← Адаб

Адаб · id 9225

البديع في نقد الشعر

أسامة بن منقذ

Полный текст (287 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وسئل البحتري عن أبي تمام والشافعي فقال: أبو تمام عالم غلب عليه الشعر والشافعي شاعر غلب عليه العلم وقال القاضي أبو يوسف للأمير سديد الدولة ﵀: أنت أمير الشعراء، وشاعر الأمراء. وأنشدوا في الحماسة: منعمةُ الأطرافِ زانت عقودها ... بأحسنَ مما زينتها عقودها ومنه: رمى الحدثانِ نسوة آلِ حربٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا فردّ شعورهن السودَ بيضاً ... وردّ وجوههن البيضَ سودا ولبعض المجان: ها قد بدا من ثيابِ الشعرِ في كفنِ ... وقد تعفت مغاني وجهه الحسنِ وكان يعرض عني حين أبصره ... فصرتُ أعرضُ عنه حين يبصرني ومنه: تلك الثنايا من عقدها نظمتْ ... أم نظم العقدُ من ثناياها

стр. 37

ومنه: فإن أكُ في شراركمُ قليلاً ... فاني في خياركمُ كثيرُ واغتاب بعضهم آخر، فلما بلغه قال: إنا لا نكافئ من عصى الله سبحانه فينا إلا بأن نطيع الله سبحانه فيه. وقال الحسن بن وهب وقد عبس رجل من الندماء والقدح في يده: ما أنصفتها الخمر، تعبس في وجهها، وهي تضحك في وجهك. وللرشيد: لساني كتومٌ لأسراركم ... ودمعي بسري نمومٌ مذيعُ فلولا دموعي كتمتُ الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموعُ لآخر: بكتْ وبكيتُ لوشكِ الفراقِ ... فقفْ ترَ من مدمعينا العجبْ فذا فضةٌ في عقيقٍ جرت ... وهذا عقيقٌ جرى في ذهبْ ولابن الرومي: أدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... في نرجسٍ معه ابنةُ العنبِ أنا بحالٍ لو بصرتَ بها ... سبحت من عجب ومن عجبِ ريحانهم ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهم دررٌ على ذهبِ ومنه للصوري: يا من يحاكي الراحَ في أوصافها ... لونإن وطعمإن وجنتين، وريقا

стр. 38

قمْ فاسقينها حينَ لاح شعاعها ... في الكأسِ فانقلب الرحيقُ حريقا ومنه: سكران مختلفان حت ... ى ليس بينهما طريقُ هذا حريقٌ في القلو ... ب كما تراه وذا رحيقُ ومنه لآخر: أهل جورٍ كما زعمتم، وأنتمُ ... أهلُ عدل إنا بكمُ قد رضينا آمنونا في عدلكم، إذ ملكتم ... قد أقمتم في جورنا آمنينا وللبحتري: إذا احتربت يومإن ففاضت دماؤها ... تذكرتِ القربى ففاضت دموعها شواجرُ أرماحٍ تقطعُ بينها ... شواجرُ أرحامٍ ملومٍ قطوعها ومنه: إذا احتجبتْ لم يكفكَ البدرُ وجهها ... ويكفيكَ فقدَ البدر إن فقد البدرُ وحسبك من خمرٍ يفوتك ريقها ... وأقسم ما من ريقها حسبك الخمرُ ومنه: جرت الدموعُ دما، وكأسيَ في يدي ... شوقاً إلى من لجَّ في هجراني فتخالف الفعلان: شاربُ قهوةٍ ... يبكي دمإن وتشاكل اللونان فكأنّ ما في الجفن من كأسٍ جرى ... وكأن ما في الكأسِ من أجفاني

стр. 39

ومنه: ويستروحُ الناسُ أردانها ... وأثوابها بكمُ أعبقُ إذا جدت أنطقتَ من لا يبي ... نُ وإن قلت أخرستَ من ينطقُ ومنه: إنَّ اللياليَ للأنامِ مناهلٌ ... تطوى وتبسط دونها الأعمارُ فقصارهنَّ مع الهموم طويلةٌ ... وطوالهنَّ مع السرور قصارُ ومنه لابن المعتز: إنما الدنيا سرورٌ ... واغتباقٌ واصطباحُ والمزاحُ الجدُّ إن ... فكرتَ، والجدُّ مزاحُ ومنه للوزير أبي القاسم المغربي: عبدك يا عبدونُ في نعمةٍ ... صافيةٍ، أطرافها ضافية نديمتي جاريةٌ ساقية ... ونزهتي ساقيةٌ جارية ولابن المعتز: شربتها صفراءَ كرخيةً ... كأنها في الكأس نارٌ تقدْ فتحسبُ الماءَ زجاجاً جرى ... وتحسبُ الأقداحَ ماءً جمدْ ومنه: رقَّ الزجاجُ ورقت الخمرُ ... وتشابها فتشاكلَ الأمرُ فكأنها خمر ولا قدحٌ ... وكأنه قدحٌ ولا خمرُ

стр. 40

ومثله أبي تمام: وإذا طلبت لديهمُ ما لم أنل ... أدركتُ من جدواك ما لم أطلبِ ومنه: ولقد دعوتُ ندى الكرام، فلم أجبْ ... فلأشكرنَّ ندى أجابَ وما دعي ومنه قول ابن حيوس: شوقي إليك كشوقِ المدنفِ الحرض ... إلى الطبيب الذي يشفي من المرضِ فإن يكنْ لكَ عني يا أخي عوضٌ ... فلا وحقك ما لي عنك من عوضِ ومنه: بدت من خللِ الحجبِ ... كمثل اللؤلؤ الرطبِ فأدمى خدها لحظي ... وأدمى لحظها قلبي ومنه: بكى إليّ غداة البين حين رأى ... دمعي يفيض وحالي حال مبهوتِ فأدمعي ذوب ياقوتٍ على ذهبٍ ... ودمعه ذوب درٍّ فوق ياقوتِ باب الترديد ويسمى التصدير اعلم أن الترديد هو رد أعجاز البيوت على صدورهإن أو رد كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني. قال بعض العرب: سريع إلى ابن العم يجبر كسره ... وليس إلى داعي الخنا بسريعِ

стр. 41

وقال زهير: إن تلق يوماً على علاته هرماً ... تلق السماحة منه والندى خلقا ومثله لأبي تمام: حرامٌ على أرماحنا طعنُ مدبرٍ ... ويندقُّ قدماً في الصدورِ صدورها محرمةٌ أعجازُ خيلي على القنا ... ومكلومة لباتها ونحورها وله أيضاً: أناسٌ إذا ما استصرخ القومُ كسروا ... صدورَ العوالي في صدورِ الكتائبِ ولأبي نواس: ظنَّ بي من قد كلفتُ به ... فهو يجفوني على الظننِ قمرٌ لولا ملاحتهُ ... خلت الدنيا من الفتنِ وللفرزدق: أصدرْ همومك لا يقتلك واردها ... فكلُّ واردةٍ يوماً لها صدرُ

