← Тараджим

Тараджим · id 9229

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور

زينب فواز

Полный текст (532 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أما "نابوليون" فبقي يكاتبها ولم تمنع غيرة "ماريا لويزا" زيارته لها وبعد اقترانهما بأكثر من سنة ولد ملك لرومية. وفي نفس المساء الذي وصل هذا الخبر إلى "جوزفين" كتبت رسالة لطيفة إلى "نابوليون" تهنئه بالمولود وهذه خلاصتها: " سيدي, هل يمكن صوت امرأة ضعيفة أن يصل أذنيك في وسط التهاني الكثيرة الآتية إليك من كل جهات أوروبا ومدن فرنسا وأفراد جيشك, وهل تتنازل للإصغاء إلى التي طالما سلت أحزانك وخففت أوجاعك فتتكلم معك عن الفرح العظيم الذي به تحققت كل أمانيك أو تتجاسر التي ليست بعد امرأتك أن تهنئك بأنك صرت والدا. نعم سيدي, لا شك أن من القلب إلى القلب دليلا وأنا أعرف قلبك ولا أظلمك كما أنك أنت تعرف قلبي وأنني أقدر أن أحس معك كما أنك أنت الآن تحس معي ونحن الآن مشتركان بتلك المعاطفة التي تفوق كل شيء وإن كنا مفترقين. كنت أشتهي أن أسمع منك أنت ميلاد ملك رومية, وليس من أصوات المدافع أو والي المقاطعة غير أني أعلم أن واجباتك الأولى هي للمملكة ولسفراء الدول الأجانب ولعائلتك, وعلى الخصوص للأميرة السعيدة التي بلغتك أمانيك. نعم, إنها لا تقدر أن تكون محبة لك أكثر مني ولكنها تمكنت من إتمام سعادتك أكثر مني إذ ولدت هذا الولد لفرنسا, ولذلك كان لها الحق الأول لعواطفك الأولى ولكل اعتنائك. وأما أنا فلم أكن إلا رفيقة لك في أيام الصعوبات, ولذلك فلا أطلب من فؤادك إلا مكانا بعيدا جدا عن المكان الذي تحله الإمبراطورة "لويزا" وغاية ما أؤمله الآن تأخذ قلمك وتتحادث قليلا مع أعز صديقة لك, ولكن ليس قبلما ينتهي سهرك بجانب سرير امرأتك, ولا قبلما تتعب من معانقة ولدك وها أنا ذا بالانتظار. أما أنا فيعتذر علي الإبطاء في إخبارك بأني أفرح لفرحك أكثر من كل إنسان في العالم وأنت لا تشك في خلوص محبتي وصدق كلامي وأنا آسفة على شيء واحد وهو أني لم أفعل حتى الآن ما به الكفاية لأبين لك مقدار حبي لك، وأني لم أسمع شيئاً عن صحة الإمبراطورة سأتجاسر أن أتكل عليك يا سيدي بقدر أملي بك أن اسمع منك عن هذه الحادثة العظيمة التي حصلت دوام الاسم الشريف الذي أنت تمثله وأن "أيوجين" و"هورتنس" سيكتبان لي مفصلا عن ذلك، ولكني منك أشتهي أن أسمع إذا كان ابنك حسناً أو إذا كان يشبهك أو إذا كان يؤذن لي في رؤيته يوما ما، وبالاختصار إني انتظر منك ثقة غير محدودة وعلى ذلك سيدي لي حقوق بالنظر إلى محبتي غير المحدودة التي لا تتغير ما دمت حية". فلما انتهت جوزفين من كتابة هذه الرسالة أرسلتها إلى "نابوليون" ولكنها لم تفتح الباب لترسل رسالتها حتى وقف أمامها رسول "نابوليون" وبيده رسالة منه يبشرها فيها بالمولود فأخذتها "جوزفين" منه وذهبت بها إلى غرفة منامها وبعد نصف ساعة رجعت إلى أصحابها وقد احمرت عيناها من البكاء ورسالة "نابوليون" في يدها ملطخة الدموع، فدفعت إلى رسول الإمبراطور رسالة أخرى كانت قد كتبتها جوابا للإمبراطور على رسالته وأعطته دبوسا من ألماس وألف ريال من الذهب علامة على اعتبارها قيمة البشرى التي حملها إليها، وبعد أن صرفت الرسول أخذت رسالة الإمبراطور وتلتها على أصحابها الحاضرين. ولم ينقطع الإمبراطور بعد ذلك عن زيارة "جوزفين" بل كان يذهب إليها كالأول، ودبر طريقة تمكن بها من تقديم الولد على يديه لها حتى تراه، وكان ذلك في المضرب الملوكي قرب باريس وقد ذكرت "جوزفين" بعد ذلك في

стр. 142

إحدى رسائلها إلى "نابليون" أن تلك الدقيقة التي رأته فيها حاملا ولده على يديه كانت أسعد ما لاقته في حياتها لأنها كانت أوضح علامة أظهر فيها محبته الأكيدة لها. أما الغرفة التي كانت منام "نابوليون" في "ملمازون" قبل انفصاله عن "جوزفين" فبقيت كما كانت، وكان مفتاحها مع "جوزفين" وكانت هي تذهب إليها يوميا وتنزع الغبار عن أداوتها وأثاثها ولم تسمح ألبته بتغيير شيء أو نقل شيء من مكانه، وكانت في ألو مدة إتيانها إلى "ملمازون" حزينة كئيبة، وعلامات الكدر والغم تلوح على وجهها على الدوام فأعطاها "نابوليون" قصر "نافار" كان حواليه منتزهات فسيحة تجري فيها الأنهار الصافية وتغرد في أشجارها الطيور الجميلة. وكان هذا القصر أحد القصور الملكية وهو قائم في وسط غابة "إفري" الشهيرة وكان قد تعطل قليلاً في مدة الثورة فأعطى "نابوليون" "جوزفين" ٣٠٠ ألف ريال لترميمه وإصلاحه فرممته وأصلحته وحسنت فيه أشياء كثيرة حسب ذوقها حتى جعلته كجنة عدن، وصارت تفضله على "ملمازون" وبعد أن نقلت إليه بأيام قليلة كتبت إلى "نابوليون" الرسالة الآتية: "سيدي، تشرفت هذا الصباح برسالتك العزيزة التي كتبتها إلي مساء اليوم الذي تركت فيه "سنت كلود" وقد بادرت إلى إجابتك عما فيها من المواضيع اللطيفة الحبية. والحق أن هذه المواضيع تدهشني، ولكن ما أدهشني غير سرعتها، فإنه ليس لي هنا سوى خمسة عشر يوماً فتأكدت فيها أن محبتك لي تطلب تسليتي وتعزيتي حتى في الوقت الذي نحن فيه منفصلان الانفصال الذي كان لا بد منه لراحتنا كلينا ويقيني أن حسن اعتنائك بي والتفاتك إلي يتبعاني حيث كنت ويعزياني. والآن لم يعد لي شيء أشتهيه بعد اختيار محبة كانت مشتركة وآلام محبة ليست بعد مشتركة، وبعد التمتع بكل السرور الممكن للقوة غير المتناهية أن تمنحه، وبعد أن نلت كل السعادة بنظري على الإنسان الذي أحبه فوق جميع الناس. نعم، إنني لا أشتهي شيئا سوى السكون والراحة وهكذا فإني الآن لا أرى أن لي شيئا من دواعي الحياة سوى عواطفي الحبية نحوك ومحبتك لأولادي والأمل أنه ربما يمكنني أن أفعل بعد شيئا من الخير يؤل على راحتك وسعادتك، لذلك لا تأسف معي لأني هنا بعيدة عن البلاط الذي يظهر أنك تظن أني أتحسر عليه فإني هنا في "نافار" محاطة بأحباء أعزاء وحرية لا تباع أميالي في الفنون وإني أجد نفسي أحسن مما لو كنت في أي مكان آخر. وعندي هناك كثير للعمل لأني أرى حوالي علامات الخرائب التي أحدثتها الثورة الهائلة وسأبذل جهدي لأزيل آثارها من هذا البناء، كما أن سعادتك علمت الناس أن ينسوها، وإصلاح هذه الخرائب ومساعدة المساكين حولي يسراني أكثر من تملق سكان البلاط وما يظهرونه من التصنع والتكلف. إني أخبرتك سابقا عن كل أعضاء هذا البيت ولكني لم أخبرك ما به الكفاية عن سيادة المطران "بورليايرفاني" كل يوم أتعلم منه أمورا جديدة تجعل اعتبار الإنسان الذي يقرن عمل الخير بالسيرة الممدوحة يعظم في عيني، وسأتكل عليه في توزيع صدقاتي في "إفري"، ولما كان هو سيوزعها على الفقراء كنت على ثقة أنها ستوزع على الجميع بالسواء. سيدي، إني لا أقدر أن أقوم بالشكر الواجب لك لأجل الحرية التي متعتني بها في انتخاب أعضاء بيتي الذين يزيدون جميعا في بهجة عيشي البيتية، وليس ما يحسرني ألبتة سوى شيء واحد وهو رسمية اللباس هنا في

стр. 143

البرية إلى أن تقول، وإني الآن ألقب بشريفة ليس لأني توجت إمبراطورة لفرنسا بل لأني كنت مختارتك وليس لي قيمة من دون ذلك وحسبي هذا الفخر لتخليد اسمي أما زواري في هذه المدة المتأخرة فأكثر مما كانوا قبلا ويسرني منهم إعجاهم وافتخارهم ب "نابوليون" وبالجملة فإني أجد نفسي كأني في بيتي وأنا في وسط هذا الغاب، لا تنسى صاحبتك، واذكر لها أحيانا أنك حافظ لها جزءا من محبتك لتنتعش روحها به وكرر لها الكلام عن سعادتك، وتأكد أن مستقبلها سيكون مستقبل سلام كما أن الماضي كان مشؤوما بالأحزان والأكدار. وقبل ذهاب "نابوليون" إلى ساحات "روسيا" المهلكة ذهب إلى "جوزفين" وقضى معها ساعتين من الزمان في الجنينة يحادثها بما كان أمامه، وكانت "جوزفين" تحذره من مباشرة هذا العمل الخطير، ولكن ثقته بالنجاح أقنعتها وجعلتها تسلم معه. وفي الختام قبل يدها ونهض للذهاب فرافقته إلى العجلة ولكن لم يمض طويل من الزمن حتى رجع "نابوليون" من "موسكو" فوجد أن كل أوروبا متجندة عليه ومتقدمة نحو عاصمته فذهب في وسط هذه المخاطر إلى "جوزفين" وطلب مواجتها وكانت هذه المواجهة الأخيرة. وفي نهاية هذه الزيارة الأخيرة شخص إليها برهة ساكتا وعلامات الحزن على وجهه ثم قال: "يا جوزفين إني كنت سعيدا كأسعد الناس عاش على وجه الأرض، ولكني في هذه الساعة عندما أرى عواصف تتجمع فوق راسي ليس لي في كل هذا العالم الواسع أحد إلا أنت التي ألتفت إليها وأستريح". وفي أعظم هذه الاضطرابات والانزعاجات الهائلة التي لم يسطر أعظم منها في تاريخ البشر كانت أفكار "نابوليون" دائما عند "جوزفين" رفيقة صباه، وكان يكتب إليها كل يوم تقريرا ويعلمها بالحوادث الجارية ويخبرها عن أحواله والرسائل التي كتبها إليها من مبادئ تلك الحروب، ومن ساحات القتال كانت ألطف وأرق ما كتب لها في حياته فإن المصائب والنكبات كانت قد دمثت أخلاقه حتى في تلك الأيام المضطربة عندما كان يحارب الجيوش الجرارة وكان عرشه آخذا في التقلقل تحت قدميه كانت رسالة من "جوزفين" تنعش روحه مهما كانت شواغله عظيمة. أما الجيوش المتحالفة فكانت آخذة في الاقتراب من باريس وكانت "جوزفين" مهمومة مغمومة بسبب ما حل ب "نابوليون" وكانت هي وكل سيداتها في "ملمازون" يقضين أكثر أوقاتهم في إعداد خيوط الكتان للجرحى الذين ملأوا المستشفيات، وأخيرا لما اقتربت جيوش الدول المتحالفة من "ملمازون" وصار بقاء "جوزفين" هناك من الأمور الخطيرة ركبت عجلتها وسارت إلى "نافار" وذعرت من أصوات العساكر ثلاث مرات في طريقها إذ كانت على مسافة غير بعيدة منها، وبعد أن قطعت نحو ثلاثين ميلا من طريقها انكسرت عجلتها وفي نفس ذلك الوقت رأت أمامها عصبة من الخيالة أتت نحوها فظنتها من عساكر الأعداء، ومن شدة خوفها تركت عجلتها وصارت تركض مع سيداتها في الحقول وكان المطر يهطل حينئذ وعبد أن سرن مسافة أدركن غلطهن ووجدن أن هؤلاء الفرسان فرنسيون، وبعد أن أصلحت العجلة ركبت ثانية وهكذا حتى وصلت "جوزفين" بالسلامة إلى "نافار" وكانت ساكتة في معظم الطريق لا تفوه ببنت شفة. وبعد أن أقامت عدة أيام في "نافار" قلقلة مضطربة البال تنتظر الأخبار عن "نابوليون" أرسل إليها الإمبراطور "إسكندر" إمبراطور الروس خفراء يحرسونها من الاعتداء عليها لأن مئات الألوف من العساكر كانت حينئذ منتشرة في كل تلك الجهات، وقد ألقت الرعب في قلوب سكان تلك النواحي. وكانت جوزفين حينئذ مغمومة حزينة لما الم ب "نابوليون" كانت تقضي كل أوقاتها إما بالكلام عنه، وإما بتلاوة رسائله فإنه كان يكتب إليها بلا انقطاع ويخبرها بأحوال الحرب وبفراره من مكان إلى آخر، ولكن

стр. 144

كثيرا من هذه الرسائل لم يصل إليها لأن العساكر المحتلة التي كانت تمسكها عنها وآخر رسالة وصلت إليها قبل الأخيرة كانت من "بريان" يخبرها فيها بما جرى له وبالعصبة القليلة من العساكر الباقية له وأرسل في كتاب آخر يقول: "إني عندما أتذكر أيام شبابي وأقابل سلام تلك الأيام التي مرت علي بالأتعاب والمخاوف التي أتجرعها الآن أركه الحياة وقد سبق لي مرارا كثيرة أنني طلبت الموت بطرق مختلفة ولا يجب أن أخافه الآن وأنا أرى أن موتي الآن يكون بركة، ولكني أريد ثانية أن أرى جوزفين". فلما وصلت هذه الرسالة إلى "جوزفين" لم تقطع الأمل من نجاح "نابوليون" بل أملت أن الإنسان الذي كان كيفما توجه يلاقي النصر والنجاح لا بد من أن يفوز أخيرا ولو كان حينئذ متقهقرا، وكان ذلك رجاءها إلى أن وصلت إليها الرسالة الآتية: "عزيزتي جوزفين -كتبت إليك في الثامن من هذا الشهر ولكن ربما لم يصل كتابي إليك. القتال قائم على ساق وقدم، وربما كان إبطاله ممكنا، وينبغي تجديد المفاوضات والمراسلات الآن، وقد دبرت كل أموري ولا شك أن هذه التذكرة تصل إليك ولا أحتاج أن أكرر ما ذكرت لك سابقا وقد رثيت وقتئذ لحالي، وأما الآن فإني أهنئ نفسي لأجلها. إن راسي وقلبي قد تخلصا من ثقل عظيم، سقطتي عظيمة، ولكن ربما تكون مفيدة - كما قال البعض- وسأبدل القلم بالسيف في تقهقري، وسيكون تاريخ ملكي غريبا. العلام إلى الآن لم يرني كما أنا ولكنني سأريهم نفسي تماما، ولكن ماذا فعل هؤلاء لي إنهم خانوني جميعا إلا "أيوجين" الذي يستحقك ويستحقني -والآن أستودعك الله يا عزيزتي جوزفين، سلمي كما أني أنا أيضا مسلم ولا تنسي الذي لا ينساك ولن ينساك مدى العمر أستودعك الله ثانية يا جوزفين". فلما وصلت هذه الرسالة إلى "جوزفين" تكدرت كدرا عظيما وسكبت دموعا غزيرة حتى إذا سكن روعها قليلا قالت: "لا يجب أن أبقى هنا فإن حضوري لازم للإمبراطور. نعم، إن ذلك من واجبات "ماريا لويزا" أكثر مما هو من واجباتي ولكن الإمبراطور وحده ولا يجب أن أتخلى عنه. نعم، إنه كان في غنى في أوقات سعادته، وأما الآن فلا بد أن يكون في انتظاري". ولما فرغت من هذا الكلام سكتت وتأملت قليلا، ثم التفتت إلى الموكل على بيتها وقالت له: "ربما أعوق الإمبراطور عن أعماله إذا ذهبت، وربما يضطر أن يغير مقاصده لأجلي، أنت ستقيم معي هنا حتى أستخبر من الملوك المتحالفين فإنهم سيحترمون المرا' التي كانت زوجة ل "نابوليون". نعم، إن الملوك المتحالفين ذكروا "جوزفين" وعرفوها فإن سمو تصرفها عند طلاق "نابوليون" لها كان قد ملأ أوروبا حيرة واندهاشا، وقد كتب إليها الملوك المتحالفون يظهرون شعائر احترامهم وطلبوا منها أن ترجع إلى "ملمازون"، ووكلوا عددا وافرا من الحراس بوقايتها، ومن ذلك الوقت كان منتداها مزدحما بالملوك والأشراف الذين أتوا ليقدموا لها الاحترام على فضائلها الكثيرة، وأول من فعل ذلك كان الامبراطور "إسكندر" إمبراطور الروس، فإنه قال عند أول مواجهة لها: "يا سيدة إني كنت ملتهبا بنار الشوق لمعرفتك فإني من يوم دخلت فرنسا لم اسمع اسمك يذكر إلا بالبركة وقد سمعت خبر أعمالك الملائكية من أحقر البيوت إلى أعظم القصور ويسرني أن أقدم لجلالتك احترامات الجمهور التي أنا حاملها".

