Полный текст (123 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الباب الرابع
القبائل العربية في وادي النيل مرحلة الأحلاف في إقليم مصر وأثرها في السودان
٢٥٤ - ٩٢٣هـ٨٦٨ - ١٥١٧م
١ - مرحلة الأحلاف في مصر ٢٥٤ - ٩٢٣هـ٨٦٨ - ١٥١٧م تشمل هذه المرحلة العصور التالية
١. - عصر الطولونيين ٢٥٤ - ٢٩٢هـ ٨٦٨ - ٩٠٤م
٢. - عصر التبعية للحكم العباسي في بغداد ٢٩٢ - ٣٣٣هـ٩٠٤ - ٩٤٤م
٣. - عصر الإخشيديين ٣٣٣ - ٣٥٧هـ ٩٤٤ - ٩٦٧م
٤. - عصر الفاطميين ٣٥٨ - ٥٦٧هـ ٩٦٨ - ١١٧١م
٥. - عصر الأيوبيين ٥٦٧ - ٦٤٨هـ ١١٧١ - ١٢٥٠م
٦. - عصر المماليك البحرية ٦٤٨ - ٧٨٤هـ ١٢٥٠ - ١٣٨٢م
٧. - عصر المماليك الشراكسة ٧٨٤ - ٩٢٣هـ ١٣٨٢ - ١٥١٧م
стр. 72
تنبه العرب في ديار مصر إلى خطر التيار التركي الذي جعل يستشري على مر الأجيال والعصور. ونعني بالترك - تجوزاً - كل الأخلاط التي جُلبت إلى مصر من الترك والديلم والطرسوسيين والفراغنة والصقالبة والشركس ومن لف لفهم. وكان من الممكن أن تخف حركات العرب عند حد المرحلة السابقة، بعد أن استقر كثير منهم، وانصرفوا إلى أرزاقهم. ولكن هجرات عربية جديدة قد انتقلت إلى مصر، وكان ما زال بمصر جماعات تعيش على الأطراف، تتطلع إلى نوع من الاستقرار، فلا تجد إليه سبيلا، بل إن فئات من الذين استقروا شبه استقرار لم يسمح لهم بأن يمارسوا أعمالهم في هدوء، فقد ظل التيار التركي يتراءى شبحه منذ عصر الطولونيين، فيقترب شيئاً فشيئاً إلى أن اصبح في عصر المماليك كابوساً سد على العرب كل منفذ من منافذ الحرية والارتزاق. وكان من الطبيعي أن تقوم في هذه العصور أحلاف عربية معادية للسياسة التركية في مصر. على أنه من الإنصاف أن نستثني من هذا الحكم عصرين من عصور هذه المرحلة الطويلة، أعني عصر الفاطميين وعصر الأيوبيين، فقد كانا أخف على العرب وطأة، وأقرب إلى نفوسهم. ولقد نشأت في هذين العصرين أحلاف عربية، ولكنها كانت أحلافاً تحمل طابعاً مختلفاً - في أغلب الأحيان - عن الأحلاف المعادية التي قامت في سائر هذه المرحلة. فالفاطميون على الرغم مما قيل في نسبهم، يعتزون بالانتساب إلى قريش، ويجرون على سياسة تشبه سياسة الأمويين في الاعتماد على العناصر العربية والاستعانة بهم في حروبهم، وفي تدعيم قوتهم، وفي استغلال العصبية بينهم أحياناً. ولعل أخبار بني هلال مع الفاطميين مثل واضح على ذلك كله. فقد شجع الفاطميون هجرة بني هلال وهم من القيسية وحلفائهم إلى مصر، فاكتظت بهم أنحاء مصر الشرقية، ثم أدركتهم شريعة الصحراء فجعلوا يشغبون حتى سُمح لأ كثرهم بالهجرة إلى بلاد المغرب لمحاربة بني باديس الذين كانوا خصوماً للفاطميين. وقبل هذه الحادثة بنصف قرن تقريباً، كانوا بنو قرة الجذاميون يسكنون البحيرة، وقام في ذلك الحين ثائر أموي، لقب بأبي ركوة، نزح من بلاد الأندلس إلى مصر، واستمال إليه عرب برقة والبحيرة، فانضم إليه بنو قرة هؤلاء، فلما هُزم أبو ركوة سنة ٣٩٧هـ،
стр. 73
وقبض الفاطميون عليه وهو يهّم بالهرب إلى بلاد النوبة، تفرق عنه بنو قرة، فتركهم الفاطميون وشأنهم، فعادوا - أوعاد كثير منهم - إلى مساكنهم بالبحيرة، وعاودوا الشغب، وأحسوا من جانب الدولة تراخياً، فوثبوا على الإسكندرية وما حولها، واستولوا عليها. ولما زاد شغبهم، هاجمهم الفاطميون في عام ٤٤٢هـ، فاعتصموا بالجيزة، وأوقعوا بالجيش الفاطمي الهزيمة في باديء الأمر، فعظم الأمر على الخليفة المستنصر بالله، فأوعز إلى جموع من سنبس طيء وكلب لمحاربة بني قرة وأمدهم بجنود من الفاطميين، فتعقبوا بني قرة، إلى البحيرة، وانهزم بنو قرة بعد قتال عنيف في عام ٤٤٣هـ. ورأى الفاطميون أن يطردوا بني قرة من مساكنهم بالبحيرة، فنقلوا إليها سنبس، وربما أراد الفاطميون بهذه النقلة أن يكافئوا جماعات سبنس على موقفهم في محاربة بني قرة، ولا سيما وقد كانت سنبس غير مستقرة تماما في مواطنها بفلسطين والداروم قريباً من غزة. ويظهر أن بني قرة قد انسحبوا إلى الصعيد وربما كانوا هم الذين سكنوا قرية في مديرية أسيوط تحمل اسمهم إلى يومنا هذا. أما عصر الأيوبيين فقد كان عصر بطولات مثّل فيها العرب دوراً هاماً في الدفاع عن البلاد العربية ضد الصليبين، وكانت في جيش صلاح الدين عشائر من العرب، تحالفت لقتال الإفرنج. وكان لقبائل طيء، التي لمع اسمها في أيام الفاطميين، فضل كبير في محاربة الصليبيين، فأراد صلاح الدين أن يكافئهم، فنقل منهم جرماً وثعلبة، إلى الحوف الشرقي، وأسكنهم مساحات واسعة في أرض جذام، في الجانب الشمالي الشرقي من الحوف، وانحسر الجذاميون عن هذا الجانب، ومن المستبعد أن يكونوا قد انتقلوا بجموعهم إلى المناطق الداخلية من الحوف لأنها - فيما نظن - لم تكن تتسع لسكنى هذه الجموع من ناحية، ولأنهم تعودوا حياة الأطراف، من ناحية أخرى. ومن المحتمل أنهم اتجهوا إلى صحارى مصر. وعلى أي حال، فإن الأحداث المتكررة التي هزّت الجذاميين في خلال العصور السابقة، وفي هذه المرحلة، قد جعلت ظلّهم يتقلص في الحوف الشرقي، فصارت مساكن جذام تكاد تقتصر على الجانب الغربي من
стр. 74
الشرقية، كما يتضح من دراسة الأمكنة التي أوردها المقريزي في البيان والإعراب، فقد ذكر هربيط " بالقرب من أبي كبير " وتل بسطة " الزقازيق " وفاقوس سكنها هلبا سويد من جذام والبرامون سكنها الحيادرة من جذام أيضاً. وفي أواخر هذه المرحلة، هاجر إلى بلبيس وما حولها جماعات من العائذ، ويقال إنها من جذام، ولكن تأثيرهم في سكان المنطقة كان محدوداً إذ كانوا يؤلفون طبقة منعزلة عن سائر السكان. وكان عرب العائذ حراساً لتأمين الطريق بين القاهرة ومكة إلى أيله وهي العقبة الحالية. وإذا كان قد حدث في عهد الأيوبيين شيء من المناوأة لجماعات عربية معينة، كالجذاميين وبني كنز الدولة، فإن ذلك كان يمثل في أغلب الأحيان حالات فردية لها ظروف خاصة، عرفنا بعضها فيما يتعلق بجذام، وسنعرف - بعد قليل - شيئاً منها عند الكلام على بني كنز الدولة. وتفيدنا المصادر بأن القرشيين في مصر كانوا مقربين لبني أيوب. والأيوبيون، فضلا عن هذا، كانوا حريصين على أن يضيفوا إلى تعربهم الثقافي، عروبة سلالية، فعلى الرغم مما قاله المؤرخون في الأكراد ونسبهم، نجد الأيوبيين يعتزون بالأنتساب إلى بني مروان في رواية، أو إلى هوازن في رواية ثانية، أو إلى الأزد في رواية ثالثة. وهذا إن دل على شيء فأنما يدل على قوة نزعه التعرب في نفوس هؤلاء الحكام مما كان له أثر في توجيه سياستهم والتعاطف مع أهل الأقطار العربية التي حكموها. وصفوة القول أن هذه المرحلة التي نتحدث عنها قد اتسمت بظاهرة واضحة، من وجهة نظر الباحث في تاريخ القبائل العربية في مصر، تلك هي قيام الأحلاف العربية، وهذه الأحلاف، من حيث علاقتها بحكام مصر في خلال هذه المرحلة، كانت - بصفة عامة - إما معادية للسياسة التي برزت في العصور التركية التي أشرنا إليها، وإما مهادنة - نسبياً - للسلطة الحاكمة كالذي حدث في عصري الفاطميين والأيوبيين. وهذا النوع الأخير من التحالف، كان يستخدمه الحكام في تدعيم سياستهم مثل حلف طيء وكلب، والحلف الهلالي في زمن الفاطميين، والحلف الطائي الذي أبلى بلاء حسناً في الحروب الصليبية مع صلاح الدين. أما الأحلاف المعادية، فقد كانت في حقيقة الأمر تعبيراً عن تيار عربي كان يقف في
стр. 75
مصر في وجه التيار التركي الذي ارتكز في أساسه على العناصر المجلوبة إلى مصر من الأتراك ومن لف لفهم. أما التيار العربي فكان قوامه هذه الأحلاف الساعية إلى تدعيم مركزها، وإعادة سلطانها، والتماس السبل إلى حياة أفضل. وليس في مقدور الباحث أن يلم بهذه الأحلاف جميعاً، بنوعيها، في بحث كهذا، وحسبنا أن نورد في الفقرات التالية، طرفاً منها على سبيل المثال: شرقية، كما يتضح من دراسة الأمكنة التي أوردها المقريزي في البيان والإعراب، فقد ذكر هربيط " بالقرب من أبي كبير " وتل بسطة " الزقازيق " وفاقوس سكنها هلبا سويد من جذام والبرامون سكنها الحيادرة من جذام أيضاً. وفي أواخر هذه المرحلة، هاجر إلى بلبيس وما حولها جماعات من العائذ، ويقال إنها من جذام، ولكن تأثيرهم في سكان المنطقة كان محدوداً إذ كانوا يؤلفون طبقة منعزلة عن سائر السكان. وكان عرب العائذ حراساً لتأمين الطريق بين القاهرة ومكة إلى أيله وهي العقبة الحالية. وإذا كان قد حدث في عهد الأيوبيين شيء من المناوأة لجماعات عربية معينة، كالجذاميين وبني كنز الدولة، فإن ذلك كان يمثل في أغلب الأحيان حالات فردية لها ظروف خاصة، عرفنا بعضها فيما يتعلق بجذام، وسنعرف - بعد قليل - شيئاً منها عند الكلام على بني كنز الدولة. وتفيدنا المصادر بأن القرشيين في مصر كانوا مقربين لبني أيوب. والأيوبيون، فضلا عن هذا، كانوا حريصين على أن يضيفوا إلى تعربهم الثقافي، عروبة سلالية، فعلى الرغم مما قاله المؤرخون في الأكراد ونسبهم، نجد الأيوبيين يعتزون بالأنتساب إلى بني مروان في رواية، أو إلى هوازن في رواية ثانية، أو إلى الأزد في رواية ثالثة. وهذا إن دل على شيء فأنما يدل على قوة نزعه التعرب في نفوس هؤلاء الحكام مما كان له أثر في توجيه سياستهم والتعاطف مع أهل الأقطار العربية التي حكموها. وصفوة القول أن هذه المرحلة التي نتحدث عنها قد اتسمت بظاهرة واضحة، من وجهة نظر الباحث في تاريخ القبائل العربية في مصر، تلك هي قيام الأحلاف العربية، وهذه الأحلاف، من حيث علاقتها بحكام مصر في خلال هذه المرحلة
стр. 76
