Полный текст (123 стр.). Показаны 106–123 · переход к 111.
стр. 106
زيد. وهذا ما لا نجده إلا في القليل النادر. ومن الراجح لدينا أن الهلالين دخلوا السودان بعد التغريبة بزمن غير قصير، وأنهم اتخذوا طريق وادي النيل، ثم انحرفوا غرباً على امتداد وادي الملك إلى كردفان ثم دارفور. ويحدثنا المقريزي أن بني هلال كانوا من جملة عربان الصعيد الذين اشتركوا في حملة السلطان قلاوون في عام ٦٨٦هـ١٢٨٧م على بلاد النوبة، وأن الحملة انقسمت فرقتين، فرقة منها اتبعت البر الغربي من النيل، والأخرى سارت من البر الشرقي. وليس ببعيد أن يكون بني هلال قد اتخذوا طريق البر الغربي مع الفرقة الأولى، ثم استقروا في غرب السودان. وفي غرب السودان، نجد عدداً من الجماعات تنتسب إلى الهلالين أو إلى أبي زيد، منهم التنجور، والفور، والرزيقات، وهلالية البرقد، والزيادية. بالإضافة إلى التأثير السلالي في هذه الجماعات، نجد التأثير القصصي يتمثل في رواياتهم، وفي بعض الأحيان يمتزج اللونان من التأثير بحيث يصعب على الباحث أن يميز بينهما. ومع هذا فليس هناك ما يدعوا إلى الشك في نسبتهم إلى الهلالية، كما صنع ما كما يكل، إذ أن اختلاط الجانبين من التأثير - أحياناً - لا يعني بحال الشك في صحة انتساب هذه الجماعات أو أصولها الأولى، إلى الهلالين، جملة وتفصيلا. وإلى جانب هذه الجماعات التي انتسبت إلى بني هلال أو إلى أبي زيد، نجد وحدات من الحلف الهلالي القديم، تنتقل إلى السودان، وتحمل كل وحدة منها اسمها الخاص، مثل بني سليم وبني فزارة الذين كانوا من حلفاء هلال منذ البداية. وفي السودان اليوم قبيلة تعرف باسم بني سليم، تنتمي إلى مجموعة البقارة، وتعيش على النيل الأبيض، من جهة الغرب، في أرض كردفان. أما بنو فزارة فقد أطلق النسابون اسمهم على مجموعة تعيش في الجهات الشرقية والوسطى من كردفان، وهي تتألف من العشائر الآتية: دار حامد - بني جرار - الزيادية - البزعة - الشنابلة - المعاليا. وقد عرفت هذه المجموعة باسم فزارة في القرنين الماضيين. أما اليوم فقد انتثر عقدها فصارت وحدات منفصلة كل وحدة تسمى باسمها الخاص. وفزارة قبيلة قيسية، كان
стр. 107
منهم بطون في صعيد مصر والوجه البحري، ولا تزال قرى تحمل اسمهم في مصر. ففي الصعيد فزارة التابعة لمديرية جرجا، والفزارية التابعة لمنفلوط. ويبدو من دراسة المجموعة الفزارية في السودان أن لبعضها - على الأقل - صلة ببني هلال. ففي روايات دار حامد، أن جدهم حامداً حين قدم إلى غرب السودان، لقي أبا زيد الهلالي، فاستشاره في المكان الذي يتخذه مقاما له، فأشار عليه بسكنى بقعة معينة في كردفان. والزيادية ينتسبون إلى اليوم إلى أبي زيد الهلالي. والبزعة يزعمون أنهم جاءوا أصلا من شمال إفريقية، ولا نعرف إن كانوا من الحلف الهلالي الذي جنح إلى المغرب أو كانوا من غيره، وبنو جرار يربطون نسبهم بالبزعة. أما التأثير القصصي للهلالية في السودان، فهو عام في الشرق والغرب، كما قلنا. ويتمثل فيه أبو زيد مغامراً طوافا، خبيرا بمسالك السودان ومجاهله، بطلا شجاعا يضرب به المثل فيقال " فارس هلاله " ويتمثل به الشعراء في مدح أبطالهم. وله قصص في الحب جعلوا مسرحها في السودان. وربط رواة السودان بين " أحمد سفيان " مؤسس أول سلطنة إسلامية في دارفور، وبين أبي زيد، فزعموا أن أحمد هو أخو أبي زيد، وأن أباهما هو الأمير رزق الذي لعب دورا في قصة أبي زيد الهلالي، وأن رزقا هذا في بعض الروايات هو جد قبائل الرزيقات، في غرب السودان. وإلى جانب هذا الطابع المحلي في التاثير القصصي، نجد الرواة يعرفون القصة الشائعة في سائر الأقطار العربية، ويقصونها في المجالس. بطون في صعيد مصر والوجه البحري، ولا تزال قرى تحمل اسمهم في مصر. ففي الصعيد فزارة التابعة لمديرية جرجا، والفزارية التابعة لمنفلوط. ويبدو من دراسة المجموعة الفزارية في السودان أن لبعضها - على الأقل - صلة ببني هلال. ففي روايات دار حامد، أن جدهم حامداً حين قدم إلى غرب السودان، لقي أبا زيد الهلالي، فاستشاره في المكان الذي يتخذه مقاما له، فأشار عليه بسكنى بقعة معينة في كردفان. والزيادية ينتسبون إلى اليوم إلى أبي زيد الهلالي. والبزعة يزعمون أنهم جاءوا أصلا من شمال إفريقية، ولا نعرف إن كانوا من الحلف الهلالي الذي جنح إلى المغرب أو كانوا من غيره، وبنو جرار يربطون نسبهم بالبزعة. أما التأثير
стр. 108
القصصي للهلالية في السودان، فهو عام في الشرق والغرب، كما قلنا. ويتمثل فيه أبو زيد مغامراً طوافا، خبيرا بمسالك السودان ومجاهله، بطلا شجاعا يضرب به المثل فيقال " فارس هلاله " ويتمثل به الشعراء في مدح أبطالهم. وله قصص في الحب جعلوا مسرحها في السودان. وربط رواة السودان بين " أحمد سفيان " مؤسس أول سلطنة إسلامية في دارفور، وبين أبي زيد، فزعموا أن أحمد هو أخو أبي زيد، وأن أباهما هو الأمير رزق الذي لعب دورا في قصة أبي زيد الهلالي، وأن رزقا هذا في بعض الروايات هو جد قبائل الرزيقات، في غرب السودان. وإلى جانب هذا الطابع المحلي في التاثير القصصي، نجد الرواة يعرفون القصة الشائعة في سائر الأقطار العربية، ويقصونها في المجالس.