стр. 145

أما "ماريا لويزا" فلم تكن مفكرة إلا بنفسها وقد أبت أن تصحب "نابوليون" في انحطاطه، وأما "جوزفين" فكتبت إليه رسالة تقول فيها: "إني أقدر أن أتصور الآن مقدار مصيبة انفكاك اتحادنا الذي فكته الشريعة وإني الآن أندب حظي ويشق علي أنني لست صديقة لك. ومن لا يحزن ويقطر قلبه دما عند حلول مصيبة هذا مقدارها. آه يا سيدي، حبذا لو كان بوسعي أن أطير غليك وأؤكد لك أن البعد لا يغير إلا ذوي العقول السخفية ولا يستطيع أن يلاشي محبة خالصة زادت المصائب قوتها. لقد أوشكت أن أترك فرنسا وأتبع خطواتك وأخصص لك بقايا حياة أنت زينتها لو كنت أعلم أني أنا الوحيدة التي ستتم واجباتها باتباعك لكنت أذهب على ذلك المكان الوحيد الذي فيه سعادتي وأسليك في وحدتك وتعاستك، قل كلمة واحدة وأنا أذهب حالا، وأما الآن فأستودعك الله يا سيدي لأني مهما زدت على ذلك قليلا جدا، وعواطفي بعد الآن لا تبرهن لك بالكلام بل بالعمل وأرجو أن تسلم بذلك لأنه ضروري". وبعد كتابة هذه الرسالة بأيام قليلة تناول الإمبراطور "إسكندر" وبعض أصحاب الألقاب والرتب طعاماً مع "جوزفين" وفي أول المساء خرج الجميع بنور الشفق إلى خارج وخرجت "جوزفين" معهم، وكانت صحتها منحرفة بسبب الأحزان والأكدار فشعرت بزكام شديد وجعل يزداد يوما فيوما وتنحط معه صحتها وقوتها حتى حكم الطبيب بدنو أجلها، وكان ولداها "أيوجين" و"هورتنس" لا يفارقانها ليلا ولا نهارا، وأخبراها بكلام الطبيب فتلقت تلك البشرى بفرح وسرور وسألت حضور قسيس فحضر وأتم الفروض الدينية، ثم دخل عليها الإمبراطور "إسكندر" فرأى ولديها "أيوجين" و"هورتنس" جاثيين عند فراشها وقد غسلتهما الدموع فأومأت "جوزفين" إلى الإمبراطور أن يقرب منها، فلما اقترب قالت له ولأولادها: "كنت دائما أشتهي سعادة فرنسا وقد فلت كل ما في طاقتي لأجل ذلك وها أناذا أقول لكم في الدقيقة الأخيرة من حياتي أيها الحاضرون الآن إن امرأة "نابوليون الأول" لم تسبب مطلقا انسكاب دمعة واحدة من عين واحدة". ثم طلبت صورة الإمبراطور، فلما أحضروها التفتت إليها وعلامات الرقة والمحبة تلوح على وجهها ثم أخذتها وقربتها إلى صدرها ووضعت يديها فوقها وصلت قائلة: "اللهم أحرس الإمبراطور مدة بقائه في صحراء هذه الدنيا واأسفاه إنه ارتكب غلطات فاحشة ولكنه لم يعوض عنها بآلام عظيمة، وأنت وحدك أيها الإله قد عرفت قلبه وعلمت أنه كان في نفسه أميال شديدة على صلاح أشياء كثيرة، فتنازل واصغ إلى تضرعي الأخير. واجعل هذه الصورة صورة زوجي تشهد أن رغبتي وصلاتي الأخيرة كانتا لأجله ولأجل أولادي". وكان ضلك في التاسع والعشرين من شهر أيار (مايو) سنة ١٨١٤م، وكانت الشمس قد قاربت الغروب فألقت بعض أشعتها المذهبة من نوافذ غرفة "جوزفين" المفتوحة، وكان النسيم اللطيف يتلاعب بالأشجار والطيور تغرد فيها. وبين حفيف الأشجار وتغريد الأطيار القت "جوزفين عينيها على صورة "نابوليون" وأسلمت الروح، فلما رأى الإمبراطور "إسكندر" أنها قد فارقت الروح قال والدموع تتساقط من عينيه: "ليست بعد تلك المرأة التي سمتها فرنسا: "محبة الخير، وملاك الصلاح"، وكل هؤلاء الذين عرفوا "جوزفين" لا ينسونها فإنها ماتت وتركت الأسف الشديد لأولادها ولأصدقائها ومعارفها". وبعد موتها بأربعة أيام احتفل بجنازتها، وكان ذلك في الثاني من حزيران (يونيو) عند الظهيرة فأخذوها

стр. 146

من "ملمازون" إلى "رويل" وواروها بالتراب في دار الكنيسة وقد شهد احتفال الجنازة أعظم ملوك أوروبا وأشرافها، وبعد تمام كل الواجبات ورجوع الجميع بقي ولداها "أيوجين" و"هورتنس" هناك ثم جثوا على قبرها وبقيا برهة يمزجان الصلاة بالدموع، وقد جاء أكثر من عشرين ألف نفس من الأهالي وشاهدوا جثتها وبقولا يترددون عليها مدة أربعة أيام متوالية قبل دفنها. وقد أقام ولدها بعد ذلك نصبا من الرخام الأبيض مثلاها به، وهي لابسة الحلة التي توجت فيها، وقد جثت للتتويج أقامها فوق قبرها وكتبا عليه هذه الكلمات: "أيوجين وهورتنس لأجل جوزفين". حرف الحاء الحارثية ابن زيد هي بنت زيد بن بدر العرائي والغداني، وكانت من النساء المشهورات بالحماس والافتخار ولها أشعار مقبولة حسنة ومراث بديعة منها ما قالته: صلى الإله على قبر وطهره ... عند الثوبة تسفى فوقه المور زفت إليه قريش نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبور أبا المغيرة والدنيا مغيرة ... وإن من غرت الدنيا لمغرور قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للتنكير تنكير لم يعرف الناس مذ كفنت سيدهم ... ولم يجل ظلاما عنهم نور لو خلد الخير والإسلام ذا قدم ... إذا لخلدك الإسلام والخير قد كنت تخشى وتعطي المال من س ... عة إن كان بيتك أضحى وهو مهجور والناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الاعصاير حبابة جارية يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي هي مولدة مدنية كانت صبيحة الوجه، مليحة النادرة، لطيفة المحاضرة، خفيفة الروح، غردة الصوت، شجية الغناء، ضاربة بالعود أخذت أصواتها عن ابن سريج وابن محرز ومالك وكان يزيد مغرما بالنساء شدد الكلف بهن فهام بها ولا هيام قيس بليلى، وعلقها ولا علوق أبي نواس بجنان، فتهتك وخلع عذاره، وانقطع إليها ليله ونهاره تاركا بين أيديها أزمة دينه ودنياه، فكانت تعزل من تشاء وتولي من تشاء وتحول بينه وبين الصوم والصلاة حتى اشتهر أمره وساء ذكره، ولوقائعه معها فكاهات ونوادر تركناها لكثرة تداولها بين الناس: قيل: إنه نزل معها يوما ببيت راس (وهي قرية من قرى الشام) . فقال: زعم السلف أن الدهر لا يصفو لأحد يوما كاملا، وماذا علي لو غادرت كلامهم نجما آفلا، ثم قال لغلامه: ويحك، لا تمكن أحدا من الوقوف ببابي، ولا تدع إنسانا يخرق حجابي. ثم خلا بحبابة وما برح معها في لهو وطرب، وهزل ولعب، حتى استقام قسطاس النهار فدعا بطبق رمان كأنه شعلة نار أو باقوت تحته بلار أو حب آس غاص بالجلنار فشرقت حبابة بحبة منه ذهبت بروحها إلى عالم العدم، فصاح يزيد صيحة الألم وطارت نفسه بأثرها شعاعا وطفق يعض أنامله جزعا والتياعا، وما فتئ يقبلها وينوح وهو على مثل شوك القتاد حتى سطع ريحها وأدركها الفساد فأودعهوها الثرى حتف أنفه وهو يدمي بثناياه باطن كفه، ومازال يذري بعدها العبرات

стр. 147

ويردد الأنين والسحرات، حتى نزلت به منيته بعدأسبوعين وهو معانق ضريحها فدفن حذاءها ولسان حاله يقول: أموت على إثر الحبيبة ظاعنا ... ليجتمع الروحان في عالم الخلد وكان ذلك في سنة ١٠٥ للهرجة. ومن شعره فيها: أبلغ حبابة أسقى ربعها المطر ... ما الفؤاد سوى ذكراكم وطر إن سار صحبي لم أملك تذكرهم ... أو عرسوا فهموم النفس والهسر ومن شعرها له: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا فما لاعيش إلا ما تلذ وتشتهي=وإن لام فيه ذو الشنان وفندا وكان سبب شراء حبابة أن يزيد قد حج أيام أخيه سليمان فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار وكا اسمها غالية. وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد فردها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: حبابة، فأرسلت فاشترتها ثم صيغتها وألبستها وأتت بها يزيد فأجلستها من وراء الستر، وقالت: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: قد أعلمتك، فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها عنده، فحظيت سعدة عنده، وأكرمها وسعدة هذه بنت عبد الله بن عمر بن عثمان. قيل: وغنت حبابة يوما: وبين التراقي واللهاة حرارة ... وما ظمئت ماء يسوغ فتبردا فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرن. فقالت: على من تخلف الأمة والملك؟ قال: عليك والله، ثم قبل يدها. فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك. حبيبة هانم بنت علي باشا الهرسكي من أديبات الأستانة وشاعرات هذا العصر. ولدت سنة ١٢٦٢ هجرية في مدينة "هرسك" وهي نادرة زمانها حازت من الفصاحة والآداب الجزء الاعظم ولها أشعار رائقة ومعان فائقة: ومن بديع شعرها ما وجدته في كتاب مشاهير النساء لمحمد أفندي ذهني باللغة التركية فأدرجته بحروفه: جكردة تبغ غمزه زخمى واركن آثمة يبكانك ... تيراي فاشي باي أرتق تيرد بريميه من كانك نكاه مسكنه جاناكة شابان كوردك اغيارى ... بنه نوباره لرآجدي دونه تبغ هجرانك أو غافل بل خبر نادان عدو به همدم أولمشين ... وصالكدن يزي دورايلدك واراولسون احانك اميدمرحمت قلمق عبثدرسندن أي كافر ... سني بي ذين ديمشلردي ازلدن بوقدر آيمانك حبيبه يى دوادرددن خلاص أولمقده مشكدر ... اميدا يتمز اسيردرد أولانلر غيرى درمانك حبوس ابنة الامير بشير بن محمد الشهابي ابن حيدر بن سليمان بن فخر الدين بن يحيى بن مذحج بن محمد بن جمال الدين ا؛ مد لاذي شهد وقعة "مرج دابق" بين السلطان سليم وقانصوه الغوري. ولدت سنة ١١٨٢ هجرية في الشونصات، وكانت حاذقة، سديدة الرأي، ثابتة الجنان، عالية الهمة، كريمة اليد والنفس. تزوجت بالأمير عباس بن فخر الدين وكانت تجالس الرجال

стр. 148

وتقودهم بفصاحة خطابها وكانت تعول من يلتجئ إليها وتعامله معاملة القريب والصديق وتجاهد في إقامة الحقوق لهم، وإن لم تكن، وأما من لم يكن على غرضها فلم يجد راحة في معيشة، ولو كان صاحب حق وما ذلك غلا لنفوذ سطوتها عند الحكام. وفي سنة ١٢٠٨ هـ جعلها الأمير بشير حاكمة على مقاطعة العرب فأدارت الحكم بفطنة لا مزيد عليها، ولما سجن الأمير بشير وأخوه الأمير حسن والشيخ بشير جنبلاط في سجن أحمد باشا الجزار بعكا أرسلت إلى الأمير بشير أموالا جزيلة، وقامت بأمر عياله، وأخذت تجتهد في استمالة الناس إليه. ولما ولى عبد الله باشا على الجبل الأمير حسن والأمير سليمان الشهابيين إذ تعهد له بزيادة المرتب من المال على الجبل سارت هي برفقة الأمير بشير والشيخ بشير إلى حوران، وكانت تخابرهما في شأن أحوال البلاد. ويروى أنها حاربت العرب إذ تعدوا على دروز حوران واستظهرت عليهم، ثم رجع الأمير بشير إلى ولايته فعادت إلى منصبها، ثم وقع الاختلاف بينها وبين الأمير بشير سنة ١٢٣٧ هـ بعد اعتقال عبد الله باشا وتوسط الأمير بشير أمره في مصر وعوده ظافراً، وكانت متحدة مع الشيخ بشير في مقاومة الأمير بشير فصادره الأمير بشير بعد رجوعه وأتعبه، فلما غلب الشيخ بشير سنة ١٢٤٠ هـ توجهت إلى بشامون فأتى الأمير بشير قاسم التهامي بامر الامير بشير عمر الحاكم ليصادرها في أموالها، وشدد عليها فما لبثت أن ماتت في تلك الأثناء. قيل: حتف أنفها. وقيل: بدسيسة من الأمير بشير وكان عمرها ٥٨ سنة. ودفنت ببشامون وخلفت أولادها الأربعة وهم: الأمير منصور، والأمير أحمد، والأمير حيدر، والأمير أمين. وكانت اعتنت بتربيتهم بعد موت زوجها اعتناءا حتى نبغوا بين الأمراء الشهابيين. حبيبة بنت مالك بن بدر كانت عقل ثاقب، وفكر صائب، ترجع إليها رؤساء قبيلتها بالرأي ويشاورونها في مهام الأمور وكانت بهية الطلعة، حسنة الهيئة، لها بعض أشعار رائقة، ومقالات فائقة. وكان أبوها مالك بن بدر قتل في حرب داحس والغبراء بسبب الرهان المشهور قتله جنيدب أحد بني رواحة فقالت ترثيه: لله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم إن جرى فرسان فليتهما لم يشربا قط قطرة ... وليتهما لم يرسلا لرهان أحربه أمس الجنيدب ندرة ... فأي قتيل كان في غطفان إذا سجعت بالرقمتين حمامة ... أو الرس فابكي أنت فارس كنعان حبيبة بنت عبد العزى العوراء كانت من كرماء النساء المشار إليهن في ذاك الزمان وشاعراتهم الموصوفات، ولقبت بالعوراء لكونها كانت ذات حول في عينها. ومن شعرها في ذلك قولها: أإلى الفتى بر تلكأ ناقتي ... فكسا مناسمها النجيع الأسود إني ورب الراقصات على منى ... بجنوب مكة هديهن مقلد أولى على هلك الطعام ألية ... أبدا ولكني أبين وأنشد وصى بها جدي وعلمني أبي ... نفض الوعاء وكل زاد ينفد فاحفظ يمينك لا أبا لك واحترس ... لا تخرقنه فأره أو جد جد

стр. 149

حدقة جارية الملك الناصر بن قلاون تربت في دار الملك الناصر وتعلمت الغناء والأدب وتدبير المنزل، وتخرجت على "مسكة" القهرمانية، وتعلمت منها جميع ما يلزم للمنازل الملوكية من التدبير. ولما توفيت "مسكة" تولت وظيفتها وقامت مقامها وصارت قهرمانية البيت السلطاني وصاروا يرجعون غليها في الأمور المتعلقة بالأعراس والمهمات وتربية الأولاد وعمرت زيادة عن "مسكة" وبذلك صار لها حظوة عند السلطان وحريمه مسموعة الكلمة منهما، ومن كثرة إحسانها وبرها تقاطر عليها المحتاجون لقضاء حوائجهم، سواء كان عند السلطان أو حرمه أو عندها، وهي لا ترد طالبا ولا ترجع أحدا خائبا. وتقدمت لها هدايا كثيرة من الأمراء والأعيان وكل منهم كان يتمنى رضاها. وقد بنت جملة بنايات خيرية أوقفتها لصرف ريعها في وجوه الخير، وعلى الجامع الذي بنته بخط المريس في جانب الخليج الكبير مما يلي الغرب بالقرب من قنطرة السد التي هي خارج مدينة مصر، وكان انتهاء بناء هذا الجامع في ٢٠ جمادى الآخرة سنة ٧٣٧. ولما توفيت "حدقة" دفنت فيه وقبرها معروفللآن. وأما الجامع فإنه تخرب ولم يبق غير آثاره، وهو غير مقام الشعائر الآن. حسانة النميرية ابنة أبي الحسين الشاعر الأندلسي كانت أحسن نساء زمانها، وأفصحهن مقالا، وأجملهن فعالا، تأدبت وتعلمت الشعر من أبيها، فلما مات أبوها كتبت إلى الحكم أمير الأندلس -وهي غذ ذاك بكر لم تتزوج- بهذه الأبيات: إني إليك أبا العاصي موجعة ... أبا الحسين سقته الواكف الديم قد كنت أرتع في نعماه عاكفة ... فاليوم آوي إلى نعماك يا حكم أنت الإمام الذي انقاد الأنام له ... وملكته مقاليد النهى الأمم لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفا ... آوي إليه ولا يعروني العدم لا زلت بالعزة القعساء مرتديا ... حتى تذل إليك العرب والعجم فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه وأمر لها بإجراء مرتب وكتب إلى عامله على "ألبيرة" فجهزها بأحسن جهاز. ويحكى أنها وفدت على ابنه عبد الرحمن متشكية من عامله جابر بن لبيد والي "ألبيرة"، وكان الحكم قد وقع لها بخط يده تحرير أملاكها، فلم يفدها، فدخلت إلى الإمام عبد الرحمن فأقامت بفنائه وتلطفت مع بعض نسائه حتى أوصلتها إليه، وهو في حال طرب وسرور، فانتسبت إليهن فعرفها وعرف أباها، ثم أنشدت: إلى ذي الندى والمجد سارت ركائب ... ي على شحط تصلى بنار الهواجر ليجيز صدعي إنه خير جابر ... ويمنعني من ذي المظالم جابر فإني وأيتامي بقبضة كفه ... كذي ريش أضحى في مخالب كاسر جدير لمثلي أن يقال بسرعة ... بموت أبي العاصي الذي كان ناصري سقاه الحيا لو كان حيا لما اعتدى ... على زمان باطش بطش قادر أيمحو الذي خطته يمناه جابر ... لقد سام بالأملاك إحدى الكبائر ولما فرغت رفعت إليه خط والده وحكت جميع أمرها فرق لها، وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينه وقال: تعدى ابن لبيد طوره حتى رام نقض رأي الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده ونحفظ بعد موته

