Полный текст (155 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أضنى فؤادي بعد عهدي به ... وبعده مني ومن وصلي
منية نفسي في هوى فضل ... أن يجمع الله بها شملي
أهواك يا فضل هوى خالصاً ... فما لقلبي عنك من شغل
فأجابته:
الصبر ينقص والسقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
إني أعوذ بحرمتي لك في الهوى ... من أن تطاوع في قول حسود
في هذه الأبيات رمل طنبوري وأظنه لجحظة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال أخبرني الحسن بن عيسى إبن الكوفي، قال حدثني أبو دهمان، قال محمد بن خلف، وأخبرني بهذا الخبر: عبد الله بن نصر المرزوي، قالا: كانت فضل الشاعرة من أحسن الناس وجهاً وخلقاً وخلقاً، وأرق شعراً، فكتب إليها بعض من كان يجمعه وإياها مجلس الخليفة، وكان يهواها ولا يطلعها على حبه لها:
ألا ليت شعري عنك هل تذكرينني ... فذكرك في الدنيا الي حبيب
وهل لي نصيب في فؤادك ثابت ... كما لك عندي في الفؤاد نصيب
ولست بمتروك فأحيا بزورة ... ولا النفس عند اليأس عنك تطيب
فكتبت إليه هذه الأبيات:
نعم وإلهي إنني بك صبة ... فهل أنت يا من لا عدمت مثيب
стр. 37
لمن أنت منه في الفؤاد مصور ... وفي العين نصب العين حين تغيب
فثق بوداد أنت مظهر فضله ... على أن بي سقماً وأنت طبيب!
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني أبو العباس المرزوي قال: قال المتوكل لعلي بن الجهم، قل بيتاً، وقل لفضل الشاعرة تجيزه، فقال علي: أجيزي يا فضل:
لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فأطرقت هنيئة، ثم قالت:
فلم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد عشقا ... فمات وجداً فكان ماذا؟
فأطرب المتوكل، وقال أحسنت وحياتي يا فضل وأمر لها بألفي دينار، وأمر عريباً، فغنت فيه صوتها: الهزج.
قال أبو الفرج ونسخت من كتاب جعفر بن قدامة: حدثني: علي بن يحيى المنجم، وقد حدثني بعض أصحابنا عن رجل، عن علي بن يحيى قال:
стр. 38
دخلت الى المتوكل يوماً، فدفع الي رقعة وأمرني بقراءتها، فقرأتها فإذا فيها:
قد بدا شبهك يا مو ... لاي يحدو بالظلام
قم بنا نقض لبانا ... ت التثام والتزام
قبل أن تفضحنا عو ... دة أرواح النيام
فقلت ملح والله قائلها!، فمن هو؟ قال: واعدت فضلاً البارحة، أن تبيت عندي، فسكرت سكراً شديداً منعني من ذلك، فلما أصبحت وجدت هذه الرقعة في كمي وهي بخطها.
