Полный текст (287 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
علموا أنني مقيمٌ، وقلبي ... فيهمُ راحلٌ أمامَ الجمالِ
مثل صاع العزيز في أرحل ال ... قومِ وما يعلمون ما في الرحال
ومنه:
طفيلي يؤمُ الخبزَ أنى ... رآهُ ولو رآه على يفاعِ
ولا يروي من الأخبارِ إلاَّ ... أجيبُ ولو دعيتُ إلى كراعِ
ومنه:
يا أبا أيوبَ، هذه كنيةُ ... من كنى الأنعام قدماً لم تزل
قد قضى بيتُ لبيدٍ بيننا ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
كم حدوناك لترقى في العلا ... وأبا الرحمنُ لا يعلو هبل
ومنه:
стр. 247
أحسنُ الأشعار عندي: ... وانفِ بالخمر الخمارا
وألذ الآي عني: ... وترى الناسَ سكارى
ومنه:
قال ابنُ هارون لغلمانهِ ... وقد تعاطوهُ بصفعٍ شديْد
لئن شكرتم لأزيدنكمْ ... وإن كفكرتم فعذابي شديدْ
ومنه:
لقد نصرَ التوحيدَ والعدل فعلهُ ... وأيقظ لوام المعالي شمائله
ومن تركَ الأخبار تنشدُ أهله: ... أجلْ، أيها الربعَ الذي خفّ آهلهُ
ومنه:
سعينا لغير العلياء والسند ... وغير أطلال ميّ بالجرد
ويا صبيب السحاب إن كنت ... قد جدت بربع اللوى فلا تعد
ومنه:
عتبت عليه حين ساء صنيعهُ ... وآليتُ لا طوع يديه
فلما خبرت الناس خير مجربٍ ... وجربت أقواماً رضيت عليه
باب
الحل والعقد
اعلم أن الحل والعقد: هو ما يتفاضل فيه الشعراء والكتاب، وهو أن يأخذ لفظاً منثوراً فينظمه أو شعراُ فينثره، ويطارحه العلماء فيما بينهم، مثل قول الرشيد: ولو جمد الخمر لكان ذهبإن أو ذاب الذهب لكان خمرإن فنظمه شاعر فقال:
وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالتْ لنا ذهباً سائلاً
ومنه قول أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في للاشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى القضاء عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القضاء عليك وأنت مأزور، وإنك إن لم تسل احتساباً سلوت غفلة كما تسلو البهائم.
عقده أبو تمام فقلا:
стр. 248
أتصبرُ للبلوى حياءً وحسبةً ... فتؤجرُ أمْ تسلو سلوَّ البهائمِ
وقال عبد الله بن الزبير لما قتل أخوه مصعب: إن التسليم والسلوة لحزماء الرجال، وإن الجزع والهلع لربات الحجال.
عقده أبو تمام فقال:
ونحن خلقنا للتجلدِ والأسى ... وتلكَ الغواني للبكا والمآتمِ
ومن ذلك قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنتَ أهله ... ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائب
فنثره بعض الكتاب فقال: لو أمسك لساني عن شكرك لنطق علي أثر برك.
وقال آخر: لو جحدتك إحسانك لأكذبتني آثاره وتمت علي شواهده، فشهادت الأموال أعدل من شهادات الرجال.
ومن ذلك قول أحمد بن صبيح: في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عما تقدم من امتنانك.
وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلاً بشكر ما مضى من بلائك فاستبطئ ما أؤمل من نعمائك.
فعقده أبو نواس فقال:
قد قلتُ للعباسِ معتذراً ... من طول تقصيري ومعترفا
أنت امرؤٌ قلدتني منناً ... أوهتْ قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم معذرةٍ ... وافتكَ بالتصريحِ منكشفا
لا تسدينَّ إليّ عارفةً ... حتى أقومَ بشكرِ ما سلفا
ومن ذلك قول أبي تمام لأحمد بن أبي دؤاد لما غضب عليه:
стр. 249
أنت الناس كلهم فلا طاقة لي بغضب جميع الخلق. فقال له: ما أحسن هذا! من أين أخذته!، فقال: من قول أبي نواس:
وليس على اللهِ بمستنكر ... أن يجمعَ العالم في واحدٍ
وقيل لأعرابي أنى تصوم في مكة: أما تخشى من الحر؟ فقال: الطل أريد.
وقيل لروح بن زنباع وهو قائم بباب المهلب: لم تقف في الشمس؟ فقال: الظل أريد.
عقده أبو تمام فقال:
أآلفةَ النحيب كم افتراقٍ ... ألم فكانَ داعيةَ اجتماع
ومنه قول المتنبي:
تذكرتُ ما بينَ العذيب وبارق ... مجرَّ عوالينا ومجرى السوابقِ
وقال:
حتى أتى الدنيا ابنُ بجدتها ... فشكا إليهِ السهلُ والجبلُ
حله الصاحب بن عباد فقال: ولما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها وأبا بانيها وأخا عذرتها جعل معقلهم نهزة الحوادث وفرصة البوائق، ومجر العوالي، ومجرى السوابق.
стр. 250
وقال المتنبي:
وللهِ سرٌ في علاكَ، وإنما ... كلامُ العدى ضربٌ من الهذيان
نثره الصاحب فقال: إن لله أسراراً في علاه لا يزال يبديها ويصل قوالبها بتواليها.
ومنه قول المتنبي:
ولو قلمٌ ألقيتُ في شقِ رأسهِ ... من السقمِ ما غيرتُ من خط كاتب
نثره الصاحب ﵀ فقال: ولو كان ما أجنه شظية من قلم كاتب ما غيرت في خطه، أو قذى في عين نائم ما نبه جفنه.
وللمتنبي أيضاً:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأ ... حبابِ فوقَ الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى؛ فإذا عزا ... كَ قالَ الذي لهُ قلتَ قبلا
نثره الصاحب رحمه الله تعالى فقال: فكيف لي بتعزيته عند مرزيته إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه بعض ما استفدناه منه.
ومنه قوله:
стр. 251
وذكيُ رائحةِ الرياض كلامها ... يبغي الثناء على الحيا فتفوحُ
نثره الصاحب فقال: وإنا أثني عليه ثناء لسان الزهر على راحل المطر.
