← Тараджим

Тараджим · id 9229

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور

زينب فواز

Полный текст (532 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ما قاله الأرقمي عن هذه الجارية قال: قال لي أبو السائب: هل لك في أحسن الناس غناء؟ قلت: وأنى لي ذلك قال اتبعني فتبعته إلى أن جئنا دار مسلم بن يحيى فأذن لنا فدخلنا ثم طلعت علينا جارية عجفاء كلفاء عليها ثوب أصفر وكأن وركيها في خيط من ضعفها فقلت لأبي السائب: بأبي أنت ما هذه؟ فقال: اسكت فتناولت عودا فغنت: بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم فاستبقني أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم قال: فتحسنت في عيني وبدا ما أذهب الكلف عنها وزحف أبو السائب وزحفت منه ثم تغنت: برح الخفاء فأيما بك تكتم ... ولسوف يظهر ما تسر فيعلم مما تضمن من غدير قبله ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم يا ليت أنك يا حسام بأرضنا ... تلقى المراسي طائعا وتخيم فتذوق لذة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخوانا فماذا تنقم قال: فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمر قتين وربت العجفاء في عيني ما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنت: يا طول ليلي أعالج السقما ... إذ حل كل الأحبة الحرما ما كنت أخشى فراقكم أبدا ... فاليوم أمسى فراقكم عزما فألقيت طيلساني وأخذت وسادة فوضعتها على رأسي وصحت كما يصاح على اللوبيا في المدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيه القوارير ودهن فوضعها على رأسه وصاح صاحب الجارية، وكان - ألثغا- قوانيني (يعني قواريري) فاصطكت القوارير وتكسرت وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديما، ثم وضع الربعة على رأسه وعوضنا ثمن القوارير إلى صاحب الجارية وذهبنا وكنا نختلف إلى العجفاء حتى اشتراها عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فانقطع عنا خبرها. العروضية مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون الكاتب سكنت بلنسية، وكانت قد أخذت عن مولاها النحو واللغة ولكنها فاقته في ذلك وبرعت في العروض، وكانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر للقالي وتشرحها وقد قرأ عليها أبو داود سليمان - الكتابين المذكورين - وأخذ عنها العروض. توفيت بدانية بعد سيدها في عدد الخمسين والأربعمائة وقد تركت لها ذكرا جميلا وفخرا طويلا تتحدث به الأجيال من بعدها - رحمها الله تعالى. عريب كانت مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة، وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والدب. ولم يتعلق بها أحد من نظرائها ولا رؤي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن نظير لها. وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في قصور الخلافة، وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه

