبشره، فلما أخبره سجد ولقيه الناس يهنئونه، فما استطاع المشي، لما ناله من الضعف والحزن والبكاء حتى ركب حمارًا، وبشر مرارة بن ربيع سلكان بن سلامة بن وقش، فأقبل حتى توافوا عند النبي ﷺ .
فقام طلحة بن عبيد الله يتلقى كعب بن مالك، فلما سلم على رسول الله ﷺ قال له ﷺ ووجهه يبرق من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك".
فقال: أمن عندك يا رسول الله أو من عند الله؟
قال: "من عند الله".
فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة.
فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك".
قال: فالثلثان!
قال: "لا".
قال: فالنصف.
قال: "لا".
قال: فالثلث.
قال: "نعم" ١.
стр. 683
المبحث الرابع عشر: السرايا والجهاد في الميزان
الجهاد ضرورة عامة
...
المبحث الرابع عشر: السرايا والجهاد في الميزان
شرع الله الجهاد لتعيش الدعوة إلى الله في إطار خلقي كريم، يقدر الإنسان، ويبرز مزايا الدين، ويشجع الناس على الدخول في دين الله تعالى.
وحينما نتأمل في تشريع الإسلام للجهاد، وننظر في مساره التطبيقي من خلال الغزوات والسرايا، ومدى مساهمته في خدمة الدعوة، وتجلية صدق الإسلام وخيريته تظهر الحقائق التالية:
١- الجهاد ضرورة عامة:
قد يتساءل سائل ما، بحسن نية أو بسوء نية، ويقول:
ما سبب كل هذه التضحيات التي يحتاجها الجهاد الإسلامي؟
وهل يستحق كل هذا؟
وما الغاية منه؟ وما الحكمة في تشريعه؟
وهل استنفد المسلمون كافة الوسائل السلمية حتى يلجئوا إلى الجهاد والحرب؟ مع ما في الحرب من قتل، ودم، وإزهاق للأموال والأرواح.
وهل تتساوى غايات الجهاد مع مسئولياته؟
وهذه تساؤلات تحتاج لإجابات واضحة منعًا للبس، وردًا لشبهات يثيرها أعداء الإسلام حول مشروعية الجهاد الإسلامي.
إن الإسلام دين الله تعالى جاء به محمد ﷺ بعدما أوحى الله إليه به لإنقاذ الناس من ظلمات الجهل، وعبودية المادة، وطغيان الأقوياء حتى يعيشوا حياة آمنة مستقرة بالعدل والحق، وانتشار الخير والسلام.
ولم يبدأ الإسلام بتشريع الجهاد والقتال. وإنما بدأ بالكلمة الصادقة والدعوة الآمنة والحوار الجاد، يناقش العقول، ويحرك العواطف، ويثبت للناس صدق الإسلام، وأحقيته، بلا عدوان على أحد، أو سب لمخلوق، أو مصادرة لرأي واتجاه.
أعلن الإسلام غايته بوضوح وهي تنحصر في تحقيق السعادة للناس، ونشر السلام
стр. 684
في العالم كله بواسطة منهج رباني خالص حدد الإسلام معالمه، وبين غاياته ومراميه.
ومع هذا أبى جبابرة الأرض أن يواجهوا الدعوة بالدعوة، والحجة بالحجة، والرأي بالرأي, وإنما بدءوا باضطهاد من يدعونهم، وقتل من يكلمهم، ووضعوا سياجًا يمنع الدعوة من الحركة والانطلاق. ولم يكن موقفهم هادئًا, ولم يكتفوا بالحديث مهما كان توجهه ومستواه. وإنما اعتمدوا على القتل والأذى، ولم يفرقوا في عدوانهم بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة، واستمروا في مباشرة العدوان وتصعيده حتى أجبروا المسلمين على الهجرة وترك الديار إلى أماكن لا عهد لهم بها كالحبشة والمدينة، ولم يترك الأعداء المسلمين أحرارًا حتى في مواطن هجرتهم، وإنما تتبعوهم بالعدوان، ولاحقوهم بالأذى ودبروا المؤامرات لاغتيار رسول الله ﷺ وقهر المسلمين وجيشوا الجيوش لقتل المسلمين في دارهم, وكان أملهم هو القضاء التام على المسلمين، وإطفاء نور الله في الأرض.
وبتحقق هذه الأمور في عالم الواقع يظهر أن مشروعية الجهاد جاءت بعد استنفاد كافة الوسائل التي يتصورها العقل لصيانة الحقوق، وضمان الخير للناس.