ومنه قول المتنبي:
فوق السماءِ وفوقَ ما طلبوا ... فإذا أرادوا غايةً نزلوا
نثره الصابئ فقال: إذا مد أحدهم إليها يداً يجذبها إلى سفال، جذبته يدها إلى المحل العالي.
ومنه قوله:
وعدتَ إلى حلبٍ ظافراً ... كعودِ الحلي إلى العاطل
نثره الصابئ فقال: وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل.
وقوله أيضاً:
كأنَّ كلَّ سؤالٍ في مسامعهِ ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوب
نثره الصابئ فقال: وصل كتاب مولاي فكأنه في الحسن روضة حزن، بل جنة عدن. وفي شرح النفس وبسط الأنس وبرد الأكباد والقلوب كقميص يوسف في أجفان يعقوب.
стр. 252
ومن ذلك المناقلة بين أرسطاطاليس الحكيم والمتنبي: قال الحكيم: إذا كانت الشهوة فوق القدر، كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.
قال المتنبي:
وإذا كانت النفوسُ كباراً ... تعبتْ في مرادها الأجسامُ
قال الحكيم: نفوس الحيوان أعراض لحوادث الزمان.
قال المتنبي:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمرُّ به الوحولُ
وقال الحكيم: روم نقل الطباع من ذوي الأطماع شديد الامتناع.
قال المتنبي:
يرادُ من القلب نسيانكمْ ... وتأبى الطباعُ على الناقل
قال الحكيم: إذا تجردت اللطائف من الشكوك كسيت الصورة رونقاً.
قال المتنبي:
إذا خلعتَ على عرضٍ له حللاً ... وجدتها منهُ في أبهى من الحلل
قال الحكيم: الألفاظ المنطقية مضرة بذوي الجهل لنبو إحساسهم عن إدراكها.
قال المتنبي:
بذي الغباوة من إنشادها ضررٌ ... كما تضرُّ رياحُ الوردِ بالجعلِ
стр. 253
قال الحكيم: تعاقب الزمان مفسد لأحوال الحيوان.
قال المتنبي:
فما ترجي النفوسُ من زمنٍ ... أحمدُ حاليهِ غيرُ محمودِ
وقال الحكيم: الزمان ينشي ويلاشي، يغني كل قوم بحيث يفقر آخرين.
قال المتنبي:
بذا قضت الأيامُ ما بينَ أهلها ... مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ
قال الحكيم: يسير من ضياء الحكمة خير من كثير من حفظ الحكمة.
قال المتنبي:
فإنَ قليلَ الحبّ بالعقل صالحٌ ... وإنَ كثيرَ الحبّ بالجهل فاسدُ
قال الحكيم: من علم أن الكون والفساد يتعاقبان الأشياء لم يحزن لورود الفجائع، لعلمه أنه من كونها، وهان ذلك عليه لعجز الكل عن دفع ذلك.
قال المتنبي:
إذا استقبلتْ نفسُ الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنتْ فاستدبرته بطيبِ
قال الحكيم: ترداد حركات الفلك يحل الكائنات عن حقائقها.
قال المتنبي:
ومن صحبَ الدنيا طويلاً تقلبتْ ... على عينيه حتى يرى صدقها كذبا
قال الحكيم: النفس الجوهرية تأبى مقارنة الذلة جداً وترى فناءها في ذلك حياتها، والنفس الدنية بضد ذلك.
قال المتنبي:
فحبُ الجبان النفسَ أوردها التقى ... وحبُ الشجاع النفسَ أوردهُ الحربا
стр. 254
قال الحكيم: اعتدال الأمزجة وتساوي أركان الأجناس يفرق بين الأجداء وأضدادها.
قال المتنبي:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظره ... إذا استوتْ عندهُ الأنوارُ والظلمُ
قال الحكيم: من لم يودك لنفسه فهو النائي عنك وإن تباعدت عنه.
قال المتنبي:
إذا ترحلتَ عن قومٍ وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلونَ همُ
قال الحكيم: من علم أن الفناء مستول على نفسه، هانت عليه المصائب.
قال المتنبي:
والهجرُ أقتلُ لي مما أراقبه ... أنا الغريقُ وما خوفي من البلل
قال الحكيم: العيان شاهد لنفسه، والأخبار تدخلها الزيادة والنقصان، فأصدقها ما كان دليلاً على نفسه.
قال المتنبي:
خذ ما تراهُ، ودع شيئاً سمعتَ به ... في طلعةِ البدرِ ما يغنيكَ عن زحل
قال الحكيم: قد يفسد العضو لصلاح الأعضاء، كالكي والفصد الذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها.
قال المتنبي:
لعلَّ عتبكَ محمودٌ عواقبهُ ... وربما صحتِ الأجسادُ بالعللِ
خقال الحكيم: مباينة المتكلف للمطبوع كمباينة الحق للباطل.
قال المتنبي:
стр. 255
لأنَّ حلمكَ حلمٌ لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل
قال الحكيم: الرجاء تمن والشك توقف وهما الأصل.
وقال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر؛ فهو الدهر يرجو ويتقي
قال الحكيم: لسنا نمنع محبة الائتلاف بالأرواح، وإنما نمنع محبة اجتماع الأجسام، فإن ذلك طبع البهائم.
قال المتنبي:
وما كلُ من يهوى يعفُّ إذا خلا ... عفافي ويرضي الحبَّ والخيل تلتقي
قال الحكيم: من تخلى عن الظلم بظاهر أمره وعفة جوارحه وكان مساكناً له بحواسه فهو ظالم.
قال المتنبي:
وإطراقُ طرفِ العين ليس بنافعٍ ... إذا كان طرفُ القلب ليس بمطرقِ
قال الحكيم: علل الأفهام أشد من علل الأجسام.
قال المتنبي:
يهونُ علينا أن تصابَ نفوسنا ... وتسلمَ أعراضٌ لنا وعقولُ
قال الحكيم: من جعل الفكر موضع البديهة فقد أضر بخاطره، وكذلك مستعمل البديهة في موضع الفكر.
стр. 256
قال المتنبي:
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرٌ، كوضع السيف في موضع الندى
قال الحكيم: التنائي بمباعدة الجواهر أشد من التنائي بمباعدة الأجسام.
