بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ـ[معاني القرآن وإعرابه]ـ
المؤلف: إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج (المتوفى: ٣١١ هـ)
الناشر: عالم الكتب - بيروت
الطبعة: الأولى ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م
عدد الأجزاء: ٥
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَال أبو إسحاق إِبراهيمُ بنُ السَّري الزجَّاج:
هذا كتاب مختصر في إِعرَاب القُرآنِ ومَعَانِيه، وَنَسْألُ اللَّه التَّوْفِيق فِي
كُل الأمُورِ.
قوله : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):
الجالب للباءِ معنى الابتِدَاء، كَأنَّك قُلْتَ: بَدَأتُ بِاسْم اللَّه الرحمن
الرحيم، إِلا أنَّهُ لم يُحْتَج لذكر " بَدأت " لأن الحال تنبئ أنك مبتدئ.
وسقَطت الألف من باسم اللَّه في اللفظ وكان الأصلُ: " باسم اللَّه " لأنها
ألف وصل دخَلتْ ليتَوَصلَ بِهَا إِلى النُطْقِ بالسَّاكِن. والدَّلِيل على ذلِكَ أنَّك إذَا صغرت الاسم قلت سُمَيٌّ والعرب تقول: هَذا اسم، وهذا اسم، وهذا سِمٌ.
قال الرَّاجزُ:
بِاسمِ الذي في كل سُورَةٍ سِمُهُ.
стр. 3
وسُمه أيضاً روى ذلِك أبُو زَيد الأنصَارِيّ وَغَيْرُه من النَّحويينَ، فَسَقَطَت
الألف لمَا ذكَرْنَا.
وكذلك قولك: " ابن " الألف فيه ألف وصل، تقول في تصغيره " بُنَى).
ومعنى قولنا اسم: إنَّه مشتق من السمو، والسمو الرفعة، والأصل فيهِ سَمَو
- بالواو - على وزن جَمَل، وجمعه أسْمَاء، مثل قِنْو وأقناءٍ، وحَنْو وأحْنَاء.
وَإنَّما جُعِلَ الاسْم تنويهاً باسم اللَّه على المعنى؛ لأنَّ الْمَعْنَى تحتَ
الِإسْمَ.
ومنْ قال: إِنَّ اسْما مأخوذ من " وَسَمْتُ " فهو غلط، لأنَّا لا نعرف شيئاً
دخلته ألف الوصل وحُذفت فاؤُه، أعني فاءَ الفعل، نحو قولك " عِدَة "
و" زِنَة ".
وأصْله " وعْدة " و " وَزْنة).
فلو كان " اسم " وسمة لكان تصغيره إذا حذفت منه
стр. 4
ألف الوصل " وُسَيْم "، كما أن تصغيرَ عِدة وَصِلة: وُعَيْدة، ووُصَيْلة،! ولا يقْدِر أحَد أنْ يَرى ألِف الوَصْلَ فيما حذفَتْ فاؤه من الأسماء.
وسقطت الألف في الكتاب من " بِسْم اللَّه الرحمن الرحيم "
ولم تسقط في (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) لأنه اجتمع فيها مع أنها تسقط في
اللفظ كثرةُ الاسْتعمَال.
وزعم سيبويه أن معنى الباء الإلصاق، تقول كتبتُ بالقلم والمعنى أن
الكتابة ملصقة بالقلم، وهي مكسورة أبداً لأنه - لا معنى لها إِلا الخفض
فوجب أن يكون لفظها مكسوراً ليفصل بين ما يجُر وهو اسم نحو كاف قولك
كزيد، وما يجر وهو حرف نحو بزيد، لأن أصل الحروف التي يُتَكلم بها
وهي على حرف واحد الفتحُ أبداً إلا أن تجِيءَ علة تزيلُه لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإِعراب، ولكن يقع مبتدأ في الكلام ولا يبتدأ بساكن فاختير الفتح لأنه أخف الحركات، تقول رأيت زيداً وعمراً، فالواو مفتوحة، وكذلك فعمراً الفاءُ مفتوحة، وإِنما كسرت اللام في قولك: " لِزَيد " ليفصل بين لام القسم ولام الِإضافة.
ألاترى أنك لوقلت: إِنَّ هذا لِزيدٍ علم أنه ملكه.
ولو قلت: " إِن هذا لَزَيدٌ " علم أنَّ المشار إِليه هو زَيد فلذَلكَ كُسِرَت اللام في قولك لِزَيْدٍ
ولو قلت: إِنَّ هذا المال لَكَ، وإِنَ هذا لأنْت فتحت اللام لأنَّ اللبس قد
زال.
стр. 5
والذي قلناه في اللام هو مذهب سيبويه ويونس والخليل، وأبي
عمرو بن العلاء وجميع النحويين الموثُوقِ بِعلْمِهِمْ.
وكذلك تقول: أزَيْد في الدار؛ فالألف مفتوحة وليْس في الحُروف
المبتدأة مما هو على حرفٍ (حرفٌ) مكسور إِلا الباءُ ولام الأمر وحْدهما
وإنما كسرتا للعلة التي ذكرنا، وكذلك لام الِإضافة، والفتح أصلها.
وأما لام كي في قولك: جئتُ لِتَقُومَ يا هذا، فهي لام الإضافة التي في
قولك " المالُ لِزَيدٍ "، وإنما نُصبت تقوم بإضمار " أنْ " أو " كَيْ " الًتي في معنى " أنْ "، فالمعنى: جئتُ لِقيَامِك.
وما قلناه في اشتقاق " اسم " قول لا نعلم أحَداً فسره قَبْلنا.
стр. 6
وأمَّا قولك: ليضْربْ زيد عمراً، فإنما كسرت اللام ليُفْرقَ بينها وبين لام
التوكيد، ولا يبالى بشبهها بلام الجر لأنَّ لام الجر لا تقع في الأفعال، وتقع
لام التوكيد في الأفعال، ألا ترى أنك لو قلت: لَتَضْرِبْ وأنت تأمر لأشبه لام التوكيد إذا قلت: إنك لتَضْرِبُ.
فهذا جملة ما في الحروف التي على حرف واحد.
فأما اسم اللَّه فالألف فيه ألفُ وصل، وأكْرهُ أنْ أذكر جميع ما
قال النحويون في اسم اللَّه أعني قولنا (اللَّه) تنزيهاً للَّهِ .
**
* * *
وقوله : (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
هذه الصفات للَّهِ ، معناه فيما ذكر أبو عبيدة: ذو الرحمة.
ولا يجوز أنْ يُقَال " الرحْمَنُ " إلَّا للَّهِ، وإنما كان ذَلك لأن بناءَ فَعْلان من أبنية
ما يُبالغُ في وَصْفِهِ، ألا ترى أنك إذَا قُلْت غضْبانَ فمعناه الْمُمْتلئ غَضَباً.
فَرحْمنُ الَّذي وَسِعَتْ رحْمَتُهُ كل شي فلاَ يَجوزُ أنْ يُقَال لغير الله رحمن.