стр. 317

عيش الحجاز والنشء بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره. وكانت عريب لعبد الله بن إسماعيل صاحب مراكب الرشيد وهو الذي رباها وأدبها وعلمها الغناء ونقل صاحب الأغاني من حديث إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها ابنة جعفر بن يحيى البرمكي وأن البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة. وقيل: إن أم عريب كانت تسمى فاطمة وكانت قيمة لام عبد الله بن يحيى بن خالد، وكانت صبية نظيفة فرآها جعفر بن يحيى فهويها، وسأل أم عبد الله أن تزوجه بها ففعلت وبلغ الخبر يحيى بن خالد، فأنكره وقال له: أتتزوج من لا يعرف لها أم ولا أب اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها إلى دار في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه ووكل بها من يحفظها وكان يتردد إليها فولدت عربيها في سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة. وقيل: إن أم عريب ماتت في حياة جعفر فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من سنبس فباعها من المراكبي، وقيل: إن الفضل بن مروان كان يقول: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبهتهما بقدمي جعفر بن يحيى قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها لبعض الكتاب فقال: فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى. وروى أبو الفرج الأصبهاني عن محمد بن خلف أنه قال: قال لي أبي: ما رأيت امرأة أضرب من عريب ولا أحسن صنعة، ولا أحسن وجها، ولا أخف روحا، ولا أحسن خطابا، ولا أسرع جوابا، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي فقال: صدق أبو محمد كذلك قلت: أفسمعتها. قال: نعم، هناك - يعني في دار - المأمون - قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟ فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك فهو أعلم مني بها فأخبرت بذلك أبي فضحك، ثم قال: أما استحيت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا. وأخبر علي بن يحيى أنه كان لإسحاق صناجة وكان معجبا بها واشتهاها المعتصم في خلافة المأمون فبينما هو ذات يوم في منزله إذ أتاه إنسان يدق الباب دقاً شديداً قال: فقلت: انظروا انظروا من هذا فقالوا: رسول أمير المؤمنين فقلت: ذهبت صناجتي تجده ذكرها له ذاكر فبعث إني فيها. فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مسخن فدخلت فسلمت فرد علي السلام ونظر إلى تغير وجهي فقال لي: اسكن، فسكنت فقال لي عن صوت. قوال: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك، فأمر جارية من وراء الستارة فغته وضربت، فإذا قد شبهته بالقديم فقلت: زدين معها عودا آخر فإنه أثبت لي. فزادني عودا آخر فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة قال: من أين؟ قلت: ذلك. قلت: لما سمعت لينه عرفته أنه محدث من غناء النساء ولما رأيت جودة مقاطعة علمت أن صاحبته قد حفظت مقاطعة وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشك فقال: صدقت الغناء لعريب وقال يحيى بن علي: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فتكتبه فكان ألف صوت، وسأل ابن خرداذيه عريب عن صنعتها فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت ونقل الأصبهاني عن محمد بن القاسم أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز وأبي العبيس بن حمدون وما أخذه عن بدعة جاريتها فقابل بعضه ببعض فكان ألفا ومائة وخمسا وعشرين صوتا. ودخل بن هشام على المعتز وهو يشرب وعريب تغني فقال له: يا ابن هشام، عن فقال: يا ابن هشام، عن فقال: تبت عن الغناء، مذ قتل سيدي المتوكل فقالت له عريب: والله أحسن حيث تبت فإن غناءك كان قليل المعنى لا متقن ولا صحيح

стр. 318

ولا طريب فأضحكت أهل المجلس جميعا منه فخجل فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها ويعيب صنعتها ويقول: هي ألف صوت في العدد وصوت واحد في المعنى وهي مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول: يا عين بكى خالدا ... ألفا ويدعى واحدا قال الأصبهاني: وليس الأمر كما قال: إنها لصنعة شبهت فيها صنعة الأوائل وجودت وبرزت. منها: أأن سكنت نفسي وقل عويلها. ومنها: يقول همي يوم ودعتها. ومنها: إذا أردت انتصافا كان ناصركم وعدد لها جملة أصوات في الأغاني لا لزوم لذكرها هنا وقيل: إن مولى عريب خرج إلى البصرة وأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء فبرعت في ذلك كله وتزايدت حتى قالت الشعر، وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان. وقيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه، ثم ركبه دين فاستتر عنده فمد عينه إلى عريب فكاتبها فأجابته وكانت المواصلة بينهما وعشقته عريب، فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلما من عقب وقيل: من خيوط غلاظ وسترته حتى إذ همت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمده وقد أعد لها موضعا لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل ودثرتها بدثارها، ثم تسورت من الحائط حتى هربت فمضت إليه فمكثت عنده زمانا. وقيل: إنها لما صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنيه به فأعاره عودها وهو لا يعلم أنها عنده ولا يتهمه بشيء من أمرها فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي وهو عيسى بن زينب يهجو أباه ويعيره بها وكان كثيرا ما يهجوه: قاتل الله عريبا ... فعلت فعلا عجيبا ركبت والليل داج ... مركبا صعبا مهوبا فارتقت متصلا بالنج ... م أو منه قريبا صبرت حتى إذا ما ... أقصد النوم الرقيبا مثلت بين حشايا ... هالكي لا تستريبا خلفا منها إذا نو ... دي لم يلف مجيبا ومضت يحملها الخو ... ف قضيبا وكثيبا محة لو حركت خف ... ت عليها أن تذوبا فتدلت لمحب ... فتلقاها حبيبا جذلا قد نال في الدن ... يا من الدنيا نصيبا أيها الظبي الذي تس ... حر عيناه القلوبا والذي يأكل بعضا ... بعضه حسنا وطيبا كنت نهبا لذئاب ... فلقد أطعمت ذيبا ٣ وكذا الشاة إذا لم=يك راعيها لبيبا لا يبالي وبأ والمر ... عى إذا كان خصيبا فلقد أصبح عبد الله ... كشخان حريبا قد لعمري لطم الوجه ... وقد شق الجيوبا