قال المتنبي:
وأبعدُ من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظُ من عاداك من لا تشاكل
قال الحكيم: إن الحكيم تريه حكمته أن فوق علمه علماً؛ فهو يتواضع لتلك الزيادة. والجاهل يظن أن فضله قد تناهى؛ فيسقط بجهله فتمقته النفوس.
قال المتنبي:
وما التيهُ طبي فيهمُ غيرَ أنني ... بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
قال الحكيم وقد نظر إلى غلام حسن الوجه فاستنطقه، فلم يجد عنده علماً.
فقال: نعم البيت لو كان فيه ساكن.
قال المتنبي:
وما الحسنُ في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
قال الحكيم: إذا تجوهرت النفوس الفلسفية لحقت بالعالم العلوي، فلا تسكن إلى الهموم الترابية ولا يعترضها الملل.
قال المتنبي:
ولذيذ الحياةِ أنفسُ في النف ... سِ وأشهى من أن تملَّ وأحلى
قال الحكيم: الكلال والملال يتعاقبان الأجسام لضعفها، لا لضعف الحس.
стр. 257
قال المتنبي:
وإذا الشيخُ قال: أفٍّ فما ملَّ ... حياةً وإنما الضعف ملاَّ
قال الحكيم: الدنيا تطعم أولادها وتأكل مولودها.
قال المتنبي:
أبداً تستردُ ما تهبُ الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا
قال الحكيم: إذا كانت الأشياء فاعلة في الطبع لم تحمد على فعلها لأن الشمس لا تحمد على حرارتها ولا على ضوئها.
قال المتنبي:
ربَّ أمرٍ أتاك لا تحمدُ ال ... فعالَ فيه وتحمدُ الأفعالا
قال الحكيم: الجبن ذلة كامنة في نفس الجبان فإذا خلا بنفسه أظهر شجاعته.
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ ... طلبَ الحربَ وحدهُ والنزالا
قال الحكيم: الغلبة بطبع الحياة، والمسالمة بطبع الموت، والنفس لا تحب أن تموت؛ فلذلك تشتهي الأشياء غلبة.
قال المتنبي:
من أطاق التماسَ شيءٍ غلاباً ... واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا
стр. 258
قال الحكيم: الإنسان شبح نور روحاني، فهو عقل غريزي، إلا تراه العيون من ظاهر النور.
قال المتنبي:
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
قال الحكيم: النفوس البهيمية تألف مساكنة الأجسام الدانية فلذلك يصعب عليها مفارقة أجسامها، والنفوس الصافية بضد ذلك.
قال المتنبي:
إلفُ هذا الهواءِ أوقعَ في الأنف ... سِ إنَّ الحمام مر المذاقِ
قال الحكيم: نفع بذي الجدة أن يفارقه الجود، لأنهما إذا اعتدلا كان اعتدالهما كشيء واحد ويحويهما اسمان.
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق
قال الحكيم: العاقل لا يساكن شهوة الطبع لعلمه بزوالها، والجاهل يظن أنها خالدة له وهو باق عليها، فهذا يشقى بعقله وهذا ينعم بجهله.
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوة ينعم
قال الحكيم: الصبر على مضض السياسة ينال به شرف الرياسة.
стр. 259
قال المتنبي:
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدمُ
قال الحكيم: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما ديانة لخوف معاد، أو سياسة لخوف النفس.
قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ
قال الحكيم: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: ولدك وعبدك وزوجك، فسبب صلاح حالهم التعدي عليهم.
قال المتنبي:
من الحلمِ أن تستعملَ الجهلَ دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرقُ المظالم
قال الحكيم: كل ما له أول تدعو الضرورة إلى أن يكون له آخر.
قال المتنبي:
إنعمْ ولذ فللأمور أواخرٌ ... أبداً إذا كانتْ لهنَّ أوائلُ
قال الحكيم: النفوس المتجوهرة تركت الشهوات البهيمية طبعاً لا خوفاً.
стр. 260
قال المتنبي:
وترى الفتوة والمروءة والأبوة ... في كلِّ مليحةٍ ضراتها
هنَّ الثلاثُ المانعات لذتي ... في خلوتي لا الخوفُ من تبعاتها
قال الحكيم: إذا لم تتصرف النفس في شهواتها ومرادها فحياتها موت ووجودها عدم.
قال المتنبي:
ذلَّ من يغبطُ الذليل بعيشِ ... ربَّ عيشٍ اخفُ منهُ الحمامُ
قال الحكيم: الفرق بين الحلم والعجز أن الحلم لا يكون إلا عن قدرة، والعجز لا يكون إلا عن ضعف؛ وليس للعاجز أن يسمى بالحليم وهو عاجز.
قال المتنبي:
كلَّ حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حجةٌ لاجئٌ إليها اللئامُ
قال الحكيم: النفس الذليلة لا تجد الهوان والنفس العزيزة يؤثر فيها يسير الكلام.
قال المتنبي:
من يهنْ يسهلِ الهوانُ عليهِ ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
قال الحكيم: موت النفس حياتها، وعدمها وجودها؛ لأنها تلحق بعالمها.
قال المتنبي:
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموتِ في الحرب تبغي الخلودا
стр. 261
قال الحكيم على قدر بصيرة العقل يرى الإنسان الأشياء، فالسالم العقل يرى الأشياء بحقائقها. والنفس السقيمة ترى الأشياء بطبعها.
قال المتنبي:
ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ ... يجدْ مراً بهِ االماءَ الزلالا
قال الحكيم: على قدر الهمم تكون الهموم.
قال المتنبي:
أفاضلُ الناس أغراضٌ لذا الزمن ... يخلو من الهمِّ أخلاهم من الفطن
قال الحكيم: الحس قبل المحسوس والعقل قبل المعقول.
قال المتنبي:
فقر الجهول بلا عقلٍ إلى أدبٍ ... فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن
قال الحكيم: ليس ظاهر جمال الإنسان بنافع إذا كان ميت الحس العقل.
وقال المتنبي:
لا يعجبنَّ مضيماً حسنُ بزتهِ ... وهلْ تروق دفيناً جودة الكفن
قال الحكيم: الزيادة في الحد نقص في المحدود.