كانت - بصفة عامة - إما معادية للسياسة التي برزت في العصور التركية التي أشرنا إليها، وإما مهادنة - نسبياً - للسلطة الحاكمة كالذي حدث في عصري الفاطميين والأيوبيين. وهذا النوع الأخير من التحالف، كان يستخدمه الحكام في تدعيم سياستهم مثل حلف طيء وكلب، والحلف الهلالي في زمن الفاطميين، والحلف الطائي الذي أبلى بلاء حسناً في الحروب الصليبية مع صلاح الدين. أما الأحلاف المعادية، فقد كانت في حقيقة الأمر تعبيراً عن تيار عربي كان يقف في مصر في وجه التيار التركي الذي ارتكز في أساسه على العناصر المجلوبة إلى مصر من الأتراك ومن لف لفهم. أما التيار العربي فكان قوامه هذه الأحلاف الساعية إلى تدعيم مركزها، وإعادة سلطانها، والتماس السبل إلى حياة أفضل. وليس في مقدور الباحث أن يلم بهذه الأحلاف جميعاً، بنوعيها، في بحث كهذا، وحسبنا أن نورد في الفقرات التالية، طرفاً منها على سبيل المثال: ة عامة - إما معادية للسياسة التي برزت في العصور التركية التي أشرنا إليها، وإما مهادنة - نسبياً - للسلطة الحاكمة كالذي حدث في عصري الفاطميين والأيوبيين. وهذا النوع الأخير من التحالف، كان يستخدمه الحكام في تدعيم سياستهم مثل حلف طيء وكلب، والحلف الهلالي في زمن الفاطميين، والحلف الطائي الذي أبلى بلاء حسناً في الحروب الصليبية مع صلاح الدين. أما الأحلاف المعادية، فقد كانت في حقيقة الأمر تعبيراً عن تيار عربي كان يقف في مصر في وجه التيار التركي الذي ارتكز في أساسه على العناصر المجلوبة إلى مصر من الأتراك ومن لف لفهم. أما التيار العربي فكان قوامه هذه الأحلاف الساعية إلى تدعيم مركزها، وإعادة سلطانها، والتماس السبل إلى حياة أفضل. وليس في مقدور الباحث أن يلم بهذه الأحلاف جميعاً، بنوعيها، في بحث كهذا، وحسبنا أن نورد في الفقرات التالية، طرفاً منها على سبيل المثال: أ - أحلاف قرشية
стр. 77
ظلت مصر ملجأ آمناً لآل علي بن أبي طالب إلى أن جاء زمن المتوكل العباسي، وكان يبغض العلويين، فأمر واليه في مصر بإخراج آل علي بن أبي طالب منها فأخرجوا من الفسطاط إلى العراق في عام ٢٣٦هـ ثم نقلوا إلى المدينة في العام نفسه، " واستتر من كان بمصر على رأي العلوية ". ثم اشتدت حركة العلويين على مر الزمن، في العلم العربي كله، وازدادت هجرتهم إلى مصر. وإذا كان ابن طولون قد أوى جماعات منهم ولا سيما من لجأوا إليه خوفاً من بطش خصومه العباسيين، فقد كان في الوقت نفسه لا يتهاون مع الثائرين منهم الذين اتخذوا من الأطراف الشمالية الغربية، وأقصى الصعيد مسرحاً لثوراتهم. وكذلك سائر القرشيين، كان أمراء هذه العهود ينظرون إليهم - في أكثر الأحيان - نظرة ملؤها الريبة، اعتقاداً منهم أن لهم أطماعاً سياسية، والعرب من قديم يعرفون فضل قريش في الإسلام، ويسعون إلى شرف الانتماء اليهم، والوقوف إلى جانبهم. ولعل أول حركة قامت في مصر في هذه المرحلة وكانت بزعامة قرشية لا تدين برأي العلوية، هي الحركة التي قادها في الصعيد أبو عبد الرحمن عبد الحميد العُمري، في سنة ٢٥٥هـ، في أوائل حكم ابن طولون، والعُمري ينتسب إلى عمر بن الخطاب ﵁، جمع حشوداً من ربيعة وجهينة وغيرهما، وزحف إلى الجنوب نحو بلاد النوبة والبجة. وكان المسلمون في هذه المناطق قد ضاقوا ذرعاً بغارات البحة على مساكنهم وإفزاعهم المصلين منهم عن صلاتهم كما حدث في يوم صلاة العيد. فخرج العُمري وجموعه إلى بلاد البجة " غضباً لله وللمسلمين " كما يقول المؤرخون. وواصل غاراته على البجة والنوبة حتى أخذ من البجة الجزية ولم يفعلها جيش من قبل. ولم يكن لابن طولون علم بهذه الغزوة، فلما علم بخبرها أرسل إليه جيشاً لمحاربته. ولولا تدخل ابن طولون من ناحية، وأقسام القبائل التي صحبت العمري وخروج بعضها عليه من ناحية أخرى، لتمكن العمري من تكوين إمارة عربية في بلاد البجة تحت زعامته، ولعلها كانت تكون أول إمارة عربية في سودان وادي النيل. ومن المهم أن نذكر أن هذه الحملة - إلى جانب أسبابها الظاهرة التي أشرنا إليها - كانت تعبيراً عن الضيق الذي أحسه العرب في هذه الفترة، من طغيان
стр. 78
التيار التركي في مصر، والتماساً لمهاجر أخرى يدعمون فيها سلطانهم، ويظفرون فيها بحياة أفضل. ومن المحتمل أنهم كانوا يهدفون أيضاً إلى الكشف عن مناجم جديدة للذهب في أرض البجة، تتسع لعدد أكبر من الجماعات العربية المهاجرة إلى هناك. ولم يكد يُقبل عهد الفاطميين، حتى تدفق على مصر جماعات من بيوت قريش، من الحجاز وغيره، وظهرت جماعات منهم، كانت مستترة بمصر أو متفرقة على نواحيها، وكان بعضها في هيئة أحلاف تجمع بيوتاً مختلفة من القرشيين ومواليهم. ورحب الفاطميون بهم، وقريش كما قلنا هم أقرب إليهم نسباً، وهيأوا لهم سبل الاستقرار في ديار مصر، سواء من كان منهم على مذهب الفاطميين أو كان على غير مذهبهم. فرحلت إلى مصر طوائف من العُمريين، من سلالة عمر بن الخطاب ﵁، في أيام الفائز الفاطمي في وزارة الصالح بن رزيك، ومعهم طائفة من بني عدي، وبني كنانة بن خزيمة " فحلوا محل التكرمة على مباينة الرأي ومخالفة المعتقد ". ونزل جماعة منهم بدمياط والبرلس. كذلك ظهرت جماعات من أقارب الفاطميين، من سلالة جعفر الصادق، فسكنوا مناطق بين منفلوط وسمالوط، ومنهم السلاطنة والحيادرة والزيانبة والحسينيون. ولهؤلاء قرية بالقرب من منفلوط، لا تزال تحمل اسمهم إلى اليوم " بني حسين ". وظهر حلف قرشي، قوي الشوكة، كان يضم بيوتاً من الأمويين وبني هاشم ومواليهم، وآثروا السكنى ببلاد الأشمونين، وكان يسكنها قبل مجيء الفاطميين بلىّ وجهينة، كما أشرنا من قبل، فأرغمهم جيش الفاطميين على الرحيل، وأسكنوا قريشاً محلهم. وهذا الحلف القرشي كان يتألف من " عدة بطون من بني جعفر بن أبي طالب ﵁ وكانوا بادية أصحاب شوكة، وكان معهم بنو مسلمة بن عبد الملك بن مروان حلفاء لهم، ومعهم بطن آخر يقال لهم بنو عسكر، يقال إن أباهم كان مولى لعبد الملك ابن مروان، ويزعمون أنهم من بني أمية صليبة، وكان معهم أيضاً حلفاء بنو خالد ابن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ينزلون أرض دلجة عند أشمون ". ومنذ ذلك الحين صارت بلاد الأشمونين تسمى في كتب العرب " بلاد قريش ". وظهرت جموع من
стр. 79
الزبيريين، مثل بني مصعب، وبني بدر، وبني مصلح، وبني رمضان، وبني عروة، وسكنوا البهنساوية شمالي الأشمونيين. وجاء بنو طلحة الذين انتسبوا إلى أبي بكر الصديق، فانتشروا في بلاد شتى من صعيد مصر، من بلاد إطفيح والبهنساوية والأشمونين وغيرها. ولما جاء عصر المماليك، بدأت حركة المقاومة بزعامة الجعافرة الأشراف. والتف حولهم عناصر عربية مختلفة. ففي سنة ٦٥١هـ أي في أوائل حكم المماليك البحرية، قاموا بحركة واسعة للمقاومة، وفيها ثار العرب ببلاد الصعيد وأرض الوجه البحري، " وقام الشريف حصن الدين ثعلب بن الأمير الكبير نجم الدين علي بن الأمير الشريف فخر الدين إسماعيل بن حصن الدولة مجد العرب ... وقال: " نحن أصحاب البلاد " ومنع الأجناد من تناول الخراج، وصرح هو وأصحابه، بأننا أحق بالملك من المماليك ". " واجتمع العرب، وهم يومئذ في كثرة من المال والخيل والرجال، إلى الأمير حصن الدين ثعلب، وهو بناحية دهروط صربان، وأتوا من أقصى الصعيد، وأطراف بلاد البحيرة والجيزة والفيوم، وحلفوا لهم كلهم، فبلغ عدد الفرسان أثنى عشر ألف فارس، وتجاوزت عدة الرجالة الإحصاء، لكثرتهم، فجهز إليهم الملك المعز أيبك الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، والأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، في خمسة آلاف فارس، فساروا إلى ناحية ذروة ... فاقتتل الفريقان ". وانهزم حصن الدين، واتجه المماليك إلى عرب الغربية والمنوفية من قبيلتي سنبس ولواتة، وقد تجمعوا بناحية سخا وسنهور، فأقعوا بهم وسبوا حريمهم، وقتلوا الرجال. وما زال الترك بحصن الدين حتى قبضوا عليه بحيلة انخدع بها. وتفرقت سنبس بعد ذلك في الغربية وكان من حلفائها جماعات من بني مدلج وعذرة وقريش. بيريين، مثل بني مصعب، وبني بدر، وبني مصلح، وبني رمضان، وبني عروة، وسكنوا البهنساوية شمالي الأشمونيين. وجاء بنو طلحة الذين انتسبوا إلى أبي بكر الصديق، فانتشروا في بلاد شتى من صعيد مصر، من بلاد إطفيح والبهنساوية والأشمونين وغيرها. ولما جاء عصر المماليك، بدأت حركة المقاومة بزعامة الجعافرة الأشراف. والتف حولهم عناصر عربية مختلفة. ففي سنة ٦٥١هـ أي في أوائل حكم المماليك البحرية، قاموا بحركة واسعة للمقاومة، وفيها
стр. 80
ثار العرب ببلاد الصعيد وأرض الوجه البحري، " وقام الشريف حصن الدين ثعلب بن الأمير الكبير نجم الدين علي بن الأمير الشريف فخر الدين إسماعيل بن حصن الدولة مجد العرب ... وقال: " نحن أصحاب البلاد " ومنع الأجناد من تناول الخراج، وصرح هو وأصحابه، بأننا أحق بالملك من المماليك ". " واجتمع العرب، وهم يومئذ في كثرة من المال والخيل والرجال، إلى الأمير حصن الدين ثعلب، وهو بناحية دهروط صربان، وأتوا من أقصى الصعيد، وأطراف بلاد البحيرة والجيزة والفيوم، وحلفوا لهم كلهم، فبلغ عدد الفرسان أثنى عشر ألف فارس، وتجاوزت عدة الرجالة الإحصاء، لكثرتهم، فجهز إليهم الملك المعز أيبك الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار، والأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، في خمسة آلاف فارس، فساروا إلى ناحية ذروة ... فاقتتل الفريقان ". وانهزم حصن الدين، واتجه المماليك إلى عرب الغربية والمنوفية من قبيلتي سنبس ولواتة، وقد تجمعوا بناحية سخا وسنهور، فأقعوا بهم وسبوا حريمهم، وقتلوا الرجال. وما زال الترك بحصن الدين حتى قبضوا عليه بحيلة انخدع بها. وتفرقت سنبس بعد ذلك في الغربية وكان من حلفائها جماعات من بني مدلج وعذرة وقريش.
