← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الإضافة، ولذلك قالت العرب في كلا في حال النصب والجر: رأيت كليهما، وكليكما، ومررت بكليهما وكليكما - ففصلت بين الِإضافة إلى المظهر والمضمر لما كان كلا لا ينفرد ولا يكون كلاماً إِلا بالِإضافة. * * * وقوله : (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) موضع (أولئك) رفع بالابتداء، والخبر: (عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ). إلا أن أُولَئِكَ لا يعرب لأنه اسم للِإشارة، وكسرت الهمزة فيه لالتقاءِ السَّاكنين. وكذلك قوله (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، إلا أنَّ (هُمْ) دخلت فصلاً، وإن شئت كانت تكريراً للاسم، كما تقول زيد هو العالمُ، فترفع زيداً بالابتداء. وترفع (هو ابتداءً ثانياً، وترفع العالم خبراً " لهو "، والعالم خبراً لزيد. فكذلك قوله أُولَئِكَ هم المفلحون) وإن شئت جعلت (هو) فصلاً وترفع زيداً والعالم على الابتداءِ وخبره، والفصل هو الذي يسميه الكوفيون عماداً. و" سيبويه " يقول إن الفصل لا يصلح إلا مع الأفعال التي لا تتم نحو كان زيد هو العالم، وظنتت زيداً هو العالِمَ". وقال سيبويه دخل الفصل في قوله : (. . تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا) وفي قوله: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ) - وفي قوله: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ). وفي قوله: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ).

стр. 37

وما أشبه هذا مما ذكر الله . وكذلك (لك) في الكلام في الابتداء والخبر، وفي قولك كان زيد هو العالم ذكرُ هو، وأنت، وأنا. ونحن، دخلت إعْلاماً بأن الخبر مضمون وأن الكلام لمْ يتم، وموضع دخولها إذا كان الخبر معرفة أو ما أشبه المعرفة. وأن " هو " بمنزلة " ما " اللغْوِ في قوله : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) فإنما دخول كا مؤَكدة. * * * وقوله : (المفْلحون). يقال لكل من أصاب خيراً مفْلح - وقال : (قَدْ أفلح المؤمنون) - وقال،: (قدْ أفْلح مَن زكَاها). والفلاح البقاء قل لبيد بن ربيعة:

стр. 38

نحُل بلاداً كلها حُل قبْلنا. . . ونرجُو الفلاح بعد عادٍ وتبَّعا أي نرجو البقاءَ. وقال عبيد: أفْلِح بما شئْت فَقَدْ يد. . . ركِ بالضعْف وقد يُخْدع الأريب أي أصب خيراً بما شئت. والفَلاح: الأكار، والفِلَاحَة صنَاعَتُه، وإنِما قيل له الفَلاح لأنه يَشُق الأرض ويقالَ فلحت الحديد إذا قطعته. قال الشاعر: قد علمت خيلك انِي الصَّحْصَحُ. . . إن الحَدِيد بالحديد يُفْلَح ويقال للمكاري الفلاح، وإنما قيل له فلاح تشبيهاً بالأكار. قال الشاعر لها رطل تكيل الزيت فيه. . . وفَلاح يسُوق لهَا حِمَارا * * * وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)

стр. 39

(إنَّ) تنصب الذين، وهي تنصب الأسماءَ وترفع الأخبار، ومعناها في الكلام التوكيد، وهي آلة من آلات القسم، وإنَّما نصبت ورفعت لأنها تشبه بالفعل، وشبهها به أنها لا تَلِي الأفعال ولا تعمَل فيها، وإنما يذكر بعدها الاسم والخبر كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول إِلا أنه قُدم المفَعُولُ به فيهَا ليفصل بين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظُ الفعل وبين ما يُشَبه به وليسَ لفظُه لفظَ الفعل، وخبرها ههنا جملة الكلام، أعني قوله: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ). وترفع سواء بالابتداء، وتقوم (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) مَقَامَْ الخبر كأنه بمنزلة قولك سواء عليهم الإنذارُ وتركُه. وسواءُ موضُوع موضعَ مُسْتَو، لأنك لا تقيم المصادر مقام أسماءِ الفاعلين إلا وتأويلها تأويل أسمائهم. فأما دخول ألف الاستفهام ودخول أم التي للاستفهام والكلام خَبرٌ فإنَّمَا وقع ذلك لمعنى التسوية والتسوية آلتها ألف الاستفهام وأم تقول: أزيد في الدار أم عمرو، فإِنما دخلت الألف وأم لأن عِلْمَك قد استوى فيَ زَيد وعَمْرو. وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة ولكنك أردت أن تبين لك الذي علمت ويخلص لك علمه مز، غيره، فَلِهذا تقول: قد علمتُ أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تُسَوّي عند مغ تخبره العلمَ الذي قد خلص عندك. وكذلك (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم)، دخلت الألف وأم للتسوية. فأما (أأنْذرْتهُمْ) فزعم سيبويه أن من العرب من يحقق الهمزة، ولا يجمع بين الهمزتين وإن كانتا من كلمتين، فأما أهل الحجاز فلا يحققون واحدة منهما، وأما بعض القراء - ابن أبي إِسحاق وغيره - فيجمعون في القراءَة بينهما، فيقرأون (أأنذرتهم)، وكثير من القراء يخفِّف إِحداهما، وزعم سيبويه أن

стр. 40

الخليل كان يرى تخفيف الثانية فيقول: (أانْذرْتهم) فيجعل الثانية بين الهمزة والألف، ولا يجعلها ألفاً خالصة، ومن جعلها ألفاً خالصَةً فقد أخْطأ من جهتين: إحداهما أنه جمع بين ساكنين والأخرى إنَّه أبْدَل منْ همزة متحركة قبْلها حركةُ ألفاً، والحركة الفتح، وإنما حق الهمزة إذا حركت وانفتح ما قبلها: أن تجْعَل بَيْنَ بَيْنَ، أعني بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها. فتقول في سأل: سال وفي رؤوف: رووف وفي بئس: بيس (بيْنَ بيْنَ) وهذا في الحكم واحد وإِنما تُحْكِمُه المشافهة. وكان غير الخليل يجيز في مثل قوله تعالى: (فقد جاءَ أشراطها) تخفيف الأولى. وزعم سيبويه أن جماعة من العرب يقرأون: فقد جا أشراطها يحققون الثانية ويخففون الأولى، - وهذا مذهب أبى عمرو بن العلاء وأما الخليل فيقول بتحقيق الأولى فيقول: (فقد جاءَ اشراطها). قال الخليل: وإِنَّما اخترت تخفيف الثانية لإجماع الناس على بدل الثانية في قولك آدم، وآخر، لأن الأصل في آدم: أادم، وفي آخر أاخر. وقول الخليل أقيس، وقول أبى عمرو جيد أيضاً. قال أبو إِسحاق: الهمزة التي للاستفهام ألف مبتدأة: ولا يمكن تخفيف الهمزة المبتدأة ولكن إن ألْقِي همزَة ألف الاستفهام على سكون الميم من عليهم فقلت: " عَلَيْهمَ أنْذَرتهم " جاز. ولكن لم يقرأ به أحد، والهمزتان في