وخُفِضَتْ هذه الصفَاتُ لأنها ثَناء على اللَّه فكان إعرابُها إعراب اسْمه، ولو قلت فِي غَيْرِ القُرآنِ: بسم اللَّه الكريمَ والكريمُ، والحمد لله رب العالمين، ورب العالَمينَ: جاز ذلك، فمن نصب ربَّ العالمين فإنما ينْصبُ
стр. 7
لأنَّهُ ثَنَاء على اللَّه، كأنه لَمَّا قَال: الحمدُ للَّهِ اسْتدل بهذَا إللفْظِ أنه ذاكر اللَّه، فقوله: رَبِّ الْعَالَمِينَ - كأنه قال أذْكُرُ ربَّ العالمين، وإِذا قال ربُّ العالمين فهو على قولك: هو ربُّ العالمين: قال الشاعر:
وكل قوم أطاعوا أمْرَ مُرْشِدهم. . . إِلا نُمَيرا أطاعتْ أمر غَاوِيهَا
الطاعِنِينَ ولما يُظْعِنُوا أحَداً. . . والقائِلِينَ لِمنْ دارٌ نخَلِّيهَا
فيجِوز أن يُنْصب " الظأعنين " على ضربين: على إنَّه تابع نُميْرا، وعلى
الذمِ، كأنَّه قال: أذْكُر الظاعِنِينَ، ولك أَن تَرْفَعَ تريدُ هم الظاعنون، وكذلك لك في " الْقَائِلينَ " النصبُ والرفعُ، ولك أنْ ترفَعهُما جميعاً، ولك أنْ تنْصِبهما جمِيعاً، ولك أن ترفَع الأول وتنصب الثانِي، ولك أن تنْصِبَ الأولَ وترفَعَ الثاني. لا خلاف بين النحويين فيما وَصَفْنا.
стр. 8
سورة الفاتحة
ومن سورة الحمد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)
(معنى الْحمْد الشُّكْرُ والثناءُ على الله تعالى. .
الحمدُ رفع بالابتداءِ، وقوله: (لِلَّهِ) إِخباز عَنِ الْحمْدِ والاختيارُ في
الكلَامِ الرفْعُ، فَأمَّا القُرآنُ فلا يُقْرأ فِيه (الحمدُ) إِلا بالرفع، لأن السُّنة تتبع فِي القرآن، ولَا يُلْتَفَتُ فِيَه إِلى غَير الرِّوايةِ الصحِيحَةِ التي قدْ قرأ بها القُراءُ
المشْهُورُونَْ بالضَبطِ والثِّقةِ، والرفعُ القَرَاءَةُ، ويجوز ُ في الكلام أن تقول
" الحَمْدَ " تريد أحْمَد الله الْحَمْدَ فاستغنيْت عن ذِكْرِ " أحْمَد " لأن حَالَ
الحَمدُ يجب أن يكونَ عليها الْخَلْقُ، إلا أنَّ الرفْعَ أحْسَنُ وأبلغ في الثناءِ على
الله .
وقد رُوي عن قوم من العرب: " الحمدَ لله " و " الحمدِ للَّهِ "، وهذه لغة
من لا يُلْتَفَتُ إِليه ولا يتشاغل بالرواية عنه.
وإِنَما تشاغلْنَا نحنُ بِرِواية هذا الحرف لِنُحَذِّرَ الناس من أنْ يَسْتعْمِلُوه،
стр. 9
أوْ يَظن - جاهل أنه يجوز ُ في كِتاب الله ، أو فِي كَلَامٍ، وَلَمْ يأتِ لهذَا نظير في كَلام العَرب. ولا وَجْه لَه.
* * *
وقوله : (رَبِّ الْعَالَمِينَ)
قد فسرنا أنه لا يجوز ُ في القرآن إِلا (رَبِّ الْعَالَمِينَ الرحمَنِ الرحيمِ)
وَإِنْ كان المرفع والنصب جائزين " في الكلام، ولا يتخَير لكتاب
الله إلا اللفظ الأفْضل الأجْزَل.
* * *
وقوله : (العالمين) معناه كلُ مَا خلق اللَّه، كَمَا قَال؛
(وَهوَ ربُّ كل شيءٍ) وَهُوَ جَمْع عَالَم، تَقول: هُؤلاءِ عَالَمونَ، ورأيتُ عالَمِين، ولا واحدَ لعَالَمٍ منْ لَفْظه لأن عالَماً جمع لأشياء مختلفة، وأنْ جُعل
" عَالَم " لواحد منها صار جمعاً لأشْياء مُتَفِقَة.
والنُونُ فُتِحَت في العَالمين لأنَّها نُونُ الْجَمَاعَة وزعم سيبويه أنَّها
فتحت ليفرق بينَها وبينَ نون الِإثْنين، تقول: هذان عالمانِ، يا هذا، فتكسر
نونَ الِإثنين لالتقاء السَّاكنين، وهذا يُشْرح في موضِعه إِنْ شاءَ اللَّه، وكذلك
نون الجماعة فتحت لالتقاء السَّاكنين، ولم تكسر لثقل الكسرة بعد الواو والياء ألا ترى أنك تقول " سَوْفَ " أفعل فتفتح الفَاءَ من " سوْف " لالتقاء السَّاكنين، ولم تَكْسِر لثقل الكسرة بعد الواو وكذلك تقول: أيْنَ زيد فتفتح النون لالتقاء السَّاكنين بعد الياءِ.
* * *
وقوله : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)
القراءَة الخفض على مجرِى الحمدُ للَّهِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
وإِنْ نصب - في
стр. 10
الكلام - على ما نُصِب عليه (رب العالمين والرحْمنِ الرحِيم)
جازَ في الكلام.
فأما في الْقراءَةِ فلا أسْتحْسِنه فيها، وقَدْ يجوز أنْ تنْصِب رب العالمين ومالك يومِ الدِّين على النداءِ في الكَلام كما تقول: الحمدُ للَّهِ يا ربَّ العَالمين، " ويا
مَالكَ يَوْمِ الدِّين "
كأنك. بعد أن قُلْت.: " الحمدُ للهِ " قلت لك الْحْمدُ يا ربَّ
العالمين ويا مالك يوم الدين.
وقُرِئ (مَلِكِ يَوْمَ الدِّين، ومَالِكِ يَوْمَ الدِّين).
وإنما خُصَّ يومُ الدِّين واللَّه يَملك كل شَيءٍ لأنه اليومُ الذي
يضْطَر فيه الْمخلوقونَ إلى أنْ يعْرِفُوا أن الأمْر كلَّه للَّهِ، ألا تراه يقولُ:
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) وقوله: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً)
فهو اليوم الذي لا يملك فيه أحد لنفسه ولا لغيره نَفْعاً ولا ضَرَاً.
ومن قرأ (مَالِك يَوْم الدِّين) فعلى قوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ).
وهو بمنزلة مَنِ الْمَالكُ الْيوْم.
ومن قرأ (مَلِكِ يَوْم الدِّين)
فعلى معنى " ذُو الْمَمْلَكَةِ " في يوم الدين، وقيل إنها قراءَة النبي ﷺ .
* * *
وقوله : (يَوْم الدِّين).
الدين في اللغة الجزاءُ، يقال: كما تَدِين تُدَان، المعنى كما تعمل تُعْطى.
وتُجَازىَ، قال الشاعر:
стр. 11
واعلم وأيْقن أن مُلككَ زائل. . . واعلم بأن كما تدِينُ تُدَانُ
أي تجازى بما تعمل، والدِّينُ أيضاً في اللغة العَادَة، تقولُ العربُ ما
زَال ذلك دِيني، أي عَادَتي.
قال الشاعر:
تقول إذا دَرَاتُ لها وضيني. . . أهذا دِينه أبداً ودِينِي
* * *
وقوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
معنى العبادة في اللغة الطاعةُ مع الخُضُوع، يقال هذا طَرِيق مُعّبد إذا
كان مُذللاً بكثْرةِ الوَطءِ، وبعير معبَّدُ، إِذا كانَ مَطْلِيًّا بِالْقَطْرَانِ.