стр. 109
الهوارة: تدفقت قبائل الهوارة على صعيد مصر الأعلى في نهاية مرحلة الأحلاف، ودخلت منهم موجات في السودان منذ ذلك الحين إلى عهد قريب. والهوارة الذين يعيشون الآن في شمال السودان هم بقايا هوارة مصر. والشواهد على ذلك ناطقة، ذكر بعضها ما كما يكل. ويروي هوارة السودان أنهم نزحوا من صعيد مصر، من منطقة إسنا. وهم في معظمهم بدو رحل، وقليل منهم يستقرون على ضفاف النيل في دنقلة. وفي فصل الأمطار ينتقل الهواوير الرحل بقطعانهم إلى الغرب، ويرعون مع الكبابيش من وادي الكلب إلى حدود دارفور، ثم يعودون إلى الشرق في فصل الجفاف. وهناك قسم آخر من الهوارة، يقيمون الآن بالقرب من الأبيض، في كردفان، حول خمى وأم دليكة وغيرهما. ويروون " أنهم بطن من قبيلة الهواوير، وأن أجدادهم عاشوا في صعيد مصر، وأنهم كانوا بيض الألوان، وأول من قدم منهم إلى الجنوب ونزل كردفان، رجل اسمه الحاج عيسى ود محمد ود منصور، كان تاجرا جوالا، من منفلوط، بالقرب من أسيوط، فرحل إلى كردفان، وتبعه آخرون من تجار هوارة، وتجمعت منهم طائفة ممن هاجروا من مصر، فسموا " جلابة هوارة " " ولقى الجيل الأول من هؤلاء بعد الحاج عيسى بعض المتاعب في كردفان، فعزموا على الرحيل إلى مصر بزعامة ابن الحاج عيسى واسمه " الحاج محمد أبو مِنانة ". وبعد أن قطعوا شوطاً في رحلتهم، استغرق يوماً كاملا، بلغوا قرية " دوم الخاتراب " بالقرب من " شريم " حيث لقيهم أهل المنطقة وأقنعوهم بالبقاء معهم، وولوا الشيخ محمد فقيهاً " بلغتهم: فكي " لقريتهم. وبعد وفاة الحاج محمد، رجع قومه إلى خُمى وبقوا فيها. وقد ظهرت بعض الفوارق في السحنة بين بدو الهوارة وجلابة الهوارة، على مر الزمن، فقد كان جلابة الهوارة أكثر امتزاجاً بالعناصر الزنجية من أقربائهم البدو.
стр. 110
القرشيون: تتمثل قريش، بمختلف فروعها، في عرب السودان، ففيهم البكريون والعمريون والزبيريون والطالبيون والعباسيون والأمويون. ويرى أحد نسابة السودان المعاصرين تقسيم العرب في السودان إلى ثلاثة أقسام هم: جهينة والطالبيون والعباسيون. فالطالبيون أكثرهم في السودان يجتمعون في ركاب ابن غلام الله بن عائذ. والعباسيون تجمعهم قبائل جعل أي الجعليين. ويذكر نعوم شقير " أن أهم الأصول التي يرجع عرب السودان إليها في أنسابهم هي: بنو أمية وبنو العباس وجهينة والزبير بن العوام وجعفر الطيار " ابن أبي طالب "، وأن معظمهم ينتسب إلى جهينة وبني العباس إلا أن المنتسبين إلى جهينة أكثر ". ولا شك أن فئات من القرشيين في السودان قد اندمجت في مجموعات أخرى بالحلف أو المصاهرة. وربما كان هذا من أسباب اختلاف النسابين في نسب المجموعة الواحدة أحياناً، فبعضهم ينسبهم إلى قريش، وبعضهم ينسبها إلى جهينة أو ربيعة أو مضر " من غير قريش ". وليس الاختلاف في رواية هذه الأنساب، هو دائما وليد جهل أو خطأ، ولسنا ممن يذهبون إلى الشك في هذه الأنساب جملة وتفصيلا، بل نعدها - إلى حد ما - مادة قد تهدينا إلى " نوع الحلف " الذي تألفت منه القبيلة أو المجموعة. فالشكرية - مثلا - ينسبون في روايات مختلفة إلى جهينة وفزارة أو جعفر بن أبي طالب. وهذا لا يعني أن هذه الروايات غير صحيحة جملة وتفصيلا، وإنما هي في نظرنا علامة قد تفيدنا في احتمال أن يكون هناك جماعات من هذه الأصول الثلاثة قد اندمجت في زمن ما، أو أزمان مختلفة في مجموعة الشكرية. وقد نزحت جماعات من قريش إلى السودان في فترات مختلفة في مرحلة الأحلاف وربما جاء معظمهم من وادي النيل، وقليل منهم جاء من طرق أخرى كالطريق الليبي وطريق البحر الأحمر. ويحدثنا القريزي أن أولاد أبي بكر ﵁ كانوا من جملة العرب الذين اشتركوا في غزو بلاد النوبة أيام السلطان قلاوون وفي السودان " نجد المسلمية " هي القبيلة الوحيدة التي تنتسب إلى أبي بكر الصديق ﵁، وكثير منهم يسمون أنفسهم البكرية مبتعدين بنسبهم عن كل من الجعليين والجهنيين، وهم يعيشون في الجزيرة حيث سمي أحد المراكز باسمهم، وعلى ضفتي النيل
стр. 111