стр. 42

ولأبي حية النميري: إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاه شيءٌ لا يمل التقاضيا وللعرجي: أنتمُ سلمنا وأقصى منانا ... وأحاديثنا وإن لم تزاروا الليالي إذا نأيتم طوالٌ ... والليالي إذا دنوتم قصارُ وثنائي عليكَ خيرُ ثناءٍ ... إن تقربتَ، أو نأتْ بك دارُ باب التتميم اعلم أن التتميم هو أن يذكر الشاعر معنى، ولا يغادر شيئاً يتم به إلا أتى به، فيتكامل له الحسن والإحسان، ويبقى البيت ناقص الكلام، فيحتاج إلى أن يتمه بكلمة توافق ما في البيت من تطبيق أو تجنيس أو غير ذلك. ومنه قوله تعالى: " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ". فهذا تتميم المعنى. وقوله سبحانه: " إن الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا " تتميم أيضاً؛ فهذا من جوامع الكلم. وقال أبو تمام: بدرٌ أطاعت فيك بادرة النوى ... ولعاً وشمسٌ أولعت بشماس تم البيت دون قوله: ولعاً. واحتاج إلى كلمة أخرى فإتى بها مجانسة لأولعت، فانسكبت في البيت، ولولا ذلك لكانت حشواً.

стр. 43

وكذلك قول المتنبي: وخفوقُ قلبٍ لو رأيتِ لهيبهُ ... يا جنتي لظننتِ فيه جهنما تم البيت دون قوله: يا جنتي؛ فأتى بها مطابقة لجهنم، وبعض البلغاء يسميه: التبليغ، وبعضهم يسميه: التتبيع. وأنشد الأعشى: ألست منتهياً عن نحت لأثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبلُ كناطحٍ صخرةً يوماً ليقلعها ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعلُ ومنه قول ذي الرمة: قفا العيس في أطلالِ ميةَ فاسألا ... رسوماً كأخلاق الرداءِ المسلسلِ أظنُّ الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصلِ فالمفصل تتميم، وهو في القافية يسمة: تبليغاً وتتبيعا، وفي الحشو يسمى: تتميماً واحتراساً. وأنشدوا لامرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لم يثقب قول الأعشى: الوعل وقول امرئ القيس: لم يثقب تتميم وتبليغ،

стр. 44

لأن المعنى تم دون هاتين الكلمتين فلما جاء بهما تمم البيت وزاد في التشبيه زيادة بينة. ومنه قول آخر: من لك يوماً بأخيك كله. ومنه أيضاً: فلا تأمننَّ الدهرَ حراً ظلمته ... فما ليلُ مظلومٍ كريمٍ بنائمِ فقوله كريم تتميم، لأن اللئيم يغضى عن العار، وينام عن الثأر. ومنه قول الآخر: ومقامُ العزيز في بلد الذ ... لِّ إذا أمكنَ الرحيلُ محالُ فقوله: إذا أمكن تتميم. ومنه: وإن صخراً لتأنمُّ العفاة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ باب الاحتراس اعلم أن الاحتراس هو أن يكون على الشاعر طعن، فيحترس منه؛ كما قال تعالى: " ولن ينفعكم اليوم، إذ ظلمتم، أنكم في العذاب مشتركون ". لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها، ويسلي عنها. فأعلمهم تعالى أنه أول ما يعاقبهم به أنه لا يلهمهم التأسي، ولا يقضي عليهم بالتسلي. نعوذ بالله من عقابه، ونسأله من ثواب. ومن الاحتراس قوله تعالى: " فأتوا حرثكم أنى شئتم ". لما كانت أنى تحتمل معنيين: مهنى كيف، ومعنى أين، احترس الباري سبحانه بقوله: حرثكم؛ لأن الموضع المكروه ليس بحرث، والحرث موضع الزرع. ذكره الجبائي في تفسيره. وأنشدوا للخنساء:

стр. 45

يذكرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأندبه بكلّ غروبِ شمسِ ولولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلتُ نفسي وما يبكون مثلَ أخي، ولكن ... أسلي النفسَ عنه بالتأسي وأنشدوا: فسقى دياركِ غيرَ مفسدها ... صوبُ الغمام وديمةٌ تهمي احترس في هذا البيت بقوله: غير مفسدها لأن مداومة الإمطار سبب لخراب الديار. وعابوا على ذي الرمة قوله: ألا يا سلمى يا دار ميَّ على البلى ... ولا زال منهلاَّ بجرعائك القطرُ فعابه من لا يعرف في النقد شيئاً. وقال: كأنه إنما دعا عليها بالهدم. وقال النقاد: إنه لا مطعن عليه؛ أنه قد دعا لها بلاسلامة في أول البيت. باب التنكيت اعلم ان التنكيت هو أن تقصد شيئاً دون أشياء، لمعنى من المعاني، ولولا ذلك لكان خطأ من الكلام وفساداً في نقد الشعر. سئل ابن عباس عن قوله تعالى: " وأنه هو رب الشعرى " قيل: لم خصها وهو رب الجميع، ولم قال رب الثريا؟ فقال: كان قد ظهر في العرب رجل يقال له: أبو كبشة، عبد الشعرى؛ لأنها أكبر نجم في السماء، فقصدها الله تعالى دون النجوم؛ لأنها عبدت ولم تعبد الثريا

стр. 46

وكذلك قوله سبحانه: " لأخذنا من باليمين "، لأنها أقوى اليدين، وأكثر استخداماً. وقوله سبحانه: " ثم لقطعنا منه الوتين ". اختصه دون العروق، لأنه إذا انقطع مات الإنسان. وسئل الأصمعي عن قول الخنساء: يذكرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأندبه لكلِّ غروبِ شمسِ لم خصت طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؛ فقال: لأن وقت الطلوع وقت الركوب إلى الغارات، ووقت الغروب وقت قري الضيفان؛ فذكرته في هذين الوقتين، مدحاً له لأنه كان يغير على أعدائه، ويقري أضيافه. وذكر الصولي في قول أبي نواس: ألا فاسقني خمرإن وقل لي: هي الخمرُ ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهرُ قال: إن المعنى في قوله: وقل لي: هي الخمر. إنها لعزتها عنده ومحبته لها أراد أن يلتذ بها بحواسه الخمس التي هي طرق اللذات، وهي: الشم، والذوق، واللمس، والبصر، والسمع. فلما شرب القدح أبصرها وذاقها ومسها وشمهإن فبقي أن يسمعها، فقال: وقل لي هي الخمر. ومنه قول المتنبي: لو مرَّ يركضُ في سطور كتابه ... أحصى بحافر مُهره ميماتها إنما قصد الميمات دون حروف المعجم لأنها تشبه الحافر والشيء يحسن بما يوافقه كما لا يحسن بما يخالفه فصار هذا أبلغ والعين تشبه الحافر بدليل قوله: أولَ حرفٍ من اسمه كتبت ... سنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ والميمات في الكلام أكثر من العينات؛ لأنها تقع زائدة وأصلية، والعينات لا تقع إلا أصلية، فإحصاؤه للأكثر أبلغ.