قال المتنبي:
متى ما ازددتُ من بعد التناهي ... فقدْ وقعَ انتقاصي في ازديادي
стр. 262
قال الحكيم: أقرب القرب مودات القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد البعد تنافر القلوب وإن تدانت الأجسام.
قال المتنبي:
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقربَ قربنا قرب البعاد
قال الحكيم: إذا كان البناء على غير قواعد كان الفساد إليه اقرب من الصلاح.
وقال المتنبي:
فإنَّ الجرحَ ينفرُ بعد حينٍ ... إذا كانَ البناءُ على فسادِ
قال الحكيم: بإنفاذ سهم الحزم، تدرك صحة العزم.
قال المتنبي:
مع الحزمِ حتى لو تعمد تركهُ ... لألحقهُ تضييعهُ الحزمَ بالحزم
قال الحكيم: الأشكال لاحقة بأشكالها كما أن الأضداد مباينة لأضدادها.
قال المتنبي:
وشبهُ الشيءِ منجذبٌ إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغامُ
стр. 263
قال الحكيم: لا يجد لذة الحياة من لا يجد لشهواته رحى، ولا لأمره تصرفا.
قال المتنبي:
منْ لا توافقهُ الحياةُ وطيبها ... حتى يوافقُ عزمه الإنفاذا
قال الحكيم: أواخر حركات الفلك كأوائلها وإنشاء العالم كتلاشيه بالحقيقة لا في الحس.
قال المتنبي:
كثيرُ حياةِ المرءِ قبل قليلها ... يزولُ، وباقي عيشهُ مثلُ ذاهبهِ
قال الحكيم: من نظر بعين العقل، ورأى عواقب الأمور قبل بوادرها لم يجزع بحلولها.
قال المتنبي:
عرفتُ الليالي قبل ما صنعتْ بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
قال الحكيم: ليس لحوق البغية في نيل الشهوة صعباً؛ وأعجز العجز من لم يفن عمره في طلب الغاية.
قال المتنبي:
إذا فلَّ عزمي عن مدى خوف بعده ... فأبعدُ شيءٍ ممكنٍ لم يجدْ عزما
стр. 264
قال الحكيم: أول درج الفضل ترك الذم ثم التناهي في المدح.
قال المتنبي:
ومني استفادَ الناسُ كلَّ غريبةٍ ... فجاوزوا بترك الذمِ إن لم يكن حمدُ
قال الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه.
قال المتنبي:
ذرْ النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترقٌ جارانِ دراهما العمرُ
قال الحكيم: من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عنه.
قال المتنبي:
إذا الفضلُ لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على نكبةٍ فالفضلُ فيمنْ له الشكرُ
قال الحكيم: من أفنى جدته في جمع المال خوف العدم قد أسلم نفسه للعدم.
قال المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمعِ مالهِ ... مخافةَ فقرٍ فالذي كتب الفقرُ
قال الحكيم: أعظم ما على النفس إعظام ما في ذوي الدناءة.
стр. 265
قال المتنبي:
وإني رأيتُ الضرَّ أحسن منظراً ... وأهونَ من مرأى صغيرٍ به كبرُ
قال الحكيم: الذي لا يعلم بعلته لا يتوصل إلى برئها.
قال المتنبي:
ومن جاهلٍ بي وهو يجهلُ جهلهُ ... ويجهلُ علمي أنه بي جاهلُ
قال الحكيم: حلول الفناء في عظيم كحلوله في صغير.
قال المتنبي:
فطعمُ الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموتِ في أمرٍ عظيمِ
قال الحكيم: من كان همه الأكل والشرب والنكاح فهو بطبع البهائم؛ لأن البهائم متى خلي بينها وبين ما تريد لم تفعل شيئاً غير ذلك.
قال المتنبي:
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍ ... وذكرَ جودٍ ومحصولي على الكلمٍ
قال الحكيم: من أثرى من العدم افتقر من الكرم.
قال المتنبي:
وربَّ مال فقيراً من مروتهِ ... لمْ يثرْ منهُ، كما أثرى من العدمِ
стр. 266
قال الحكيم: إذا لم تتجرد الأفعال من الذم كان الإحسان إساءة.
قال المتنبي:
إذا الجودُ لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
قال الحكيم: تغير الأفعال التي ترد غير مطبوعة، أشد ثقلاً من الريح الهبوب.
قال المتنبي:
وأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيراً ... تكلفُ شيئاً في طباعكَ ضده
قال الحكيم: أتعب الناس من قصرت قدرته، واتسعت مروءته.
قال المتنبي:
وأتعبُ خلقِ اللهِ من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجدهُ
قال الحكيم: أعظم الناس محنة من قل ماله وعظم مجده ولا مال لمن كثر ماله وقل مجده.
قال المتنبي:
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قلَّ ماله ... ولا مالَ في الدنيا لمنْ قلَّ مجده
قال الحكيم: بالغريزة يتعلق الأدب لا بتقادم السن.
стр. 267
قال المتنبي:
وإذا الحلم لم يكنْ في طباعٍ ... لم يحلم تقادمُ الميلاد
قال الحكيم: الائتلاف بالجواهر قبل الائتلاف بالأجسام.
قال المتنبي:
أصادق نفسَ المرءِ من قبل جهله ... وأعرفها في فعله والتكلمِ
قال الحكيم: إذا لم تصن بالمال أبناء الجنس وتقتل به أعداء النفس، فما تصنع بالأغراض والأعراض.
قال المتنبي:
لمن تطلبُ الدنيا إذا لم تردْ بها ... سرورَ محبّ أو إساءةَ مجرمِ
قال الحكيم: إن أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه.
قال المتنبي:
وأظلمُ أهلِ الظلم من باتَ حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلبُ
قال الحكيم: أيام الحياة لا خوف فيهإن كما أن أيام المصائب لا بقاء لها.
قال المتنبي:
لا تلقَ دهركَ إلا غير مكترثٍ ... ما دامَ يصحبُ فيه، روحك البدنُ
стр. 268
قال الحكيم: الأيام لا تتم الفرح ولا الترح فالأسف على الماضي تضييع للعقل، لا غير.