стр. 41

قوله: (فقد جاءَ أشراطها). همزتان في وسط الكلمة ويمكن تخفيف الأولى. فأما من خفف الهمزة الأولى قوله: (أأنذرتهم) فإنه طرحها ألبتَّةَ وألْقَى حركتَها على الميم، ولا أعلم أحداً قرأ بها والواجب على لغة أهل الحجاز أن يكون " عليهم أنْذَرْتهم " فيفتح الميم، ويجعل الهمزة الثانية بين بين بين. وعلى هذا مذهب جميع أهل الحجاز. ويجوز أن يكون (لا يؤْمنون) خبر إِنَّ، كأنه قيل: " إِنَّ الًذينَ كفروا لا يؤمنون، سواء عليهم أأنذرتهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ). هؤلاءِ قوم أنبأ اللَّهُ " ﵎ " النبيَّ ﷺ أنهمْ لا يؤْمنون كما قال : (ولَا أنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتمْ وَلَا أنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أعْبُدُ). فأما الهَمزتان إذا كانتا مكسورتين نحو قوله : (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) وإذا كانتا مضمومتين نحو قوله: (أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ) فإِن أبا عمرو يخفف الهمزة الأولى فيهما فيقول: "على البغا إِنْ أردْن" "وأوليا أولئك " فيجعل الهمزة الأولى من البغاء بين الهمزة والياء، ويكسرها " ويجعل الهمزة في قولك أولياء أولئك (الأولى) بين الواووالهمزة ويضمها. وحكى أبو عبيدةَ أن أبا عمرو كان يجعل مكان الهمزة الأولى كسرة في البغاء إنْ)، وضمة في أولياء أولئك. أبو عبيدة لا يحكي إلا ما سمع لأنه الثقة المأمون عند العلماء، إِلا إنَّه لا يضبط مثل هذا الموضع لأن الذي قاله محال، لأن الهمزة إذا سقطت وأبدلت منها كسرة وضمة - على ما وصف -

стр. 42

بقيت الحركتان في غير حرف وهذا محال لأن الحركة لا تكون في غير محرَّك. قال أبو إسحاق: والذي حكيناه آنفاً رواية سيبويه عن أبي عمرو وهو اضبط لهذا. وأما قوله: (السفهاءُ ألا) وقوله: (وإِليه النشُوز أأمنتم من في السماءِ أن) - فإن الهمزتين إذا اختلفتا حكى أبو عبيدة أن أبا عمرو كان يبدل من الثانية فتحة وهذا خلاف ما حكاه سيبويه. والقول فيه أيضاً محال لأن الفتحة لا تقوم بذاتها، إِنما تقوم على حرف. وجملة ما يقول النحويون في المَسْالة الأولى في مثل قوله: (على البغاءِ إِنْ) أو (أولياءُ أولئك) ثلاثةُ أقوال على لغة غير أهل الحجاز. فأحد هذه الثلاثة - وهو مذهب سيبويه والخليل - أن يجعل مكان الهمزة الثانية همزة بين بينَ، فإذا كان مضموماً جعل الهمزة بين الواو والهمزة فقال: أولياءُ أولئك) (وإذا كان مكسوراً جعل الهمزة بين الياءِ والهمزة، فقال: على البغاءِين. وأمَّا أبو عَمْرو فَقرأ على ما ذكرناه وأمَّا ابن أبي إسحاق - ومذهَبه مذهب جماعة من القراء - فيجمع بين الهمزتين، فيقرأ أولياءُ أولئِكَ) و (على البغاءِ إنْ أردن) بتحقيق الهمزتين. وأمَّا اختلاف الهمزتين نحو السفهاء ألا) فأكثر القراء على مذهب ابن أبي إسحاق، وأما أبو عمرو فيحقق الهمزة الثانية في رواية سيبويه، ويخفف

стр. 43

الأولى فيجعلها بين الواو والهمزة، فيقول: (السفهاءُ ألا) (بين بين). ويقول: (من في السماي أنْ " فيحقق الثانية، وأما سيبويه والخليل فيقولان: (السفهاءُ ولا). فيجعلان الهمزة الثانية واواً خالصة وفي قوله: (من السماءيَنْ) ياءخالصة مفتوحة. فهذا جميع ما في هذا الباب. وقد ذكر أبو عبيدة أن بعضهم روى عن أبي عمرو أنه كان إذا اجتمعت همزتان طرحت إحداهما، وهذا ليس بثبتٍ لأن القياس لا يوجبه. وأبو عبيد لم يحقق في روايته، لأنه قال: رواه بعضهم، وباب رواية القراءة عن المقرئ يجب أن يقل الاختلاف فيه. فإن كان - هذا صحيحاً عنه فهو يُجَوِّزُهُ في نحو (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم)، وفي مثل قوله: (آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ) فيطرح همزة الاستفهام لأن أم تدل عليها. قال الشاعر: لعمرك ما أدري إن كنت دارياً. . . شُعَيْثُ بن سَهْم أم شُعَيْثُ بنُ مِنْقَر

стр. 44

وقال عُمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ: لعَمرُك ما أدْري وإنْ كُنْتُ دَارِياً. . . بِسَبْع رَمَيْنَ الجَمْر أم بِثمانٍ البيت الأول أنشده الخليل وسيبويه، والبيت الثاني صحيح أيضاً. * * * وقوله : (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) معنى ختم في اللغة وطبع (معنى) واحد. وهو التغطية على الشيء. والاستيثاق - من ألًا يَدْخُله شَيْءٌ كما قال : (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) وقال جلّ ذكره (كلا بَلْ رَانَ عَلى قُلوبِهِمْ). معناه غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون. وكذلك (طبع عليها بكفرهم) وهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون ولكنهم لم يستعملوا هذه الحواس استعمالًا يجزي عنهم فصاروا كمن - لا يسمع ولا يبصر. قال الشاعر: أصم عما ساءَه سميع وكذلك قوله جلَّ وعزَّ: وَعَلَى أبْصَارِهِمْ غِشَاوَة). هي الغطاءُ، فأما قوله: (وعلى سمعهم) وهويريد وعلى أسماعهم ففيه

стр. 45

ثلاثة أوجه: فوجه منها أن السمع في معنى المصدر فَوُحِّدَ، كما تقول: يعجبني حديثكم ويعجبني ضربُكُمْ - فوحِّد لأنه مَصْدَر. ويجوز أن يكون لما أضاف السمع إليهم دل على معنى أسماعهم. قال الشاعر: بها جِيَف الحَسْرى فأمَّا عِظامُها. . . فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ ْوقال - الشاعرأيضاً: (لا تُنْكِري الْقَتْلَ وَقَدْ سُبينَا. . . في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجينَا معناه في حلوقكم، وقال: كأنهُ وجه تركييْن قد غَضبَا. . . مستهدَفٍ لطعان غيرِ تَذييبِ أما (غشاوة)، فكل ما كان مشتملاً على الشيء فهو في كلام العرب مبني على "فِعَالة " نحو الغِشاوة، والعِمَامة، والقِلاَدَة والعصَابة، وكذلك أسْمَاء الصناعات لأن معنى الصناعة الاشتمال على كل ما فيها نحو الخِيَاطة

стр. 46

والقصَارة، وكذلك على كل من استولى على شيء ما استولى عليه الفِعَالة. نحو الحِلاَقةِ والإمارَةِ. والرفع في (غشاوة) هو الباب وعليه مذهب القُرَّاء والنصب جَائز في النحو على أن المعنى: " وجعل على أبْصَارهم غِشَاوةً ". كما قال اللَّه عزرجل في موضع آخر: (وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة). ومثيله من الشعر مما حمل على معناه قوله: يا ليتَ بعْلَكِ قد غَدا. . . مُتَقَلداً سيفاً ورمحا معناه متقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً. ويرري غشوة، والوجه ما ذكرناه وإنما غَشْوة رد إلى الأصل لأن المصادر كلها ترد إلى فَعْلة، والرفع والنصبُ في غَشْوة مثله في غِشَاوة. * * * وقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) عنى بذلك المنافقين،. وإِعراب (مِنْ) الوقف إلا أنهَا فُتِحَتْ لالتقاءِ السَّاكنين سكون النون. من قولك مِنْ وسكون النون الأولى من الناس، وكان الأصل أن يكسر لالتقاءِ السَّاكنين، ولكنها فتحَت لثقل اجتماع كَسْرَتَيْنِ - لو كان (مِنِ النَّاسِ) لثقل ذلك. فأما عن الناس فلا يجوز فيه إِلا الكسر لأن أول " عن " مفتوح. و " مِنْ " إِعرابُها الوقف لأنها لا تكون اسماً تاما في