стр. 319

وجرت منه دموع ... بلت الشعر الخضيبا وأخبر بعضهم أنها ملته بعد ذلك فهربت منه فكانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد متسترة متخفية، فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغني تسمع غناءها فعرفه فبعث إلى عمه من وقته وأقام هو بمكانه فلم يبرح حتى جاء عمه فلببها وأخذها فضربها مائة مقرعة وهي تصيح يا هذا لست أصبر عليك امرأة حرة إن كنت مملوكة فبعني لست أصبر على الضيقة فلما كان من غد ندم على فعله وسار إليها فقبل رأسها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها منه قال وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه فطلبها منه فلم يجبه إلى ما سأل وقبل ذلك كان طلب منه خادما عنده فاضطغن لذلك عليه فلما ولى الخلافة جاء المرابي ليقبل يده فأمر بمنعه ودفعه ففعل ذلك الشاكري فضربه المراكبي وقال له: أتمنعني من يد سيدي أن أقبلها فجاء الشاكري لما نزل محمد فشكاه فدعا محمدا بالمراكبي وأمر بضرب عنقه فسأل في أمره فأعفاه وحبسه وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له، فلما قتل محمد هربت إلى المراكبي فكانت عنده قال: وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عدي الذي كانت عنده لما هربت إليه، ثم ملته فهربت منه وهي أبيات هذان منها: ورشوا على وجهي من الماء واندبوا ... قتيل عريب لا قتيل حروب فليتك إذ عجلتني فقتلتني ... تكونين من بعد الممات نصيبي وقد ذكر بعضهم رواية تخالف هذه وهي أنها هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن أحدقوا خراسان قال: وكان أشقر أصهب الشعر أزرق وفيه تقول عريب ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس: بأبي كل أزرق ... أصهب اللون أشقر جن قلبي بي ولي ... س جنوني بمنكر وقيل: إن ابن المدبر قال: خرجت مع المأمون إلى أرض الروم أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق فكنا نسير مع العسكر، فلما خرجنا من الرقة رأينا جماعة من الحرم في العماريات على الجمازات وكنا رفقة وكنا أترابا فقال لي أحدهم على بعض هذه الجمازات عريب فقلت: من يراهنني أمر في جنبات هذه العماريات وانشد أبيات عيسى بن زينب: قاتل الله عريبا ... فعلت فعلا عجيبا فراهنني بعضهم وعدل الرهنان وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها حتى أتممتها فإذا أنا بامرأة قد أخرجت رأسها فقال: يا فتى أنسيت أجود الشعر وأطيبه أنسيت قوله: وعريب رطبة الشف ... رين قد نيكت ضروبا اذهب فخذ ما بالغت فيه ثم ألقت السجف فعلمت أنها عريب وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم. وقال عمر بن شبة كانت للمراكبي جارية يقال لها: مظلومة. جملية الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، فقال فيها بعض الشعراء:

