← Тараджим

Тараджим · id 9229

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور

زينب فواز

Полный текст (532 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

"دختنوس": ردني على أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة فاستحمقها وساء كلامها وردها وسار إلى بني عامر وعبس وتحاربا وانكسر قومه وأبلى بلاء حسنا حتى اندك الجرف بفرسه فهجم عليه عنترة فطعنه وعند ذلك تذكر ابنته "دختنوس" فقال" يا ليت شعري عنك دختنوس ... إذا أتاك الخبر المرسوس أتحلق القرون أم تميس ... لإبل تميس إنها عروس فلما بلغها موته قالت ترثيه: ألا أيها الويلات ويلة من بكى ... لضرب بني عبس لقيطا وقد مضى لقد ضربوا وجها عليه مهابة ... ولا تحفل الصم الجنادل من توى فلو أنكم كنتم غداة لقيتم ... لقطا ضربتم بالأسنة ولاقنا عذرتم ولكن كنتم مثل ظبية ... أضاءت لها القناص من جانب الثرا فما ثأره فيكم ولكن ثأره ... شريح أرادته الأسنة والقنا فإن تعقب الأيام من فارس تكن ... عليكم حريقا لا يرام إذا سما ليجزيكم بالقتل قتلا مضعفا ... وما في دماء الخمس يا مال من بوا وقالت ترثيه أيضا: عثر الأغر بخير خن ... دف كهلها وشبابها وأضرها لعدوها ... وأفكها لرقابها وقريعها ونجيبها ... في المطبقات ونابها ورئيسها عند الملو ... ك وزين يوم خطابها وأتمها نسبا إذا ... رجعت إلى أنسابها يرعى عمودا للعش ... يرة رافعا لنصابها ويعولها ويحوطها ... ويذب عن أحسابها ويطأ مواطن للع ... دو وكان لا يمشي بها فعل المدل من الأسو ... د لحينها وتبابها كالكوب الدري في ... لا يخفى بها عبث الأغر به وكل ... منية لكتابها فرت بنو أسد فرا ... ر الطير عن أربابها وهوازن أصحابهم ... كالفأر في أذنابهم ولها مراث كثيرة لم نعثر إلى على هذه منها. دلوكة بنت زباء ملكة من ملوك القبط الأولين بمصر كانت أول امرأة ملكت بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر وكان ملكها عشرين سنة وعملت أعمالا عظيمة أشهرها الجدار المعروف بحائط العجوز. قالوا عنه: إنه أحد العجائب العشرين التي بمصر يحيط بمصر شرقا وغربا من العريش إلى أسوان ويقال له: جدار العجوز أيضا. وسبب بناء هذا الحائط على ما قيل: إن مصر لما خلت من الأشراف والأبطال بعد غرق فرعون وجنوده بالبحر الأحمر اجتمعت النساء، وملكن

стр. 177

عليهن دلوكة وكانت ذات شرف وحكمة ودراية وكان عمرها مائة وستين سنة، فخافت أن يتناولها الملوك فجمعت نساء الأشراف وقالت لهن: إن بلادنا لم يكن يطمع فهيا أحد ولا يمد عينه إليها وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس. فبنت هذا الحائط، وأحاطت به جميع أرض مصر المزارع والمدائن والقرى وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء وأقامت القناطر والترع وجعلت فيه المسالح المجالس على كل ثلاثة أميال مجرس ومسلحةن أي محل للسلاح والمجارس صفان على كل ميل وجعلت في كل مجرس رجالا وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس فيأتيهم الخبر بأي وجه كان في ساعة واحدة فينظرن في ذلك فمنعت بذلك مصر ممن أرادها وفرغت من بنائه في ستة أشهر على ما قيل. وقيل: إنها بنته خوفا على ولدها لا، هـ كان كثير القنص فخافت عليه من سباع البر والبحر واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها. قال المقريزي: وقد بقي من حائط العجوز بقايا كثيرة في بلاد الصعيد وهو مبني من اللبن الكبار. دليلة الفلسطينية امرأة فلسطينية من وادي "سوريف" أحبها "شمشون" فعرف أقطاب الفلسطينيين بحبه لها وقالوا لها: أنظري بماذا قوته العظيمة وبماذا نتمكن منه حتى نوقعه أو نقهره ونحن ندفع إليك كل منا ألفا ومائة درهم من الفضة فقالت: ل "شمشون": أخبرني بماذا قوتك العظيمة وبماذا توثق لتقهر؟ فقال لها: إذا أوثقوني بسبعة أوتار طرية لم تحف بعد فإني أضعف وأصير كواحد من الناس، فدفعوها إليها فشدته بها والكمين رابض عندها في المخدع. ثم قالت له: قد دهمك الفلسطينيون فقطع الأوتار كما يقطع خيط المشاقة إذا أشيط فقالت له: لقد خدعتني فأخبرني بماذا توثق فقال: إن أوثقوني بحبال جديد لم تستعمل قط فإني أضعف وأصير كواحد من الناس ففعلت كما فعلت في المرة الأولى فقطع الحبال كالخيط فكررت السؤال فقال لها: إذا ضفرت سبع خصل من شعر رأسي وربطت بها كالوتد فإني أصير كباقي الرجال فأخذت منه سبع خصل من السرى فمكنتها بالوتد وقالت له: قد دهمك الفلسطينيون فاستيقظ من نومه وقلع الوتد والنسيج والسرى فعاتبته على مخادعتها وكانت تضايقه كل يوم بكلامها وتضاجره حتى تاقت نفسه إلى الموت فأطلعها على ما في قلبه وقال لها: لم يعل راسي لأني ناسك لله من بطن أمي فإن حلقت رأسي فارقتني قوتي. ورأت "دليلة" أنه قد كاشفها بكل ما في قلبه، فأرسلت ودعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: اصعدوا هذه المرة فأضجعته على ركبتيها ودعت رجلا فحلق سبع خصل رأسه ثم قالت له: دهمك الفلسطينيون فاستيقظ ووجد أن قوته قد فارقته فقبضوا عليه وتلقبت "دليلة" بالمحتالة لاحتيالها على "شمشون" -كما مر- وخبرها في سفر القضاة "الإصحاح السادس عشر" منالتوراة. دنانير جارية يحيى بن خالد البرمكي كانت جارية صفراء من مولدات المدينة كان مولاها قد أدبها وخرجها في الأدب والشعر والغناء حتى صارت أدرى الناس بالغناء القديم وأكمل الجواري آدابا، وأكثرهن رواية للغناء والعشر، وأحسنهن

стр. 178

وجها وأظرفن عشرة. فلما رآها خالد بن يحيى البرمكي شغف بها واشتراها، وكان الرشيد يسير إلى منزله ويسمعها حتى ألفها واشتد بها فكان أكثر مسيرة إلى مولاها ويقيم عندها ويبرها ويفرط حتى إنه وهبها في ليلة عقدا قيمته ثلاثون ألف دينار، وعلمت زبيدة بحاله فشكته على أهله وعمومته فعاتبوه على ذلك فقال: مال ي في الجارية أرب في نفسها وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها فإن استحقت أن يؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم. فأقاموا عنده ونقلهم إلى يحيى فلما سمعوها عذروه وعادوا إلى زبيدة، وأشاروا عليها أن لا تلح في أمرها فقبلت ذلك وأهدت إلى الرشيد عشر جوار، وكان اعتماد "دنانير" في غنائها على ما أخذته من بذل المغنية، وهي التي خرجتها وأخذت أيضا من الأكابر الذين أخذت البذل عنهم مثل: فليح وإبراهيم الموصلي وابن جامع وإسحاق ونظارئهم. ولها كاب مجرد في الأغاني مشهور، وكانت تناظر ابن جامع وأمثاله فتغلبهم. وقيل: إنها عملت يوما صوتا أعجب به مولاها يحيى جدا، وأتى إلى إبراهيم الموصلي وطلب إليه أن يسمعه منها لينظر هل هو كما وقع في نفسه. فأتى إبراهيم وغنت "دنانير" الصوت فطرب له إبراهيم واستعاده منها ثلاث مرات لعله يجد موضوعا فيه قابلا للإصلاح يصلحه فينسب غليه فلم يجد. وقال بعضهم: إنها كانت تغني غناء إبراهيم فتحكيه حتى لا يكون بينهما فرق، وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني و"دنانير" باقية فما فقدتني؟ وقامت "دنانير" عند البرامكة دهرا طويلا لم تخرج من عندهم ولا كفرت نعمة مولاها. وشغف بها عقيل مولى صالح بن الرشيد فخطبها، فردته فاستشفع مولاها صالحا وابن محرز وغيرهما فلم تحبه، فكتب إليها: يا دنانير قد تنكر عقلي ... وتحيرت بين وعد مطل شغفي شافعي إليك وإلا ... فاقتليني إن كنت تهوين قتلي ما أحب الحياة يا أخت إن لم ... يجمع الله عاجلا بك شملي فكان كالكاتب على صفحات الماء، ومات ولم يجد لعلته من دواء، وأقامت على الوفاء لمولاها وأصابتها علة الجوع الكلبي وهي عند البرامكة فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة فكأني يحيى يتصدق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار لا، ها كانت لا تصومه. وحكي أن الرشيد دعا بها بعد نكبة البرامكة وأمرها أن تغني فقالت: يا أمير المؤمنين، آليت أن لا أغني بعد سيدي أبدا. فغضب وأمر بصفعها، فصفعت، وأقيمت على رجليها وأعطيت العود فأخذته وهي تبكي أحر بكاء وغنت صوتا يفتت الجلمود حزنا فرق لها الرشيد وأمر بإطلاقها، فانصرفت. دهيا بانة ثابت بن تيفان وقومها جرادة من زنانة، كانت تلقب الكاهنة ملكة البربر في جبل "أوراس". قال ابن خلدون: وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها، فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم، وربما كان لها من المهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم، فملكت ٣٥ سنة وعاشت ١٢٧ سنة، وكان قتل عقبة بن نافع بإغرائها وكان المسلمون يعرفون ذلك منها. قيل: وكان مذهبها ومذهب قومها وقبائل تفوسة اليهودية وكانت تدعى خطاب الشياطين فلما انقضى أمر البربر وقتل "كسيلة" رئيس "أوراس" عندما غزاهم العرب انضم برابرة "أوراس" ومن جاورهم إلى "دهيا" هذه لما كان لها من السيادة والسلطة والدهاء، فلما غزا أفريقيا حسان بن النعمان الغساني من قبل عبد الملك بن مروان استولى على قيروان و"قرطجنة"

стр. 179

ثم سار إلى الكاهنة وحاربها عند نهر "مسكيني" على مرحلة من "باغابة" و"محانة"، فانكسر المسلمون أمامها وقتلت منهم جما غفيرا، وأسرت جماعة منهم: خالد بن يزيد القيسي، فأطلقتهم جميعا ماعدا خالد بن يزيد أبقته عندها واتخذته لها ولدا لشجاعته وشرفه. ففارق حسان أفريقيا وكتب إلى عبد الملك أن يمده بالجيوش، وأقام بعمل برقة خمس سنوات ينتظر ورود الإفادة. وفي هذه المدة ملكت "دهيا" افريقيا كلها وبعد الخمس سنوات سير عبد الملك إلى حسان الجنود والأموال، وأمره أن يناجز "دهيا" الكاهنة، فأرسل حسان رسولا سرا إلى خالد بن يزيد، فكتب إليه خالد يعرفه تفرق البربر بظلم الكاهنة ويأمره بالسرعة فسار حسان وعلمت الكاهنة فقالت: إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة ونحن إنما نريد المزارع والمراعي ولا أرى إلا أن أخرب أفريقيا حتى ييأسوا منها، قم فرقت أصحابها فخربوا البلاد وهدموا الحصون ونهبوا الأموال فلما قرب حسان من البلاد لقيه جم من أهلها من الروم يشكون إليه ظلم الكاهنة فسار إلى "فانيس" فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، فجعل فيها عاملا، فسار على قعصة فأطاعه من بها، واستولى عليها وعلى "قسطيلة" ونفذ أمره وبلغ الكاهنة قدومه، فأحضرت ولديها وخالد بن يزيد وقالت لهم: إني مقتولة هذه المرة فامضوا إلىحسان وخذوا لأنفسكم منه آمانا. فساروا إليه وبقوا معه، وسار حسان نحوها فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا، وأدركت الكاهنة فقتلت، ثم استأمن البربر إلى حسلان فأمنهم وشرط عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا فأجابوا فجعل على هذا العسكر أحب ابني الكاهنة المذكورين. ديدرون ابنة الملك بقلوس هي ملكة "سورو" زوجة "سيته" كاهن "هركليس" الذي كان أغنى الفينيقيين على بكرة أبيهم وأجملهم خلقا وخلقا ثار أخوها "بكاليون" بزوجها فقتله طمعا في استلاب كنوزه فجزعت عليه "ديدون" جزعا عظيما، ولم تطق بعده المكث في صور ففرت مع أخيها "برقا" وثوم ممن تغيروا على أخيها زاعمة أن زوجها المقتول قد أمرها بالرؤيا أن تبارح صور وكانت قد نقلت خفية على محل اسمه "كرنا" واقع بني صور وصيدا قسما جليلا من أمتعتها وثروتها فركبت من هناك سائرة إلى شمال فينيقية فعاجت بسيرها لجزيرة قبرص، وكان يوم عيد، فرأت على الشاطء ربربا من أجمل بنات الجزيرة مجتمعا هناك للهو والمرح، فاختطف رجالها منهم وأقلعوا حتى إذا بلغوا سواحل "زوجيتا" تجاه جزيرة صقلية، استأذنت "ديدون" ملكها "برياس" في بناء قلعة فأذن لها على شريطة أن تبذل له خراجا فرضيت وبنت هناك قلعة بصرة ومعناه حصن باللغة الفينيقية فحرفه اليونان فسموها "برسا" أي جلد الثور. ثم اشترت منن ملك "موريطانيا" أرضا أنشأت فيها مدينة قرطاجنة الأفريقية، وذلك سنة ٨٦٠ قبل المسيح وكان "أيارياس" قد شغف بها حبا فخطبها من نفسها ولما لم تسعها مخالفته حرصا على حياة قومها، وكانت مرتبطة مع زوجها المقتول بقسم أن لا تستبدله بآخر، طلبت مهلة ثلاثة أشهر لكي تستعد للزفاف عليه فلباها، ولكنها في نهاية المدة المذكورة علت رابية هناك وطعنت نفسها بخنجر فماتت. فكانت سيرتها موضوعا جميلا لكتبة الإفرنج يبنون عليها رواياتهم المفجعة وقد عثر المتأخرون على تمثلا ل "ديدون" منحوت بيد "كيرين" الشهير. قيل: إنه محفوظ الآن بدار الآثار في لندن.

стр. 180

حرف الذال ذات الخال هي في الأصل لقرين مولى العباسة بنت المهدي ويكنى بأبي الخطاب وكان يعشقها إبراهيم الموصلي وله فيها أشعار كثيرة منها قوله: ما بال شمس أبي الخطاب قد حجب ... ت يا صاحبي لعل الساعة اقتربت أولا فما بال ريح كنت آنسها ... عادت علي بصر بعد ما جنبت إليك أشكو أبا الخطاب جارية ... غريرة بفؤادي اليوم قد لعبت وأنت قيمها فانظر لعاشقها ... يا ليتها قربت مني وما بعدت وما زال يقول فيها الشعر ويغني فيه حتى شهرها بشعره وغنائه وبلغ الرشيد خبرها فاشتراها بسبعين ألف درهم. ودعت الرشيد يوما فوعدها أن يصير غليها وخرج يريدها فاعترضته جارية أخرى، فسألته أن يدخل إليها فدخل وأقام عندها، فشق ذلك على "ذات الخال" وقالت: والله لأطلبن له شيئا أغيظه به، وكانت من أحسن النساء وجها، ولها خال على خدها فقطعته وبلغ ذلك الرشيد فشق عليه وبلغ منه فخرج من موضعه وقال للفضل بن الربيع: انظر من الباب من الشعراء؟ فقال: رأيت الآن الأحنف. فقال: أدخله. فعرفه الرشيد الخبر، وقال: اعمل في هذا شيئا على معنى رسمه له، فقال: تخلصت ممن لم يكن ذا حفيظة ... وملت إلى من لا يغيره حال فإن يك قطع الخال لما تعطفت ... على غيرها نفسي فقد ظلم الخال فنهض الرشيد إلى "ذات الخال" مسرعا مسترضيا وجعل لها هذين البيتين سببا وأمر للعباس بألفي دينار وأمر إبراهيم الموصلي فغناه في هذا الشعر وغضب الرشيد عليها يوما وقال في مجلسه: أيكم يأخذ "ذات الخال" حتى أهبها له فبكر حمويه الوصيف فقال: أنا يا أمير المؤمنين فوهبا له، فقال إبراهيم: أتحسب ذات الخال راجية ربا ... وقد سلبت قلبا يهيم بها حبا وما عذرها نفسي فداها ولم تدع ... على أعظمي لحما ولم تبقي لبا ثم اشتاقها بعد ذلك الرشيد فقال لحمويه: ويلك يا حموية، وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك قال: يا أمير المؤمنين، مر فيها بأمرك. قال: نحن عندك غدا فمضى فاستعد لذلك واستأجر لها من بعض الجوهر بين زينة وعقودا ثمنها اثنا عشر ألف دينار، فأخرجها على الرشيد وهو عليها، فلما رآه أنكره فقال: ويلك يا حمويه من أين لك هذا وما وليتك عملا تكسب فيه مثله، ولا وصل إليك مني هذا القدر؟ فصدقه عن أمره فبعث الرشيد إلى أصحاب الجوهر فأحضرت واشترى الجوهر منهم ووهبه لها، ثم حلف أ، لا تسأله في يومه ذلك حاجة إلا قضاها فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك، وكتب له عهده به وشرط على ولي عهده أن يتمها له إن لم تتم في حياته وضموا يومهم في أحسن ما يكون، ومن قول إبراهيم فيها: أبد لذات الخال يا ثعلب ... قول امرئ في الحب لا يكذب