قال المتنبي:
فما يدومُ سرور ما سررت بهِ ... ولا يردُ عليك الفائتَ الحزنُ
قال الحكيم: العشق ضرورة داخلة على النفس، والعاشق بتلك الضرورة مغتبط.
قال المتنبي:
مما أضرَ بأهلِ العشقِ أنهمُ ... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
قال الحكيم: من صحة السياسة أن يكون الإنسان مع الأيام كلما أظهرت سنة عمل بها حسب السياسة.
قال المتنبي:
كلما أنبتَ الزمانُ قناةً ... ركب المرءُ في القناة سنانا
قال الحكيم: ليس من الحزم فناء النفوس في طلب الشهوات، بل في العلم العلوي.
قال المتنبي:
ومراد النفوس أصغرُ من أن ... تتعادى فيه وأن تتفانى
قال الحكيم: خوف وقوع المكروه قيل تناهي المدة خور في الطبع.
стр. 269
قال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بدٌ ... فمنَ العجزِ أن تموت جبانا
قال الحكيم: من لم يقدر على فعل الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل.
قال المتنبي:
إنا لفي زمنٍ تركُ القبيحِ به ... من أكثر الناس إحسانٌ وإجمال
قال الحكيم: تخليد الذكر في الكتب عمر لا يبيد، وهو في كل يوم جديد.
قال المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجته ... ما فاته وفضولُ العيش أشغال
قال الحكيم: اعجز العجزة ن قدر أن يزيل العجز عن نفسه فلم يفعل.
قال المتنبي:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً ... كنقصِ القادرين عن التمام
قال الحكيم: استبصار العقلاء ضد لتمني الجهلاء؛ والحال التي يبكي منها العاقل، عليها يحسده الجاهل.
قال المتنبي:
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبها ... إني بما أنا باكٍ منهُ محسودُ
قال الحكيم: لا غنى لمن ملكه الطمع؛ فاستولت عليه الأماني.
قال المتنبي:
أمسيتُ أروح مثرٍ حازناً ويداً ... أنا الغنيُ وأموالي المواعيدُ
стр. 270
قال الحكيم: أكثر هذه الأيام أحلام، وغذاؤها أسقام وآلام.
قال المتنبي:
هون على بصرٍ ما شقَّ منظرهُ ... فإنما يقظاتُ: العين كالحلمِ
قال الحكيم: الحيوان كله متغلب، وليس من السياسة شكوى بعض الناس إلى بعض.
وقال المتنبي:
لا تشكونَّ إلى خلقٍ فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
قال الحكيم: النفس الشريفة ترى الموت بقاء، لدرك النفس أماكن البقاء. وهذه جليلة يعجز الخلق عن ركوبها.
قال المتنبي:
يعللنا هذا الزمانُ بذا الوعدِ ... ويخدعُ عما في يديهِ من النقدِ
قال الحكيم: إذا كان سقم النفس بالجهل كان الموت شفاءها.
قال المتنبي:
قد استشفيتُ من داءٍ بداءٍ ... وأقتلُ ما أعلكَ ما شفاكا
قال الحكيم: كره ما لا بد من كونه عجز في صحة العقل.
وقال المتنبي:
نحنُ بنو الموتى، فما بالنا ... نعافُ ما لا بدَّ من شربه
стр. 271
قال الحكيم: إذا كان تلاشي الأرواح من كرور الأيام، فما بالنا نعاف رجوعنا إلى أماكنها.
قال المتنبي:
تبخلُ أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هي من كسبه
قال الحكيم: اللطائف سماوية، والكثائف أرضية، وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.
قال المتنبي:
فهذه الأرواحُ من جوه ... وهذه الأجسامُ من تربهِ
قال الحكيم: النظر في عواقب الأمور يزهد في حقائقها، والعشق عمى الحس عن درك رؤية المعشوق.
قال المتنبي:
لو أنكر العاشقُ في منتهى ... حسنِ الذي يسيهِ لم يسبه
قال الحكيم: آخر التوقي أول موارد الخوف.
قال المتنبي:
وغايةُ المفرطِ في سلمه ... كغايةِ المفرطِ في حربهِ
стр. 272
باب
التقفية
اعلم أن التقفية هو أن يأتي في البيت ذكر نكتة أو خير أو غير ذلك يومي إليه الشاعر أو الناثر، مثل قوله تعالى: " فهن قاصرات الطرف "، فإنه يومي إلى قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دبَّ محولٌ ... من الذرّ فوق الإتبِ منها لأثرا
ومنه قول الرفاء:
مدحٌ يغضُّ زهيرٌ عنهُ ناظرهُ ... ونائلٌ يتوارى عندهُ هرمُ
لا يستعيرُ له المداح منقبةً ... ولا يقولون فيهِ غيرَ ما علموا
ومنه:
ألومُ زياداً في ركاكة رأيهِ ... وفي قوله: أي الرجال المهذبُ
وهل يحسن التهذيب منك خلائقاً ... أرقَ من الماءِ الزلال وأعذبُ
تكلمَ والنعمانُ شمسُ سمائهِ ... وكلُّ مليكٍ عند نعمانَ كوكبُ
ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصرَ منهُ شمسه وهو غيهبُ
باب
التلطيف والتوليد
اعلم أن التلطيف والتوليد هو أن يلفق كلاماً مع كلام آخر فيولد من الكلامين كلام ثالث كما روي عن مصعب بن الزبير على خيله؛ عدة؛ فلما أخذها الحجاج كتب عليها: للفرار.
стр. 273
ومن ذلك قوله لسعيد: ما اسمك؟ قال: سعيد، فقال: على الأعداء.
وسأل المهدي السيد الحميري: ما اسمك؟ فقال: أنت السيد يا أمير المؤمنين. وهذا من الأدب إذا كان اسم المسؤول من صفات السائل.
وقال معاوية لسعيد بن مرة: من أنت؟ فقال: أنا ابن مرة وأنت السعيد يا أمير المؤمنين.
وقيل للعباس ﵁: أيما أكبر: أنت؟ أو النبي ﷺ . فقال: أنا أسن: والنبي ﷺ أكبر.