стр. 150

عهده انصرفي فقد عزلته لك، ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم فقبلت يده وأمر لها بجائزة، فانصرفت وبعثت إليه بقصيدة منها: ابن الهشامين خير الناس مأثره ... وخير منتج يوما لرواد إن هز يوم الوغى أثناء صعدته ... روى أنابيبها من صرف فرصاد قل للإمام أيا خير الورى نسبا ... مقابلا بين آباء وأجدا جودت طبعي ولم ترض الظلامة لي ... فهاك فضل ثناء رائح غادي فإن أقمت ففي نعماك عاكفة ... وإن رحلت فقد زودتني زادي وبقيت على ذلك مدة حياتها وهي مغمورة بخيراتها ومشهورة بالجود والكرم والأدب والحكم. حفصة ابنة حمدون كانت فاضلة، روض فضلها أريج، وحدائق معلوماتها وأدبها بهيج، وشاعرة رقت وكثر اختراعها للمعاني وإبداعها، تسترق القلوب بألفاظها الزاهرة، وتسكر العقول بمعانيها الساحرة تنظم فتأتي بكل عجيبة وتشنف الأسماع بكل غريبة، وتنثر فتفتض أبكار الدقائق بنظرها الثاقب، وتجلى غياهب المشكلات بفكرها الصائب هي من وادي الحجارة بالأندلس، وهي من أهل المائة الرابعة. ومن شعرها: رأى ابن جميل أن يرى الدهر مجملا ... فكل الورى قد عمهم صيب نعمته له خلق كالخمر بعد امتزاجها ... وحسن فما أحلاه من حين خلفته بوجه كمثل الشمس يدعو ببشره ... عيونا ويغشيها بإفراط هيبته ولها أيضا: لي حبيب لا ينثني بعتاب ... وإذا ما تركته زاد تيها قال لي هل رأيت لي من شبيه ... قلت أيضا وهل ترى لي شبيها ولها تذم عبيدها: يا رب إني من عبيدي على ... جمر الغضا ما فيهم من نجيب أما جهول أبله متعب ... أو فطن من كبر لا يجيب ومن قولها أيضا: يا وحشتي يا وحشتي ... يا وحشة متمادية يا ليلة ودعته ... يا ليلة هي ماهية حفصة ابنة الحجاج الركونية كانت أديبة في زمانها, أبلغ شعراء أوانها شعرا وأدقهم نظرا. شعرها جيد ذات رونق فائق, وديباجة حسنة. وكان لها اليد الطولى في سبك المعاني, واستعمال الألفاظ الشائقة. ولم يكن شعرها مع جودته مقصورا على أسلوب واحد, بل كانت تتفنن فيه وتدخل في أساليب مختلفة, وكانت غزيرة المادة من الأدب مطلعة على شعر العرب الخلص وغيرهم. وكانت تكتب الخط الجيد وهي من أذكياء العرب المشهود لهم بالتفوق والبراعة في مبدأ أمرها كثيرا, وحفظت كثيرا, ولما كبرت وشبت ظهر لها جمال بارع

стр. 151

كانت تبهر العقول به, وكانت حسيبة نسيبة غنية, ذات مال وافر, هويها جملة من أجلاء عصرها وأدباء زمانها, ولم تلتفت لأحد منهم سوى أبي جعفر بن سعيد, وكانت معه على عفة زائدة. وقالت يوما ارتجالا بين يدي أمير المؤمنين عبد المؤمن: يا سيد الناس يا من ... يؤمل الناس رفده أمنن علي بطرس ... يكون للدهر عده تخط يمناك فيه ... الحمد لله وحده وأشارت بذلك إلى العلامة السلطانية عند الموحدين فإنها كانت بكتب السلطان بيده بخط غليظ في رأس المنشور الحمد لله وحده. ومن قولها أيضا في الغزل: ثنائي على تلك الثنايا لأنني ... أقول على علم وأنطق عن خبر وأنصفها لا أكذب الله إنني ... رشفت بها ريقا أرق من الخمر وولع بها السيد أبو سعيد عبد المؤمن ملك غرناطة، وتغير بسببها على أبي جعفر بن سعيد حتى أدى عليه أن قتله، وطلب أبو جعفر منها الاجتماع فمطلته قدر شهرين فكتب إليها: يا من أجانب ذكر اس ... مه وحسبي علامه ما إن أرى الوعد يقضي ... والعمر أخشى انصرامه اليوم أرجوك لا أن ... يكون لي في القيامة لو قد بصرت بحالي ... والليل أرخى ظلامه أنوح شوقا ووجدا ... إذ تستريح الحمامة صب أطال هواه ... على الحبيب غرامه لمن يتيه عليه ... ولا يرد سلامة إذ لم تنيلي أريحي ... فاليأس يثني زمامه فأجابته تقول: يا مدعي في هوى الحس ... ن والغرام الإمامة أتى قريضك لكن ... لم أرض منه نظامه أمدعي الحب يثني ... يأس الحبيب زمامه ضللت كل ضلال ... ولم تفدك الزعامه ما زلت تصحب مذ كن ... ت في السباق السلامه حتى عثرت وأخجل ... ت بافتضاح السآمه بالله في كل وقت ... يبدي السحاب انسجامه والزهر في كل حين ... يشق عنه كمامه لو كنت تعرف عذري ... كففت غرب الملامة ووجهت هذه الأبيات مع موصل أبياته بعدما لعنته وسبته وقالت له: لعن الله المرسل والمرسول فما في جميعكما خير ولا برؤيتكما حاجة، وانصرف بغاية من الخذلان، ولما أطال على أبي جعفر وهو قلق لانتظاره

стр. 152

قال له: ما وراءك يا عصام؟ قال: ما يكون وراء من وجهه خلق إلى فاعلة تاركة. اقرأ الأبيات تعلم، فلما قرأ الأبيات قال للرسول: ما أسخف عقلك وأجهلك: إنها وعدتني للقبة التي في جنت المعروفة بالكمامة، سر بنا. فبادرا إلى الكمامة فما كان إلا قليل وإذا بها قد وصلت وأراد عتبها فأنشدت: دعي عد الذنوب إذا التقينا ... تعالي لان عد ولا تعدي وجلسا على أحسن حالة، وإذا برقعة الكندي الشاعر لأبي جعفر وفيها: أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد ... كتوم عليم باختفاء المراصد يبيت إذا يخلو المحب بحبه ... ممتع لذات بخمس ولائد فقرأها على حفصة فقالت: لعنة الله قد سمعنا بالوارش عليهما فقال لها: بالله سميه لنكتب له بذلك. فقالت: أسميه الحائل لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه فكتب له في ظهر رقعته: يا من إذا أتاني ... جعلته نصب عيني نراك ترضى جلوسا ... بين الحبيب وبيني إن كان ذاك فماذا ... تبغي سوى قرب حيني والآن قد حصلت لي ... بعد المطال بدين فإن أتيت فدفعا ... منها بكلتا اليدين أو ليس تبغي وحاشا ... ك أن ترى طير بيني وفي حنينك في الخم ... ر كل قبح وشين فليس حقك إلا ... الخلو بالقمرين وكتب له تحت ذلك ما كان منهما من الكلام وذيل ذلك بقوله: سماك من أهواه حائل ... إن كنت بعد العتب واصل مع أن لونك مزعج ... لو كنت تحبس بالسلاسل فلما رجع إليه الرسول وجده قد وقع بمتمورة النجاسة وصار هتكة، فلما قرأ الأبيات قال للرسول: ارجع وأعلمهما بحالي، فرجع الرسول وأخبرهما بذلك، فكاد أن يغشى عليهما من الضحك وكتبا إليه ارتجالا كل واحد بيتا، وابتدأ أبو جعفر فقال: قل للذي خلصنا ... من الوقوع في الخرا ارجع كما شاء الخرا ... ابن الخرا إلى الورا وإن تعد يوما على ... وصالنا سوف ترى يا أسقط الناس ويا ... أنذلهم بلا مرا هذا مدى الدهر تلا ... قي لو أتيت في الكرا يا لحية تشق في ال ... مخرا وتنشا العنبرا لا قرب الله اجتما ... عا بك حتى تقبرا

стр. 153

فلما وصلته الرقعة علم أنه ليس مقبولا لديهما، فانصرف من حيث أتى وبقيا يومهما ينتهبان اللذات ويتعاطيان المسرات بدون ريبة تقع من أحدهما حتى آن أوان الانصراف، فانصرفا ولك منهما له نحو صاحبه انعطاف. ومن شعرها: سلام يفتح في زهرة ال ... كمام وينطق ورق الغصون على نازح ثوى في الحشا ... وإن كان تحرم منه الجفون فلا تحسبوا العبد ينساكم ... فذلك والله ما لا يكون وقولها من أبيات: ولو لم يكن نجما كان ناظري ... وقد غبت عنه مظلما بعد نوره سلام على تلك المحاسن من شج ... تناءت بنعماه وطيب سروره وقولها: سلوا البارق الخفاق والليل ساكن ... أظل بأحبابي يذكروني وهنا لعمري لقد أهدى لقلبي خفقة ... وأمطرني منهل عارضة الجفنا ونسب إليها البيتان المشهوران: أغار عليك من عيني ومني ... ومنك ومن زمانك والمكان ولو أني خبأتك في عيوني ... إلى يوم القيامة ما كفاني وكتبت إلى أبي جعفر: رأست فما زال العداة بظلمهم ... زجهلهم النامي يقولون لم رأس وهل منكر أن ساد أهل زمانه جموح إلى العليا حرون عن الدنس وقال ابن رحبة: حفصة من أشراف غرناطة رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر. ومن قولها في السيد أبي سعيد ملك غرناطة تهنئه بيوم عيد وكتبت بذلك إليه: يا ذا العلا وابن الخلي ... فة والإمام المرتضى يهنيك عيد قد جرى ... فيه بما تهوى القضا وأتاك من تهواه في ... قيد الإنابة والرضا ليعيد من لذاته ... ما قد تصرم وانقضى وسألتها امرأة من أعيان غرناطة أن تكتب لها شيئا بخطها فكتبت إليها: يا ربة الحسن بل يا ربة الكرم ... غضي جفونك عما خطه قلمي تصفحيه بلحظ الود منعمة ... لا تحفلي برديء الخط والكلم واتفق أنه بات أبو جعفر معها في بستان بحوز مؤمل على ما يبيت به الروض والنسيم من طيب النفحة والنضارة، فلما حان الانفصال قال أبو جعفر وكان يهواها كما سبق: رعى الله ليلا لم يرح بمذمم ... عشية وارانا بحوز مؤمل وقد خفقت من نحو نجد أريجة إذا نفحت هبت بريا القرنفل وغرد قمري على الدوح وانثنى ... قضيب من الريحان من فوق جدول

стр. 154

يرى الروض مسرورا بما قد بدا له ... عناق وضم وارتشاف مقبل وكتب بها إليها بعد الافتراق لتجيبه على عادتها بمثل ذلك فكتبت إليه قولها: لعمرك ما سر الرياض بوصلنا ... ولكنه أبدى لنا الغل والحسد ولا صفق النهر ارتياحا لقربنا ... ولا غرد القمري إلا لما وجد فلا تحسن الظن الذي أنت أهله ... فما هو في كل المواطن بالرشد فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه ... بأمر سوى كيما يكون لنا رصد وكتبت حفصة إلى بعض أصحابها: أزورك أمتزور فإن قلبي ... إلى ما تشتهي أبدا يميل فثغري مورد عذب زلال ... وفرع ذوائبي ظل ظليل وقد أملت أن تظمأ وتضحى ... إذا وافى إليك بي المقيل فعجل بالجواب فما جميل ... إباؤك عن بثينة يا جميل وقال أبو جعفر بن سعيد: أقسك ما رأيت ولا سمعت بمثل حفصة، ومن بعض ما أجعله دليلا على تصديق عزمي وبر قسمي أني كنت يوما في منزلي مع من أحب أن أخلو معه من الأجواد الكرام على راحة سمحت بها غفلات الأيام، فلم اشعر إلا بالباب يضرب فخرجت جارية تنظر من الضارب فوجدت امرأة فقالت لها: ما تريدين؟ قالت: ادفعي لسيدك هذه الرقعة فجاءت برقعة فيها: زائر قد أتى بجيد الغزال ... مطلع تحت جنحه للهلال بلحاظ من سحر بابل صيغت ... ورضاب يفوق بنت الدوالي يفضح الورد ما حوى منه خد ... وكذا الثغر فاضح للألي ما ترى ف دخوله بعد إذن ... أو تراه لعارض في انفصال قال: فعلمت أنها حفصة وقمت مبادر للباب وقابلتها بما يقابل به من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به، وتفضله بزيارة من دون طلب في وقت الرغبة في الأنس به وفضلنا ليلة لم يسمح لنا بمثلها الزمان ولا لقيصر ولا لكسرى أنوشروان، وبقيت حفصة محافظة على وداد أبي جعفر إلى أن نكب وقتل. وقد رثته بمرات كثيرة لم ير مثلها، ولكون قتل أبي سعيد كان من أجلها لم تتمكن من نشرها، وبقيت بعده مدة طويلة وهي حزينة عليه لا تلتفت إلى السمرات ولا تألف الاجتماعات حتى دعاها داعي المنون فلبت وهي ذات شجون حليمة الحضرية كانت من نساء بني عبس الموصوفات بالعقل والحكمة ولها شعر رائق وروى لها الزبير بن بكار من أبيات رثاء في زوجها: يقر لعيني أن أرى لمكانه ... ذرى عقدات الأجرع المتفاود وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وإن مل السرى كل واحد وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسم الأساود لقد كنت أخشى لو تمليت خشيتي ... عليك الليالي مرها وانفتالها

стр. 155

فأما وقد أصبحت في قبضة الردى ... فشأن المنايا فلتصب من بدا لها حمدونية بنت عيسى بن موسى كانت ذات حسن وجمال، وصيانة وأدب. حجت إلى بيت الله الحرام في زمن المتوكل العباسي. قال محمد بن صالح العلوي: لما خرجنا على المتوكل أخذت أنا وأصحابي قافلة الحاج فجمعنا أموالا ومتاعا لا يحصى، وكنت قد جلست على كرسي في بعض المراحل وقت نزولنا وأصحابي يجمعون المال، وإذا أنا بامرأة قد رفعت سجاف هودج فأضاء منها المكان ولا إضاءة الشمس، فقالت: أين الشريف صاحب السرية فلي إليه حاجة؟ قلت: إنه يسمع كلامك. فقالت: أنا حمدونية بنت عيسى بن موسى، تعلم مكاننا عند الخليفة وأنا أسألك أن تأخذ مني ثلاثين ألف دينار مع أني أعطيتك ما في يدك، ولكن أسألك بفضلك أن لا يكشف لي أحد وجها. فناديت أصحابي، فلما اجتمعوا قلت: من أخذ منكم من هذه القافلة عقالا أذنته بحرب. فردوا حتى الأطعمة وخفرتهم إلى المأمن، فلما ظفر بي الخليفة وحبسني بسر من رأى دخل علي السجان يوما وقال: إن بالباب امرأتين من أهلك تريدان الدخول عليم ولوا أن دفعنا إلي دملج ذهب ما أذنت لهما، فقد منع الخليفة أن يدخل عليك أحد، فخرجت فإذا أنا بها مع امرأة وجارية تحمل شيئاً فلما بصرت بي قالت: أي والله هو، وبكت لما أنا فيه، ثم قبلت قدمي وقالت: لو استطعت أن أقيك بنفسي لفعلت، ولكني لا أقصر في خلاصك ودونك هذه النفقة ورسولي يأتيك في كل يوم بما تريد حتى يفرج الله عنك، ودفعت إلي بخمسمائة دينار وثيابا وطيبا وطعاما وانصرفت وقد أضرمت بقلبي نارا قدحتها النظرة الأولى، فأنشدت: طرب الفؤاد وعاودت أحزانه ... وتشعبت بشعابه أشجانه وبدا له من بعدما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه يبدو كحاشية الرداء ودونه ... صعب الذرى متمنعا أركانه يبدو فينظر أي لاح فلم يطق ... نظرا غليه وصده سبحانه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه يا قلب لا يذهب بحلمك باخل ... بالنيل باذل تافه منانه واقنع بما قسم الإله فأمره ... ما لا يزال على الفتى إتيانه والبؤس ماض لا يدوم كما مضى ... عصر النعيم وزال عنك أوانه ولم يزل رسولها يعاودني بالإحسان وملاطفة السجان إلى أن خرجت وعظم أمري عند الخليفة، فخطبتها، فامتنع أبوها فكان سجن هواها أعظم علي من السجن، فلم أر إلا أن أتيت إبراهيم بن المقتدر فأخبرته بذلك، وكان أبوها في ضيعته، فركب إليه فلم يفارقه حتى زوجني بها وبقينا متمتعين بنعيم عيشنا إلى أن توفيت وأصابني بعدها الحزن والشجون ولابن صالح فيها أشعار كثيرة لم تصل إلي معرفتها. حمد بنت زياد من وادي أشن بالأندلس، وهي خنساء المغرب وشاعرة الأندلس أديبة زمانها، وغريبة أوانها. كان الأدب نقطة من حوضها، وزهرة من روضها، لها المنطق الذي يقوم شاهدا بفضل لسان العرب، ويفتح على البلغاء أبواب العجز، ويسد عليهم صدور الخطب، فإن ا, جزت أعجزت بالمقال، وإن أطالبت كاثرت الغيث