стр. 181

إني أقول الحق فاستيقني ... كل امرئ في حبه يلعب وقال فيها أيضا: جزى الله خيرا من كلفت بحبه ... وليس به إلا المموه من حبي وقالوا قلوب العاشقين رقيقة ... فما بال ذات الخال قاسية القلب وقالوا لها هذا محبك معرضا ... فقالت أرى إعراضه أيسر الخطب فما هو إلا نظرة بتبسم ... فتنشب رجلاه ويسقط للجنب وقال فيها أيضا. ولكن فلنذكر السبب وهو أن إبراهيم الموصلي لعب الشطرنج يوما مع ابن زيدان صاحب البرامكة فدخل عليهما إسحاق فقال أبوه: ما أفدت اليوم؟ فقال: أعظم فائدة، رجل سألني ما أفخم كلمة في الفم فقلت: لا إله إلا الله. فقال أبوه: إبراهيم أخطأت، هلا قلت دنيا ودينا فأخذ ابن زيدان الشاه فضرب به رأس إبراهيم وقال: يا زنديق، أتكفر بحضرتي فأمر إبراهيم غلمانه فضربوا ابن زيدان ضربا شديدا فانصرف من ساعته إلى جعفر بن يحيى وحدثه الخبر وعلم إبراهيم أنه قد أخطأ وجنى، فركب إلى الفضل بن يحيى فاستجار به فاستوهبه الفضل من جعفر فوهبه له فانصرف وهو يقول: إن لم يكن حب ذات الخال عناني ... إذا فحولت في مسك ابن زيدان فإن هذي يمين ما حلفت بها ... إلا على الصدق في سري وإعلاني ذبية بنت ثبية الفهمية كانت من أحسن بني فهم حسبا وأعرقهن نسبا، وأكثرهن أدبا، وأبهاهن جمالا، وألطفن كمالا، لها شعار لطيفة ورثاء مقبول منها: قولها ترثي قومها كانوا قتلوا بصورة وهو مكان بأراضي مكة: ألا إن يوم الشر يوم بصورة ... ويوم فناء الدمع لو كان فانيا لعمري لقد أبكت فريم وأوجعوا ... بجرعة بطن القيل من كان باكيا قتلتم نجوما لا يحول ضيفهم ... ولا يذخرون اللحم أخضر ذاويا عماد سمائي أصبحت قد تهدمت ... فخري سمائي لا أري لك بانيا ذؤابة امرأة رباح القيسي كانت ﵂ تقوم الليل كله وكانت إذا مضى الربع الأول تقول له: قم يا رباح للصلاة، فلا يقوم، فتقوم ثم تأتيه وتقول له: قم يا رباح، فلم يقم، فتقوم الربع الآخر، ثم تأتيه وتقول: قم يا رباح فلا يقوم، فتقوم الربع الآخر، إلى تمام الليل ثم تأتيه وتقول: قم يا رباح قد مضى عسكر الليل وأنت نائم فليت شعري من غرني بك يا رباح ما أنت إلا جبار عنيد. وكانت تأخذ تبنة من الأرض وتقول: والله للدنيا أهون علي من هذه وكانت إذ صلت العشاء تطيبت ولبست ثيابها ثم تقول لزوجها: ألك حاجة فإن قال لا نزعت ثياب زينتها وصلت إلى الفجر ﵂. حرف الراء راحاب الإسرائيلية امرأة مشهورة من "أريحاء" قبلت في بيتها الجاسوسين اللذين أرسلهما "يشوع" ليجسا الأرض وأخبأتهما عن

стр. 182

أبناء بلدتها وأنقذتهما بحيلة كما هو مذكور في "الإصلاح الثاني من سفر يشوع" غير مطيعة لأمر الملك فكوفئت على ذلك بإنقاذها هي وكل عائلتها عندما فتح الإسرائيليون المدينة، ومن الاتفاق أن بيتها كان مبنيا على السور فأمرها الجاسوسان أن تربط خيطا من القرمز بالطاق فيكون علامة لهم على بيتها ثم صارت فميا بعد زوجة لسلمون وجدة للمسيح وقصتها مع الجاسوسين إلى غير ذلك من أخبارها مذكورة في "الإصحاح الثاني والسادس من سفر يشوع". وذكرت أيضا في "إنجيل متى" والرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب الرسول. راحيل ابنة لابان هي زوجية يعقوب وأم يوسف وبنيامين قصتها وردت في "الإصحاح تسعة وعشرين" إلى "الإصحاح ثلاثة وثلاثين". وفي "الإصحاح خمسة وثلاثين من سفر التكوين". وما جرى بينها وبين يعقوب هو من الأمور التي تلذ مطالعتها، فإن جمالها والحب الشديد الذي كان ليعقوب نحوها من حين التقيا أولا على بئر "حاران" حين قابلها على عادة أهل البادية وأخبرها بأنه ابن رفقة والخدمة المستطيلة التي خدم بها إياها بصبر حتى كانت السبع سنين عنده كأنها أيام قليلة صبا بها واتخاذه رياها زوجة أخيرا عوض أختها "لبتة" وموتها عند ولادتها ابنا ثانيا كل ذلك مما يزيد قصتها اعتبارا ولذة. ولما توفيت دفنت على طريق "أفراتة" -أي بيت لحم- وأقام يعقوب نصبا على قبرها وهو أول من نصب على قبر مذكور في التاريخ لأن أهالي تلك الأزمان كانت عادتهم إلى ذلك الوقت أن يتخذوا المقابر مدافن لهم وكان موقع قبرها معروفا في أيام "سموئيل" و"شاول" كما يستفاد من العدد الثاني من "الإصحاح" العاشر من سفر سموائيل الأول" وقد وصفها "إرميا" النبي بعبارات مؤثرة جدا: "راحيل" المدفونة تبكي على فقد بنيها وذلك لأن جماهير المسبيين الذين سيقوا إلى بابل اجتازوا بالقرب من قبرها. وقد أشار إلى ذلك "متى الإنجيلي" عند قتل "هيروس" الأطفال في بيت لحم. وأما موقع الرامة الوارد ذكرها هناك فهو من المسائل الواقعة تحت البحث عند جغرافي فلسطين ولكن موقع قبر "راحيل" على طريق بيت لحم بعيدا قليلا عن "أفراتة" في تخم بنيامين لم يقع فيه اختلاف وهو على بعد نحو ميلين إلى الجنوب من أورشليم ونحو ميل إلى الشمال من بيت لحم، وهو من الأماكن التي يزورها اليهود والمسلمون والمسيحيون تبركا به وزاره السائح "متدربل" سنة ١٦٩٧م، ووصفه الدكتور "روبنصن" وصفا يتضمن ملخصة ما وصفه به السائحون الشرقيون قال: هو مزار إسلامي، أو مدفن شخص مقدس، حقير، مربع، مبني بالحجارة وله قبة وداخله قبر أشبه بقبور المسلمين المألوفة، وكله مطين بالطين من خارج، ومنظر البناء لا يدل على أنه قديم. وفي القرن السابع لم يكن هناك إلا شبه هرم من الحجارة، وأما الآن فهو مهمل وأخذ في السقوط على أن السائحين من اليهود لا يزالون يزورونه، وجدرانه مغطاة بأسماء من عدة لغات وكثير منها عبراني، واتفاق العموم على أن ذلك المقام هو قرب "راحيل" لا سبيل إلى الاعتراض عليه لأن ما ورد في الكتاب المقدس يعضده من كل وجه. وقد ذكره أيضا كثيرون من السائحين من سنة ٣٣٣ للميلاد وذلك "ايرتبموس" وغيره في ذلك العصر. رادغنده ابنة برنير ملك تورتجه ملكة فرنسوية، ولدت سنة ٥٢١م، فلما قام أخوها "هرمنفدو" على أبيه وقتله واختلس الملك، نهض عليه "سيرى"

стр. 183

و"كلوتيد الأول" ملك فرنسا وسلباه الملك، واقتسماه بينهما، فوقعت "رادغنده" في حصة "كلوتير" وكانت قد تربت على الوثنية وكان عمرها حينئذ عشر سنوات فأدخلها "كلوتير" في المذهب المسيحي حتى إذا تهذبت وترعرعت تزوجها سنة ٥٣٨م، وألبست تاج الملك في "سواسون" وكان لها ميل شديد إلى العيشة الرهبانية، فلم تمض ست سنوات حتى استأذنت الملك في الاعتزال إلى بعض الأديرة فسمح لها ولم يكن له منها ولد وأقطعها أرضاً تعيش فيها إذا أرادت فأتت أولا إلى "بواتيه"، ثم انتقلت سنة ٥٤٤م لما قاطعها فاشتهرت في "أكوتيانيا"بفضيلتها وتقواها حتى تقاطر إليها الناس وأشهر الأساقفة. وفي سنة ٥٥٩م أنشأت ديرا في "بواتيه" على اسم الصليب وذلك لأن الإمبراطور "بوتينوس" كان قد أهدى إليها هدية من جملتها قطعة من خشبة الصليب ثم بنت كنيسة على اسم العذراء وأقامت تمارس الفضائل وأعمال القداسة والتقشف والزهد إلى أن توفيت في ١٣ آب (أغسطس) سنة ٥٨٧م ودفنت تحت الخورس في الكنيسة التي بنتها ونسب إليها فعل عجائب كثيرة ونقلت جثتها إلى "ديجون" عند اكتساح العرب "أكوتيانيا" في القرن الثامن، ثم أعيدت إلى "بواتيه" بعد مدة طويلة. وقيل: لما فتح قبرها سنة ١٤١٢م كان جسدها باقيا لم يبل وبقي هناك إلى سنة ١٥٦٢م ثم تلاشى وتفرقت أجزاؤه في الحروب الدينية. ولها عيد في ١٣ آب المذكور. وكتب كثيرون من الآباء سيرتها، ونظموا على اسمها قطعا كثيرة للترتيل، وحفظت من خط يدها رسالة بعثت بها قبل موتها بقليل إلى كل أساقفة فرنسا عنوانها وصية "راغندة". رادكليف مؤلفة إنكليزية ولدت في لندن سنة ١٧٦٤م، وتوفيت سنة ١٨٢٣م. وتزوجت رجلا من "أكسفرد" صاحب جريدة، واشتغلت في تصنيف قصص على طرز جديد فاشتهرت في وقت قليل بحذفها في الإنشاء وحسن أساليبها وكان مدار مواضيع هذه القصص بث انفعالات شديدة في النفس كالرعب والهول وغوامض الأسرار والأمور العجيبة الذي يقرؤها يتوهم نفسه محاطا بالخيالات والأشباح الوهمية والأرواح الجهنمية أو السماوية، ثم يظهر سرها وينكشف أمرها في آخر القصة فتنطبق على أسباب طبيعية. وقيل: إنها هي نفسها كانت تتخيل مثل هذه الخيالات المطبوعة في مخيلتها أفضى بها الأمر إلى اختلال عقلها في أواخر حياتها، ولما شاعت قصصها وتطلبها الناس برغبة صار بعض الكتبة ينشر قصصه تحت اسمها من قلمه، وإذا لم تر هذه القصص المزورة لائقة بها انقطعت عن التصنيف ولم تكتب منذ ظهورها شيئاً ويقال: إن القصة التي عنوانها "أسرار أو دلف" اشتراها منها صاحب المطبعة بمبلغ ٢٥ ألف فرنك وترجمت كل قصصها إلى الفرنساوية. راعوث امرأة موابيه كانت أولا زوجة ل "محلون" وبعد وفاته تزوجت ب"بوعز" فولد منها "عوبيد" جد داود النبي. وهي واحدة النساء الأربع اللواتي ذكرهن القديس متى في سلسلة "ميلاد المسيح" والثلاث الأخر هن "ثاماء" و"راجاب" وزوجة "أوريا" وما جرى ل "راعوث" مذكور بطريقة لطيفة في السفر المنسوب إليها وملخصة: أنه حدث جوع شديد في أرض "يهوذا" ربما نشأ من حلول الموآبيين تلك الأرض في أيام "عجلون" فأجئ أليملك من أهالي بيت لحم "أفراتة" أن يهاجر إلى أرض مداب هووزوجته نعمى وابناه "محلون" و"كلبون" وبعد مضي عشر سنين ترملت نعمى ومات ولدها وسمعت أنه قد زالت المجاعة من أرض "يهوذا" فرجعت "راعوث" وكنتها معها لأنها كانت تحبها

стр. 184

جدا وتحب ديانتها فوصلت إلى بيت لحم في أيام حصاد الشعير فذهبت "راعوث" لتلقط شعيراً للقيام بأمر حماتها واتفق أنها أتت حقل "بوعز" وكان رجلا غنيا وقريبا لحميها أليملك وكان القوم قد بلغهم ما كان من صنيعها مع حماتها وأمانتها لها وتفضيلها لأرض بعلها على وطنها فأحسن "بوعز" معاملتها وأعطاها ما التقطته ثم اتخذها له زوجة فرزق منها أولاداً كان من سلالتهم المسيح وإذا كانت "راعوث" جدة نبي الله داود يستنتج أنها كانت في أواخر حبرية "عالي" أو أول حبرية "صموائيل" ومن أراد تفاصيل قصتها فليراجعها في سفر راعوث. راحيل الممثلة الشهيرة ولدت هذه الشهيرة في الرابع والعشرين من شهر مارس سنة ١٨٢١م في قرية منف من أعمال سويسرا وكان أبوها يهوديا يحمل البضاعة ويطوف بها على البيوت وكان أسامها في الصغر "أليا" ثم دعيت "راحيل" بعد أن صارت مشخصة وكان لها أخ وأربع أخوات صاروا جميعهم مشخصين. وانتقلت هذه العائلة من "سويسرا" إلى "جرمانيا"، ثم جاءت فرنسا فاستوطنت أولا بهون، ثم انتقلت إلى باريس وكانت "راحيل" وأختها "سارة" تغنيان في القهاوي والأزقة، وكان الناس يتصدقون عليهما واتفق يوما أن رآهما أحد المحسنين فعجب بهما وبالأخص ب "راحيل" وسألها قائلا من علمك الغناء؟ فأجابته" قد تعلمته بنفسي. فقال لها: وأين سمعت هذه الأغنية؟ فأجابت: قد سمعتها وأنا في الشوارع أمام الشبابيك، فحفظت منها ما أمكن حفظه فأعطاها بعض الثياب وصرفها ومن ذلك الوقت لم تعد تظهر في الشوارع. وظهرت "راحيل" أول مرة في المرسح الفرنساوي في ١٢ يونيو سنة ١٨٣٨م، ولم يكن في المرسح سوى أربعة أو خمسة أشخاص على الكراسي وبعض اليهود في أعلى التياترو، وهؤلاء كانوا قد أتوا ليسمعوا ابنة ملتهم وقد وصف الدكتور "فرون" تلك الليلية بقوله: ذهبت ذات يوم مساء للتنزه وكان الوقت حارا قليلا شأن أيام الصيف عندنا فدخلت المرسح الفرنساوي وإذا في محل التمثيل فتاة جديدة، وقد رأيت على وجه هذه الفتاة ملامح الحذق والذكاء حتى إن كل لفتة منها كانت تأتي بمعني جديد إلى أن قال: وما أخال أحداً من القراء يجهل هذه الفتاة التي ملأ ذكرها الأسماع -ألا وهي "راحيل" الممثلة الشهيرة- ولم يأت آخر (أغوسطوس) من تلك السنة حتى ملأ صيتها باريس، وأطنب بمدحها كثيرون من أرباب الأقلام، من جملتهم "جولجانن" الشهير. وفي مدة لاتزيد عن ثلاثة أشهر توجت ملكة التمثيل وأشغلت الناس عن سواها من ممثلات تلك الأيام واعتبرها الشعب الفرنسوي غاية الاعتبار، فكانت واسطة عقد جمعياتهم وزهرها، وكانت الدعوات تأتي إليها من كل صوب حتى إنها كتبت إلى أحد أصدقائها تقول: لا يمكن للإنسان أن يأخذ حريته في معيشته إذا كان ممثلا مشهورا لدى الشعب الفرنسوي وكانت الوزراء تتردد على التياترو لسماعها والملك "لويس فيليب" أتى التياترو مرات عديدة إكراما ولها وذلك خلاف عادته ولم ينسها النجاح أهلها بل كانت تودهم كثيرا، وكتاباتها لهم مملوءة من المحبة والحنو، وكانت تود أصحابها القدماء كثيرا، وبلغها ذات يوم وفاة أحدهم فأرسلت إلى عائلته مبلغاً هائلاً من المال. وقد أحيت بتمثيلها العوائد والمناظر الرومانية واليونانية التي كان قد مضى عليها مدة طويلة في زوايا النسيان، وقد وصفها "إسكندر دوماس" الراوي الشهير بأنها ذات سلطان قوي على عقول السامعين، فتؤثر فيهم حركاتها ونظراتها وصوتها المشجى حتى كانوا يملون من الفترة بين الفصول. وذهبت "راحيل" سنة ١٨٤٠م إلى إنكلترا فأطنبت الجرائد بمدحها منها جريدة "التيمس" التي قالت: "إن تأثيرها في العقول ابتدأ من أول

стр. 185

عبارة لفظتها". وذكر أحد الذين حضروا هناك أنها كانت تظهر أمامهم بجميع المظاهر وتبين لهم القلب البشري بكل أوصافه فكانت تظهر تارة بزي القتلة، فتبدو على وجهها علامات الغضب والشر حتى لا يشك الناظر أنها قاتلة ثم تمثل دورا لطيفا فتغلب عليها طبيعة النساء وتظهر من الرقة واللطف ما يخلب الألباب، وهكذا كانت تتلاعب بالحاضرين كأنهم آلة في يدها، ومما يدل على ثباتها وعزمها ما أظهرته في تمثيل رواية "بايزيد" فإنها مثلتها أول مرة في ٢٣ (نوفمبر) سنة ١٨٣٨م، ولم تنجح فعادت بالفشل. وفي اليوم الثاني نشرت الجرائد الخبر في المدينة كلها وقام الانتقاد عليها من كل صقع وناد، ولما رأت ذلك سارت إلى صديقها "جانن" الذي مر ذكره لعلها تلطف حكمه عليها ولو قليلا فقابلها بلطف وبين لها غلطها ونصحها أن لا تقدم على تمثيل هذه الرواية مرة أخرى فقالت له: إني سأمثل هذه الرواية بعد رغما عن كل أهل باريس ومثلتها، كما قالت، فنجحت النجاح التام حتى أذهلت الحاضرين، وكان "ألفردميست" من جملة المشهرين لها فإنه كان يمدحها في الجرائد ويحث الناس على الأخذ بيدها وتنشيطها. حكي أنه صادفها ذات ليلة خارجه من التياترو الفرنساوي فدعته مع بعض الأصدقاء إلى العشاء قال: لما وصلوا إلى البيت نظرت إلى يديها فرأت أنها نسيت أساورها وخواتمها في التياترو فأرسلت خادمتها تجيء بها إليها، ولما لم يكن في بيت أبيها غير هذه الخادمة قامت هي بنفسها وذهبت إلى المطبخ ثم عادت بعد ربع ساعة ووضعت أمامها صحناً من المرق وبعض اللحم المشوي وطلبت إلينا أن نأكل من الصحون الكبيرة إذ كانت الصحون الصغيرة في الخزانة، والمفتاح مع الخادمة، وكانت وهي على العشاء تحدثنا عن حالتها الأولى وما كان أبوها عليه من الفقر وكانت والدتها وأخواتها ينظرون إليها شزرا ويشيرون إليها بأن تسكت. أما هي فأجابتهم: أنه لا عيب في الفقر بل إنها تفخر بأنها نشأت من حال كهذه ووصلت إلى ما وصلت إليه بجدها. وبعد العشاء ذهب الأصدقاء وبقيت أنا وحدي فأخذت تقرأ لي أشعار "راسين" وقد رأيت أنها تفهمها جيدا، ودامت كذلك حتى مضى نصف الليل ورجع أبوها، فلما رآها انتهرها وأمرها بأن تنام حالا فقامت والدموع ملء عينها وسمعتها تقول وهي ذاهبة: سأشتري قنديلا وأضعه في غرفتي الخصوصية حتى لا يمنعني أحد من المطالعة، فذهبت متعجبا من اجتهادها وثباتها. وذكر في موضع آخر أنه تغدى عندها ذات يوم وكان على الغداء عدة من الأصحاب فنظر أحدهم إلى يدها وقال لها: ما أجمل خاتمك! فقالت له: إذا كان قد أعجبك فسأضعه تحت المزايدة فدفع أحد الحضور خمسمائة فرنك ودفع الآخر ألفا، وهكذا حتى بلغ ثلاثة آلاف، ثم التفتت إلي وقالت لي: وأنت كم تدفع؟ فأجبتها: إني أدفع محبتي فرمت بالخاتم إلي وطلبت مني إتمام وعدي بنظم دور كانت طلبته مني. وذهبت "راحيل" إلى إنكلترا مرة ثانية سنة ١٨٥٥م فشخصت في قصر الملكة فأنعمت عليها الملكة بسوار قد كتبت عليه بالألماس إلى "راحيل" من الملكة "فيكتوريا"، وأرسل إليها "دوق ولنثون" رسالة يقول فيها" إني أرسل احتراماتي إلى الماداموازل "راحيل" وقد استأجرت "لوجن" في التياترو حتى أتمكن من حضور تمثيلها. وذهبت سنة ١٨٥٥م إلى أمريكا ولكنها لم تنجح لأن الأميركان لا يهتمون كثيرا بالروايات الفرنساوية لأنهم لا يفهمونها واشتد عليها مرض الصدر في نيويورك فرجعت إلى فرنسا وأشار الأطباء عليها بالقدوم إلى مصر فأتت إليها ولكنها لم تستفد كثيرا فيها لأنها شعرت بنفسها أنها وحيدة بعيدة عن أصدقائها حتى إنها كتبت إلى فرنسا تقول: إني سأموت من الوحدة لا من فعل المرض، لأني أرى حولي سوى خرائب الهياكل وأنقاض الأبنية