حدثني جحظة، قال حدثني إبن الدهقانة النديم عن عبد الله بن عمر بن المرزبان قال: قالت لي فضل: وعدني أمير المؤمنين أن أبيت عنده، وأشرب فسكرت، وخرجت مع العتمة، فجلست أغمز رجله ملياً، ثم قمت إلى جنبه فلم يتحرك من نومه، فكتبت في رقعة وجعلتها في كمه، وذكرت الأبيات، فلما أصبح قرأها، وضحك ثم دعاني، فوهب لي ألف دينار، وتكون الليلة عوض البارحة!.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني أحمد بن أبي فنن قال: خرجت قبيحة إلى المتوكل في يوم نيروز، وفي يدها كأس بلور شراب
стр. 39
فقال لها: ما هذا؟ قالت: هديتي إليك من هذا النيروز عرفك الله بركته، فشرب الكأس، وقبل خدها، فقالت فضل:
سلافة كالقمر الباهر ... في قدح كالكوكب الزاهر
يديرها خشف كبدر الدجى ... فوق قضيب أهيف ناضر
على فتى أروع من هاشم ... مثل الحسام المرهف الباتر
أخبرني محمد بن خلف، قال حدثني أبو الفضل المرزوي قال: اجتمعت فضل الشاعرة وسعيد بن حميد في مجلس، فأخذت دواة ودرجاً وكتبت إليه:
بثثت هواك في جسدي وروحي ... فألف فيهما طمعاً بيأس
فكتب إليها تحت البيت:
كفانا الله شر اليأس إني ... لخوف اليأس أبغض كل آسى
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال ألقى بعض أصحابنا على فضل الشاعرة:
ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر
стр. 40
قالت:
فو الله ما يدري أتدري ما جنت ... على قلبه أم أهلكته وما يدري؟
أخبرني محمد بن خلف، قال حدثني أبو يوسف الضرير المعروف بابن الدقاق، قال: صرت أنا وأبو منصور الباخرزي الى فضل الشاعرة، فحجبنا، وما علمت بنا، ثم بلغها خبرنا بعد إنصرافنا فغمها ذلك، وكرهته، فكتبت إلينا تعتذر، فقالت:
وما كنت أخشى أن تروا لي زلة ... ولكن أمر الله ما عنه مذهب
أعوذ بحسن الصفح منكم وقبلنا ... بصفح وعفو ما تعوذ مذنب
فكتب إليها أبو منصور الباخرزي:
لئن أهديت عتباك لي ولأخوتي ... لمثلك يا فضل الفضائل يعتب
إذا إعتذر الجاني، محا العذر ذنبه ... وكل إمرىء لا يقبل العذر مذنب
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال حدثني محمد بن الوليد قال حدثني علي بن الجهم، قال: كنت يوماً عند فضل الشاعرة، فألحظتها لحظة إسترابت بها، فقالت:
стр. 41
يا رب رام حسن تعرضه ... يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك ليس يمرضه؟ ... وأي عقد محكم لا ينقضه!
فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبن حميد، قال: قلت لفضل الشاعرة أجيزي:
من لمحب أحب في صغره؟
فقالت:
فصار أحدوثة على كبره!
فقلت:
من نظر شفه وأرقه
فقالت:
فكان مبدا هواه من صبره!
ثم شغلت بالشراب هنيئة، ثم قالت:
لولا الأماني لمات من كمد ... مر الليالي يزيد في فكره
ليس له مسعد يساعده ... بالليل في طوله وفي قصره
стр. 42
الجسم يبلى فلا حراك بهوالروح فيما أرى على أثره!
حدثني الحسن بن محمد، والحسن بن علي قالا: أخبرنا إبن أبي الدنيا، قال حدثني ميسرة بن محمد، قال حدثني عبيد بن محمد قال: قلت لفضل الشاعرة ماذا نزل بكم البارحة؟! وذلك صبيحة قتل المنتصر أو المعتز فقالت وهي تبكي:
إن الزمان بذحل كان يطلبنا ... ما كان أغفلنا عنه وأسهانا!
ما لي وللدهر قد أصبحت همته ... ما لي وللدهر ما للدهر لا كانا!
قال أبو الفرج: قرأت في بعض الكتب عن عبد الله بن المعتز قال: قال لي إبراهيم بن المدبر: كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطاً وأفصحهم كلاماً، وأبلغهم في مخاطبة، وأثبتهم في محاورة فقلت يوماً لسعيد بن حميد، أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل، رقاعها، وتفيدها وتخرجها، فقد أخذت تجول في الكلام، وسلكت سبيلك، فقال وهو يضحك: ما تحسن ظنك! ليتها تسلم مني، لا آخذ كلامها ورسائلها! والله يا أخي لو أن أحد أفاضل الكتاب وكبراءهم وأماثلهم أخذ عنها، لما إستغنوا عن ذلك!.
وكانت فضل تهوى سعيد بن حميد ويهواها ولكل واحد منهما في صاحبه
стр. 43
أشعار - ذكرتها في أماكنها - ثم عدلت عنه إلى بنان المغني فعشقته.
حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم، قال: أمر المتوكل بأن تضرب مضاربة على القاطول، وتحدر هناك ويقيم شتوية على القاطول، فقالت فضل الشاعرة:
قالوا لنا أن بالقاطول مشتانا ... ونحن نأمل صنع الله مولانا
والناس يأتمرون الغيب بينهم ... والله في كل يوم محدث شانا
رب يرى فوق ملك العالمين له ... ملكاً وفوق ذوي السلطان سلطانا
وغنت فيه عريب، فلما أخذ النبيذ في المتوكل غنته بهذا الصوت فطرب، وأمر بإبطال ما كان عزم عليه، وقال: إذا كرهتم هذا كرهناه.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود، قال:
стр. 44
وقع بين سعيد بن حميد وبين فضل الشاعرة، مشاجرة لشيء بلغها عنه، فكتب إليها:
تعالي نجدد عهود الصبا ... ونصفح عن الذنب فيما مضى
ونجري على سنة العاشقين ... ونضمن عني وعنك الرضا
ويبذل هذا لهذا رضاه ... ويصبر في حبه للقضا
ونخضع ذلاً خضوع العبيد ... لمولى عزيز إذا أعرضا
فإنى مذلج هذا العتاب ... كأنى أبطنت جمر الغضى
فصارت إليه، وصالحته.
قال أبو الفرج: ولهاشم بن سليمان في هذا الشعر لحن من ثقيل الأول بالوسطى، ذكره لي عمي وإبن بانة.
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني ميمون بن إبراهيم، قال: كنت أنا وسعيد بن حميد، نشرب عند الحسن بن مخلد فجاء سعيد برقعة، عن فضل الشاعرة فدفعها إليه فقرأها، ولحظه الحسن، فقال له بحياتي هذه رقعة فضل الشاعرة؟! فشور ثم صدقه، فقال هاتها: فأعطاه إياها، وقرأناها فإذا فيها مكتوب:
نفسي فداؤك طال العهد وإتصلت ... منك المواعيد والليان والخلف
стр. 45
والله يعلم أني فيك ساهرة ... ودمع عيني منها بارق يكف
فان تكن خنت عهدي فو آاسفاً ... وقل مني فيك الهم والأسف
وإن تبدلت مني غادراً خلفاً ... فليس منك ورب العرش لي خلف
فكتب اليها:
يا واصف الشوق عندي فوق ما تجد ... دمع يفيض وقلب خافق يجف
فكن على ثقة مني وبينة ... إني على ثقة من كل ما تصف
ق٩٤ أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة، قال حدثني محمد بن السري، أنه صار إلى سعيد بن حميد، وهو في دار الحسن بن مخلد في حاجة له، قال: بينما أنا عنده، إذ جاءته رقعة لفضل الشاعرة وفيها هذان البيتان:
الصبر ينقص والسقام يزيد ... والدار دانية وأنت
بعيد أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
أنا يا أبا عثمان قد مت قبلك، في حال التلف، وما عدتني ولا سألت عن خبري فأخذ بيدي، ومضينا إليها عايدين، فقالت له: هو ذا أموت وتستريح مني!، فانشأ يقول:
لا مت قبلك بل أحيا وأنت معاً ... ولا أعيش إلى يوم تموتينا
حتى نعيش كما نهوى ونأمله ... ويرغم الله فينا أنف شانينا
стр. 46
حتى إذا ما قضى الرحمن منيتنا ... وحل من أمرنا ما ليس يعدونا
متنا جميعاً كغصني بانة ذبلاً ... من بعد ما نضرا واستوسقا حينا
ثم السلام علينا في مضاجعنا ... حتى يعود إلى تدبير منشينا
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني ميمون بن هارون قال: أن سعيد بن حميد كان مشغوفاً بفضل الشاعرة، ولم يزل بكاتبها ويراسلها، ويشكو هواه إليها حتى واصلته.