стр. 47

الخبر إلا بصلة، فلا يكون الِإعراب في بعض - الاسم. فأما الإدغام في الياءِ في (من يقول) فلا يكون غيره، تقول: " مَنْ يُقوَّم " فتُدْغِم بغُنَةٍ وبغير غنة. * * * وقوله : (وَمَا هُمْ بمُؤْمِنينَ). دخلت الباءُ مؤَكدة لمعنى النفي، لأنك إِذا قلت: " ما زيد أخوك " فلم يسمع السامع " ما " ظن أنك موجب فإِذا قلت: " ما زيد بأخيك " و (ماهم بمُؤمنين) علم السامع أنك تنفي وكذلك جميع ما في كتاب الله . * * * وقوله : (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) يعني به المنافقين أيضاً. ومعنى (يخادعون): يظهرون غير ما في نفوسهم، والتَقِية تُسَمَّى أيْضاً خِدَاعاً، فكأنهم لَمَّا أظْهَرُوا الِإسْلامِ وأبْطَنُوا الكُفْر صارت تقيتُهُمْ خِدَاعاً. وجاءَ بفَاعِلَ لغير اثنين لأن هذا المثال يقع كثيراً في اللغة للواحد نحو عاقبت اللص، وطارقت النعل. * * * وقوله : (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ). تأويله أن الخداع يرجع عليهم بالعَذاب والعقاب وما يشعرون: أي وما يعلمون أنه يرجع عليهم بالعذاب يقال ما شعرت به: أي ما علمت به وا لَيْتَ شِعْرِي " ما صَنَعْتَ: معناه ليت علمي.

стр. 48

وقوله : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) معناه نفاق، وقد يقال السُّقْمُ والمرض في البَدَنِ وفي الدِّين جَميعاً كما يقال الصحة في البدن والدِّين جميعاً. فمعنى قوله: (مرض) قال أبو عيدة: معناه شك ونفاق، والمرض في القلب يصلح لكل ما خرج به الِإنسان عن الصحة في الدين. ص وقوله: - (فَؤَادَهُم اللَّهُ مَرضاً). فيه جوابان، قال بعضهم زادهم الله بكفرهم. كما قال : (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ). وقال بعض أهل اللغة: فزادهم اللَّه بما أنزل عليهم من القرآن فشكوا فيه كما شكوا في الذي قبله. قال: والدليل على ذلك قوله : (وَإِذَا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ). إِلى قوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ). وهذا قول بين واضح - واللَّه أعلم. * * * وقوله : (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). مَعْناه مُوجِع يَصلُ وجعَهُ إِلى قُلُوبهمُ. وتأويل (أَلِيمٌ) في اللغة مُؤْلم. قال الشاعر: وهو عَمْرُو بنُ معدِ يكرب الزبيدي.

стр. 49

أمِنْ رَيْحَانَة الداعي السميعُ. . . يُؤرقني وأصْحَابي هُجوعُ معنى السميع المسمع. * * * وقوله : (بِمَا كَانوا يَكذبُونَ). ويقرأ (يُكَذِّبونَ). فمن قرأ يَكذبونَ بالتخفيف فَإن، كَذِبَهُم قولُهم أنهُمْ مُؤْمنون، - قال الله : (وَمَا همْ بِمُؤْمِنِينَ) وأما (يُكَذِّبونَ) بالتثقيل فمعناه بتكذيبهم النبي ﷺ . * * * وقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) مَعْنَاهُ لَا تَصُدوا عَنْ دين اللَّه، فَيَحْتَمِل (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) ضربين من الجواب: أحدهما أنهم يظنون أنهم مصلحون. والثاني أن يريدوا أن هذا الذي يسمونه إفساداً هو عنْدَنَا إِصلاح فأما إعراب قيل فآخره مبني على الفتح، وكذلك كل فعل ماض مبني على الفتح، والأصل في (قيل) قُوِلَ ولكن الكسرة نقلت إلى القاف لأن العين من الفعل في قولك قال نقلت من حركة إِلى سكون، فيجب أن تلزم هذا السكون في سائر تصرف الفعل. وبَعْضُهُمْ يَرُومُ الضمًةَ في قِيل، وقد يجوز في غير القرآن: قد قولَ ذاك " وأفصح اللغات قِيلَ وَغِيضَ ". (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَقَوْا رَبَّهُمْ). وإن شئت قلت: قِيل، وغيض، وسُيق تروم في سائر أوائل ما لم يسم فاعلة الضم في هذا الباب.

стр. 50

وقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) ْأصل السفَهِ في اللغة خِفَةُ الحلم، وكذلك يقال ثَوْبٌ سَفِيه إِذا كان رقيقاً بالِياً. * * * وقوله : (أَلَا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ). معنى (أَلَا) اسْتِفْتَاح وَتَنْبِيهٌ " وقوله: (هُم السفهاءُ) يجوز أن يكون خبر إنَّ و (هُم) فَصْلٌ، وهو الذي يسميه الكوفيون العماد. ويجوز أن يكون (هُم) ابتداء، والسفهاءُ خبر الإِبتداء، وهم السفهاءُ خبر إن. * * * وقوله : (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) أنْبَأ الله الْمؤمِنِينَ بِمَا يُسِره المنافقونَ مِنَ الكُفْرِ ومعنى شَيَاطِييهمْ في اللغة: مَرَدَتُهُمْ، وعُتَاتُهُمْ في الكفر، ويقال خلوت إِليه ومعه، ويقال خلوت به، وهو على ضربين: أحدهما جعلت خَلْوتي معه، كما قال: خَلَوْتُ إِليه (أي جعلت خلوتي معه)، وكذلك يقال خَلَوْتُ إِليهِ، ويصلح أن يكون خلوت بِهِ سخرت منه. ونصب (معكم) كنصب الظروف، تقول: إِنا معكم وإِنا خَلْفَكم معناه إِنا مستقرون معكم ومستقرون خلفكم. والقراءَة المجمَعُ عليها فتح العَين وقد يجوز في الاضطرار إسكان العين، ولا يجوز أن يقرأ بها. ويجوز إِنَّا مَعْكُمْ للشاعر إِذا اضطر قال الشاعر: قَرِيشي منكمو وهواي مَعْكُمْ. . . وَإِن كانت زِيَارَتُكُمْ لِمَاما

стр. 51

وفي قوله : (خَلَوْا إلَى). وجهان إن شئت أسْكَنْتَ الوَاو وخففت الهمزة وكسرتها فقلت: (خلوْا إلَى) وإن شئت ألقيت الهمزة وكسرت الواو فقلت: " خَلَوِ ليى " وكذلك يقرأ أهل الحجاز وهو جيد بالغ، و (إِنا) الأصل فيه "إننا"، كما قال اللَّه : (إنَّنِي معَكُما) ولكن النون حذفت لكثرة النونات، والمحذوف النون الثانية من إِن، لأن في " إن " نونين الأولى ساكنة والثانية متحركة. * * * وقوله : (إنما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ). نحن مبنية عفى الضم، لأن نحن يدل على الجماعة، وجماعة المُضْمَرينَ يدل عليهم - إذا ثَنيتَ الواحدَ من لفظه - الميم والواو، نحو فعلوا، وأنتم، فالواو من جنس الضمة، فلم " يكن بذ من حركة (نَحْنُ) فحركت بالضم لأن الضم من الواو؛ ألا ترى أن واو - الجماعة إذا حركت لالتقاء السَّاكنين ضمت، نحو (اشْتَرَوُا الضلاَلَةَ)، وقد حركها بعضهم إلى الكسر فقال: (اشتروِا الضلالة)، لأن اجتماع السَّاكنين يوجب كسر الأولى إذا كانا من كلمتين، والقراءة المجمع عليها: (اشتروُا الضلالةَ) بالضم، وقد رُويت: (اشْترَوَا الضلالة)، بالفتح، وهو شاذ جِدًّا. و (مستهزئون)؛ القراءَة الجَيدَةُ فيه، تحقيق الهمزة فإذا خَففْتَ الهمزةَ جعلْتَ الهمزةَ بين الواو، والهمزة فقلت "مستهزؤون). فهذا الاختيار بعد التحقيق.