стр. 186

ورجعت إلى فرنسا وزارت الملاعب التي كانت تمثل فيها، وتوفيت في الثالث من يناير سنة ١٨٥٨م والإجماع على أنها ملكت أمام التمثيل فانقاد لها طوعا ومع ما كانت من أمرها فقد أظهرت في عملها من الثبات والعزم رغما عن ضيق ذات اليد ما تقصر عنه همم الرجال، وقد قالت مرارا عديدة: "إني اتخذت الصبر والثبات دستورا بمعونة الله فوصلت إلى ما وصلت إليه". رابعة الاشمية هي زوجة أحمد بن أبي الحواري. كانت من العابدات الزاهدات، وكان فضلها لا يقدر، وكراماتها لا تنكر. قال أحمد بن أبي الحواري: كانت رابعة لها أحوال شتى، فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف، فسمعتها في حال الحب تقول: حبيب ليس يعدله حبيب ... وما لسواه في قلبي نصيب حبيب غاب عن بصري وشخصي ... ولكن عن فؤادي ما يغيب وسمعتها في حال الأنس تقول: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وسمعتها في الخوف تقول: وزادي قليل ما أراه مبلغي ... أللزاد أبكي أم لطول مسافتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي فيك أين مخافتي قال: فقلت لها مرة -وقد قامت بليل-: ما رأينا من يقوم الليل كله غيرك. قالت: سبحان الله مثلك يتكلم بهذا! إنما أقوم إذا نوديت. قال: فجلست على المائدة في وقت قيامها، فجعلت تذكرني فقلت لها: دعينا نتهنا بطعامنا. فقالت: ليس أنا وأنت ممن ينغص عليه الطعام عند ذكر الآخر. وقالت: لست أحبك حب الأزواج إنما أحبك حب الإخوان. وقالت لزوجها: اذهب فتزوج. قال: فذهبت فتزوجت وكانت تطعمني الطعام وتقول: اذهب لأهلك، وكانت إذا طبخت قدرا قالت: كلها يا سيدي فإنها ما نضجت إلا بالتسبيح. وبقيت على عبادتها إلى أن توفاها الله. رابعة ابنة الشيخ أبي بكر التجاري قال في كتاب "الجلاء الغامض": الست الفاضلة العارفة الكاملة زوجة السيد أحمد أم السيد صالح ست الغفقراء رابعة كانت سليمة الصدر، نقية القلب، لها معرفة جاذبة وحزن دائم ولا تأخذها في الله لومة لائم كانت سيرة جميلة وأوصاف حميدة سماها السيد أحمد: ست الفقراء وكناها أم الفقراء. ويقول: طاعتك على الفقراء واجبة، بكت بين يدي السيد أحمد مرة وقالت: كيف حالي بعدك أبقى أنا وحيدة ويغلق باب المسرة والابتهاج في وجهي؟ فقال ﵁: أهل المملكة يحبونك، وقولك مسموع، والنعمة عليك باقية. فإنقاذ أهل البيت الأحمدي لها مدة حياتها، وكانت تقف على ضريح زوجها وتكلمه وتنتظر الجواب منه فيأتيها شبيه الحلم بالجواب، وما أكرم أحد بعد وفاة زوجها بالولاية إلا وهي كانت عارفة

стр. 187

به سألت ربها في خلافة السيد محمد الموت فتوفيت ليلة الجمعة النصف العاشر من شهر شوال سنة ٦١٣ هـ ودفنت في القبة المباركة. رابعة ابنة إسماعيل البصرية العدوية مولاة آل عتيك كانت ﵂ كثيرة البكاء والحزن، وكانت إذا سمعت ذكر النار غشي عليها زمانا، وكانت تقول: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وكانت ترد ما أعطاه الناس لها وتقول: ما لي حاجة بالدنيا وكانت بعد أن بلغت ثمانين سنة كأنها الخلال البالي تكاد تسقط إذا مشت، وكان كفنها لم يزل موضوعا أمامها، وكان موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها، وسمعت ﵂ سفيان الثوري يقول: وا حزناه فقالت: واقلة حزناه ولو كنت حزينا ما هناك العيش. ومناقبها كثيرة ﵂ ومشهورة. وجاء في ترجمتها لابن خلكان: أنها كانت من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة، وذكر أبو القاسم القشيري في الرسالة أنها كانت تقول في مناجاتها: "إلهي تحرق بالنار قلبا يحبك". فهتف بها مرة هاتف ما كنا نفعل هذا فلا تظني بنا ظن السوء. وقال بعضهم: كنت أهدي لرابعة العدوية فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور، وكانت تقول: "ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئا". ومن وصاياها: "اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم". وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف هذين البيتين: إني جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحث جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وكانت وفاتها في سنة ١٣٥ هـ ذكره ابن الجوزي في "شذور العقود". وقال غيره سنة ١٨٥ هـ رحمها الله تعالى. وقبرها يزار وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور. وذكر ابن الجوزي في كتاب "صفوة الصفوة" في ترجمة رابعة المذكورة بإسناد له متصل إلى عبدة بنت أبي شوال. قال ابن الجوزي: وكانت من خيار إماء الله تعالى، وكانت تخدم رابعة. قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر فكنت أسمعها تقول: إذا وثبت من مرقدها وهي فزعة: "يا نفس كم تنامين وإلى كم تنامين يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور". وكان ذلك دأبها دهرها حتى ماتت ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: "يا عبدة لا تؤذني بموتي أحدا وكفنيني في جبتي هذه" وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون قالت: فكفنتها في تلك الجبة وفي خمار من صوف كانت تلبسه ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة استبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم أر شيئا قط أحسن منه فقلت: يا رابعة، ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها والخمار الصوف؟ قالت: "إن الله نزعه عني وأبدلت به ما ترينه على فطويت أكفاني وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها ويم القيامة". فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: "وما هدا عندما رأيت من كرامة الله لأوليائه" فقلت لها: ما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب. فقالت: "هيهات هيهات سبقتنا والله إلى الدرجات العلا" فقلت: وبم وقد كنت عند الناس أكبر منها. قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا أو أمست فقلت لها: فما فعل بشر بن منصور قالت: "بخ بخ، أعطي

стр. 188

والله فوق ما كان يؤمل". قلت: فمريني بأمر أتقرب به من الله ؟ قالت: عليك بكثرة ذكره يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك رحمها الله تعالى. وكان الحسن البصري توفيت زوجته فأراد زوجة فقيل له عن رابعة العدوية فأرسل إليها يخطبها، فردته وقالت: راحتي يا إخوتي في خلوتي ... وحبيبي دائما في حضرتي لم أجد لي عن هواه عوضا ... وهواه في البرايا محنتي حيثما كنت أشاهد حسنه ... فهو محرابي إليه قبلتي إن أمت وجدا وما ثم رضا ... وإعناني في الورى واشقوتي يا طيب القلب يا كل المنى ... جد بوصل منك يشفي مهجتي يا سروري يا حياتي دائما ... نشأتي منك وأيضا نشوتي قد هجرت الخلق جمعا أرتجي ... منك وصلا فهو أقصى منيتي وكانت تقول مرة: "إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل حبا لك وقصد لقاء وجهك". وتنشد: أحبك حبين حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاك فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عمن سواك وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاك رابعة بنت إسماعيل كانت تقوم من أول الليل إلى آخره، وكانت تقول: "إذا عمل العبد بطاعة الله تعالى أطلعه الجبار على مساوئ عمله فيتشاغل بها دون خلقه". وكانت تصوم الدهر وتقول: "ما مثلي يفطر في الدنيا". وكانت تقول لزوجها: "لست أحبك حب الأزواج وإنما أحبك حب الإخوان". وكانت تقول: "ما سمعت أذانا قط إلا ذكرت منادي يوم القيامة، ورأيت أهل الجنة يذهبون ويجيئون وربما رأيت الحور العين يستترن مني بأكمامهن". ومناقبها كثيرة ﵂. الرباب بنت امرئ القيس ذكر في كتاب "نور الأبصار" ما ملخصه: إن الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن مرداس الكلبي، وكان نصرانيا فأسلم وجاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فدعا له برمح وعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة فتولى قبل أن يصلي صلاة، وما أمسى حتى خطب منه الحسين بنته الرباب فزوجه إياها فأولدها عبد الله وسكينة وكانت الرباب من خيار النساء وأفطنهن، وخطبت بعد قتل الحسين ﵁ فقالت: ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله ﷺ . وبقيت بعده سنة لا يظلها سقف بيت إلى أن ماتت رحمها الله. رصفة بنت آية سرية أخذها "شاول" لنفسه من غير الإسرائيليين، فولدت له "أرموني" و"مغيبوشت" وهي من النساء

стр. 189

المشهورات في العهد القديم مثل "راعوث" و"راجاب" و"إيزابلا". والراجح على ما جاء في قاموس التوراة أنها كانت غريبة عن شعب إسرائيل يتصل نسبها بإحدى العائلات الشريفة فإن "شاول" بأخذه لها وضع عادة جرى عليها ملوك بني إسرائيل من بعده إذ كانوا يتخذون لأنفسهم السراري من غير أبناء جنسهم، وحدث بعد وفاة "شاول" ونزول الفلسطينيين شرقي الأردن أن رصفة ذهبت مع رفيقاتها من عائلة الملك إلى مقرهن الجديد في "محتايم" فوقع لها في هذا المكان حادث ذكر في التوراة، وهو أن "أشبوشت" اتهم "إبيزيا" بالدخول على سرية أبيه فأنكر "إبيزيا" ذلك. وأقام الحجة عليه، ثم أعقبت هذه التهمة حادثة أخري وهي أن "إبيزيا" قتل بخيانة "يوآب" وانتحر "أشبوشت" بعد ذلك. والغالب على الظن بناء على ما يؤخذ من إنكار "إبيزيا" ومدلول الواقعة أن التهمة المذكورة كانت محض زور وبهتان، ولم يذكر في التوراة شيء غير ذلك عن رصفة سوى ما ذكر. وبالاختصار هو أن داود لما رغب إليه الشعب في اقتضاء حقه من عائلة "شاول" وذوي قرباه مقابل ما ناله بسببهم من ضربة الجوع قال لهم: مهما قلتم لي أفعل. فقالوا له: الرجل الذي أفتانا والذين أمروه علينا يبيدونا لكيلا نقيم في كل تخوم إسرائيل، فلنعط سبعة رجال من بنيه فنطلبهم للرب في جوعة "شاول" مختار الرب فأخذ داود ابني رصفة ابنة آية اللذين ولدتهما ل "الشاول" "أرموني" و"مغيبوشت|" وبني "ميراب" بنت "شاول" الخمسة الذين ولدتهم بعد "ريئيل بن برلاري المحولي" وسلمهم إلى يد الجبونيين فصلبوهم على الجبل أمام الرب، فسقط السبعة معا وقتلوا في أيام الحصاد في أولها في ابتداء حصاد الشعير، فأخذت رصفة مسحا وفرشته لنفسها على الصخر من ابتداء الحصاد حتى انصب الماء عليهم من السماء، ولم تدع طيور السماء تنزل عليهم نهاراً ولا حيوانات الحقل ليلا. رضية ملكة دهلي في بلاد الهند ابنة السلطان شمس الدين كانت من أوفر نساء زمانها عقلا وأحسنهن وجها. تعلمت فنون السياسة من صغرها، ولما بلغت حد الكمال ازدادت رونقا، وبهاء وعقلا. ولما مات أبوها السلطان شمس الدين يلمش اجتمع الناس على أخيها ركن الدين وبايعوه بالملك فافتح أمره بالتعدي على أخيه معز الدين فقتله، فانكرت عليه شقيقته رضية ذلك فأراد قتلها وأحست بذلك، فلما كان بعض أيام الجمع خرج ركن الدين إلى الصلاة فصعدت رضية على سطح القصر القديم المجاور للجامع الأعظم ولبست عليها ثياب المظلومين وتعرضت للناس ولكمتهم من أعلى السطح وقالت لهم: إن أخي قتل أخاه ظلما وهو يريد قتلي معه. وذكرتهم أيام أبيها وفعله الخير وإحسانه إليهم، فثاروا عند ذلك على السلطان ركن الدين، وهو في المسجد، فقبضوا عليه وأتوا به إليها فقالت لهم: القاتل يقتل، فقتلوه قصاصا بأخيه. وكان أخوها ناصر الدين صغيرا فاتفق النسا على تولية رضية الملك، فولوها، واستقلت بالملك أربع سنين، ثم إنها اتهمت بعبد لها من الحبشة فاتفق الناس على خلعها وتزويجها. فخلعت وتزوجت من بعض أقاربها وولي الملك أخوها ناصر الدين. رفقة ابنة بتوئيل هي أخت "لابان" وزوجة إسحاق وفي "الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين" خبر ذهاب عبد إبراهيم بأمر سيده إلى أرام النهرين ليأخذ زوجة لابنه إسحاق وما جرى له مع رفقة، وهو واقف على عين الماء لما

стр. 190

خرجت بنات المدينة يستقين ماء وقال: إن الفتاة التي أقول لها ناوليني جرتك لأشرب فتقول: وأنا أسقي جمالك أيضا هي التي عينها الإله لعبده إسحاق، وإذ كان لم ينته كلامه خرجت رفقة التي ولدت ل "بتوئيل" ابن ملكة امرأة نحور أخي إبراهيم وجرتها على كتفها، وكانت الفتاة حسنة المنظر جدا عذراء، فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت، فرض العبد للقائها وقال: اسقيني قليل ماء من جرتك. فقالت: اشرب يا سيدي وأسرعت وأنزلت جرتها على يدها وسقته، ولما فرغت من سقيه، قالت: أتسق لجمالك أيضا حتى تفرغ من الشرب فأسرعت وأفرغن جرتها في المستقاة وركضت أيضا على البئر لتستقي فاستقت لكل جماله والرجل يتفرس فيها طامعا ليعلم أنجح الله طريقة أم لا وحدث عندما فرغن الجمال من الشرب أن الرجل أخذ خزامة ذهب وأنها نصف شاقل، وأعطاها إياها مع سوارين وزنهما عشرة شواقل ذهب. وقال: بنت من أنت أخبريني، وهل عند أبيك مكان لنا لنبيت؟ فقالت له: أنا بنت "بتوئيل" ابنة ملكة وعندنا كل ما تشتهي من القرى فخر الرجل وسجد لله تعالى وقال: تبارك الله الذي لم يمنع لطفه وحقه عن سيدي إذ كنت أنا في الطريق هداني إلى بيت أخوة سيدي، فركضت الفتاة وأخبرته أبويها عن هذه الأمور، فجاء "لابان" أخوها إلى الرجل وهو واقف عند الجمال على العين فقال: ادخل يا مبارك لماذا تقف خارجا وأنا قد هيأت البيت ومكانا للجمال. فدخل الرجل البيت وحل عن الجمل، فأعطي تبنا وعلفا للجمال، وماء لغسل رجليه، وأرجل الرجال الذين معه، ووضع أمامه الطعام ليأكل فقال: لا آكل حتى أتكلن كلامي. فقال: تكلم. فقال: أنا عبد إبراهيم وإن الله قد أكرم مولاي جدا، فصار عظيما وأعطاه غنما وبقرا وفضة وذهبا، وعبيدا وإماء، وجملا وحميرا، وولدت سارة امرأته ولدا له أعطاه كل ماله واستحلفني سيدي بقوله لي: لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن في أرضهم بل تذهب إلى بيت أبي وعشيرتي وتأخذ منهم زوجة لولدي. ثم قص عليهم ما جرى له مع رفقة عند العين، ثم قال: إني أحمد الله الذي هداني في طريق أمين لأخذ ابنة أخ سيدي لابنه والآن إن كنتم تصنعون معروفا وأمانة مع سيدي فأعطوني ما طلبت وإلا فأنصرف يمينا أو شمالا فأجاب "لابان" و"بتوئيل" وقالا: من عند الله خرج الأمر لا نقدر أن نكلمك بشر أو بخير، هذه رفقة أمامك خذها واذهب فلتكن زوجة لابن سيدك كما أمر الله فسجد العبد للأرض وأخرج فضة وذهبا وثيابا وأعطاها لرفقة، وأعطى تحفا لأخيها وأمها، وسألوها: هل تذهبين مع هذا الرجل؟ قالت: اذهب. فأخذها ومضى وسارت معها حاضنتها بعد أن ودعوا رفقة وقالوا لها: أنت بنتنا وأختنا مهما بعدت عنا. وجاء في التوراة ما يستفاد منه أن إسحاق أحب رفقة لا، ها كانت جميلة وصنيعة طائعة لطيفة. ولما مضى عليها تسع عشرة سنة وهي عاقر صلى إسحاق لله ودعاه لأجلها فحبلت وكان في بطنها توأمان وأحبت رفقة يعقوب ولدها الثاني ولما صار إسحاق هرما من مجاعة إلى الأرض الفلسطينية بات محفوفا بخطر من جمال زوجته رفقة كما سمعت إسحاق يقول ليعصوا بكرة: ائتني بعنز واصنع لي أطعمة لآكل وأدعو لك قبل وفاتي قالت ليعقوب: اذهب إلى الغنم وخذ لي من هناك جديين من المعز فاصنع لهما أطعمة لأبيك كما يحب فتحضرها إليه ليأكل حتى يدعو لك قبل وفاته، فقال إن عيصو أشعر وأنا أملس فربما جسني فأجلب على نفسي لعنة لا بركة. فقالت له: لعنتك علي يا ابني، فأجابها فألبسته ثياب عيصو الفاخرة وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جدي المعز فنال يعقوب البركة فلما أخبرت بأن عيصو توعد يعقوب بالقتل بعد