قال ميمون، وأقرأني رقعة منها إليه، تعاتبه على حصوله مع مغنية، وتجميشه لها، وفي آخرها:
خنت عهدي وليس ذاك جزاء ... يا صناع اللسان مر الفعال
وتبدلت بي بديلاً فلا يهن م ك ما إخترته من الأبدال
فأجابها بحضرتي، باعتذار طويل، وكتب في آخر الرقعة:
تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلاً وبعض الظن إثم ومنكر
إذا كان قلبي في يديك رهينة ... فكيف بلا قلب أصافي وأهجر؟!
وفي هذين البيتين لسليمان بت الفضل القصار، رمل وخفيف رمل محدث.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عبد الله بن أبي
стр. 47
سعيد، قال حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود: أن أباه كان يستحسن قول سعيد بن حميد:
تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلا، وبعض الظن إثم ومنكر
ويقول: لئن عاش هذا الغلام ليكونن له شأن من الشؤون.
حدثني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب، قال إسحاق بن مسافر: إنه كان عند سعيد بن حميد يوماً، فدخلت عليه فضل الشاعرة على غفلة، فوثب إليها وسلم عليها، وسألها أن تقيم عنده، فقالت: قد جاءني وحياتك رسول الخليفة، وليس يمكنني الجلوس عندك، وكرهت أن أمر ببابك ولا أراك، فقال سعيد على البديهة:
قربت ولم نرج اللقاء ولا نرى ... لنا حيلة يدنيك منا إحتيالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوؤها ... قريب ولكن أين منا منالها؟
كظاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا ولكن قد يلم خيالها
تقل بها الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها وإعتلالها
ولكنها أمنية فلعلها ... يجود بها صرف النوى وإنفتالها
حدثني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون، قال: غضبت فضل الشاعرة على سعيد بن حميد فكتب إليها:
стр. 48
يا أيها الظالم مالي ولك ... أهكذا تهجر من واصلك!
لا تصرف الرحمة عن أهلها ... قد يعطف المولى على من ملك
ظلمت نفساً فيك علقتها ... فدار بالظلم عليها الفلك
تبارك الله فما أعلم الله ... بما ألقى وما أغفلك!
فراجعته وواصلته، وصارت إليه جواباً عن رقعته. ولعريب في هذا الأبيات لحنان: ثقيل ثاني، وهوج ذكرهما لها إبن المعتز.
حدثني علي بن العباس بن أبي طلحة، قال حدثني: أبو العباس بن أبي المدور، قال: كان سعيد بن حميد صديقاً لأبي العباس بن ثوابة فدعاه يوماً، وجاءه رسول لفضل الشاعرة يسأله المصير إليها، فمضى معه، وتأخر عن أبي العباس، فكتب إليه رقعة يعاتبه فيها عتاباً فيه توبيخ وتعنيف فكتب إليه سعيد:
أقلل عتابك فالزمان قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة المت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الأخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل أحداث الليالي والردى ... يوماً ستصدع شملنا وتحول
فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
стр. 49
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين من لا يشاكله لدي عديل
وليذهن جمال كل مروءة ... وليعفون فناؤها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... باق عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء صفاؤه ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول؟!
حدثني عمي، قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال: كتبت فضل الشاعرة إلى سعيد بن حميد أيام كانت بينهما محبة وتواصل ق٣٠.
وعيشك لو صرحت باسمك في الهوى ... لأقصرت عن أشياء في الهزل والجد
ولكنني أبدي لهذا مودة ... وذاك وأخلو فيك بالبث والوجد
مخافة أن يغرى بنا قول كاشح ... عدومً فيسعى بالوصال إلى الصد
فكتب إليها سعيد بن حميد:
تنامين عن ليلي وأسهره وحدي ... فأنهى جفوني أن تبثك ما عندي
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته ... بنا فانظري ماذا على قاتل العمد؟
هكذا ذكر إبن مهرويه، قال عمي، وهكذا حدثني به علي بن الحسين بن عبد الأعلى الأسكافي، قال: حضر سعيد بن حميد مجلساً حضرته فضل الشاعرة وبنان، وكان
стр. 50
سعيد، يهواها، وكانت تظهر له هوى، ويتهمها سعيد مع ذلك ببنان، فرأى فيها إقبالاً شديداً على بنان، فغضب، وإنصرف، فكتبت إليه فضل هذه الأبيات المذكورة آنفاً، وأجابها سعيد بالأبيات المذكورة.