стр. 52

ويجوز أنْ تُبْدِلَ من الهمزَةِ ياءً فتقول: " مستهزِيُونَ " فأما " مستَهْزون " فضعيف لا وجه لَه إلا شاذًّا على لغة،. من أبدل الهمزة ياء فقال في استهزأت: استهزيت. فيجب على لغة، استهزيت أن يقال، مستهزون. * * * وقوله : (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) فيه أوجه من الجواب: فمعنى استهزاء اللَّه بهم أنْ أظْهرَ لَهُمْ منْ أحْكامِهِ في الدنْيَا خلافَ مَا لهمْ في الآخرة، كما أظهروا من الِإسلام خلاف ما أسَرُّوا. ويجوز أن يكون استهزاؤُه بهم: أخذه إِياهم من حيث لا يعلمون، كما قال : (سَنَسْتَدْرجُهمْ منْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُون). ويجوز - واللَّه أعلم - وهوَ (الوجه) المختار عند أهل اللغة أن يكون معنى يستهزئُ بهم يُجازيهِمْ على هُزئِهِمْ بالعَذاب، فسمَّى جزاءَ الذَنْب باسْمِه كما قال : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فالثانية ليست سيئة في الحقيقة، ولكنها سميت سيئة لازدواج الكلام. وكذلك قوله : (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) فالأول ظلم والثاني ليس بظلم ولكنه جيءَ في اللغة باسم الذنب ليعلم أنَّه عقاب عليه وجزاء به. فهذه ثلاثة أوجه واللَّه أعلم. وكذلك يجري هذا المجرى قوله : (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)

стр. 53

(وَيَمْكرُونَ وَيَمْكرُ اللَّهُ). * * * وقوله : (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ). معنى (وَيَمُدُّهُمْ) يُمْهِلْهم، وهو يدل على الجواب الأول. و (في طغيانهم) (معناه) في غُلوِّهِمْ وكفرهم، ومعنى يعمهون في اللغة يتحيرون، يقال رجل عَمِهٌ وعَامِه، أي متحير، قال الراجز: وَمَهْمَه أطرافه في مَهْمَهِ. . . أعمَى الهُدَى بالجَاهِلِينَ العُمَّهِ * * * وقوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) أُولَئِكَ موضعُه رفع بالابتداء وخبرُه (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) وقد فسَّرنا " واو " اشتروا وكسرتَها فأمَّا من يبدل من الضمة هَمْزَةً فيقول اشترو الضلالة فغالط لأن الواو المضمومة التي تبدل منها همزة إِنَّمَا يُفْعَل بها ذلك إِذا لزمت صفَتُها نحو قوله : (وَإذَا الرُّسُلُ أُقَتَتْ)، إنَّمَا الأصلُ وقَتَتْ وكذلك أَدوَّر، إنما أصْلها أدور. وضمة الواو في قوله: (اشترُوا الضلالة)

стр. 54

إنما هي لالتقاء السَّاكنين. ومثله: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) لا ينبغي أن تهمزَ الواو فيه. ومعنى الكلام أن كل من ترك شيئاً وتَمسكَ بغَيْره فالعَرَبُ تقول للذِي تَمَسكَ به قد اشتراه، وليس ثم شراءٌ ولا بيع، ولكن رغبته فيه بتمسكه به كرغبة المشتري بماله ما يرغب فيه. قال الشاعر: اخدْت بالجمَّة رأساً أَزْعَرا. . . وبالثنَايَا الواضِحات الدَّرْدَرَا وبالطَويل العمر عمْراً أَقصرا. . . كما اشْتَرى الكافِر إذْ تَنَصَّرَا * * * وقوله : (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ). معناه فما ربحوا في تجارتهم، لأن التجارة لا تربح وإنما يربح فيها ويوضع فيها والعرب تقول قد خسر بيعك وربحت تجارتك، يريدون بذلك الاختصار وسعة الكلام قال الشاعر:

стр. 55

وكيف تواصل من أصبحت. . . خلالته كأبي مرحب يريد كخلالة أبي مرحب، وقال اللَّه : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) (والليل والنهار لا يمكران) إنما معناه بل مكرهم في الليل والنهار. * * * وقوله : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) هذا المثل ضربه اللَّه - جلَّ وعزَّ - للمنافقين في تجملهم بظاهر الِإسلام وحقنهم دماءَهم بما أظهروا فمثل ما تجملوا به من الِإسلام كمثل النار التي يستضىء بها المستوقد وقوله (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) معناه، واللَّه أعلم إطلاع اللَّه المؤْمنين على كفرهم، فقد ذهب منهم نور الإِسلام بما أظهر الله من كفرهم، ويجوز أن يكون ذهب الله بنورهم في الأخرة، أي عَذَّبهم فلا نور لهم لأن اللَّه جلَّ وعزَّ قد جعل للمؤْمنين نوراً في الآخرةِ وسلب الكافرين ذلك النور، والدليل على ذلك قوله: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا). * * * وقوله (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) رفع على خبر الابتداءِ، كأنه قيل: هؤلاءِ الذين قصتهم هذه القصة (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨).

стр. 56

ويجوز في الكلام صماً بكماً عمياً، على: وتركهم صُمًّا بكماً عُمْياً. ولكن المصحف لا يخالف بقراءة لا تُرْوى، والرفع أيضاً أقوى في المعنى. وأجزل في اللفظ. فمعنى (بُكْمٌ) أنه بمنزلة من وُلدَ أخرس ويقال الأبْكم المسلوبُ الفًؤادِ. وصُم وبُكم واحدهم أصَم وأبْكَمُ، ويجوز أن يَقع جمع أصم صُمَّان، وكذلك أفعَل كله يجوز فيه فُعْلان نحو أسْود، وسُودَان ومعنى سود وسودان واحد، كذلك صُمٌّ وصُمَّان وعُرفي وعُرجان وبكم وبُكْمَان. * * * وقوله : (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) الصيِّب في اللغة المطر وكل نازل من عُلُو إلى أسفل فقد صاب يصوب، قال الشاعر: كأنهم صابت عليهم سحابة. . . صواعقها لطيرهن دبيب وهذا أيضاً مثل يضربه اللَّه للمنافقين؛ كان المعنى: أو كأصحاب صيب. فجعل دين الِإسلام لهم مثلاً فيما ينالهم من الشدائد والخوف، وجعل ما يستضيئون به من البرق مثلاً لما يَستضيئون به من الإسلام، وما ينالهم من الخوف في البرق بمنزلة ما يخافونه من القتل. - الدليل على ذلك قوله : (يَحْسَبُونَ كُل صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ).