стр. 191

وفاة أبيه لغيظه منه لأنه سبقه إلى بركة أبيه دعت يعقوب إليها وأخبرته بتوعد أخيه وقالت له: فالآن يا بني اسمع لقولي وقم اهرب إلى أخي "لابان" إلى "حاران" وأمم "غنده" أياماً قليلة حتى يرتد سخط أخيك وينسى ما صنعت به، ثم أرسل فآخذك من هناك لئلا أعدمكما في يوم واحد وقالت لإسحاق: مللت حياتي من أجل بنات "حث" إن كان يعقوب يأخذ زوجته من "حث" مثل هؤلاء من بنات الأرض فلما زال حياه وسار برضا أبيه إلى فزان أران" ولم تذكر رفقة عند عود يعقوب على أبيه ولا ذكر دفنها. رقية ابنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ولدت له من أم حبيب الصهباء التغلبية كانت من سبي الذرية الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر فاشتراها علي ﵁ واستحظى بها فأولدها عمرا ورقية المومى إليها، فعمرو الأكبر شقيق رقية. وفي الفصول المهمة كانا توأمين وعمر عمرو هذا خمسا وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث علي ﵁ وذالك أن إخوته أشقاءه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا مع الحسين بالطف فورثهم. وفي الباب العاشر من "المنن" لشعراني قال: وأخبرني الخواص أن رقية بنت الإمام علي -كرم الله وجهه- في المشهد الموجود بتكيتها المعروفة بتكية السيدة رقية بمصر. وهذه التكية في غاية الإتقان والخفة والنورانية وبداخلها ضريح السيدة رقية بعلوه قبة لطيفة الصنعة، وهناك مساكن للصوفية، وحنفيات للوضوء، وجنينة صغيرة ويعمل لها مقرأه وحضرة كل أسبوع، ومولد كل سنة وشعائر هذه التكية مقامة من أوقات السيدة رقية التي يبلغ مقدارها ثلاثة عشر ألف قرش وسبعمائة قرش وثمانية عشر قرشا، واثنين وثلاثين بارة بالعلمة الأميرية المصرية. رقية بنت الفيف عبد السلام بن محمد مزرع المدينة كانت عالمة عاملة، عاقلة كاملة، صادقة الرواية، حسنة الطوية. تعلمت العلم عن جملة من العلماء الأخيار وحدثت بالإجازة عن شيوخ مصر والشام كابن سد الناس من المصريين والمزي وغيره من الشاميين وأقامت في المدينة وفتحت درسا للحديث وانتفع بها أهل الحجاز وهي من مشاهير المحدثين بتلك الأصقاع ولم يوجد مثلها من نساء ذلك الزمان رحمهما الله رحمة واسعة. رقاش ابنة مالك بن فهم بن غنم بن أوس الأسدي رقاش ابنة مالك بن فهم بن غنم بن أوس الأسدي وقيل التنوخي أخت جذيمة الأبرش. كانت من أبدع نساء زمانها وأحسنهن جمالا، وكان عدي بن نصر نديما لجذيمة الأبرش فأبصرته رقاش فعشقته وراسلته ليخطبها إلى جذيمة، وكانت على غاية من الظرف والأدب. فقال لها: لم اجترئ على ذلك ولا أطمع فيه. قالت: إذا جلس على شرابة فاسقه صرفا، واسق القوم ممزوجا فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إلهي فلم يردك فإذا زوجك فاشهد القوم ففعل عدي ما أمره فأجابه جذيمة وأملكه إياها فانصرف إليها فأعرس بها في ليلته وأصبح بالخلوق فقال له جذيمة -وأنكر ما رأى به-: ما هذه الآثار يا عيد؟ قال: آثار العرس: قال: وأي عرس؟ قال: عرس رقاش. قال: من زوجك بها ويحك؟ قال: الملك زوجنيها. فندم جذيمة وأكب على الأرض متفكرا وهرب عدي فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر، فأرسل إليها جذيمة: خبريني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنت أم بهجين

стр. 192

أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون فقالت: لا بل أنت زوجتني أمرا عربيا حسيبا، ولم تستأمرني في نفسي، وأنشدت: أنت زوجتني وما كنت أدري ... وأتاني النساء للتزيين ذاك من شربك المدامة صرفا ... وتماديك في الصبا والجنون فكف عنها وعذرها. ورجع عدي على إياد فكان فيهم فخرج معه فتية يوما متصيدين فرمى به فتى ومنهم فيما بين جبلين فتكسر، فمات، فحملت رقاش، فولدت غلاما فسمته عمرا فلما ترعرع وشب ألبسته وعطرته وأزارته خاله، فلما رآه أحبه وجعله مع ولده. وخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبه فأقام في روضة ذات زهر وثمر فخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو خبأها، فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمر يقول: هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه. فضمه جذيمة إليه والتزمه وسر بقوله وأمر له بحلي من فضة طوق به فكان أول عربي ألبس طوقا. وقصة عمرو مشهورة مع الزباء وغيرها. رقية ابنة رسول الله ﷺ ولدت رقية ولرسول الله ﷺ ثلاث وثلاثون سنة وكان تزوجها عتبة بن ابي لهب وتزوج أختها أم كلثوم عتيبة أخوه فما نزلت: (تبت يد أبي لهب) (المسد: ١١١) قال أبو لهب لهمها: رأسي من رأسكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما ولم يكونا دخلا بهما، وتزوج رقية عثمان بن عفان ﵁ بمكة وهاجر بها الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة وكانت ذات جمال بارع، وكان فتيان أهل الحبشة يتعرضون لها ويتعجبون من جمالها فآذاها ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا. وولدت لعثمان بالحبشة ولدا سماه عبد الله وكان يكنى به وبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات، وتوفيت رقية بالمدينة وكان النبي ﷺ في وقعة بدر وكان عثمان قد تخلف عن بدر لأجلها فجاء زيد ابن حارثة بشيرا بفتح بدر وعثمان قائم على قبرها وكانت وفاتها لسنة وعشرة أشهر وعشرين يوما من الهجرة. رملة بنت الزبير بن العوام كانت أخت مصعب بن الزبير بن العوام لأمه، وكانت أمها أم الرباب بنت أليف بن عبيد بن مصار الكلبي تزوجها عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلد فولدت له عبد الله بن عثمان، وهو زوج سكينة بنت الحسين بن علي ﵍، ثم تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان قتل ابن الزبير. ولما حج خالد بن يزيد خطب رملة بنت الزبير فأرسل إليه الحجاج صاحبه عبيد الله بن موهب وقال: ما كنت أراك أن تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني وكيف خطبت إلى قوم ليسوا كفؤا وكذلك قال جدك معاوية وهم الذين قارعوا أباك على الخلافة، ورموه بكل قبيحة، وشهدوا عليه وعلى جدك بالضلالة؟ فنظر إليه خالد طويلا ثم قال له: لولا أنك رسول والرسول لا يعاقب لقطعتك إربا إربا، ثم طرحتك على باب صاحبك قل له: ما كنت أرى أن الأمور بلغت بك على أن أشاورك في خطبة النساء. وأما قولك لي: قارعو أباك وشهدوا عليه بكل قبيح فإنها قريش يقارع بعضها بعضا فإذا اقر الله الحق قراره كان تقاطعهم

стр. 193

وتزاحمهم على قدر أحلامهم وفضلهم. وأما قولك: إنهم ليسوا بأكفاء فقاتلك الله يا حجاج ما أقل علمك بأنساب قريش أيكون العوام كفؤا لعبد المطلب بن هشام بتزوجه صفية، وبتزوج رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد ولا تراهم أهلا لأبي سفيان فرجع إليه فأعلمه ومن شعر خالد فيها: أليس يزيد السير في كل ليلة ... وفي كل يوم من أحبتنا قربا أحن إلى بنت الزبير وقد علت ... بنا العيس خرقا من تهامة أو نقبا إذا نزلت أرضا تحبب أهلها ... إلينا وإن كانت منازلها حربا وإن نزلت ماء وإن كان قبلها ... مليحا وجدناه ماء باردا عذبا تجول خلاخيل النساء ولا أري ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا أقلوا علي اللوم فيها فإنني ... تخيرتها منهم زبيرية قربا أحب بني العوام طرّا لحبها ... ومن حبها أحببت أخوالها كلبا ونشزت سكينة بنت الحسين ﵍ على زوجها عبد الله بن عثمان فدخلت رملة على عبد الملك بن مروان وهو عند خالد بن يزيد بن معاوية فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا أنه يبتذ أمرنا ما كانت لنا رغبة فيمن لا يرغب فينا· سكينة بنت الحسين قد نشزت على ابني· قال: يا رملة إنها سكينة· قالت: وإن كانت سكينة فوالله لقد ولدنا خيرهم، ونكحنا خيرهم، وأنكحنا خيرهم -تعني بمن ولدوا ففاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومن نكحوا صفية بنت عبد المطلب، ومن أنكحوا النبي ﷺ فقال: يا رملة، غرني منك عروة بن الزبير، فقالت: ما غرك، ولكن نصح لك لأنك قتلت أخي مصعبا فلم يأمني عليك· ولم تزل به حتى أصلح بين سكينة وعبد الله بن عثمان. رميصاء بنت ملحان رميصاء بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية الخزرجية النجارية، وتلقب أم سليم أم أنس بن مالك· كانت عند مالك بن النضر والد أنس بن مالك في الجاهلية فغضب عليها وخرج إلى الشام ومات هناك، فخطبها أبو طلحة الأنصاري -وهو مشرك- فقالت: إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا مرأة مسلمة فإن تسلم فلك مهري ولا أسألك غيره· فأسلم وتزوجها وحسن إسلامه فولدت له غلاما مات صغيرا وهو أبو عمير وكان معجبا به فأسف عليه، وولدت له عبد الله بن أبي طلحة -وهو والد إسحاق- فبارك الله في إسحاق وإخوته، وكانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم· وقيل: إن أبا طلحة لما خطب رميصاء قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد زينة من الأرض يحبرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحي تعبد خشبة؟ إن أنت أسلمت فإني لا أريد منك الصداق غيره· قال: حتى أنظر في أمري· فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله· فقالت: يا أنس زوج أبا طلحة، فتزوجها· وكانت تغزو مع رسول الله ﷺ · وروت عنه أحاديث· وروى عنها ابنها أنس وكانت من عقلاء النساء ﵂· رولاند الفرنساوية ولدت هذه الفاضلة في ١٧ اذار (مارس) عام ١٧٥٤م، من أبوين فقيري الحال، مختلفي الأخلاق والآراء

стр. 194

وكانت أمها دمثة الأخلاق لينة العريكة، قانعة بهبات الباري تعالى· وكان أبوها طماعا سيء الطباع كثير التذمر والحقد على المكارم والأشراف، زاعما أنهم علة تعاسته وسبب فقره· ولذلك كان يندد بهم ككثيرين غيرهم من الفرنسويين، وتعلمت القراءة والكتابة قبل بلوغها الرابعة من عمرها، وتعلقت بالمطالعة حين لم يكن لأبويها طاقة على ابتياع الكتب لها، فأرسلاها إلى دير من الأديرة لتقتبس العلوم عن راهباته فأظهرت فهي من النجابة والبراعة في كل علم تعلمته ما جعلها فخراً لمعلماتها وقدوة لرفيقاتها، وأجادت في الموسيقى والتصوير وطالعت كل ما عثرت عليه من التواريخ ودواوين الشعر والرحلات والمقالات الدينية والعلمية والفكاهية والسياسية وبالغت في استقصاء أحوال اليونان والرومان القدماء واشتد ميلها إليهم· قيل: إن أباها وجدها ذات يوم منخرطة في البكاء من أجل أنها لم تولد رومانية وكثيراً ما كانت تتصور أمامها اليونان في سلطتهم والرومان في أوجه عظمتهم وتقابل بين أحوال ذينك الشعبين العظيمين وأحوال بلادها التي كانت قد أفرطت في الملاهي والترقي، وتهافتت على الباطل· فتنفر نفسها الأبية من الدنيا التي انغمس فيها أكابر قومها وتتمنى أن يسود الإنصاف وتسن بها الشرائع العادلة أبناء وطنها· والظاهر أن ذلك رسخ في ذاكرتها منذ نعومة أظافرها لكثرة ما كان أبوها يلقي على مسامعها من الأحاديث عن الملوك والأشراف، وهو يجول بها في شوارع باريس، ويريها قصورها الشاهقة ومبانيها الفاخرة وأشراف المدينة، وسيداتها خارجين إلى المتنزهات العمومية في عجلاتهم المذهبة بالخدم والحشم، لا هين بالأحاديث الفارغة، وخيولهم تدوس المساكين والبائسين وهم لا يبالون، ثم يقول لها: انظري يا ابنتي أين العدل والإنصاف؟ أين الآخذون بناصر الإنسانية ليقتصوا من هؤلاء البرابرة القساة ألا ترين أنهم يتوسدون الحرير والديباج، ويعيشون بالترف والعشب غارق في بحار الهموم محاط بالأتعاب يصل الليل بالنهار في الكد والكدح ليحصل الخيرية التي يتمتع بها هؤلاء العتاة؟ وخرجت من المدرسة وهي في الرابعة عشرة فجعلت أمها تمرنها على أشغال البيت فتخضع لأوامرها خضوعا تاما علما منها أن الأشغال البيتية من أهم واجبات المرأة، وكانت تبتاع لوازم بيتها بنفسها، فأكرمها البائعون لنباهتها ورزانتها، ولما بلغت سن الزواج تقاطر عليها الطلاب من كل فج، فرفضت طلبهم قائلة لوالديها: إن الطبيعة والشرائع قد اتفقت على وجوب تفضيل الرجل على المرأة فأخجل أن أختار من لا يكون أهلا لهذا المقام السامي وحدث أن أحد الأشراف دخل مخزن أبيها ورأى إنشاءاتها فدهش من براعة أساليبها، وراعه إتقان قريحتها، فكتب إليها كتابا يحثها فيه على التأليف، فأجابته لذلك بأبيات شائقة دقيقة المعنى أظهرت فيها الموانع التي تحول دون وصول المرأة إلى مثل تلك المنزلة الرفيعة، ومن ذلك اليوم جرت المكاتبة بينهما وكان لهذا الشريف ابن من أهل الطيش والجهالة فأراد أن يزوجه بها ظنا منه أن حكمتها وعزمها يهديانه سواء السبيل، فأبت ومن معرفتها بهذا الرجل تمكنت من معاشرة الأشراف رغبة في الاطلاع على شؤونهم ولكنها لم تقتبس شيئا من عوائدهم القبيحة ولا شاركتهم في آرائهم، بل زادت بهم احتقارا إذ كان دأبهم الطرب والملاهي، وهمهم التأنق بالزينة والملابس· وفي ٤ شباط (فبراير) سنة ١٧٨٠م، تزوجت ب"رولاند" أحد مفتشي المعامل في مدينة "ليون" وكان رجلا من ذوي الوجاهة والبراعة في العلوم جامعا بين الفضائل والمكارم، مشهوراً بالفضل والمآثر، له كتابات عديدة تدل على جودة عقله، فأقاما سنة في باريس ثم انتقلا إلى مدينة "امبان"، ثم رجعا منها إلى "ليون" حيث

стр. 195

قضت أسعد أيام حياتها وأظهرت مناقب المرأة الكاملة، فرتبت بيتها على أحسن منوال، وعكفت على تربية ابنتها وتعليمها بنفسها، وكانت إذا انتقلت إلى مصيف زوجها (في لبلاتبيه) تخصص جانبا من وقتها لزيارة المرضى والمساكين المجاورين لها وتعالجهم بنفسها لعدك وجود طبيب يعالجهم، فأحبوها محبة تفوق الوصف واشتهرت بينهم بالفضائل والفواضل· ولها على زوجها الفضل الأعظم· قال أحد أصحابه: لا أرى بين المحدثين من يشابه كانون الرماني في أكثر من "رولاند"· والحق أن يقال: "رولاند" مديون لامرأته بشجاعته ومعارفه فإنها كانت متخذة أفكاره ومعنية بأعماله وكثيرا ما كانت تصلح كتاباته وتقوم براهينه بغزارة معارفها، وقوة بيانها، واتقاد تصوراتها حتى طار صيته في بلاغة الإنشاء وقوة الكتابة· ولما بلغها نبأ الثورة الفرنسوية تلقته بالترحاب زعما منها أن الثورة أقرب طريق لسعادة فرنسا وأحسن بشرى بتبديل أحوال هاتيك الأيام بأحسن منها، فبذلت كل قواها في تحريك الخواطر إليها فلم يمض طويل الزمان حتى أضرمت نار الغيرة والحماسة في قلوب أهل وطنها وحركت زوجها وأصحابها فأداروا دولاب الثورة بمدينتهم "ليون" وعلقت آمال الشعب"دولاند" وامرأته بخلع غل الظلم عن أعناقهم، فوقف لهما جماعة من الأشراف بالمرصاد ووضعوا عليهما العيون، فما ثناهما ذلك عن عزمهما وزاد الناس حبا في "رولاند" فاختاروه نائبا عن مدينة "ليون" في مجمع الأمة الذي استدعاه "لويس السادس عشر" في بادئ الثورة فتوجه هو وامرأته في ٢٠ شباط (فبراير) سنة ١٧٩١م، إلى باريس وكتبت مدام "رولاند" مقالة في أحوال تلك الأيام كان لها وقع عظيم· وفي آذار (مارس) سنة ١٧٩٢م، انتخب زوجها وزيراً لداخلية وأعد لسكنه قصرا مفروشا مشيدا بالأثاث الفاخر ومزينا بالزينة البهية فدخلته مدام "رولاند" وكأنها خلقت له، ولم يبن إلا لها، ثم لما طلب من زوجها أن يشير على الملك بإعلان الحرب على المهاجرين وحلفائهم كتبت باسمه كتابا للملك قوي الحجة، عظيم التأثير حتى دهش زوجها من جراءتها وقوة أدلتها، ولكن كانت نتيجته خلع "رولاند" عن وظيفته ولذلك أشارت امرأته عليه أن يعرض كتابه على المجمع لتعلم الأمة سبب خلعه، ففعل، فعد ضحية لحب الوطن ثم طبع الكتاب ووزع نسخا عديدة في كل أنحاء المملكة، فهاجت الأمة بأجمعها حتى التزم الملك أن يرجعه إلى منصبه، فكانت زوجته سبب خلعه ثم نصبه ثانيا· واتفق أم الجاكويين اجتهدوا أيام كانت العائة الملكية في السجن أن يهيجوا الشعب لينتقموا من مدام"رولاند" بدعوى أن لها دخلا في المكيدة التي كان يقصد بها تخليص الملك وإرجاعه إلى عرش الملك وتكلف بإتمام ذلك رجل لئيم يسمى "أشيل فيارد" لأظهر حزم "الجيرونديين" وهو يقصد باطنا أن يتجسس أعمالهم ويدبر على مدام"رولاند" مكيدة فكان حذراً حذرها منه فأوجست منه خيفة وأبعدته عنها احتقارا واستصغارا ومع ذلك فقد نجح باتهامها أمامك الجمع أنه كان بينها وبين أصحاب النفوذ في فرنسا وغيرها مراسلة سرية واتفاق على إنفاذ الملك فاستدعاها ديوان "الكونقاتسيون" لمرافعة خصمها والمدافعة عن نفسها فدخلت المحفل وكان غاصا بالجماهير وهم يحتدمون غيظا، وقد علا لغطهم، فلما جلست سكتت الضوضاء وأحدقت بها الأنظار، فدافعت عن نفسها وعن أصحابها دفاع أهل الحق والشيمة والشهامة، فبرأت نفسها وتلعثم لسان خصمها عن الكلام فرجع بصفقة خاسرة وأشار الرئىس أن يظهر الأعضاء علامات اعتبارهم لها، فهنأها الجميع وصفقوا لها استحسانا، وكان ذلك أمر من العلقم على أعدائها "