ب - حلف ربيعة
стр. 81
ذكرنا فيما سبق أن ربيعة قد توطدت مكانتها في الصعيد الأعلى، وفي أرض المعدن بنوع خاص، وتحالفوا مع البجة " الحداربة " فقويت البجة بهم، كما قويت ربيعة بالبجة على من ناوأها من اليمن ومضر. وكان صاحب المعدن في زمن المسعودي المؤرخ ٣٣٢هـ أبا مروان بشر بن إسحاق. قال " وهو من ربيعة، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون من بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنما لهم " ونفهم من هذا أن ربيعة كان لهم خصوم من مضر واليمن كما كان لهم حلفاء من هؤلاء وأولئك أيضا، وكان من حلفائهم - غير مضر واليمن - طائفة من الحداربة، وهم حضارمة أصلا، والحضارمة يلحقون بنسب حمير بن سبأ، ولا يبعد أن يكون الحداربة عناصر شتى من أعقاب سبأ، كان منها قبيلة بلى، نزحوا إلى بلاد البجة قبل مجيء ربيعة بزمن طويل، يربو على ثلاثة قرون، وعندما صار لربيعة نفوذ في بلاد البجة، كان الحداربة قد توطنوها، وصاروا من أهلها، فعدوا طائفة من البجة. وفي عصر الفاطميين، تمكنت ربيعة وأحلافها أن يؤسسوا أول إمارة عربية في أرض المعدن بالعلاقي، وكانت أسوان مقراً لها، وامتد سلطانها جنوباً في أرض " مريس "، وكان زعيمهم حينئذ هو الذي أشار إليه المسعودي ووصفه بصاحب المعدن، أعني أبا مروان بشر بن إسحاق. وقد أقر الفاطميون هذه الإمارة الناشئة، واستعان الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله، بزعيم ربيعة في ذلك الحين في القبض على الثائر الأموي الأندلسي " أبي ركوة " وكان قد لجأ إلى الصعيد وهم بالفرار إلى بلاد النوبة. وسر الحاكم بأمر الله، وكافأ زعيم ربيعة بلقب " كنز الدولة " وتوارث أبناؤه هذا اللقب. ولم تزل الإمارة فيهم، وكلهم يعرفون بكنز الدولة. ويبدو أن الأيوبيين حين قدموا مصر، وتعقبوا الفاطميين للقضاء عليهم، كانوا يتوجسون خيفة من إمارة كنز الدولة، ظناً منهم أنها تتشيع للفاطميين. فهاجم الأيوبيون بني الكنز، وهزموهم، وانسحب أكثرهم من أسوان إلى الجنوب. واتخذوا بلاد مريس مركزاً لنشاطهم، ثم عاودوا الهجوم على أسوان مرات عديدة حتى استولوا عليها بعد سنة ٧٩٠هـ " وكانت
стр. 82
لهم مع ولاة أسوان عدة حروب إلى أن كانت المحن منذ سنة ٨٠٦هـ وخرب إقليم الصعيد، فارتفعت يد السلطنة عن ثغر أسوان ولم يبق للسلطان في مدينة أسوان وال ". والجدير بالذكر أن من بني الكنز هؤلاء النواة الأولى التي تألف منها جماعة الكنوز الذين يعيشون في بلاد النوبة في سودان وادي النيل إلى يومنا هذا.
ج - الحلف الهلالي
стр. 83
قام هذا الحلف في فترة تزعزعت فيها القيم والأفكار إلى حد كبير، وكان لحركة القرامطة التي اتخذت مسرحها شرقي شبة جزيرة العرب، أثر في ذلك، إذ أدخلت على المجتمعات الإسلامية في ذلك الحين أفكاراً غريبة عنها. وقد انضم إلى القرامطة في شرقي شبة الجزيرة العربية قبيلتا بني هلال وبني سليم، ولم يكن لانضمام هؤلاء البدو إلى حركة كهذه أثر يذكر في عقائدهم، اللهم إلا ما ظهروا به من رغبة في الشغب، وخضوع لإرادة غير موجهة. وكان منهم جماعة تنتشر في طريق الحج المؤدي إلى مكة لقطع الطريق والإغارة. وحدث أن تغلب بنو الأصفر على البحرين في سنة ٣٧٨هـ باسم العباسيين، وطردوا منها بني سليم الذين كانوا أعوانا للقرامطة حينئذ. ورأى الفاطميون أن يستعينوا بهؤلاء الأعراب الأشداء، فشجعوهم على الهجرة إلى مصر، فيقول ابن خلدون: " ولما تغلب شيعة ابن عبيد الله المهدي على مصر والشام، وكان القرامطة قد تغلبوا على أمصار الشام فانتزعها العزيز منهم وغلبهم عليها وردهم على أعقابهم إلى قرارهم بالبحرين، ونقل أشياعهم من العرب من بني هلال وسليم، فأنزلهم بالصعيد وفي العدوة الشرقية من نهر النيل، فأقاموا هناك ". كانت هذه الموجات أعداداً هائلة، ولعل بني سليم كانوا أكثر من الهلاليين عدداً. تحولوا جميعاً إلى مصر ولإفريقية حتى لم يبقى لهم عدد ولا بقية ببلادهم. وأمتلأت بجموعهم الجهات الشرقية من الحوف الشرقي والصحراء الشرقية حتى بلغوا الصعيد الأعلى ولبثوا كذلك زمنا، وانضم إليهم جماعات شتى من القيسية والسبئية، مثل فزارة " من القيسية " والمعقل " من اليمنية " وبطون أخرى من القيسية. وصار اسم " بني هلال " علماً على هذه الجماعات المتنوعة المتحالفة، ولعل السبب في هذه التسمية، ما كان لهلال في ذلك الحين من نصيب في زعامة هذه الجماعات، وربما كان لسهولة الاسم ودورانه على الألسنة دخل في ذلك. ورأى الفاطميون الفرصة السانحة لاستغلال هذه القوة الكبيرة في محاربة دولة بني باديس، بالقيروان والمهدية، من بلاد المغرب، وكان مؤسسها الحقيقي، المعز بن باديس قد أعلن انفصاله عن الفاطميين في ذلك الوقت أبو محمد الحسن بن علي اليازوري على تسيير هذه الجموع الهلالية
стр. 84
وحلفائهم إلى المعز لقتاله. ولبثت هذه الجموع تملأ فضاء الجانب الشرقي من مصر عشرات من السنين وكانوا حينئذ كما وصفهم المقريزي " أهل بلاد الصعيد إلى عيذاب ". وكانوا قد شغبوا وأثاروا القلاقل في هذه المنطقة، فأذن اليازوري لهم في عام ٤٤٢هـ للعبور إلى الجانب الغربي من النيل، والانتقال إلى بلاد المغرب لملاقاة المعز بن باديس وكانت لهم هنالك أحداث مثيرة ذكرها المؤرخون. ويهمنا في هذا المقام أن نقرر أن هذه الجموع الهلالية، لم ترحل كلها إلى بلاد المغرب. فقد آثر بعضها البقاء في مصر، والإقامة بالحوف الشرقي شمالا، وبالصعيد الأعلى في أقصى الجنوب. ولا نعرف من الشواهد ما يدل على أنهم سكنوا أيضاً الصعيد الأدنى أو الأوسط. ولعل اختيارهم لمنطقة الصعيد الأعلى، يرجع إلى غنى هذه المنطقة في ذلك الحين " فمن المظاهر الواضحة أن وادي الخصيب لا يتسع في الجانب الشرقي للنيل إلا عند الصعيد الأعلى. وهذا دعاهم إلى الإقامة والاستقرار والتطور من البدو الضاربين فيما يشبه الصحراء إلى فلاحين يزرعون الأرض ويتجرون في غلاتها، وإن احتفظوا بإثارة من الفروسية، تبدو في إجادتهم ركوب الخيل، وما يشتجر بينهم من فتن وحروب، ومنها ما يقع بين أحياء القفر ". أما في الحوف الشرقي فلا تزال آثارهم شاخصة إلى يومنا هذا. ومن الهلاليين الذين سكنوا الصعيد الأعلى بطون عدة ذكر منها المقريزي في " البيان " بني رفاعة وبني حجير وبني عزيز وبني قرة وبني عمرو وبني عقبة وبني جميلة.