стр. 156

الهطال، مع مطارحة تذهب في الاستفادة مذهب الحكم، وأخلاق تحدث عن لطف الزهر غب الديم مرمى الترنم بذكرها المتعطر بنشر حمدها وشكرها، والنسيم نم بمرآها على الحدائق، والصبح يشرق بنور الشمس الشارق. روت عن العلماء الأفاضل ورووا عنها، ومنهم: العالم العلامة، البحر الحبر الفهامة، أبوالقاسم بن البراق. ومن عجيب شعرها البديع قولها: ولما أبى الواشون إلا افتراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار وشنوا على أسماعنا كل غارة ... وقل حماتي عند ذاك وأنصاري غزوتهم من مقلتيك وأدمعي ... ومن نفسي بالسيف والسيل والنار والبعض يزعم أن هذه الأبيات لبهجة بنت عبد الرزاق، ولكنها لحمد أثبت وأشهر والله أعلم. وخرجت حمد مرة للوادي مع حبيبة لها فرأت الأزهار في جوانبه تتلألأ كأنها نجوم تساقطت من كبد السماء والماء في النهر يتماوج كأنه قطع من لجين ترمقه عيون ذكاء فأعجبها ذلك المنظر البهج، وأحبت أن تخوض بذلك النهر إتماما لترويح النفس خصوصا لخلوه من الناس فنضت عنها الثياب وعامت، ثم قالت: أباح الدمع أسراري بوادي ... له للحسن آثار بوادي فمن نهر يطوف بكل أرض ... ومن روض يروق بكل وادي ومن بين الظباء مهاة أنس ... سبت لي وقد ملكت فؤادي لها لحظ ترقده لأمر ... وذاك الأمر يمنعني رقادي إذا سدلت ذوائبها عليها ... رأيت الأمر يمنعني رقادي كأن الصبح مات له شقيق ... فمن حزن تسربل بالحداد وقولها هذه الأبيات الشهير بالبلاد المشرقية وهي: وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم حللنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظما زلالا ... ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم يروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم حميدة ابنة النعمان بن بشير كانت من جميلات نساء العرب، وأعلمهن بفنون الأدب. وكانت في القرن الأول للهجرة ربيت في حجر أبيها مع أختيها: هند وعمرة، فنشأت هي على عز النفس، وصارت لا يرى لها من قرين يقوافها. ومن عزة نفسها كانت كلما تزوجت برجل ورأت فيه عيبا تهجوه بالشعر حتى خافت من لسانها العرب. ومن ذلك أن الحارث بن خالد لما قدم من المدينة على عبد الملك وهو إذ ذاك بدمشق والنعمان بن بشير وال على حمص فخطبها الحارث من أبيها، فزوجه بها ولم تمكث معه غير قليل حتى أساء معاملتها فقالت فيه: فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه ترى زوجة الشيخ مغمومة ... ولا تمسي بصحبته قاليه

стр. 157

فلا بارك الله في عرضه ... ولا في غضون إسته البالية نكحت المديني إذ جاءني ... فيا لم من نكحة غاوية كهول دمشق وشبانها ... أحب إلينا من الجالية صنانهم كصنان التيو ... س أعيا على المسك والغالية وقمل يدب دبيب الجرا ... د أعيا على الغال والغالية فقال الحارث يجيبها: أسنا ضوء نار ضمرة بالقف ... رة أبصرت أم سنا ضوء برق قاطنات الحجون أشهى إلى قل ... بي من ساكنات دور دمشق يتضوعن لو تضمخن بالمس ... ك صنانا كأنه ريح مرق ولما استحكمت بينهما النفرة طلقها الحارث فخلف عليها روح بن زنباع وعليه كانت الطامة الكبرى. قال صاحب الأغاني: إن قولها: (أحب إلينا منالجالية) تعني الجالية أهل الحجاز، وكان أهل الشام يسمونهم بذلك لأنهم كانوا يجلون عن بلادهم إلى الشام ولما بلغ عبد الملك قولها قال: لولا أنها قدمت الكهول على الشبان لعاقبتها. قال عمر بن شبة: لما تزوجها روح بن زنباع نظر غليها يوما تنظر على قومه بني جذام وقد اجتمعوا عند فلامها فقالت: وهل أرى إلا جذام فوالله ما أحب الحلال منهم فكيف بالحرام وقالت تهجوه: بكى الخز من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيجا من جذام المطارف وقال العبا قد كنت حينا لباسكم ... وأكسيه كرديه وقطائف فقال روح: إن يبك منا يبك ممن يهنينا ... وإن يهوكم يهوى اللئام المقارقا واجتمعت يوما بمجلس فصارت تهزأ به وتضحك عليه ووقعت بينهما مناظرة كان البادئ فيها هو بقوله: أثنى علي بما علمت فإنني ... مثن عليك لبئس حش المنطق فقالت: أثني عليك بأن باعك ضيق ... وبأن أصلك من جذام ملصق فقال: أثني علي بما علمت فإنني مثن عليك بمثل ريح الجورب فقالت: فثناؤنا شر الثناء عليكم ... اسوأ وأنتن من سلاح الثعلب فسكت روح عند ذلك فقالت هي: وهل أنا إلى مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها بغل فإن أنتجت مهرا كريما فبالحرا ... وإن يك إقرافا فما أنجب الفجل فقال روح: فما بال مهر رائع عرضت له ... أتان فبالت عند جحفلة البغل إذا هو ولى جانبا ربخت له ... كما رخت قمراء في دمث السهل وقالت فيه أيضا سميت روحا وأنت الغم قد علموا ... لا روح الله عن روح بن زنباع لا روح الله عمن ليس يمنعنا ... مال رغيب وبعل غير ممناع فقال:

стр. 158

كبائع جونة نجل مخاصرها ... دبابة شثنة الكثين خنباع وقال فيها -وقد دخل عليها وهي في غاية الزينة والطيب-: تكحل عينيك برد العشى ... كأنك مومسة زانيه وآية ذلك بعد الخفوق ... تغلف راسك بالغاليه وإن بينك لريب الزما ... ن أمست رقابهم خاليه فلو كان أسو حاضرا ... لقال لهم إن ذا ماليه وإن كان من قد مضى مثلكم ... فأف وتف على الماضيه وما إن يرى الله فاستبقين ... هـ من ذات بعل ومن جاريه شبيها بك اليوم فيمكن بقي ... ولو كان في الأعصر الخالية فبعدا لمحياك غذ ما حييت ... وبعدا لأعظمك الباليه وقالت له حميدة يوما -وكان أسود ضخما: كيف تسود وفك ثلاث خصال؟ أنت من جذام، وأنت جبان، وأنت غيور. فقال: أما جذام: فأنا في أرومتها وبحسب الرجل أن يكون في أرومة قومه، وأما الجبن: فإنما لي نفس واحدة ولو كان لي نفسان لجدت بإحداهما. وأما الغيرة: فهو أمر لا أحب أن أشارك فيه، وإن المرء لحقيق بالغيرة على المرأة مثلكالحمقاء الورهاء لا يأمن أن تأتي بولد من غيره فتقدمه في حجره. وكان روح يتنارع معها يوما بمثل هذه المنافسات فظهرت عليه فلم يكن يسعه إلا أن قال: اللهم إن بقيت بعدي فابتلها ببعل يلطم وجهها ويملأ حجرها قيئا، فتزوجها بعد الفيض بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل وكان شابا جميلا يصيب من الشراب فأحبته فكان ربما أصاب من الشراب مسكرا فيلطم وجهها ويقيئ في حجرها فتقول: يرحم الله أبا زرعة قد أجيبت دعوته في. وكان السبب في زواجها فيضا هو أنها لما خلعت من روح بن زنباع بقيت زمنا عزبا لا يقدم عليها أحد من أقرانها نظرا لما اشتهرت به من عزة نفسها على الرجال، وبما أن آدابها كانت مشهورة في ذلك الزمان كان الأدباء يتمنون الاقتران بها ويمنعهم من ذلك تسلط لسانها على أزواجها إلى أن قيض الله لها فيض بن محمد الحكم المذكور ولجماله وأدبه تزوجت به، ولم تعلم تهتكه وخلاعته، ولما اتصلت به رأت منه رجلا بخلاف ما رأت من الرجال من سوء خلق وزيادة تهتك وإدمان على شرب المسكرات حتى صار يهينها ويلطم وجهها ويقيء في حجرها، وهناك هجرته وقلته وقالت فيه الأشعار الهجائية وأظهرت مساويه حتى صار عبرة لغيره. ومن أشعارها فيه قولها: سميت فيضا وما شيئا تفيض به ... إلا سلاحك بين الباب والدار فتلك دعوة روح الخير أعرفها ... سقى الإله صداه الأوطف الساري وقالت: ألا يا فيض كنت أراك فيضا ... فلا فيضا أصبت ولا فراتا وقالت: وليس فيض بفياض العطاء لنا ... لكن فيضا لنا بالقيء فياض ليث الليوث علينا باسل شرس ... وفي الحروب هيوب الصدر حياض وولدت من فيض ابنة فتزوجها الحجاج بن يوسف، وقد كان قبلها عند الحجاج أم أبان بنت النعمان بن بشير فقالت حميدة للحجاج:

стр. 159

إذا تذكرت نكاح الحجاج ... من النهار أو من الليل الداج فاضت له العين بدمع ثجاج ... وأشعل القلب بوجد وهاج لو كان نعمان قتيل الأعلاج ... مستوي الشخص صحيح الأوداج لكنت منها بمكان النساج قد كنت أرجو بعض مايرجو الراج ... أن تنكحيه ملكا أو ذا تاج ثم قدمت حميدة بعد ذلك على ابنتها زائرة فقال لها الحجاج: يا حميدة، إني كنت أتجمل مزاحك مدة وأما اليوم فإني بالعراق وهم قوم سوء فإياك فقالت: سأكف حتى أرحل، وكانت وفاة حميدة بالشام بآخر ولاية عبد الملك بن مروان. حنة ألبرت هي "دو ألبرت" ملكة نواره من أعمال فرنسا. ولدت في ناحية "بو" سنة ١٥٢٨م، وتوفيت في باريس سنة ١٥٧٢م كانت ابنة وحيدة ل "هنري الثاني" ملك نواره من زوجته "مرغريتا دو انفوليم" شقيقة "فرانسوا الاول" زفت في ١٥ تموز (يوليو) سنة ١٥٤٠م ولها من العمر ١٢ سنة. تزوجها "غيليوم" روق "كليق","جوليه" وكان ذلك على غير إرادتها وإرادة أبويها فأبطل البابا "بولس الثالث" هذا الزواج. وسنة ١٥٤٨م تزوجت ب "أنتون دو بوربون" دوق "قندوم" وجلست معه على تخت الملك في "نواره السفلى" و"بيرن" عند وفاة أبيها. وكانت مشهورة بجمالها وحذقها، واتبعت مذهب "كلفينوس". بعد وفاة زوجها سنة ١٥٦٢م حافظت على أملاكها ولم تبال بدسائس إسبانيا ورومية ووعيدهما. وسنة ١٥٦٧م أعلنت أن مذهب "كفينوس" هو المذهب القانوني في مملكتها، وانضمت سنة ١٥٦٩م مع ولديها "هنري" و"كاترينا" على كولوني في "لاروشيل" وكانت رياسة فرقة من اللهو ال "هوغنو" وبعد أن قتل "برنس كوندي" كانت تعتبر سندا وحيدا للبروتستانت، وقد بالغ "أوبيني" وغيره من المؤلفين في مديحها بما كان لها من السطوى على الجنود ب "هوغنو" وسلمت رغما عنها بزواج ابنها "هنري" (هنري الرابع ملك فرنسا) ب "مرغرنيا دو فالو" وكان قد سعى في ذلك الزواج كل من "كترنياد" و"مديشي" و"شارل التاسع". وفي تلك الأثناء دعين إلىالبلاط الفرنسوي، فتوفيت فيه وذلك قبل حدوث مذبحة "سنت برتلي" بشهرين وظن جماعة أن سبب موتها سم دسته إليها "كترنياد" و"مديشي" والأرجح أنه اصباها حمى خبيثة قضت بها نحبها ولم تشهد زواج ابنها وكانت كلفت بالآداب والمعارف فبرعت فيها كثيرا ولها تآليف في الشعر والنثر وطبع بالآي بعض أشعارها. حنة اليصابات زوجة ألنبرو ولدت نحو سنة ١٨٠٧م. وهي ابنة الأميرال "دغبي" تزوجت بأرل "ألنبرو" سنة ١٨٢٤م. وسنة ١٨٣٠م هجرت زوجها وهربت على انكلترا مع البرنس "فلكس شورنيرغ" وكان حينئذ سفيرا للنمسا في إنكلترا فصدر قرار من المجلس العالي الإنكليزي بطلاقها من زوجها ولكن لم يدم لها حب عاشقها لأنه تركها وشأنها بعد مدة وجيزة غير أن المجلس العالي عين لها بقراره الصادر بطلاقها مرتبا سنويا وافرا، فصرفت عدة سنين في إيطاليا وغيرها في رغد وانشراح وتزوجت "كنتا" يونانيا، ثم طلقت وصارت إلى الشرق فجعلت تجول فيه. قيل: وبينما كانت سائرة من تدمر إلى دمشق رافقها شيخ من البدو اسمه مجول مع قوم من عربه لحراستها فأغار عليهم وهم في الطريق جماعة من البدو قاصدين غزوهم فصدهم مجول ببسالة لا مزيد عليها فأحبته

стр. 160

لبسالته وأمانته، وطرح نفسه في الخطر حبا فيها ومدافعة عنها فاتخذته زوجا لها على طريقة البدو وبقيت هي على مذهبها تذهب إلى الكنيسة وهو مذهبه يذهب إلى الجامع، ثم اشترت في دمشق بستانا بنت فيه بيتا ظريفا تصرف فيه بعض السنة بعيشة حضرية. وأما البعض الآخر فتصرفه في بيت الشعر لزوجها المذكور بين عربه بعيشة مرضية (وذكر مستر "يريم" في رحلته المعنونة بما ترجمته للسكنى في الخيمة بالأرض المقدسة) إذ زارها سنة ١٨٥٥م، وقد طبع تلك الرحلة في "نيوبرك" من أميركا سنة ١٨٥٧م، وبها تفاصيل لا محل لها هنا ويقال: إنها كتبت سيرتها بيدها ولا بد أن الذين وقفوا على خبرها يميلون إلى مطالعتها. حنة إسكو خاتون إنكليزية من "كنتيه لتلكن" أحرقت في "سمتفلد" في ١٢ تموز (يوليو) سنة ١٥٤٦م كانت ذات عقل ثاب وتعلمت الكتاب المقدس، ثم انحازت إلى "البروستانت"، وكان زوجها "كيم" من أشد الناس تمسكا بالمذهب الكاثوليكي فطردها من بيته، فسارت إلى لندن لتطلب إلى الحكومة أن تقرر انفصالها عنه فأجابتها الملكة "كترنيابار" وكثير من خواتين البلاط الملكي إلا أن نكرانها حضور المسيح بالجسد في الافتخار حمل الحكومة على القبض عليها وإيداعها السجن، وذكر "برنت" أنها بعد عذاب مبرح كتبت محررا نقضت فيه مقالها الأول ولكن ذلك لم ينجها لأنها حبست مرة ثانية في "بنوغات" وطلب إليها أن تشهر أسماء مكاتبيها في البلاط الملكي فلم تفعل مع أنها كانت تعذب على مرأى من حامل أختام الدولة، ولم تستطع الوقوف بعد ذلك العذاب فوضعت في كرسي وطرحت في النار فكان صبرها على عذابها هذا وغيره يذهل الناظرين إليها. حنة ملكة بريطانيا وإرلانده هي آخر من جلس على عرش إنكلترا من عائلة "ستورس". ولدت سنة ١٦٦٤م مسيحية، وتوفيت سنة ١٧١٤م وهي ثاني بنت ل "جيمس الثاني" دوق بورك من امرأته الأولى حنة "هترنيا كلارنيدن" الشهيرة، وكان ولداها كاثوليكيين، وأما هي فتربت على مبادئ كنيسة إنكلترا الأسقفية، وتزوجت سنة ١٦٨٣م بالبرنس "جورج" أخي "كرستيان الخامس" ملك الدنمرك وجعلتها دوقة "مرلبورد" التي كانت تحبها محبة شديدة واتحدث مع الحسب الفائز فكفل لها ولأولادها إنكلترا بأنه لم يكن ل "وليم" و"ماري" عقب، فولدت ١٧ ولدا ولكن ماتوا في سن الطفولية إلا أكبرهم فتوفي وله من العمر إحدى عشر سنة، فلما توفي "وليم" جلست على عرش إنكلترا وذلك سنة ١٧٠٢م. ومع ضعف عزمها تبعت سياسة سلفها في كبح مطامع "لويس الرابع عشر" فتجددت يوم تتويجها المعاهدة الثلاثية لين إنكلترا وهولاندا ضد فرنسا، وأعظم الحوادث السياسية التي زينت ملك حنة هو اتحاد إنكلترا وسكوتسيا وذلك في أيار سنة ١٧٠٧م. وسنة ١٧١٠م أخذت شهرة "مرلبورط" في الانحطاط بعد أن بقي ثماني سنوات في أعلى درجة من الاعتبار والحب عند الملكة، والشعب والمجلس العالي وخسرت أمرأته فقوي حزب السوريين الذين كان منهم في ذلك الوقت أقدر رجال السياسة وأحذق الكتاب ووكل حزب الهويفر قبل سقوطه بمقاومتهم اللاهوتي "ساسيفمر" بل لأنه صرح في وعظه بأن حق الملوك هو من الله وانتصر السوريون في الانتخابات الجديدة، فأقيمت وزارة جديدة تحت رياسة "هرلي"، وصارت "ماشام" ابنة أحد تجار لندن نديمة للملكة، ومدبرة لبلاطها، فعزموا على عقد الصلح وأهملوا الانتفاع بنتائج الحرب وتركوا حلفاء إنكلترا في معاهدة "أسرخت" التي وقع عليها في "أنيسيان" سنة ١٧١٣م، ولم تكن الوزارة