стр. 196

كدانتون" و"مارت" و"روبس بير"· أما "روبس بير" هذا فهو الذي خلصت حياته من القتل لما ثار الشعب وأرادوا قتله حنقا عليه ففر مذعورا وقصدته مدام "رولاند" وزوجها في منتصف الليل وخبأته في بيتها ثم استعانت على خلاصه بصديق لهما بعيد النفوذ والسطوة فبرأه قبل صدور الحكم عليه فما كان من "روبس بير" إلا أنه قابل الإحسان بالإساءة فصار أشد العاملين على مدام "رولاند" وقتلها حتى قال "لامرتين" الشهير في صدد ذلك: "لا شك أن مدام "رولاند" ذكرت في سجنها الليلة التي خلصت حياة "روبس بير" فيها فإن كان هو أيضاً ذكرها وهو في أعلى مجده وقوته فلا ريب أن ذكرها له كان عليه أشكى من وقوع السهام"· ولا يخفى ما ألم بحزب الجيروندين بعد ذلك وما كان نصيبهم من الثورة ففي ٣١ أيار سنة ١٧٩٣م، أودعت مدام "رولاند" السجن فصبرت على مشاقه كما صبرت وثبتت على الأهوال، ورتبت أحوال معيشتها فيه جاعلة لكل ساعة من النهار شغلا خصوصيا فعنيت وقتا لدرس اللغة الإنكليزية وآخر لإنشاء مقالات سياسية وآخر للتصوير، وجعلت معظم همها تشجيع قلوب المسجونين ومساعدتهم بما كان يغض عن حاجاتها من المال· وفي تشرين الثاني (أكتوبر) حكم عليها بالقتل فسيقت للذبح مكتوفة اليدين وعلامات الشجاعة تلوح على وجهها، فلما صارت بمرأى من تمثال الحرية وكان منصوبا حيث المسلة المصرية اليوم التفتت إليه وقالت: أيتها الحرية كم من ذنب يرتكبه الناس باسمك اليوم أيتها الحرية انظري كيف يتلاعبون باسمك· ويقال: إنها طلبت قلما وقرطاسا لتخط ما جال في خاطرها وهي أمام الجلاد فلم تعطهما وضربت عنقها وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها فكان موتها سبب انتحار زوجها كما عرف من ورقة وجدت في جيبه بعد موته وقد كتب عليها لم يعد لي صبر على البقاء بعد موت امرأتي في عالم ملوث بالآثام· رحمة زوجة نبي الله أيوب ﵇ هي بنت أفرايم بن يوسف بن يعقوب ﵉· كانت من النساء الصالحات، الطائعات لأزواجهن، وقد اتصفت من دون النساء بالصبر الجميل على بلاء زوجها أيوب ﵇ حيث لم يبق له مال ولا ولد ولا صديق، ولا أحد يقر به غيرها فإنها صبرت معه على مضض ذام البلاء الشديد وكانت تسأل وتأتيه بطعام وشراب ويبيتان يحمدان الله ويرجوان منه عفوا على ما نالهما من البلاء، فلما كانت في بعض الأيام وهي تسأل كعادتها إذ تمثل لها إبليس في صورة رجل فقال لها: زين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذاك يحك قروحه، وتردد الديدان في جسده· فلما سمع منها طمع أن تكون كلمة جزع فوسوس لها وذكرها ما كانت فيه من النعيم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه اليوم من الضر وإن ذلك لا ينقطع عنه أبدا فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتى بسخلة وقال لها: ليذبح أيوب هذه لي وسيبرأ، فجاءت تصرخ وقالت: يا أيوب إلى متى يعذبك ربك ولا يرحمك أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ أين ثوبك الحسر قد تغير وصار مثل الرماد؟ وأين جسمك الحسن الذي قد بلي يتردد فيه الدود؟ اذبح هذه السلخة واسترح· فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فأجبته، أرأيت ما تبكين عليه مما كنا فهي من المال والولد والصحة من أنعم علينا به؟ قالت: الله· قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة· قال: فمنذ كم ابتلانا الله؟ قالت: منذ سبع سنين· قال: ويلك والله ما عدلت ولا أنصفت ربك· ألا صبرت في هذا البلاء الذي ابتلانا به ربنا كما كنا في الرخاء، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة كما أمرتيني أن أذبح لغير الله طعامك

стр. 197

وشرابك الذي تأتيني به على حرام لا أذوق مما تأتيني به بعد إذ قلت هذا، فاغربي عني لا أراك، فطردها· فما رأى أيوب امرأته وقد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق وخر لله ساجدا وقال: رب (أني مسني الضر) (الأنبياء: ٨٣) ، ثم رد الأمر إلى ربه فقال: (وأنت أرحم الرحمين) (الأنبياء: ٨٣) فأوحى الله إليه أن اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء فاغتسل فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط بأثره، وأذهب الله عنه وكل ألم وداء كل سقم وعاد عليه شبابه وجماله أحسن ما كان وأفضل مما مضى، وجعل يلتفت يميناً وشمالاً فلم ير شيئا مما كان من أهل وولد ومال إلا وقد ضاعفه الله تعالى، فخرج حتى جلس على مكان مشرف· ثم إن "رحمة" قالت: أرأيت إن كان قد طردني إلى من أكله أأدعه حتى يموت جوعاً وعطشاً ويضيع فتأكله السباع، فوالله لأرجعن إليه ثم رجعت فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت تعرف وإذا هي قد تغيرت فجعلت تطوف حول هذه الكناسة وتبكي وذلك بمرأى من أيوب فأرسل إليها أيوب فدعاها وقال لها: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت، وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على هذه الكناسة لا أدري أضاع أم ماذا فعل به؟ فقال أيوب ﵇: ماكان منك؟ فبكت، وقالت: بعلي، فهل رأيته؟ فقال: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه ثم إنها جعلت تنظر إليه· وقالت: أما إنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال: فأنا أيوب آمرتيني أن أذبح لإبليس فإني أطعت الله وعصيت الشيطان فرد علي ما ترين فاعتنقته فقيل: إنها ما فارقته من عناق حتى مر بها كل ما كان لهما من المال والولد· فلما برأ أيوب أراد أن يبر يمينه بأمن يجلد "رحمة" فأمر هـ الله أن يأخذ من جماعة الشجر مبلغ مائة قضيب خفافا لطافا ويضبرها ضربة واحدة كما قال الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) (ص: ٤٤) · وقيل: كانت "رحمة" تكسب له ما تعمل للناس فتبيعه وتجيئه بقوته، فلما طال عليها البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد، التمست يوما من الأيام تطعمه فما وجدت شيئا فجزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته الخبر فحزن عليها وشكر صنيعها· روشنك ابنة الدهقاء أوزبرت كانت مشهورة بالجمال تزوجها إسكندر المكدوني، ولما مات كانت حاملا ووضعت لثلاثة أشهر من موته ولدها إسكندر الملقب "إيروس" واتفقت مع "برديكاس" وقتلا "ستايترا" زوجة إسكندر لأنها كانت تحاول منع تنصيب ابنها "إيفوس" فصفا له الملك بالإرث من أبيه، ثم اتحدت مع "أولبياس" على "فيليبس أرديوس" وامرأته "أوريدبكي" ثم جعلت نفسها تحت حماية "يوليسرخون"، ولما وصل "كاسندر" اعتصمت بمدينة "بيدنا"، ولما أخذت هذه المدينة وقتل "أولبياس" حبسها "كاسندر" في "أمغيبولبس" وبها قتلت هي وابنها سنة ٣١١ قبل الميلاد· والمشهور في تواريخ العرب أن "روشنك" هي ابنة "دارن الأصغر" ملك الفرس ظفر به الإسكندر· قال ابن الأثير: إن الإسكندر لما وجد "دارن" وقد ضربه حاجباه الضربة القاضية أخذه وأسند رأسه إلى حضنه وكلمه كلاما باللطف والاحترام، وطلب أن يوصي بما يريد، فأوصاه بأن يتزوج ابنته "روشنك" ويرعى حقها ويعظم حقها ويستبقي أحرار فارس ويأخذ له بثأره ممن قتله، ففعل الإسكندر كل ذلك وبنى ل "روشنك" مدينة بالسواد وقيل: إنه جعل هيئة زفافها إليه على النسق الشرقي وإنها قالت بعد موته: ما كنت أظن أن قتل "دارن" يقتل·

стр. 198

ريا بنت الغطريف السلمي كانت ذات جمال باهر وأدب ظاهر ولها معرفة بأشعار العرب، وكانت تقول الشعر الجيد، عشقها عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري علقها بمسجد الأحزاب في المدينة المنورة يوم منتزه إذ هو جالس في المسجد ودخل عليه نسوة وفيهن جارية لم ير مثلها فوقفت وقالت: ما تقول في وصل من يطلب وصلك ثم مضت ولم يعرف لهاخبر، فلما كان في اليوم الثاني توجه إلى مسجد الأحزاب وجلس في المكان الذي كان فيه بالأمس وإذا بالنسوة قد أقبلن ولم ير الجارية فيهن فقلن له: ما ظنك بطالبة وصالك؟ فقال: وأين هي؟ قلن له: مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد: خليلي رياقد أجد بكورها ... وسارت إلى أرض السماوة عيرها خليلي قد غشيت من كثرة البكا ... فهل غيري عبرة أستعيرها وتوجه إلى أبيها هو وصاحب له فأكرم وفادتهما وسألهما عن أمرها وقال: اذكرا حاجتكما فأخبراه بخطبة عتبة إلى ابنته فقال: ذلك إليها فدخل وأخبرها بذلك فأجابت، وشكرت له عتبة، فقال: قد نمى إلى أمرك معه وأقسم لا أزوجك به فقال: إن الأنصار لا يردون ردا قبيحا فإن كان ولابد فاغلظ عليهم المهر فقال: نعم، ما أشرت به ثم خرج فقال: قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم خهجرية ومائة ثوب من الأبراء والخز، وخمسة أقراص من العنبر، فضمنا ذلك وقالا له: إذا أحضرناها لك أجبت؟ قال: أجبت· فأحضروا له ذلك فأولم أربعين يوما، ثم أخذخا ومضى، فلما قارب المدينة خرج عليه خيل كثيرة فقاتل عتبة حتى قتل فحين علمت ريا بموته جاءت وبكت بكاء مرا حتى أبكت عليه من كان حاضرا، وأنشدت: تصبرت لا أني صبرت وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقة ولو أنصفت روحي لكانت إلى الر ... دى أمامك من دون البرية سابقة فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلا ولا نفس لنفسي موافقة ثم شهقت شهقة فماتت فوار وهما التراب في قبر واحد فنبت على قبرهما شجرة فسموها شجرة العروسين· ومن قول عتبة فيها: أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني في القلوب على البعد فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد وقوله فيها أيضا: يا لرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفك يحدث لي بعد النوى طربا ما إن يزال غزال فيه يظلمني ... يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا يخبر الناس أن الأجر هيمه ... أو أنه طالب للأجر محتسبا لو كان يبغي ثوابا أتى ظهرا ... مضمخا بفتيت المسك محتقبا ريا ابنة مسعود بن رقاش العشيري التغلبي من ربيعة كانت ذات ظرافة وفراسة ومعرفة وحسن· نشأت مع الصمة بن عبد الله بن مسعود صغيرين وكانا

стр. 199

يتذاكران الأدب وملح الأشعار، ونوادر السير والأخبار حتى صارت أعجوبة زمانها ونادرة أوانها، فأعجب بها وتمكنت منه محبتها، ولم يكن عندها منه مقدار ما عنده منها، فما شكا ما يجد منها إلى بعض أصدقائه أرشده إلى تزوجها فخطبها إلى عمه، فأنعم على مائة من الإبل، فمضى إلى أبيه فأعطاه تسعا وتسعين، فأبى مسعود إلا التمام وعبد الله إلا ذلك، وحلف كل على ما قال، وأوقفوا الأمر، فحملت الصمة الأنفة على أنه خرج عنها إلى العرا فقالت ريا: ما رأيت رجلا أضاعه أبوه وعمه بعير إلا الصمة -لما عندهما من العلم بحبه لها· وفد رجل يقال له: علي غاوي، فخطب منه ريا وأمهرها ثلثمائة ناقة برعاتها فزوجه بها فحملها إلى مذحج، فبلغ ذلك الصمة فلزم الوساد وقال: زمن ذكر دار بالرقاشين أعصفت ... به بارحات الصيف بدأ ورجعا حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وسعيا كما معا فما حسن أن يأتي الأمر طائعا ... ويجزع إن داعي الصبابة أسمعا كأنك لم تسمع وداع مفارق ... ولم تر شعبي صاحبين تقطعا بكت عيني اليمنى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا ولما رأيت البشر أعرض دوننا ... وحالت بنات الشوق تحتي نزعا تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... رجعت من الرصغاء ألوي وأجزعا وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا فليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا أما وجلال الله لو تذكرينني ... كذكراك ما كففت للعين مدمعا فقالت بلى والله ذكري لو أنه ... تضمنه صم الصفا لتصدعا وقد سمع امرأة تنادي ابنتها: يا ريا، فسقط مغشيا عليه، فاحملوه إلى بستان هناك وأضجعوه، فلما أفاق أنشد: يعز بصبر لا وجداك لا ترى ... سنام الحمى إحدى الليالي الغوابر كأن لساني من تذكري الحمى ... وأهل الحمى يهتف به ريش طائر ولم يزل يرددها حتى قضي عليه، ولما وصل خبره داخلها من الوجد ما أمسكت معه عن الطعام والشراب وجعلت تبكيه حتى ماتت· ومن لطيف شعره فيها قوله: ألا من لعين لا ترى قلل الحمى ... ولا جبل الآثال إلا استهلت ألا قاتل الله الحمى من محلة ... وقاتل دنيانا بها كيف ولت غنينا زمانا باللوى ثم أصبحت ... براق الهوى من أهلها قد تخلت فما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف اللوى من حيث لم تك ضنت تمنت أحاليب الرغاء وخيمت ... بنجد ولم يقدر لها ما تمنت إذا ذكرت نجدا وطيب ترابها ... وبرد الحصى من أرض نجد أرنت ريطة بنت عاصم بن عامر صعصة وكانت شاعرة فصيحة، جميلة المنظر، لطيفة المخبر، عذبة المنطق· لها رثاء مقبول لا بأس فيه منه ما قالته في قومها وكانوا قد أصيبوا في يوم من أيام العرب·

стр. 200

وقفت فأبكتني ديار أحبتي ... على رزئهن الباكيات الحواسر غدوا بسيوف الهند وراد حومة ... من الموت أعيا وردهن المصادر فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا ... بدار المنايا والقنا متشاجر ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا ... لهدت ولكن يحمل الرزء عامر ريطة بنت العجلات بن عامر بن برد منبه هي أخت عمرو بن العجلان بن عامر الهذلي قتله بنو فهم في بعض غزواته فقالت أخته ترثيه: كل امرئ لمحال الدهر مكذوب ... وكل من غالب الأيام مغلوب وكل حي وإن عزوا وإن سلموا ... يوما طريقهم في الشر عبوب أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلغها ... عني رسولا وبعض الظن تكذيب بأن ذا الكلب عمرا خيرهم نسبا ... ببطن شريان يعوي حوله الذيب الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها ... معجز من نجيع الجوف أسلوب التارك القرن مصفرا أنامله ... كأنه من نجيع الجوف مخضوب تمشي النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهن الجلابيب والمخرج العاتك العذراء مذعنة ... في السبي ينفح من أردانها الطيب وكانت ريطة هذه من نساء العرب الموصوفات بالأدب والفصاحة والحماسة، لم يكن في زمانها أحسن منها سيرة وأعذب منطقا، وألطف شارة· لها جملة مراث غير هذه ولم تمكث زمنا أخيها وذلك لحزنها عليه· حرف الزاي زبيدة بنت جعفر بن المنصور العباسي هي امرأة هارون الرشيد وأم ولده محمد الأمين· كانت ذات معروف وخير وفضل ونفقة واسعة على البر وأصحاب الحاجات وقصة حجها وما فعلته في طريقها من الإحسان مشهورة في كتب التواريخ شهرة عظيمة فوق ما كان لها من شهرة الشرف والثروة الواسعة فإنها جمعت شرف الخلافة من أطرافها فأبوها ابن خليفة، وعمها المهدي خليفة، وزوجها أشهر الخلفاء وابنها خليفة أيضا، ولذلك قد كثرت عنها الحكايات والأخبار في كتب العرب· قال ابن الجوزي: إنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وإنها أسالت المياه عشرة أميال بحط الجبال ونحت الصخور حتى غلغلته من الحل إلى الحرم، وعملت عقبة البستان فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة· فقالت: اعملها ولو كلفت مشربة الناس دينارا، وكان لها مائة جارية تحفظن القر ولكل واحدة ورد عشر القرآن وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن· وقيل: كان اسمها أمة العزيز فلقبها جدها المنصور زبيدة لبضاضتها ونضارتها· قال ابن الأثير: وكان مولد زبيدة بقصر حرب وهو قصر بناه حرب بن عبد الله من أكابر قواد المنصور حينما وجهه المنصور مع ولده جعفر أبي زبيدة ليكون نائبا عن مالك بن الهيثم في ولاية الموصل وهذا القصر بأسفل الموصل وتزوج بها الرشيد سنة ١٦٥ هجرية، كان يحبها كثيرا ويكرمها غاية الإكرام، وكانت شديدة البر به والاحتفاظ على رضاه، ولم يكن يمنع عنها شيئا من كل ما تطلبه من نفقة

стр. 201

وما يتعلق بها وبغيرها مما يسرها وينفعها غير أنها بعد تلك الكرامة والعزة والأبهة أصبحت بعد موت الرشيد في حالة سيئة من الكآبة والذل وخفض الجناح، وذلك لما وقع بين الأمين والمأمون من الفتن ولاسيما بعدما قتل ولدها الأمين في تلك الأثناء، وقد كتبت للمأمون بأبيات ترثي بها سوء حالها بعد فقد ولدها وهي: لخير إمام قام من خير عنصر ... وأفضل سام فوق أعواد منبر لوارث علم الأولين وفهمهم ... وللملك المأمون من أم جعفر كتبت وعيني مستهل دموعها ... إليك ابن عمي من جفون ومحجر وقد مسني ضير وذل كآبة ... وأرق عيني يا ابن عمي تفكري وهمت لما لاقيت قد مصابه ... فأمري عظيم منكر عند منكر سأشكو الذي لاقيته بعد فقده ... إليك شكاة المتضير المقهر وأرجو لما قد مر بي فقده ... فأنت لبيتي خير رب معمر أتى طاهر لا طهر الله طاهرا ... فما طاهر فيما أتى بمطهر وذلك لأن طاهر بن الحسين هو الذي قام بحرب الأمين وكان السبب في قتله: فأخرجني مكشوفة الوجه حاسرا ... وأنهب أموالي وأخرب أدوري يعز على هارون ما قد لقيته ... وما مر بي من ناقص الخلق أعور فإن كان ما أبدى بأمر أمرته ... صبرت لأمر من قدير مقدر تذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي حرمة متذكر وقالت زبيدة أم جعفر ترثي ولها الأمين: أودي بألفين من لم يترك الناسا ... فامنح فؤادك عن مقتولك الياسا لما رأيت المنايا قد قصدن له ... أصبن منه سواد القلب والراسا فبت متكئا أرعى النجوم له ... أخال سنته بالليل قرطاسا والموت كان به والهم قارنه ... حتى سقاه التي أودى بها الكاسا رزئته حين باهيت الرجال به ... وقد بنيت به للدهر أساسا فليس من مات مردودا لنا أبدا ... حتى يرد علينا قبله ناسا فلما قرأها المأمون بكى وقال: أنا الطالب بثأر أخي قتل الله قتلته، ثم إن المأمون عطف على زبيدة فجعل لها مكانا في قصر الخلافة وأقام لها الوظائف والخدم والجواري، وكانت حاضرة عند دخوله الغرفة التي زفت إليه بها بوران بنت الحسن، وطلبت لها بوران منه الإذن بالحج فأجابها إلى طلبها، وألبست بوران بيدها قسما من ملابسها· وأما ححجتها المشهورة فقيل: أنفقت فيها في بناء المساجد والصدقات ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وأجرت الماء من دجلة إلى عرفات، ثم إلى مكة حتى سقت أهلها -كما مر- وهذه مبالغة عظيمة فالماء الذي أجرته إلى مكة ليس من دجلة قيل: وأجرت نبع العرعار من جبل لبنان إلى بيروت حتى وصل إلى وادي المكلس فبنوا له طبقات فناطر حتى جرى الماء فوقها إلى جانبه الآخر وتطرق إلى بيروت لأنها كانت قد مرت من هناك في حجتها -المذكورة- فوجدت الماء قليلا وإلى الآن يقال لهذه القناطر: قناطر زبيدة