стр. 47

ومنه قول حارثة بن بدر الغداني: أبا المغيرة، والدنيا مغيرةٌ ... وإنَّ من غرت بالدنيا لمغرورُ قد كان عندك للمعروف معرفةٌ ... وكان عندك للتنكير تنكيرُ لو شاء لقال: والدنيا مفرقة، وإنما خص قوله: والدنيا مغيرة؛ لقوله: أبا المغيرة. باب التعليق والإدماج اعلم أن صيغة ذلك هو أن تعلق مدحاً بمدح أو هجواً بهجو، ومعنى بمعنى؛ كما قال المتنبي: إلى كم تردُّ الرسل عما أتوا به ... كأنهمُ فيما وهبتَ ملامُ أدمج رد الرسل برد الملام في الجود، فكلاهما مديح وقوله أيضاً: حسنٌ في عيون أعدائه أق ... بحُ من ضيفهِ رأته السوامُ أدمج الحسن في القبح وكلاهما مدح، ووصفه بالكرم لأن إبله إذا رأت ضيفه علمت أنه سينحرها. ولغيره في الهجو وهو مطبوع: مغرىً بقذفِ المحصنا ... تِ وليس من أبنائهنَّ أنشد في كتاب الصناعتين:، ويسمى هذا الباب: المضاعف. وأنشد فيه أيضاً:

стр. 48

وأسرعتُ نحوك لما دعوتَ ... كأني نوالك في سرعته ومثله شعر وجيه الدولة: أفدى الذي زارني بالسيف مشتملاً ... ولحظُ عينيه أمضى من مضاربهِ

стр. 49

فما خلعتُ نجاداً في العناق له ... حتى لبستُ وشاحاً من ذوائبه وبات أسعدنا حظاً بصاحبه ... من كان في الحبِّ أشقانا بصاحبه وعلامة هذا ال باب أن يكون أحد المعنيين تلويحاً والآخر تصريحاً. ولبعض المتملحين البغداديين رواه أبو يوةسف القاضي. أترى القاضيَ أعمى ... أمْ تراهُ يتعامى سرقَ العبد كأنَّ ال ... عبدَ أموالُ اليتامى وللشريف الرضي ﵀: ترى الوفد عن أعطانهم وقبابهم ... من اللؤم أبدى من نعامهم طردا وله أيضاً في تعليق المدح بالهجو، وهي طريقة قد سلكها الشعراء: فذاك من فعله بطيءٌ ... جدإن وأقواله سراعُ دينارهُ في السماحِ فلسٌ ... وكرهُ في الفخار صاعُ ومنه أن يتحيل الكاتب في بلاغته أن يقصد شيئاً ويلف معه غيره، كما قال ابن مسعدة، وكتب به إلى المأمون يستنجز أرزاق الجند فكتب: كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله، ومن قبلي من قواده وأجناده، في الطاعة والانقياد، على أحسن ما تكون عليه طاعة أصحاب سلطان، تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم. وكتب آخر إلى المأمون، وكف الذكر عن رقة حاله مع دعائه له: أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبُّ ونكرمُ فقلت له: نعماكَ فيهم أتمها ... ودع أمرنا؛ إن المهمَّ المقدمُ آخر: رأى الناسُ فوقَ المجدِ مقدارَ مجدكم ... فقد سألوكم فوق ما كان يسألُ وقصر عن مسعاتكم كلُّ آخرٍ ... وما فاتكم فيما تقدم أولُ وما ليَ حقٌّ واجبٌ غيرَ أنني ... إليكم بكم في حاجتي أتوسلُ بلغتُ الذي قد كنتُ آمله لكم ... وإن كنتُ لم أبلغْ بكم ما أؤملُ باب التورية اعلم أن التورية هي أن تكون الكلمة بمعنيين، فتريد أحدهما، فتوري عنه بالآخر: مثل قول بعض العرب: خيلٌ صيامٌ، وخيل غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العجاجِ، وأخرى تعلك اللجما أراد بالصيام ها هنا القيام؛ فورى عنه بقوله: تعرك اللجما. وقال البحتري: مرية بالحسنِ تملحُ في القلوبِ وتعذبُ أراد الملاحة ولم يرد الملوحة، فورى بقوله: وتعذب، عن ذلك. وكذلك قول أبي تمام: قمرٌ ألقت جواهرهُ ... في فؤادي جوهرَ الحزن كل جزء من محاسنه ... فيه أنواع من الفتن أراد جوهر المتكلمين لا جوهر الملوك.

стр. 50

ومثله: يا جوهرَ الحسن الذي ... سواه في الحسنِ عرضِ وللشريف الرضي ﵀: وما لطموا عن غاية المجد جبهتي ... بلى خلعوا عني؛ لأدركها، عذري ورى بالعذر وهو جمع عذار عن العذر الذي هو بمعنى الاعتذار. باب التقسيم اعلم أن التقسيم هو أن يقسم المعنى بأقسام تستكمله، فلا تنقص عنه، ولا تزيد عليه، كما قال الله تعالى: " وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً " وقال بعضهم: والعيش شح وإشفاق وتأميل. وقال بعض العرب وهو يسأل: رحم الله رجلاً أعطى منن سعة، أو واسى من كفاف، أو آثر من قلة. وأنشد سيبويه في كتابه بيتاً من هذا الباب: فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعمَ، وفريق: أيمنُ الله، ما ندري وقال زهير:

стр. 51

فإنَّ الحقَّ مقطعه ثلاثٌ: ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ ومنه: ترتاحُ إن رشدوإن وترشدُ إن غووا ... وتجيب إن نادوإن وتأنسُ إن دعوا فالحقُّ أبلجُ، والمهابة تتقى ... والمال ينثر، والمناقبُ تجمعُ ومنه للبحتري: فالخيلُ تصهلُ، والفوارس تدعي ... والبيضُ تلمعُ، والأسنةَ تزهر ومنه: عيرتني ترك المدامِ وقالت: ... ما جفاها من الكرامِ لبيبُ هي تحتَ الظلام نورٌ، وفي الأك ... بادِ بردٌ، وفي الصدورِ لهيبُ قلت: يا هذه، عدلتِ عن الرش ... دِ، أما للرشادِ منكِ نصيبُ إنها للستورِ هتكٌ، وللأل ... بابِ فتكٌ، وفي المعادِ ذنوبُ ولغيره في الفرس: خيرما استطرفَ الفوارسُ طرفٌ ... كلُّ طرفٍ لحسنه مبهوتُ هو فوق الجبال وعلٌ، وفي السه ... لِ عقابٌ، وفي المعابرِ حوتُ ومنه لآخر في السيف: خيرُ ما استعصمتْ به الكفُّ يوماً ... في سوادِ الخطوب عضبٌ صقيلُ عن سؤالِ اللئام مغنٍ، وفي العظ ... مِ مغنٍ، وللمنايا رسولُ