стр. 161

الجديدة متقفة، وكان قد تقرر أن يكون تاجر إنكلترا بعد موت حنة بدون عقب لسوقيا أكبر بنات "جمس الأول"، وحاول جماعة أن يرروا ذلك لاخيها ابن "جيمس الثاني" فساءت الملكة أعمال وزرائها واختلافاتهم فماتت فجأة، وإذا كان موتها قبل أن أكمل "بلولفبروط" تدابيره نشأ عنه تقرير سلالته بروتستنتينية لإكلترا بسلام ولم تكن حنة شديدة الحزم، ولكنها كانت وديعة وامتاز ملكها بحروب متوالية انتصرت فيها إنكلترا وقد أطلق على أيام ملكها اسم الا'صر الأوغسطي للآداب الإنكليزية وتزين ذلك العصر بكتابات أدبيون وبوب وسوقف وريفوار. وجرائد مشهورة بتلك الأيام. حنة النمساوية ملكة فرنسا هي ابنة "فيليب الثالث" ملك إسبانيا ولدت سنة ١٦٠١م، وتوفيت سنة ١٦٦٦م، تزوجها "لويس الثالث عشر" سنة ١٦١٥م فبقيت ٢٢ سنة لا تلد. وروى بعض المؤرخين أنه عندما هجرها زوجها "لويس" اخترعت إطاراً كانت تلبسه تحت ثيابها لتستر به حملها عن الملك إلى أن ولدت ولدا ذكرا، وكثيرا ما كان زوجها يسيء معاملتها ويعذبها. ويقال: إن الكردينال "رشليو" كان يهيج الملك إلى كرهها ومقاومتها، فاتفقت مع حماتها "ماري دي موليسي" على عزله، ولكن هبط مسعاهما لأن "ريشليو" كان ذا سطوة وحذق لا مزيد عليهما فاتهمها بأنها كانت متفقة ع أخيها ملك إسبانيا ودوق "لوران" وإنكلترا وكل أعداء فرنسا، وضد مصلحة الكردينال المذكور وإنها كانت تساعد الشاب التعيس "هنري روتلبر فيدبرنس كاني" في مؤامرته، وتنقاد إليه انقياد أعمى. فأمر الملك بتفتيش عرق قصر المقال "دوغراس" الذي كانت فيه مع حماتها وكان الملك قد حكم عليها بالخروج من البلاط فخرجت حنة أيضا من القصر ورجعت إلى البلاط الملكي في اللوفر حيث كانت تحتمل غضب زوجها وتضادده، ثم شاع بعد ذلك حملها "بلويس الرابع عشر" سنة ١٦٣٨م. وولدت سنة ١٦٤٠م، "فيليب" دوق "دورليان"، وبعد موت زوجها "لويس الثالث عشر" سنة ١٦٤٣م، أقامها البرلمان رغما عن إرادته نائبة عن "لويس الرابع عشر" مدة قصره، فكان الكردينال "مازارين" يحكم باسمها. ويقال: إنه كان متزوجا بها سرا فتزينت الايام الأولى من نيابتها بانتصارات البرنسا "كوندي" ولكن رفعها لمقام الكردينال "فراريل" وجعلته رئيسا للوزارة هيج بعض عائلة كوندي وبعض عيال من السلالة الملكية وآخرين من عيال فرنسا الشريفة، فنشأت عن ذلك الحرب الأهلية التي تدعى حرب الفرنده (أي حرب القلاع) ومع ذلك كانت تدبر ملكها إدارة جيدة. حنة يولين ملكة إنكلترا وهي إحدى نساء "هري الثامن" قطع رأسها في ١٩ أيار سنة ١٥٣٦م، وأما تاريخ ولادتها فمجهول وبعضهم قال: إنها ولدت سنة ١٥٠٠م، وآخرون سنة ١٥٠٧م. وهي ابنة الأرل "توماس بولن" كانت من السيدات اللواتي رافقن "ماري" شقيقة "هنري الثامن" إلى فرنسا عند تزوجها "بلويس الثاني عشر" سنة ١٥١٤م. ولما رجعت ماري بعد موت زوجها إلى إنكلترا بقيت حنة في فرنسا عند "كلور" زوجة "فرنسيس الألو"، ثم دعيت على إنكلترا سنة ١٥٢٢م أو سنة ١٥٢٧م، ودخلت في خدمة "كاترين" الأراغونية" وقد ظهر منها وهي هناك من الحذاقة والهمة والظرف ما لا مزيد عليه، وأما ما قيل من أن

стр. 162

سلوكها في البلاط الفرنسوي كان محلا للشبهة، فلم يزل من دون دليل كاف ولم يمض إلى زمن قليل حتى أحبها "هنري الثامن" فألزم الكردينال "ولسي" أن يتوسط في فسخ خبطبتها من اللورد "برسي" ابن أرل "نرثمدلند"، وكانت تزداد محبة "هنري" لها وتقل ثقته بصحة تزوجه ب "كاترين" الأراغونية، فصرح في أواخر سنة ١٥٢٧م الكردينال "ولسي" بقصده أن يتزوج بحنة حالما طلق "كاترين" فغلبت إرادة "هنري" ورغبته الشديدة مقاومة الكردينال "ولسي" على أن حنة كانت تحسب الكردينال -المذكور" ضدها فقاومته إلى أن اقتنعت من الملك بعزله فتزوج "هنري" بحنة في "هويتهل" في ٢٥ كانون الثاني سنة ١٥٣٣م بعد هياج استمر خمس سنين نشأ عن طلاق "كاترين". وكانت قد صرفت ثلاث سنوات في القصر قبل تزوجه بها فكانت في تلك المدة دائما مع "هنري" وجعلها قبل تزوجه بها ببضعة أشهر مركيزة "بمبروك" وعند ذلك أحيلت مسألة طلاق "كاترين" إلى مجلس "كانتريبري" الأكليريكي وحكم "كرانمر" في ألو شهر أيار من تلك السنة بفساد تزوج الملك ب "كاترين" من أوله وأن حنة هي امرأته الشرعية. وفي أول حزيران أقيم تتويجها باحتفال عظيم ثم بعد ذلك بثلاثة أشهر ولدت البرنسيس "أليصابات" التي تزين التاريخ الإنكليزي فيما بعد بأخبار ملكها، ولما ابتدأ "هنري" بكرهها ويميل على "جين سيمور" لم يكن أميرا صعب الحكم على حنة بارتكاب أمور منكرة، فأقيمت لجنة من الوردن كان والدها من جملتها للفحص عن سيرتها وذلك سنة ١٥٣٦م، فقررت تلك اللجنة أنها أتت المنكرات مع "بريرتن" و"نرس" و"رستن" من الحشم الخاص وسميت صاحب موسيقى الملك حتى مع أخيها اللورد "رتشفرد" فأرسل الملك كل المتهمين إلى السجن وحوكت حنة أمام لجنة من الأمراء تحت رياسة عمها دوق "ترفلك" فثبت أنها مذنبة، وكان ممن أثبته إقرار سميتن مع أنها أقامت الحجة مع باقي المسجونين على براءتها وحكم بفساد تزوجها ل "هنري الثامن" وأبطله كما حكم بفساد تزوج "كاترين" فكانت تقضي ساعات سجنها بين السكينة والقلق وكان تصرفها عند قطع رأسها بجلال ملكي، وأما "سميتن" فعلق وقتل خنقا. وأما الأربعة الباقون المتهمون فقطعت رؤوسهم. حنة البريطانية ملكة فرنسا ولدت في "تنست" سنة ١٤٧٦م. وتوفيت في قلعة "بلوى" سنة ١٥١٤م. كانت ابنة "فرانسيس الثامن" دوق بريطانية وولية لعهده. أعطاها أبوها دوقية بريطانية مهرا لما تزوجت "شارل الثامن" ابن "لويس الحادي عشر" سنة ١٤٩١م، فصارت الدوقية المذكورة من جملة أملاك فرنسا، وكان قد خطبها قبل ذلك الملك "مكسيميليان" من "أستوريا" ولكن حل هذه الخطبة "لويس الحادي عشر" وزوجها لابنه ووسع بذل في أملاكه، وتزوجت بعد موت "شارل الثامن" بخلفه "لويس الثاني عشر" سنة ١٤٩٨م. وكان لها سطوة قوية عليه وعلى كل رجال البلاط فكانت قدوة للفضيلة والاجتهاد في أشغالها، وكانت تدير المملكة حق الإدارة مدة غياب زوجها في الحروب التي قام بها ضد إيطاليا. حنة ملكة نابولي وهي ابنة "شارل" دوق "كليريا" وحفيدة "روبرت أنجو". ولدت سنة ١٣٢٧م، وقتلت في حصن "مورو" في ولاية "باسيليكانا" في ٢٢ أيرا سنة ١٣٨٢م، وكان أبوها يحاول أن يجعل اتحادا بين فرعي عائلة "أنجو" التي كانت تدعى "بتخت نابلي" لتزويجه حنة هذه في سن سبع سنوات بابن عمها "أندرو" المجري إلا أن تدبيره لم يأت بالغرض المقصود

стр. 163

لأنه لما كبر الزوجان كان يبغض أحدهما الآخر بغضا شديدا، وكان الحزبان المتضادان من أقاربهما يهيجان دائما تلك الحاسة، وتوفي الدوق "شارل" قبل أبيه "روبرت" ولذلك خلفت حنة أباها عند موته سنة ١٣٤٣م، فانقسم بلاطها بسرعة إلى حزبين حزب معها وحزب مع زوجها فبقي الخصام مدة سنتين إلى أن انتهت سنة ١٣٤٥م، بأن قتل الملك قوم من الثائرين أخرجوه بحيلة من مخدعه وعلقوه في ممشى من مماشي القصر وقد اتهمت حنة بالاشتراك في تلك المؤامرة والسعي، وتدبير كل ما يتعلق بها. والظاهر أنها غير بريئة من هذه التهمة. وأما ما قيل من أنها كانت تلبس الحبل الذهبي الذي خنق به زوجها "أندرو" فلا يخلو من المبالغة، ثم بعد وفاة زوجها بقليل تزوجت من دون حل من البابا "لويس دو ثارنتو" وهو أحد أقاربها، ويظن أنه كان عشيقها وإذا كان "لويس" الكبير، صاحب "هنكريا" يطلب فرصة للأخذ بثأر أخيه اتخذ ذلك حجة وأغار سنة ١٣٤٧م، على الأراضي النابولية وإذ كانت حنة غير مستعدة للدفاع هربت إلى "أفبنيون" التي كانت حينئذ موطنا للتابوت وبينما هي هناك إ'ذ أحضرت أمام مجلس حر أقرت بكونها قاتلة زوجها بشرط دفع ثمانين ألف فلوريني ذهبا وإعلان البابا رسميا بكونها برئت وتثبت زواجها الحديث. وفي تلك الأثناء رجع ملك "هنكريا" عن نابلي" تاركا فيها حامية قوية خرجت منها بعد قليل بتوسط البابا، ثم إن "لويس دو ثارنتو" توفي سنة ١٣٦٢م، فتزوجت حنة سنة ١٣٦٣م، "بجمسيس" الأراغوني ملك "نيورقة" إلا أنه لم يمض غلا قليل حتى تركها ورجع إلى بيته في إسبانيا وتوفي هناك سنة ١٣٧٦م، فتزوجت بزوج رابع وهو "أونو برنسويك" فغاظت بذلك الدوق "شارك دورنسوا" الذي كانت زوجته تدعي وراثة التخت. وسنة ١٣٧٨م، لما اختلف البابوان المتناظران وهما "إكليمنفس السابع" و"أوريانوس السادس" تحزبت حنة "لإكليمنفس" فغاظت بذلك "أوريانوس" فاستحضر حالا الدوق "دورنسوا" وأعلن أن له الحق في تخت "نابلي"، أما حنة فاتباعا لرأي "إكليمنفس" كتبت وصية مخصوصة جعلت بموجبها ابن ملك فرنسا الثاني وارثا لها ونزعت بالكلية حق الملك عن الدوق وزوجته فاتخذ "شارل دورنسوا" هذه الحوادث حجة كان يطلبها بعد زمان طويل فأغار على بلاد حنة ولم يصادف من الشعب إلا مقاومة قليلة وتقدم إلى "نابلي" وأسر الملكة وأرسلها تحت الحفظ ل "أمور" فكانت هناك تحت رحمة الملك "هنكاريا" فأمر بقتلها حالا، فقطعت بالوسائد أخذا بثأر "أندرو" على الطريق التي قتلته بها . حنة ملكة نابلي ابنة شارل دورتو ولدت نحو سنة ١٣٧٠م، وتوفيت سنة ١٤٣٥م. تزوجت وهي صغيرة ب "وليم" ملك "أستوريا" وترملت بعد ذلك عدة سنين، وخلفت أخاها "لاوس لاس" سنة ١٤١٤م بعد موت زوجها وكان بينها وبني "كنت سازونفلوا لوبو" اتصال سري وقد حافظت على ذلك الاتصال بعد موت زوجها ولم تحاول سترها فإنها وجهت إلى عشيقها -المذكور- أعلى المأموريات وجعلت مصالح المملكة بيده فعلاً إلا أن أصدقاءها أقنعوها أخيراً بأن تتزوج ثانياً فاختارت " جاكور دويورلون كنت لامرش" زوجا لها إلا أن تزوجها لم يكن واسطة لتغير سيرتها ذات الخلاعة، فلما اطلع زوجها على خيانتها نظف البلاط من كل أصدقائها وقطع رأس عشيقها جهارا وأرسلها إلى مكان منفرد. ثم إنه صالحها بعد ذلك مصالحة ظاهرة إلا أنها حالما رجعت إلى مركزها في البلاط نجحت بحيلة في سجن زوجها في إحدى قلاع " نابلي"، ولم يخرج من ذلك السجن إلا بصعوبة، وعند خروجه

стр. 164

خرج من البلاد ودخل ديرا في " برغونيا" حينئذ ابتدأت سلطة المقربين إليها في الرجوع إلى البلاد· فكان تاريخ ملكها مدة بضع سنين عبارة عن حيل ومكائد وذلك مع بعض الشعب الذي لها في كل الممكلة الذي نشأ عنه متأخرات دائمة في البلاط، وتوارث في البلاد، ومما زاد خصام الأحزاب قوة النزاع الذي جرى بين " لويس الثالث أنجو" و" ألفونسو دو أراغون" اللذين كانا يدعيان حق الخلافة· أما حنة فحكمت به أولا ل " ألفونسو" ثم عكست حكمها وعند وفاة " لويس الثالث" حكمت لرجل آخر من بيت " أنجو" أما " ألفونسو" فقبض على صولجان الملك رغما من الوصية التي حرمته إياها· حنة مورندي منزوليني كانت أبرع نساء زمانها بفن التصاوير والتماثيل، لأنها أخذته عن زوجها " منزوليني" وكان ماهراً في التشريح والرسم والتصوير، وفي نقش الشمع لعمل التماثيل، ولكنه ضعيف الرأي عصبي المزاج سوداويه، وكانت زوجته على جانب عظيم من النباهة والفطنة فتعلمت منه عمل التماثيل الشمعية، وأتقنته غاية الإتقان، وكانت تساعده في أعماله· وكان " منزوليني" ملازماً ل " للي" المصور الشهير في أعماله ويساعده على أشغاله، فوسوس شيطان الظنون في أذني " منزوليني" وظن أن " للي" عازم على أن يستأثر بالاسم والشهرة من عمل تلك التماثيل ولا يبقى له اسم فيها، فعزم على تركه· وكان " للي" دائما يعترف بفضله ويقول: إنه لولا مساعدة " منزوليني" لم يستطع عمل تلك التماثيل، فلما رأت حنة خطأ زوجها عزمت أن تتعلم منه فن التشريح وتتم العمل الذي أحجم عنه حفظا لصيته فأجابها إلى طلبها لشدة تعلقه بها وعلمها هذا الفن فدرسته برغبة شديدة، وقرأت أحسن المصنفات فيه وشرحت الأجساد البشرية بيدها رغما عما وجدته في نفسها من الكراهة الشديدة لذلك فإنها كثيرا ما كانت تمرض من رؤية الأجساد المشرحة ولكنها كانت تتغلب على ما بها من الضعف الطبيعي حتى أتقنت هذا الفن واكتشفت فيه اكتشافات كثيرة· وفي غضون ذلك أنشأ أحد الأطباء مدرسة لتعليم فن الولادة وطلب إليها أن تصنع له أجنة من الشمع متفاوتة في النمو فصنعت له الأجنة المطلوبة على غاية الإتقان، ثم جعلت تقدم خطابا في فن التشريح العلمي وتشريح المقابلة وأتقنتها أشد الإتقان فذاع صيتها حتى عم أوروبا لغزارة معارفها وحسن أسلوبها في التعليم· وفي سنة ١٧٥٥م توفي زوجها عن ولدين صغيرين فحزنت عليه حزنا شديدا لأنها كانت تحبه حبا مفرطا مع كثرة عيوبه ولكنها لم تنفك عن خدمة العلم· وفي السنة الأولى من ترملها انتخبت عضوا في المجمع العلمي ب " بولونيا" ثم في مجامع أخرى كثيرة وجعلتها حكومة " بولونية" أستاذة تشريح في مدرسة " بولونية" الطبية ولكن الانتظام في سلك هذه الجمعيات كان نفعه معنويا لا ماديا لأنها كانت في حالة يرثى لها من الفقر، ولم تزد أجرتها في مدرسة الطب عن ثلثمائة فرنك في السنة، وكانت على جانب عظيم من الجمال، ولكنها كانت عفيفة النفس طاهرة السيرة والسريرة لأن العلم يعصم ذويه عن ارتكاب الدنايا· وفي سنة ١٧٦٥م طلبت من الحكومة أن تزيد راتبها وتجعله خمسمائة فرنك في السنة فلم تجبها إلى طلبها ولكن أحد أرباب الحكومة وهوالكونت " أنوزي" أباح لها أن تقيم في بيته آكلة شاربة بشرط أن تعطيه بدل ذلك كل كتبها واستحضاراتها التشريحية، فأقامت عنده لأن الفقر كان قد أذلها· ولكن الكونت أكرم مثواها وأبقى لها كتبها واستحضاراتها فوهبا للمجمع العلمي حيث هي إلى يومنا وفيها الأجزاء الصغيرة من جسد الإنسان كالأوعية الشعرية التي ترى بالعين، وهي في غاية الضبط والإحكام· وكانت كغيرها