стр. 202

والأرجح أن بانية هذه القناطر إنما هي زنوبية ملكة تدمر المعروفة باسم زبيدة أيضا ولها آثار كثيرة من مثل ذلك تدعى الزبيدية غالبا نسبت إليها منها بركة في طريق مكة بين العقيق والعذيب بها قصر ومسجد عمرتهما من مالها، ومحلات ببغداد مشهورة أيضا باسمها، ولكثرة مالها وسعة نفقتها ضرب المثل الحريري بقوله: "لو حبتك شيرين بجمالها وزبيدة بمالها"· ومما يحكى عن حلمها وحسن أخلاقها وفهمها أن أحد الشعراء مدحها بقصيدة يقول من جملتها: أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب فهم الخدم بضربه وطرده وكانت هي خلف الستارة تسمعه فقالت: دعوه لأنه لم يرد إلا خيرا، ولكنه أخطأ الصواب، فإنه سمع شمالك أندى من يمين غيرك وقفاك أحسن من وجه سواك فظن أن الذي ذهب إليه من ذلك القبيل أعطوه ما أمل، ونبهوه على ما أهمل· وأخبارها كثيرة منها: أنه حصل جفاء بينها وبين المأمون يوما فوجهت إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك وتأمره بأن يقول أبياتا تعطفه عليها فقال: ألا إن ريب الدهر يدني ويبعد ... ويؤنس الآلاف طورا ويفقد أصيبت بريب الدهر مني يدعلت ... فسلمت للأقدار والله أحمد وقلت لريب الدهر إن ذهبت يد ... فقد بقيت والحمد لله لي يد إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ... ولي جعفر لم يفقدا ومحمد فلما سمع المأمون هذه الأبيات حسن موقعها عنده وأحسن إليها وبكى وقام من وقته إليها، وأكب عليها وقبلت يديه وقال لها: ما جفوتك تعمدا ولكن شغلت عنك بما لم يكن إغفاله؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك وأتم يومه عندها· قال الحسن بن إبراهيم بن رباح: كان مخارق المغني يهوى جارية لأم جعفر يقال لها: نهار ويستر ذلك عن مولاتها حتى بلغها ذلك فأقصته ومنعته عن المرور ببابها، وكان بها كلفا، فلما بلغه الخبر أن أم جعفر علمت حبهما قطعتها وتجافاها إجلالا لأم جعفر وطمعا في السلو عنها، وبقي على ذلك حتى ضاق ذرعه وبينما هو ذات ليلة راكب في زلال، وقد انصرف من دار المأمون وأم جعفر وكان يشرف على دجلة إذ جاز دارها فرأى الشمع يزهر فيها، ولما صار بمسمع منها ومرأى اندفع يغني: إن يمنعوني ممري قرب دارهم ... فسوف أنظر من بعد إلى الدار سيما الهوى اشتهرت حتى عرفت بها ... أني محب وما بالحب من عار ما ضر جيرانكم والله يصلحهم ... لولا شقائي إقبالي وإدباري لا يقدرون على منعي ولو جهدوا ... إذا مررت وتسليمي بأشعاري فقالت أم جعفر: مخارق والله ردوه فصاحوا به قدم، فقدم، وأمره الخدم بالصعود فصعد، وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها النبيذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنينه، ثم ضربت عليه فغنى وكان أول ما غنى به: أغيب عنك بود ما يغيره ... نأي المحب ولا صرف من الزمن فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا ... وإن أمت فقتيل الهم والحزن

стр. 203

قد حسن الله في عيني ما صنعت ... حتى أرى حسنا ما ليس بالحسن ولما انتهى من غنائه اندفعت نهار فغنت كأنها تباين وإنما قصدها إجابته عن معنى ما عرض لها به: تعتل بالشغل عنا ما تلم بنا ... والشغل للقلب ليس الشغل للبدن ففطنت أم جعفر أنها خاطبت بما في نفسها فضحكت وقالت: ما سمعنا بأملح مما صنعتما ووهبتها له: ومنها ما قاله أبو العتاهية عن نفسه قال: لما جلس الأمين بالخلافة أنشدت أبياتا هي: يا ابن عم النبي خير البرية ... إنما أنت رحمة للرعيه يا أمين الهدى الأمين المصفى ... بلباب الخلافة الهاشميه لك نفس أمارة لك بالخي ... ر وكف بالمكرمات نديه أن نفسا تحملت منك ما حم ... لت للمسلمين نفس قويه وبعد فراغه من الأبيات ذهب لأم جعفر فقالت له: أنشدني ما أنشدت أمير المؤمنين، فأنشدها فقالت: أين هذا من مدائحك في المهدي والرشيد؟ فغضب وقال لها: أنشدت أمير المؤمنين ما يستملح وأنا القائل فيه: يا عمود الإسلام خير عمود ... والذي صيغ من حياء وجود والذي فيه ما يسلى ذوي الأح ... زان من كل هالك مفقود والأمين المهذب الهاشمي ال ... قرم محض الآباء محض الجدود إن يوما أراك فيه ليوم ... طلعت شمسه بسعد السعود فقالت لي: الآن وفيت المديح حقه، وأمرت لي بشعرت آلاف درهم· قال محمد بن الفضل: كان المأمون يوجه إلى أم جعفر زبيدة في كل سنة مائة ألف دينار جددا، وألف ألف درهم فكانت تعطي أبا العتاهية منها مائة دينار وألف درهم فأغفلته سنة، فرفع رقعة إلى محمد بن الفضل وقال له: ضعها بين يديها فوضعه، وكان فيها: خبروني أن في ضرب السنه ... جددا بيضا وصفرا حسنه سككا قد أحدثت لم أرها ... مثل ما كانت أرى كل سنة فقالت: إنا والله أغفلناه فوجهت إليه بوظيفة على يدي ابن الفضل -المذكور- ولها أخبار كثيرة خلاف هذه وكانت وفاتها ببغداد في جمادى الأولى سنة ٢١٦ هجرية رحمها الله تعالى· زبيدة القسطنطينية يه ابنة أسعد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حمزة الحنيفية ذكرها المرادي من جملة مشاهير أبناء القرن الثاني عشر للهجرة وقال: هي أم الفطنة الشاعرة المشهورة وصاحبة الديوان، الأديبة الفاضلة، الكاملة الحاذقة· ولدت بالقسطنطينية ونشأت بكنف والدها شيخ الإسلام المولى أسعد مفتي الدولة العثمانية وقرأت القرآن واشتغلت بأخذ الفنون وقرأت الفقه واللغة والآداب ونظمت الشعر الفارسي والتركي، وتعلقت على الأدب، واشتهر ذكرها وشاع صيتها وكانت تخترع كل معنى مبتكر تحاربه الألباب، وامتدحت سلاطين وقتها ووزرائه، واشتغلت بمطالعة الكتب واتصل بها المولى الرئيس ودرويش عبد الله نقيب الأشراف وقائد العساكر، وتنافس الناس بشعرها وتداولته الأيدي - وكانت وفاتها في ذي القعدة سنة ١١٩٤م·

стр. 204

زباء نائلة بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة العمليقي ملك الجزيرة ومشارق الشام كان جذيمة الأبرش قتل أباها فملكت هي بعده ونهضت بالأخذ بثأره من جذيمة قيل: وكانت مملكتها من الفرات إلى تدمر وجنودها بقايا العمالقة وغيرهم، فلما استجمع لها الأمر واستحكم ملكها تأهبت لغزو جذيمة فقالت لها أختها -وكانت عاقلة-: إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده والحرب سجال، ثم أشارت عليها بترك الحرب وإعمال الحيلة فأجابتها إلى ذلك وكتبت إلى ذلك وكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وقالت له: إن ملك النساء قبح في السماع وضعف في السلطان، وإنها لم تجد لملكها ونفسها كفؤا غيرك· فلما وصله الكتاب وهو ببقة من شاطئ الفرات استدعى خواصه واستشارهم في الأمر فأجمع رأيهم على أن يسيروا إليها ويستولي على ملكها ويتزوجها، وكان فيهم رجل يقال له: قصير بن سعد من قبيلة لخم وهو ابن جارية لجذيمة كان أبوه تزوجها، وكان أديبا حازما ناصحا لجذيمة، مقربا إليه فخالفهم فيما أشاروا به وقال: رأي فاتر، وعدو حاضر· وقال لجذيمة: اكتب إليها إن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا فلا تمكنها من نفسك، وقد وترتها وقتلت أباها فقال جذيمة: رأيك في الكن لا في الضح (أي في البيت لا في الخارج) ثم دعا بابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير وقال: إن قومي مع الزباء فإذا رأوك صاروا معك· فأطاعه فقال: قصير لا يطاع لقصير أمر ثم إن جذيمة استخلف على الملك عمرو بن عدي وعلى خيوله عمرو بن عبد الجن وسار في وجوه أصحابه ومعهم قصير فلما أبعدوا قليلا قال لقصير: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت الرأي، ثم استقبله رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال: يا قصير كيف ترى؟ قال: خطر يسير وخطب كبير وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبتيك فأحاطت بك فإن القوم غادرون فاركب العصا فإني راكبها ومسايرك عليها (والعصا فرس كانت لجذيمة لا تجاريها الخيل) · فلما لقيته الكتائب حالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة موليا على متنها فقال: ويل أمه، حزما على متن العصا ما ضل من تحري العصا! فلما وصلوا به أدخلوه على الزباء فأجلسته على نطع وأمرت بطشت من ذهب وسقته الخمر بكثرة، ثم أمرت براهشية فقطعا وقدمت إليه الطشت وقد قيل لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطشت طلبه بدمه وكانت الملوك لا تقتل بضرب الرقبة تكرمه للملك، فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه خارج الطشت فقالت: لا تضيعوا دم الملك· فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله، ثم هلك جذيمة على هذا الحال· وأما قصير فقد جرت به العصا إلى غروب الشمس، وقد قطعت أرضا بعيدة، وقد سقطت به ميتة فدفنها وبنى عليها بناء وسار حتى دخل على عمرو بن عدي وقال له: تهيأ ولا تطل دم خالك فقال: وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو، وكانت الزباء قد سألت كهنتها عن أمرها وكيفية موتها فقالوا لها: نرى قتلك يكون على يد عمرو بن عدي فحذرت عمرا من ذلك اليوم واتخذت لنفسها سربا من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها حتى إذا فاجأها أمر دخلت السرب ومضت إلى الحصن، ثم دعت برجل مصور حاذق في صناعته وأرسلته إلى عمرو بن عدي متنكرا وقالت له: صوره قائما وجالسا ومتفضلا، ومتنكرا ومتسلحا بهيئته ولبسته ولونه وذلك حتى إذا رأته في أية حالة منها تعرفه ففعل المصور ما أمرته به، وأتى إليها بالصور· وأما قصير فقال لعمرو: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها ففعل به عمرو ذلك وخرج قصير حتى قدم على الزباء فأدخل عليها، فلما رأته أجدع قالت لأمر ما جدع قصير أنفه، قم قالت: ما الذي أراه بك يا قصير؟ قال: زعم عمرو أني غدرت بخاله وزينب له المسير إليك ومالأتك عليه، ففعل بي ما ترين، فأقبلت إليك وقد عرفت أني لا أكون مع أحد

стр. 205

هو أثقل عليه منك فأكرمته ورأت ما أعجبها من حزمه وحذقه ودرايته ومعرفته بأمور الملك فلما عرف أنها قد وثقت به قال: إن لي بالعراق أموالا كثيرة ولي بها طرائف وعطر فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليك من طرائفها ومن صنوف ما يكون بها من التجارة فتصيبين أرباحا وبعض ما لا يكون للملوك غنى عنه فأذنته ودفعت إليه أموالا، وجهزت معه الدواب، فسار حتى قدم العراق وأتي عمرو بن عدي مختفيا وأخبره الخبر· وقال: جهزني بصنوف البز والطرف لعل الله يمكننا من الزباء فتصيب منها ثأرك فأعطاه ما طلب وعاد به إلى الزباء فأعجبها ذلك كثيرا وزادت بقصير ثقتها ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى فسار إلى العراق ولم يدع طرفه الأقادم بها عليها حتى تعجبت منه، ثم عاد الثالثة وقال لعمرو: اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيئ لهم الغرائر (وهي كالصناديق كان هو أول من اخترعها) فلما تهيأت جعل كل رجلين في غرارتين على ظهر بعير وجعل معقد رؤوسهما من باطنهما وقال لعمرو: إذا وصلنا أقمتك على باب باب السرب، ثم أخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قاتلوه وإن أقبلت هي إلى سربها قتلتها أنت، فلما تم ذلك، سار قصير مجدا حتى إذا قرب سبق إليها وبشرها بكثرة ما حمل إليها من المال والتحف والثياب وكان المسير في الليل ويكمن في النهار لراحة القوم فأشرفت الزباء من قصرها أبصرت الإبل مثقلة بالأحمال تسير الهوينا وتكاد قوائمها تسوخ في الأرض فقالت: يا قصير: ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا تأرزا شديدا ... زم الرجال جثما قعودا ثم دخلت الإبل المدينة فلما توسطتها أنيخت وخرج الرجال من الغرائر ودخل عمرو على باب السرب ثم وضعوا السيف في أهل البلد وأقبلت الزباء تريد الخروج من السرب، فلما أبصرت عمرا عرفته بالصورة فمضت سما كان بخاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو وتلقاها عمرو بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة، ثم رجع إلى العراق وجلس على سرير الملك بعد خاله جذيمة· الزرقاء جايرة بن رامين كانت من المشهورات بالجمال والحسن والغناء وافتتن بها غالب أهل زمانها، وكان الناس يقصدونها لسماع صوتها، ويبذلون لها مالا خطيرا فاشتد ولوع يزيد بن عون الصيرفي بها فدخل عليها ومعه لؤلؤتان فقال لها: قد بذل لي فيهما أربعون ألف درهم· فقالت: هبهما لي· فقال: افعل إن شئت· قالت: شئت، فحلف لا يعطيهما لها إلا من فمه إلى فمها، فغمزت الخادم، فخرج وكان يزيد واقفا متكسرا بين يديها كاتفا يديه فجلس أمامها وتقدم إليها، فأقبلت لتنالهما، فجعل يروغ بفمه ليستكثر من مقابلتها فانقضت عليه فأخذتهما وقالت: من هو المغلوب منا· فقال: والله لا يزال طيب هذه الرائحة في فمي ما حييت أبدا· ولما أفضت إلى جعفر بن سليمان وأبوه عامل المنصور على البصرة، فدخل على ابنه يعتبه على شرائها واشتغاله بها في هذه الأيام، وقد خرج عليهم خارجي فغمز جعفر الخادم فأخرجها إليه، فبهت من جمال طلعتها وحلاوة منطقها فرضي ولم يعتب بعدها أبدا، وقال للزرقاء يوما: هل تمكن أحد من محبيك منك بشيء؟ فخشيت أن تكتمه ما عساه أن يكون بلغه فأخبرته بموافقة الصيرفي، فاحتال عليه حتى حصل عنده فضربه حتى مات وبقيت الزرقاء عنده في عز وجاه إلى أن ماتت·

стр. 206

الزرقاء ابنة عدي بن قيس الهمدانية كانت ذات شجاعة وبلاغة عظيمة، وكانت شهدت مع قومها صفين ولها جملة خطب ألقتها في مواقف القتال حتى خيل لمن يسمعها أنها أضغاث أحلام، وبينما معاوية بن أبي سفيان جالس في ديوانه بدمشق بعدما آل الأمر إليه واجتمع حوله حاشيته تذاكروا حرب صفين فقال أحدهم: إنه رأى الزرقاء وهي راكبة على بعير واقفة بين الصفين وهي تحرض الناس على القتال ولم ترهب أحدا من الفريقين· فقال معاوية: أو هي حية إلى الآن؟ فقيل له: نعم، هي مقيمة بالكوفة· فقال: يجب أن نستقدمها إلينا، ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوقرها مع ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء لينا ويسترها بستر حصين، ويوسع لها في النفقة·فأرسل إليها فأقرأها الكتاب· فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار لي فإني لا آتيه وإن كان حتما فالطاعة أولى، فحملها وأحسن جهازها على ما أمر به، فلما دخلت علي معاوية قال: مرحبا وأهلا قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قال: بخير يا أمير المؤمنين أدام الله لم النعمة· قال: أتدرين فيم بعثنا إليك؟ قالت: إني لا أعلم ما أعلم· قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر الواقفة بين الصفين تحضين على القتال وتوقدين الحرب فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب ولم يعد ما ذهب والدهر ذو غير، من تفكر بصر، والأمر يحدث بعده الأمر· قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه ولقد نسيته· قال: لكني أحفظه لله أبوك حين تقولين: زيها الناس ارعووا وارجعوا قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلاليب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها فتنة عميا صماء بكماء لا تسمع لناعقها ولا تنساق لقائدها· إن المصباح لا يضيء في الشمس ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، أيها الناس إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين على المضض فكان قد اندمل الشتات والتأمت كلمة الحق ودمغ الحق الظلمة، فلا يجهلن أحد فيقول: كيف وإني ليقضي الله أمرا كان مفعولا، الآن آن الأوان خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم بعده والصبر خير في الأمور عواقبا· أيها في الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد أشركت عليا في كل دم سفكه· قالت: أحسن الله شاركتك وأدام سلامتك مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه قال: أو يسرك ذلك؟ قالت: نعم والله سررت بالخبر فإني لك بتصديق الفعل، فضحك وقال لها: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته اذكري حاجتك· قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا· ثم انصرفت وبعد ذلك أرسل لها معاوية جائزتها· زرقاء اليمامة ابنة مرة الطسمي هي أخت رياح بن مرة كانت حادة البصر ليس على وجه الأرض أبصر منها وكانت تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، فلما أغار على قومها الملك حسان أحد ملوم اليمن وكان أخوها مع القوم وذلك في خبر طويل، وحين قربوا من اليمامة حذرهم رياح من أخته وأخبرهم بأنها تنظر الراكب من مسيرة كذا ميلا وأمرهم أن يقلعوا الشجر وكل شخص يحمل أمامه شجرة ففعلوا، ثم ساروا، ولما أشرفت من منظرها قالت: يا جديس، لقد سارت إليكم الشجر قالوا لها: ما ذاك؟ قالت: أشجار يسير وراءها شيء وإني لأرى رجلا