وقد شرع الله الجهاد لرد العدوان، ومنع الأذى، وتحقيق وضع يحقق الاستقرار للدعوة وللناس، ويصون الكرامة، ويحمي الحقوق، وذلك أمر تدعو إليه المواثيق الدولية القديمة والمعاصرة وتعمل له.
ولذلك كان تشريع الجهاد ضرورة عامة، ووحيدة بعد ما استنفد المسلمون كافة الطرق للتعامل مع أعدائهم الذين بدءوهم بالأذى، ولاحقوهم بالعدوان، ولم يسمعوا لهم كلمة، ولم يناقشوهم بحجة.
لو لم يشرع الله الجهاد وتركه المسلمون لتمكن المشركون من كل مسلم، ولقضوا على المسلمين ودينهم.
ولو لم يشرع الجهاد لاستمرت البشرية في ظلمات الجهل، وسوءات القهر والاستعباد.
ومن هنا ندرك ضرورة تشريع الجهاد، وسبب تكليف المسلمين به، وأهمية
стр. 685
التضحية والبذل إنقاذًا لأنفسهم، وحماية لدينهم، وتحقيقًا لخير الإنسانية وسعادتها.
إن الأمم المعاصرة تحتفل بما بذلته في حروبها العالمية، وتتباهى بتضحياتها من أجل الحرية والديموقراطية، وتجعل قتلاها خلال هذه الحروب أبطالا تصنع لهم التماثيل، وتشيد بهم في كل مجال, فإذا نظرنا إلى الجهاد الإسلامي من زاوية هؤلاء الناس مع ربطه بوسائله وأهدافه، وتطبيقاته فإن ذلك يعد برهانًا على ضرورته، وحتمية استمراره لخير الناس مع وضوح الفرق بين الجهاد الإسلامي وهذه الحروب من ناحية أخلاقيات الجهاد ونتائجه.
إن الجهاد الإسلامي في إطار مشروعيته يحتاج إلى كل ما بذل له من تضحية وعطاء، ولو تضاعف الجهد لكان خيرًا وبركة.
ويبقى الجهاد في مشروعيته محافظًا على حقيقته، وغايته على الزمن كله.
ومن حكمة الله أن آيات الجهاد تورده مرتبطًا بسببه وعلته، يقول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
ويقول سبحانه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٤.
ويقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
стр. 686
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١.
إنه تشريع رباني بسبب أنهم ظلموا!
ولرد عدوان المعتدي ومقاتلة من يقاتل!
ولمعاملة الأعداء بمثل ما يعملون!
ولإنقاذ البشرية من ظلم الطغاة واستبداد المتجبرين وحتى لا تنهدم الحضارات على رءوس أصحابها!
وقد سبق عند الحديث عن مراحل تشريع الجهاد في بيان واضح لهذه القضية.
стр. 687
٢- الجهاد يحمي حرية الإنسان:
أظهر الجهاد الإسلامي قيام الإسلام على المبادئ النبيلة، التي تحمي الحقوق، وتصون الكرامة، وتعمل على ضمان حرية الإنسان بصورة مطلقة، وذلك يتضح من خلال بعض الملاحظات في حركة الإسلام بين الناس، وأهمها:
أ- إن الإسلام فكرة قائمة على بعض المعاني التي لا بد من فهمها، قبل الإيمان بها والعمل بمقتضاها، ومن المعلوم أن حركة الأفكار تحتاج إلى الحرية، لتظهر الفكرة قولا يسمع ومعنى يتدبر، واتجاهًا يتحول إلى عمل وسلوك، وبدون الحرية لا تجد الأفكار مجالا تعيش فيه وتتحرك خلاله، وإذا فقد الإنسان الاختيار الحر فإنه يتصرف ويعمل بلا اقتناع أو رضى وهذا شأن يأباه الإسلام ويمنعه.
ب- ومن الحقائق المؤكدة تشريعيًا، وعمليًا، أنه لا إكراه في اعتناق الإسلام.
فكل النصوص الدينية تؤكد أن الإسلام يعتمد على الدليل والبرهان، ويقوم على الرضى والاقتناع، يقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١, ويقول تعالى: ﴿هُوَ
стр. 688
اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ١ ويقول تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ٢ والآيات واضحة الدلالة على أن دين الله تعالى يقوم على الإرادة الحرة والمشيئة الطليقة، ولا حرج فيه أبدًا.
هذا من الناحية التشريعية، أما الناحية العملية التطبيقية فهي تؤكد أن ذلك هو ما حدث في عالم الواقع، ولم يتحدث المؤرخون أو بعضهم أن جماعة من الناس، أو واحدًا من الأفراد دخل في الإسلام قهرًا وجبرًا، وكل ما قام به المجاهدون بعد انتصارهم هو إزالة الطغاة الجاثمين، وصيانة الأموال والأعراض، وتيسير أمر الحياة، وإعلان سيادة الله في الأرض هذا وفقط. مما أدى بالناس إلى التفكير والتدبير، والمقارنة فدخلوا في الإسلام طواعية واختيارًا بعد فهم واقتناع.