فمعنى (إِياك نًعْبُدُ): إِياك نطيع الطاعة التي - نَخضَع مَعها، وموْضِع
(إِيَّاكَ) نصبُ بوقوع الفعل عليه وموْضع الكاف في (إِيَّاكَ) خفض بإضافة
" إِيَّا " إليها، و " إِيَّا " اسم للمُضْمَر المنصوب إِلا أنهُ يُضاف إلى - سَائِر المضَمَراتِ، نحو: إيَّاكَ ضَربْت وإياه ضربت، وإياي حدَّثْت، ولو قُلتَ: " إيا زَيدٍ " كان قبيحاً لأْنه خُص به الْمُضْمَر.
وقد رُوِي عن بعضِ العَرَب، رواه الخليل: (إِذا بَلَغَ الرجُل الستين
فإياه وإيَّا الشوابَّ ".
стр. 12
ومن قال إن إياك بكماله الاسمُ، قيل له: لم نر اسما للمضمر ولا
للمظهر يُضَاف وإنَّما يتغيرُ آخرُهُ ويبْقى ما قَبْل آخرِهِ على لفظٍ واحد.
والدَّلِيل على إضافته قولُ العرب: " إِذَا بَلغَ الرجُلُ الستِينَ فإياه وإيا الشَواب " يا هَذَا. وإِجراؤُهم الهاءَ في إيَاهُ مَجْرَاها في عصاه.
* * *
وقوله : (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
الأصل في نستعين: نَسْتَعْوِن لأنهُ إنما معناه من الْمَعُونَةِ والعَوْن.
ولكن الواو قُلِبَتْ ياءً لِثِقَل الكَسْرةِ فيها، ونُقِلَتْ كَسْرَتُهَا إلى العين، وبقيَتْ الياءٌ سَاكِنَة، لأنَّ هذا مِنَ الإعْلالِ الذي يَتْبَع بعضُه بعْضاً نَحو أعان يُعِينَ وَأقَامَ يُقِيمُ، وهذا يُشْرَحُ في مَكانِه شَرْحاً مُسْتَقْصًى إنْ شَاءَ اللَّه.
**
قوله : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)
معناه المنهاج الواضح قال الشاعر:
أميرُ المؤْمنين على صراط. . . إذا اعوج المناهج مستقيم
أي على طريق واضح.
ومعنى (اهْدِنَا وهم مهتدون: ثَبِّتْنا على الْهُدَى.
كما تقول للرجل القائم: قم لي حتى أعود إليك.
تعني: أثبت لي على ما أنت عليه.
стр. 13
وقوله : (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)
صفة لقوله : (الصراط المستقيم)، ولك في عليهم ضَم الهاءِ
وكسرُها (تقول: الذين أنعمت عليهِمْ وعليهُمْ) وعلي هاتين اللغتين معظم
القُراءِ، ويجوز عليهمو (بالواو) والأصل في هذه - الهَاءُ في قولك: ضربتهو
يا فَتى - ومررت بِهُو يا فتى - أنْ يتَكَلم بهَا في الوَصْل بواو، فإذا وَقَفْتَ
لخط: ضَربْتُه ومررتُ به.
وزعم سيبويه أن الواو زِيدَتْ على الهاءِ في الْمُذَكَرِ كما زيدت الألِف
في المَؤنث في قولك: ضَرَبْتُهَا ومررتُ بِهَا، ليَسْتَوي المذكرُ والمؤَنَثُ في باب
الزَيَادَةِ.
والقولُ في هذه الواو عند أصحاب سيبويه والخليل أنها إِنما زيدتْ
لخفاءِ الهاءِ وذلك أنَّ الهاءَ تَخْرجُ منْ أقْصَى الحَلْقِ، والوَاوُ بعدَ الهاءِ أخْرَجَتْها
منَ الْخَفَاءِ إلى الإبَانة، فلهذا زِيدَتْ، وتسقط في الوَقْف، كما تَسْقُط الصفةُ
والكسرةُ في قولك: أتَانِي زَيْد، ومرَرْتُ بزيد، إفي أنَّها وأو وَصْل فلَا تَثْبتُ
لئلا يلتبس الوصل - بالأصل.
فإذا قلت: مررت -، بهُو - يا فتى - فَإنْ شِثْتَ قُلْت:
مرَرْتُ بِهي فقلَبْتُ الواو ياءً لأن ْكِسار ما قَبْلَهَا، أعني اليَاءَ المنكَسرَةَ فإن قال
قائل: بين الكسرة والواو الهاكل، قيل الهاءُ ليست بحاجز حصين، فكأن الكسرةَ تَلِي - الوَاوَ، ولوْ كانَتْ الهاءُ حاجزاً حَصِينا ما زيدتْ الواوُ عليها. وقد قُرِئ فَخَسَفْنَا بهي وبِدَارِهِي الأرْضَ، وبهوُ وبدارِهو الأرضَ، من قراءَة أهلِ الحجاز.
فَإِنْ قُلْت: فلانٌ عليه مال، فَلك فيه أرْبَعَةُ أوجُه: إن شِثْتَ كَسَرْتَ
стр. 14
الهاءَ وإنْ شِئْتَ أثْبَت اليَاءَ، وكذلك. في الضم إنْ شِئت ضمَمْتَ الهاء وإنْ
شِئْتَ أثْبَتُّ الوَاو، فقلت عَلَيْهِ وعليهي، وعليْهُ وعَلَيْهُو (مَال).
وأما قوله : (إن تحمل عليه يلهث).
وقوله: (إلا ما دمت عليه قائماً) فالقراءَة بالكسر بغير ياءٍ في " عليه" وهي
أجود هذه الأربعة ولا ينبغي أن يقرأ بما يجوز إلا أن تثبت به رواية صحيحة أو
يقرأ به كثير من القراءِ، فمن قال عليهُ مال (بالضم) فالأصل فيه عليهو مال، ولكن حَذَفَ الواوَ لسكونها وسكون الياءِ واجتماعِ ثَلَاثَةِ أحْرفٍ مُتَجَانسَة، وترك الضمة لتدل على الواو، ومن قال عليهُو فإنما أثبت الواو على الأصل، ويجعل الهاءَ حاجزاً، وهذا أضعف الوجوه لأن الهاءَ ليست بحاجز حصين، ومن قال: عَلَيْهِ مالا فإنما قدر عليهي مال فقلب الواو ياءً للياءِ التي قبلها، ثم حذف الياء لسكونها وسكون الياءِ التي قبلها، " كما قلبت الواو في قوله: مررت به يا فتى.
ومن قال: عليهي مال فالحُجةُ في إثْبات الياءِ كالحجة في إثبات الواو ألا
ترى أن عليهي مال أجودُ من عليهو مال.
وأجود اللغات ما في القرآن وهو قوله عَلَيْهِ (قَائماً) والذي يليه في الجودة
عليهُ مال بالضمِ، ثم يلي (هذا) عليهي مال ثم عليهو مال بإثبات الواو، -
وهي أردأُ الأرْبَعَة.