الأبيض، وأكثرهم مستقرون يمارسون الزراعة، ولهم في " البطانة " شعبة صغيرة تعيش عيشة البداوة. كذلك العمريون أو أولاد عمر، لعلهم دخلوا السودان على فترات، ومنهم طائفة كانت في حملة قلاوون التي أشرنا إليها. وربما دخل فريق منهم في أيام الظاهر بيبرس. فقد ورد في مخطوط قديم لأحد نسابة السودان كلام عن جماعة العواصم قال " وهم آل عاصم بن عامر بن نصير العمري من بني عمر بن الخطاب، وكان أول سكونهم بمصر، ففروا إلى أرض السودان في أيام الظاهر بيبرس ". أما العباسيون، فكانوا أكثر عدداً في السودان. واشتهر الجعليون في السودان بأنهم عباسيون. والظاهر أن هذا اللفظ لم يكن يراد به اتجاه سياسي معين لهذه القبائل المهاجرة، فلعله أريد به مجرد النسب الشريف الذي يميزهم عن الطالبيين خاصة. ففي تلك المرحلة التي غذت السودان بمعظم الهجرات العربية، كان اللفظ في أوساط العرب ولا سيما أهل البادية، أدل وأكثر اشتهارا على إحدى الطائفتين الشريفتين في بني هاشم، ونحن نعلم أنه كانت هنالك نقابة لهما، ثم أصبح لكل فريق منهما نقيب خاص في بغداد. وليس من اليسير أن نرجع المجموعة الجعلية إلى بطونها الأولى في مصر. ولكن موقعها الجغرافي على نهر النيل ما بين الخرطوم وبلاد النوبة، وانتشارها من هذا المركز في شعب وفروع نحو البطانة والنيل الأزرق، ونحو النيل الأبيض جنوب الخرطوم، ونحو الغرب إلى كردفان - كل ذلك يحمل الدليل على أن هذه المجموعة قد دخلت السودان من الشمال من طريق وادي النيل. وليس في أقوال الرواة عن أصل تسمية " جعل " ما يرشدنا إلى معرفة نواة القبيلة أو المجموعة في شمال الوادي. ويختلف النسابة في أصل التسمية على قولين: القول الشائع أن إبراهيم الهاشم، جد الجعليين كان جواداً كريماً، وأنه كان يقول للجماعات التي تنضوي تحت لوائه: جعلناكم منا، فسمي لذلك جعلا. وفي مخطوط سوداني يرجع إلى ١٢٧٧هـ ١٨٦٠م أنه لقب جعلا " بضم الجيم " لسمرته الشديدة ومنظره. والواقع أنه لم يرد لفظ جعل ومشتقاته في أسماء قبائل العرب القديمة إلا في قبيلتين: إحداهما جعال بن ربيعة، حي
أقطعهم م ٢
стр. 112
الرسول (أرض إرم من ديار جذام. والأخرى بنو حرام بن جعل، بطن من بلا من قضاعة وهم بنو حرام بن عمرو بن جشم. فاللفظ إذن معروف في الجزء الشمالي الغربي من شبه جزيرة العرب، أي في المستودع الأول الذي أمد مصر بموجاته العربية المتلاحقة. بل إن المصادر تحدثنا أن من بين الصحابة الذين نزلوا مصر حزام بن عوف البلوي، وكان من بني جعل من بلى، وهو ممن بايع رسول الله (تحت الشجرة في رهط من قومه بني جعل، فقال لهم الرسول (: " لا صخر ولا جعل. أنتم بنو عبد الله ". على أننا لا نستطيع أن نجد صلة ما بين هؤلاء والجعليين في السودان، ولا سيما إذا واجهنا اتفاق جمهور النسابة على أن الجعليين عباسيون، وأن جعلا ليس إلا لقباً لإبراهيم؛ وفي روايات أخرى أن الذي سمى جعلا هو " عبد الله جعل " حفيد إبراهيم جعل أو الجعلي " وقد يخلط بعض الناس فيقول عبد الله جعل، أو إبراهيم جعل، فإن عبد الله حفيد إبراهيم فلا غرابة ولا داعي للجدل ". ويلاحظ أن نسب الجعليين المتفق عليه يشتمل على بعض أجداد من أعقاب سبأ مثل يمن الخزرجي وذي الكلاِع الحميري وهو ابن سعد الأنصاري نسبة إلى أمه الأنصارية. إلا أنه يستمر بعد ذلك إلى العباس: " سعد الأنصاري بن الفضل بن عبد الله بن عباس ". أما الطالبيون فمركزهم الرئيسي في وادي الكنوز ووادي النوبة إلى حدود دنقلة، ونحن نعلم أن جيرانهم " الكنوز " من بقايا بني كنز الدولة " ربيعة " الذين كانوا سندا قوياً للدولة الفاطمية. ولا يبعد أن يكون الطالبيون قد اختاروا هذه المنطقة لصلة تربطهم بالكنوز. ويبدو أن هذه المنطقة ظلت طالبية حتى وفد إليهم جماعات أخرى مثل الجوابرة والغربية فسكنوا إلى جوارهم. فالركابية يسكنون أواسط بلاد المحس، ومواطنها الرئيسية في مركز دنقلة وهم ينتسبون إلى جد من نسل الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو ركاب بن غلام الله بن عائذ. وإن صحت الروايات المتواترة لديهم، تكون هجرتهم من الناحية الشرقية من طريق البحر الأحمر. وقد هاجر منهم كثير إلى غرب السودان وقبيلة الجعافرة نسبة إلى جعفر بن أبي طالب، كانت منهم جماعات تنزل الصعيد الأعلى ومازالت بقاياهم إلى اليوم، بين قوص وأسوان. ثم انتشرت طوائف منهم جنوباً