إن الناس دخلوا في الإسلام راضين سعداء، ولذلك نراهم يسارعون إلى معرفة لغة الإسلام، وحفظ القرآن الكريم والمحافظة على سنة نبيه الكريم.
ومما يؤكد الحرية في الاقتناع ما رأيناه من إيمان القوة الغالبة المنتصرة على المسلمين المنهزمين كما حدث في إسلام التتار، فلقد دخلوا في الإسلام بعد هزيمة المسلمين بعد معرفتهم بحقيقة الإسلام، وإيمانهم بصدق وصواب ما جاء به.
يقول أرنولد توينبي: إن الإسلام في جوهره دين عقلي بأوسع معاني هذه الكلمة من الوجهتين الاشتقاقية والتاريخية، وهو يعتمد الأسلوب العقلي طريقًا لإقامة العقائد الدينية على أسس من المبادئ المستمدة من العقل والمنطق، والحق أن محمدًا كان متحمسًا لدينه وكان يمتلك غيرة الإيمان، ونار الاقتناع، عرض دعوته على أنها وحي وإلهام وأن لدينه كل العلامات التي تدل على أنه مجموعة من العقائد قامت على أساس المنطق والعقل٣.
لقد بقي الإسلام صامدًا في وجه الهجمات الاستعمارية التي استولت على العالم
стр. 689
كله، لما فيه من خير وصلاح، يؤكد هذا الأمر ما نراه دائمًا من إسلام عديد من الناس وهم بين أقوام غير مسلمين وفي ثنايا قوة تحارب الإسلام، وما ذلك إلا لاقتناعهم التام الذي جعلهم يتركون دين آبائهم، ويهاجرون بعد إسلامهم إلى المسلمين وديار الإسلام ليقوموا بواجب الأمانة التي تحملوها بإسلامهم.
ولا يمكن القول بأن الجزية تمثل إكراهًا ماديًا، يدفع الفقراء إلى الإسلام ليبتعدوا عنها. لا يقال ذلك لأن المسلم يدفع أضعاف هذه الجزية حين يؤدي ما عليه من واجبات دينية مثل دفع الزكاة، وأداء صدقة الفطر، وتحمل مغارم الكفارات العديدة، في الوقت الذي يعفى فيه دافع الجزية من الاشتراك في الجهاد، وعمليات تأمين الأمة، بينما المسلم يقوم بذلك على وجه الوجوب والفرضية.
ج- الجانب الباطني في الإنسان لا يعلمه إلا الله تعالى، وارتباط الإيمان في الإسلام بهذا الجانب تأكيد واضح على ضرورة الحرية للاقتناع والإيمان.
إن النفاق لا يغني من الحق شيئًا، والمنافق خطر على الإسلام أكثر من خطورة الكافر، لأن المنافق عدو خفي، والكافر عدو ظاهر، والعدو الخفي ضرره أكثر، وإيذاؤه أشد.
ويوم أن ظهر المنافقون في المدينة حذر الله منهم وبين للرسول ﷺ مظاهرهم، ومواطن الخطر من قبلهم فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
والآيات واضحة الدلالة على سلوك المنافقين السيئ، فلقد كانوا يأتون إلى النبي ﷺ ويحدثونه بألسنتهم حديثًا مخالفًا لما في قلوبهم، وينطقون بكلمة الحق مع أنهم لا يقرون بها،
стр. 690
فهم كاذبون في إقرارهم، حيث لا ارتباط له بما في قلوبهم, ونراهم يسارعون إلى الأيمان الكاذبة لإبعاد التهمة عنهم، مع أنهم بهذه الأيمان يبالغون في الكذب. ويتصورون أنهم خدعوا بذلك رسول الله ﷺ والمؤمنين. إن هؤلاء المنافقين يبدون في صورة حسنة، وقلوبهم مملوءة بالسوء. لهم كلام منمق، لكنه السم الزعاف, وهم مدركون لفعلهم ولذلك يعيشون خائفين، يتوقعون انكشاف أمرهم في كل لمحة ولفتة.
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
هذا هو موقف الإسلام من النفاق والمنافقين قديمًا وحديثًا, ولذلك فلا قيمة للإيمان إذا لم ينبع من الباطن القلبي. وذلك شأن لا يتحقق إلا في إطار الحرية, والاختيار الكريم.