стр. 165

من مشاهير الأرض وإذا تعبت من عمل ترتاح بمزاولة آخر فصنعت أوقات الراحة تماثيل كثيرة لزوجها ولبعض أصدقائها ومثلت نفسها قابضة على الجمجمة وأخذت تشريح الدماغ ومما يكاد يفوق التصديق أن هذه المرأة الفاضلة التي توسلت إلى حكومة " بولونية" لكي يزيد راتبها السنوي مائتي فرنك ولم تجبها إلى طلبها عرض عليها مراراً كثيرة أن تأتي إلى مدينة " لورندة" براتب كبير جدا، وأرسلت إمبراطورة روسيا تدعوها إليها ووعدتها أن تعطيها مهما طلبت وأرسلت مدرسة " ميلان" تدعوها إلهيا وفوضت إليها أن تختار الأجرة التي تريدها وتشترط الشروط التي تختارها وطلبت منها مدارس أخرى نفس هذا الطلب· فأجابت كل هؤلاء أنها تفضل البقاء في مدرسة " بولونية" على ما سواها وأرسلت لكل منهم مجموعا كاملا من مصنوعاتها التشريحية وشرحا كافيا وافيا يغني عنها، ولثبت بين الدفاتر والمحابر والدرس والتدريس إلى أن وافتها المنية سنة ١٧٧٤م ولها من العمر ٦٨ سنة· حرف الخاء خديجة ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أول امرأة تزوجها النبي ﷺ في أول أمره بل أول إنسان أسلم لم يسلم قبلها أحد لا ذكر ولا أنثى· وقيل: كانت تسمى في الجاهلية الطاهرة وكنيت بأم هند وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر ابن لؤي تزوجها عتيق بن عائذ المخزومي، فمات عنها وله منها ولد، ثم تزوجها أبو هالة هند بن زرارة· وقيل: تزوجها قبل عتيق فما مات عنها أبو هالة وله منها هند· والظاهر أنه خلف لها ثروة عظيمة وكانت هي ذات ثروة وافرة فكانت تستأجر الرجال للتجارة في مالها، وتضاربهم بشيء تجعله لهم منه وكانت قريش تكثر التجارة في بلاد الشام، فلما بلغها عن النبي ﷺ صدق الحديث وعظم الأمانة، وكرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا مع غلامها ميسرة وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره· وفي رواية: أنه لما بلغ رسول الله ﷺ خمساً وعشرين سنة قال له عمه أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرها فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك، فبلغ ذلك خديجة فأرسلت إليه وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطي غيرك من قومك· وفي رواية أخرى: أن أبا طالب أتاها فقال لها: هل لك أتستأجري محمدا فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات· فقال: لو سألت ذلك لبعيد بغيض لفعلنا فكيف وقد سألت لحبيب قريب! فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك، فخرج النبي ﷺ مع غلامها ميسرة حتى بلغ بصرى من الشام فنزل في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب فقال الراهب لميسرة: من هذا الرجل؟ فقال: رجل من قريش· فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، ثم باع الرسول واشترى وعاد وقد ربح ضعف ما كان يربح غيره، فلما كانوا بمر الظهران تقدم الرسول ﷺ وأخبر خديجة بالربح ثم قدم ميسرة وقد أحب النبي وأخبرها بما سمع من الراهب فأضعفت للنبي ﷺ ماوعدته وقد رأت ربحا وافرا، وكانت امرأة حاذقة عاقلة شريفة من أوساط نساء قريش نسبا وأكثرهن مالا وشرفا، وكان كل من قومها يتمنى أن يتزوج بها فلم يقدروا، فلما رأت ذلك من محمد ﷺ أرسلت وعرضت نفسها عليه فأتى مع أعمامه إلى أبيها خويلد وخطبها إليه· ثم تزوجها وكان عمره

стр. 166

إذ ذاك ٢٥ سنة، وعمرها ٤٠ سنة·وقيل: خمسة وأربعون· وقيل: غير ذلك· فولدت له أولاده كلهم إلا إبراهيم· وقيل: الذي زوجها عمها عمرو بن أسد لأن أباها مات قبل الفجار، ولما ابتدأ الوحي يبدو للنبي ﷺ بواسطة جبريل كان متخوفاً من ذلك، وأخبر خديجة فقالت: أبشر فلن يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق· ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأعلمته بشأنه وسألته خديجة بعد ذلك قائلة: يا ابن العم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك· قال: نعم· فجاءه جبرائيل فأعلمها· فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى، ففعل· فقالت: هل تراه· قال: نعم، قالت: فتحول على فخذي اليمنى، ففعل· فقالت: هل تراه· قال: نعم، فألقت خمارها· ثم قالت: هل تراه· فقال: لا، قالت: يا ابن العم أثبت وأبشر فإنه ملك وماهو بشيطان فكانت خديجة أول من آمن به وصدقه· ولما علمه جبريل الوضوء والصلاة أتى إلى خديجة وعلمها ذلك فتوضأت كوضوئه وصلت كصلاته، وبقيت خديجة مع النبي ﷺ ٢٤ سنة وأشهراً، ولم يتزوج عليها· وتوفيت قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام· وقيل: بخمسة وخمسين يوماً وعمرها خمس وستون سنة ودفنت بالحجون وحزن النبي عليها ونزل في حفرتها وعظمت عليه المصيبة بوفاة أبي طالب، ثم وفاتها· وكانا من أشد المعضدين له وبعد ثلاث سنين من وفاتها تزوج بعائشة· وقيل: بسودة بنت زمعة· وروي أنه قال: " أفضل نساء الجنة خديجة وفاطمة ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون" · وقيل: إن معاوية اشتري المنزل الذي كانت فهي خديجة وجعله مسجداً· وقال ابن الوردي: لما بعث النبي ﷺ دخل على خديجة فحكي لها ما رأى فقالت: أبشر فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم أتت خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي وكان شيخا كبيرا، وكان قد عمي وتنصر في الجاهلية وكتب في التوراة والإنجيل، فلما ذكرت خديجة أمر جبريل وما رأى ميسرة فقال ورقة: إنه ليأتيه الناموس الأكبر، وهذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني أكون فيها جذعا حين يخرجه قومه فأخبرت النبي بذلك فقال ﷺ : " أومخرجي هم؟ " · فقالت: سألته ذلك قال: نعم لم يأت أحد قط بمثل ما جاء به إلا عودي وأوذي وإن يدركني يومه أنصره نصرا مؤزرا في ذلك، وإن رأيت أن ترسليه لي فأخبره عن ذلك· وقال أبياتا منها: ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا بما أخبرته من قول قس ... من الرهبان يكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود يوما ... ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا ألا يا ليتني إن كان ذاكم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا رجائي في الذي كرهت قريش ... ولو عجت بمنكبها عجيجا ولما انتهى من أبياته قال: أرسلي لي محمدا فإني مخبره بما أريد ولما ذهب إليه النبي ﷺ أخبره ما قاله لخديجة، وأنشد: يا للرجال لصرف الهم والقدر ... وما لشيء قضاه الله من غير حتى خديجة تدعوني لأخبرها ... أمرا أراه سيأتي الناس عن أثر فخبرتني بأمر قد سمعت به ... فيما مضى من قديم الناس والعصر

стр. 167

بأن أحمد يأتيه فيخبره ... جبريل إنك مبعوث إلى البشر فقلت إن الذي ترجين ينجزه ... لك الإله فرجي الخير وانتظري وأرسليه لنا كيما نسائله ... عن أمره ما يرى في لنوم والسهر فقال حين أتانا منطقا عجبا ... يقف منه أعالي الجلد والشعر إني رأيت أمين الله واجهني ... في صورة كملت من زهيب الصور ثم استمر وكاد الخوف يذعرني ... مما يسلم ما حولي من الشجر والله أعلم بالصواب· خديجة ملكة جزائر زيبة المهل من بلاد الهند وهي خديجة بنت السلطان جلال الدين عمر بن السلطان صلاح الدين البنجالي وكان الملك لجدها، ثم لأبيها فلما مات أبوها ولي أخوها شهاب الدين وهو صغير السن فتزوج الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي أمه وتغلب عليه وهو الذي تزوج أيضاً هذه الملكة خديجة بعد وفاة زوجها الوزير جمال الدين· فلما بلغ شهاب الدين مبلغ الرجال أخرج ربيبة الوزير عبد الله ونفاه إلى جزائر السويد واستقل بالملك واستوزر أحد مواليه يسمى علي كلكلي، ثم عزله بعد ثلاثة أعوام ونفاه إلى السويد· وكان يذكر عن السلطان شهاب الدين -المذكور- أنه يختلف إلى حرم أهل دولته وخواصه بالليل، فخلعوه لذلك ونفوه إلى إقليم " هلدتني" وبعثوا من قتله بها ولم يكن بقي من بيت الملك إلا أخواته خديجة الكبرى ومريم وفاطمة فقدموا خديجة ملكة في سنة ٧٤٠ للهجرة وكانت متزوجة بخطيبهم جمال الدين فصار وزيرا غالبا على الأمر وعين ولده محمدا للخطابة عوضا عنه ولكن الأوامر إنما تنفذ باسم خديجة وهم يكتبون الأوامر في سعف النخل بحديدة معوجة شبه السكين ولا يكتبون في الكاغد إلا المصاحف، وكتب العلم· ويذكرها الخطيب يوم الجمعة وغيرها فيقول: اللهم انصر أمتك التي اخترها على علم على العالمين وجعلتها رحمة لكافة المسلمين ألا وهي السلطانة خديجة بنت السلطان جلال الدين بن السلطان صلاح الدين، ومن عادتهم إذا قدم الغريب عليهم ومضى إلى الدار فلا بد له أن يستصحب ثوبين فيقدم لجهة هذه السلطانة ويرمي بأحدهما، ثم يقدم لوزيرها وهو زوجها جمال الدين ويرمي بالثاني وعسكرها نحو ألف إنسان من الغرباء وبعضهم بلديون يأتون كل يوم إلى الدار فيخدمون وينصرفون ومرتبهم الأرز يعطى لهم من البندر في كل شهر، فإذا تم الشهر أتوا الدار وخدموا وقالوا للوزير: بلغ عن الخدمة، واعلم بأنا أتينا نطلب مرتبنا في أمر لهم به عند ذلك ويأتي أيضاً إلى الدار كل يوم القاضي وأرباب الخطب وهم الوزراء عندهم فيخدمون ويبلغ خدمتهم الفتيان وينصرفون وأن النساء ليفتخرن بمثل هذه الملكة حيث إنها كانت مالكة نحو ألفي جزيرة من جزائر الهنود التي تزيد عن الأربعين مليونا من العالم وجميعها من المسلمين· وبقيت مالكتها مدة من الزمن بالعدل والإنصاف وقد طال ملكها نحو الثلاثين سنة، وفي مدتها كانت جوائزها في غاية الرونق والبهاء من كثرة الخيرات والأرزاق والزمن، وكان جميع الأهالي مكبين على الأشغال ملتفين للأعمال، محافظين على جزائرهم من الأعداء، وبارتباطهم هذا كانوا مهابين لا يدخلون أحداً من عدوهم ساحتهم وبقيت على ذلك إلى أن توفاها الله وأهل مملكتها راضون عنها آسفون عليها·

стр. 168

خرقاء بنت النعمان بن المنذر كانت أحسن نساء زمانها جمالا، وأفصحهن مقالا، وأكملهن عقلا، وأعظمهن أدبا، وكانت معتنقة الديانة المسيحية ومتعبدة بها تعبدا زائدا وكانت إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج مغشى الخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها وترجع إلى منزلها وبقيت على ذلك وهي في غاية العز والإجلال إلى أن هلك النعمان فكلمها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما نزل سعد بن أبي وقاص بالقادسية أميرا عليها وهزم الله الفرس، وقتل رستم أتت خرقاء بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهم المسموح والمقطعات السود مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد فقال: أيكن خرقاء؟ قالت: ها أنا ذا· قال: أنت خرقاء؟ قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي، ثم قالت: إن الدنيا دار زوال ولا تدوم على أهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالا، كنا ملوك هذا المصر يجبي لنا خراجه ويطيعنا أهله مدى الإمرة وزمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر فشق عصانا، وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد أنه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر حيث يقول: إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى معافى فيرزا ... ولقد كان آمنا مسرورا فبينما هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن معد يكرب وكان زوارا لأبيها في الجاهلية فلما نظر إليها قال: أنت خرقاء؟ قالت: نعم، قال: فما دهمك فأذهب بجودات شيمك أين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك· فقالت: يا عمرو، إن للدهر عثرات وعبرات تعثر بالملوك وأبنائهم فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزان، هذا الأمر كنا ننتظره فلما حل بنا لم ننكره· فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت: حي أختك بتحيات ملوكنا لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه، ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: أكرم وجهي وإنما يكرم الكريم كريم· حزانة ابن خالد بن جعفر بن قرط كانت من الأدب على جانب عظيم ومن الفصاحة والبلاغة على جانب أعظم، والفروسية كانت عندها زائدة، حضرت فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص وخاضت معه المعامع والمعارك وقد حضرت فتوح الحرة حينما استشهد من المسلمين خمسمائة وثلاثون فارسا فقالت ترثيهم في أبيات كما جاء في الحبرة للواقدي في " فتوج الشام": أيا عين جودي بالدموع السواجم ... فقد شرعت فينا سيوف الأعاجم فكم من حسام في الحروب وذابل ... وطرف كميت اللون صافي الدعائم حزنا على سعد وعمرو ومالك ... وسعد مبيد الجيش مثل الغمائم هم فتية غر الوجوه أعزة ... ليوث لدى الهيجاء شعث الجماجم

стр. 169

ومن قولها أيضا: طوى الدهر ما بيني وبين أحبة ... بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع فلا يحسب الواشون أن قناتنا ... تلين ولا أنا من الموت نجزع ولكن للآلاف لا بد لوعة ... إذا جعلت أقرانها تتقطع خماني ابنة أردشير بن بهمن ملكت بعد أبيها " بهمن" ملوكها حبا في أبيها ولعقلها وفروسيتها، وكانت تلقب ب " نهرزاد" وقيل: إنها ملكت لأنها حين حملت من " دارا الأكبر" سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك ففعل " بهمن" وعقد التاج عليه حملا في بطنها، وكان " ساسان بن بهمن" رجلا يتصنع للملك فلما رأى فعل أبيه لحق بإصطخر وتزهد ولحق برؤوس الجبال وهلك " بهمن" و" دارا" في بطن أمه فملكوها ووضعته بعد شهر من ملكها فأنفت من إظهار ذلك وجعلته في تابوت وجعلت معه جواهر وأجرته في نهر المكر من إصطخر وسار التابوت إلى طحان من أهل إصطخر ففرح بما فيه من الجوهر فحضنته امرأته، ثم ظهر أمره حين شب فأقرت " خماني" بإساءتها فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون من أبناء الملوك، فحولت التاج إليه وسارت إلى فارس وبنت مدينة إصطخر، وكانت قد أوتيت ظفرا وأعزت الروم وشغلت الأعداد عن تطرق بلادها وخففت عن رعيتها الخراج وكان ملكها ثلاثين سنة· خولة بنت الأزور الكندي وهي أخت ضرار بن الأزور· كانت مشهورة بالشجاعة والجمال، خرجت مع أخيها إلى الشام حين فتحها في خلافة أبي بكر الصديق وكانت تفوق الرجال بالفروسية والبسالة، ولها وقائع مشهورة لا يسعها المقام إذا أحببنا إيرادها ولكنا نقتصر علي البعض منها· قال الواقدي في " فتوح الشام": إنه لما أسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين توجه خالد بن الوليد بطليعة من الجيش لخلاصه فبينما هو في الطريق إذ مر به فارس على فرس طويل وبيده رمح، وهو لا يبين منه إلا الحدق وقد سيق أمامه الناس كأنه نار، فلما نظره خالد قال: ليت شعري من هذا الفارس، وأيم الله، إنه لفارس ثم اتبعه خالد والناس وسار إلى أن أدرك المشركين وقد حمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة، فزعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، فما كانت إلا جولة جائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء، وقد قتل رجالا وجندل أبطالا وقد عرض نفسه للهلاك ثانية، واخترق القوم غير مكترث وكثر قلق الناس عليه ولا يعلمون من هو منهم رافع بن عميرة ومن معه ظنوا أنه خالد وقالوا: ما هذه الحملات إلا لخالد، وبينما هم ومنهم رافع بن عميرة ومن معه ظنوا أنه خالد وقالوا: ما هذه الحملات إلا لخالد، وبينما هم على ذلك إذ أشرف خالد بمن معه فقال له رافع: من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله إنني أشد إنكارا منك أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله· فقال رافع: أيها الأمير، إنه منغمس في عسر الروم ويطعن يميناً وشمالا· فقال خالد: معاشر المسلمين، احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين الله فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة، وخالد زمامهم إذ نظر إلى الفارس وقد خرج من القلب كأنه شعلة نار، والخيل في إثره، وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل، فعند ذلك حمل خالد ومن معه ووصل الفارس -المذكور- إلى جيش المسلمين فتأملوه ورأوه قد تخضب بالدماء، فصاح خالد والمسلمون: لله درك من فارس بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته

стр. 170

على الأعداد، اكشف لنا عن اسمك، وارفع لثامك· فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم فتصايحت الروم من كل جانب، وكذلك المسلمون وقالوا: أيها الرجل الكريم أميرنا يخاطبك وأنت تعرض عنه أظهر لنا اسمك لنزداد تعظيما، فلم يرد عليهم جوابا· فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال: ويحك، لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك، من أنت؟ فلما ألح عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه قال: إنني أيها الأمير لم أعرض عنك إلا حياء منك لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور وإنما حملني على ذلك أني محرقة الكبد، زائدة الكمد· فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور أخت ضرار المأسور بيد المشركين وإني كنت مع بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن أسير، فركبت وفعلت ما رأيت، وعند ذلك حمل المسلمون وحملت خولة وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة، وأما خولة فإنها جعلت تجول يمينا وشمالاً، وهي لا تطلب إلا أخاها وهي لا ترى له أثرا، ولا وقعت له على خبر وجعلت تسأل عنه لم يجبها أحد ولم تر من المسلمين من يخبرها أنه نظره أورآه أسيرا أو قتيلا فلما أيست منه بكت بكاء شديدا وجعلت تقول: يا ابن أمي ليت شعري في أي البيداء طرحوك أم بأي سنان طعنوك، أم بأي حسام قتلوك· يا أخي أختك لك الفداء لو أني أراك أنقذتك من أيدي الأعداء. ليت شعري أتري أني أراك بعدها أبدا، فقد تركت يا ابن أمي في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها ولا يطفأ سعيرها· ليت شعري ألحقت بأبيك المقتول بين يدي النبي ﷺ فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء· فبكي الناس من قولها عند سماعها ونياحها· ومن وقائعها أيضا ما ظهر من بسالتها يوم أسر النسوة في وقعة صحورا من أعمال الشام وقد جمعت النساء وقامت فيهم خطيبة وكانت هي من ضمن المأسورات فقالت: يا بنات حمير وبقية تبع، أترضين لأنفسكن علوج الروم ويكون أولادكن عبيدا لأهل الشرك! فأين شجاعتكن وبراعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب ومحاضر الحضر؟ وإني أراكن بمعزل عن ذلك وإني أري القتل عليكن أهون من هذه الأسباب وما نزل عليكن من خدمة الروم· فقالت لها عفراء بنت غفار الحميرية: صدقت والله يا بنت الأزور نحن في الشجاعة كما ذكرت، وفي الرباعة كما وصفت لنا المشاهد العظام والمواقف الجسام ووالله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت وإنما دهمنا العدو على حين غفلة، وما نحن إلا كالغنم بدون سلاح· فقالت خولة: يا بنات التبابعة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم فنستريح من معرة العرب· فقالت عفراء بنت غفار: والله ما دعوت إلا ما هو أحب إلينا مما ذكرت، ثم تناولت كل واحدة عمودا من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة وألقت خولة على عاتقها عمودا وسعت من ورائها عفراء أم أبان بنت عتبة ومسلمة بنت زارع ولبنى ومزروعة بنت عملوق وسلمة ابنة النعمان ومثل هؤلاء فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن فتملكن فيقع بكن التشتيت واحطمن رماح القوم واسكرن سيوفهم، وهجمت خولة وهجم النساء وراءها وقاتلن قتالا شديدا حتى استخلصت النسوة من أيدي الروم وخرجت وهي تقول: نحن بنات تبع وحمير ... وضربنا في القوم ليس ينكر لأننا في الحرب نار تسعر ... اليوم تسقون العذاب الأكبر ومن قولها حين أسر ضرار في المرة الثانية في " مرج دابق":