стр. 57

وقوله : (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) (يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ) فيه لغتان: يقال خَطِفَ يخطَفُ، وخطَف يخْطِف، واللغة العالية التي عليها القراءَة " خَطِفَ يخطَفُ "، وهذا الحرف يروى عن العرب والقراء. وفيه لغات تروى: عن الحسن " يَخَطِّف أبصارهم " بفتح الياءِ والخاءِ وكسر الطاءِ، " ويروى أيضاً " يخطِّف بكسر الياءِ والخاءِ، والطاءِ، ويروى أيضاً لغة أخرى ليست تسوغ في اللفظ لصعوبتها، وهي إسكان الخاءِ والطاءِ. وقد روى سيبويه مثل هذا. رده عليه أصحابه وزعموا أنه غير سائغ في اللفظ وأن الشعرَ لا يجمع في حشوه بين ساكنين، قال: وَمَسْحِهِ مَرُّ عُقابٍ كاسِرِ يبدل من الهاءِ حاءً ويدغم الحاءَ الأولى فى الثانية، والسين ساكنة فيجمع بين ساكنين، فأما بعد يَخْطَف فالجيِّد يَخَطف ويخطف فمن قال يَخَطَف فالأصل يخْتَطِف فأدغمت التاء - في الطاءِ وألقيت على الحاءِ فتحة التاءِ، ومن قال " يخِطَف " كسر الخاءَ لسكونها وسكون الطاءِ، وَزَعَمَ بعض النَحوِيينَ أنَّ الكسْر لالتِقَاءِ الساكِنين ههنا خطأ وأنه يلزم من قال هذا أن يقول

стр. 58

في يَعَضُّ يَعِضُّ، وفي يَمُدُّ يَمِدُّ. وهذا خَلْط غيرُ لازم، لأنه لَوكَسَرَهَا هَهُنَا لالتَبَسَ ما أصله يفعَل ويفعُل بما أصله يَفْعِل، ويخطف ليس أصله غير هذا. ولا يكون مرة على يفتَعِل ومرة على يفتَعَلُ. فَكسِرَ لالتقاءِ السَّاكنين في موضع غير ملبس وامتنع في المُلْبِس من الكسر لالتقاءِ السَّاكنين، وألزم حركة الحرف الذي أدغمه لتدل الحركة عليه. ومعنى خطفت الشيء في اللغة واختطفته أخذته بسرعة. * * * وقوله : (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ). يقال ضاءَ الشيءُ يَضوء وأضَاءَ يُضِيءُ، وهذه اللغة الثانية هي المختارة، ويقال أظْلَمَ وظَلَم، وأظْلَمَ المختارُ. * * * وقوله : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ) وقد فسرنا توحيد السمع، ويقال أذهبته وذهبت به. ويروى أذْهَبْت به وهو لغة قليلة، فأما ذكر (أوْ) في قوله: (مَثَلَهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي). إِلى (أوْ كصيب) فأو دَخلت ههنا لغير شك، وهذه يسميها الحذاق باللغة " وَاوَ اَلِإباحة " فتقول جالس القراءَ أوِ الفُقَهَاءَ، أوْ أصْحَابَ الحديث أوْ أصْحَابَ النحو، فالمعنى أن التمثيل مباح لكم في المنافقين إنْ مثلْتُمُوهم بالذي استوقد ناراَ فذاك مثلهم وإِن مثلتموهم بأصحاب الصيب فهذا مثلهم، أِو مثلتموهم

стр. 59

بهما جميعاً فهما مثلاهم - كما أنك إذا قلت جالس الحسن أو ابن سيرين فكلاهما أهل أن يجالس - إن جالست الحسن فأنت مطيع وإِن جمعتهما فأنت مطيع. * * * وقوله : (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ). ويروى " أيضاً " حِذَار الموْتِ، والذي عليه قرَّاؤُنَا (حَذَرَ الموت)، وإنما نصت (حذرالموت) لأنه مفعول له، والمعنى يفعلون ذلك لحذر الموت. وليس نصبه لسقوط اللام، وإِنما نصبه أنه في تأويل المصدر كأنه قال يحذرون حذراً لأن جعلهم أصابعهم في آذانهم - من الصواعق يدل على حذرهم الموت، وفال الشاعر: وأغفر عوراءَ الكريم ادِّخَارَهُ. . . وأُعْرِض عن شَتْم اللئِيمِ تَكَرما والمعنى لادخاره - وقوله: وأغفر عوراء الكريم معناه وأدخر الكريم. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) معناه أن الله احْتَجَّ على العرب بأنه خالقهم وخالق مَنْ قَبْلِهُم لأنَّهُمْ كانوا مُقِرينَ بذلك، والدليل على ذلك قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)

стр. 60

قيل لهم إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه، ولا تعبدوا الأصنام - وقوله (لعلكم تَتقُونَ) معناه تتقونَ الحُرُمَاتِ بيْنَكم وتَكُفون عما تأتون مما حرمَه اللَّه، فأما لعل وففيها قولان ههنا، عن بعض أهل اللغة: أحدهما: معناها كي تتقوا، والذي يذهب إليه سيبويه في مثل هذا أنه تَرَج لهم كما قال في قصة فرعون (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). كأنه قال اذهبا أنتما على رجائكما وطمَعِكُمَا واللَّه من وراءِ ذلك وعالم بما يؤُول إِليه أمرُ فِرعون. وأما إِعراب (يَا أيُّها) فأي اسمٌ مُبْهَم مبني على الضم لأنه منادى مفرد والناس صفة لأي لازمة، تقول يا أيها الرجل أقبل، ولا يجوز يَا لرجُل لأن " يا " تَنْبِيهٌ بمنْزِلة التَّعرِيفِ في الرجل فلا يجمع بين " يَا " وبين الألف واللام فتصل إلى الألف واللام بأي. وها لازمه لأي، لِلتَّنْبيه، وهي عوض من الِإضافة في أي لأن أصْل أي أن تكون مضافة في الاستفهام والخبر، وزعم سيبويه عَن الخليل أن المنادى المفرد مبني وصفته مرفوعةٌ رفعاً صحيحاً لأن النداءَ يطرد في كل اسم مفرد. فلما كانت البِنْيَةُ مطردة في المفرد خاصة شبه بالمرفوع فرفعت صفته. والمازني يجيز في يا أيها الرجل النصب في الرجل، ولم يقل بهذا القول أحد من البصريين غيره، وهو قياس لأن موضع المفرد المنادى نصب فحملت صفته على موضعه، وهذا في غير يا أيها الرجل جائز عند جميع النحويين نحو قولك يا زيدُ الظريفُ والظريفَ، والنحويون لا يقولون إِلا يا أيها الرجل، يا أيها

стр. 61

الناسُ، والعرب لغتها في هذا الرفع ولم يرد عنها غيره، وإنما المنادى في الحقيقة الرجل، ولكن أيُّ صلة إليه وقال أبو الحسن الأخفش إِن الرجل أنْ يَكون صلة لأي أقيس، وليس أحد من البصريين يتابعه على هذا القول. * * * وقوله : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) معناه وِطاءً، لم يجعلها حَزْنةً غليظة لا يمكن الاستقرأر عليها. وقوله: (والسماءَ بناءً) كل ما علا على الأرض فاسمه بناءٌ،. ومعناه إنه جعلها سقفاً. كما قال : (وَجَعَلْنا السمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً)، ويجوز في قوله: (جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ) وجهان: الإدغام والِإظهار، تقول: جعل لكم وجعل لكم الأرض، فمن أدغم فلاجتماع حرفين من جنس واحد وكثرة الحركات، ومن أظهر - وهو الوجه وعليه أكثر القراءِ - فلأنهما منفصلان من كلمتين. * * * وقوله : (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدَاداً وأنْتُم تَعْلمُون). هذا احتجاج عليهم لِإقرارهم بأنه الله خالقُهم، فقيل لهم لا تجعلوا لله أمثالاً وأنتم تعلمون أنهم لا يَخْلُقون واللَّه الخالق - وفي اللغة فلان ندُّ فلانٍ:، وندِيدُ فُلَانٍ. قال جرير: أتيماً تجعلون إِليَّ نِدًّا. . . وما تيمٌ لِذِي حَسبٍ نَدِيد