د - الحلف العَرَكيّ
стр. 85
منذ أن حمل القرشيون لواء مقاومة الحكم التركي في عام ٦٥١هـ، بقيادة الشريف حصن الدين ثعلب، توالت حركات المقاومة، وكان أغلبها يتركز في منطقة أسيوط ومنفلوط. وليس في أسماء القبائل التي وقفت إلى جانب حركة حصن الدين ما يفيدنا بأن بليا وجهينة قد أسهموا فيها بنصيب. ونحن نعلم أن هاتين القبيلتين، منذ أن أرغمهما الفاطميون على إخلاء بلاد الأشمونين، وإحلال قريش محلهم، فد تفرقتا في الصعيد الأعلى، فصار لبلي الرقعة الممتدة من جسر سوهاج غربا إلى غرب قمولة، وصار لجهينة من الشرق من عقبة قاو الخراب إلى عيذاب. وكان بمنفلوط وأسيوط جماعات من جهينة. ولم تقف جهينة مكتوفة الأيدي إزاء المماليك، فقد أسهمت في المقاومة بنصيب بعد أن خمدت حركة حصن الدين. ففي عام ٦٩٨هـ قامت أحلاف من البدو، لم تذكر المصادر أسماء قبائلهم؛ ولكن كان مسرحها منفلوط وأسيوط. وهذا ما يحملنا على الظن بأن جهينة، كان لها نصيب في هذه الحركة، إن لم تكن قد حملت لواءها. وكان الغرض من هذه الحركة السيطرة على منطقة الصعيد " ففرضوا على التجار وأرباب المعايش بأسيوط ومنفلوط فرائض جبوها، واستخفوا بالولاة، ومنعوا الخراج، وتسموا بأسماء الأمراء، وجعلوا لهم كبيرين: أحدهما سموه سلار والآخر بيبرس " وهما اسما أميرين من المماليك كانا معاصرين لهذه الأحداث " ولبسوا الأسلحة وأخرجوا أهل السجون ". واستمرت حركة المقاومة ثلاث سنوات، ثم قضى المماليك عليها، " وخلت بلاد الصعيد من أهلها بحيث صار الرجل يمشي فلا يجد في طريقه أحداً، وينزل القرية فلا يرى إلا النساء والصبيان، ثم أفرج السلطان عن المأسورين وأعادهم إلى بلادهم لحفظ البلاد ". وفي عام ٧٤٩هـ نشب نزاع بين عرك وبني هلال، وتدخل المماليك في هذا النزاع، ومالأوا بني هلال، وقتل عدد كبير من المماليك وأمرائهم في هذا الحادث. وكان هذا إيذانا بحرب عنيفة بين المماليك والعركيين وحلفائهم. أما عرك فهي بطن من جهينة، كانوا في بلاد العرب في الشمال الغربي منها، ومن جبالهم الحُت. ثم انتقلوا مع جهينة إلى الصعيد الأعلى واستمرت حركة المقاومة حوالي خمس سنوات أو أكثر " ٧٤٩ - ٧٥٤هـ " بزعامة محمد بن واصل العركي الذي كان يلقب بالأحدب،
стр. 86
لطوله وانحناء قامته، وبلغ من قوته أن نادى بالسلطة لنفسه، وجلس في جتر، وجعل خلفه المسند، وأجلس العرب حوله، ومد السماط بين يديه، وأنفذ أمره في الفلاحين، فلما عظم أمره عقد أمراء المماليك المشورة في عام ٧٥٤هـ في أمر عرب الصعيد، وقرروا تجريد العسكر لهم. " فحشد محمد بن واصل شيخ عرك جموعه، وصمم على لقاء الأمراء، وحلف أصحابه على ذلك. وقد اجتمع معه عرب منفلوط وعرب الراغة، وبني كلب، وجهينة، وعرك، حتى تجاوزت فرسانه عشرة آلاف فارس تحمل السلاح سوى الرجالة المعدة، فإنها لا تعد ولا تحصى لكثرتهم، وجمع الأحدب مواشي أصحابه كلهم وأموالهم وغلالهم وحريمهم وأولادهم، وأقام ينتظر قدوم العسكر " وشن المماليك الحملة عليهم، وبعث أمراء المماليك " ليؤمن بني هلال أعداء عرك، ويحضرهم ليقاتلوا عرك أعداءهم، فانخدعوا بذلك، وفرحوا به، وركبوا بأسلحتهم، وقدموا في أربعمائة فارس، فما هو إلا أن وصلوا إلى الأمير شيخو " قائد المماليك " حتى أمر بأسلحتهم وخيولهم فأخذت بأسرها ووضع فيهم السيف، فأفناهم جميعاً ". وقامت معارك عنيفة بين الحلف العركي والمماليك، وقتل من الجانبين خلق كثير، وطورد العرب إلى بلاد السودان، " ولم يبقى بدوي في صعيد مصر " ووصف ابن إياس نهاية هذه المعركة فقال: " ثم إن الأمراء مشوا وراء العربان الذين هربوا مسيرة سبعة أيام حتى دخلوا أطراف بلاد الزنج، ثم رجع الأمراء والسلطان إلى الديار المصرية ". وصفوة القول أن جهينة في الفترة التي بين ٦٩٨ - ٧٥٤هـ كان لها نصيب وافر في المقاومة، وأن هذه الحركة انتهت بهجرة كثير منهم إلى بلاد السودان. ومن الممكن أن نربط بين هذه الأحداث وبين ما ذكره ابن خلدون في قوله: وانتشروا " أي جهينة أو جيهنة وبلى معاً " ما بين صعيد مصر والحبشة، وكاثروا هنالك سائر الأمم، وغلبوا على بلاد النوبة، وفرقوا كلمتهم وأزالوا ملكهم. وحاربوا الحبشة فأرهقوهم إلى هذا العهد ". ولفظ الحبشة هنا اصطلاح جرى عليه المسعودي وغيره للدلالة على بلاد السودان بمعناها العام. ومن المحتمل أن تكون جموع من بلى قد اشتركت في هذه الأحداث، كما
стр. 87
يفهم من النصوص السابقة، ولا سيما إذا عرفنا أن منفلوط ومراغة " التابعة لسوهاج " قد سكنهما جماعات من بلى. هم من النصوص السابقة، ولا سيما إذا عرفنا أن منفلوط ومراغة " التابعة لسوهاج " قد سكنهما جماعات من بلى.
هـ - بهراء
يقول القلقشندي " بنو بهراء " بطن من قضاعة من القحطانية. قال في العبر، وكانت منازلهم شمالي منازل بلى، من الينبع إلى عقبة إيلياء، ثم جاور بحر القلزم منهم خلق كثير، وانتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكثروا هناك، وغلبوا على بلاد النوبة، وهم يحاربون بلاد الحبشة إلى الآن " أي إلى عهد ابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨هـ١٤٠٥م ". وكنا نود أن نعرف شيئاً مفصلاً عن بهراء في مصر، متى هاجروا، ومتى غلبوا على بلاد النوبة، وهل كان معهم جماعات أخرى في هذه الهجرة، وهل كان لها أحداث في مصر؟ كل ذلك لا سبيل إلى معرفته. والظاهر أن هذه الهجرة حدثت في مرحلة الأحلاف التي نتحدث عنها، وأن بلوغهم إلى السودان كان حوالي هذه الفترة التي دفعت الحلف العركي إلى اللجوء ببقاياهم إلى السودان. ومن فروع بهراء: بلىّ وجَيْدان ومَجيد ومَهْرة.
و المغاربة
стр. 88
هجرة المغاربة إلى مصر قديمة العهد. والطريق المغربي الذي يصل بلاد المغرب بمصر؛ كان معبراً مفتوحاً منذ أقدم العصور، ولكن بعد نزول العرب المسلمين في بلاد المغرب واختلاطهم بالبربر، قام التعرب الثقافي إلى جانب التعرب السلالي في بلاد المغرب بصورة تلفت النظر، ومثلت قبائل المغرب دوراً هاماً في تاريخ العروبة في مصر وشمالي إفريقية وبلاد السودان من السنغال في أقصى الغرب إلى الصومال في أقصى الشرق. وكان للفاطميين أثر لا ينكر في هجرة جموع كبيرة من قبائل البربر المتعربة إلى مصر، فمن المعلوم أن الفاطميين قد اعتمدوا في تأسيس دولتهم في المغرب على هذه القبائل، وكان في جيشهم فرق منهم، وكان من الطبيعي أن تنتقل جموع منهم إلى مصر بانتقال الفاطميين إليها. ولهذا يعد العصر الفاطمي مرحلة هامة في تاريخ الهجرات المغربية إلى مصر، ففي هذا العصر انتقلت موجات كبيرة من المغرب، واستقرت في الجانب الغربي لمصر، في غربي الدلتا، والبحيرة والفيوم، والواحات وسائر الجهات الغربية من صعيد مصر. وربما اتجهت بعض قبائل المغرب شرقا، كما فعلت " لواتة " فتجاوزت شرقاً وعبرت منقطع الرمل، ثم نزلت في الجيزة وبلاد البهنسا التي تصاقب الفيوم من جهة الشرق. ومن الملاحظ أن قبائل المغرب المهاجرة، جاءت تحمل أنساباً عربية، وتنقسم في أنسابها إلى الشعبتين العربيتين الأساسيتين، فبعضهم ينتسب إلى القيسية، مثل قبائل لواتة وبعضهم ينتسب إلى السبئية مثل قبائل هوارة. على أن مؤرخي العرب يترددون في نسب لواتة وهوارة، كما صنع المقريزي عند ذكر لواتة وكذلك يختلف المؤرخون في نسب هوارة، فهم من حمير أو من البربر. وليس من العسير أن نفسر هذا الخلاف، فهذه القبائل التي ترجع أصلاً إلى البربر، قد اختلطت من غير شك قبل نزوحها إلى مصر بالعرب الساكنين في بلاد المغرب، من طريق الحلف، أو الولاء، أو المصاهرة، أو هذه جميعاً، وتجلت ثمرة هذا الاختلاط، في التعرب الثقافي من جهة وفي تمثل قدرٍ من العروبة السلالية في أصولهم البربرية. ومهما يكن من أمر فإن التعرب الثقافي وحده، إذا نظرنا بالمقياس التطوري، كاف للحكم بعروبة هذه الجماعات. قلنا أن لواتة سكنت أعمال الجيزة وبهنسا،
стр. 89
وهم - كما يقول المقريزي - فرقتان: البلاّرية التي اتخذت مساكنها ببلاد البهنسا، و " حدوخاص " التي استوطنت مناطق الجيزة، ومن الملاحظ أن كثيراً من القرى التي نزلتها بطون لواتة في البهنسا - مثلا - قد حملت اسمها فبنو نزار " بنو مزار الآن "، وبنو علي، ومغاغة، وبنو واهلة كلها أسماء قرى أطلقت عليها أسماء بطون لواتة التي سكنتها. وفي البحيرة سكنت جماعات من لواتة في زمن الفاطميين، وكانت تؤلف حلفاً من سنبس الذين نقلهم الفاطميون إلى البحيرة، فلما جاء عصر المماليك، تفرقت سنبس ولواتة بعد أن نكل بهم المماليك أشد تنكيل في عام ٦٥١هـ، انتقاماً منهم لمؤازرتهم الشريف حصن الدين ثعلب. أما هوارة فقد كانت منازلهم في زمن الفاطميين بالبحيرة من الإسكندرية غرباً إلى العقبة الكبيرة من برقة. وظل الأمر على ذلك إلى أيام السلطان الظاهر برقوق، " تولى العرش ٧٨٤هـ١٣٨٢م " إذ أنزلهم " قبل أن يتولى السلطنة بسنتين " في منطقة الصعيد الأعلى، وأقطع إسماعيل بن مازن شيخ هوارة " وهو جد الموازن " ناحية جرجا وما حولها، وكانت عواصم الصعيد الأعلى حينئذ قوصاً وإخميما، ولم تكن جرجا مشهورة شهرة غيرها، حتى نزلت هوارة بالصعيد جهة جرجا فاشتهر أمرها وصارت جرجا فيما بعد ولاية منذ عهد محمد علي. ولم تنتقل هوارة إلى الصعيد إلا بعد انقضاء الأحداث العنيفة التي وقعت بين المماليك وعرب الصعيد، وكان آخرها ما قام به الحلف العركي من حرب اضطرت كثيراً منهم إلى الاختفاء أو الهجرة إلى بلاد السودان حتى قل عدد البدو الضاربين في أرض الصعيد وأطرافها. فلما نزحت هوارة إلى الصعيد، وسكنوا الجانب الغربي منه لم يجدوا مشقة كبيرة في السيطرة على البقاع التي استوطنوها. وعظم أمرهم، واشتد بأسهم، ولا سيما بعد هذه المرحلة التي نتحدث عنها، فانتشروا في معظم الوجه القبلي فيما بين أعمال قوص إلى غربي الأعمال البهنساوية وتشعبت لهم هناك فروع لا سبيل إلى حصرها، وصارت إمرة عربان الصعيد كلهم لأحد رؤساء هوارة، وهو عمر بن عبد العزيز الهوّاري المتوفي سنة ٧٩٩هـ١٣٩٦م يقول أبو المحاسن في
стр. 90
٢ - النجوم الزاهرة: " وعمر هذا هو والد بني عمر أمراء العربان ببلاد الصعيد في زماننا هذا. ولعله يكون أول من ولى منهم الإمرة " وحدث لهّوارة ما حدث لسائر القبائل المهاجرة، فاستقرت طوائف منهم، واشتغلوا في زراعة النواحي بقصب السكر بنوع خاص، والعمل في دواليبه لاعتصاره. وكان محمد بن عمر بن عبد العزيز الهواري، قد عنى بهذه الزراعة، وادخر من ورائها ثروة واسعة. وبقيت جماعات أخرى تعيش حياة تشبه حياة البدو، وتحدثنا المصادر أنهم زحفوا جنوباً، إلى أسوان، وتحالفوا في بادئ الأمر مع بني الكنز الذين دأبوا على مهاجمة أسوان منذ أن أبعدهم جيش صلاح الدين الأيوبي عنها. ثم نجد هوارة في سنة ٨١٥هـ ١٤١٢م تناصب بني الكنز العداء، وتهاجم أسوان وتخربها. وفي خلال هذه الفترة " ٨٠٠ - ٨١٥هـ " زحفت جموع هوارة إلى جنوب الوادي، ودخلت سودان وادي النيل. واستمرت بطون هوارة في نمو مطرد، حتى كان لأولاد همام " فرع من الهوارة " في القرن الثاني عشر الهجري " الثامن عشر الميلادي " شوكة عظيمة في صعيد مصر، وشمالي السودان. ولا تزال أُسر من هوارة تسكن إلى يومنا هذا في صعيد مصر، في قرى لا تزال تحمل أسماء فروع من قبائلهم، ولا سيما في أسيوط وما حولها، وفي نجع حمادي. فمن هذه القرى أولاد مؤمن " في طما "، والدناجلة " بأبي تيج "، والبلازد " والآن تسمى البلايزة " في أبي تيج، وكذلك الصوامع والغنايم، وأشحوم " مركز سوهاج " والعبابدة " مركز أسيوط " وساحل سلين " نسبة إلى سلين أو أسلين بطن من الهوارة ". نجوم الزاهرة: " وعمر هذا هو والد بني عمر أمراء العربان ببلاد الصعيد في زماننا هذا. ولعله يكون أول من ولى منهم الإمرة " وحدث لهّوارة ما حدث لسائر القبائل المهاجرة، فاستقرت طوائف منهم، واشتغلوا في زراعة النواحي بقصب السكر بنوع خاص، والعمل في دواليبه لاعتصاره. وكان محمد بن عمر بن عبد العزيز الهواري، قد عنى بهذه الزراعة، وادخر من ورائها ثروة واسعة. وبقيت جماعات أخرى تعيش حياة تشبه حياة البدو، وتحدثنا المصادر أنهم زحفوا جنوباً، إلى أسوان، وتحالفوا في بادئ الأمر مع بني الكنز الذين دأبوا على مهاجمة أسوان منذ أن أبعدهم جيش صلاح
стр. 91
الدين الأيوبي عنها. ثم نجد هوارة في سنة ٨١٥هـ ١٤١٢م تناصب بني الكنز العداء، وتهاجم أسوان وتخربها. وفي خلال هذه الفترة " ٨٠٠ - ٨١٥هـ " زحفت جموع هوارة إلى جنوب الوادي، ودخلت سودان وادي النيل. واستمرت بطون هوارة في نمو مطرد، حتى كان لأولاد همام " فرع من الهوارة " في القرن الثاني عشر الهجري " الثامن عشر الميلادي " شوكة عظيمة في صعيد مصر، وشمالي السودان. ولا تزال أُسر من هوارة تسكن إلى يومنا هذا في صعيد مصر، في قرى لا تزال تحمل أسماء فروع من قبائلهم، ولا سيما في أسيوط وما حولها، وفي نجع حمادي. فمن هذه القرى أولاد مؤمن " في طما "، والدناجلة " بأبي تيج "، والبلازد " والآن تسمى البلايزة " في أبي تيج، وكذلك الصوامع والغنايم، وأشحوم " مركز سوهاج " والعبابدة " مركز أسيوط " وساحل سلين " نسبة إلى سلين أو أسلين بطن من الهوارة ".