د- يتكون الإسلام من أساسيات أخلاقية تعتمد على التسامح والعفو، وحب الخير لسائر الناس مع الالتزام بالصدق والأمانة وضرورة مراعاة حقوق الآخرين، والمحافظة على القيام بالواجب بكل دقة. ودين هذا شأنه لا يتصور منه إهانة الإنسان في عقله، وفي إرادته أو في حياته أو في أي جانب إنساني.
في إطار هذه الملاحظات يعمل الجهاد ويتحرك المجاهدون؛ ولذلك نرى الجهاد يحمي حرية الناس، ويحفظ عقلهم، ودينهم, وأموالهم.
стр. 691
٣- الجهاد يصون كرامة الإنسان:
كرم الله الإنسان منذ خلقه، وسخر كل ما في الوجود لخدمته وسعادته، وأرسل إليه رسله وأنبياءه ليستقيموا به على المنهج الرباني السديد, لكن الإنسان ظلم نفسه، وبعد عن ربه فلعب به الهوى، واستحوذ عليه الشيطان، فصار عبدًا لشهواته وغرائزه.
وانتهز أنصار الشر خيبة الناس فتمكنوا منهم وحولوهم إلى قطعان من العبيد، وتحكموا في رقابهم تحكم المالك في غنمه ومواشيه, ولذلك انقسم العالم إلى جزئيات متناثرة تحت سيطرة أفراد مستبدين, وفقد الإنسان إرادته، وضاعت كرامته.
فلما جاء الإسلام وجد هذه الفوضى فكون من المسلمين أمة مجاهدة تنشر العدل، وتصون الأمن، وتحقق كرامة الإنسان.
لقد شرع الله الجهاد، وحدد وسائله وغاياته، وطبقه المسلمون بكل دقة وشدة حتى تحققت في عالم الواقع كرامة إنسانية عاشها كثيرون، كرامة لم يتصورها أحد من الناس.
لقد جاهد المسلمون بعد الهجرة أقل من عشر سنوات قاموا خلالها بأكثر من مائة غزوة وسرية، تحملوا خلالها كثيرًا من الألم والتعب، والشهادة لكنهم حققوا في عالم الحياة أمة عادلة منصفة, وأزاحوا من حياة الناس مظالم الفرس والروم، واستبداد العرب وجاهلية الفوضى والعصبية, وأوجدوا بدل ذلك الإنسان الكريم الذي يعيش لله، ويعمل لله، ويموت لله, وفي ذلك الدلالة على تكريم الجهاد للناس.
إن مقارنة أمينة بين وضعية العالم قبل الإسلام وبين وضعيته تحت سيادة الإسلام تؤكد مدى الخير الذي قدمه الإسلام للناس من كافة النواحي.
لقد نظم الإسلام حياة الناس.
- حدد حق الحاكم ومسئولياته، وواجباته.
- وضح حقوق الناس وصان لهم النفس، والعقل، والعرض، والمال، والاعتقاد.
- أرسى أسس السلوك القويم، وأعلى مكارم الأخلاق.
- بين العقوبات الملائمة للجرائم لصيانة المجتمعات البشرية من الهمجية والعدوان.
- أعلى مقام العلم وجعله حقًا ضروريًا لكل رجل وامرأة.
- دعا إلى السعي والعمل وبذل أقصى الوسع للنجاح ويسر لذلك الطريق.
- أعطى لكل فرد ما يستحقه من جزاء وثواب تبعًا لطاقاته العقلية وإمكاناته العملية.
- حدد حقوق كل من الرجل والمرأة بما يضمن لكليهما الحياة السعيدة المستقرة.
- حقق بين أفراد المجتمع تكافلا كاملا يحقق العدل والمساواة.
ولم يحقق الإسلام هذا في عالم الواقع إلا بجهاد المسلمين وتضحياتهم وتلك هي مسئولياتهم إلى يوم القيامة.
стр. 692
٤- الجهاد يبرز إيجابية الإنسان المسلم:
أبرز تشريع الجهاد حقيقة الإنسان المسلم، في باطنه، وظاهره، وخلقه.
فهو في باطنه يسلم أمره لله ورسوله، ويؤمن بكل ما يبلغه من الرسول ﷺ .
وليست الحياة الدنيا في مفهوم المسلم مغنمًا يحرص عليه، وإنما هي مجال يطيع الله فيه، ليغنم رضوان الله وجنته بعد هذه الحياة الدنيا.
إن الجهاد يبرز أعلى درجات الاستسلام والطاعة لله تعالى؛ لأن المجاهد يدفع روحه لله، ويقبل الموت راضيًا به، ليفوز برضوان الله تعالى.