стр. 52

غيره: يا هلالاً يدعى أبوه هلالاَ ... جلَّ باريك في الورى، وتعالى أنت بدرٌ حسناً وشمسٌ علواً ... وحسامٌ عزمإن وبحرٌ نوالا غيره: رأيت على أكوارنا كلَّ ماجدٍ ... يرى كلَّ ما يبقى من المال مغرما ندوم أسيافاً ونعلو أسنةً ... وننقضُّ عقباناً ونطلعُ أنجما باب التجزئة اعلم أن التجزئة هو أن يكون البيت مجزأ ثلاثة أجزاء أو أربعة، كما قال المتنبي: فنحنُ في جذلٍ، والرومُ في وجلِ ... والبحرُ في خجلٍ، والبرّ في شغل ومثله: فلا كبدي تهدا ولا فيكِ رحمةٌ ... ولا عنكِ إقصارٌ، ولا فيك مطمعُ ومثله: وصالكمُ صدٌّ، وحبكمُ قلى ... وإنصافكمِ ظلمٌ، وسلمكمُ حربُ ومثله لابن المعتز: عجباً لمنصلك المقلد كيف لم ... يسل الدماءَ عليك منه مسيلا لك حسنه متقلداً وبهاؤه ... متنكبإن ومضاؤه مسلولا

стр. 53

ولابن المغربي: إذا ما روى أورى، وإن عجلوا ارتأى ... وإن بخلوا أعطى، وإن غدروا أوفى فللجودِ ما أبقى، وللمجدِ ما ابتنى ... وللناسِ ما أبدى، ولله ما أخفى البحتري: صارمُ العزم، حاضرُ الحزم سا ... ري الفكر ثبتُ الجنان صلبُ العودِ سؤددٌ يصطفى، وجودٌ يرجى ... وثناءٌ يبقى، ومال يودي وله: وفي الأكلةِ من تحت الأجلةِ أم ... ثالُ الأهلة بين السجفِ والكللِ باب التطريز قال صاحب الصناعتين هو إن تأتي في الأبيات مواضع متقابلة، فجيء في القصيدة أو في القطعة كأنه طراز، مثل قول أبي تمام: أعوامُ وصلٍ كاد ينسى طيبها ... ذكر النوى، فكأنها أيامُ

стр. 54

ثم انبرتْ أيام هجر أعقبت ... بأسىً فخلنا أنها أعوامُ ثم انقضت تلك السنونُ وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلامُ ومنه: أمسي وأصبحُ من هجرانكم وصباً ... يرثي لي المشفقانِ: الأهلُ، والولدُ قد خددَ الدمعُ خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان: الوجدُ، والكمدُ غاب عن مقلتي نومي ونافرها ... وخانني المسعدان: الصبرُ، والجلدُ لو رمت إحصاء ما بي من جوىً وضنى ... لم يحصه المحصيان: الوزنُ، والعددُ أو رمتُ من ضعفِ جسمي حملَ خردلة ... ما ضمها الأقويان: الزندُ، والعضدُ أستودع اللهَ من أهواهُ كيف جرت ... بشخصنا الحالتان: القربُ، والبعدُ لا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المضرمان: القلبُ، والكبدُ كأنما مهجتي شلوٌ بمسبعةٍ ... ينتابها الضاريان: الذئبُ، والأسدُ لم يبق غيرُ خفيّ الروحِ في جسدي ... فداؤك الباقيان: الروحُ، والجسدُ إني لأحسد في العشاق مصطبراً ... وحسبك القاتلان: الحبُّ، والحسدُ ومنه ما مدح به أبو القاسم: إذا أبو قاسمٍ جادت لنا يدهُ ... لم يحمد الأجودان: الغيثُ، والمطرُ وإن أضاءت لنا أنوارُ غرته ... تضاءل الأنوران: الشمسُ، والقمرُ

стр. 55

وإن مضى رأيه أو جد عزمته ... تأخر الماضيان: السيفُ، والقدرُ من لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوفُ، والحذرُ ومنه للأرجاني: صبُّ مقيمٌ، سائرٌ فؤادهُ ... طوعَ الهوى، مع الخليط المنجدِ غائبُ قلبٍ، حاضرٌ وداده ... لمن نأى في عهدهم والمعهدِ له جوىً مخامرٌ؛ ويعتاده ... إذا شكا طيفُ الكرى في العود لصبره يكابرُ اتقاده ... حشوَ الهوى بعد الحسان الخرد ودمعه يكاثرُ اشتداده ... خوفَ النوى، يقول للنوم: ابعد ما الصبر إلا غادرٌ إنجاده ... إذا بدا حسن النوى من بعد لولا حمام هادرٌ، إسعاده ... ينفي الجوى بلحنه المرددِ كأنه مزاهرٌ، أجياده ... سودُ الحلى من كل شادٍ غرد مرخىً له ستائرٌ أعوادهُ ال ... خضرُ الذرى بطلهنّ ترتدي وافى ربيعٌ باكرٌ أجناده ... حتى مضى سلطانُ بردٍ معتدِ أسلفَ وهو ناجزٌ عهاده ... بحرَ الثرى اللؤلؤَ بالزبرجد وقال ابن حيدرة: أنى يفاخرُ أو يطاولُ من ... أضحى يقرُّ لفخرهِ الفخرُ من سار والتوفيقُ صحبتهُ ... والواقيان: الجدُّ، والنصرُ