стр. 320

لقد ظلموك يا مظلوم لما ... أقاموك الرقيب على عريب ولو أولوك إنصافا وعدلا ... لما أخلوك أنت من الرقيب أتنهين المريب عن المعاصي ... فكيف وأنت من شأن المرايب وكيف يجانب الجاني ذنوبا ... لديك وأنت جالبة الذنوب فإن يسترقبوك على عريب ... فما رقبوك أنت من القلوب وأخبر بعضهم أنه لما نمى خبر عريب إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها فأحضر وغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي تقول: لكل أناس جوهر متنافس ... وأنت طراز الآنسات الملائح فطرب محمد واستعاد الصوت مرارا وقال لإبراهيم: يا عم، كيف سمعت. قال: يا سيدي سمعت حسنا وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك وساوم بها ففعل فاشتط مولاها في السوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار وانتقض أمر محمد وشغل عنها فلم يأمر لمولاها حتى قتل بعد أن افتضها فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عدي. وقيل: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم إليه المراكبي من محمد بن حامد فأمر بإحضاره فسأله عنها، فأنكر. فقال له المأمون كذبت قد سقط إلي خبرك وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة ويضع عليه السياط حتى يردها فأخذه وبلغها الخبر فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرد ليضرب وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح أنا عريب إن كنت مملوكة فليبعني وإن كنت حرة فلا سبيل له علي فرفع خبرها إلى المأمون فأمر بتعديلها عنه قتيبة بن زياد القاضي فعدلت عنده وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها فسأله البينة على ملكه إياها فعاد متظلما إلى المأمون. وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق ولا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة وتظلمت إليه زبيدة، وقال: من أغلظ ما جرى علي بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبي على داري وأخذه عريبا منها. فقال المراكبي إني أخذت ملكي لأنه لم ينقدني الثمن فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقدي وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي فأخذها من قتيبة بن زياد فأمر ببيعها ساذجة فاشتراها المأمون بخمسة آلاف درهم فذهبت به كل مذهب ميلا إليها ومحب لها، وقيل: إنه لما مات المأمون بيعتعت في ميراثه ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم. ثم أعتقها فهي مولاته وذكر بعضهم أنها لما هربت من دار محمد لما قتل تدلت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي. وقيل: إن المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار ودعا بعبد الله بن إسماعيل فدفعها إليه وقال: لولا أني حلفت أن لا أشتري مملوكاً بأكثر من هذا لزدتك ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار، وخلع عليه خلعة سنية فقال: يا سيدي إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، وأما أنا فإني ميت لا محالة لأن هذه الجارية كانت حياتي وخرج عن حضرته فاختلط وتغير عقله ومات بعد أربعين يوما. وقيل: إن إبراهيم بن رباح كان يتولى نفقات المأمون فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب فأمره أن يشتريها فاشتراها بمائة ألف درهم قال: فأمرني المأمون بحملها وأن أحمل لإسحاق مائة ألف درهم أخرى ففعلت ذلك، ولم أدر كيف أثبتها فحكيت في الديوان أن المائة ألف خرجت في ثمن جوهرة، والمائة ألف

стр. 321

الأخرى أخرجت لصائغها ودلالها فجاء الفضل بن مروان إلى المأمون وقد رأى ذلك فأنكره وسألني عنه فقلت: نعم هو ما رأيت، فسأل المأمون عن ذلك. وقال: أوجب لدلال وصائغ مائة ألف درهم وغلظ القصة فأنكرها المأمون فدعاني ودنوت إليه أخبرته المال الذي خرج فيثمن عريب وصلة إسحاق وقلت: أيما أصوب يا أمير المؤمنين ما فعلت، أو أثبت في الديوان أنها خرجت في صلة مغن وثمن مغنية فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب، ثم قال للفضل بن مروان: يا نبطي لا تعترض على كاتبي هذا في شيء،. وقيل: إن عريب لما صارت في دار المأمون احتالت حتى واصلت محمد بن حامد وكانت عشقته وكاتبته. ثم احتالت في الخروج إليه وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت حتى حلبت منه وولدت بنتا، وبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها، وأخبر بعضهم أنه لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبة صوف وختم زيقها وحبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب في كل يوم، ثم ذكرها فرق لها وأمر بإخراجها، فلما فتح الباب وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني: لو كان يقدر أن يبثك ما به ... لرأيت أحسن عاتب يتعتب حجبوه عن بصري فمثل شخصه ... في القلب فهو محجب لا يحجب فبلغ ذلك المأمون فعجب منها وقال: لن تصلح هذه أبدا فزوجها إياه، وذكر صاحب الأغاني أن المأمون اصطحب يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعة المغنين وعريب معه على مصلاه فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة فاندفعت تغني ابتداء: رمى ضرع ناب فاستمرت بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بان تقول له طعنة فقال لها المأمون أمسكي، فأمسكت ثم أقبل على الندماء فقال: من فيكم أومأ إلى عريب بقبلة إليها والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه فقال محمد بن حامد فقال: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى. فقال: قد عفوت، فقال: كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك. قال: ابتدأت صوتاً لوهي لا تغني ابتداء إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تتبدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ به إليها ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة فعلمت أنها أجابت بطعنة. ومن شعرها في محمد بن حامد: ويلي عليك ومنكا ... أوقعت في الحق شكا زعمت أني خؤن ... جورا علي وإفكا فأبدل الله ما بي ... من ذلة الحب نسكا وأخبر بعضهم أنها كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد. وروى غيره أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم أصفته المحبة من الخلفاء وأولادهم سواه وكانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه. وروى أن عريب كانت تتعشق صالحا المنذري الخادم وتزوجته سرا فوجه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له فقالت: أما الحبيب فقد مضى ... بالرغم عني لا الرضا أخطأت في تركي لمن ... لم ألق منه معوضا قال: فغنته يوما بين يدي المتوكل فاستعاده مرارا وشرب عليه يوما. ودخلت عليها إحدى جواري المتوكل فقالت لها: تعالي إلي، فجاءت. فقالت: قبلي هذا الموضع مني فإنك