وقيل للمهلب: أيهما أشجع الناس؟ قال: فلان؛ فقيل له: فما تقول في عبد الله بن الزبير؟ قال: سألتموني عن الإنس، أو عن الجن.
باب
المبادي والمطالع
اعلم أن المبادي والمطالع كما قال بعض الكتاب: أحسنوا الابتداءات؛ فإنها دلائل البيان، وقالوا: ينبغي للشاعر أن يتحرز في ابتداءاته مما يتطير منه، ويستحقر ن الكلام، خاصة في المدائح والتهاني.
وأنكروا على أبي نواس قوله في أول قصيدة مدح بها البرامكة:
أربع البلى، إن الخضوع لباد
فلما انتهى إلى قوله:
سلامٌ على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمكٍ من رائحينَ وغادِ
إستحكم تطيرهم، وقيل إنهم نكبوا بعد ذلك بأسبوع واحد.
ولذلك تطير المعتصم لما مدحه ابن إبراهيم الموصلي بقوله:
يا دارُ غيرك البلى ومحاك ... يا ليتَ شعري ما الذي أبلاكِ!
стр. 274
فتغامز الحاضرون وعجبوا من جواز ذلك على إسحاق مع فطنته وفهمه وعلمه، وكان خراب القصر بعد ذلك بقليل.
وأنشد أبو مقاتل:
لا تقل بشرى، ولكن بشريان ... غرةُ الهادي ويومُ المهرجان
فأوجع ضرباً وقيل له: هلا قلت: انتقل بشرى فعندي بشريان وأحسن الإبتداءات قول أشجع السلمي:
قصرٌ عليهِ تحيةٌ وسلامُ ... خلعت عليه جمالها الأيامُ
وأجمعوا على أحسن الابتداءات قول امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
فقالوا: لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى؛ وذكر الحبيب والمنزل، في نصف بيت.
وقيل إن أبا الطيب المتنبي لما أنشد:
أوه بديلاً من قولتي واها
قال له بعض الحاضرين: أوهُ وكيهُ.
باب
الأواخر والمقاطع
اعلم أن الأواخر والمقاطع ينبغي أن يتحرز الشاعر فيها مما يعترض عليه، كما روي أن أبا تمام لما أنشد:
على مثلها من أربع ملاعب
стр. 275
قال بعض الحاضرين: لعنة الله ولعن اللاعنين.
وكذلك قوله: خشنت عليه أخت ابن خشن.
وكذلك ينبغي أن تكون أواخر القصائد حلوة المقاطع، توقن النفس بأنه آخر القصيدة؛ لئلا يكون كالبتر.
وأحسن المقاطع قول تأبط شراً:
لتقرعنَّ عليَّ السنَّ من ندمٍ ... إذا تذكرتَ يوماً بعض أخلاقي
وقول زهير بن أبي سلمى:
وأعلمُ علمَ اليومِ والأمس قبله ... ولكنني عن علمِ ما في غدٍ عمي
ولذلك ينبغي أن يكون مقطع البيت حلواً وأحسنه ما كان على حرفين، منها بها، وحطه السيل من عل، وليلة معاً وتفريق الأحبة في غد، وقوله:
أتتني تؤنبني في البكا ... فأهلاً بها وبتأنيبها
فللعينِ عذرٌ إذا ما بكت ... وقد عدمت وجه محبوبها
ومن ذلك:
من معشرٍ يتخيرون كلامهم ... حتى كأنهمُ تجارُ الجوهر
ومنه أن يكون في آخر البيت حرف لا يحتاج إلى إعراب، واو أو ياء صليبان أو ياء إضافة، أو ياء جماعة، كقوله:
стр. 276
صحا القلب عن سلمى وقد كان لا يصحو
أو تكون الفاصلة لائقة بما تقدمها كقوله:
همُ البحور عطاءً حين تسألهم ... وفي اللقاءِ إذا تلقاهمُ بهمُ
ومنه:
من معشرٍ يتخيرون كلامهم ... حتى كأنهمُ تجار الجوهرِ
باب
التخلص والخروج
اعلم أن التخلص والخروج يستحب أن يكون في بيت واحد، وهو شيء ابتدعه المحدثون دون المتقدمين، وأحسن الخروج في العرب قول زهير:
إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ... ولكنَّ الجوادَ على علاتهِ هرم
وقال دعبل الخزاعي:
وقالت وقد ذكرتها عهد الصبا ... باليأسِ تقطعُ عادةُ المتعود
وقال البحتري:
قد قلتُ للغيث الركام ولجَّ في ... إبراقهِ وألحَّ في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهاً ... بندى يديهِ فلستَ من أنداده
وقال علي بن الجهم:
فلما أن تجلى قال صحبي ... أضوءُ الصبحِ أم وجهُ الإمامِ
وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
تغنَ بالشعر أن كنتَ قائله ... إنَّ الغنى لهداةِ الشعر مضمارُ
نميزُ ساقطه منهُ ونعزلهُ ... كما يميز خبثَ الفضة النارُ
стр. 277
باب
التعليم والترسيم
اعلم أن التعليم والترسيم هو أن الشعر قول موزون مقفى دال على معنى، وله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وبينهما وسائط. والمعنى للشعر بمنزلة المادة، والشعر فيه بمنزلة الصورة. وهو أربعة أشياء: لفظ، ومعنى، ووزن، وقافية. وتهذيبه أن يكون اللفظ سمحاً سهل المخارج حلواً عذباً. وتهذيب الوزن أن يكون حسناً تقبله النفس والغريزة، غير منكسر ولا مزحف. فإن أمكن فهو التخليع مثل: المرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب.
وتهذيب القافية أن تكون سلسلة المخرج مألوفة، فإن القوافي حوافر الشعر.
والذي يمدح به الناس الصفات الإنسانية وهي السماحة والشجاعة والعدل والعفة. ومنها تولد ما يتولد منها كما قال زهير:
أخي ثقةٍ لا تهلكُ الخمرُ مآله ... ولكنه قد يهلكُ المال نائله
فمدحه بالعفة، ثم قال:
تراهُ إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ثم قال:
فمن مثلُ حصنٍ في الحروب ومثله ... لإنكار ضيمٍ، أو لأمرٍ نحاوله
ولو لم يكن في كفه غيرُ نفسهِ ... لجاد بها فليتق اللهَ سائله
فمدحه بالشجاعة والمعني التي يقصدها الشعراء هي المدح والهجاء والنسيب والمراثي والأوصاف
стр. 278
والتشبيه. ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: كان زهير لا يعاظل الكلام ولا يقصد الوحشي منه ولا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال.