ز - نتائج هذه المرحلة ١ - كان لهذه المرحلة أثر ظاهر في تقارب الشعبتين العربيتين الرئيستين: القيسية والسبئية، وفي القضاء على أثر العصبية القديمة بينهما. فقد كان الحلف يتألف في كثير من الأحيان من عناصر قيسية وسبئية يعملون جميعاً تحت لواء واحد. فحلف ربيعة كان يضم ربيعة ومضر والسبئية، وحلف العُمري كان يضم ربيعة وجهينة، وحلف الهلاليين كان يضم بطونا من المعقل وهم سبئية. وإذا استثنينا الإشارات القليلة التي قد يعثر عليها القارئ في قصة الهلاليين مما يشعر بشيء من هذه العصبية، فليس فيما نعرفه من المصادر أثر من عصبية قيسية أو سبئية كان لها شأن في توجيه الأحداث التي سردناها في هذه المرحلة. وإذا كان قد حدث نزاع بين جماعات الحلف الواحد كما حدث في حلف العُمري، وكما حدث بين هوارة وبني الكنز، وكما حدث بين عرك وبني هلال، فليس لدينا دليل واضح، من المصادر التي بين أيدينا، يشير إلى أن هذا النزاع كان بسبب تعصب قيس على سبأ أو سبأ على قيس. ولعله كان نزاعاً كالذي يحدث عادة بين الجماعات والأفراد في مجال التنافس على المرعى والماء، أو الأخذ بالثأر، أو إحراز ثروة أو جاه أو سلطان.
٢ - انتهت أحداث هذه المرحلة كما انتهت أحداث المرحلة التي سبقتها، بتفرق البدو على جهات مصر والبلاد المجاورة.
стр. 92
ففريق لجأوا إلى الأطراف حيث واصلوا أعمال الإغارة على طريقة أهل البادية. وهؤلاء كان ينقصهم التوجيه والاستقرار، ولم يجدوا في تلك العصور إلا العنف والتشريد من جانب السلطات الحاكمة، واستمرت حملات العنف والتشريد في العصور التالية، إلى نهاية عصر أسرة محمد علي. على أن بعض الفئات اللاجئة إلى الأطراف قد أسسوا قرى لسكناهم كما فعلوا في الشرقية. ومنهم من تولوا حماية الحجاج العابرين في طريقهم من مكة وإليها. وفريق آخر استقروا في القرى، وآثروا الاشتغال بالزرع. وهؤلاء تمثلهم البيئة المصرية. وبهذا لم تكد هذه المرحلة تنقضي حتى تمت إحدى دورات التمثل في مصر العربية، أما الدورات السابقة فقد اكتملت في مرحلتي تكافؤ القوى وما قبلها. ومن الملاحظ حين نقلب صفحات المصادر التي أرخت لأحداث العرب في مصر عقب هذه المرحلة، مرحلة الأحلاف، أن نغمة جديدة تنبعث من كتابة المؤرخين، ففي كثير من الأحيان لا يذكرون العرب بأسماء قبائلهم أو بطونهم، وإنما يقتصرون على إطلاق كلمة " عرب " أو " عربان "، وقد ينسبونهم إلى المكان الذي استوطنوه، فيقولون مثلا: عرب منفلوط، وعرب الراغة، وعرب الشرقية، وعرب البحيرة، وهذا قد يحمل الدليل على أن هذه القبائل، ومعها بقايا الأحلاف التي رغبت في الاستقرار، قد تداخلت جماعاتها، واندمجت عناصرها، وامتزج بعضها بالسكان السابقين، أو بعبارة أخرى تمثلهم البيئة المصرية، فصارت نسبتهم إلى العروبة عامة، أيسر لدى المؤرخين من نسبة كل جماعة أو أسرة منهم إلى أصل قيسي أو سبئي معين.
стр. 93
٣ - وفي هذه المرحلة نلاحظ شيئاً من التحول في جهة النسب العربي، فصار كثير من الجماعات العربية يفضلون الوقوف بأنسابهم عند النبي (وآله، أو الخلفاء الراشدين، أو الصحابة بوجه عام. وظهر ذلك بصورة أوضح، في أنساب القرشيين، فانتمت جماعات منهم إلى أبي بكر وعمر وعثمان والزبير والطالبيين الخ ... وأخذ لفظ " الشريف " يتسع في مفهومه أو يضيق تبعاً لاختلاف الظروف على مر الأجيال والعصور، فكان شريفاً " كل من كان من أهل البيت سواء أكان حسنياً أم علوياً، من ذرية محمد بن الحنفية وغيره من أولاد علي بن أبي طالب، أم جعفرياً أم عقيلياً، أم عباسياً ". ونتج عن ذلك الاتجاه في النسب إلى آل البيت أن أصبح لذوي الأنساب في العصر العباسي نقابة خاصة بهم، وأصبح لهم نقيب اسمه نقيب ذوي الأنساب، أو نقيب الأشراف أو نقيب بني هاشم العباسيين والطالبيين. وظل العباسيون والطالبيون خاضعين لنقيب واحد حتى القرن الرابع الهجري، وفي آخر هذا القرن صار لكل فريق منهما نقيب خاص في بغداد. فلما ولى الفاطميون بمصر قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين. وصعد نجم العلويين على حين بدأ أمر العباسيين في الضعف. وصار للأشراف في مصر في أيام الفاطميين نقيب خاص. أما أبناء الخلفاء الثلاثة الراشدين - أبي بكر وعمر وعثمان - فقد اندرجوا تحت لواء الأشراف في عصور متأخرة، ونجد اليوم أبناء أبي بكر وعمر إلى جانب أبناء النبي (هم الذين يتألف منهم الأشراف بمصر، ونجد البكريين منهم بنوع خاص، ويسمون الصديقين، يتولون منذ أوائل القرن التاسع عشر مناصب روحية تعود عليهم بالخير الوفير. ولا شك أن هذه النقابات قد حفظت أنساب هذه الجماعات القرشية من الضياع فقد كانت صيانتها من صميم عملها. غير أن مرحلة الأحلاف كان لها تأثير ما - بطريق مباشر أو غير مباشر - في تعريض بعض الأنساب غير القرشية للضياع والنسيان. ذلك أن ارتباط الجماعات العربية، واندماجها بالحلف أو المجاورة أو المصاهرة، وتبعية الجماعة الصغيرة للجماعة الكبرى، كل ذلك قد أدى إلى إغفال بعض أنساب هؤلاء جملة وتفصيلا. والأمثلة كثيرة أوردها المقريزي في " البيان "، وعقد لها السويدي في كتابه " سبائك الذهب " باباً
стр. 94
خاصاً بعنوان " ذكر القبائل التي ذكرها النسابون ولم يلحقوها بقبيلة معينة ". أورد فيه حوالي خمسين قبيلة سكنت الأقطار العربية، ولاسيما مصر والشام، ومعظمها يرجع إلى مرحلة الأحلاف التي نتحدث عنها، وستجد كثيراً من هذه الجماعات لا يعرفهم النسابون بأكثر من أنهم " بطون من العرب من أحلاف بني فلان " مثال ذلك: " الربيعيون: بطن من العرب ذكرهم الحمداني في أحلاف بني زيد بن حرام بن جذام بالحوف، ولم ينسبهم في قبيلة - الرداليون: بطن من العرب، ذكرهم من أحلاف بني زيد بن حرام بن جذام ولم ينسبهم في قبيلة، ومساكنهم مع بني زيد بالحوف - بنو بريد " بضم الباء " بطن من العرب من أحلاف الخزاعلة الخ ... " بل نجد بطوناً تحمل أسماء متماثلة من أصل واحد تتجمع كلها وتختلط، كما حدث لسعود جذام، وهم خمسة بطون، كل منها يدعى سعدا، وقد اختلطت في مصر. ولعل تشابه أسماء القبائل المتحالفة أو المتجاورة، كان عاملاً هاماً في اختلاط أنسابها كما حدث في اختلاط بطون من جرم طيء وقضاعة واختلاط جذيمة وجذام.
٤ - كان من الجماعات العربية، في هذه المرحلة، فريق تجاوز أرض مصر، إلى جنوب وادي النيل، حيث انتشروا في جهات السودان. وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق. وبقى أن نبين أثر هذه الجماعات المهاجرة في سودان وادي النيل، وهو موضوع الفصل التالي.
٢ - القبائل العربية في السودان وأثر مرحلة الأحلاف
أ - يقتصر كلامنا في هذا الفصل على ملاحظات عامة، نحاول فيها متابعة الهجرات، ما أمكن من مصر إلى سودان وادي النيل، ولا سيما في مرحلة الأحلاف، ومن المهم أن نذكر أن الباحثين إلى اليوم قد جروا في دراستهم للقبائل العربية في السودان، على تقسيمها إلى مجموعتين كبيرتين هما: ١. المجموعة الجَعْلية " أو الجعلية الدنقلاوية ".
٢. - المجموعة الجهنية " نسبة إلى جهينة ".