стр. 207

من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا فكذبوها وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب ففي ذلك تقول الزرقاء لجديس تحذرهم: إني أرى شجرا منخلفها بشر ... فكيف يجتمع الأشجار والبشر سيروا بأجمعكم في وجه أولهم ... فإن ذلك منكم فاعلموا الظفر فلم يسمعوا لها وهجم عليهم الملك حسان بحمير فأفناهم وشتت شملهم، فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة فأمر بها، فنزعت عيناها، فإذا هي داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك فقالت: حجر أسود -يقال له الإثمد- كنت أكتحل به فنشب إلى بصري وكانت أول من اكتحل به فاتخذوه بعد ذلك كحلا، وأمر الملك باليمامة فصلبت على باب خيمتها -وهو اسم البلد الذي كانت جديس مقيمة فيها- وسميت الزرقاء المذكورة باسمها. زليخا امرأة قطفير عزيز مصر قيل: 'نم اسمها راعيل ابنة عابيل، وقيل: اسمها بكا ابنة فيوش وأكثر التواريخ أن اسمها زليخا. كان والدها من أولاد ملوك القبط الذين حكموا مصر قبل دخول العرب الذين سماهم المؤرخون ملوك الرعاة. كانت زليخا رأت في نومها أنها ستكون ملكة على مصر وأن القمر صار تاجا لها ولبسته يوم توليتها على عرش المملكة فقيل لها: إنها ستتزوج بملك مصر، ومضى على ذلك أيام وليال، ولم يظهر لمنامها تأثير حتى إنها تزوجت بقطفير عزيز مصر الذي كان بذاك الزمان محافظا على البلد من قبل ملكها وظنت أن منامها كان أغاث أحلام فصرفت أفكارها عما رأت. وفي أثناء ذلك دخلت العرب إلى مصر واستولت عليها وأبقت من دخلوا تحت الطاعة في الأحكام مثل قطفير وخلافه، وبذلك صارت زليخا مسموعة الكلمة مطاعة الأوامر، مقبولة الرجاء عند ملوك الرعاة ولم تطلب أمرا إلا تجاب عليه وبقيت تحت قطفير حتى قيض الله لها يوسف بصفة عبد جاءت به التجار وصارت عليه المزايدة حتى رسا مزاده على قطفير زوج زليخا فأخذه إلهيا وأمرها بإكرامه، فأخذته إليها وأكرمت مثواه إكراما لا مزيد عليه حتى جعلته بمثابة أولاد الملوك وكانت تلبسه الديباج وقراطق الحرير وتوقفه على رأسها وتأمره بما تريد من أمرها، ولما تفرس العزيز في يوسف الخير والصلاح لم ينزله منزلة العبيد بل قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهو يومئذ ابن سبع سنين. وقيل: سبع عشرة سنة فكانت زليخا تمشط شعره بيدها وتخدمه بنفسها ومازالت زليخا في كل يوم تحسن إلى يوسف وتتولى أمره حتى مال قلبها إليه وتكاثر وجدها وهو مع ذلك لا يلتفت إليها بعينه حياء من ربه ولا ينظر إليها حتى تكاثر همها ودق عظمها وكابدها الشجون وواصلها النحول. فلما عيل صبرها وضاق صدرها دخلت حاضنتها. فقالت لها: يا سيدتي، أرى غصنك ذابلا وجسدك ناحلا، وقلبك مائلا فقالت لها: وكيف لا وأنا أخدم هذا الغلام منذ سبع سنين ألاطفه بلساني وأتحبب إليه بإحساني، وكلما زدت ميلا إليه زاد إعراضا عني وكلما قربت منه تباعد مني. فقالت الحاضنة: يا سيدتي، لو نظر إليك لكان أسرع إليك منك إليه، ولو نظر إلى حسنك وجمالك وصفاء لونك لما قر له قرار دونك فقالت لها: وكيف لي به؟ قالت لها: مكنيني من الأموال، فقالت: ها خزائني بين يديك خذي منها ما شئت ودعي ما شئت لا حساب عليك في ذلك، فتمكنت من الأموال ودعت أهل البناء والهندسة وقالت: أريد بيتا ترى الوجوه في سقفه وحائط كما ترى في المرآة المصقولة فأجابوا بالسمع والطاعة

стр. 208

ثم بنوا لها بيتا سمته القيطوم، فلما تكامل بناؤه وتم إتقانه دعت بحضور مصور حاذق فصور في الحائط صورة يوسف وزليخا متعانقين ولم يبق من صورتهما شيء غلا صور، وأمرت بسرير من ذهب مرصع بالدر والياقوت واللؤلؤ، فوضعته في صدر البيت وجعلت عليه فرش الديباج والحرير الملون، ثم فرشت البيت وأرخت الستور، ثم ألبست زليخا من نوع من الحلي والحلل النفيسة ما لا يوصف ولا يقدر بقيمة وأجلستها على مرتبة عظيمة مما يليق بمثلها. ثم خرجت إلى يوسف وهي مستعجلة فقالت: يا يوسف أجب سيدتك زليخا فإنها تدعوك في بيتها القيطوم وكان سامعاً لها مطيعاً، وكان بيده قضيب من ذهب يلعب به، فرمى القضيب من يده وأسرع إلى الباب ليدخل فنادته زليخا مستعجلة له بالدخول فظن السوء في نفسه وأراد الرجوع بعد أن وضع رجله داخل العتبة، فتوقف عند ذلك وزاد إحساس قلبه بالشر فأسرعت إليه وجذبته إلى السرير وقالت: هيت لك، فأغمض عينيه وكف يديه ونكس رأسه حياء من الله تعالى فقالت له: يا يوسف، ما أحسن وجهك· قال: الله صوره في الأرحام· قالت: ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسقطان مني في قبري· قالت: ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما يبلى مني· قالت: يا يوسف: ما أطيب ريحك! قال: لو شممت رائحتي بعد ثلاث لفررت مني، قالت: يا يوسف أتقرب إليك فتتباعد مني! قال لها: أرجو بذلك التقرب من ربي· قالت: انظر إلي نظرة واحدة· قال لها: أخشى العمى من ربي في آخرتي· قالت: ضع يدك على فؤادي· قال لها: إذا تغل في النار يدي· قالت: أشتريك بمالي وتخالفني· فقال: الذنب لإخوتي إذ باعوني حتى ملكتيني· قالت: اصبر معي ساعة واحدة في البيت· قال لها: ليس فيه شيء يسترني من ربي قالت: يا يوسف، بأي وجه تخالفني وبأي حكم ترجع عن مرادي ولا ترعى صنعي؟ قال لها: حكم إلهي الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه وبطشه وإكراماً لسيدي الذي أكرم مثواي وأنزلني منزلة الأولاد· فقالت له: أما إلهك الذي في السماء فإني أفتح بيوت الأموال وأتصدق عنك بها وأهديها إليه حتى يرضى عنك ويغفر لك، ولا أبالي أنا فيما يفعل في حقي لمرادي وقضاء حاجتي، وأما سيدك الذي أكرم مثواك فأنا أطعمه السم حتى ينتثر لحمه ويسقط عظمه ويموت جهداً وكمداً، وأكون أنا وأموالي وما ملكت يداي ملكك وطوع يمينك· قال: إذاً فما يكون عذري يوم القيامة بين يدي ربي إذ أكون فضلاً عن ارتكاب المعصية سبباً في جريمة قتل سيدي الذي أحسن إلي. وبعد هذه المحاورة التفت يوسف إلى صنم داخل البيت وعليه ستر فقال لها: لماذا سترت هذا الصنم؟ قالت: استحيت منه، فقال: إذا كنت تستحين من هذا وهو لا يسمع ولا يدري ولا ينفع ولا يضر فكيف أنا لا أخاف من ربي وقام وبادر بالخروج من الباب من غير أن يكون بينهما سبب من الأسباب وقد شهد الحق له بذلك في كتابه العزيز بقوله تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) (يوسف: ٢٤) . ولما رأته فر يريد الباب أدركته وجذبت قميصه من خلفه فتمزق القميص ووافق ذلك الوقت أن العزيز مر بالباب يريد قضاء حوائجه فإذا بوجبة فالتفت فإذا بالباب يحمل ويساق فدفع الباب وقال: من؟ فإذا يوسف مقدود الثوب باكي العين وإذا زليخا ناشرة الشعر محمرة الوجه باكية العين· فقال العزيز: فيم أنتما؟ فقالت زليخا: ياسيدي غلامك العبراني الذي ائتمنته على أهلك ومننت عليه بفضلك، وأحللته محل ولدك يريد بأهلك السوء· فأقبل العزيز على يوسف بوجهه وقال: يا يوسف، هذا جزائي منك ائتمنتك على أهلي وأحللتك محل الأولاد المكرمين، ورجوت الخير والانتفاع بك فصرت تخونني في أهلي· فقال يوسف: معاذ الله أن أخونك في أهلك وأرضى بذلك! بل هي راودتني عن نفسي· فوقف العزيز متحيراً ينظر إليها تارة وإليه أخرى

стр. 209

فقال يوسف: إن لي شاهداً يشهد ببراءتي· فقال العزيز: ما هو الشاهد ولم يكن معكما أحد في البيت؟ فقال: انظر هذا القميص كيف قد من دبر فلو كنت أنا المراود لكان القميص قد قد من قبل وهذا برهان محسوس على ذلك وكان مع العزيز ابن عم زليخا، فلما سمع هذا الدليل وجده قاطعاً فقال: انظر إلى قميصه إن كان قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فنظر العزيز إلى القميص فوجده ق د من دبر فقال لها: إن ذلك من كيدكن إن كيدكن عظيم ثم قال ليوسف: اكتم هذا ولا تبح به لأحد وقال لها: استغفر لذنبك إنك كنت من الخاطئين ثم تركها وانصرف· وبعد ذلك قالت ليوسف: قد فضحتني والله لأسلمنك للمعذبين يعذبونك حتى ينسل جسمك كما سللت جسمي· فقال لها: إن كنت احتقرتني لغربتي فالله حسبي ونعم الوكيل· واشتغلت عن ذلك بكلفها به وشاع الخبر بمصر أن امرأة العزيز راودت فتاها عن نفسه قد شغفها حباً، وقد اجتمع نساء الملوك والأمراء والقادة مرة وتذاكران أمرها قاستقبحنه وقلن: إنها في ضلال مبين، فبلغ ذلك زليخا وعظم عليها فأرادت أن تبين عذرها لهن فيه فصنعت لهن صنيعاً وأرسلت إليهن تدعوهن لضيافتها، وهيأت لهن مجلس أنس وأوجدت فيه كل معدات الطرب وكن عشرة نسوة من نساء الملوك والأمراء وعشر بنات أبكار من بنات الملوك والأمراء، وبعد أن تناولن الطعام قدمت لكل واحدة منهن صحفة من عسل وأترجة وسكيناً حاداً، وقالت لهن: ما حقي عليكن؟ فقلن لها: أنت سيدتنا وكبيرتنا والمطاعة فينا نسمع لك ونطيع· فقالت: لهن: بحقي عليكن إذا خرج عليكن فتاي يوسف إلا ما قطعتن له مما في أيديكن وأعطيتنه يأكل· فقلن لها حباً وكرامة· فتركتهن وذهبت إلى يوسف وقالت له: يا يوسف، أطعني اليوم واعصني أبداً· قال: أما مالم يكن فيه سخط ربي فلا أبالي · فقالت له: دعني حتى أزينك وإن كنت مزيناً قال: اصنعي ما بدا لك، فرصعت جوانبه بالدر والياقوت وكللت جبينه بالجوهر وألبسته قباء أخطر ومنطقته بمنطقة من ذهب أحمر، ووضعت على عاتقه منديلاً من السندس وكأساً من ذهب في يده وقالت: اخرج عليهن فلو رأين منك ما رأيت لذهبن عن أنفسهن ولتركن الطعام والشراب ولمن أنفسهم كما لمنني· فخرج عليهن وهن قعود يقطعن في الأترج فلما رأينه ظنن أن صنم زليخا الذي تعبده وكن يسمعن به ويحببن أن ينظرن إليه، فلما بدا لهن يوسف أكبرنه وصرن شبه السكارى والحيارى من كثرة تعجبهن من بهائه وكماله وأمعن في نظرهن إلى حسنه وجماله ورمن أن يقطعن ما في أيديهن كما شرطت زليخا عليهن فصرن يقطعن أيديهن وصارت الدماء تسيل في حجورهن ولا يجدن ألم القطع ولا حدة السكاكين ولا وقوع الدم على الأجسام، ويوسف يقول: ويحكن ماذا تصنعن بأنفسكن إنما أنا عبد من عبيد ربي، وزليخا تضحك مما تراه منهن من تقطيع أيديهن وذهاب عقولهن وأمرته بالانصراف، فلما غاب عن عيونهن رجعن إلى حسهن فقالت لهن زليخا: ويحكن من لحظة واحدة فعلتن بأنفسكن هذا وأنا منذ سبع سنين أقاسي منه ما أقاسي، وأخدمه على أطراف البنان وهو لا يعيرني طرفه ولا يلتفت نحوي فقلن لها: حاشى لله ما هذا بشراً أن هذا إلا ملك كريم فقالت لهن: ما هذا الذي فعلتنه بأنفسكن؟ فلما رأين ما نزل بهن أدركهن الخجل وذكرن ما لمنها به· فقالت لهن: هذا الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وأبى ولئن لم يفعل ما آمره لأسجننه وأعذبنه حتى يكون من الصاغرين· وقد أقرت لهن بأمرها لكونهن عذالها ورأتهن وقعن بما وقعت به فقلن لها: إنك لمعذورة فمرينا أن نكلمه بشأنك عساه أن يطيع ويسمع عندما توبخه عن إعراض نفسه

стр. 210

فأذنت لهن بالخلوة طمعاً في أن يملنه إليها، فجعلت كل واحدة منهن إذا خلت به تدعوه إلى نفسها وتشكو إليه وجدها فقال يوسف: يا ربي كانت واحدة لم أقدر عليها بعنايتك، وقد صرعن جماعة (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) (يوسف: ٣٣) . ولما رأين أن لا حيلة لهن باستمالته قلن لها افعلي ما بدا لك فيه، فطاولته مدة من الزمن ولما يئست منه قالت لزوجها: إن هذا الغلام فضحني بين الناس ونكس رأسي بين نظرائي وقد شاع خبري وخبره في مصر ولا براءة لي عندهم إلا أن أحبسه في السجن· فقال لها زوجها: لا يحبسه إلا الملك الريان بن الوليد، وكان مراده أن يخرج أمره من يدها لأنه إذا كان مره بيدها ربما حنت عليه وأخرجته من السجن فلما سمعت ذلك لبست ثيابها وزينتها وجعلت تاجها على رأسها وخرجت حتى أتت إلى الريان بن الوليد وكان في بيته الأعظم وهو بيت من الحديد والنحاس فيه الزخارف بأنواع الجواهر والمعادن وكان يجلس في أعلى الباب حتى إذا دخل عليه أحد يراه قبل دخوله، فإن شاء أذن له وإلا ينصرف· ولما رأى زليخا مقبلة أذن لها بالدخول وأمر الغلمان بفتح الأبواب أمامها، وكانت ذات قدر عظيم عنده مسموعة الكلمة لأنها من بنات الملوك، ولما دخلت على الملك خرت له ساجدة فقال لها الملك: ارفعي رأسك فأنت المقربة المرضية وحاجتك عندي مقضية، فرفعت رأسها إليه وأخذت في الثناء عليه بقولها: أيها الملك دام لك العز والبقاء وألبست ثوب النعمة والرخاء لم تزل لي مكوماً ولقضاء حاجتي مسرعاً وأن عبدي العبراني قد استعصى عليّ وأحب أن تأذن لي بحبسه في سجن المجرمين حتى يتأدب ولو بعد حين فقال لها: قد أجبتك وجعلت أمر السجن بيدك فانطلقي فاطلقي من شئت واحبسي من شئت فأخذت إذنه ورجعت إلى منزلها وأمرت بإحضار الحدادين إليها فمثلوا بين يديها فقالت لهم: إني أريد أن تصنعوا لي قيداً محكماً لعبدي يوسف العبراني· فقالوا: أيتها الملكة المطاعة في أمرها العظيم في قومها إنا نرى بدناً ناعماً وساقاً رقيقاً ووجهاً أنيقاً، وإنه ربي بنعمة كاملة وعافية شاملة، فكيف يقوى على حمل القيد الحديد الثقيل· فقالت: قيدوه وهذا لا يعنيكم· فقال يوسف: افعلوا ما أمرتكم به فإني من أهل بيت البلاء فقيدوه وحملوه على الأكتاف وانطلقوا به إلى السجن وتسامح الناس به فأقبلوا عليه من كل مكان حتى غصت الطرقات وصاروا ينظرون إليه ويقولون: إنه عصى سيدته الملكة وهو منكس رأسه ويقول: هذا خير من عصيان رب العالمين، فلما وصلوا به إلى السجن قالوا للسجان: خذ هذا فإن سيدته غضبت عليه وأمرت أن يسجن في سجن المجرمين، فأدخله السجان إلى السجن ووضعه بين أصحاب الكبائر والجنايات، ودخل العزيز على زليخا وقال: ما فعلت بيوسف؟ قالت: قيدته وحبسته وكان كرادها أن تخرجه عن قريب· فقال لها: أقسمت عليك بالملك الريان ورأسه إلا ما أبقيت يوسف في السجن ما دام املك حياً فلم يمكنها إلا إبرار القسم وأدركها الندم، ولم تجد عذراً تخرجه به، وكانت تصعد إذا جن الليل إلى أعلى قصرها وتنظر إلى جهة السجن وتبكي وتقول: حبيبي يوسف ليت شعري أنائم أنت أم يقظان أجائع أنت أم عطشان، وتبقى على ذلك النحيب والبكاء حتى ينفجر الصبح وجداً عليه وشوقاً إليه وقد أنحلت الغرام وخالطها الهيام وداخلها السقام وهجرها المنام، وتعذر على ناعتها إثباتها ودامت على ذلك لا تشكو إلا بذكره ولا تسأل إلا عن أمره مدة اثنتي عشرة سنة حتى أذن الله ليوسف بالخروج من السجن كما جاء في قصته، ولم يشأ الخروج إلا بعد براءة ساحته، فجاء الملك بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن وسألهن عن ذنب يوسف بقوله: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه وكيف دعوتنه إلى الفاحشة فأقررن عند ذلك·