стр. 56

وأقام والأقيال تخدمه ... والماضيان: السيفُ، والأمرُ وأني وجلتها تدين له ... والواجبان: الحمد، والشكرُ صدقتْ فراستهُ ومولده ... والمنذران: الفالُ، والزجرُ وغدا ودون محله زحلٌ ... والنيران: الشمس، والبدرُ وأقر عجزاً عن سماحته ... الأجودان: الغيثُ، والبحرُ نشرت فضائله مواهبه ... والسائران: النظم، والنثر تغنيه في الأعداء هيبتهُ ... لا المتعبان: الكيد، والمكرُ متورعٌ تنهاه همتهُ ... والزاجران: الدينُ، والذكر تلهيه قبلته ومصحفه ... لا المصبيان: اللهو، والخمر ويزيده شرفاً تواضعه ... لا الفاتنان: التيهُ، والكبرُ شكرت لسيرته رعيته ... والآمنان: البدو، والحضرُ يا من له دامت سعادته ... والغادران: الدهرُ، والعمرُ خان العبيدَ غداة بينهمُ ... العدتان: العزم، والصبرُ وأطارَ نومهم تخلفهم ... والموقظان: الهمُّ، والفكرُ واعتادهم شوقٌ يؤنبهمْ ... والمزعجان: الشوقُ، والذكرُ وسعى بهم صرفٌ سعى لهمُ ... والدهرُ فيه: الخير، والشرّ ومن ذلك: من لم يبت حذراً من خوفِ سطوته ... لم يدرِ ما المزعجان: الخوفُ، والحذرُ

стр. 57

ينالُ بالظنِّ ما فات العيانُ به ... عليه، والشاهدان: العينُ، والأثرُ كأنه وزمامُ الدهر في يده ... يرى عواقبَ ما يأتي وما يذرُ ومنه لأبي تمام: أوَ ما ترى رسومَ ابنةْ مالكٍ ... رسمت له كيف الغرامُ رسومها بثلاثة كثلاثة الراحِ استوى ... ل لونها ومذاقها ونسيمها وثلاثة الشجرِ الجنيِّ تكافأت ... أفنانها وثمارها وأرومها ومنه قول البحتري: تعلو الوفود ثلاثةٌ في أرضه: ... إفضاله، وجداهُ، والإنعامُ وثلاثةٌ تغشاكَ مهما زرته ... إرفاده، والمنُّ، والإكرامُ وثلاثةٌ قد جانبتِ أخلاقه: ... قولُ البذ، والزورُ، والآثامُ وثلاثةٌ في العزمِ من أفعاله: ... تدبيره، والنقضُ، والإبرامُ ومنه لعمرو بن معدي كرب: وكأنَّ طعمَ مدامةٍ جبليةٍ ... بالمسكِ والكافور والريحانِ شنبٌ عليه قلائدٌ منظومةٌ ... بالدر والياقوتِ والمرجانِ ومنه قول الآخر: لا أظلم الليلَ ولا أدعي ... أنَّ نجوم الليل ليست تغورُ ليلي كما شاءت فإن لم تزرْ ... طال وإن زارتْ فليلي قصيرُ ومنه للبحتري: في حلتي وشي وحبر فالتقى ... وشيان: وشي ربى ووشي برود

стр. 58

وسفرن فامتلأت خدودٌ زانها ... وردان: وردُ جنىً، ووردُ خدودِ فمتى يساعدنا الوصال، ودهرنا ... يومان: يومُ نوىً، ويومُ صدودِ ومنه: وكم ليلةٍ لا أظلم الليلُ طيبها ... مخافة أن يقتصّ مني لها الدهرُ تجمع فيها من حلاها ولفظها ... وزهر النجوم الزهر والزهر الزهر ولابن الرومي: أموركم بني خاقانَ عندي ... عجابٌ في عجاب في عجابِ قرونٌ في رؤوسٍ في وجوهٍ ... صلابٌ في صلابٍ في صلابِ هجرتكمُ وهجركمُ ورائي ... صوابٌ في صوابٍ في صوابِ عبد الله بن المعتز: كم قد جنيتُ اللهو من غصنه ... ما بين أنوارٍ وأنوارِ في روضةٍ بلل أطرافها ... سقيطُ أنواءٍ وأمطارِ وشققت عنا ستورَ الدجى ... نارٌ على نارٍ على نارِ ومنه: طربتُ إلى الصبوحِ مع الصباحِ ... وشربِ الكأس في غررٍ وضاحِ وكان الثلج كالكافور نثراً ... وناري قربَ نارنجي وراحي حريقٌ في حريقٍ في حريقٍ ... وصبحٌ في صباحٍ في صباحِ ومنه لآخر: وشادنٍ ما مثله في الملاح ... كالشمسِ أو كالبدرِ أو كالصباحْ

стр. 59

لي من ثناياهُ، ومن ريقه ... وخده راحٌ وراحٌ وراحٌ ومنه: أقول لصاحبي، والراحُ روحٌ ... لجسم الكأس في كفّ النديم وقد كشفَ الدجى عنا بواكٍ ... تسيل نفوسهن على الجسومِ شموعكَ والكؤوسُ وشاربوها ... نجومٌ في نجومٍ في نجومِ ومنه: ويسقيني ويشربُ من رحيقٍ ... خليقٍ أن يلقب بالخلوقِ كأنَّ الكأس في يدها وفيها ... عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقِ ومنه: اليومَ يومَ سرورٍ لا انقضاء لهُ ... ويوم سعدٍ به الأيامُ تنقادُ أما ترى اليومَ ما أحلى شمائله ... صحوٌ، وغيمٌ، وإبراقٌ، وإرعادُ كأنه أنتَ يا منْ لا شبيهَ لهُ ... وصلٌ وهجرٌ وتقريبٌ وإبعادُ ومنه: وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً ... فكانوها ولكنْ للأعادي وخلتهمُ سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكنْ في فؤادي وقالوا: قد صفتْ منا قلوبٌ ... لقد صدقوإن ولكنْ منْ ودادي ومنه: كأنما يومنا فعلُ الحبيب بنا: ... موتٌ ونشرٌ وإيعادٌ وميعادُ ومنه: كم أخٍ لي كانَ مني، فلما ... أنْ رأى الوفرَ جفاني جفاني

стр. 60

مستعد لي بسهمٍ، فلما ... أن رأى الدهرَ رماني رماني ومنه: للهِ ليلتنا إذ صاحباي بها ... بدرٌ وبدرٌ سماويّ وأرضيُّ إذ الهوى والهواءُ الطلقُ معتدلٌ ... هذا وهذا ربيعيّ طبيعيُّ بتنا جميعاً وكلّ في السماعِ وفي ... شربِ المدامِ حجازيّ عراقيُّ أسقى وأسقي نديماً غاب ثالثنا ... فالدورُ منا يمينيّ يساريُّ ومنه: سارتْ جيادك في الفلاسيرَ القطا ... يحملنَ عقباناً على عقبانِ ضمنت صهوة كلِّ طرفٍ مثله ... وحملتَ سرحاناً على سرحانِ ومنه أيضاً: كأنَّ أرماحه تتلو إذا افترستْ ... زبورَ داودَ في محرابِ داودِ هيهات راعهمُ في كلّ معركةٍ ... ليثُ الليوثِ وصنديدُ الصناديدِ أما من طريق المعنى وحسن السبك ومتانة المبنى فهذان البيتان طرازان على كمي الأدب، وتاجان على مفرقي البلاغة والفصاحة في العرب، لكن من