إن سائر العبادات رقي في حياة المسلم، واستمرارية لطهارة الدنيا، وعظمتها والهجرة من مكة إلى المدينة كانت خلاصًا من الضعف، والقلة، والأذى، وانتقالا إلى القوة، والكثرة، والغلبة، والتخلص من عدوان الكفر، وأذى المشركين، فهي رقي دنيوي في طاعة الله تعالى.
إن الجهاد هو بذل للمال، وللنفس، وترك الدنيا، من أجل إعلاء كلمة الله وذلك كان ذروة سنام الإسلام، وقد جعل الله المجاهدين صفوة الخلق، وأكرمهم عنده وجدد الله حياتهم بعد استشهادهم، وضاعف رزقهم، وأحاطهم بالبشر، والسرور، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
стр. 693
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
إن التضحية لإحقاق الحق، وإبطال الباطل شهامة وبطولة يقدم عليها العظماء من الناس, وهي مناط إظهار إيجابية المجاهدين في سبيل الله تعالى.
لقد قام المجاهدون بما تعلموه من رسول الله ﷺ فلم يبدءوا بعدوان، وإنما كانوا يبدءون بعرض الإسلام وشرح أعماله ومراميه، ودفع ما يثار حوله من شبه وافتراء, وكانوا يعرضون الجزية يدفعها من يأبى الإسلام ليكون له العهد والذمة.
ولم يتعد المجاهدون على شيخ كبير أو امرأة أو صغير أو راهب في صومعة أو بيعة. إن الجهاد في الإسلام معلومة غايته، مبينة وسيلته، من خلال تشريعه الصريح، وتطبيقاته في الأمم، التي تمتعت به, وهو في مجمله قوة تؤمن بالله، وتستمد طاقتها من شريعة الله، وتبرز غايتها المعلنة منذ أن جاء الإسلام للناس.
إن تكوين القوى الدولية التابعة للأمم المتحدة تنطلق من هذا المفهوم الذي نرجو له أن يتطابق وسمه مع رسمه وتلتقي فكرته مع واقعه ليكون عونًا للضعفاء، ومساعدة للمحتاجين.
إن المجاهد لا يطلب مجدًا شخصيًا، ولا سلطانًا قوميًا، ولا استعلاء أمميًا, وإنما كل غايته تحقيق العبودية للمعبود، وإعلاء سلطان الله في الأمم كلها.
وبذلك فالمسلم المجاهد إنسان إيجابي يفيد الإنسانية كلها.
стр. 694
٥- الواقعية في تشريع الجهاد:
لم يغب تشريع الجهاد مطلقًا عن مصلحة الناس، ومراعاة واقعهم العملي، حيث رأيناه في مكة لم يكلف المسلمين بجهاد، وإنما أمرهم بالصبر، والعفو لقلة عددهم وضعف أحوالهم، وغلظة أعدائهم، وفي نفس الوقت لم يوجه لومًا لمسلم ينتصر لنفسه ضد بغي وقع عليه، إذا رأى الانتصار ممكنًا، ولا يؤدي إلى ضرر أكبر.
وقد تحدث الوحي عن الجهاد بالإذن فيه، أو بالأمر به، ليعلم أهل مكة ومن يشايعهم أن قضية الإسلام لم تنته بالهجرة إلى المدينة، ولكن الحقيقة أن الهجرة تؤكد أن مرحلة جديدة قد بدأت، وأنها ستكون أقوى من سابقتها، وأن الاستقامة على الحق ضرورة واجبة، والدعوة إلى الله أمر لن يتوقف، وأن قوة المسلمين ستكون في خدمة الدعوة دائمًا، وستبقى في حماية الحركة بالإسلام.
وقد تحقق في عالم الواقع أن أهل مكة وقبائل العرب وغيرهم أدركوا هذا الأمر وتيقنوا أن الإسلام تحميه قوة المسلمين، ويبلغه للعالم رجال يبذلون له كل ما يمكنهم من نفس ومال، وعمل.
حين شرع الله للمسلمين أن يتصدوا للظلم والعدوان عرفهم أن ذلك هو الجهاد. الذي كلفوا به، في إطار نظام متكامل يتضمن الدعوة أولا، ويتمسك بالخلق الحسن في كافة مراحله، ويملأ المجاهد بحب الجهاد، وحب الموت في سبيل الله.
وبإعلان الإسلام للجهاد نظامًا له منهجه، وهدفه، علم العرب جميعًا مدى حب المسلم لدينه، ومدى ربطه سعادة الآخرة بعمل الدنيا، ومدى تمنيه الموت مجاهدًا في سبيل الله تعالى, وهذا أمر يدفع الناس إلى التفكير الجاد في شأن الإسلام، ورجاله، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ .
أظهر تشريع الجهاد إيجابية الإسلام في معالجة مشاكل الناس، فالمسلم لا يجاهد لكسب مادي، وإنما يجاهد لضمان حرية الإنسان في التفكير، وصيانة عقله من الغوغائية والتسلط، وإزاحة الظلم والاستبداد من عالم الناس، وهذا شأن يجب أن يذكر به الجهاد الإسلامي.
إن العالم الحديث يلزم الأقوياء، والأغنياء بمعاونة الضعفاء، والمحتاجين في إطار مجموعة من النظم، والمواثيق، والمؤسسات الدولية، وذلك شاهد يؤكد عظمة تشريع الجهاد، وسبق الإسلام في تكليف المسلمين بقهر الظلم ودفع البغي، وإزاحة الطواغيت لقد تصدى الإسلام لأناس تألهوا على الناس، واستعبدوا البشر، وحولوا الأحرار إلى قطعان
стр. 695
من الأنعام، وأقاموا سدًا يمنع نور الحق من الوصول للأفهام, فلما جاء الإسلام، وظهرت قوة المسلمين، انزاحت القوى المتسلطة، وتبين الرشد من الغي، ودخل الناس في دين الله أفواجًا. إن هذه الإيجابية الإسلامية معروفة مقررة، بشهادة التاريخ، وبشهادة الواقع يقر بها كل منصف آمين.
وقد تعرضت الدعوة الإسلامية في العصر الحديث بادعاء أن جهادها كان ظالمًا قائمًا على الاعتداء والغدر, وهذا افتراء واضح لأن الجهاد الإسلامي لم يكن إلا ردًا لظلم ودفعًا لعدوان، وحماية للدعاة في حياتهم وعملهم.
لقد أدت النتائج الأولى للجهاد إلى تحقيق حرية التفكير لسائر الناس، وصيانة حقوقهم الضرورية المرتبطة بإنسانيتهم، وحمايتهم، وحماية أموالهم في إطار تحديد ما لهم وما عليهم في دولة الإسلام.
стр. 696
٦- ظهور فقه الإسلام في الجهاد:
أدى تشريع الجهاد في الإسلام إلى ظهور الأحكام التفصيلية لأعمال الجهاد بمختلف مراحله، وأصبح المسلمون مسئولين عن رعاية هذه الأحكام، وتطبيقها في عالم الواقع، ومن هذه الأحكام:
أ- إعداد القوة لحماية البلاد والعباد، والدين، وذلك بتنفيذ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ ١.
ومن الواضح في الآية أن إعداد القوة، وتجهيز الجيش سبب لتحقيق السلام، وضمان الحقوق؛ لأن أعداء الحق إذا رأوا يقظة صاحب الحق يخافون منه، ويبتعدون عن مصادمته, ومن مسلمات الحضارة الحديثة أن الأمم الجادة تجهز جيشها، وتعده لحماية أمنها وسلامتها، ولذا لم يكن عجبًا وجود وزارات ومؤسسات في كل دولة
стр. 697
لإعداد العدة، وتجهيز القوة حماية للمصالح، وصيانة لحقوق المواطنين من أي عدوان يلحق بها، ونشر الأمن لكل خاضع لنظام الدولة وسيادتها.
ولذا كان توجيه المسلمين لإعداد القوة من بدهيات العقل، ومسلمات العمران والتقدم ومن أساسيات ضمان الأمن وتحقيق السلام.
ب- ضرورة التهيئة النفسية، وتقوية الجانب الروحي في الإنسان، لينشأ المسلم شجاعًا قويًا، لا يخاف إلا من الله تعالى، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
إن الخور والضعف أمام العدو يولد الهزيمة، ويورث الوطن والأمة الذل والهوان، ولذلك كان واجبًا تربية الأمة على التحمل والصبر، والقيام ببعض ما يكرهون في إطار متطلبات الأمة، ونظامها.
ج- تعلم المجاهدون من تطبيقات الجهاد مع رسول الله ﷺ النظم العسكرية التي بها يتحقق النصر، من حسن التخطيط، وسعة المشاورة، ومعرفة أسرار العدو، ومقابلة الخصم بما يكافئه, مع التوكل على الله، والاستعانة به .
د- بينت الشريعة الإسلامية أحكام الإسلام قبل القتال عن طريق تنشيط العلاقات الدولية، ومناقشة الخصم في القضايا المثارة، وعرض الإسلام عليه، عسى أن يتحقق السلام وينتشر الأمن في إطار حكيم حسن، بالكلمة الحرة، والقول الأمين ولذلك كان عرض الإسلام على الآخرين أمرًا واجبًا على من يتصدى لهم ويقابلهم.