стр. 95
ولا مانع لدينا من أن نعترف بهذا التقسيم إذا أردنا تيسير البحث في تفاصيل هذه القبائل الكثيرة المتنوعة، كما صنع الباحثون المعاصرون. ولكن هذا التقسيم لن يفيدنا كثيراً في متابعة الموجات العربي المهاجرة إلى السودان من مواطنها الأولى. أضف إلى ذلك أن هذا التقسيم قد يوحي بأنه منبعث عن وجود عصبية قبلية بين قيس ويمن أي بين عدنان وقحطان، في زمن هجرة هذه القبائل إلى السودان. ومصدر هذا الإيحاء آتٍ من أن جهينة تمثل قحطان، والجعليين يمثلون عدنان. ونحن نستبعد أن تكون هناك عصبية كهذه قد حدثت بين عرب السودان، أو بعبارة أدق بين الهجرات التي نزحت إلى السودان في مرحلة الأحلاف. وسنرى أن هذه المرحلة هي التي أمدت السودان بكثير من الموجات العربية - إن لم يكن أكثرها - وكانت نواة للتشكيلات العربية الحديثة في السودان. وفي هذه المرحلة، كما ذكرنا فيما سبق، كانت الجماعات العربية قد خفت فيما بينها صوت العصبية بين عدنان وقحطان، إلا في القليل النادر. زد على ذلك أن الروايات التي توارثها السودانيون في نسب المجموعة الجهنية لا تؤكد دائما أنهم جميعاً من قحطان. مرت العروبة في السودان، بمراحل تشبه من بعض النواحي نظائرها في مصر. فهناك مرحلة إعدادية، حدثت فيها هجرات عربية إلى السودان، في عصور الجاهلية. غير أن تاريخ هذا الشطر الجنوبي من الوادي، في تلك المرحلة لم يكن من الوضوح بحيث نستطيع أن نذكر شيئاً مفصلا عنها. ومن المعلوم أن جماعات من السبئين - منذ القرن الخامس قبل الميلاد - قد نزحوا من جنوب بلاد العرب إلى السواحل الغربية للبحر الأحمر، واستقروا في بادئ الأمر في جزر هذا البحر، في سقطرة ودهلك وغيرهما، ثم انتشروا على امتداد شواطئ إفريقية الشرقية. ومن هناك أنشأوا طرق قوافل لتسيير الإبل إلى المناطق الداخلية، وربما كان هدفهم من ذلك مزدوجاً: توسيع نشاطهم التجاري، والتخلص من مناخ الساحل القاسي، ولا تزال أسماء أمكنة تقع بجوار مصوع وعصب، شاهدا على تقدم السبئين نحو المناطق الإفريقية. ويقال إن جماعات من بلىّ نزحت إلى بلاد البجة قبل الإسلام، ولقد أشرنا فيما سبق إلى أن الحضارمة، قد هاجروا إلى بلاد البجة كذلك في القرن
стр. 96
السادس الميلادي، ولعلهم امتزجوا ببلىّ، ثم كانوا في زمن المسعودي المؤرخ هم المسلمون دون سائر البجة. والبجة إلى يومنا هذا يسمون اللغة العربية " بَلَويت " أي اللغة البَلَوية نسبة إلى بلىّ، التي حملت العربية إليهم، فتمثلتها لغة البجة " وهي لغة حامية " ولم تستطع العربية أن تتغلب على لغة البجة حينئذ. نظراً لقلة العرب النازحين بالقياس إلى قبائل البجة الكثيرة المتشعبة. ومهما يكن من أمر، فإن السبئين وأعقابهم كانوا فيما يظهرهم العنصر الغالب على عرب السودان في أزمان الجاهلية، ولا سيما إذا عرفنا أن الرابطة بين ساحلي البحر الأحمر، منذ أقدم العصور، لم تكن ضعيفة يوماً ما، وأن العبور من الساحل إلى الساحل ولا سيما من طريق باب المندب، كان أمراً سهلا ميسوراً. ومن السهل أن ندرك أن مضيق باب المندب كان للسبئيين معبرا رئيسياً إلى السودان، في تلك العصور الجاهلية؛ فقد كان المضيق متأخما لبلادهم في اليمن، وكانت بلادهم، حينئذ، مكتظة بأهلها، يلم شتاتهم دول ذوات نفوذ وقوة وازدهار، أعني دولة سبأ ثم حمير من بعدها. ولكن عندما انهارت هذه الدول، وزال نفوذها، اتجه السبئيون وأعقابهم إلى شمالي بلاد العرب، كما رأينا من قبل؛ ثم جاءت الفتوح الإسلامية، فنقلت جموعاً هائلة منهم إلى أخصب بقاع الأرض في مصر والشام والمغرب والأندلس والعراق وفارس وغيرها. ومن المتوقع بعد هذا أن يصبح طريق باب المندب معبراً ثانوياً للهجرة إلى السودان. فقد تفتحت منافذ أخرى أمام هجرة العرب إلى السودان، وكان المنفذ الرئيسي فيها هو: طريق وادي النيل. وفي مقدور القارئ أن يجد الدليل على هذا فيما سنورده في الفقرات التالية. أما تلك الروايات السودانية التي كثيراً ما تردد أن القبائل العربية، أو عدداً منها، قد نزحت إلى السودان من شبه جزيرة العرب من طريق البحر الأحمر مباشرةً، في عصور الإسلام، فلعلها أرادت بذلك أن تعبر عن نقاء الأصول العربية التي هاجرت إلى السودان، فجاءت بها من مهدها الأول مباشرة. ولا خلاف بيننا في أن هذه القبائل العربية التي ملأت الأقطار العربية
стр. 97
على اتساع رقعتها قد انبعثت كلها بطبيعة الحال من مهدها الأول وهو شبه الجزيرة العربية، ولكننا نختلف مع هذه الروايات في تحديد طريق الهجرة الرئيسي في العصور الإسلامية. فليس لدينا دليل كاف على نزوح هجرات واسعة، في عصور الإسلام، من بلاد العرب مباشرة إلى السودان. ومع هذا فمن المحتمل جداً أن تكون جماعات قد اتخذت طريق باب المندب معبراً لها، ولكنها، فيما نرجح، لم تكن بالكثرة والضخامة التي تصورها أصحاب هذه الروايات. ولنا من الشواهد التالية ما يؤيد هذا القول. اتساع رقعتها قد انبعثت كلها بطبيعة الحال من مهدها الأول وهو شبه الجزيرة العربية، ولكننا نختلف مع هذه الروايات في تحديد طريق الهجرة الرئيسي في العصور الإسلامية. فليس لدينا دليل كاف على نزوح هجرات واسعة، في عصور الإسلام، من بلاد العرب مباشرة إلى السودان. ومع هذا فمن المحتمل جداً أن تكون جماعات قد اتخذت طريق باب المندب معبراً لها، ولكنها، فيما نرجح، لم تكن بالكثرة والضخامة التي تصورها أصحاب هذه الروايات. ولنا من الشواهد التالية ما يؤيد هذا القول.
стр. 98
ب - غزا عبد الله بن سعد بن أبي السرح بلاد النوبة، وبلغ دنقلة في عام ٣١هـ ٦٥١م، وكتب عهداً لأهل النوبة، اشترط فيه صيانة المسجد الذي بناه المسلمون في دنقلة، ولا ندري أكان بناؤه في أثناء الغزوة أو قبلها، واشترط كذلك حماية التجار وغيرهم الذين يطرقون بلادهم. وبذلك وضع عبد الله بن سعد الأساس الذي مهد الطريق لما حدث فيما بعد من تغلغل العرب المسلمين في هذه البلاد. ومنذ عهد بني أمية أخذ العرب الساكنون في أسوان يشترون من أهل النوبة أراضي يستثمرونها، حتى تملكوا ضياعا كثيرة داخلة بأرض النوبة، في المنطقة التي تسمى بلاد مريس، وتنتهي عند الشلال الثاني تقريباً. وعندما زحف العباسيون على مصر، للقضاء على حكم بني أمية فيها، التقى جيش العباسيين بجيش مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، عند قرية بوصير في الصعيد الأدنى بالقرب من الجيزة أو بالفيوم، وأسفرت المعركة عن قتل مروان، وهرب عبد الله وعبيد الله ابنا مروان في جماعة من أتباعهما إلى بلاد النوبة، وتلاحق بهم جماعة من أصحاب مروان؛ فصاروا - في رواية - زهاء أربعة آلاف، أو ألفين في رواية أخرى وأرض النوبة كانت في ذلك الحين تنقسم إلى مملكتين مسيحيتين رئيستين: الشمالية تسمى مملكة المَقُرَّة، والجنوبية مملكة علوة. فإذا صح أن المروانين الهاربين قد نزلوا أول مملكة صادفتهم بعد مفارقة حدود مصر، فهي مملكة المقرة، وتحدثنا الأخبار أنهم وافوا ملك النوبة وأقاموا في بلدة فترة من الزمن. ولم تذكر الروايات اسم ملك النوبة هذا، ولكننا بمقارنة التواريخ نفترض أنه كان زكريا بن مرقوريوس الذي تولى عرش المقرة حوالي ٧٤٤م " ١٢٧هـ " واستمر على العرش عدة سنوات لانعرف تحديدها على وجه الدقة. وترك المروانيون بلاد النوبة واتجهوا إلى الشرق حتى صاروا في بلاد البجة، ولقوا مقاومة شديدة من البجة، فتفرقوا يريدون ساحل البحر، ولقوا عنتاً شديدا وضل بعضهم الطريق، وبلغ بعضهم ميناء الباضع بعد جهد وإعياء ومن المحتمل أن عدداً منهم قد عبروا إلى الحجاز، وبقي عدد منهم في ميناء الباضع. ومن الجائز أيضاً أن عدداً من بني أمية قد هرب من الحجاز، في أثناء هذه الفترة أو بعدها بقليل، فعبر البحر
стр. 99
إلى بعض الموانئ على الساحل الغربي. وقد ذكر احد الباحثين الفرنجة أنه شاهد مقابر جماعة من الأمويين على طول الطريق الذي سلكوه متجهين إلى الباضع. وفي هذا الطريق، في منطقة خور " نبت " الواقعة على مسافة ٧٠ميلا غربي سواكن، عثر الباحثون على شاهد من شواهد القبور مؤرخ في عام١٤٩هـ " ٧٦٦م " وقد أبدى الباحث الإنجليزي " بول " دهشه لوجود شاهد قديم لفرد أو لجماعة من العرب عاشوا في منطقة منعزلة كتلك المنطقة، وفي زمن مبكر كهذا، وليس في هذه المنطقة أية علامة تدل على أنها كانت موطنا لاستخراج المعدن، ولم يجد هذا الباحث دليلا يهديه إلى الجهة التي جاءوا منها. أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه من قبل وهو تكاثر العرب من ربيعة ومضر وأعقاب سبأ، في أرض المعدن ولاسيما منذ عهد المتوكل العباسي " ٢٣٢ - ٢٤٧هـ ".
стр. 100
ج - ثم تبدأ مرحلة الأحلاف في مصر، وتبدأ معها ألمع فترة في تاريخ الهجرات العربية إلى جنوب وادي النيل، ولسنا نذهب بعيداً إذا قلنا إن بقايا الأحلاف التي لجأت إلى السودان، كانت هي العمود الفقري الذي التفت حوله المجموعات العربية التي نراها اليوم في السودان. ولا ننتظر - بطبيعة الحال - أن نجد الأحلاف العربية التي تألفت في مصر، قد ظلت بعد هجرتها إلى السودان محتفظة دائماً بشكلها وتنظيمها الذي كانت عليه في مصر. فهذا يتوقف - إلى حد كبير - على العوامل التي دفعتهم إلى الهجرة، والظروف التي أحاطت بها، ومدى استقرارهم في مهاجرهم الجديدة في السودان. فالجماعات التي أتيح لها أن تهاجر إلى السودان في فترات السلم والهدوء، فلم يصبهم من قسوة المعارك ما أعجلهم عن ديارهم وأفزعهم إلى مهاجر جديدة، هؤلاء قد احتفظوا في السودان. - فترة من الزمن على الأقل - بتنظيمهم الذي كانوا عليه في مصر. والجماعات التي استقرت في بلاد " مريس " وفي أرض المعدن ببلاد البجة، منذ بداية المرحلة أو قبلها بقليل، لم يطرأ عليها من عوامل التشتت والتفرق ما طرأ على الأحلاف التي وقفت تقاوم الأتراك وجهاً لوجه، فلم تستطع الصمود، ولم يكن لديها الوقت الكافي لتنظيم هجرتها إلى السودان، فولت هائمة على وجهها تلتمس للهرب كل سبيل. فهؤلاء قد بلغوا السودان، على دفعات غالباً، وتفرقوا في أنحائه، واندمجوا في جماعات أخرى، وكونوا أحلافاً جديدة، وكان من المتعذر عليهم، بطبيعة الحال، أن يلتقوا في السودان على نفس التنظيم الذي كانوا عليه في مصر. كذلك هذه الجماعات التي لقيت في مهاجرها الجديدة عوائق طبيعية أو اجتماعية، فاضطرتهم إلى التفرق على بقاع شتى من السودان.