стр. 61

طريق الأمر المشروط والرسم المخطوط، فبينهما وبين باب التطريز بعد ما بين الذهب والإبريز. الله أكبر، كيف يغطى على أذهان الفضلاء فتصدر منهم هذه العجائب؟ لكن قد قيل: إن مع أرباب الإصابة سهماً خاطئإن كما إن مع الخواطئ سهماً صائباً. ومنه لآخر: قلنسوةٌ على رأسٍ صليبِ ... مساحته جريبٌ في جريبِ كأنَّ يدي وهامته ونعلي ... قريبٌ من قريبٍ من قريبِ ومنه لغيره: إليكَ طوى عرضَ البسيطة جاعلٌ ... قصارَ المطايا أن يلوحَ لها القصرُ فكنتُ وعزمي والظلامُ وصارمي ... ثلاثة أشباهٍ كما اجتمعَ النثرُ وبشرتَ آمالي بملكٍ هو الورى ... ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هوَ الدهرُ ولغيره: الليالي تسوء ثم تسرُّ ... وصروف الزمان ما تستقرُّ بتّ بحسرى عليّ من ريق حبي ... وكاسيَ شهد ومسك وخمرُ لي من ريق ذا ومقلة هذا ... مع هذي سكر وسكر وسكرُ ومنه لغيره: في وجه هذا الذي كلفت به ... أربعةٌ ما اجتمعن في أحدِ الوجهُ بدرٌ، والريحُ غاليةٌ ... والريقُ خمرٌ، والثغرُ من بردِ لكلّ جزءٍ من حسنها بدعٌ ... تودعُ قلبي بدائعَ الكمدِ باب التفسير اعلم أن التفسير هو أن تذكر جملة، فلا تزيد فيه ولا تنقص منها، ولا تخالف بينها، مثل قول الشاعر:

стр. 62

شبهُ الغيثِ فيه والليثِ والشم ... سِ فسمحٌ، ومحربٌ، وجميلُ ولآخر: كيفَ أسلو وأنتِ حقفٌ وغصنٌ ... وغزالٌ: لحظاً وردفاً وقدا ولابن دريد: إنَّ الذي بجماله وكماله ... جعلَ السهاد إلى الجفون طريقا كالبدر حسناً والغزالةِ مقلةً ... والغصنِ قد والمدامةِ ريقا ولاستاذنا أبقاه الله: ومهفهفٍ لولا فتورُ جفونه ... ما كانَ طرفي في الدموعِ غريقا فضلَ المها جيد وزاد على ذكا ... نورإ ولم يخطِ المدامةَ ريقا وفي الحماسة: يذكرنيكَ الخيرُ والشرُّ والحجا ... وقيلُ الخنا والعلمُ والحلمُ والجهلُ فألقاكَ عن مذمومها متورعاً ... وألقاكَ في محمودها ولكَ الفضلُ ومنه أيضاً: وشاكلتْ ملحاً في الحسن أربعةً ... ما في الرياضِ وفي الأشجار من ملح ثغرٌ وخدّ ونهدٌ واختضابُ يدٍ ... كالطلع والوردِ والرمان والبلح

стр. 63

ومنه لابن النحاس: عدِّ الكؤوسَ عن المحبّ فإنَّ في ... وجهِ الحبيب مدامةً تكفيهِ أفعالها في مقلتيهِ، ولونها ... في وجنتيهِ، وطعمها في فيهِ ولابن حيوس: ومقرطقٍ يغني النديمَ بوجههِ ... عن كأسهِ الملأى وعن إبريقه فعلُ المدامِ ولونها ومذاقها ... في مقلتيهِ ووجنتيه وريقه ومنه لابن المعري في شمعة: لقد أشبهتني شمعةٌ في صبابتي ... وفي هولِ ما ألقى وما أتوقعُ نحولٌ وحزنٌ في فناءٍ ووحدةٍ ... وتسهيدُ عينٍ واصفرارٌ وأدمعُ ولبعضهم في ناعورة: وكريمةٍ سقت الرياضَ بدمعها ... فسرتْ تنوبُ عن الغمامِ الهامعِ بلباس محزونٍ، ومدمعِ عاشقٍ ... ومسيرِ مشتاقٍ، وأنةِ جازعِ وفي الحماسة: أسجناً وقيداً واشتياقاً وغربةً ... وبعدَ حبيبٍ إنَّ ذا لعظيمُ وإنَّ امرأً دامتْ مواثيقُ عهدهِ ... على كلّ هذا إنه لكريمُ

стр. 64

ولامرئ القيس: لهُ أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانٍ، وتقريبُ تتفلِ ولعبد المحسن الصوري: قالتْ وقد فتكتْ فينا لواحظها: ... مهلإن فما لقتيلِ الحبّ من قودِ وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ، وسقتْ ... ورداً وعضتْ على العنابِ بالبردِ أبو نواس: يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بينَ أترابِ يبكي فيذري الدمع من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنابِ فقلتُ: لا تبكِ قتيلاً مضى ... وابكِ قتيلاً لكَ بال بابِ باب الاستطراد اعلم أن الاستطرد نبه عليه أبو تمام والبحتري، وهو إن تمدحن شيئاً أو تذمه ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله، وهو في أشعار المتأخرين بالقصد وفي أشعار المتقدمين بالطبع؛ فمما جاء منه في أشعار العرب ما أنشده في الحماسة:

стр. 65

وإنا لقومٌ لا نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلولُ يقرب حبُّ الموت آجالنا لنا ... وتكرههُ آجالهمْ فتطولُ مح نفسه وقبيلته واستطرد بهجاء قبيلتين. ولحسان بن ثابت الأنصاري: إن كنت كاذبة الذي حدثتنا ... فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ تركَ الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرةٍ ولجامِ ومثله لزهير بن أبي سلمى: إنَّ البخيل ملومٌ حيثُ كان ول ... كنَّ الجوادَ على علاتهِ هرم هوَ الجوادُ الذي يعطيكَ نائله ... عفوإن ويظلمُ أحياناً فيظلمُ ولبعضهم: وأحببتُ من حبها الباخلينَ ... حتى هويت ابن سلمى سعيدا ولبعضهم: إنَّ الفراغ دعاني ... إلى ابتناءِ المساجدْ وإن رأيي فيها ... كرأي يحيى بنِ خالدْ