هـ- تعلم المسلمون من الجهاد، أهمية القيادة، وضرورة طاعة القائد فيما يأمر به لأنه يوجه الجماعة وفق مرئيات لا يدركها جميع المجاهدين ولأن المواقف الصعبة والمصيرية تحتاج إلى الحسم والتنفيذ، ويضيعها التردد؛ ولذلك كانت طاعة الحاكم قضية واجبة في ميدان الحرب، منعًا للهزيمة والفشل.
стр. 698
و تعلم المسلمون من الجهاد شروط مهادنة الأعداء، وطرق التعامل معهم قبل القتال، وأثناءه، وبعده وأساسها العزة، والتزام الحق، والقيام بالواجب.
ز- استفاد المسلمون طرق التعامل مع الغنائم، والفيء، والأسرى كما هو مفصل في كتب الفقه على ضوء التعاليم التي نزل الوحي بها.
ح- وأبواب الفقه مليئة بتفصيلات توضح مكانة الشهيد، ومنزلته عند الله، وكيفية دفنه، والصلاة عليه.
ط- تعلم المسلمون أن النصر لا يعني الغرور والاستعلاء وإنما هو عطاء إلهي، وتقدير رباني يحتاج إلى الشكر، ومداومة الطاعة، واستمرارية العمل لدين الله تعالى.
وهكذا ظهر فقه الجهاد من خلال تطبيقاته في المدينة المنورة.
стр. 699
المبحث الخامس عشر: وجاء نصر الله
مدخل
...
No pages
стр. 700
أولا: تتابع مجئ الوفود إلى المدينة
...
أولا: تتابع مجيء الوفود إلى المدينة
تيقن العرب من انتصار الإسلام، وآمنوا بصدقه وأحقيته فأسرعوا إلى الدخول فيه وبدءوا يرسلون وفودًا من قبلهم يمثلونهم لمبايعة رسول الله ﷺ وتعلم الإسلام، وكان العام التاسع هو قمة هذا التحرك الشامل.
أورد ابن سعد في الطبقات تفصيلات عن سائر الوفود التي جاءت للمدينة المنورة سواء قل عدد أفراد الوفد أو كثر، وسواء كان مجيئها في السنة التاسعة أو العاشرة أو قبل التاسعة أو بعد العاشرة, وسواء أعلن الوفد إسلامه أو اتفق على دفع الجزية، ويمكن مراجعة تفصيلات الوفود في كتب السنة، وفي كتب التاريخ ومؤلفات السيرة وغيرها.
стр. 701
ومن أهم الوفود١ التي جاءت إلى المدينة ما يلي:
١- وفد أحمس:
قدم قيس بن غربة الأحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أنتم"؟.
فقالوا: نحن أحمس الله، وكان يقال لهم ذلك في الجاهلية.
فقال لهم رسول الله ﷺ : "وأنتم اليوم لله".
وقال رسول الله ﷺ لبلال: "أعط ركب بجيلة وابدأ بالأحمسيين". ففعل.
٢- وفد أزد شنوءة:
قدم على رسول الله ﷺ صرد بن عبد الله الأزدي في وفد من الأزد مكون من بضعة عشر رجلا فنزلوا على فروة بن عمرو، فحباهم وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا، وكان صرد أفضلهم، فأمره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن.
٣- وقد أزد عمان:
أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي يعلمهم شرائع الإسلام ويأخذ صدقة أموالهم، فخرج وفدهم إلى رسول الله ﷺ فيهم أسد بن بيرح الطاحي، فلما قابلوا رسول الله ﷺ سألوه أن يبعث معهم رجلا يقيم أمرهم، فقال مخربة العبدي واسمه مدرك بن خوط: ابعثني إليهم فإن لهم عليّ منة، أسروني يوم جنوب فمنوا عليّ، فوجهه ﷺ معهم إلى عمان.
وقدم سلمة بن عياذ الأزدي في أناس من قومه، فسأل رسول الله ﷺ عما يعبد وما يدعو إليه، فأخبرهم رسول الله ﷺ فقال: ادع الله لي أن يجمع كلمتنا وألفتنا،
стр. 702
فدعا رسول الله لهم، فلما رجع سلمة إلى قومه أسلموا وبارك الله فيهم.
٤- وفد بني أسد:
قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله ﷺ في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الأزور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة بن عبد الله بن خلف، ورسول الله ﷺ في المسجد مع أصحابه، فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله! إنا شهدنا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله فقبل منهم رسول الله، وسر بإسلامهم وأمرهم بدعوة قومهم، وتعليمهم الإسلام وأكرم وفادتهم ثم عادوا إلى ديارهم.