وحدثني عمي، قال حدثني ميمون بن هارون قال: رأيت فضل الشاعرة وسعيد بن حميد ليلة، بوعد سبق بينهما، فلما حصلت عنده، جاءتها جاريتها، فبادرت وأعلمتها أن رسول الخليفة قد جاء يطلبها فقامت من وقتها ق٣١ فمضت، فلما كان من الغد كتب إليها سعيد بن حميد:
ضن الزمان بها فلما نلتها ... ورد الفراق فكان أقبح وارد
والدمع ينطق بالضمير مصدقا ... قول المقر مكذباً للجاحد
حدثني إبراهيم بن القاسم بن زرزور قال حدثني أبي، قال: فصد سعيد بن حميد العرق لحمى كان يلحقه في كبده، فسألتني فضل الشاعرة، وسألت عربياً أن تساعدها في المسير إليه، وأهدت له: هدايا فيها ألف جدي وألف دجاجة فائقة وألف طبق فاكهة وريحان، وطيباً كثيراً وشراباً وتحفاً حساناً، فكتب إليها سعيد: سروري لا يتم إلا بحضورك! قال فجاءته في آخر النهار، وجلسنا لنشرب، فاستأذن غلامه لبنان، فأذن له - فدخل إلينا - وهو يومئذ شاب طرير، حسن الوجه، حسن الغناء، سري الملبوس، عطر الشكل، فذهب بها كل مذهب، وبان فيها ذلك: بإقبالها عليه، ينظرها وحديثها، فتنمر سعيد وأستطير غضباً، وتبين بنان
стр. 51
القصة، فانصرف، وأقبل سعيد يعذلها ساعة ويوبخها، ويؤنبها أخرى وهي تعتذر ثم سكت، فكتبت إليه فضل ق٣٢:
يا من أطلت تفرسي ... في وجهه وتنفسي
أفديك من متدلل ... يزهى بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأت بلى أقول أنا المسى
أحلفتني أن لا أسا ... رق نظرة في مجلس
فنظرت نظرة مخطئ ... ووصلتها بتفرس
ونسيت أني قد حلفت فما عقوبة من نسي؟
يا من حكاه الياسمين وطيب ريح النرجس
إغفر لعبدك ما جنا ... هـ من اللحاظ الخلس!
وزادت فيه عريب:
قالوا عقوبته الجفا ... ويسا إليه كما يسى!
فقام سعيد وقبل رأسها، وقال لا عقوبة عليك، بل يحتمل هفوتك، ويتجاوز عن إساءتك، وغنت عريب في هذا الشعر، رملاً وهزجاً، وشربنا عليه بقية يومنا ثم إفترقنا وقد أثر في قلبها، وعلقته، ولم يزل يواصلها سراً حتى ظهر أمرهما.
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني ابن أبي المدور الوراق، وكان في جملة سعيد بن حميد، قال: كنت عند سعيد يوماً وقد ق٣٣ إبتداء ما بينه وبين فضل الشاعرة يتشعب، لما بلغه ميلها إلى بنان وهو بين المصدق لذلك والمكذب، ثم أقبل
стр. 52
على صديق له فقال: أصبحت والله من فضل في غرور، أخادع نفسي بتكذيب العيان!، وأمنيها ما قد حيل دونه!. والله إن إرسالي إليها - بعد ما قد بان لي منها - لذل وإن عدولي عنها وفي أمرها شبهة - لعجز وغبن، وإن صبري عنها لمن دواعي التلف، ولله در محمد بن أمية حيث يقول:
يا ليت شعري ما يكون جوابي ... أما الرسول فقد مضى بكتابي
وتقسمت نفسي الظنون وأشعرت ... طمع الحريص وخيفة المرتاب
وتروعني حركات كل محرك ... للباب يطرقه وليس ببابي
كم نحو باب الدار لي من وثبة ... أرجو الرسول بمطمع كذاب!