стр. 171

ألا مخبر بعد الفراق يخبرنا ... فمن ذا الذي يا قوم أشغلكم عنا فلو كنت أدري أنه آخر اللقا ... لكنا وقفنا للوداع وودعنا ألا يا غراب البين هل أنت مخبري ... فهل بقدوم الغائبين تبشرنا لقد كانت الأيام تزهو لقربهم ... وكنا بهم نزهو وكانوا كما كنا ألا قاتل الله النوى ما أمره ... وأقبحه ماذا يريد النوى منا ذكرت ليالي الجمع كنا سوية ... ففر قناريب الزمان وشتتنا لئن رجعوا يوما إلى دار عزمهم ... لثمنا خفاقا للمطايا وقبلنا ولم أنس إذ قالوا ضرار مقيد ... تركناه في دار العدو ويممنا فما هذه الأيام إلا معارة ... وما نحن إلا مثل لفظ بلا معنى أرى القلب لا يختار في الناس غيره ... م إذا ما ذكرهم قلبي المضنى سلام على الأحباب في كل ساعة ... وإن بعدوا عنا وإن منعوا منا ثم بكت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون فوالله لأخذنا بثأره إن شاء الله تعالى، ولما زحفت عساكر الإسلام إلى أنطاكية لأجل خلاص ضرار سار معهم النساء اللاتي لهن أسرى وفي مقدمتهن خولة بنت الأزور وهي تنشد قولها من المراثي المبكيات: أبعد أخي تلذ الغمض عيني ... فكيف ينام مقروح الجفون سأبكي ما حييت على شقيق ... أعز علي من عيني اليمين فلو أني لحقت به قتيلا ... لهان علي إذ هو غير هون وكنت إلى السلو أرى طريقا ... وأعلق منه بالحبل المتين وإنا معشر من مات منا ... فليس يموت موت المستكين وإني إن يقال مضى ضرار ... لباكية بمنسجم هتون وقالوا لم بكاك فقلت مهلا ... أما أبكي وقد قطعوا وتيني ولما أسر ضرار المرة الثالثة في وقعة " دير المسيح" من أرض البهنسا وسار المسيب ورافع وجماعتهما في طلبه تهللت فرحا، وأسرعت في لبس سلاحها، وأتت إلى خالد تستأذنه في المسير معها فقال لهما خالد: أنتما تعلمان شجاعتها وبراعتها فخذاها معكما فقالا: السمع والطاعة، ثم ساروا حتى بلغوا منتصف الطريق وكمنوا قبل مرور القوم فبينما هم كامنون وإذا بالقوم قد أتوا محدقين بضرار وهو متألم من كتافه وهو ينشد ويقول: ألا بلغوا قومي وخولة أنني ... أسير رهين موثق اليد بالقيد فيا قلب مت هما وحزنا وحسرة ... ويا دمع عيني كن معينا على خدي فلو أن أقوامي وخولة عندنا ... لألزم ما كنا عليه من العهد ولو أنني فوق المجمل راكبا ... وقائم حد العضب قد ملكت يدي لأذللت جمع الروم إذلال نقمة ... وأسقيهم وسط الوغى أعظم الكد فنادته خولة من مكمنها قد أجاب الله دعاءك وقبل تضرعك أنا خولة ثم كبرت وحملت وكبر بقية العسكر وحملوا حتى خلصوا ضرار من الأسر ووقائعها كثيرة وقد أبلت بلاء حسنا في فتوح الشام ومصر، عمرت

стр. 172

طويلا وكانت وفاتها في أواخر خلافة عثمان بن عفان -فعلى مثل هذه يأسف الدهر رحمها الله رحمة واسعة. خولة ابنة منظور بن زبان كان والدها منظور مكث أربع سنوات في بطن أمه ولذلك سمي منظورا، وكانت أنها مليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري تحت زبان أبي منظور ولما توفي زبان خلفه عليها منظور وكان ذلك قبل الإسلام ولما أسلم بقيت تحته إلى خلافة عمر بن الخطاب ففرق بينهما وكانت مليكة ولدت له هشاما وعبد الجبار وخولة. وكانت خولة ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وقد واعتدال فتنت فيها شبان قريش وقد خطبها جملة من رجالهم وأبوها يردهم قولا منه أنهم ليسوا كفؤا لها، وبقيت على ذلك حتى تزوج طلحة بن عبيد الله مليكة والدة خولة بعد طلاقها من منظور بن زبان، فزوج خولة من ولده محمد بن طلحة، فولدت له إبراهيم وداود وأم القاسم ابني محمد بن طلحة -وكان أعرج- وقتل محمد عنها يوم الجمل فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان سبب زواجها به أنها حينما تكاثر عليها الخطاب بعد قتل زوجها محمد جعلت أمرها بيد الحسن بن علي بن أبي طالب فتزوجها، فبلغ منظور بن زبان ذلك فقال: أمثلي يفتات عليه في ابنته. ثم قدم المدينة وركز راية في مسجد رسول الله ﷺ فلم يبق قيسي في المدينة إلا رخل تحتها فقيل لمنظور: أين يذهب برك تزوجها الحسن بن علي وليس مثله أحد؟ فلم يقبل، وبلغ الحسن ذلك فقال: شأنك لها، فأخذها وخرج بها، فلما كانت بقباء جعلت خولة تندمه وتقول له: الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة! فقال: البثي ههنا فإن كان للرجل فيك حاجة سيلحقنا ههنا، فلحقه الحسن الحسين وابن جعفر وابن عباس، فلما وصلوا قابلهم بما يليق بهم ثم أرجعها على الحسن فتزوجها، ورجعوا جميعا، وفي ذلك يقول جبير العبسي: إن الندى في بني ذبيان قد علموا ... والجود في آل منظور بن سيار والماطرين بأيديهم ندى ديما ... وكل غيث من الوسمي مدرار تزور جاراتهم وهنا قواضبهم ... وما فتاهم لها سرا بزوار ترى قريش به صهرا لأنفسهم ... وهم رضا لبني أخت وأصهار وبقيت خلوة تحت السحن بن علي حتى أسنت وقد مات عنها فكشفت قناعها وبرزت للرجال وصارت تجالسهم. قال معبد: جئتها يوما أطالبها بحاجة فقالت: غنيني يا معبد. فقلت لها: أو بقي بالنفس شيء؟ قالت: النفس تشتهي كل شيء حتى تموت، فغنيتها لحني في شعر قاله بعض بني فزاره وكان خطبها فلم ينكحها إياه أبوها وهو: قفا في دار خولة فاسألاها ... تقادم عهدها وهجرتماها بمحلال كأن المسك فيه ... إذا هبت بأبطحة صباها كأنك مزنة برقت بليل ... لحران يضيء لها سناها فلم تمطر عليه وجاوزته ... وقد أشفى عليها أو رجاها وما يملأ فؤادي فاعلميه ... سلو النفس عنك ولا غناها وترعى حيث شاءت من حمانا ... وتمنعنا فلا نرعى حماها فطربت خلوة وقالت: أيا عبد بني قطن أنا والله يومئذ أحسن من النار الموقدة في الليلة القرة.

стр. 173

وقيل: إنها تزوجت بعبد الله بن الزبير بعد وفاة الحسن وقد دخلت عليها النوار زوجة الفرزدق مستشفعة بها فشفعتها عند عبد الله. وفي ذلك يقول الفرزدق. أما بنوه فلم تقبل شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا الخيرزان ابنة عطاء أم الهادي والرشيد كانت ذات جمال وبهاء وكمال. اشتراها محمد أبو عبد الله المهدي بمائة ألف درهم واستحظى بها وقدمها على جميع نسائه لما لها من الأدب واللطف، وقد أخذت بقلبه مكانة عظمى، وولدت له موسى الهادي وهارون الرشيد، وقد تقدمت في خلافة ولدها موسى الهادي حتى إنها شاركته في الأحكام من كثرة تداخلها معه في أمور المملكة وكان كثير الطاعة لها مجيبا لما تسأله من الحوائج للناس، فكانت المواكب لا تخلو من بابها. ففي ذلك يقول أبو المعافى: خيرزان هناك ثم هناك ... إن العباد يسوسهم ابناك وكانت يوما جالسة إذ دخلت عليها جارية من جواريها فقالت: أعز الله السيدة بالباب امرأة ذات جمال وخلقة حسنة، وليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية تستأذن في الدخول عليك، وقد سألتها عن اسمها فامتنعت أن تخبرني، فالتفتت الخيرزان على زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس -وكانت في مجلسها: ما تقولين في أمرها؟ قالت لها: أدخليها فإنه لا بد من فائدة أو ثواب، فدخلت امرأة من أجمل النساء لا تتوارى بشيء، فوقفت بجانب عضادتي الباب، ثم سلمت متضائلة، ثم قالت: أنا مزنة بنت مروان بن محمد الأموي. فقالت الخيرزان: لا حياك الله وال مرحبا بك، فالحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلك. أتذكرين يا عدوة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الإذن في دفن إبراهيم بن محمد فوثبت عليهم وأسمعتيهن ما لا سمعن قبل وأمرت فأخرجن على تلك الحالة، فضحكت مزنة قهقهة حتى علا صوت ضحكها، ثم قالت: السلام عليك، ثم ولت مسرعة فنهضت إليها الخيرزان لتعانقها فقالت: ليس في ذلك موضع مع الحالة التي أنا عليها. فقالت الخيرزان لها: فالحمام إذا وأمرت جماعة من جواربها بالدخول معها إلى الحمام. فلما خرجت من الحمام وافتها الخلع والطيب فأخذت من الثياب ما أرادت ثم تطيبت، ثم خرجت إليها فعانقتها الخيرزان وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي، ثم قالت الخيرزان: هل لك بالطعام؟ قالت: والله ما فيكن أحوج مني إليه فعجلوه، فأتي بالمائدة، فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت، ثم غسلن أيديهن وقالت لها الخيرزان: من ورائك ممن تعنين به؟ قالت: ما خارج هذه الدار من بيني وبينه نسب فقالت: إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا وتحولي لها جميع ما تحتاجين إليه، ثم لا نفترق إلى الموت. فقامت ودارت بها في المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ولم تبرح حتى حولت إليها جميع ما تحتاج غليه من الفرش والكسوة، ثم تركتها وخرجت عنها. فقالت الخيرزان: هذه المرأة قد كانت فيما كانت فيه وقد مسها الضرة وليس يغسل ما في قلبها إلا المال فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت غليها وفي أثناء ذلك وافى المهدي فسألها عن الخبر، فحدثته حديثها وما لقيتها به، فوثب مغضبا

стр. 174

وقال للخيرزان: هذا مقدار شكر الله على نعمة وقد أكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها، فوالله لولا محلك بقلبي لحلفت أن لا أكلمك أبدا فقالت: يا أمير المؤمنين، قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت معها كذا وكذا فلما علم المهدي ذلك قال لخادم كان معه: احمل إليها مائة بدرة وادخل إليها وأبلغها مني السلام وقل لها: والله ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد وجب على أمير المؤمنين إكرامك ولولا احتشامك لحضر إليك مسلما عليك وقاضيا لحقك. فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور وسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنيعة وبالغت في الثناء على الخيرزان، وقالت: ما على أمير المؤمنين حشمة أنا في عداد حرمه. ثم قامت إلى منزلها وأقامت عند الخيرزان إلى أن قضى المهدي. وأيام الهادي وصدر من أيام الرشيد وماتت في خلافة الرشيد وكان لا يفرق بينها وبين نساء بني هاشم فلما قضيت جزع عليها الرشيد والخدم جزعا شديدا وأخرجها بمشهد يليق بمثلها. وكلمت الخيرزان ولدها الهادي ذات يوم في أمر فلم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتل عليها بعله فقالت: لا بد من إجابتي. قال: لا أفعلن قالت: فإني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك فغضب الهادي وقال: ويل لابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها لا قضيتها لك. قالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. قال: إذا والله لا أبالي. وقامت مغضبة فقال: مكانك فاستوعي كلامي والله وإلا نفيت من قرابتي من رسول الله لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من وادي أو من خاصتي أو من خدمي أو من خدمي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إياك، ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لمسلم ولا ذمي. فانصرفت وما تعقل ما تجيب فلم تنطق وما تعقل ما تجيب فلم تنطق بحلو ولا مر بعدها، ثم إنه قال لأصحابه: أيما خير أنا أم أنتم وأمي أم أمهاتكم قالوا: بل أنت وأمك خير. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقال: أم فلان فعلت وصنعت. قالوا: لا نحب. قال: فما بالكم تأتون منزل أمي فتتحدثون بحديثها فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها وبعد مدة من الزمن تناست هذه الحادثة فبعث الهادي بأرز إلى الخيرزان. وقال لها: قد استطبتها فكلي منها فقيل لها: أمسكي حتى تنظري فجاءوا بكلب فأطعموه فسقط لحمه فأرسل إلهيا كيف رأيت الأرز؟ قالت: طيبا. قال: ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك. متى أفلح خليفة له أم؟ وكان سبب وفاة الهادي من قبل أمه الخيرزان كانت أمرت الجواري بقتله للسبب عينه وقيل: كان السبب في أمرها بذلك أن الهادي لما جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر خافت الخيرزان على الرشيد فوضعت جواريها عليه لما مرض وأمرتهن بقتله فقتلوه بالغم والجلوس على وجهه فمات فأرسلت إلى يحيى بن خالد تعلمه بموته وبعد ذلك بقيت معززة في خلافة المأمون وأخرجت باحتفال عظيم لم ينله غيرها من نساء الخلفاء. رحمها الله تعالى. حرف الدال دارمية الجونية كانت فصيحة اللسان بليغة البيان، غير هيابة في المقال لا يسألها أحد سؤالا إلا جاوبته بأحسن جواب وأقنع خطاب. قال أبوس هل التميمي لما حج معاوية سأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجونية يقال

стр. 175

لها: دارمية وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها فقال: ما جاء بك يا ابنة حام؟ فقالت: لست بابنة حام أنا امرأة من بني كنانة وأنت طلبتني. قال: صدقت أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال بعثت إليك أسألك علام أحببت عليا وأبغضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني. قال: لا أعفيك. قالت: أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمته بالسوية، وأبغضك على قتال من هو أولى منك بالأمر وطلبك ما ليس لك به حق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله ﷺ من الولاء وحبه المساكين وإعظامه لأهل بيته، وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى. قال: فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك. قالت: يا هذا! بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لأبي سفيان وهند. قال معاوية: يا هذه! اربعي فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها وإذا عظم ثدياها تروي رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها. فلما سمعت ذلك رجعت وسكن غضبها ثم قال لها: يا هذه! هل رأيت عليا؟ قالت: نعم رأيته. قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك. قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم، والله فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الصدأ من الطست. قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم، قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء جملها وراعيها قال: ماذا تصنعين بها؟ قالت: أغذوا بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم وأصلح بها بين العشائر. قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: سبحان الله أو دونه. فأنشأ معاوية يقول: إذا لم أعد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحمل خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال: أما والله لو كان علي حيا ما أعطى منها شيئا. قالت: ال والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين ثم أخذتها وانصرفت. دختنوس ابنة لقيط بن زرارة بن عباس الدرامي تزوجها عمرو بن عمرو بن عدس وكانت ابنة عمه وكان عمرو تزوجها بعدما أسن وكان أكثر قومه مالا وأعظمهم شرفا فلم تزل تولع به وتؤذيه وتسمعه ما يكره وتهجوه حتى طلقها فتزوجها من بعده ابن عمها عمير بن معبد بن زرارة، وكانت "دختنوس" شاعر لها شعر كثير منه هجو ومديح ورثاء وكانت ذات شجاعة عظيمة وحكمة غريبة ورأي صائب وكان أبوها لقيط يرجع إلى رأيها ويأخذها في غزواته لكي تهديه إلى الصواب عند الخطأ. وكان أخذها معه في يوم "شعب جبلة" بينه وبين عامر وعبس وكان وجد في طريقه كرب بن صفوان بن الحباب السعدي وكان شريفا فطلب منه الصحبة فأبى محتجا بالبحث عن إبل له فقال: لا أدعك تذهب فتخبر بي القوم فحلف له أن لا يخبرهم ثم سار عنهم وهو مغضب. فلما دنا منهم أخذ خرقة وصر فيها حنظلة وترابا وشوكا وخرقتين من يمانية وخرقة حمراء وعشرة أحجار سود، ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم فوصلت إلى قيس بن زهير العبسي فقال: هذا من صنع الله بنا هذا رجل قد أخذ عليه عهد أن لا يكلمكم فأخبركم أ، أعداءكم قد غزوكم وهم بنو حنظلة، وصاحب بن زرارة، وقبيلتان من اليمن، وفي عشرة أيام يكونون عندكم فخذوا حذركم ولما عاد كرب بن صفوان قال له لقيط: قد أنذرت القوم فأعاد الحلف أنه لم يكلم أحدا فأطلقه فقالت له