٥- وفد أسلم:
قدم عمير بن أفصى في جماعة من أسلم فقالوا: قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها فإنا إخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء.
فقال رسول الله ﷺ : "أسلم سلمها الله، وغفار غفر الله لها".
وكتب رسول الله ﷺ لأسلم، ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السيف والسهل، وفيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي.
وكتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس، وشهد عليها أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب ﵄.
٦- وفد أسيد بن أبي أناس:
قال ابن عباس ﵁: أهدر رسول الله ﷺ دم أسيد بن أبي أناس لما بلغه أنه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها، فلما فتح رسول الله ﷺ مكة خرج سارية بن زنيم إلى الطائف.
فقال له أسيد: ما وراءك؟
стр. 703
قال سارية: قد أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه، فاخرج يابن أخي إليه فإنه لا يقتل من أتاه.
فحمل أسيد امرأته، وخرج وهي حامل تنتظر، وسار نحو مكة فألقت غلامًا عند قرن الثعالب وأتى أسيد أهله فلبس قميصًا واعتم، ثم أتى رسول الله ﷺ وسارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد؟
قال: "نعم".
قال: تقبل منه إن جاءك مؤمنًا؟
قال: "نعم".
فوضع يده في يد رسول الله ﷺ , فقال: هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول الله ﷺ وأشهد ألا إله إلا الله، فأمر رسول الله ﷺ وجهه وألقى يده على صدره.
٧- وفد أشجع:
قدمت أشجع على رسول الله ﷺ عام الخندق وهم مائة ورأسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع، فخرج إليهم رسول الله ﷺ وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمد لا نعلم أحدًا من قومنا أقرب دارًا منك، ولا أقل عددًا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك فجئنا نوادعك، فوادعهم ﷺ ثم أسلموا بعد ذلك.
٨- وفد الأشعريين:
روى مسلم بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: $"أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا والإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدَّادين من أهل الوبر قبل مطلع الشمس١.
стр. 704
وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ فقال: "أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب وهم خيار مَن في الأرض".
فقال رجل من الأنصار: إلا نحن يا رسول الله؟ فسكت, ثم قال: إلا نحن يا رسول الله؟
فقال ﷺ : "إلا أنتم" ١.
قال: ولما لقوا رسول الله ﷺ أسلموا وبايعوا، فقال رسول الله ﷺ : "الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك".
٩- وفد الأشعث بن قيس:
قدم على رسول الله ﷺ الأشعث بن قيس في وفد كندة في ثمانين راكبًا من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ قال: $"ألم تسلموا؟ ".
قالوا: بلى.
قال ﷺ : "فما بال هذا الحرير في أعناقكم"؟.
فشقوه منها، فألقوه.
١٠- وفد بارق:
قدم وفد بارق على رسول الله ﷺ فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله ﷺ : "هذا كتاب من محمد رسول الله لبارق لا تجد ثمارهم ولا ترى بلادهم في مربع ولا مصيف إلا بمسألة من بارق، ومن مر بهم من المسلمين في عرك، أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسع بطنه من غير أن يقتثم". شهد أبو عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وكتب أبي بن كعب.
стр. 705
١١- وفد باهلة:
قدم مطرف بن الكاهن الباهلي على رسول الله ﷺ بعد الفتح وافدًا لقومه، فقال يا رسول الله أسلمنا للإسلام وشهدنا دين الله في سماواته وأنه لا إله غيره، وصدقناك وآمنا بكل ما قلت فاكتب لنا كتابًا فكتب له:
"من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيئة من باهلة، إن من أحيا أرضًا مواتًا فيها مراح الأنعام فهي له، وعليه في كل ثلاثين من البقر فارض، وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الإبل مسنة، وليس للمصدق أن يصدقها إلا في مراعيها وهم آمنون بأمان الله".
ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله ﷺ وافدًا لقومه، فأسلم وكتب رسول الله ﷺ للوفد ولمن أسلم من قومهم كتابًا فيه شرائع الإسلام.
وكتبه عثمان بن عفان ﵁.
١٢- وفد بني البكاء:
وفد من بني البكاء على رسول الله ﷺ سنة تسع ثلاثة نفر على رأسهم معاوية بن ثور بن عبادة البكائي، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزلة وضيافة، وأجازهم، ورجعوا إلى قومهم، وقال معاوية للنبي ﷺ : إني أتبرك بمسك، وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله ﷺ وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنزًا عفرًا وبرك عليهن.
١٣- وفد بني بكر بن وائل:
قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله ﷺ ، فقال له رجل منهم: هل تعرف قس بن ساعدة؟