وقد يكون الشاعر مقصراً ولا يكون مخطئاً. لأنه لا يمكنه الإحاطة بكل شيء.
ويحب أن يمدح كل واحد بما يصلح له، كما قال زهير:
من يلقَ يوماً على علاته هرماً ... يلقَ السماحةَ منهُ والندى خلقا
ليثٌ بعثرَ يصطاد الرجالَ، إذا ... ما الليثُ كذبَ عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا عنقا
لو نالَ حيٌّ من الدنيا بمكرمةٍ ... أفقَ السماءِ لنالت كفه الأفقا
ولا يمدح لكثرة الأولاد؛ لأن الحيوان الكريم أعز نتاجا مثل قوله:
بغاثُ الطيرِ أكثرها نتاجاً ... وأمُ الصقر مقلاةٌ نذورُ
وليمدح بالجود وقلة المال مثل قوله:
وإني لا أخزى إذا قيلَ: مملقٌ ... جوادٌ، وأخشى أن يقال: بخيل
وقوله أيضاً:
فما كان من خير أتوهُ، فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلاَّ وشيجه ... وتغرسُ إلاَّ في منابتها النخلُ
ومثل قوله:
إني سترحل بالمطيّ قصائدي ... حتى تحلَّ على بني ورقاء
مدحٌ لهم يتوارثون ثناءها ... رهناً لآخرهم فطول بقاءِ
حلماءُ في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
стр. 279
من سالموا نالَ الكرامةَ كلها ... وحاربوا ألوى مع العنقاء
وكما قال الحطيئة:
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
فإن كانت النعماءُ فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وتعذلني أفناءُ سعدٍ عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالذي علمت سعد
وقال آخر:
نزورُ امرأً يعطي على الحمد ماله ... ومن يعطي أثمانَ المحامد يحمدِ
يرى البخلَ لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أنَّ المالَ غيرُ مخلدِ
كسوبٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهلل واهتزَ اهتزازَ المهندِ
من تأته تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجد خيرَ نار عندها خيرُ موقدِ
وكما قال الشماخ:
فتى يملأ الشيزى ويروي سنانه ... ويضربُ في رأس الكميّ المدجج
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ... ولا في بيوتِ الحيّ بالمتولج
وقوله أيضاً:
رأيتُ عرابةَ الأوسيَ يسمو ... إلى الخيرات منقطعَ القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاها عرابةُ باليمينِ
стр. 280
كما قال النابغة:
ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سورةً ... ترى كلَّ ملكٍ دونها يتذبذبُ
لأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبدُ منهنَ كوكبُ
ومنه:
في كفه خيزرانٌ نشرهُ عبقٌ ... من كفّ أروعَ في عرنينه شممُ
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلمُ إلا حينَ يبتسمُ
ويمدح الوزير بالحزم والسياسة، كما يمدح الملك بالعزم والرياسة، ويمدح الكاتب بالذكر والفكر والذكاء والذهن. كما قال السلمي:
بديهته مثلُ تفكيره ... متى رمته فهوَ مستجمعُ
يرومُ الملوك ندى جعفرٍ ... وهم يجمعون ولا يجمعُ
ويمدح القائد بالبأس، والشدة، والصرامة، والنجدة، كما قال منصور النمري:
ترى الخيل يومَ الروم تظمأ تحتهُ ... ويروى القنا من كفه والمناصلُ
حلالٌ لأطراف الأسنة نحرهُ ... حرامٌ عليها صدرهُ والكواهلُ
وكما قال بشار:
فقل للخليفة إن جئته ... نصيحاً لا خير في المتهمْ
إذا ايقظتك حروبُ العدى ... فنبه لها عمراً ثمَ نمْ
فتى لا يبيتُ على دمنةٍ ... ولا يشربُ الماءَ إلا بدمْ
стр. 281
وكقول أبي نواس:
قولا لهرونَ إمامِ الهدى ... عند اجتماع المجلس الحاشد:
نصيحة الفضل وإشفاقه ... أخلى له وجهك من حاسد
أنت على ما بك من قدرةٍ ... فلست مثل الفضل بالواجدِ
أوجده اللهُ، فما مثله ... لطالبٍ منهُ ولا ناشدِ
وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالمَ في واحدِ
وأصل الهجاء سلب المديح، فكل ما مدح به فسلبه هجاء وضده أيضاً قد يخرجه الحاذق مخرج الحق، كما قال:
يروعكَ من سعدِ بنِ عمرو جسومها ... وتزهدُ فيها حينَ تقتلهم خبرا
فسلم له كثرة العدد وعظيم الخلق كأنه مدح وهو يهجو، لأن الكرام قليل، والقحة عما في النفس المميزة. وقول الآخر:
وإذا يسرك من تميمٍ خصلةٌ ... فلما يسوؤك من تميمٍ أكثرُ
ومن ذلك:
قومٌ إذا ما جنى جانيهمُ أمنوا ... من لؤمِ أحسابهم أن يقتلوا قودا
وأما المراثمي فلا فرق بينهما وبين المدح إلا بذكر الموت والذهاب، يقال: ذهب الجواد والجود. وبكته الخيل رديء؛ لأنها توصف بارتباطها بموته لراحتها.