والويل لي من بعد هذا كله ... إن كان ما أخشاه رجع جوابي!
حدثني جحظة، قال حدثني ميمون بن هارون، قال: لما إتصل ما بين بنان وفضل الشاعرة وعدلت عن سعيد بن حميد أسف عليها، وجزع جزعاً: إمتنع من الشراب، وعشرة الأخوان، وهو مع ذلك يظهر التجلد ثم قال فيها ق٣٤:
قالوا تعز فقد بانوا فقلت لهم: ... بان العزاء على آثار من بانا
وكيف يملك سلواناً لحبهم ... من لم يطق للهوى سراً وإعلانا
كانت عزائم صبري أستعين بها ... صارت علي بحمد الله أعوانا
لا خير في الحب لا تبدو شواهده ... ولا ترى منه في العينين عنوانا
قال جحظة: وغنى بعض المحدثين في هذا الشعر لحناً حسناً رملاً وهو مشهور، وعني نفسه. حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم، قال:
стр. 53
كانت فضل الشاعرة تميل إلى بنان وتكاتم المتوكل بحبه، وكانت تجلس مع الندماء، بارزة على كرسي، فقال لها المتوكل: إقترحي صوتك على بنان، فقالت ما لي عليه صوت، فقال له: بحياتي غن صوتها عليك! فغنى بشعر سلم الخاسر:
إسمعي أو خبرينا ... يا ديار الظاعنينا
إن قلبي لك رهن ... بالذي قد تعلمينا
فأمر أن يسقى رطلاً، فسقيته، وأمره بإعادته فغناه، فسقيته ثانياً ثم أعاده فسقيته ثالثاً.
قال علي بن يحيى: وقمت إلى الخلاء، وإذا بفضل قد عارضتني، وقالت إسمع يا أبا الحسن ق٣٥ ما قلت، فقلت: هات، فأنشدتني هذه الأبيات:
قد تغني لي بنان ... إسمعي أو خبرينا
وشربت الراح فارتح ... ت وأبدت لي شجونا
ثم أظهرت لجلا ... سي من السر مصونا
قل لمولاي ولا تخ ... شى وقل قولاً مبينا
رب صوت حسن قد ... ألبس الراس قرونا!
أنت قواد نبيل ... يا أمير المؤمنينا!
وقد قال علي بن الجهم في ذلك:
كلما غنى بنان ... إسمعي أو خبرينا
أنشدت فضل ألا حيت عنا يا مدينا
стр. 54
رب صوت حسن قد ... أورث الرأس قرونا
ولعل جحظة وهم في إدخال هذا البيت في أبيات فضل وحدثني علي بن صالح الهيثمي، قال حدثني أحمد بن الهيثم المادرائي، قال: لما إنكشف لسعيد بن حميد عشق فضل الشاعرة لبنان، واصل جارية من جواري القيان، فكتبت إليه فضل:
يا عالي السن سيء الأدب ... شبت وأنت الغلام في الطرب
ويحك إن القيان كالشرك المنصوب بين الغرور والعطب
لا يتصدين للفقير، ولا ... يطلبن إلا معادن الذهب
بينا تشكى هواك إذ عدلت ... عن زفرات الشكوى إلى الطلب
تلحظ هذا وذا وذاك وذا ... لحظ محب ولحظ مكتسب
حدثني جحظة، قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: غضب بنان على فضل الشاعرة في أمر أنكره عليها فاعتذرت إليه فلم يقبل عذرها فكتبت إليه:
يا فضل صبراً إنها ميتة ... يجرعها الكاذب والصادق
ظن بنان أنني خنته ... روحي إذا من جسدي طالق!