стр. 62

فهذه الآية والتي قبلها احتجاج عليهم في تثبيت توحيد اللَّه . ثم احتج عليهم فيما يلي هذه الآية بتثبيت أمر النبي ﷺ فقال: - (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) (فِي رَيْبٍ) معناه في شك. وقوله (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) للعلماءِ فيه قولان أحدهما: قال بعضهم: (مِنْ مثلهِ): من مثل القرآن - كما قال : (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) وقال بَعْضهم (من مثله) مِنْ بَشَر مِثْلِه. وقوله : (وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)). أيْ ادعَوَا من استدعيتم طاعته ورجوتم معونته في الإتيان بسورة من مثله. * * * وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) قيل لهم هذا بعد أن ثبت عليهم أمر التوحيد وأمر النبي ﷺ فوعدوا بالعذاب إِن لم يؤمنوا بعد ثبوت الحجة عليهم. وجزم (لَمْ تَفْعَلوا) لأن لمْ أحدثَتْ في الفِعْل المستقبل معنى المضى فجزمتْه، وكل حرف لزم الفعل فأحدث فيه معنى فله فيه من الِإعراب على قسط معناه - فإِن كان ذلك الحرف " أنْ " وأخواتها نحو لَنْ تفعلوا ويريدون " أنْ يطفئوا). فهو نصب لأن أن وما بعده بمنزلة الاسم فقد ضارعت (أنْ الخفيفة) أنَّ المشدَّدة وما بعدها لأنّك إِذا قلت ظننت أنك قائم فمعناه ظننت قيامك، وإِذا قلت أرجو أنْ تَقومَ فمعناه أرجو قيامك، فمعنى " أنْ " وما عملت فيه كمعنى " أنَّ " المشددة وما

стр. 63

عملت فيه، فلذلك نصبت " أنْ " وجزمت " لَمْ " لأن ما بعدها خرج من تأويل الاسم، وكذلك هي وما بعدها يخرجان من تأويل الاسم: * * * وقوله : (التِي وَقودُها النَّاسُ والحِجَارة). عرفوا عذاب اللَّه بأشد الأشياءِ التي يعرفونها لأنه لا شيء في الدنيا أبلغ فيما يؤلم من النار، فقيل لهم إن عذاب اللَّه من أشد الأجناس التي يعرفونها، إلا أنه من هذا الشديد الذي يعرفونه، ويقال إن الحجارة هنا تفسيرها حجارة الكبريت وقوله (وَقودُها) الوقود هو الحطب، وكل ما أوقد به فهو وقود، ويقال هذا وقودك، ويقال قد وقدت النار وقُوداً فالمصدر مضمومٌ ويجوز فيه الفتح. وقد روي وقدت النار وَقوداً وقبلت الشيء قَبُولًا. فقد جاءَ في المصدر (فَعُول) والباب الضم. * * * وقوله : (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) ذكر ذلك للمؤمنين، وما أعد لهم جزاءً لتصديقهم، بعد أن ذكر لهم جزاءَ الكافرين، وموضع (أنَّ) نصب معناه بشرهم بأن لهم جنات). فلما سقطت الباءُ أفْضَى الفعل إلَى " أن " فَنُصِبَتْ. وقد قال بَعْض النَحويينَ إنَهُ يَجُوز أنْ يكون موضعُ مثل هذا خفضاً وإن سقطت الباءُ من أن، و (جنات) في موضع نصب بأنَّ، إلا أن التاءَ تاءُ جماعة المؤَنث هي في الخفض والنصب على صورة واحدة كما أن ياءَ الجَمْع في النصْب والخَفْضِ

стр. 64

على صورة واحدةٍ، تقول رأيت الزيدين ومررت بالزيدين، ورأيت الهنداتِ، ورغبت في الهنْداتِ. والجنة في لغة العرب البُسْتان، والجنات البساتين "، وهي التي وعد الله بها المتقين وفيها ما تَشْتَهي الأنْفس وتَلَذ الأعين. قوله : (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا). قال أهل اللغة: معنى " مُتَشَابِه " يشبه؛ بعضه بعضاً في الجَوْدَةِ. والحُسْن، وقال أهل التفسير وبعض أهل اللغة " متشابها " يشبه بعضه بعضا في الصورة ويختلف في الطعْم، ودَليل المُفَسرين قوله: (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) لأن صورتَهُ الصورة الأولى، ولكن اختلافَ الطعوم على اتفاق الصورَةِ أبلغُ وأعرف عند الخلق، لو رأيت تفاحاً فيه طعم كل الفاكهة لكان غايةً في العجب والدلالة على الحكمة. * * * وقوله : (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ). أي أنهن لا يحتجن إلى ما يحتاج إليه نساءُ أهل الدنيا من الأكْل والشرْب ولا يَحِضْنَ، ولا يحتجن إلى ما يُتَطَهرُ مِنه، وهن على هذا طاهرات طهَارَةَ الأخلاق والعفةِ، فمُطهرة تَجْمَعُ الطهارةَ كلها لأن مُطهًرة أبْلَغ في الكلام من طاهرة، ولأن مطهرة إنما يكون للكثير. وإعْرَابُ (أَزْوَاجٌ) الرفع بـ (وَلَهُمْ) وإنْ شئت بالابتداءِ، ويجوز في (أَزْوَاجٌ) أن يكون واحدتُهن زوجاً وزوجةً قال الله ﵎ (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وقال الشاعر:

стр. 65

فبكى بناتي شَجْوَهُن وزوْجَتِي. . . والطامِعُونَ إليَّ ثم تَصَدَّعُوا * * * وقوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) إنْ قال قائل: ما معنى ذكر هذا المثل بعقب ما وعد به أهلُ الجَنةِ وما أعد للكافرين؛ قيل يتصل هذا بقوله: (فَلاَ تَجْعَلوا للَّهِ أندادا) لأن اللَّه قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا). وقال: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا) فقال الكافرون: إن إلَهَ محمدٍ يضْربُ الأمثَالَ بالذُّبَاب، والعَنْكَبُوتِ. فقال اللَّه : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا). أيْ، لِهَؤلاءِ الأنداد الذين اتخذتُمُوهُمْ مين دُونِ اللَّهِ، لأن هَذَا في الحقيقة مَثلُ هَؤُلاءِ الأنْدَادِ. فأما إعراب (بَعُوضةً) فالنصبُ من جِهَتين في قَوْلنَا، وذكر بعض النحويين جهةً ثالثة، فأما أجْوَدُ هذِه الجِهَاتِ فأنْ تَكونَ ما زائدة مؤَكدة، كأنه قال: إنَّ الله لا يستحيي أن يضرب بَعُوضة مَثلاً، وَمَثلاً بَعوضَةً، وما زائدة مؤَكدة نحو قوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ من اللَّهِ لِنْتَ لَهم) المعنى فَبرحمة من الله