فَأما قولهم (عَلَيْهُمْ) فأصل الهاءِ فيما وصفنا أنْ تكونَ معها ضمة، إلا أن
الوَاوَ قد سَقطت، وإنما تُكْسر الهاءُ للياءِ التِي قَبْلَهَا، وإنَّمَا يكُونُ ما قَبْلَ مِيم
стр. 15
الإضْمَارِ مضْمُوماً، فَإِنمَا أتَتْ هذه الضمةُ لميم الإضْمَار، وقُلِبَت كسرةً
للياءِ.
وإنَّما كثر " عَلَيْهِمْ " في القرآن (وعليهُم) ولم يكثر (عليهِمي)
و (عليهُمُو) لأنَّ الضمة التي على الهاءِ من " عليهم " للميم، فهي أقوى
في الثبوت، إلا تَرى أن هذه الضمة تأتي على الْميم في كل ما - لحقته الميم.
نحو عليكمْ، وبكُمْ، ومنكُمْ، ولا يجوز في علِيكُمْ: " عَليكِم " (بكسر
الكاف) لأن الكافَ حاجز حصينٌ بين الياءِ والميم، فلا تُقْلَبْ كَسْرةً، وقد
روي عن بَعْضِ العرب: (عَليكِمْ) و " بِكمْ " (بكسر الكاف).
ولا يلتفت إلى هذه الرواية، وأنشدوا.
وإنْ قال مولاهم على جُل حادثٍ. . . من الدهر ردوا بَعْضَ أحلَامِكُمْ ردوا
(بكسر الكاف) وهذه لغة شاذة، والرواية الصحيحة: فضل
أحلامكُم، وعلى الشذوذ أنشد ذلك سيبويه.
فَامَّا " عليهمو " فاصل الجمع أن يكون بواو، ولكن الميم استغنى بها عن
الواو، والواوُ تثقل على ألسِنَتَهم، حتى إنه ليس في أسمائهم اسم آخره واو
стр. 16
قبلها حركة، فَلِذلك حُذِفَتِ الواو، فأمَّا مَن قرأ " عَلَيْهُمُوا ولا الضالين " فقليل.
ولا ينبغي أن يقرأ إلا بالكثير وإِن كان قد قرأ به قوم فإنه أقل من الحذف
بكثير في لُغَة العرب.
* * *
وقوله : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ).
فيخفض (غَيْر) على وجهين، على البَدلِ منَ الذين كأنَّهُ قال: صراط
غَيْرِ المغضُوبِ عليهم، ويستقيم أن يكون (غَيْرِ المغْضُوبِ عليهم) من صفة
الذين، وإن كان (غير) أصله أن يكونَ في الكلام صفة للنكرة، تقول:
مررت برجل غيرِك، فغيرك صفة لرَجل، كأنك قلت: مررتُ برجل آخر.
ويصلح أن يكون معناه: مررت برجُل ليس بك وإنما وقع ههنا صفةً للذين.
لأن " الذين " ههنا ليس بمقصود قصدُهم فهو بمنزلة قولك: " إني لأمُرُّ
بالرجُلَ مِثْلك فأكرمه).
ويجوز نصب (غير) على ضربين: على الحال وعلى الاستثناءِ فكأنك
قلت: إِلا المغْضُوبَ عليهم، وحق غير من الإعراب في الاستثناءِ النصب
إِذا كان ما بعد إِلا مَنْصوباً، فأما الحال فكأنك قُلْتَ فيها: صراط الذين
أنعمْت عليهم لا مغْضوباً عليهم.
* * *
وقوله : (ولَا الضالِّينَ).
стр. 17
فإنما عَطفَ بالضالين على المغْضوب عليهم، وِإنما جاز أنْ يقع (لا)
في قوله تعالى: (ولا الضالين) لأن معنى (غَيْر) متضَمن معنى النفي، يجيز
النحويون: أنت زيداً غير ضَارب، لأنه بمنزلة قولك أنت زيداً لاَ تضْرِبُ، ولا يجيزون أنتَ زيداً مثل ضارب، لأن زيداً من صلة ضارب فلا يَتقَدم عليه.
وقول القائلين بعد الفَراغ من الحَمْد، ومن الدعاءِ " آمِين " فيه لغتان.
تقول العرب: أمين، وآمين، قال الشاعر:
تباعد عني فطْحُل إِذْ دَعوته. . . أمينَ فزاد اللَّه ما بيننا بعدا
وقال الشاعر أيضاً:
يا رَبِّ لا تسلبنَي حبّها أبداً. . . ويرحم اللَّهُ عبداً قال آمينا
ومعناه: اللهم استجب، وهما موضوعان في موضع اسم الاستجابة كما
أن " قولنا: (صه) موضوع موضع سكوتاً.
وحقهما من الإعراب الوقف لأنهما بمنزلة الأصوات إذْ كانا غير
مشْتقين منْ فعل إِلا أن النون فتحت فيهما لالتقاءِ السَّاكنين، فإِن قَال قائل: إلا كسِرت النُون لالتقاءِ السَّاكنين، قيل: الكسرة تَثْقُل بعدَ الياءِ، ألا تَرى أن أيْن، وكيف فتحتا لالتقاءِ السَّاكنين ولم تُكْسَرا لِثِقَلِ الكسرةِ بعدَ الياءِ.
стр. 18
سورة البقرة
ومن سورة البقرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله ﵎: (الم (١)
زعم أبو عبيدة معمرُ بنُ المثنى أنَّها حُروفُ الهجاءِ افْتتاح كلام.
وكذلك؛ (المر)، و (المص)، وزعم أبو الحسن الأخْفش أنَّها افتتاح كلام
ودليل ذلك أن الكلام الذي ذُكِرَ قَبلَ السورَةِ قَد تَم.
وزعم قطرب أن: (الم) و (المص) و (المر) و (كهيعص) و (ق)،
стр. 19
و (يس) و (نون)، حروف المعجم ذكرت لتدل على أن هذا القرآن مؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي حروف أ. ب. ت. ث.
فجاءَ بعضها مقطًعاً وجاءَ تمامها مُؤَلفاً ليدل القوم الذين نزل عليهم القرآن أنه بحروفهم التي يعقلونها لا ريب فيه.
ويروى عن الشعبي أنه قال: لِلَّهِ في كُل كتابٍ سِر وسره في القرآن
حروف الهجاءِ المذكورة في أوائل السورِ.
ويروى عن ابن عباس ثلاثةُ أوجه في (الم) وما أشبهها، فوجه منها أنه
قال: أقسم اللَّهُ بهذه الحروف أن هذا الكتاب الَّذِي أنزل على محمد ﷺ هو الكتاب الذي عنده، لا شك فيه، والقول الثاني عنه أن: (الر)، (وحم)، و (نون)، اسم للرحمن مقطًع في اللفظ موصُول في المعنى.
والثالث عنه أنَّه قال: (الم) معناه أنا اللَّه أعلم، و (الر) معناه أنا الله أرى،
стр. 20
و (المص) معناه أنا الله أعلم وأفصل و (المر) معناه أنا الله أعلم وأرى.
فهذا جميع ما انتهى إِلينا من قول أهل اللغة والنحويين في معنى
(الم) وجميع ما انتهى إلينا من أهل العلم بالتفسير.
ونقول في إعراب (الم) و (الر) و (كهيعص) وما أشبه هذه
الحروف.
هذا باب التهجي.
стр. 21
(هذا باب حروف التهجي)
وهي: الألف والباءُ والتاءُ والثاءُ وسائر ما في القرآن منها.
فإجْماع النحويين أن هذه الحُروف مَبْنِية على الوقف لا تعرب ومعنى
قولنا " مبنية على الوقف " أنك تُقَدرُ أنْ تسكت على كل حرف منها، فالنطق: ألف، لام، ميم، ذلك.