стр. 66

ومنه لأبي نواس: ضاع من عنف أو فن ... دَ فيها يا دفافهْ مثلما زلتْ وضاعتْ ... بعد هرونَ الخلافهْ وله أيضاً: من رأى الناسُ له الفض ... لَ عليهمْ حسدوهُ مثلما قد حسدَ الق ... ائمَ بالملك أخوهُ ولآخر: فما ذرَّ قرنُ الشمس حتى رأيتنا ... من العيّ تحكي أحمدَ بنَ هشامِ وللسري الرفاء: لنا روضةٌ بالدار صيغ بزهرها ... قلائدُ من حليِ الندى وشنوفُ يطيف بنا فيها إذا ما تبسمتْ ... نسيمٌ كعقل الخالديّ ضعيفُ وماءٌ حكى أشعارَ حمدٍ ببردهِ ... ولكنه يحيى وتلكَ حتوفُ وللبحتري: وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ محجلِ ... قد رحتُ منهُ على أغرَّ محجلِ كالهيكلِ المبنيّ إلاَّ أنهُ ... في الحسن جاء كصورةٍ في هيكلِ

стр. 67

يهوي كما يهوي العقابُ إذا رأى ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدلِ تتوهمُ الجوزاءَ في أرساغه ... والنجمَ غرةَ وجهه المتهللِ ما إنْ يعافُ قذىً، ولو أوردته ... يوماً خلائقَ حمدويهِ الأحولِ آخر: وليلٍ كوجهِ البرقعيديّ ظلمه ... وبرد أغانيه وطول قرونه سريت ونومي فيه غير مشردٍ ... كعقل سليمان بن وهبٍ ودينه على أولقٍ فيه التفاتٌ كأنه ... أبو جابرٍ في خبطه وجنونه ولاح لنا نورٌ كأنّ وميضهُ ... سنا بدران ونور جبينه ولأبي تمام: وسابحٍ هطلِ التعداءِ هتانِ ... على الجراءِ أمينٍ غير خوانِ أظمى الفصوص وما تظمى عرائكه ... فخلّ عينيكَ في ظمآن ريانِ فلو تراهُ مشيحاً والحصى زيمٌ ... تحت السنابك من مثنىً ووحدانِ أيقنتَ إن لم تحقق أنَّ حافرهُ ... من صخرِ تدمرَ أو من وجه عثمانِ وللأستاذ: ومهندٍ تقفو المنونُ سبيله ... أبدإن وكيفَ يكونُ ريبَ منونِ شرك المنايا في النفوسِ، فرحنَ عن ... غبنٍ، وراحَ وليسَ بالمغبونِ ولو أن سيفاً ناطقاً لتحدثتْ ... شفراته بسرائرٍ وشجونِ

стр. 68

يهوي فيتركُ كلَّ قدٍّ توأماً ... بملومه يكفيكَ غير خؤونِ وكأنما القدرُ المتاحُ مسخر ... في حده أو غرم عزّ الدينِ آخر: هذا قتيلٌ أنت رحتَ بإثمهِ ... وقتلته بين الحطيمِ وزمزمِ أجعلتَ لحظكَ في الحجيجِ كأنه ... سيفُ العزيزِ على عصاةِ الديلمِ الكاتب العتابي: تلومُ على تركِ الغني باهليةٌ ... طوي الخيرُ عنها من طريفٍ وتالدِ رأتْ حولها النسوانَ يرفلن في الحلى ... مقلدةً أجيادها بالقلائدِ أسرك أني نلتُ ما نال جعفرٌ ... من المال أو ما نالَ يحيى بنُ خالد وأنَّ أميرَ المؤمنينَ أغصني ... مغصهما بالمرهفاتِ البوارد دعيني تجئني ميتتي مطمئنةً ... ولم أتجشمْ هولَ تلكَ المواردِ وإنَّ عظيمات الأمورِ مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطونِ الأساودِ ولغيره: ما لي ومالك قدْ حملتني شططاً ... حمل السلاحِ وقولَ الدار عينَ: قفِ أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمشي وأصبح مشتاقاً إلى التلف تمشي المنايا إلى قومٍ، فأكرهها ... فكيفَ أمشي إليها بارز الكتفِ أخلتِ عدم ثراءِ المالِ غيرني ... أو أنَّ قلبي في جنبيْ أبي دلفِ آخر: نبيذانِ في مجلسٍ واحدٍ ... لإيثار مثرٍ على مقترِ فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمتَ قياسكَ في المسكرِ

стр. 69

ولو كنت تفعلُ فعل الكرامِ ... فعلتَ فعالَ أبي البحتري تتبعَ إخوانه في البلادِ ... فأغنى المقلَّ عن المكثرِ غيره: إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعهُ ... فليس بهِ بأسٌ وإن كانَ من جرم ومنه قول مسلم بن الوليد: أجدكِ ما تدرين أن ربَّ ليلةٍ ... كأنَّ دجاها من قرونك ينشرُ شربتُ بها حتى تجلتْ بغرةٍ ... كغرةِ يحيى حينَ يذكرُ جعفرُ ومنه لغيره: خليليَّ من كعبٍ، أعينا أخاكما ... على؛ دهرهِ؛ إنَّ الكريم معينُ ولا تبخلا بخلَ ابن قزعةَ؛ إنه ... مخافةَ أن يرجى نداه حزينُ إذا جئته في الحين أغلقَ باب هُ ... فلمْ تلقهُ إلا وأنتَ كمينُ فقل لأبي يحيى: متى تدركُ العلا ... وفي كلّ معروفٍ عليكَ يمينُ ومنه لغيره: وشادنٍ بالدلالِ عاتبني ... ومنيتي في تدلل العاتبْ وكان ردي عليه من خجلي ... أبردَ من شعرِ خالدِ الكاتبْ ومنه لغيره: يا منْ يشيرُ مسلماً ... بالطرفِ كالملكِ الجليلِ

стр. 70

اسم الذي تكنى بهِ ... في لحيةِ ابنِ أبي عقيلِ ومنه لابن االمعتز: ولقد شربتُ مدامةً كرخيةً ... معَ ماجدٍ طلقِ اليدينِ حميد علتْ بماءٍ باردٍ، فكأنها ... علتْ ببردِ قصيدةِ ابنِ سعيد ومن ذلك لبكر بن النطاح في مالك بن طوق: عرضتُ عليها ما أرادتْ من المنى ... فقالتْ: حبيبي، قمْ، فجئني بكوكب فقلتُ لها: هذا التعنت كلهُ ... كمنْ يشتهى لحمَ عنقاءَ مغربِ سلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طلابهُ ... ولا تذهبي يا درتي كلَّ مذهبِ فأقسمتُ لو أصبحتُ في عزّ مالكٍ ... وقدرتهِ أعيا بما رمت مطلبي فتى شقيتْ أمواله بأكفهِ ... كما شقيتْ قيسٌ بأرماحِ تغلبِ وللمتنبي: وكأنّ كلّ سحابةٍ وقفت بها ... تبكي بعينيْ عروة بن حزامِ وقال جرير: لما وضعتُ على الفرزدقِ ميسمي ... وضغا البعيثُ جدعتُ أنف الأخطل ومنه لابن حجاج: وكأني أقرأ بحرفِ أبي عم ... روٍ على القومِ سورةَ الأنعامِ