стр. 211

وقلن: حاشى الله ما علمنا عليه من سوء، ولا كانت رغبة فينا ولا دعوة للزنا وإنه لبريء الساحة طاهر الذيل· فقالت زليخا: هذا وقت بيان الحق واضمحلال الباطل إن مراد حبيبي إقراري· فأنا أقر بذنبي، الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ولما ظهرت براءة يوسف وتبوأ الملك وحصل القحط في مصر نسي زليخا ولم يفتكر بها لكثرة أشغاله، وقد مات العزيز زوجها وهي لكثرة إسرافها نفذت أموالها خصوصاً في أيام القحط التي حصلت بمصر في مدة يوسف حتى صارت لا تملك شيئاً ومدة يدها للسؤال فقيل لها: تعرضت للصديق لرحمك وأعطاك شيئاً عن الناس يغنيك· وقيل لها من آخرين: لا تفعلي فربما يذكر ما كان منك إليه من المراودة وطول السجن والمخالفة فيسيء إليك ويعاقبك فقالت: أنا أعلم بحبيبي منكم وإن من خلقه الصفح والاحتمال والفضيلة والابتهال، ثم نهضت حتى جلست على ربوة بطريقه وكان ليوسف يوم يركب فيه في كل أسبوع وكان يركب معه من عظماء دولته ووزرائه وقواده وأرباب مملكته نحو المائة ألف نفس، فلما أقبل يوسف وأحست به قامت ونادت بأعلى صوتها سبحان من جعل العبيد ملوكاً بالطاعة، وجعل الملوك عبيداً بالمعصية· فأمسك العنان ونظر إليها وهي واقفة في ذلك المكان فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا التي كنت أخدمك دهراً وأرجل جمتك وكان مني ما كان في ذلك الزمان قد ذقت وباله ولقيت نكاله، وتغيرت كما ترى أحوالي، وصرت أسأل الناس الذين كانوا يسألوني فمنهم من يرحمني ومنهم من يعرض عني، وهذا جزاء من خالف مولاه واتبع هواه· فلما سمع الصديق كلامها بكى إشفاقاً عليها ثم قال لها: هل بقي بقلبك شيء مما كان؟ قالت: والله لنظرة فيك أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال ت: ناولني سوطك فناولها إياه فوضعته على قلبها فأحس يوسف بانتفاض يده مع السوط من شدة انتفاض قلبها وقال لها: ما أصاب قلبك؟ فقالت: يا يوسف، هو كما ترى· فقال لها: اذهبي إلى منزلك وإننا سننظر في أمرك، ثم ذهب باكياً وبعد وصوله إلى مستقره أرسل إليها رسولاً فقال: يقول لك الملك إن كنت أيماً تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك· فقالت للرسول: إليك عني فإن الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بي فإن لم يلتفت إلي أيام شباب وجمالي فكيف يلتفت إلي الآن ولم تصدق قوله، فرجع الرسول وأخبر الصديق بما قالت وذكرت من شأنها، فعلم أنها غير واثقة تصدق قوله، فرجع الرسول وأخبر الصديق بما قالت وذكرت من شأنها، فعلم أنها غير واثقة بما قاله لها الرسول· فلما كان في الأسبوع الثاني مر الصديق عليها بموكبه فرآها على الحالة التي رآها بها أول مرة وقالت له كما قالت في الأول فقال لها: ألم يبلغك رسولي ما أرسل به إليك فما ترين؟ فقالت: ألم أقل إن نظرة إليك أحب إلي من الدنيا وما فيها· فلما سمع منها ذلك أمر بحملها إلى قصره وأحضر الشهود وتزوجها، فلما زفت عليه وأدخلت إليه نظر إليها فزاد إشفاقاً عليها فأكرمها إكراماً لا مزيد عليه، ورتب لها من يقوم بأودها ولم يمض زمن حتى عاد إليها جمالها ورونقها وبهاؤها وكمالها وذلك من سوروها بما نالت من حبيبها حلاً بعد الحرام، وانتقالها من دنيا إلى أخرى بقدرة الملك العلام· وقيل: إنها طلبت إليه أن يدعو الله أن يرد لها جمالها ففعل، وهنالك تذكرت المنام الذي كانت رأته قبل تزوجها بقطفير فرأت تفسيره قد حصل بزواجها بيوسف، أن لبست تاج مصر في مدته وصارت ملكة كعادة زمانهم ولما دخل عليها يوسف وجدها بكراً فتعجب من ذلك وقال لها: ما كنت تفعلين حين راودتني عن نفسي قالت: أيها الصديق اعذرني ولا تلمني فإن الله كساك حلة الجمال والبهاء والكمال وكان زوجي عنيناً لا يقرب النساء فغلب علي حب الشهوة ففعلت ما فعلت· ولما أتاها ولدت له "افراديم" وبعده"منشا" وذلك في مدة أربع سنوات ولم تلد له خلافهما مدة حياتها·

стр. 212

زوي امبراطورية المملكة الشرقية هي ابنة قسطنطين التاسع زفت إلى رومانوس الثالث سنة ١٠٢٨م ثم عشق صائغاً يدعى ميخائيل وهو ميخائيل الربع البافلاغوني فأهلكت زوجها وتزوجته فرقي تخت الملك ولم يلبث أن زساء معاملتها فاتفقت مع أخيه وعلى رواية ابن أخيه يوحنا الملقب من ثم ميخائيل الخامس وخلعاه ورقي ميخائيل تحت الملك سنة ١٠٣٥م فأساء معاملتها أيضاً فأثارت هيجاناً في القسطنطينة وخلعت ميخائيل ورقت مكانه مع أختها تيودورا فتزوجت وكانت في الثالثة والستين من عمرها قسطنطين العاشر مونوماخوس سنة ١٠٤٢ فصفا لها الجو وحكمت كيف شاءت إلى أن هلكت سنة ١٠٥٢ ميلادية· زينب ملكة تدمر كانت آية زمانها في الجمال ونادرة عصرها في الفضل المقرون بالجلال تعرف عند الرومان ب زنوبيا ملكة الشرق، تولت عرش تدمر بعد زوجها أذينه المقتول عام ٢٦٧ للميلاد وكان أشتد ساعدها ورسخت في البلاد وطأتها في عاصمتها البناءات الباهية الأنيقة، وغرست في ضراحيها الرياض الزاهية حتى تركتها جنة من الجنان فيها فاكهة، والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان· ثم جنحت إلى المغازي والفتوحات ودانت لشدة بأسها العباد، وفتنت ببديع حسنها وسحر أساليبها الملوك، فأسكرها الفوز والنصر وبعثها على التمادي في طلاب العز والتماس الفخر فبعثت بالسرايا والصوائف إلى مصر فقهرتها ولقبت ذاتها بألقاب أهاجت عليها حسد مملكة الرومان، فنوتها وزحف عليها أورليان قيصر روم، فعبأت الجيوش وقابلته على مقربة من أنطاكية فحمص، فهزمها شر هزيمة حتى اعتصمت منه بقاعدة بلادها تدمر، فأدار عليها رحى الحرب حصاراً وقتالاً حتى تداعت له أسوارها عنوة فأعمل في أهلها السيف، وفي قصورها التخريب حتى غادرها قاعا صفصفاً يأوي إليها البوم والقطا، نادبة سالف مجدها المذكور، وقديم عزمها المأثور· وأما زنوبيا فأسرها أورليان وقادها إلى عاصمة الرومان ذليلة صاغرة حيثما دخلها بموكب حافل وهي ترسف بقيودها الذهبية أمام العواجل، وكان ذلك عام ٢٧٢ للميلاد فسبحان الحي الباقي من لا عاصم من يديه ولا واقي· وأما تدمر فهي مدينة قديمة ذات آثار عظيمة كانت تعرف بمدينة النخل ويسميها الأقدمون بالميري واقعة بين نهري الفرات والعاصمة تبعد بنحو ٩٠ ميلاً عن حمص إلى الشرق و ١٥٠ ميلاً عن دمشق إلى الشمال الشرقي· قيل: إنها سميت باسم تدمر بنت حسان التي بنت المدينة في أيامها والصحيح: أنها من بناء سليمان كما ورد في التوراة وقد زعم العرب أن الجن بنوها له وعلى ذلك يقول النابغة: إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند وخبر الجن أني قد أمرتهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد· ولم تنل تدمر عزاً مثل ما نالته في مدة زنوبيا ولم يرجع إليها رونقها الأصلي أبداً حتى صارت خرائب في هذا الزمان يأوي إليها البوم والغربان· زينب ابنة عبد الله بن عبد الحليم كانت حنبلية المذهب وهي بنت أخي الشيخ تقي الدين · قال الحافظ ابن حجر: سمعت من ابن الحجار

стр. 213

وغيره وحدثت وانتفع الناس بعلمها ولي منها إجازة· وهي من نساء الحديث المشهورات ذات لهجة صادقة ولذلك عدت من المحدثين· زينب ابنة محمد بن عثمان بن عبد الرحمن الدمشقية كانت أحسن نساء زمانها منظراً، وأعذبهن مقالاً، وأفصحهن منطقاً، وأعلمهن بالفقه والحديث وكان يعرف أبوها بابن العصيدة، حدثت بالإجازة العامة عن فخر الدين ابن الحجار وغيره· ومن تلامذتها: الحافظ ابن حجر وله منها إجازة وعمرت أكثر من مائة سنة وعشر سنين وكانت حلقة درسها لا تقل عن الخمسين طالباً للحديث ولم يسمع بامرأة مثلها فتحت حلقة درس واجتمع فيه طلاب مثل طلاب حلقة درسها· زينب ابنة عثمان بن محمد لؤلؤ الدمشقية كانت من أفاضل العلماء ولها اليد الطولى في علوم السنة سمعت من الحافظ ابن حجر وأخذ منها الحافظ ابن حجر· وتوفيت سنة ثمانمائة ولها رسائل في الفقه، والسنة استند عليها كثير من العلماء· زينب المرية هي ابنة أحد مشاهير العرب ولدت بالمرية من أعمال الأندلس ولم نقف على تاريخ ولادتها واسم أبيها والذي وصل إلينا أنها كانت ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، وأدب وظرف، وتهذيب ولطف· رقيقة المعاني جزلة الألفاظ حاضرة النادرة لها شعر بديع جالست الأدباء وساجلت الشعراء حتى أنها كان يشار إليها بالبنان في ذلك الأوان، ومن شعرها: يا أيها الراكب الغدي مطيته=عرّج أنبئك عن بعض والذي أجد ما عالج الناس من وجد تضمنهم=إلا ووجدي بهم فوق الذي وجدوا حسبي رضاه وإني في مسرته=ووده آخر الأيام أجتهد وتوفيت بالمرية مأسوفاً عليها من ذوي الأدب وأهل العلم· زينب ابنة حدير كانت من عاقلات ذاك العصر وأطوعهن لأزواجهن وكان زوجها القاضي شريح كما روى عنه الشعبي فإنه قال: قال لي شريح: يا شعبي، عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء قلت: وكيف ذلك؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم ظهراً فمررت بدور بني تميم فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وفي جانبها ذات يوم ظهراً فمررت بدور بني تميم فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وفي جانبها جارية كأنها البدر في الليلة الداجية، فاستقيت فقالت لي: أي الشراب أعجب إليك النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسر عليكم فقالت: اسقوا الرجل لبناً فإني أخاله غريباً· فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ قالت: ابنتي· قلت: وممن؟ قالت: زينب بنت حدير إحدى نساء تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهية· قلت: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة· قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم، إن كنت كفؤاً، لها عم فاقصده· فانصرفت إلى عمها فقال: يا أبا أمية ما حاجتك؟ قلت: إليك· قال: وما هي؟ قلت: ذكرت لي بنت أخيك زينب بنت حدير· قال: ما بي عنك رغبة ولا بك عنها مقصر وإنك لنهزة وزوجني بها وبارك القوم لي، ثم

стр. 214

نهضنا فما بلغت منزلي حتى ندمت فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأجفاها فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إلي فإن رأيت ما أحب وإلا طلقتها، فأقمت أياماً ثم أقل نساؤها يهادينها· فلما أجلست في البيت أخلي لي البيت فقلت: يا هذه، إن من السنة رذا دخلت المرأة على الرجل أن يصلي وتصلي ركعتين ويسألا الله خيراً ليلتهما ويتعوذا بالله من شرها فقمت أصلي، ثم التفت فإذا هي خلفي فصليت فإذا هي على الفراش، فمددت يدي فقالت: على رسلك· فقلت: إحدى الدواهي منيت بها· فقالت: إن الحمد لله وحده أحمده وأستعينه إني امرأة عربية ولا والله ما سرت سيراً قط أشد علي منه وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك فحدثني بما تحب فآتيه وما تكره فأنزجر عنه· فقلت: الحمد لله وصلى الله على محمد قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم أحد كذا وأكره كذا قالت: أخبرني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ فقلت: إني رجل قاضٍ وما أحب أن تملوني· قال: فبت بأنعم ليلة وأقمت عندها ثلاثاً، ثم خرجت إلى مجلس القضاء فكنت لا أرى يوماً إلا هو أفضل من الذي قبله حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي فإذا عجوز تأمر وتنهى، فقلت: يا زينب من هذه؟ فقالت: والدتي· قلت: حياك الله بالسلام· قالت: أبا أمية، كيف أنت وحالك؟ قلت: بخير والحمد لله· قالت: كيف زوجتك؟ قلت: كخير امرأة· قالت: إن المرأة لا ترى في حال أسوأ خلفاً منها في حالين إذا حظيت عند زوجها وإذا ولدت غلاماً فإن رابك منها ريب فالسوط، فإن الرجال والله ما جازت إلى بيوتهم شر من الورهاء المتدللة· قلت: أشهد أنها بنتك قد كفيتنا الرياضة، وأحسنت الأدب· قال: فكانت في كل حول تأتينا فتذكر هذا، ثم تنصرف· قال شريح: فما غضبت عليها قط إلا مرة واحدة كنت لها ظالماً فيها وذلك أني كنت إمام قومي فسمعت الإقامة، وقد ركعت ركعتي الفجر فأبصرت عقرباً فعجلت عن قتلها فأكفأت عليها الإناء، فلما كانت عند الباب قلت: يا زينب، لا تحركي الإناء حتى أجيء، فعجلت فحركت الإناء فضربتها العقرب فجئت فإذا هي تلوي فقلت: ما لك؟ قالت: لسعتني العقرب، فبهذا السبب كان غضبي لتعجيلها رفعه، وكان لي جار يضرب زوجته فقلت في ذلك: رأيت رجالاً يضربون نساءهم=فشلت يميني يوم تضرب زينبا أأضربها في غير جرم أتت به=إلي فما عذري إذا كنت مذنبا فتاة تزين الحلي إن هي حليت=كأن بفيها المسك خالط محلبا زينب ابنة حجش أم المؤمنين بنت حجش بن الرئاب زوجة النبي ﷺ ، تكنى أم الحكيم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي كانت قديمة الإسلام ومن المهاجرات مع الرسول وكانت قبل النبي ﷺ تحت زيد بن حارثة ومضى النبي يوماً إلى بيته لغرض فرفعت باب الخباء فرأى زينب حاسرة فأعجبته ومن ثم كرهت إلى زيد فلم يستطع أن يقربها فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره فقال: "أرابك فيها شيء؟ " قال: لا، فقال النبي ﷺ : "أمسك عليك زوجك واتق الله"· ففارقها زيد، واعتدت فحلت للرسول ﷺ فأنزل الله عليه (فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها) (الأحزاب: ٣٧ (فقال النبي ﷺ : "من يبشر زينب أن الله قد زوجنيها" وقرأ عليهم: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) (الأحزاب: ٣٧) الآية· فكانت زينب تفتخر على نسائه وتقول: زوجكن أهلكن وزوجني الله من السماء، وذلك سنة ٥ للهجرة، فلما دخل عليها قال لها: "

стр. 215

ما اسمك؟ "· فقالت: برة، فسماها زينب ولما تزوجها تكلم في ذلك المنافقون وقالوا: حرم محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه لأن زيد بن حارثة مولى النبي ﷺ كان يدعى بابن محمد على سبيل التبني فأنزلت الآية وهي: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) (الأحزاب: ٠٤) والآية الأخرى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) (الأحزاب: ٥) · فدعي زيد من ثم بابن حارثة، وكانت زينب قصيرة جميلة، صناع اليدين، صوامة، قوامة، تشتغل وتتصدق من شغل يدها· وقالت عائشة: يرحم الله زينب بنت حجش لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها بنيه ونطق القرآن وإن الرسول قال لنا ونحن حوله: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة وذلك لأنها أول من توفيت من نسائه بعده، وكان يريد بطول اليد كثرة الصدقة· وقال لعمر بن الخطاب: "إن زينب أواهة" أي خاشعة متصدعة· وتوفيت سنة ٠٢ · وقيل: ١٢ للهجرة وكان عمرها حين تزوجها ٥٣ سنة· زينب ابنة الحارث امرأة يهودية من خيبر كانت زوجة سلام بن مشكم، فلما استقر النبي ﷺ في خيبر أهدت له شاة مصلية مسمومة فوضعتها بين يديه، فأخذ مضغة فلم يسغها ومعه بشير بن البراء بن معرور فأكل بشير منها وقال النبي: "إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة" ثم دعا المرأة، فاعترفت· فقال: "ما حملك على ذلك؟ "· قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان نبياً فسيخبر، وإن كان ملكاً استرحنا منه· فتجاوز عنها ومات بشير في تلك الأكلة أما النبي ﷺ فلم يؤثر فيه السم إلا تأثيراً خفيفاً، فحجم بين كتفيه وقال في مرضه الذي مات فيه: "هذا وإني وجدت انقطاع أبهري من أكلة خيبر"· فكان المسلمون يرون أنه مات شهيداً مع كرامة النبوة وادعى ورثة بشير على زينب فقتلت· زينب ابنة الإمام أحمد الرفاعي لبست الخشن من الثياب، وتركت الطيب من الطعام والشراب، وكانت قد أرخت الحجاب وتملت بعبادة الملك الوهاب، وقنعت بدون اليسير مع القدرة ولزمت حنين أبيها وتبعت أثر طريقته بالذل والانكسار والسكينة والافتقار· كان السيد أحمد ﵁ يقول: كأنها خلقت رجلاً والناس يظنون أنها خلقت امرأة، وقال السيد عمر الفاروثي: كنت ذات يوم عند السيد أحمد فأظهرني على كثير من أسراره، ثم أخذني بيده ودخل بيته على رابعة، فقال له: سلم عليها واخدمها واسألها أن تدعو لك· فجاءت زينب فقبل رأسها ثم قال لي: أي عمر سلم عليها واخدمها واسألها أن تدعو لك ولذريتك ففعلت ذلك ثم قلت في نفسي: الأولى إنه كان يأمرني بالخدمة والتعظيم لرابعة فإنها أكبر سناً، فالتفت إلى السيد أحمد - قدس الله سره العزيز - وقال لي: أي عمر، إن الله وعدني أن يحيي بها الآثار ويعمر بها الديار· فقالت زينب: أي سيدي تعيش أنت ويعيش السيد صالح ويجعلني الله فداءك ويحيي الله بك الآثار· فقال: بل فيك· فقالت: يا سيدي أأنا أقعد وأحدث الناس وأجلس معهم في المجالس؟ فقال لها: يا زينب، لا ولكن ذريتك يبقون إلى يوم القيامة· إلا أن صاحب الشفاء أورد هذه الحكاية في كتابه بغير هذا النسق· قالت مريم بنت الشيخ يعقوب: قد قالت لي زينب: نتعب قليلاً ونستريح طويلاً، السفر بعيد، والطريق طويل، والجسد ضعيف، والزاد قليل، وليس لنا بد من
следующие страницы →