والدليل على أنك تقدر السكت عليها جمعك بين
ساكنين في قولك (لام) وفي قولك (ميم).
والدَّليل على أن حروف الهجاءَ مَبْنيَّة على السكت كما بني العدَدُ على السكْت: أنَك تقول فيها بالوقف مع
الجمع بين ساكنين، كما تقول إذا عددت واحدْ. اثنانْ. ثَلاثَهْ. أربعهْ. . .
ولولا أنك تقدر السكت لقلت: ثلاثةً، بالتاءِ كما تقول: ثلاثاً يا هذَا. فتصير الهاءَ تاءً مع التنوين واتصال الكلام.
وحقها من الإعراب أن تكون سواكن الأواخر، زَعم سيبويه أنك أردْتَ أنَ
المعجمَ حروف يُحْكى بها ما فِي الأسْماءِ المَؤلفَةِ من الحروف فجرى
стр. 22
مجرى ما يحكى به نحو (غاق)، وغاق يا فتى، إنما حكى صوت الغُراب.
والدليل أيْضاً على أنها مَوْقُوفَة قولُ الشاعر:
أقْبَلْتُ من عند زيادكالخَرِف. . . تخطُّ رجْلاي بخَط مخْتَلف
تَكَتبَانِ في الطريق لَامَ ألِفْ
كأنه قال: لامْ ألِفْ، بسكون " لام " ولكنه ألقى حركة همزة " ألف "
على الميم ففتحها.
قال أبو إسحاق: وشرح هذه الحروف وتفسيرها أنها ليست تجري مجرى
الأسماءِ الْمُتمكنَة، والأفعال المضَارِعة التي يجب لها الإعرابُ وإنما هي
تقطيِع الاسم المَؤلف الذي لا يجب الإعراب فيه ألا مع كماله، فقولك
" جَعْفر " لا يجب أن تُعْرَبَ منه الجيمَ ولا الْعَيْنَ ولا الفَاءَ ولا الراءَ، دون
تكميل الاسم، فإنما هي حكايات وُضِعَتْ على هذه الحروف، فإن أجريتها
مَجْرى الأسماءِ وحدثت عنها قلت: هذه كاف حسنة، وهذا كاف حسنٌ.
وكذلك سائر حُرُوف الْمُعجَم، فمنْ قال هذه كاف أنثَ لمعْنى الْكَلِمَةِ، ومن
ذكر فلمعنى الحرف، والإعرابُ وقع فيها لأنك تخرجها من باب الحكاية.
قال الشاعر:
كافاً ومِيمين وسيناً طَاسِماً
стр. 23
وقال أيضاً:
كما بينت كاف تَلُوح ومِيمُها
ذكرَ طَاسِماً لأنه جَعله صفةً للسين، وجعل السين في معنى الحرف وقال
تلوح، فأنث الكاف، ذهبَ بها مذهب الكلمة، قال الشاعر يهجو النحويين، وهو يَزيدُ بن الحكم.
إذا اجتمعوا على ألف وواو. . . وياءٍ لاح بينهمو جدال
فأما إعرابُ (أبِي جَادٍ) و (هَوَزٍ) و (حُطي)، فزعم سيبويه أن هذه
مَعْروفاتُ الاشتقاق في كلام العرب، وهي مَصْروفة، تقول: علمْتُ أبَا جادٍ
وانتفعتُ بأبي جاد، وكذلك (هوز) تقول: نفعني (هوز)، وانْتَفَعْتُ بهوَزٍ.
(وكذلك حُطي)، (وَهُن) مصْروفات منوَّنَات.
فأما (كلمون) و (سَعْفَص) و (قُرَيْشِيَات)، فأعْجَمِيات تقول: هذه كَلَمْونَ - يا هذا - وتعلمت كَلَمُونَ وانتفَعْتُ بكلمون، وكذلك (سعفص).
فَأما قُرَيْشِيَات فاسْم للجَمْع مصروفة بسبب الألف والتاء تقول: هَذه
стр. 24
قرَيْشِيَات - يا هذا وَعَجبْتُ مِنْ قُريْشِيات (يا هذا).
ولقطرب قول آخر في (الم): زعم أنه يجوز: لما لغا القومُ في القرآن
فلم يتفهموه حين قالوا (لاَ تَسْمَعُوا لهذا القرآن والغَوْا فِيه) أنْزِلَ ذكرُ هذه
الحروف، فسكتوا لمَّا سمعوا الحروف - طمعاً في الظفر بمَا يحبون ليفهموا
- بعد الحروف - القرآن وما فيه، فتكون الحجة عليهم أثبت إذا جحدوا بعد تفهم وتعلم.
قال أبو إسحاق: والذي اختاره من هذه الأقوال التي قيلت في قوله
: (الم) بعض ما يروى عن ابن عباسٍ رحمة اللَّه عليه.
وهو أن المعنى: (الم) أنا اللَّه أعلم، وأن كل حرف منها له تفسيره.
والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو منها.
قال الشاعر:
قلنا لها قفي قَالَتْ قافْ. . . لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينَا الإيجَاف
فنطق بقاف فقط، يريد قالت أقف.
وقال الشاعر أيضاً:
نَادَوْهمو أنِ الْجِمُوا ألَاتا. . . قالوا جميعاً كلهم ألَا فَا
стр. 25
تفسيره: نادوهموا أن الجمُوا، ألا تركبون، قالوا جميعاً: ألا فارْكبوا.
فإنما نطق بتاءٍ وفاءٍ كما نطق الأول بقَافِ.
وأنشد بعض أهل اللغَةِ للقيم بن سَعْد بن مالك:
إنْ شئْتَ أشْرَفْناكلانا فدعا. . . اللَّهَ ربا جُهْدَه فاسْمَعَا
بالخير خيرات وإنْ شَرا فآى. . . ولا أريد الشر إلا أن تآءَ
وأنشد النحويون:
بالخير خيرات وإن شرا فا. . . ولا أريد الشر إلا إن تَا
يريدون: إن شَرا فَشَر، ولا أريد الشر إلا أن تَشَاء.
أنشد جميع البصريين ذلك
فهذا الذي أختاره في هذه الحروف واللَّه أعلم بحقيقتها.
فأما (ص) فقرأ الحسن: صادِ والقرآن، فكسر الدال، فقال أهل
стр. 26
اللغة: معناه صاد القرآن بعملك، أي تَعَمَّدْهُ، وسقطت الياءُ للأمر ويجوز أن
تكون كسرت الدال لالتقاءِ السَّاكنين إذَا نَويتَ الوصلَ.
وكذلك قرأ عبد الله بن أبي إِسحاق: " صادِ والقرآن "، وقرأ أيضاً " قافِ والقرآن المجيد).
فالكسرُ فى مذهب بن أبي إسحاق لالتقاءِ السَّاكنين.
وقَرأ عيسى بن عمر: " صادَ والقرآنِ " - بفتح الدّال - وكذلك قرأ
"نونَ والقلم " و " قافَ والقرآنِ " - بالفَتح أيضاً - لالتقاءِ السَّاكنين.
قال سيبويه: إذَا نَاديتَ أسْحار والأسْحَارُّ اسمُ نَبْتٍ - مشدد الراءِ - قلت في ترخيمه: يا أسْحار أقْبل، ففتَحْتَ لالتقاءِ الساكِنين كما اخْتَرتَ الفتحَ في قولك عضَّ يا فتى فاتباع الفتحةِ الفَتْحُةَ كاتباع الألفِ الفَتْحَةَ ويجوز: يا أسحار أقْبِل، فتَكْسِر لالتقاء الساكنَيْن.