стр. 66

حَقا، فَمَا في التوكيد بمنزلةِ حَق إلا أنه لا إعرابَ لها، والخافض والناصِب يتخطاهَا إلى مَا بَعْدَهَا، فمعْنَاهَا التوكِيدُ، ومثلُها في التوكيد (لا) في قوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) معناه لأنْ يعلمَ أهل الكتاب، ويجوز أنْ يكونَ " مَا " نكرة فيكون المعنى: " إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي أنْ يَضْرَب شَيئاً مَثَلاً " وكأن بعوضة في موضع وصف شيء، كأنه قال: إن اللَّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا شيئاً من الأشياءِ، بعوضة فما فوقها. وقال بَعْضُ النحويينَ: يجوز أن يكون معناه ما بين بعوضة إلى ما فوقها، والقولان الأولان قول النحويين القدماءِ. والاختيار عند جمع البَصْريينَ أن يكون ما لغوا، والرفع في بعوضة جائز في الإعراب، ولا أحفظ من قرأ به (ولا أعلم) هَلْ قرأ به أحد أم لا، فالرفْعُ على إضْمَارِ هُوَ كأنهُ قال مَثلاً (لذي هو بعوضة وهذا عند سيبويه ضعِيف)، وعنه مندوحة، ولكن من قرأ (تَمَاماً عَلَى الذِي أحْسَن) وقد قرئ به - جاز أن يقرأ (مَثَلاً مَا بعوضَة) ولكنهُ في (الذي أحسنُ) أقوى لأن الذي أطول. وليس للذي مذهب غيرُ الاسْماء. وقالوا في معنى قوله: (فمَا فَوْقَها) قالوا في ذلك قولين: قالوا (فمَا فَوْقَها): أكبَرُ مِنْهَا، وقالوا (فمَا فَوْقَها) في الصغرِ. وبعضُ النحويينَ يختارُون الأول لأن البَعُوضة كأنها نِهَايةُ في الضغرِ فِيمَا يُضْرَبُ بِه المَثلُ، والقولُ الثاني مختارُ أيضاً، لأن المطلوبَ هنا والغرضَ الصغرُ وتقليلُ المَثلِ بِالأنَدَادِ. قوله : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) يعني صدقوا (فَيَعْلَمُونَ) أن هذا المثل

стр. 67

حق، (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) أي ما أراد بالذباب والعنكبوت مثلاً؛ فقال اللَّه : (يُضِل بِهِ كَثِيراً). أي يَدعو إلى التصْدِيقِ بِه الخَلْق جميعاً فيكذبُ به الكفارُ - فيُضَلون (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) يدل على أنهم المُضَلونَ بِه، ويهدى به كثيراً، يزاد به المؤمنون هدايةً لأن كلما ازْدَادُوا تَصْدِيقاً فقدِ ازْدَادُوا هِدَايةً والفاءُ دخَلَتْ في جواب، أمَّا فِي قوله (فيَعلمون) لأن أما تأتي بمعنى الشرط والجزاءِ كأنَّه إذا قال (أما زيد فقد آمن وأمَّا عمرو فقد كفر) فالمعنى مهما يكن من شيءٍ فقد آمن زيد ومهما يكن من شيءٍ فقد كفر عمرو. وقوله (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً يكون موضعهما نصباً، المعنى أي شيءٍ أراد اللَّه بهذا مثلاً، ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة الذي فيكون المعنى ما الذي أراده اللَّه بهذا مثلاً؛ أو أي شيءٍ الذي أراده اللَّه بهذا مثلاً، ويكون (ما) هنا رفعاً بالابتداء و (ذا) في معنى الذي، وهو خَبَرُ الابتداء وإِعراب (الفاسقين) نصب كأنَّ المعنى وما يَضِل بِه أحَد إلا الفَاسقين. * * * وقوله : (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) (عهد الله) هنا - واللَّه أعلم - ما أخذ اللَّه على النبيين ومن اتبعهم ألا يَكْفُروا بأمُرِ النبِي ﷺ ، دليل ذلك قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا).

стр. 68

فهذا هو العهد المأخوذ على كل من اتبع الأنبياءَ ﵈ " أن يؤْمنوا بالرسول المصدقِ لِمَا مَعَهُمْ و - " إصْري " - مثْلُ عهدي. ويجوز أن يكون عهدُ اللَّه الذي أخذَه من بَنِي آدمَ مِنْ ظُهورِهم. حين قال. . . (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا). وقال قوم أن عَهدَ الله الاستدلال على تَوْحيده، وأنَّ كل ذِي تَمييز يعلمُ أن اللَّه خَالق فَعَليْهِ الإيمانُ بِهِ، والقولان الأولان في القرآن ما يصدقُ تَفْسيرَهُمَا. فأمَّا إعْرابُ (الَّذِينَ) فالنصْب على الصفَةِ للفَاسِقينَ، وموضع قوله: (أنْ يُوصل) خفض على البدل من الهاء والمعنى ما أمر الله بأنْ يُوصَلِ. وَمَوْضِعُ (أولَئكَ) رفع بالابْتِدَاءِ و (الخَاسِرُونَ) خبرُ الابتدَاءِ وهم بِمَعْنى الفصل وهو الذي يسميه الكوفيون العماد، ويجوز أن يكون أُولَئِكَ رفعاً بالابتداءِ وهم ابتداء ثان، والخاسرون، خبر لِهُمْ و (هُمُ الخاسرون)، خبر عن أولئك. * * * وقوله : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) فكونهم أمْوَاتاً أوْلاًْ أنَّهمْ كانُوا نُطَفاً ثم جعِلوا حَيواناً ثم أمِيتُوا ثم أحْيُوا ثم يُرجَعُونَ إلى اللَّه بعد البعث كما قال (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ) أي مسرعين. وقوله، (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا).

стр. 69

والأجداثُ القبورُ. وَتأويلُ كيف أنها، استفهام في معنى التعجب وهذا الثعجب إنما هو للخلق وللمؤمنين، أي اعجبوا من هؤُلاءِ كيف يَكفُرون وقد ثبتَتْ حجةُ اللَّهِ عَلَيْهمْ ومعنى (وكنتم) وقد كنتم وهذه الواو للحال، وإضمار قد جائز إذا كان في الكلام دليل عليه، وكذلك قوله (أو جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) (وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ). * * * وقوله : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) موضع ما مفعول به وتأويله أن جميع ما في الأرض منعَمُ به عليكم فهو لكم. وفيه قول آخر أن ذلكم دليل على توحيد اللَّه . * * * وقوله : (ثُمَّ اسْتَوى إلىَ السَّمَاءِ). فيه قولان: قال بعضهم: (اسْتَوى إلىَ السَّمَاءِ)، عمد وقصد إلى السماءِ. كما تقول قد فرغ الأمير من بلد كذا وكذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه قصد بالاستواءِ إليه، وقد قيل (أيضاً) استوى أي صعد أمره إلى السماء وهذا قول ابن عباس، والسماءُ لفظها لفظ الواحد، ومعناها معنى الجمع. والدليل على ذلك قوله: (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ). ويجوز أن يكون السماءُ جمعاً كما أن السَّمَاوَات جمع كأن واحِدَهُ سَمَاة وسماوة وسماء للجميع. وزعم أبو الحسن الأخفش أن السماءَ جائز أن يكون واحداً يراد به

стр. 70

الجمع كما تقول "كثر الدِّرْهَمُ والدينار في أيدي الناس ". والسماءُ في اللغة السقف ويقال لكل ما ارتفع وعلا قد سما يسمو، وكل سقف، فهو سماء يا فتى، ومن هذا قيل للسحاب لأنها عالية. * * * وقوله : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) قال أبو عبيدة " إذ " ههنا زائدة، وهذا إقْدَام مِنْ أبي عبيدة لأن القرآن لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و (إذ) معناها الوقت، وهي اسم فكيف يكون لغواً، ومعناها الوقت؛ والحجة في (إذ) أنَّ اللَّه تعالى ذكر خلق الناس وغيرهم، فكأنَّه قال ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة (إِني جاعل في الأرض خَليفَةً). وفي ذكر هذه الآية احتجاج على أهل الكتاب بتَثْبيتِ نبوة النبي ﷺ أنَّ خَبَرَ آدم وما أمره اللَّه به من سجود الملائكة له معلوم عندهم، وليس هذا مِنْ علم العرب الذي كانت تعلمه، ففي إخبار النبي ﷺ دليل على تثبيت رسالته إذ آتاهم بما ليس من علم العرب، وإنما هو خبر لا يعلمه إلا من قرأ الكتاب أو أوحي إليه به. وتأويل قوله : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ): روي أن خلقا يقال لهم الجان كانوا في الأرض فأفسدوا وسفكوا