стр. 101
جذام: لدينا وثيقة تاريخية أوردها القلقشندي في صبح الأعشى، وهي مكاتبة بعث بها سلطان البرنو " في السودان الغربي " إلى سلطان المماليك في مصر، يشكو فيها اجتياح أعراب " جذام وغيرهم " بلاده، وإفسادهم فيها، ويطلب إلى السلطان المملوكي أن يتعقبهم في مصر، وأن يقبض عليهم، ويوقع بهم أشد العقاب. ويظهر أن هذه الجماعات - أو بعضها - قد تدفقوا شرقا، حوالي سنة ٧٩٤هـ - ١٣٩١م حتى بلغوا شمالي دارفور وقضوا على حكم الزغاوة هناك. وقد ذكرنا فيما سبق أن طوائف من الجذاميين وقرنائهم اللخميين، قد أبعدوا عن مساكنهم في عهود الفاطميين والأيوبيين، ولعلهم اتخذوا أطراف مصر موطناً لهم، ولا سيما الأطراف الغربية، فترة من الزمان، وكانت هذه الأطراف منذ القرن السادس الهجري، مسرحاً لحركات الهلالين وأحلافهم عقب الغزوات التي شنوها على شمالي إفريقية، وربما أنضم الجذاميون وجماعتهم إلى الهلالين هؤلاء، ثم تدفقوا على السودان الغربي، ومنه إلى دارفور، وأحدثوا من القلاقل ما دعا سلطان البرنو إلى أن يفزع إلى سلطان المماليك في مصر. على أننا لا نحد أسم جذام، في القبائل التي تعيش اليوم في السودان. ومن الجائز أن جذاما وأحلافهم من لخم وغيرهم قد اندمجوا في قبائل البقارة والكبابيش الذين يمثلون الغالبية من العرب في غرب السودان في الوقت الحاضر. والبقارة والكبابيش ينتسبون اليوم إلى جهينة، ولكنهم في واقع الأمر أحلاف تجمعت على فترات، وتألفت من بطون عدة، لعل أهمها جذام وجهينة والهوارة وبنو هلال وأحلاف هؤلاء وأولئك من فزارة وسليم ولخم وبلى وغيرهم. ومن الجائز أن بعض هذه البطون قد نزحت من بلاد المغرب، من الطريق الليبي، عقب الغزوات الهلالية لشمال إفريقية، ولكن مما لا شك فيه أن أكثر هذه الجماعات المتحالفة، قد سلكت في هجرتها إلى السودان طريق وادي النيل. وهذا هو ما رجحه ما كما يكل. والبقارة ليس في الأصل اسم علم على قبيلة عربية قديمة، ولكنه وصف يدل على المهنة، فمعناه رعاة البقر، ولعلهم وصفوا بذلك لتمييزهم - في المهنة - عن جيرانهم في الشمال من رعاة الإبل " الكبابيش ". والبقارة يسكنون دارفور وكردفان، والكبابيش معظمهم في كردفان. وينتسب البقارة
стр. 102
إلى جنيد بن أحمد الأجدم - في رواية - أو ابن حمد الأجزم في رواية أخرى. ومن فروع البقارة والكبابيش التي نظن أن لها صلة ما بجذام ولخم: أ - بنو هلبة وهم من البقارة، وتمتد بطونهم إلى ما وراء حدود السودان الغربي، ويذكرنا اسمهم ببني هلبة الجذاميين الذين سكنوا الحوف الشرقي في مصر.
ب - الهبانية، من البقارة، ومعظمهم في دارفور، ونجد في مصر الحبانية أو بني حبان بطن من لخم كانت مساكنهم بالبر الشرقي من صعيد مصر فيما بين مسجد موسى وأسكر من أعمال إطفيح.
ج - أولاد عقبى ويروي أهل كردفان أن أولاد عقبة هم النواة الأولى من الكبابيش، وبنو عقبة في مصر، كانوا يسكنون الجزء الجنوبي من شبه جزيرة سيناء، وهم فرع من جذام. وكان منهم قسم كبير نزح إلى طرابلس ثم أندفع جنوباً إلى غرب إفريقية.
د - أولاد سليمان. فرع من الكبابيش، وفي مصر نجد بني سليمان فرعاً من بني عقبة وكان في سيناء أيضاً.
هـ - بنو واصل: فرع من الكبابيش، وفي مصر نجد بني واصل فرعاً من بني عقبة جاءوا إلى سيناء من شمالي بلاد العرب.
و العطوية " بنو عطية ": فرع من الكبابيش، وهم في مصر ينسبون إلى بني عقبة، نزلوا حول خليج العقبة في القرن الرابع عشر الميلادي.
стр. 103
جهينة والعركيون: يخبرنا ابن خلدون أن جهينة انتشروا ما بين صعيد مصر وبلاد الحبشة وكاثروا هناك سائر الأمم، وغلبوا على بلاد النوبة. ولتفصيل هذه العبارة المجملة، نود أن نذكر أن دخول جهينة في السودان كان على دفعات غالباً، وفي أزمان مختلفة، فقد رأيناهم في جيش العمري في أيام ابن طولون يغزون النوبة الشمالية وبلاد البجة، ورأيناهم في أرض المعدن يعملون مع ربيعة في زمن مبكر، منذ القرن الثالث الهجري. وفي عام ٦٨٠هـ - ١٢٨١م تنازعت جهينة ورفاعة في صحراء عيذاب، ورفاعة من جهينة غالباً. وفي عام ٧١٧هـ - ١٣١٧م، طارد المماليك " عرب برية عيذاب " حتى بلغوا سواكن. وإذا عرفنا أن جهينة انتشروا منذ عهد الفاطميين شرقي الصعيد الأعلى إلى عيذاب، أدركنا أن جهينة كانوا يتمثلون في عرب برية عيذاب هؤلاء بنصيب غير قليل. ثم جاءت معارك المماليك مع جهينة والعركيين وأحلافهم في الفترة التي بين ٧٤٩، ٧٥٤هـ، وأدت إلى لجوء كثير منهم إلى أطراف بلاد الزنج - كما يقول ابن إياس - وبلاد الزنج هي بلاد الصومال في اصطلاح العرب القديم. ومن هذا ندرك أن جهينة قد دخلت السودان في موجات متعددة، واتجه معظمها من طريق وادي النيل إلى الشرق حيث بلاد البجة وساحل البحر الأحمر. واكتظت بهم المنطقة الواسعة التي تأخذ من حلفا الحالية إلى شمال غربي الحبشة، وكان لهم أثر قوي في الضغط على مملكة النوبة المسيحية الشمالية، مملكة المقرة، حتى أزالوها، ثم تدفقوا إلى الغرب ثم إلى الجنوب. فشغلوا بقاعاً مترامية من السودان تمتد من الشرق إلى الغرب.
стр. 104
أما العركيون، فهم يدخلون في التقسيم الحالي في مجموعة جهينة، وهم جماعات يسكنون قرى الجزيرة بين النيلين الأبيض والأزرق، ومنهم فئات ما زالوا بغرب السودان؛ وأقدم من عرف منهم في تاريخ السودان، كانوا في أوائل القرن العاشر الهجري " السادس عشر الميلادي "، وأول من حمل لواء الزعامة الروحية في السودان منهم ثلاثة: أحدهم الشيخ دفع الله بن مقبل بن نافع العركي " عاش حوالي ١٥٥٠م " وهو جد جماعة أبي حراز بالجزيرة، يقول عنه ودضيف الله مؤلف كتاب الطبقات " ونسبه مشهور بالعركي نسبة عرك قبيلة معروفة "، ولأولاده الخمسة، حمد النيل، عبد الله، محمد، أبي بكر، المجذوب، شأن في نشر الثقافة الإسلامية في السودان، وفي منطقة الجزيرة بنوع خاص. أما الثاني فهو الشيخ محمود بن محمد العركي " عاش حوالي ١٥٢٠م " ولد بالنيل الأبيض، وسافر إلى مصر، وتلقى العلم بالأزهر الشريف على الشيخين الناصر اللقاني، وشمس الدين اللقاني. والظاهر أنه أقام بمصر فترة طويلة، حتى عده بعض المؤرخين عالماً مصرياً، ثم أرسل سلطان الفونج في طلبه، ولما قدم بنى له قصراً يعرف الآن بقصير محمود بالقرب من النيل الأبيض، ووفد عليه ٤٠ ألف طالب، وانتشرت العلوم على يديه، وعلم الناس مسائل الفقه على مذهب مالك. أما الثالث فهو الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن نافع النويري العركي " عاش حوالي ١٥٧٠ "، وكان أحد أجداده من الأشراف الذين تصاهروا إلى العركيين، وقد أنشأ الشيخ " بلدة الفقراء " في الجزيرة بالسودان، وتوارث أحفاده تعليم الدين في هذه البلدة إلى اليوم.