стр. 176

"دختنوس": ردني على أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة فاستحمقها وساء كلامها وردها وسار إلى بني عامر وعبس وتحاربا وانكسر قومه وأبلى بلاء حسنا حتى اندك الجرف بفرسه فهجم عليه عنترة فطعنه وعند ذلك تذكر ابنته "دختنوس" فقال" يا ليت شعري عنك دختنوس ... إذا أتاك الخبر المرسوس أتحلق القرون أم تميس ... لإبل تميس إنها عروس فلما بلغها موته قالت ترثيه: ألا أيها الويلات ويلة من بكى ... لضرب بني عبس لقيطا وقد مضى لقد ضربوا وجها عليه مهابة ... ولا تحفل الصم الجنادل من توى فلو أنكم كنتم غداة لقيتم ... لقطا ضربتم بالأسنة ولاقنا عذرتم ولكن كنتم مثل ظبية ... أضاءت لها القناص من جانب الثرا فما ثأره فيكم ولكن ثأره ... شريح أرادته الأسنة والقنا فإن تعقب الأيام من فارس تكن ... عليكم حريقا لا يرام إذا سما ليجزيكم بالقتل قتلا مضعفا ... وما في دماء الخمس يا مال من بوا وقالت ترثيه أيضا: عثر الأغر بخير خن ... دف كهلها وشبابها وأضرها لعدوها ... وأفكها لرقابها وقريعها ونجيبها ... في المطبقات ونابها ورئيسها عند الملو ... ك وزين يوم خطابها وأتمها نسبا إذا ... رجعت إلى أنسابها يرعى عمودا للعش ... يرة رافعا لنصابها ويعولها ويحوطها ... ويذب عن أحسابها ويطأ مواطن للع ... دو وكان لا يمشي بها فعل المدل من الأسو ... د لحينها وتبابها كالكوب الدري في ... لا يخفى بها عبث الأغر به وكل ... منية لكتابها فرت بنو أسد فرا ... ر الطير عن أربابها وهوازن أصحابهم ... كالفأر في أذنابهم ولها مراث كثيرة لم نعثر إلى على هذه منها. دلوكة بنت زباء ملكة من ملوك القبط الأولين بمصر كانت أول امرأة ملكت بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر وكان ملكها عشرين سنة وعملت أعمالا عظيمة أشهرها الجدار المعروف بحائط العجوز. قالوا عنه: إنه أحد العجائب العشرين التي بمصر يحيط بمصر شرقا وغربا من العريش إلى أسوان ويقال له: جدار العجوز أيضا. وسبب بناء هذا الحائط على ما قيل: إن مصر لما خلت من الأشراف والأبطال بعد غرق فرعون وجنوده بالبحر الأحمر اجتمعت النساء، وملكن

стр. 177

عليهن دلوكة وكانت ذات شرف وحكمة ودراية وكان عمرها مائة وستين سنة، فخافت أن يتناولها الملوك فجمعت نساء الأشراف وقالت لهن: إن بلادنا لم يكن يطمع فهيا أحد ولا يمد عينه إليها وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس. فبنت هذا الحائط، وأحاطت به جميع أرض مصر المزارع والمدائن والقرى وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء وأقامت القناطر والترع وجعلت فيه المسالح المجالس على كل ثلاثة أميال مجرس ومسلحةن أي محل للسلاح والمجارس صفان على كل ميل وجعلت في كل مجرس رجالا وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس فيأتيهم الخبر بأي وجه كان في ساعة واحدة فينظرن في ذلك فمنعت بذلك مصر ممن أرادها وفرغت من بنائه في ستة أشهر على ما قيل. وقيل: إنها بنته خوفا على ولدها لا، هـ كان كثير القنص فخافت عليه من سباع البر والبحر واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها. قال المقريزي: وقد بقي من حائط العجوز بقايا كثيرة في بلاد الصعيد وهو مبني من اللبن الكبار. دليلة الفلسطينية امرأة فلسطينية من وادي "سوريف" أحبها "شمشون" فعرف أقطاب الفلسطينيين بحبه لها وقالوا لها: أنظري بماذا قوته العظيمة وبماذا نتمكن منه حتى نوقعه أو نقهره ونحن ندفع إليك كل منا ألفا ومائة درهم من الفضة فقالت: ل "شمشون": أخبرني بماذا قوتك العظيمة وبماذا توثق لتقهر؟ فقال لها: إذا أوثقوني بسبعة أوتار طرية لم تحف بعد فإني أضعف وأصير كواحد من الناس، فدفعوها إليها فشدته بها والكمين رابض عندها في المخدع. ثم قالت له: قد دهمك الفلسطينيون فقطع الأوتار كما يقطع خيط المشاقة إذا أشيط فقالت له: لقد خدعتني فأخبرني بماذا توثق فقال: إن أوثقوني بحبال جديد لم تستعمل قط فإني أضعف وأصير كواحد من الناس ففعلت كما فعلت في المرة الأولى فقطع الحبال كالخيط فكررت السؤال فقال لها: إذا ضفرت سبع خصل من شعر رأسي وربطت بها كالوتد فإني أصير كباقي الرجال فأخذت منه سبع خصل من السرى فمكنتها بالوتد وقالت له: قد دهمك الفلسطينيون فاستيقظ من نومه وقلع الوتد والنسيج والسرى فعاتبته على مخادعتها وكانت تضايقه كل يوم بكلامها وتضاجره حتى تاقت نفسه إلى الموت فأطلعها على ما في قلبه وقال لها: لم يعل راسي لأني ناسك لله من بطن أمي فإن حلقت رأسي فارقتني قوتي. ورأت "دليلة" أنه قد كاشفها بكل ما في قلبه، فأرسلت ودعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: اصعدوا هذه المرة فأضجعته على ركبتيها ودعت رجلا فحلق سبع خصل رأسه ثم قالت له: دهمك الفلسطينيون فاستيقظ ووجد أن قوته قد فارقته فقبضوا عليه وتلقبت "دليلة" بالمحتالة لاحتيالها على "شمشون" -كما مر- وخبرها في سفر القضاة "الإصحاح السادس عشر" منالتوراة. دنانير جارية يحيى بن خالد البرمكي كانت جارية صفراء من مولدات المدينة كان مولاها قد أدبها وخرجها في الأدب والشعر والغناء حتى صارت أدرى الناس بالغناء القديم وأكمل الجواري آدابا، وأكثرهن رواية للغناء والعشر، وأحسنهن

стр. 178

وجها وأظرفن عشرة. فلما رآها خالد بن يحيى البرمكي شغف بها واشتراها، وكان الرشيد يسير إلى منزله ويسمعها حتى ألفها واشتد بها فكان أكثر مسيرة إلى مولاها ويقيم عندها ويبرها ويفرط حتى إنه وهبها في ليلة عقدا قيمته ثلاثون ألف دينار، وعلمت زبيدة بحاله فشكته على أهله وعمومته فعاتبوه على ذلك فقال: مال ي في الجارية أرب في نفسها وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها فإن استحقت أن يؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم. فأقاموا عنده ونقلهم إلى يحيى فلما سمعوها عذروه وعادوا إلى زبيدة، وأشاروا عليها أن لا تلح في أمرها فقبلت ذلك وأهدت إلى الرشيد عشر جوار، وكان اعتماد "دنانير" في غنائها على ما أخذته من بذل المغنية، وهي التي خرجتها وأخذت أيضا من الأكابر الذين أخذت البذل عنهم مثل: فليح وإبراهيم الموصلي وابن جامع وإسحاق ونظارئهم. ولها كاب مجرد في الأغاني مشهور، وكانت تناظر ابن جامع وأمثاله فتغلبهم. وقيل: إنها عملت يوما صوتا أعجب به مولاها يحيى جدا، وأتى إلى إبراهيم الموصلي وطلب إليه أن يسمعه منها لينظر هل هو كما وقع في نفسه. فأتى إبراهيم وغنت "دنانير" الصوت فطرب له إبراهيم واستعاده منها ثلاث مرات لعله يجد موضوعا فيه قابلا للإصلاح يصلحه فينسب غليه فلم يجد. وقال بعضهم: إنها كانت تغني غناء إبراهيم فتحكيه حتى لا يكون بينهما فرق، وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني و"دنانير" باقية فما فقدتني؟ وقامت "دنانير" عند البرامكة دهرا طويلا لم تخرج من عندهم ولا كفرت نعمة مولاها. وشغف بها عقيل مولى صالح بن الرشيد فخطبها، فردته فاستشفع مولاها صالحا وابن محرز وغيرهما فلم تحبه، فكتب إليها: يا دنانير قد تنكر عقلي ... وتحيرت بين وعد مطل شغفي شافعي إليك وإلا ... فاقتليني إن كنت تهوين قتلي ما أحب الحياة يا أخت إن لم ... يجمع الله عاجلا بك شملي فكان كالكاتب على صفحات الماء، ومات ولم يجد لعلته من دواء، وأقامت على الوفاء لمولاها وأصابتها علة الجوع الكلبي وهي عند البرامكة فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة فكأني يحيى يتصدق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار لا، ها كانت لا تصومه. وحكي أن الرشيد دعا بها بعد نكبة البرامكة وأمرها أن تغني فقالت: يا أمير المؤمنين، آليت أن لا أغني بعد سيدي أبدا. فغضب وأمر بصفعها، فصفعت، وأقيمت على رجليها وأعطيت العود فأخذته وهي تبكي أحر بكاء وغنت صوتا يفتت الجلمود حزنا فرق لها الرشيد وأمر بإطلاقها، فانصرفت. دهيا بانة ثابت بن تيفان وقومها جرادة من زنانة، كانت تلقب الكاهنة ملكة البربر في جبل "أوراس". قال ابن خلدون: وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها، فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم، وربما كان لها من المهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم، فملكت ٣٥ سنة وعاشت ١٢٧ سنة، وكان قتل عقبة بن نافع بإغرائها وكان المسلمون يعرفون ذلك منها. قيل: وكان مذهبها ومذهب قومها وقبائل تفوسة اليهودية وكانت تدعى خطاب الشياطين فلما انقضى أمر البربر وقتل "كسيلة" رئيس "أوراس" عندما غزاهم العرب انضم برابرة "أوراس" ومن جاورهم إلى "دهيا" هذه لما كان لها من السيادة والسلطة والدهاء، فلما غزا أفريقيا حسان بن النعمان الغساني من قبل عبد الملك بن مروان استولى على قيروان و"قرطجنة"

стр. 179

ثم سار إلى الكاهنة وحاربها عند نهر "مسكيني" على مرحلة من "باغابة" و"محانة"، فانكسر المسلمون أمامها وقتلت منهم جما غفيرا، وأسرت جماعة منهم: خالد بن يزيد القيسي، فأطلقتهم جميعا ماعدا خالد بن يزيد أبقته عندها واتخذته لها ولدا لشجاعته وشرفه. ففارق حسان أفريقيا وكتب إلى عبد الملك أن يمده بالجيوش، وأقام بعمل برقة خمس سنوات ينتظر ورود الإفادة. وفي هذه المدة ملكت "دهيا" افريقيا كلها وبعد الخمس سنوات سير عبد الملك إلى حسان الجنود والأموال، وأمره أن يناجز "دهيا" الكاهنة، فأرسل حسان رسولا سرا إلى خالد بن يزيد، فكتب إليه خالد يعرفه تفرق البربر بظلم الكاهنة ويأمره بالسرعة فسار حسان وعلمت الكاهنة فقالت: إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة ونحن إنما نريد المزارع والمراعي ولا أرى إلا أن أخرب أفريقيا حتى ييأسوا منها، قم فرقت أصحابها فخربوا البلاد وهدموا الحصون ونهبوا الأموال فلما قرب حسان من البلاد لقيه جم من أهلها من الروم يشكون إليه ظلم الكاهنة فسار إلى "فانيس" فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، فجعل فيها عاملا، فسار على قعصة فأطاعه من بها، واستولى عليها وعلى "قسطيلة" ونفذ أمره وبلغ الكاهنة قدومه، فأحضرت ولديها وخالد بن يزيد وقالت لهم: إني مقتولة هذه المرة فامضوا إلىحسان وخذوا لأنفسكم منه آمانا. فساروا إليه وبقوا معه، وسار حسان نحوها فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا، وأدركت الكاهنة فقتلت، ثم استأمن البربر إلى حسلان فأمنهم وشرط عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا فأجابوا فجعل على هذا العسكر أحب ابني الكاهنة المذكورين. ديدرون ابنة الملك بقلوس هي ملكة "سورو" زوجة "سيته" كاهن "هركليس" الذي كان أغنى الفينيقيين على بكرة أبيهم وأجملهم خلقا وخلقا ثار أخوها "بكاليون" بزوجها فقتله طمعا في استلاب كنوزه فجزعت عليه "ديدون" جزعا عظيما، ولم تطق بعده المكث في صور ففرت مع أخيها "برقا" وثوم ممن تغيروا على أخيها زاعمة أن زوجها المقتول قد أمرها بالرؤيا أن تبارح صور وكانت قد نقلت خفية على محل اسمه "كرنا" واقع بني صور وصيدا قسما جليلا من أمتعتها وثروتها فركبت من هناك سائرة إلى شمال فينيقية فعاجت بسيرها لجزيرة قبرص، وكان يوم عيد، فرأت على الشاطء ربربا من أجمل بنات الجزيرة مجتمعا هناك للهو والمرح، فاختطف رجالها منهم وأقلعوا حتى إذا بلغوا سواحل "زوجيتا" تجاه جزيرة صقلية، استأذنت "ديدون" ملكها "برياس" في بناء قلعة فأذن لها على شريطة أن تبذل له خراجا فرضيت وبنت هناك قلعة بصرة ومعناه حصن باللغة الفينيقية فحرفه اليونان فسموها "برسا" أي جلد الثور. ثم اشترت منن ملك "موريطانيا" أرضا أنشأت فيها مدينة قرطاجنة الأفريقية، وذلك سنة ٨٦٠ قبل المسيح وكان "أيارياس" قد شغف بها حبا فخطبها من نفسها ولما لم تسعها مخالفته حرصا على حياة قومها، وكانت مرتبطة مع زوجها المقتول بقسم أن لا تستبدله بآخر، طلبت مهلة ثلاثة أشهر لكي تستعد للزفاف عليه فلباها، ولكنها في نهاية المدة المذكورة علت رابية هناك وطعنت نفسها بخنجر فماتت. فكانت سيرتها موضوعا جميلا لكتبة الإفرنج يبنون عليها رواياتهم المفجعة وقد عثر المتأخرون على تمثلا ل "ديدون" منحوت بيد "كيرين" الشهير. قيل: إنه محفوظ الآن بدار الآثار في لندن.

стр. 180

حرف الذال ذات الخال هي في الأصل لقرين مولى العباسة بنت المهدي ويكنى بأبي الخطاب وكان يعشقها إبراهيم الموصلي وله فيها أشعار كثيرة منها قوله: ما بال شمس أبي الخطاب قد حجب ... ت يا صاحبي لعل الساعة اقتربت أولا فما بال ريح كنت آنسها ... عادت علي بصر بعد ما جنبت إليك أشكو أبا الخطاب جارية ... غريرة بفؤادي اليوم قد لعبت وأنت قيمها فانظر لعاشقها ... يا ليتها قربت مني وما بعدت وما زال يقول فيها الشعر ويغني فيه حتى شهرها بشعره وغنائه وبلغ الرشيد خبرها فاشتراها بسبعين ألف درهم. ودعت الرشيد يوما فوعدها أن يصير غليها وخرج يريدها فاعترضته جارية أخرى، فسألته أن يدخل إليها فدخل وأقام عندها، فشق ذلك على "ذات الخال" وقالت: والله لأطلبن له شيئا أغيظه به، وكانت من أحسن النساء وجها، ولها خال على خدها فقطعته وبلغ ذلك الرشيد فشق عليه وبلغ منه فخرج من موضعه وقال للفضل بن الربيع: انظر من الباب من الشعراء؟ فقال: رأيت الآن الأحنف. فقال: أدخله. فعرفه الرشيد الخبر، وقال: اعمل في هذا شيئا على معنى رسمه له، فقال: تخلصت ممن لم يكن ذا حفيظة ... وملت إلى من لا يغيره حال فإن يك قطع الخال لما تعطفت ... على غيرها نفسي فقد ظلم الخال فنهض الرشيد إلى "ذات الخال" مسرعا مسترضيا وجعل لها هذين البيتين سببا وأمر للعباس بألفي دينار وأمر إبراهيم الموصلي فغناه في هذا الشعر وغضب الرشيد عليها يوما وقال في مجلسه: أيكم يأخذ "ذات الخال" حتى أهبها له فبكر حمويه الوصيف فقال: أنا يا أمير المؤمنين فوهبا له، فقال إبراهيم: أتحسب ذات الخال راجية ربا ... وقد سلبت قلبا يهيم بها حبا وما عذرها نفسي فداها ولم تدع ... على أعظمي لحما ولم تبقي لبا ثم اشتاقها بعد ذلك الرشيد فقال لحمويه: ويلك يا حموية، وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك قال: يا أمير المؤمنين، مر فيها بأمرك. قال: نحن عندك غدا فمضى فاستعد لذلك واستأجر لها من بعض الجوهر بين زينة وعقودا ثمنها اثنا عشر ألف دينار، فأخرجها على الرشيد وهو عليها، فلما رآه أنكره فقال: ويلك يا حمويه من أين لك هذا وما وليتك عملا تكسب فيه مثله، ولا وصل إليك مني هذا القدر؟ فصدقه عن أمره فبعث الرشيد إلى أصحاب الجوهر فأحضرت واشترى الجوهر منهم ووهبه لها، ثم حلف أ، لا تسأله في يومه ذلك حاجة إلا قضاها فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك، وكتب له عهده به وشرط على ولي عهده أن يتمها له إن لم تتم في حياته وضموا يومهم في أحسن ما يكون، ومن قول إبراهيم فيها: أبد لذات الخال يا ثعلب ... قول امرئ في الحب لا يكذب
следующие страницы →