ولذلك لا يقال في بكاء وما يشبهه إلا لما يعقل، كما قال الخنساء:
فقد فقدتك حرقة فاستراحت ... فليتَ الخيلَ صاحبها يراها
ومن ذلك التأسف قول الحطيئة:
فما كان بيني لو رأيتك سالماً ... وبين الغني إلا ليالٍ قلائلُ
فإن عشتُ لم أملك حياتي، وإن أمت ... فما في حياتي بعد موتكَ طائلُ
وأما الأوصاف والتشبيه فتهذيبه الصحة. كقول امرئ القيس:
стр. 282
له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ
وقوله يصف درعاً مطوية مبززة:
وممدودة البيت موضونةٍ ... تضاءلُ في الطيّ كالمبردِ
تفيض على المرءِ أردانها ... كفيض الأتي على الجدجدِ
ومثل قوله لآخر:
ونحنُ الثرايا وعيوقها ... ونحنُ السما كان والمرزمُ
وأنتمُ كواكبُ مجهولةٌ ... ترى في السماءِ ولا تعلمُ
وكقول عدي:
تزجى أغنَّ كأنَّ إبرةَ روقه ... قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادها
وقوله أيضاً:
يتعاوران من الغبار ملاءةً ... غبراءَ محكمةً هما نسجاها
تطوى إذا علوا مكاناً مشرفاً ... فإذا السنابك أسهلت نشراها
وقول الآخر:
يبدو وتضمره البلادُ كأنه ... سيفٌ على شرفٍ يسيلُ ويغمدُ
стр. 283
باب
التهذيب والترتيب
اعلم أن التهذيب والترتيب هو أن يحصل المعنى قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات.
ويقصد الكلام الجزل دون الرذل، والعذب دون الجهم. ولا يعمل نظم ولا نثر عند الملل، فإن الكثير معه قليل، والنفيس خسيس، والخواطر ينابيع، فإذا رفق بها جمت، وإذا عنف عليها نزحت.
وليكتب كل معنى يسنح، وكل لفظ يعرض، وليترنم بالشعر وهو يصنعه؛ فإنه يعين عليه، فقد يجيد الشاعر ويمكنه مرة، ولا يمكنه أخرى.
وإياك وتعقيد المعاني، وتقعير اللفظ، وليجعل المعنى الشريف في اللفظ الظريف، لئلا يتلف أحدهما الآخر، ومتى عصي الشعر فاتركه، ومتى طاوعك عاوده، وروح الخاطر إذا كل، واعمل في أحب المعاني إليك، وكل ما يوافقه طبعك فالنفوس تعطي على الرغبة ما لا تعطي على الرهبة.
واعمل الأبيات متفرقة على ما يجود به الخاطر، ثم انظمه في الآخر، وحصل المبدأ والمقطع والخروج، فهو أصعب ما في القصيدة، وميز في فكرك محط الرسالة، ومصب القصيدة؛ فإنه أسهل عليك: وأشعرها أولا وهذبها أولا وهذبها آخراً فقد قيل عن الحطيئة: إنه كان يعمل القصيدة في شهرين، ويهذبها في حول. وقيل عن زهير: إنه كان يعمل القصيدة في شهرين ويهذبها في حول، ولذلك سمي شعره: المنقح الحولي.
ولا يسرف الكاتب في الشكر لأنه إبرام وتثقيل، ولا في الدعاء فإنه تكسب من السلاطين وكان المتقدمون يتركون السجع، لكن تكون كلماتهم متوازنة، وفصولهم
стр. 284
متقابلة، وهي طريقة أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، وطريقة ابن المقفع، وسهل بن هرون وغيره.
ولا يجعل كل الكلام فناً واحداً شريفاً قبل أن يفصله فإن الكلام كالقعد إن كان كله ثميناً لم يكمل حسنه. أرصف كلامك لتكون كل كلمة مكانها وإلا كان كالجسد المنكوء من الأعضاء.
واعلم أن الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، فإذا قويت الألفاظ، فلتقوا المعاني؛ ليحمل بعضها بعضاً.
واقصد القوافي الحسنة، ولا تقصد المستهجنة، فإنها حوافر الشعر.
واقصد الأوزان الحلوة دون المهجورة؛ فإنها أحلى في القلوب، واجعل كلامك في التوقيعات وعليك بالمقطعات فإنها في القلوب أجود وفي المجالس أجول وبالأسماع أعلق وبالأفواه أعبق. وإذا نثرت منظوماً فغير قوافي شعره عن قوافي سجعه؛ وإذا سرقت معنى فغير الوزن والقافية ليخفى ولا يظهر.
وإذا أخذت شعراً فزد على معناه، وانقص من لفظه، كما يطعن به عليه، فحينئذ تكون أحق به.
وإذا تقاربت الديار تقاربت الأفكار، ولهذا قالوا: الشعر محجة يقع فيها الحافر على الحافر.
واعلم أن من الناس من شعره في البديهة أحسن منه بالروية وبالعكس. وفي الناس من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصر، وبضد ذلك؛ ومن إذا قوي نظمه ضعف نثره وبالضد، وقلما يتساويان؛ وقد يبرز الشاعر في معنى دون غيره، وكما قالوا: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب.
وامدح بأخلاق النفس دون أخلاق الجسم؛ وامدح كل واحد بما يليق به.
стр. 285
وإياك والمصادر والمباني التي هي غير مقصودة ولا معهودة، كما قال بعضهم للرشيد: أحسن الله إنابتك؛ فقال: وعجل الله إماتتك.
وارتك التعقيد والتقعير، وهو التكلف بالوحشي، مثل قول زهير: وليس بحقلد. وقول أبي تمام: يجهضمه.
ولا تعقد المعاني فتحوج إلى كشف، فإن أحسن الشعر ما سبق معناه إلى القلب مع لفظه إلى السمع.
وليكن كلامك سليماً من التكلف، بريئاً من التعسف، وليحط لفظك بمعناك، وليشتمل على مغزاك؛ فإن البلاغة سرعة جواب في صواب، وأن تقول فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ. والعي إكثار في إعذار، وإبطاء في أخطاء، كما جاء في المثل: سكت ألفإن ونطق خلفاً.
وقدر اللفظ على قدر المعنى، لا زائداً عنه ولا ناقص كما قيل في مدح بعض الكتاب: كأن ألفاظه قوالب معانيه، وقيل في آخر: كان إذا أخذ شبراً كفاه، وإن، أخذ طوماراً ملاه.
واستعمل التطويل في مكانه، والتقصير في مكانه، فقد قيل: إن الإيجاز إذا كان كافياً كان التطويل غثاً وإن كان التطويل واجباً كان التقصير عجزاً فإنك تصل إلى ما وصلوا إليه، وتقدر على ما قدروا عليه. وإياك أن تفرط أو تفرط؛ فإن فرطت قصرت، وإن أفرطت كثرت. وخير الأمور أوسطها.
следующие страницы →