стр. 71

محنةٌ تصفعُ ابنَ عمرو بنِ يحيى ... في دماغِ الأعشىَ بنعلِ القطامي باب الاستخدام اعلم أن الاستخدام هو إن يكون للكلمة معنيان فتحتاج إليهما فتذكرها وحدها تخدم للمعنيين، كمما قال الله : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " والصلاة ههنا تحمل إن تكون فعل الصلاة أو موضع الصلاة، فاستخدم الصلاة بلفظ واحد لأنه قال سبحانه: " إلا عابري سبيل "، فدل على أنه أراد موضع الصلاة، وقال تعالى: حتى تعلموا ما تقولون فدل على أنه فعل الصلاة. وأنشدوا للبحتري: فسقى لغضا والساكنيه وإن همو ... شبوهُ بين جوانحٍ وقلوب فالغضى يحتمل أن يكون الموضع، ويحتمل أن يكون الشجر، فاستخدم المعنيين بقوله: والساكنيه، وبقوله: وإن هم شبوه. ومن ذلك قول بعض العرب: إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... رعيناهُ وإن كانوا غضابا فالسماء تحتمل معنيين: المطر، والنبات، فاستخدم المعنيين بقوله: إذا نزل السماء يعني المطر ورعيناه، يعني النبات.

стр. 72

وكما قال أبو العلاء: وفقيه أفكاره شدنَ للنعمانِ ... ما لم يشدهُ شعرَ زيادِ النعمان يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون النعمام بن المنذر الملك، أو النعمان ابن ثابت الفقيه فاستخدم المعنيين بلفظ واحد فقال شدن للنعمان، يعني أبا حنيفة، وقال: شعر زياد، يعن النعمان بن المنذر وهو النابغة وكان كثير المدح للنعمان. وكما قال أبو تمام: وإذا مشتْ تركتْ بصدرك ضعفَ ما ... بحليها من شدةِ الوسواسِ لأن الوسواس يحتمل معنيين، وهو بلابل الصدر وصوت الحلي، فاستخدم المعنيين بقوله: تركت بصدرك يعني البلابل، وبقوله: ضعف ما بحليها يعني صوت الحلي. ومنه: اسمُ من ملني ومن صدَّ عني ... وجفاني من غير ذنبٍ وجرمِ والذي ضنَّ بالوصالِ علينا ... مثلما ضنَّ بالهوى قلبُ نعمِ هذا الستخدام في الإعراب لأن قلب مرفوعه بخبر للابتداء وبفاعل ضن، وهو أيضاً استخدام في المعنى لأن معنى قلب من المقلوب ومعنى العكس لأن الاسم معن. باب الإغراق اعلم أن الإغراق هو أن يبالغ في شيء بلفظه ومعناه، كما قال المتنبي:

стр. 73

عهدي بمعركةِ الأمير وخيله ... في النقعِ محجمةً عن الإحجامِ وقوله أيضاً: وإذا أشفقَ الفوارسُ من وقعِ ال ... قنا أشفقوا من الإشفاقِ وقال رجل لجعفر الصادق ﵇: إني أخاف ذنوبي، فقال: هنيئاً إنما الخوف ألا تخاف. وقال بعض العلماء: ليس معي من العلم إلا أني أعلم أني لا أعلم. أخذه بعض الشعراء فقال: أليس عجيباً بأني امرؤٌ ... شديدُ الجدال دقيقُ الكلم يموتُ وما علمتْ نفسه ... سوى علمه أنه ما علمْ ومنه لغيره: جهلتَ ولمْ تعلمْ بأنك جاهلٌ ... فمنْ لي بأنْ تدري بأنكَ لا تدري ومنه لغيره: ومليحةِ الألحاظِ فاتنةٍ ... نفاثةٍ بالسحرِ في العقدِ ضنتْ بموعدها فقلتُ لها: ... يا هذهِ، فعدي بأنْ تعدي ومنه لغيره: فكأنما ألفاظهُ يومَ النوىَ ... منْ رقة الشكوى دموعُ دموعِ ومنه لغيره:

стр. 74

أخلف وعدي منجزُ الوعدِ ... فبحتُ بالوجد من الوجدِ وحال عن عهدي وعهدب به ... يحلفُ لا حالَ عنِ العهدِ يا ليته إذ صدَّ عنْ وصلِ منْ ... هامَ بهِ صدَّ عن الصدِّ ومنه لابن البياضي: وإن تكُ مثلما زعموإ، ملولاً ... لمنْ تهوى سريعَ الإنتقالِ صبرتُ على ملالك لي برغمي ... وقلتُ: عسى تملُّ منَ الملالِ ومنه لغيره: ويطمعُ في رجعاتِ الملو ... ل، لأنَّ الملولَ يملّ الملالَ يملُّ القطيعةَ مستأنفاً ... كما ملَّ من قبل ذاك الوصال ومنه لغيره: لو سرتَ حين مللتَ سيرةَ منصفٍ ... لسننتَ وحدك سنةً لم تعرفِ من صحَّ قبلك في الهوى ميثاقه ... حتى تصحَّ، ومنْ وفى حتى تفي عرف الهوى في الخلق مذ خلق الهوى ... بمذلةِ الأقوى وعزّ الأضعفِ فلألبسنَّ حملتُ أو لم أحتملْ ... ثوبَ السقام، عطفتَ أو لمْ تعطفِ ومنه لغيره: حببتكمُ حبَّ اليمينِ شمالها ... وغايةُ جهد الحبّ ما وسع القلبُ وبوأتكم منه السواد، ولم يكنْ ... لغيركم منهُ مضيقٌ ولا رحبُ لكمُ في الحشا من قبل أن تخلق الحشا ... سرائر حبٍّ قبل أن يخلق الحبُّ

стр. 75

ومنه لغيره: وما زالَ يلوي ذيولَ الهوى ... ويؤيسنا من قليل النوال إلى أنْ وقعنا بزور المزا ... رِ، وبعد الكرى، وخيال الخيالِ ومنه للمتنبي: إن المعيدَ لنا المنام خياله ... كانتْ إعادته خيال خياله باب التوهيم اعلم أن التوهيم هو أن تجيء لكلمة توهم أخرى، مثل قوله تعالى: " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق "، لأن قوله سبحانه: " يوفيهم " يوهم من لا يحفظ دينهم الحق بالفتح، ومنه قول سحيم: فجالَ على وحشيةٍ وتخالهُ ... على ظهره سباً جديداً يمانيا قوله يمانيا يوهم أنها شبا بالشين. وكذلك قول المتنبي:
следующие страницы →