стр. 113
إلى بلاد المحس. ومع ذلك فإن لهم شعبة الآن تعيش في كردفان، وتتصل بالجوامعة. والعليقات عشيرة كانت من جملة العشائر التي تعمل في وادي العلاقي في أرض المعدن، وبعد أن أصاب الوادي الخراب، نزحوا شمالا إلى بلاد الصعيد وإلى سيناء، والظاهر أن تسميتهم نسبة إلى العلاقي، ومنهم فروع سكنت بين المضيق وكرسكو وهم ينتمون إلى عقيل بن أبى طالب. ومن ذرية عقيل أيضاً جماعة الصوادرة في بلاد المحس وفي دنقلة، عاشت أسرة سوار الذهب، وهو الشيخ ساتي محمد ولد عيسى، وفي روايتهم أنه يرجع في نسبه - من جهة أبيه - إلى العباس، ومن جهة أمه إلى الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵁. وفي بوهين سكنت جماعة من الفادنية ويتصل نسبهم بمحمد بن الحنفية، وأول من ذكر منهم الشريف محمود بن محمد بن سليمان بن جعفر بن عبد الله وفي أنحاء السودان تفرقت جماعات أخرى كثيرة تنسب إلى قريش، وليس من اليسير إحصاؤها، وحسبنا أن نذكر منهم العبابدة، وهم يروون أنهم من نسل الزبير بن العوام، ويربطون نسبهم بالكواهلة. وسنرى أن العبابدة والكواهلة كانوا من قبائل أرض المعدن، ومنها تفرقوا في أنحاء وادي النيل. ومن قريش " البطاحين " وهم يقولون إن اسمهم مشتق من بطحاء مكة، ويلتقون في نسبهم مع أجداد الجعليين. وقد روى لي أحد رواتهم أن هجرتهم كانت من طريق مصر إلى غرب السودان، ولهم في كردفان آثار يعرفونها، " وصاروا ينتجعون المراعي ومعهم أبناء عمهم القنن، فنزلوا بالضفة الشرقية للنيل في المكان الواقع شرقي الجريفات اليوم إلى ما بعد شرقي الحلفاية شمالا ". ومن قريش أيضاً ملوك سنار الذين عرفوا باسم الفونج، وهم الذين أسسوا أول سلطنة إسلامية واسعة النفوذ في السودان، وحكموا أكثر من ثلاثمائة سنة، منذ اول القرن العاشر الهجري " السادس عشر الميلادي ". وهؤلاء الفونج ينتسبون إلى بني أمية. ومسألة موطنهم السابق الذي خرجوا منه إلى قلب السودان حيث أسسوا عاصمتهم سنار، هي مثار خلاف واسع بين الباحثين، ففريق يرى أنهم جاءوا من الحبشة، وفريق يرى أنهم من منطقة بحيرة شاد حيث الكانم والبرنو، وآخرون
يزعمونون
стр. 114
أن لهم أصلا زنجياً. ولم يعد للرأي الأخير ما يؤيده في الوقت الحاضر. أما عن الرأيين السابقين، فلا ينبغي أن يؤدي أحدهما إلى الخلط بين الموطن الأصلي والأصل العربي، وسواء أكان موطنهم السابق بلاد الحبشة أم بلاد البرنو، فإن هذا لا يمنع من أن يكونوا ذوى صلة بأعقاب بني أمية الذين استوطنوا هذه الجهة أو تلك. والجدير بالذكر أن أعقاب بني أمية، قبل قيام سلطنة الفونج، كانت منهم طوائف أموية تحدثنا المصادر أنهم سكنوا بلاد الحبشة والبرنو. ففي الحبشة " كان بنو أحمر، وهم قبيلة من بني أمية انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل ". وفي منطقة البرنو يحدثنا أبو عبيد البكري، أن الكانم والبرنو يزعمون أن قوماً من بني أمية صاروا إليها عند محنتهم ببني العباس، ويؤيد ر. بالمر هذه الرواية بمصادر أهل البرنو أنفسهم. ومن القبائل التي تمت بصلة القربى إلى قريش، قبيلة كنانة بن خزيمة، وكان منها طوائف في صعيد مصر وفي الوجه البحري. وفي سنة ٦٤٧هـ ١٢٤٩م ألفت كنانة قوة من حرس دمياط واشتهروا بالتفوق في الدفاع عن هذه المدينة ضد هجمات لويس التاسع وجيشه من الصليبيين. ثم نزح قسم من كنانة إلى صعيد مصر، ونزح قسم آخر منهم غرباً إلى مراكش، ويحدثنا المقريزي أن كثيراً من كنانة كانوا في إخميم في زمانه. ولعل أول من قدم منهم إلى السودان جماعة بزعامة " منصور "، عبروا طريق النيل من مصر إلى السودان، حوالي سنة ٧٢٠هـ ١٣٢٠م. ومن منصور تشعبت بطون كنانة الستة ومنهم أول أولاد سوار. وفي زمن ابن بطوطة الرحالة كانت كنانة ممن سكنوا سواكن " في الفترة التي بين ١٣٣٠ - ١٣٤٠م " وربما كان كمال بن سوار الذي أشار إليه القلقشندي وذكر أنه أحد زعماء القبائل الذين يكاتبون سلطان مصر في سنة ٧٦٣هـ ١٣٦١م - هو شيخ كنانة في ذلك الحين. ويظهر أن كنانة هاجرت بعد ذلك إلى دنقلة، واستقروا هناك زمناً، ثم تفرقوا فذهبت طائفة إلى كُرُن، جنوبي تقلى في كردفان، ولحق قسم منهم بالكبابيش؛ وبقي قسم كبير شرقي النيل الأبيض إلى اليوم. أن لهم أصلا زنجياً. ولم يعد للرأي الأخير ما يؤيده في الوقت الحاضر. أما عن الرأيين السابقين، فلا ينبغي أن يؤدي أحدهما إلى الخلط بين