وقال أبو الحسن الأخفش: يجوز أن يكون صادَ وقافَ، ونونَ أسماءً
للسور منصوبةً إلا أنها لا تُصْرف كما لا تصرف جملة أسْماءِ المؤَنث.
والقولُ الأول أعني التقاءَ السَّاكنين، والفتحَ والكسر من أجل الْتقائها أقيسُ، لأنه يزعم أنه ينْصب هذه الأشياء كأنه قال: أذكر صادَ).
وكذلك يجيز في (حم)،
стр. 27
و " طس "، النصبَ و " ياسين " أيضاً على أنها أسماءٌ للسور.
ولوكان قرئ بها لكان وجهُه الفتحَ لالتقاءِ السَّاكنين.
فأما (كهيعص) " فلا تُبينُ فيها، النون مع الصاد في القراءَة
وكذلك (حم عسق) لا تبين فيها، النون مع السين.
قال الأخفش وغيره من النحويين: لم تبَين النون لقرب مخرجها من
السين والضادِ.
فأما " نُونْ والقَلم " فالقراءَة فيها تَبْيين النون مع الواو التي في " والقلم ".
وبترك التبيين.
إِنْ شئتَ بينْتَ وإِن شئْتَ لَمْ تُبيِّنْ، فقلت " نُونْ والقَلم "
لأن النون بعدت قليلاً عن الواو.
وأما قوله (المَ) اللَّه ففي فتح الميم قولان أحدهُما لِجماعة من
النحويين وهو أن هذه الحروف مبنية على الوقف فيجب بعدها قطع ألف
الوصل فيكون الأصل: أ. ل. م. اللَّهُ لا إِله إِلا هو.
ثمً طرِحتْ فَتْحةُ الهمزَةِ على الميم، وسقطت الهمزة كما تقول: واحدْ إثْنَان، وإن شئت قلت: واحدِ اثْنَان فألقَيْتَ كسرة اثنين على الدال.
وقال قوم من النحويين لا يسوغ في اللفظ أن ينطق بثلاثة أحرف سواكنَ
فلا بد من فتحة الميم في ألم اللَّه لالتقاءِ السَّاكنين (يعني الميم واللام والتي
بعدها).
وهذا القول صحيح لا يمكن في اللفظ غيره.
стр. 28
فأمَّا من زعم أنه إِنما ألقي حركةَ الهمزة فيجب أن يقرأ (الم اللَّه).
وهذا لا أعلم اجداً قرأ به إلا ما ذُكر عن الرؤَاسي، فائا من رواه عن
عاصم فليس بصحيح الرواية.
وقال بعض النحويين لو كانت محركة للالتقاءِ السَّاكنين لكانث مكسورة.
وهذا غلط لو فعلنا في التقاءِ السَّاكنين إذا كان الأول منهما ياءً لوجب أن
تقول: كيفِ زَيد واين زيد وهذا لا يجوز، وإنما وقع الفتح لثقل الكسرة بعد
الياء). .
* * *
وقوله : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)
زعم الأخفش وأبو عبيدة أن معناه هذا الكتاب قال الشاعر.
أقول له والرمح يأطر متنه. . . تامَّلْ خُفَافاً إنني أنا ذَلكا
стр. 29
قال المعنى إنني أنا هذا.
وقال غيرهما من النحويين: إِن معناه القرآن
ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى - صلى الله عليهما وسلم -
ودليل ذلك قوله تعالى: (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ)
وكذلك قوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦).
فالمعنى هذا ذلك الكتاب.
ويجوز أن يكون قوله " (الم ذَلَكَ الْكِتَابُ) فيقال " ذلك " للشيءِ الذي
قد جرى ذكره، فإن شئتَ قلت فيه " هذا "
وإنْ شِئتَ قلت فيه " ذلك "، كقولك
انفقت ثلاثة وثلاثة فذلك ستة وإن شئت قلت هذا ستة.
أو كقوله في قصة فرعون: (فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥).
ثم قال بعد ذلك: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦).
وقال في موضع آخر: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)
ثم قال: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦).
وقال (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) فقال (ذلك) فجائز - أن المعنى: تلك علامات الكتاب، أي القرآن متكلم به بحروف العرب التي نعقلها على ما وصفنا في شرح حروف الهجاءِ.
وموضع (ذلك) رفع لأنه خبر ابتداءٍ على أقول، من قال هذا القرآن ذلك
стр. 30
الكتاب. والكتاب رفع يسميه النحويون عطف البيان نحو قولك:
هذا الرجل أخوك فالرجل عطف البيان أي يبين من الذي أشرت إليه، والاسم من ذلك " ذا " والكاف زيدت للمخاطبة ولاحظ لها في الإعراب
قال سيبويه: لو كان لها حظ في الإعراب لقلت: " ذاك نفْسِه زيد، وهذا خطأ - لا يجوز إلا (هذاك نَفْسُه زيد).
(ولذلك " ذانك " يشهد أن الكاف لا موضع لها. لو كان لها موضع
لكان جرا بالإِضافة، والنون لا تدخل مع الإضافة).
واللام تزاد مع ذلك للتوكيد، أعني توكيد الاسم لأنها إذا زيدت
أسقطت معها " ها). تقول: ذلك الحق وذاك الحق، وها ذاك الحق.
ويقبح هذلك الحق لأن اللام قد أكدت معنى الإشارة.
وكسرت اللام للالتقاء السَّاكنين، أعني الألف من ذا واللام التي بعدها، وكان ينبغي أن تكون ساكنة ولكنها كسرتَ لما قلناه.
وكذلك يجب أن يكون موضع ذلك رفعاً فيمن جعل ذلك خبراً عن (الم).
* * *
وقوله : (لَا رَيْبَ فِيهِ)
معناه لا شك فيه تقول: رابني فلان إذا علمت الريبَة فيه وأرابني إذا
أوهمني الريبة قال الشاعر.
стр. 31
أخوك الذي إنْ ربتَه قال إنما. . . أرَبتُ وإنْ عاتبته لأن َ جانبه
وموضع (لا ريب) نصب، قال سيبويه: " لا " تعملُ فيما بعدها فتنصبه
ونصبها لما بعدها كنصب إن لمَا بعدها إلا أنها تنصبه - بغير تنوين وزعم أنها
مع ماب عدها بمنزلة شيءٍ واحد.
كأنها جواب قول القائل: هل من رجل في الدار، فمن غير منفصلة من
رجل، فإنْ قال قائل فما أنكرت أن يكلون جواب هل رجلَ في الدار؟
قيل: معنى " لا رجل في الدار " عموم النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل ولا أكثر منه من الرجال إذا قلت: " لا رجل في الدار ".
فكذلك " هل مِنْ رجل في الدار " استفهام عنِ الواحد وأكثر منه، فإذا قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رَجُل في الدار)
جاز أن يكون في الدار رجلان لأنك إنما أخبَرْتَ أنه ليس فيها
واحد فيجوز أن يكون فيها أكثر، فإذا قلت: لا رجُلَ في الدار فهو نفي عام
وكذلك (لَا رَيبَ فِيهِ).