стр. 55
تيماء جارية خزيمة بن خازم
стр. 56
حدثني عمي الحسن بن محمد وأحمد بن عبيد الله بن عمار، قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال حدثني: أبو همام محمد بن سعيد الخطيب قال: كانت لخزيمة بن خازم: جارية، مدنية شاعرة، يقال لها: تيماء وكان بها مشغوفاً، وهي القائلة وقد خرج إلى الشام ق٣٧:
تفديك نفسي من سوء تحاذره ... فأنت بهجتها والسمع والبصر
لئن رحلت، لقد أبقيت لي حزناً ... لم يبق لي معه في لذة وطر
فهل تذكرت عهدي في المغيب كما ... قد شفني الهم والأحزان والذكر
стр. 57
حدثني عمي الحسن بن محمد، قال حدثني عبد الله بن أبي سعيد قال حدثني عبد الله بن عمر الهيثمي، قال حدثني أحمد بن إبراهيم قال: حدثتني تيماء جارية خزيمة بن خازم، قالت: عرضت على حزيمة بن خازم، جارية، مليحة، بكر، حلوة القد والوجه، فمال إليها وأقبل إلي كالمعتذر فقال:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطى إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... بذلت وحبة لؤلؤ لم تثقب
فأجبته:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركب
والدر ليس بنافع أربابه ... حتى يؤلف في النظام ويثقب
فضحك وإشترانا معاً، ثم غلبتها عليه بعد ذلك.
стр. 58
سكن جارية طاهر بن الحسين
стр. 59
كانت مولدة، بيضاء، حسنة الوجه والغناء، شاعرة، ربيت في دار إبن بخسنر وأخذت الغناء منه ومن أبيه محمد وبناته وجواريه، وعن إسحق الموصلي وطبقته، وسمعها إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي، وإستحسنا طبعها.
وقال إبراهبم: ليت شعري - هذا السيف - لمن يشحذ؟! وكانت مع هذا، قوية الطبع في قول الشعر: فذكر أحمد بن أبي طاهر، عن إبراهيم الطبري، أنها كانت قد حظيت عند طاهر، حظوة شديدة، ثم غلبتها عليه جارية أخرى ملكها، فانقطع عنها
стр. 60
لمدة، - شغلاً بتلك - ثم إجتاز بحجرتها، فوثبت، فقبلت يده، فاستحيا منها، وقال لها: الليلة أزورك! فتأهبت وتزينت وتعطرت - ونسي طاهر وعده، وتشاغل عنها ليلته، فكتبت إليه:
ألا يأيها الملك الهمام ... لأمرك طاعة ولنا ذمام
طمعنا في الزيارة وإنتظرنا ... فلم يك غير ذلك والسلام!
فلما قرأ الرقعة، أطربته وحركته وأهاجت دواعيه، فقام فدخل إليها، فأقام عندها ثلاثاً وعاد لها إلى ما كان عليه، وهي القائلة في عدول طاهر عنها:
للامير المبارك الميمون ... ذي اليمنين طاهر بن الحسين
كنت لي مدة، فصار شريكى ... فيك من لم يكن له أن يكون
فكتمناك ضعف ما قد شكونا ... من تجافيك والحديث شجون
стр. 61
فنون جارية يحيى بن معاذ
стр. 62
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني إبن زكريا بن يحيى بن معاذ، قال: كانت لبعض عماتي جارية، حسنة الوجه، شاعرة، وكان عمي يهواها ويكتب اليها فيما بينه وبينها فتجيبه وتخرق كتبه ويحتفظ هو بجواباتها، وكتب إليها يعاتبها على تخريقها رقاعه، وينسب ذلك إلى سوء العهد، وكتبت إليه:
يا ذا الذي لام في تخريق قرطاسي ... كم مر مثلك في الدنيا على راسي!
الحزم تخريقه إن كنت ذا أدبوإنما الحزم سوء الظن بالناس
إذا أتاك وقد أدى أمانته ... فاحفظ أساطيره من سائر الناس
وإشقق كتاب الذي تهواه مجتهداً ... فرب مفتضح في حفظ قرطاس
فعلم أن الذي تفعله، أدخل في الحزم من فعله، فأمر بكتبها المجتمعة عنده، فخرقت وأحرقت.
стр. 63
صرف جارية ابن خضير مولى جعفر بن سليمان
стр. 64
صرف جارية ابن خضير مولى جعفر بن سليمان
شاعرة، فصيحة، مغنية، حسنة الوجه، والغناء، كاتبة، من مولدات البصرة، ولها صنعة في الغناء.