стр. 115
الموطن الأصلي والأصل العربي، وسواء أكان موطنهم السابق بلاد الحبشة أم بلاد البرنو، فإن هذا لا يمنع من أن يكونوا ذوى صلة بأعقاب بني أمية الذين استوطنوا هذه الجهة أو تلك. والجدير بالذكر أن أعقاب بني أمية، قبل قيام سلطنة الفونج، كانت منهم طوائف أموية تحدثنا المصادر أنهم سكنوا بلاد الحبشة والبرنو. ففي الحبشة " كان بنو أحمر، وهم قبيلة من بني أمية انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل ". وفي منطقة البرنو يحدثنا أبو عبيد البكري، أن الكانم والبرنو يزعمون أن قوماً من بني أمية صاروا إليها عند محنتهم ببني العباس، ويؤيد ر. بالمر هذه الرواية بمصادر أهل البرنو أنفسهم. ومن القبائل التي تمت بصلة القربى إلى قريش، قبيلة كنانة بن خزيمة، وكان منها طوائف في صعيد مصر وفي الوجه البحري. وفي سنة ٦٤٧هـ ١٢٤٩م ألفت كنانة قوة من حرس دمياط واشتهروا بالتفوق في الدفاع عن هذه المدينة ضد هجمات لويس التاسع وجيشه من الصليبيين. ثم نزح قسم من كنانة إلى صعيد مصر، ونزح قسم آخر منهم غرباً إلى مراكش، ويحدثنا المقريزي أن كثيراً من كنانة كانوا في إخميم في زمانه. ولعل أول من قدم منهم إلى السودان جماعة بزعامة " منصور "، عبروا طريق النيل من مصر إلى السودان، حوالي سنة ٧٢٠هـ ١٣٢٠م. ومن منصور تشعبت بطون كنانة الستة ومنهم أول أولاد سوار. وفي زمن ابن بطوطة الرحالة كانت كنانة ممن سكنوا سواكن " في الفترة التي بين ١٣٣٠ - ١٣٤٠م " وربما كان كمال بن سوار الذي أشار إليه القلقشندي وذكر أنه أحد زعماء القبائل الذين يكاتبون سلطان مصر في سنة ٧٦٣هـ ١٣٦١م - هو شيخ كنانة في ذلك الحين. ويظهر أن كنانة هاجرت بعد ذلك إلى دنقلة، واستقروا هناك زمناً، ثم تفرقوا فذهبت طائفة إلى كُرُن، جنوبي تقلى في كردفان، ولحق قسم منهم بالكبابيش؛ وبقي قسم كبير شرقي النيل الأبيض إلى اليوم.
ربيعة وقبائل أهل المعدن:
стр. 116
تناثرت معادن التبر والزمرد على مراحل في شرقي النيل من صعيد مصر ومن بلاد البجة في شرق السودان. وكانت كل منطقة معدنية منها بمثابة مركز للعرب والأجراء الذين يعملون في المعادن، وقد ذكر اليعقوبي في القرن الثالث الهجري " التاسع ميلادي " حوالي ثلاثين موقعاً من هذه المراكز، ومعظم أسمائها ما زال بحاجة إلى تعريف ودراسة. فمن هذه المواضع في معادن التبر بصعيد مصر: موضع يقال له " الشكري " وموضع يقال له " الكلبي " وموضع يقال له " العجلي ". ومن المحتمل أن تكون هذه المواضع نسبة إلى بعض رؤساء جماعات عربية سكنت هذه المواضع. ولا ندري ماذا كان هنالك صلة ما بين موضع " الشكري " هذا وقبيلة الشكرية التي تسكن البطانة بين النيل الأزرق ونهر العطبرة، ومهما يكن فمن المؤكد أن أرض المعدن بجموعها الهائلة كانت مستودعاً أمد السودان بعدد من قبائله. وقد أخذت هذه الجموع في الانتشار على بقاع السودان شرقا وغربا وجنوباً، بعد أن خربت مناطق المعدن أو معظمها في الشطر الأخير من مرحلة الأحلاف. ومن قبائل أرض المعدن خرج الكواهلة، وأغلب الظن أن نواتهم الأولى - على الأقل - كانت من بقايا أحلاف ربيعة الذين هاجروا إلى ارض المعدن بنسائهم وذرياتهم في آلاف كثيرة. واشق من ربيعة وأحلافها فرع بني كنز الدولة الذي آثر السكنى بشمالي بلاد النوبة كما أشرنا من قبل. والكواهلة ينتسبون في أصولهم، إلى كاهل بن أسد بن خزيمة، ولهؤلاء صلة قرابة وثيقة ببني ربيعة. ذلك أن بني ربيعة من نسل بني حنيفة بن لُجَيم الذين كانوا باليمامة شرقي الجزيرة العربية، ثم نزحوا منها إلى صعيد مصر. وإخوة بني حنيفة هم بنو عِجْل بن لجيم الذين كان موضع " العجلي " في أرض المعدن منسوباً إليهم. وأم حنيفة - كما يقول المقريزي وسائر المؤرخين - هي صفية بنت كاهل بن أسد ابن خزيمة. والقرائن الدالة على أن الكواهلة كانوا من قبائل أهل أرض المعدن لا تحتمل الشك. فهم أهم قبيلة في السودان اتصلت بالبجة اتصالاً وثيقاً من ناحيتي الجوار والنسب، وتعلمت لسانهم، واندمج قسم كبير منهم في قبائل البجة حتى أصبحت كل مجموعة بجاوية تنتسب إلى بني كاهل ثم ترك بقية الكواهلة أوطانهم في أرض البجة