وفي قوله (فيه) أربعةُ أوجه: - القراءَةُ منها على وجه واحد ولا ينبغي أنْ
يُتَجاوَزَ إلى غَيْره وهو (فيهِ هُدى) بكسر الهاءِ
(ويجوز في الكلام وفي القراءة لو كان. قرئ به) (فيهي هدى) بإثبات الواو، و " فيهي هدي). بإثبات الياءِ.
وقد شرحنا هذه الأوجه في إعراب الحمد.
стр. 32
فأما قِرَاءَةُ (فيهْ هُدى) بإدغام الهاءَ في الهاء فهو ثقيل في اللفظ، وهو
جائز في القياس لأن الحرفين من جنس واحد إلا أنه يثقل في اللفظ لأن
حروف الحلق ليست بأصل في الإدغام والحرفان من كلمتين، وحكى
الأخفش أنها قِراءَة (١).
وموضع (هدَى) نصب، ومعتاه. بيان ونصبه من وجهين أحدُهُما أنْ
يكون مَنْصُوباً على الحال من قولك: القرآن ذلك الكتاب هدى ويجوز أن
يكون انتصب بقولك: (لا ريْبَ فيه) في حال هدايته فيكون حالاً من قولك
لا شك فيه هادياً، ويجوز أن يكون موضعُه رفعاً من جهات:
إحْدَاهَا أن يكون خبراً بعد خبرٍ كأنه قال: هذا ذلك الكتاب هدى، أي قَد جمع أنه الكتاب الذي وُعدوا به وأنه هدًى كما تقول: هذا حُلو حامض، تُرِيدُ أنه قد جَمع الطعْمَين ويجوز أن يكلون رفعه على إضمار هو.
كأنه لما تمَ الكلام فقيل: (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ)
قيل: هو هدى.
ويجوز أن يكون رفعه على قولك: (ذَلِكَ الْكَتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ)
كأنك قلت ذلك الكتابُ حَقُّا، لأن لا شك فيه بمعنى حق ثم قَال: بعد ذلك: (فِيهِ هُدًى لِلْمُتقِينَ).
وقوله : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
معناه يصدقون، وكل مْؤمِن بشيءٍ فهو مصدق به فإذا ذكرتَ مؤمناً ولم
تقل هو مؤْمن بكذا وكذا فهو الذي لا يصلح إلا في اللَّه ، وموضع (الذين) جر تبعاً للمتقين ويجوز أن يكون موضعُهُم رفعاً على المدح كأنَّه
стр. 33
لما قيل هدى للمتقين قيل مَنْ هُم فقيل: (الَّذِينَ يؤمِنُونَ بالْغَيْبِ).
ويجوز أن يكون موضع الذين نصبا على المدح أيضاً كأنه قيل اذكر الذين.
(والذين) لا يظهر فيهم الإعراب، تقول في النصب والرفع والجر:
أتاني الذين في الدار ورأيت الذين في الدار ومررت بالذين في الدار.
وكذلك الذي في الدار، وإنما منع الإعرابَ لأن الإعراب إنما يكونُ في آخر
الأسماءِ، والذي والذين مبهمان لا تتمان إلا بِصِلاتِهِمَا فلذلك مُنِعَتِ
الإعرابَ.
وأصل - الذي لَذٍ على وزن عَم فاعْلَمْ، كذلك قالَ الخليل وسيبويه
والأخفش وجميع من يوثق بعلمه.
فإن قال قائل: (فما بالك تقول: أتاني اللذان في الدار ورأيت اللذين في
الدار فتعرب كل ما لا يعرب في تثنيته نحو هذان وهذين وأنت لا تعرب هذا
ولا هؤُلاءِ؟
فالجواب في ذلك أن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف
الذي جاء لمعنى فإذا ثنيته فقد بطل شبه الحرف الذي جاءَ لمعنى لأن حروف
المعاني لا تثنى.
فإِنْ قَال قائِل فَلَمَ منعته الِإعراب في الجمع؟
قلت لأن الجمع الذي ليس على حد التثنية كالواحد، ألا ترى أنك قلت في جميع هذا هؤُلاء يا فتى فجعلته اسماً واحداً للجمع، وكذلك قولك الذين، إِنما هو اسم للجمع كما أن قولك سنين يا فتى اسم للجمع فبنَيتَه كما بنيْت الواحِد.
ومن جمع الذين على حد التثنية قال: جاءَني الذونَ في الدار، ورأيت الذين
стр. 34
في الدار.
وهذا لا ينبغي أنْ يقع لأن الجمع مستغنى فيه عن حد التثنية.
والتثنية ليس لها إلا ضرب واحد.
ومعنى قوله: (بالغَيْب): ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي ﷺ من أمر الغيب والنشور والقيامة وكل ما غاب عنهم مما أنبأهم به فهو غيب.
* * *
وقوله : (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ).
معناه يُتمُّونَ الصلاة كما قال: - (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)
وضمت الياءُ من يُؤمنون، ويقيمون، لأن كل ما كان على أربعة أحرف نحو أكْرَمَ وأحسَنَ وأقام وآمن فمُسْتَقبله: يُكرم، وُيحْسِنَ، ويؤمِنُ ويُقيمُ
(وإنما ضمت أوائل المستقبل ليفرق بيبن ذوات الثلاثة نحو ضرب، وبين ذوات الأربعة نحو دحرج).
فما كان على ثلاثة فهو ضرب يَضرب أو تَضرب أو نَضرب.
ففصل بالضمة بينهما فإن قال قائل: فهلا فصل بالكسرة؟
قيل الكسرة قد تدخل في نحو تعْلم وتبيَضُ ولأن الضمة مع الياءِ مستعملة، والكسرة لا تستعمل مع الياءِ.
فمن قال أنت تعْلم لم يقل هو يِعْلم، فوجب أن يكون
الفرق بينهما بالضمة لا غير.
- والأصل في يُقيم " يؤقْيِمُ " والأصل في يُكرمُ يؤَكرم ولكن الهمزة
стр. 35
حذفت لأن الضم دليل على ذوات الأربعة ولو ثبث لوجب أن تقول إذَا أنْبأت عن نَفْسِك: أنا أؤَقْوم وأنا أؤكرْم، فكانت تجتمع همزتانْ فاستثقلتا، فحذفت الهمزة التي هي فاءُ الفعل، وتِبع سائِرُ الفعل بابَ الهمزة فقلت أنت تُكرم ونحن نُكرم وهي تُكرم، كما أنَّ بابَ يَعِدُ حُذفتْ منه الواو لوقوعها بين ياء وكَسْرة. الأصل فيه " يَوْعِد " ثم حذفت في تَعد ونَعد وأعد.
* * *
وقوله : (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
معناه يصدِّقُون - قال : (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) - إلى قوله - (قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ).
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
* * *
وقوله : (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ)
إن شئت خففت الهمزة في (أُنْزِلَ) - وكذلك في قوله " أُلئِك " وهذه
لغة غير أهل الحجاز، فأما أهل الحجاز فيخففون الهمزة بين الواو والهمزة.
قال سيبويه: (إنما فعل بالهمزة ذلك دون سائر الحروف لأنها بَعدَ مخرجها
ولأنها نبْرة في الصدر. وهي أبعد الحروف مخرجاً، وأمَّا إِليْك وإليْهم.