стр. 105
الهلاليون: سكن بنو هلال وحلفاؤهم صعيد مصر الأعلى منذ عهد الفاطميين، كما أشرنا من قبل، وإن مجاورة هذه المنطقة لبلاد السودان هي مما يقوي الاحتمال بأن جماعات منهم قد نزحت إلى السودان في أزمان مختلفة. ولكن يبدو أن هذه الجماعات كانت قليلة متفرقة، ولا سيما في شرق السودان، بحيث لم تستطع أن تحتفظ بكيانها زمناً طويلاً، فاندمج معظمها في مجموعات أخرى. وصار الانتساب إليهم قليلا محدود الأثر. أما في غرب السودان فإن التأثير السلالي يظهر بصورة أقوى وأوضح، لسبب سنذكره بعد قليل. ومع هذا فإن ذيوع سيرة الهلالين، وتردد أصداء قصة أبي زيد وتغريبه بني هلال، في المجتمعات العربية في السودان، شرقاً وغرباً، كان له أثر بالغ في حياة عرب السودان الاجتماعية والثقافية. والراجح أن السودان عرف الهلالين بعد أن ذاع صيتهم، على أثر الغزوات التي قاموا بها في شمالي إفريقية، واشتهار أبي زيد الهلالي في البوادي والقرى العربية. ومن هذا ندرك أن تأثير الهلالين في السودان لم يكن وليد تغلغل النسب الهلالي وحده، بل كان كذلك نتيجة تعلق عرب السودان بسيرة أبي زيد الهلالي والشخصيات التي لعبت دوراً فيها، فالتأثير له جانبان: جانب سلالي وجانب قصصي. ومن الطريف أن معظم روايات غرب السودان، تكاد تتفق على أن الهلالين وفدوا على السودان من طريق الشرق، من بلاد العرب، إلى كسلا، ثم عبروا النيل الأبيض واتجهوا إلى غرب السودان، ثم واصلوا رحلتهم إلى بلاد تونس لمحاربة المغاربة. ومن الواضح أن هذه الروايات هي " محاكاة محلية " لقصة تغريبة بني هلال، أو قل هي تحوير نسجته الروايات لتجعل السودان طريقاً لتغريبة بني هلال. وعلى هذا لا نستطيع أن نعتمد على هذه الروايات من الناحية التاريخية، ومن الملاحظ أن معظم الجماعات التي تنتسب إلى الهلالين، أو إلى أبي زيد الهلالي، يعيشون الآن في غرب السودان، فإذا اتجهنا إلى الشرق، وجدنا التأثير القصصي أقوى من التأثير السلالي. ولو أن الهلالين قد دخلوا حقاً بجموعهم من طريق الشرق إلى الغرب، وسلكوا هذا الطريق الذي وصفته الروايات، لكان من المنتظر أن نجد لهذه الجموع بقايا في شرق السودان، ينتسبون إلى بني هلال أو إلى أبي
стр. 106
زيد. وهذا ما لا نجده إلا في القليل النادر. ومن الراجح لدينا أن الهلالين دخلوا السودان بعد التغريبة بزمن غير قصير، وأنهم اتخذوا طريق وادي النيل، ثم انحرفوا غرباً على امتداد وادي الملك إلى كردفان ثم دارفور. ويحدثنا المقريزي أن بني هلال كانوا من جملة عربان الصعيد الذين اشتركوا في حملة السلطان قلاوون في عام ٦٨٦هـ١٢٨٧م على بلاد النوبة، وأن الحملة انقسمت فرقتين، فرقة منها اتبعت البر الغربي من النيل، والأخرى سارت من البر الشرقي. وليس ببعيد أن يكون بني هلال قد اتخذوا طريق البر الغربي مع الفرقة الأولى، ثم استقروا في غرب السودان. وفي غرب السودان، نجد عدداً من الجماعات تنتسب إلى الهلالين أو إلى أبي زيد، منهم التنجور، والفور، والرزيقات، وهلالية البرقد، والزيادية. بالإضافة إلى التأثير السلالي في هذه الجماعات، نجد التأثير القصصي يتمثل في رواياتهم، وفي بعض الأحيان يمتزج اللونان من التأثير بحيث يصعب على الباحث أن يميز بينهما. ومع هذا فليس هناك ما يدعوا إلى الشك في نسبتهم إلى الهلالية، كما صنع ما كما يكل، إذ أن اختلاط الجانبين من التأثير - أحياناً - لا يعني بحال الشك في صحة انتساب هذه الجماعات أو أصولها الأولى، إلى الهلالين، جملة وتفصيلا. وإلى جانب هذه الجماعات التي انتسبت إلى بني هلال أو إلى أبي زيد، نجد وحدات من الحلف الهلالي القديم، تنتقل إلى السودان، وتحمل كل وحدة منها اسمها الخاص، مثل بني سليم وبني فزارة الذين كانوا من حلفاء هلال منذ البداية. وفي السودان اليوم قبيلة تعرف باسم بني سليم، تنتمي إلى مجموعة البقارة، وتعيش على النيل الأبيض، من جهة الغرب، في أرض كردفان. أما بنو فزارة فقد أطلق النسابون اسمهم على مجموعة تعيش في الجهات الشرقية والوسطى من كردفان، وهي تتألف من العشائر الآتية: دار حامد - بني جرار - الزيادية - البزعة - الشنابلة - المعاليا. وقد عرفت هذه المجموعة باسم فزارة في القرنين الماضيين. أما اليوم فقد انتثر عقدها فصارت وحدات منفصلة كل وحدة تسمى باسمها الخاص. وفزارة قبيلة قيسية، كان
стр. 107
منهم بطون في صعيد مصر والوجه البحري، ولا تزال قرى تحمل اسمهم في مصر. ففي الصعيد فزارة التابعة لمديرية جرجا، والفزارية التابعة لمنفلوط. ويبدو من دراسة المجموعة الفزارية في السودان أن لبعضها - على الأقل - صلة ببني هلال. ففي روايات دار حامد، أن جدهم حامداً حين قدم إلى غرب السودان، لقي أبا زيد الهلالي، فاستشاره في المكان الذي يتخذه مقاما له، فأشار عليه بسكنى بقعة معينة في كردفان. والزيادية ينتسبون إلى اليوم إلى أبي زيد الهلالي. والبزعة يزعمون أنهم جاءوا أصلا من شمال إفريقية، ولا نعرف إن كانوا من الحلف الهلالي الذي جنح إلى المغرب أو كانوا من غيره، وبنو جرار يربطون نسبهم بالبزعة. أما التأثير القصصي للهلالية في السودان، فهو عام في الشرق والغرب، كما قلنا. ويتمثل فيه أبو زيد مغامراً طوافا، خبيرا بمسالك السودان ومجاهله، بطلا شجاعا يضرب به المثل فيقال " فارس هلاله " ويتمثل به الشعراء في مدح أبطالهم. وله قصص في الحب جعلوا مسرحها في السودان. وربط رواة السودان بين " أحمد سفيان " مؤسس أول سلطنة إسلامية في دارفور، وبين أبي زيد، فزعموا أن أحمد هو أخو أبي زيد، وأن أباهما هو الأمير رزق الذي لعب دورا في قصة أبي زيد الهلالي، وأن رزقا هذا في بعض الروايات هو جد قبائل الرزيقات، في غرب السودان. وإلى جانب هذا الطابع المحلي في التاثير القصصي، نجد الرواة يعرفون القصة الشائعة في سائر الأقطار العربية، ويقصونها في المجالس. بطون في صعيد مصر والوجه البحري، ولا تزال قرى تحمل اسمهم في مصر. ففي الصعيد فزارة التابعة لمديرية جرجا، والفزارية التابعة لمنفلوط. ويبدو من دراسة المجموعة الفزارية في السودان أن لبعضها - على الأقل - صلة ببني هلال. ففي روايات دار حامد، أن جدهم حامداً حين قدم إلى غرب السودان، لقي أبا زيد الهلالي، فاستشاره في المكان الذي يتخذه مقاما له، فأشار عليه بسكنى بقعة معينة في كردفان. والزيادية ينتسبون إلى اليوم إلى أبي زيد الهلالي. والبزعة يزعمون أنهم جاءوا أصلا من شمال إفريقية، ولا نعرف إن كانوا من الحلف الهلالي الذي جنح إلى المغرب أو كانوا من غيره، وبنو جرار يربطون نسبهم بالبزعة. أما التأثير
стр. 108
القصصي للهلالية في السودان، فهو عام في الشرق والغرب، كما قلنا. ويتمثل فيه أبو زيد مغامراً طوافا، خبيرا بمسالك السودان ومجاهله، بطلا شجاعا يضرب به المثل فيقال " فارس هلاله " ويتمثل به الشعراء في مدح أبطالهم. وله قصص في الحب جعلوا مسرحها في السودان. وربط رواة السودان بين " أحمد سفيان " مؤسس أول سلطنة إسلامية في دارفور، وبين أبي زيد، فزعموا أن أحمد هو أخو أبي زيد، وأن أباهما هو الأمير رزق الذي لعب دورا في قصة أبي زيد الهلالي، وأن رزقا هذا في بعض الروايات هو جد قبائل الرزيقات، في غرب السودان. وإلى جانب هذا الطابع المحلي في التاثير القصصي، نجد الرواة يعرفون القصة الشائعة في سائر الأقطار العربية، ويقصونها في المجالس.
стр. 109
الهوارة: تدفقت قبائل الهوارة على صعيد مصر الأعلى في نهاية مرحلة الأحلاف، ودخلت منهم موجات في السودان منذ ذلك الحين إلى عهد قريب. والهوارة الذين يعيشون الآن في شمال السودان هم بقايا هوارة مصر. والشواهد على ذلك ناطقة، ذكر بعضها ما كما يكل. ويروي هوارة السودان أنهم نزحوا من صعيد مصر، من منطقة إسنا. وهم في معظمهم بدو رحل، وقليل منهم يستقرون على ضفاف النيل في دنقلة. وفي فصل الأمطار ينتقل الهواوير الرحل بقطعانهم إلى الغرب، ويرعون مع الكبابيش من وادي الكلب إلى حدود دارفور، ثم يعودون إلى الشرق في فصل الجفاف. وهناك قسم آخر من الهوارة، يقيمون الآن بالقرب من الأبيض، في كردفان، حول خمى وأم دليكة وغيرهما. ويروون " أنهم بطن من قبيلة الهواوير، وأن أجدادهم عاشوا في صعيد مصر، وأنهم كانوا بيض الألوان، وأول من قدم منهم إلى الجنوب ونزل كردفان، رجل اسمه الحاج عيسى ود محمد ود منصور، كان تاجرا جوالا، من منفلوط، بالقرب من أسيوط، فرحل إلى كردفان، وتبعه آخرون من تجار هوارة، وتجمعت منهم طائفة ممن هاجروا من مصر، فسموا " جلابة هوارة " " ولقى الجيل الأول من هؤلاء بعد الحاج عيسى بعض المتاعب في كردفان، فعزموا على الرحيل إلى مصر بزعامة ابن الحاج عيسى واسمه " الحاج محمد أبو مِنانة ". وبعد أن قطعوا شوطاً في رحلتهم، استغرق يوماً كاملا، بلغوا قرية " دوم الخاتراب " بالقرب من " شريم " حيث لقيهم أهل المنطقة وأقنعوهم بالبقاء معهم، وولوا الشيخ محمد فقيهاً " بلغتهم: فكي " لقريتهم. وبعد وفاة الحاج محمد، رجع قومه إلى خُمى وبقوا فيها. وقد ظهرت بعض الفوارق في السحنة بين بدو الهوارة وجلابة الهوارة، على مر الزمن، فقد كان جلابة الهوارة أكثر امتزاجاً بالعناصر الزنجية من أقربائهم البدو.
стр. 110
القرشيون: تتمثل قريش، بمختلف فروعها، في عرب السودان، ففيهم البكريون والعمريون والزبيريون والطالبيون والعباسيون والأمويون. ويرى أحد نسابة السودان المعاصرين تقسيم العرب في السودان إلى ثلاثة أقسام هم: جهينة والطالبيون والعباسيون. فالطالبيون أكثرهم في السودان يجتمعون في ركاب ابن غلام الله بن عائذ. والعباسيون تجمعهم قبائل جعل أي الجعليين. ويذكر نعوم شقير " أن أهم الأصول التي يرجع عرب السودان إليها في أنسابهم هي: بنو أمية وبنو العباس وجهينة والزبير بن العوام وجعفر الطيار " ابن أبي طالب "، وأن معظمهم ينتسب إلى جهينة وبني العباس إلا أن المنتسبين إلى جهينة أكثر ". ولا شك أن فئات من القرشيين في السودان قد اندمجت في مجموعات أخرى بالحلف أو المصاهرة. وربما كان هذا من أسباب اختلاف النسابين في نسب المجموعة الواحدة أحياناً، فبعضهم ينسبهم إلى قريش، وبعضهم ينسبها إلى جهينة أو ربيعة أو مضر " من غير قريش ". وليس الاختلاف في رواية هذه الأنساب، هو دائما وليد جهل أو خطأ، ولسنا ممن يذهبون إلى الشك في هذه الأنساب جملة وتفصيلا، بل نعدها - إلى حد ما - مادة قد تهدينا إلى " نوع الحلف " الذي تألفت منه القبيلة أو المجموعة. فالشكرية - مثلا - ينسبون في روايات مختلفة إلى جهينة وفزارة أو جعفر بن أبي طالب. وهذا لا يعني أن هذه الروايات غير صحيحة جملة وتفصيلا، وإنما هي في نظرنا علامة قد تفيدنا في احتمال أن يكون هناك جماعات من هذه الأصول الثلاثة قد اندمجت في زمن ما، أو أزمان مختلفة في مجموعة الشكرية. وقد نزحت جماعات من قريش إلى السودان في فترات مختلفة في مرحلة الأحلاف وربما جاء معظمهم من وادي النيل، وقليل منهم جاء من طرق أخرى كالطريق الليبي وطريق البحر الأحمر. ويحدثنا القريزي أن أولاد أبي بكر ﵁ كانوا من جملة العرب الذين اشتركوا في غزو بلاد النوبة أيام السلطان قلاوون وفي السودان " نجد المسلمية " هي القبيلة الوحيدة التي تنتسب إلى أبي بكر الصديق ﵁، وكثير منهم يسمون أنفسهم البكرية مبتعدين بنسبهم عن كل من الجعليين والجهنيين، وهم يعيشون في الجزيرة حيث سمي أحد المراكز باسمهم، وعلى ضفتي النيل
следующие страницы →