стр. 117
واتجهوا إلى وسط السودان وغربيه. ويقول الدكتور محمد عوض: ويكاد أن يكون من المؤكد أن الكواهلة - أو معظمهم - قد دخلوا السودان من الشرق، ووصلوا إليه من الجزيرة العربية مباشرة. وبدأوا حياتهم فيه باحتلال الإقليم الساحلي أو جزء عظيم منه من سواكن إلى عيذاب، حيث اختلطوا بالبجة وتعلموا لسانهم وصاهروهم، وربما كان لهم الأثر الأكبر في نشر الإسلام والثقافة العربية فيهم. ولكن ليس من اليسير أن نؤكد هجرتهم من الشرق مباشرة على نحو ما ورد في هذا النص. فمن الجائز أن يكونوا قد شقوا طريق الصحراء الشرقية من الشمال. ولا سيما إذا رجحنا أن الكواهلة هم بقايا ربيعة الذين هاجروا إلى مصر، وكان منهم من سكنوا الحوف الشرقي، والوجه البحري، ومنهم من سكنوا أرض المعدن في صعيد مصر وبلاد البجة فأذا صح هذا فأن أجداد الكواهلة سكنوا أرض المعدن منذ القرن التاسع الميلادي، واختلطوا بالحداربة وغيرهم من أعقاب سبأ ومضر، وفي زمن الرحالة ابن بطوطة في الفترة بين سنتي ١٣٣٠، ١٣٤٠م كان البجة قد أقاموا على جزيرة سواكن السلطان الشريف زيد بن أبي نمي، وهم أخواله، وكان عساكره من البجة وأولاد كاهل وعرب جهينة ومن المعروف أن البجة قد جروا على نظام الانتساب إلى الأم وتوريث الملك من طريق الأم. ومن أرض المعدن وبلاد البجة شرقاً اتجه الكواهلة في زمن متأخر نسبياً إلى جهات عطبرة وخور القاش وسنار، حيث تمثلوا بأكبر قسم منهم، وواصلت فروع منه الهجرة، فبلغت النيل الأبيض ثم كردوفان وبيوضة وغيرها. وهناك جماعة صغيرة منهم تعيش في الجزء الشمالي من جبال النوبا، أي في أقصى الجنوب من كردوفان، وكان الدافع إلى ذلك تأسيس مملكة تقلى الإسلامية التي هيأت فرصة جديدة لهجرة القبائل العربية وصفوة القول أن النواة الأولى التي التفت حولها المجموعات العربية نجدها اليوم في السودان، كانت تتألف من هجرات متعاقبة، وفد معظمها من طريق وادي النيل، وهي بقايا الأحلاف العربية التي كانت بقيادة جذام وجهينة والعركيين والهلاليين والهوارة والقرشيين وربيعة.
стр. 118
خاتمة: العرب في العصور الحديثة في إقليم مصر
لا نريد أن ننتهي عند المرحلة السابقة دون أن نعرض عرضاً سريعاً، في هذه الكلمة الختامية، للعرب في العصور الحديثة في مصر؛ وليس في مقدور الباحث أن يفي هذا الموضوع حقه في عجالة كهذه، فهو في حاجة إلى مؤلف بل مؤلفات مفردة. وحسبنا أن نقف فيه على بعض النقاط الأساسية. ففي هذه العصور، نزحت هجرات عربية جديدة إلى مصر وفي أثناء هذه العصور قضت مصر فترة طويلة كانت تعاني فيها حلقات أخرى من سلسلة الحكم التركي، فلم يقف هذا الحكم عند نهاية المرحلة السابقة في مصر، بل استمر على يد العثمانين الذين استولوا على مصر في سنة ٩٢٣هـ " ١٥١٧م "، ولم يكن حكم العثمانين، في حقيقة الأمر، إلا امتداداً لحكم المماليك السابقين، فقد أبقوا على أنظمة الحكم في البلاد المفتوحة بعد أن أجروا عليها تعديلاً طفيفاً يكفل بقاء السيادة التركية العثمانية عليها. بل إن بكوات المماليك ظلوا في مناصبهم يحكمون الأقاليم، كما كانوا في العصور السابقة. وقد استطاع أحد رؤساء هؤلاء البكوات، وهو على بك الكبير، في القرن الثامن عشر، أن يقبض على زمام الحكم في مصر، وله مع عرب الحبايبة والهنادي، في الوجه البحري، والهوارة، في الوجه القبلي، معارك عنيفة دامية ذكرها الجبرتي في تأريخه. ثم استولى محمد على مصر، فبدأت حلقة جديدة من الحكم التركي، وتناوبت سلالته الحكم في ظل الاستعمار الأوربي، إلى أن قامت الثورة العربية الكبرى في ٢٣يوليو عام ١٩٥٢ فردت للعرب حقهم المسلوب، وأعادت إليهم حرية طالما تطلعوا إليها عصوراً طويلة.