وعَليْك وعَليْهِمْ، فالأصل في هذا " إلاك "؛ ْ وعَلَاك، وَإِلَاهُمْ وعَلاهم كما
تقول إلى زيد وعلى إخوتك، إلا أن الألف غيرتْ مع المضْمَر فأبْدِلت ياء
ليفصل بين الألف التي في آخر المتمكنه وبين الألف التي في أواخر غير
المتمكنه التي الإضافة لازمة لها، ألا ترى أن إلى وعَلَى ولدى لا تنْفرِد من
стр. 36
الإضافة، ولذلك قالت العرب في كلا في حال النصب والجر: رأيت كليهما، وكليكما، ومررت بكليهما وكليكما - ففصلت بين الِإضافة إلى المظهر
والمضمر لما كان كلا لا ينفرد ولا يكون كلاماً إِلا بالِإضافة.
* * *
وقوله : (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
موضع (أولئك) رفع بالابتداء، والخبر: (عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ).
إلا أن أُولَئِكَ لا يعرب لأنه اسم للِإشارة، وكسرت الهمزة فيه لالتقاءِ السَّاكنين.
وكذلك قوله (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، إلا أنَّ (هُمْ) دخلت فصلاً، وإن
شئت كانت تكريراً للاسم، كما تقول زيد هو العالمُ، فترفع زيداً بالابتداء.
وترفع (هو ابتداءً ثانياً، وترفع العالم خبراً " لهو "، والعالم خبراً لزيد.
فكذلك قوله أُولَئِكَ هم المفلحون) وإن شئت جعلت (هو) فصلاً وترفع
زيداً والعالم على الابتداءِ وخبره، والفصل هو الذي يسميه الكوفيون عماداً.
و" سيبويه " يقول إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم
نحو كان زيد هو العالم، وظنتت زيداً هو العالِمَ".
وقال سيبويه دخل الفصل في قوله : (. . تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا) وفي قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ) - وفي قوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ). وفي قوله: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ).
стр. 37
وما أشبه هذا مما ذكر الله .
وكذلك (لك) في الكلام في الابتداء والخبر، وفي قولك كان زيد هو
العالم ذكرُ هو، وأنت، وأنا. ونحن، دخلت إعْلاماً بأن الخبر مضمون وأن
الكلام لمْ يتم، وموضع دخولها إذا كان الخبر معرفة أو ما أشبه المعرفة.
وأن " هو " بمنزلة " ما " اللغْوِ في قوله :
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) فإنما دخول كا مؤَكدة.
* * *
وقوله : (المفْلحون).
يقال لكل من أصاب خيراً مفْلح -
وقال : (قَدْ أفلح المؤمنون) - وقال،: (قدْ أفْلح مَن زكَاها). والفلاح البقاء
قل لبيد بن ربيعة:
стр. 38
نحُل بلاداً كلها حُل قبْلنا. . . ونرجُو الفلاح بعد عادٍ وتبَّعا
أي نرجو البقاءَ.
وقال عبيد:
أفْلِح بما شئْت فَقَدْ يد. . . ركِ بالضعْف وقد يُخْدع الأريب
أي أصب خيراً بما شئت.
والفَلاح: الأكار، والفِلَاحَة صنَاعَتُه، وإنِما قيل له الفَلاح لأنه يَشُق الأرض ويقالَ فلحت الحديد إذا قطعته.
قال الشاعر:
قد علمت خيلك انِي الصَّحْصَحُ. . . إن الحَدِيد بالحديد يُفْلَح
ويقال للمكاري الفلاح، وإنما قيل له فلاح تشبيهاً بالأكار.
قال الشاعر
لها رطل تكيل الزيت فيه. . . وفَلاح يسُوق لهَا حِمَارا
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)
стр. 39
(إنَّ) تنصب الذين، وهي تنصب الأسماءَ وترفع الأخبار، ومعناها في
الكلام التوكيد، وهي آلة من آلات القسم، وإنَّما نصبت ورفعت لأنها تشبه
بالفعل، وشبهها به أنها لا تَلِي الأفعال ولا تعمَل فيها، وإنما يذكر بعدها
الاسم والخبر كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول إِلا أنه قُدم المفَعُولُ به
فيهَا ليفصل بين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظُ الفعل وبين ما يُشَبه به وليسَ لفظُه
لفظَ الفعل، وخبرها ههنا جملة الكلام، أعني قوله:
(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ).
وترفع سواء بالابتداء، وتقوم (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) مَقَامَْ الخبر كأنه
بمنزلة قولك سواء عليهم الإنذارُ وتركُه.
وسواءُ موضُوع موضعَ مُسْتَو، لأنك لا تقيم المصادر مقام أسماءِ الفاعلين إلا وتأويلها تأويل أسمائهم.
فأما دخول ألف الاستفهام ودخول أم التي للاستفهام والكلام خَبرٌ فإنَّمَا
وقع ذلك لمعنى التسوية والتسوية آلتها ألف الاستفهام وأم تقول: أزيد في
الدار أم عمرو، فإِنما دخلت الألف وأم لأن عِلْمَك قد استوى فيَ زَيد وعَمْرو.
وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة ولكنك أردت أن تبين لك الذي
علمت ويخلص لك علمه مز، غيره، فَلِهذا تقول: قد علمتُ أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تُسَوّي عند مغ تخبره العلمَ الذي قد خلص عندك.
وكذلك (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم)، دخلت الألف وأم للتسوية.
فأما (أأنْذرْتهُمْ) فزعم سيبويه أن من العرب من يحقق الهمزة، ولا
يجمع بين الهمزتين وإن كانتا من كلمتين، فأما أهل الحجاز فلا يحققون
واحدة منهما، وأما بعض القراء - ابن أبي إِسحاق وغيره - فيجمعون في القراءَة بينهما، فيقرأون (أأنذرتهم)، وكثير من القراء يخفِّف إِحداهما، وزعم سيبويه أن
стр. 40
الخليل كان يرى تخفيف الثانية فيقول: (أانْذرْتهم) فيجعل الثانية بين
الهمزة والألف، ولا يجعلها ألفاً خالصة، ومن جعلها ألفاً خالصَةً فقد أخْطأ من جهتين: إحداهما أنه جمع بين ساكنين والأخرى إنَّه أبْدَل منْ همزة متحركة
قبْلها حركةُ ألفاً، والحركة الفتح، وإنما حق الهمزة إذا حركت وانفتح ما
قبلها: أن تجْعَل بَيْنَ بَيْنَ، أعني بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها.
فتقول في سأل: سال وفي رؤوف: رووف وفي بئس: بيس (بيْنَ بيْنَ) وهذا
في الحكم واحد وإِنما تُحْكِمُه المشافهة.
وكان غير الخليل يجيز في مثل قوله تعالى: (فقد جاءَ أشراطها) تخفيف الأولى.
وزعم سيبويه أن جماعة من العرب يقرأون: فقد جا أشراطها يحققون
الثانية ويخففون الأولى، - وهذا مذهب أبى عمرو بن العلاء وأما الخليل فيقول بتحقيق الأولى فيقول: (فقد جاءَ اشراطها).
قال الخليل: وإِنَّما اخترت تخفيف الثانية لإجماع الناس على بدل الثانية في قولك آدم، وآخر، لأن الأصل في آدم: أادم، وفي آخر أاخر.
وقول الخليل أقيس، وقول أبى عمرو جيد أيضاً.
قال أبو إِسحاق: الهمزة التي للاستفهام ألف مبتدأة: ولا يمكن تخفيف
الهمزة المبتدأة ولكن إن ألْقِي همزَة ألف الاستفهام على سكون الميم من
عليهم فقلت: " عَلَيْهمَ أنْذَرتهم " جاز.
ولكن لم يقرأ به أحد، والهمزتان في