стр. 71

الدماء لبعث اللَّه ملائكتَه فأجْلَتْهم من الأرض، وقيل إن هُؤلاء الملائكة صاروا سكان الأرض بعد الجان، فقالوا يارب (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). وتأويل استخبارهم هذا على جِهَةِْ الاسْتِعْلام وجهة الحكمة، لا على الإنكار، فكأنهم قالوا يا اللَّه: إن كان هذا ظننا فَعَرفنا وجه الحق فيه. وقال قوم: المعنى فيه غير هذا وهو أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وأن من الخليقة فرقةً تسفك الدماءَ وهي فرقة مِنْ بَنِي آدَم، وأذن اللَّه للملائكةِ أنْ يسْألوه عن ذلك وكان إعلامُه إياهم هذا زِيادةً في التثبيت في نفوسهم أنَّه يعلم الغيب، فكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوماً يسفكون الدماءَ ويَعصونَك؛ وإنَّما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسُوا كما نقدس، ولَمْ يَقُولُوا هَذَا إلا وقد أذن لهم. ولا يجوز على الملائكة أن تقول شيئاً تتظنى فيه، لأن اللَّه تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون. * * * وقوله : (إِنَىِ أعْلمُ ما لا تَعْلَمُونَ). أي أبْتَلِي من تَظُنُون أنَّه يطيع فيهديه الابتلاءُ، فالألف ههنا إِنَّمَا هي على إِيجاب الجعل في هذا القول، كما قال جرير:

стр. 72

ألسْتُمْ خَيْرَ مَنْ ركب المطايا. . . وأنْدَى العالَمينَ بطون راحِ ومعنى (يَسفِكُ) يصُب، يقال سفك الشيءَ إذا صبَّه ومعنى (نُسَبح بحمدك) نُبَرئُك من السوءِ، وكل مَنْ عمل عَمَلاً قَصدَ به اللَّه فقد سبح، يقال فرغت من تسبيحي أي من صلاتي، وقال سيبويه وغيره من النحويين: إن معنى سُبْحَان الله: براءة اللَّه من السوءِ وتنزيهه من السوءِ، وقال الأعشى: أقول لما جاءَني فخرُهُ. . . سبحانَ من علقمةَ الفاخر. المعنى البراءَة مِنْه ومِنْ فخْرِه. . ومعنى (نُقَدِّسُ لَكَ) أي نطهر أنْفُسَنا لك، وكذلك منْ أطاعك نقدسُه أي نطهّره، ومن هذا بيت المقدس، أي البيت المُطهرُ أو المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب. * * * وقوله : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قال أهل اللغة علم آدم أسماءَ الأجناس، وعرض أصحاب الأسماءِ من

стр. 73

الناس وغيرهم على الملائكة، فلذا قال: (ثم عرضهم) لأن فيهم من يعقل. وكل ما يعقل يقال لجماعتهم (هم). و (هم) يقال للناس ويقال للملائكة؛ ويقال للجن، - ويقال للجان ويقال للشياطين فكل مميز في الإضمار (هم) هذا مذهب أهل اللغة. وقد قال بعض أهل النظر: إن الفائدة في الِإتيان بالأسماءِ أبلغ منها هي الفائدة بأسماءِ معاني كل صنف من هذه، لأن الحجة في هذا أن الخيل إذا عرضت فقيل ما اسم هذه، قيل خيل، فأي اسم وضع على هذه أنبأ عنها. وإنما الفائدة أن تُنْبِئ باسم كل معنى في كل جنس، فيقال هذه تصلح لكذا. فهذه الفائدة البينة التي يتفق فيها أن تسمى الدابة والبعير بأي اسم شئتَ. والمعنى الذي فيها وهو خاصها معنى واحد وإن اختلفت عليه الأسماءُ واللَّه أعلم. * * * وقوله : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) قَرأتِ الْقُراءُ (للملائِكةِ اسْجُدُوا) بالكسر وقرأ أبو جعفر المدني وحده (للملائكةُ اسْجدوا) بالضم. وأبو جعفر من جِلَّةِ أهل المدينة

стр. 74

وأهلِ الثَّبتِ في القَراءَةِ إلا أنه غلط في هذا الحرف (١) لأن الملائكة في موضع خفض فلا يجوز أن يرفع المخفوض ولكنه شبَّه تاءَ التأنيث بكسر ألف الوصل لأنك إذا ابْتدأتَ قلت اسْجُدوا. وليس ينبغي أن يقرأ القرآن بتوهم غيرِ الصواب. (وإذ) في موضع نصب عطف على (إذ) التي قبلها والملائكة واحدهم مَلَك، والأصل فيه مَلأك أنشد سيبويه. فلست لِأنْسي ولكنِ لِمَلأك. . . تنزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصُوبُ ومعناه صاحب رسالة، ويقال مألُكة ومألَكَة ومألُك جمع مألُكة قال الشاعر: أبلغ النُعمانُ عني مالكاً. . . أنه قدْ طال حَبْسي وانتظاري وقوله: (لآدم) آدمُ في موضع جَر إلا أنه لا ينْصرِفُ لأنَّه على وزن أفعَل: يقول أهل اللغة إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خُلقَ مِنْ تُراب. وكذلك الأدمة إنما هي مشبهة بلون التراب. فإذا قلت مررت بآدم وآدم آخر، فإن النحويين يختلفون في أفعل الذي يسمى به وأصله الصفة، فسيبويه

стр. 75

والخليل ومن قال بقولهما يقولون إنه يَنْصرف في النكرة لأنك إِذا نكّرته رددته إلى حال قد كان فيها يَنْصَرِف وقال أبو الحسن الأخفش إذا سَمَّيْتَ به رجلًا فقد أخرجته من باب الصفة، فيجب إذا نكرته أن تصرفه فتقول: مررت بآدمٍ وآدمٍ آخر. ومعنى السجود لآدم عبادة الله لا عبادةُ آدم، لأن الله : (إنما خلق ما يعقل لعبادته. فإذا ابتدات قلت: اسْجُدوا فضممت الألفَ، والألفُ لا حظ لها في الحركة، أعني هذه الهمزة المبتدأ بها. وإنَّما أدخلت - للساكن الذي بعدها. لأنه لا يبتدأ بساكن، فكان حقها الكسرَ لأن بعدها ساكناً، وتقديرها السكون، فيجب أن تكسر لالتقاءِ السَّاكنين، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسر، وكذلك كل ما كان ثالثُه مَضْمُوماً - في الفعل المستقبل نحو قوله (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، ونحو (اقْتُلُوا يُوسُفَ) لأنه من أنَظَر يَنْظُر وقَتَل يقْتُل، وإنما كرهت الضمة بعد الكسرة - لأنها لا تقع في كلام العرب - لثقلها - بعدها. فليس في الكلام مثل فِعُل ولا مثل إفْعُل. * * * وقوله : (فَسَجَدُوا إلا إبلِيسَ أبَى): قال قوم إن إبليس كان من الملائكة فَاسْتُثْنِيَ منهم في السجود وقال قوم من أهل اللغة: لم يكن إبليس من الملائكة، والدليل على ذلك قوله: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)، فقيل لهُؤلاءِ فكيف جاز أنْ يُستَثْنى منهم؛ فقالوا:
следующие страницы →