ذكر الهشامي منها هذا الصوت:
كريم يغض الطرف فرط حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان
وكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان
ولحنه من خفيف الرمل.
стр. 65
حدثني جعفر بن قدامة، قال حدثني: أبو هفان: قال حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: كتبت إلى صرف جارية إبن خضير، وكانت أديبة شاعرة:
حبوت صرفاً بهوى صرف ... لأنها في غاية الظرف
يا صرف ما تقضين في عاشق ... بكاؤه يبدي الذي يخفي؟
فكتبت الي:
لبيك من داع أبا قاسم ... حبك يدنيني من الحتف
صرف التي تسقيك صرف الهوى ... وخلة جلت عن الوصف
стр. 66
نسيم جارية أحمد بن يوسف
стр. 67
الكاتب
مولدة، شاعرة، مغنية.. كان لها من قلبه مكان خطير، فلما مات أحمد بن يوسف الكاتب قالت ترثيه:
ولو أن حياً هابه الموت قبله ... لما جاءه أو جاء وهو هيوب
ولو أن حيا قبله هابه البلى ... إذا لم يكن للارض فيه نصيب
قال أبو القاسم، وهي القائلة وقد غضب عليها:
غضبت بلا جرم علي تجنياً ... وأنت الذي تجفو وتهفو وتعذر
стр. 68
سطوت بعز الملك في نفس خاضع ... ولولا خضوع الرق ما كنت أصبر
فان تتأمل ما فعلت تقم به ال ... معاذير أو تظلم فانك تقدر!
فرضي عنها وإعتذر إليها.
وقالت ترثيه:
نفسي فداؤك لو بالناس كلهم ... ما بي عليك تمنوا أنهم ماتوا
وللورى موتة في الدهر واحدة ... ولي من الهم والأحزان موتات!
стр. 69
عارم جارية زلبهدة النخاس
стр. 70
كانت مولدة من مولدات البصرة، فاشتراها زلبهدة وإبتاعها منه بعض الكتاب ببغداد.
فحدثني علي بن صالح بن الهيثم الأنباري، قال حدثني: ميمون بن هارون قال: حدثني الخاركي الشاعر، قال:
مرت بي عارم جارية زلبهدة، يوماً وأنا مخمور فقلت لها يا عارم، قالت: ما لك؟! قلت:
هل لك في أير وأيري مثلي؟ ... ينهض قدامي ويلقى خلفي
أدق عرقيه كأير بغل!
стр. 71
فضحكت ثم قالت:
هل لك في أضيق من حرأمكا ... مستحصف داخله كهمكا؟
تموت إن أبصرته بهمكا!
فأخجلتني يعلم الله، وإنصرفت.
стр. 72
سلمى اليمامية
جارية أبي عباد
стр. 73
أخبرني جعفر بن قدامة، قال حدثني محبرة قال: اشترى جدي أبو عباد، جاريته سلمى اليمامية من نخاس مكي، قدم بها عليه، فلما جاءه بها، أراد أن يمتحنها فأنشد لفضل الشاعرة:
من لمحب أحب في صغره ... فصار أحدوثة على كبره؟
من نظر شفه وأرقه ... فكان مبدا هواه من نظره!
وقال لها أجيزي ما سمعت!
стр. 74
فقالت غير متوقفة:
ما إن له مسعد فيسعده ... بالليل في طوله وفي قصره
لولا التمني لمات من كمدوالروح فيما أرى على أثره!
قال محبرة وأنشدني أبي يحيى بن أبي عباد لها:
يكفي الزمان فعاله يكفي ... أبقى البغيض وبزنى إلفي
يا نازحاً شط المزار به ... شوقي إليك يجل عن وصفي
أسهرت عيني في تفرقنا ... ما إلتذ بعدك بالكرى طرفي
أغفى لكي القاك في حلمي ... ومن الكبائر ثاكل تغفي!
стр. 75
مراد جارية علي بن هشام
следующие страницы →