стр. 119
١ - هجرة بني سُلَيم
في القرن الثامن عشر، نزحت موجات كبيرة من قبائل بني سليم، من شمال إفريقية إلى مصر وكانت جملة هذه القبائل بقايا الحلف الهلالي الذي تدفقت جموعه على شمال إفريقية في زمن الفاطميين، فسكن فريق منهم، وأكثرهم من بني سليم، في الجبل الأخضر في برقة؛ وتوغل الفريق الآخر، وأكثرهم من بني هلال إلى سائر بلاد المغرب. ثم أخذ بنو سليم بعد بضعة قرون، يعودون إلى مصر، في موجات متوالية، وكانوا حينئذ قد اختلطوا بالبربر. وتعد هجرتهم في القرن الثامن عشر من أكبر الهجرات العربية التي وفدت إلى مصر من طريق الغرب. فملأوا الصحراء الغربية، وبعض جهات من وادي النيل. وإلى الآن ينتسب جميع العرب الساكنين على الساحل غربي الإسكندرية إلى قبيلة بني سليم هؤلاء. ومعظم فروع بني سليم تنتمي إلى السعادى، وهم أولاد أبي الليل، من سليم بن منصور، من القبائل العربية القيسية. ويتفرع السعادى إلى بطون أهمها: أ - البراغيث " أبناء برغوث ": ومنهم الفوايد " ومنهم أسرة لملوم " والرمّاح " ومنهم أسرة الباسل " والجبارنة " ومنهم الجوازي أولاد أبي جازية ". وقد انتشرت هذه البطون من غرب الإسكندرية إلى مديريات الفيوم والمنيا وبني سويف.
ب - العقاقرة " أبناء عقار " ومنهم الحرابي، وأولاد علي، والهنادي، وبني عونة، والجبالية. وقد انتشروا في أرض الدلتا شرقاً وغرباً وبعض مناطق الصحراء الغربية، وكان بين الهنادي وأولاد علي على معارك في البحيرة.
٢ - موقف الحكم التركي والأوربي من عرب الصحراء
стр. 120
الواقع أن السياسة التركية التي ظهرت في المرحلة السابقة، واستمرت في مصر في العصور الحديثة على يد الأتراك العثمانيين إلى نهاية أسرة محمد علي، قد وقفت من مصر العربية موقفاً يعبر عن مصلحة الحاكم الأجنبي أولا وقبل كل شيء. ذلك أنه لم يكن بينه وبين الشعب الذي وَغَلَ عليه أواصر حقيقية تربطه به، وكل ما في الأمر أنه نظر إلى البلد الذي يحكمه على أنه أرض تمتلك، فوثب عليها، وتصرف في بقاعها كيف يشاء، يفرقها على أقربائه والمقربين إليه، وإذا أنعم على بعض الأهالي بشيء منها فليس ذلك أملا في أن يذعنوا لأمره، ويخدموا مصالحه. لقد حاول محمد علي - مثلا - توطين بعض قبائل البدو، ولكن لم يكن هذا في حقيقة الأمر إلا عملا يدور في فلك السياسة التركية، ويخدم أهداف هذه السياسة، ولو أدى ذلك إلى خلق نظام إقطاعي كريه. منح محمد علي أبعاديات ضخمة لأفراد أسرته والرؤساء المقربين إليهم، منحها لعناصر تركية والبانية وشركسية وإغريقية ومورالية " نسبة إلى شبه جزيرة المورة " واتسع كثير من هذه الأبعاديات حتى أصبحت قرى مثل قرية الإبراهيمية وقرية المحمودية. وكان لا بد لهذه المساحات الواسعة من أيد تتولى زراعتها، فانتقل كثير من البدو إلى العمل هناك. ورأى محمد علي أن بعض القبائل ذات الشوكة لن تتركه ينعم بالحكم، فلم يجد مناصا من أن يمنح رؤساءهم مساحات صالحة للزراعة، وأصدر أمره إليهم أن يزرعوها بأنفسهم وإلا نزع عنهم ملكيتهم. فكان من أثر ذلك أن ترك كثير من البدو حياة البداوة واستقروا لزراعة الأرض. ولما اشتد النزاع بين الهنادي وأولاد على مديرية البحيرة، وأقلقوا راحة السلطان، حول هنادي كلهم إلى مديرية الشرقية، ولم يمنحهم أرضاً في بادىء الأمر، ولكن استخدمهم لجمع ضريبة الأرض. وعندما حصرت موارد الدولة، منحوا مساحات واسعة في منطقة وادي طميلات بالشرقية. هذا فيما يتعلق بتوطين بعض عرب الصحراء في البلاد الداخلية. ولكن هناك عدد وافر من القبائل كان لا يزال يعيش في الصحارى، فماذا كان موقف السياسة التركية والأوربية منهم؟ دخلت جيوش الاحتلال البريطاني مصر، وأخذوا بمعاونة أسرة محمد علي يستميلون البدو، ويستغلون الخلاف بين القبائل المتنازعة،
стр. 121
ويشجعونهم على التمسك بالنظام القبلي. ونفذوا سياسة " عزل الصحراء عن البلاد الداخلية " فعسكرت قوات الاحتلال في الصحاري المصرية، وجعلوها منطقة مقفلة، حرموا فيها العمل وتملك الأرض والتصرف فيما تنتجه، وكان هدفهم من ذلك: أ - إبعاد سكان الصحارى عن حركات الوعي العربي التي أخذت تنتشر في البلاد الداخلية وكان من أثرها ظهور الثورة العرابية ١٨٨٢، وقيام الجمعيات السرية العربية في مصر وسائر البلاد العربية، لمقاومة حكم الأتراك والإنجليز.
ب - حرمان البدو من روافد المدينة ومن الأخذ بنصيب من التقدم مع إخوانهم الذين يعيشون في الداخل.
ج - منع سكان الريف من الوصول إلى مناطق المناجم والبترول في الصحراء، حتى لا يتنبهوا إلى خيرات الصحراء ولا يتجهوا ناحية التصنيع.
٣ - الثورة العربية الكبرى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢
ثم قامت الثورة العربية الكبرى في مصر، في عام ١٩٥٢، فحققت - لأول مرة في تاريخ النضال العربي - آمال الأمة العربية التي تعلقت بها وطمحت إليها منذ أن بدأ الكفاح العربي في التاريخ. فقد أتيح لها - بقيادة البطل العربي جمال عبد الناصر - من الإدراك العميق للإرادة الشعبية الخالصة، والفهم الأصيل لتاريخ النضال العربي وحقيقة مطالبة وأهدافه، ما مكنها من أن تضع يدها على رغبات الشعوب العربية، وتحدد أهدافها، وترسم وسائل الإصلاح، في سياسة عربية مبنية على التوجيه المنهجي، والتنظيم الواضح المرسوم، والمثابرة الجادة في الكفاح.
أ - قضت الثورة على النفوذ الأجنبي في شتى مظاهره، فطردت العناصر المحتلة من مصر، فعادت السلطة الحاكمة عربية كما كانت في العصور العربية الزاهرة. والتزمت موقف الحياد من دول الشرق والغرب، حتى تتحقق حرية العمل على أساس المصلحة العربية وحدها. وعكفت على إصلاح ما خلفته العهود السابقة من آثار التحكم والإقطاع فوضعت نظاماً اشتراكياً عربياً.
стр. 122
ب - وأعلنت الثورة أن الوطن العربي رقعة جغرافية واحدة تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وأن بين شعوبه من التقارب والالتقاء ما يؤكد أنهم جميعاً أمة واحدة. ولدينا فيما أوردناه في كتابنا هذا مثل حي للأواصر الوثقى التي ربطت بين شطري وادي النيل: مصر والسودان، وهما يؤلفان جزءاً من الوطن العربي الأكبر. وليس من شك في أن المستودع الأول، في شبه الجزيرة العربية، الذي أمد شطري الوادي بالعناصر العربية منذ عصور الجاهلية، هو نفسه الذي أمد بلاد المغرب كلها في إفريقية، وبلاد الشام والعراق في آسيا. والملاحظ أن القبيلة الواحدة، كانت تتوزع على هذه المواطن كلها أو معظمها، وأن الأسرة الواحدة كثيراً ما تفرق أفرادها على رقعة هذا الوطن. وهذا يعني أن أواصر القربى قد ربطت بين هذه المواطن ربطاً وثيقاً. وفوق هذا كله، فإن اللغة بين هذه البلاد واحدة، وجوهر الثقافة مشترك، والإرادة الشعبية واحدة، والكفاح في تاريخه الطويل كان يهدف إلى الحرية العربية في كل مكان. وكانت النتيجة الطبيعية التي لا محيص عنها هي أن العرب جميعاً قومية واحدة، هي القومية العربية. غير أن حكام العهود السابقة قد عملوا على تمزيق أوصال الوطن العربي، وتفتيت القومية العربية أو صرف الناس عنها بوسائل شتى حتى يضللوهم عن حقيقة هي أظهر من فلق الصبح. ولسنا بحاجة إلى القول بأن المؤثرات الدخيلة التي جلبها المستعمرون ودعاة الفُرقة إلى الوطن العربي، لم تكن - في حقيقة الأمر - سوى عوائق مؤقتة، لم تلبث أن تزول بزوال أسبابها. ولقد علمَنا التاريخ أن إرادة الشعوب لا بد أن تنتصر. وعندما تحررت إرادة الشعبين المصري والسوري من تلك المؤثرات، فسرعان ما التقى الشعبان، في تجاوب عميق وامتزاج رائع.
стр. 123
ج - مضت حكومة الثورة قدماً في تصنيع البلاد، وفتح أبواب الصحراء، ونشر الوعي القومي في جميع الأنحاء، وبهذا كله عالجت الثورة مشكلة الصحراء التي خلفها النفوذ الأجنبي في العهود السابقة. ومن المفيد أن ننقل فيما يلي طرفاً من حديث للسيد مدير سلاح الحدود في هذا الشأن، قال: ظلت الصحراء بخيرها وكنوزها في عزلة عن الوادي، تسير حياة الناس فيها من سيئ إلى أسوأ، حتى قامت الثورة لتحرير كل شبر من أرض الوطن، ولتحقيق المساواة بين جميع أفراد الوطن، ولاستغلال كل مورد وكل ثروة لخير كل أبناء هذا الوطن، فكان اتجاه الثورة إلى فتح أبواب الصحراء منذ ٢٩ أبريل ١٩٥٣، حينما صدر مجلس الوزراء قراراً بأن تتسلم كل وزارة من وزارات الدولة اختصاصها في المحافظات الصحراوية، لتؤدي لأهليها نفس الخدمات التي تؤدى لسكان البلاد الداخلية.
" وبدأت التجربة بفتح الطرق إلى الصحراء الجنوبية فتحولت في سنوات قليلة إلى " الوادي الجديد " من أجل زراعة ثلاثة ملايين ونصف مليون فدان، ومن أجل استغلال الفحم والفوسفات في الواحات الخارجة والداخلة، ومن أجل استغلال الحديد في الواحات البحرية ". " ثم امتدت التجربة إلى الصحراء الغربية، فكانت مشروعات المراعي، والتنقيب عن البترول؛ وبدأ تعمير الشاطئ الأبيض من العمرية حتى السلوم ". " ثم كان فتح الطريق من السويس إلى شواطئ البحر الأحمر؛ لتأخذ الشركات العربية الحرة نصيبها من البترول والمعادن، ولتبدأ البلاد في استغلال الثروة السياحية والثروة السمكية الضخمة في هذا الشاطئ المعروف في العالم باسم شاطئ المرجان ". " وقد رأت حكومة الثورة الأخذ بالتدرج في فتح مناطق الصحراء، حتى يستكمل سلاح الحدود جميع إمكانياته لحفظ الأمن في هذه المناطق، وحتى يتحول من جهاز للحكم إلى جهاز للخدمة، ودليل إلى مراكز الثروة، وداع لكل المواطنين وكل السائحين إلى ارتياد الصحراء ".
٢ ١