стр. 322

تجدين ريح الجنة. وأومأت إلى صدغها ففعلت، ثم سألتها عن السبب في ذلك قالت: قبلني صالح المنذري في هذا الموضع. وقال عبد الله بن حمدون: إن عريب زارت محمد بن حامد ذات يوم وجلسا جميعا للمنادمة فجعل يبث شوقه إليها ويعاتبها على بعض أشياء فعلتها ويقول لها: فعلت كذا وذكا، فالتفتت إليه وقالت: يا هذا، أرأيت مثل ما نحن فيه، ثم أقبلت عليه وقالت: يا عاجز دعنا الآن في انشراحنا وإذا كان الغد فاكتب لي بعتابك ودع الفضول فقد قال الشاعر: دعي عد الذنوب إذا التقينا ... تعالي لا أعد ولا تعدي وقال إسحاق بن كندا: حين كانت عريب تولع بي وأنا حديث السن فقالت لي يوما: يا إسحاق قد بلغني أن عندك دعوة فابعث إلي بنصيبي منها قال: فاستأنفت طعاما كثيرا وأرسلت إليها منه شيئا كثيرا فأقبل رسولي من عندها مسرعا فقال لي لما بلغت إلى بابها وعرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب وقد وجهت إليك برسول معي وها هو في الباب، فلما سمعت ذلك تحيرت وظننت أنها قد استقصرت فعلي، فدخل الخادم ومعه شيء مشدود من منديل ورقعة فقرأت الرقعة فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم يا عجمي، يا غبي أظننت أني من الأتراك ووحشي الجند فبعثت إلي بخبز ولحم وحلواء. الله المستعان عليك يا فدتك نفسي قد وجهت إليك زلة من حضرتي فتعلم ذلك من الأخلاق ونحوها من الأفعال ولا تستعمل أخلاق العامة في الظرف فيزداد العيب والعتب عليك إن شاء الله فكشفت المنديل فإذا فيه طبق ومكبة من ذهب منسوج على عمل الخلافة وفيه زبدية فيها لفتان من رقاق وقد عصبت طرفيهما وفيهما قطعتان من صدر دجاج مشوي وبقل وطلع وملح، ثم انصرف رسولها. وعن علوية قال: أمرني الممون أنا وسائر المغنين في ليلة من الليالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح فغدونا ولقيني المراكبي مولاة عريب في الطريق وهي - يومئذ عنده- فقال لي: يا أيها الرجل الظالم المعتدي، أما ترق وترحم وتستحي، عريب هائمة بك وتحب أن تراك. قال علوية: أم الخلافة زاينة إن تركت عريب بها، ومضيت معه، فحين دخلت قلت له: استوثق من الباب فإني أعرف خلق الله بفضول البوابين والحجاب فدخلت وإذا عريب جالسة على كرسي يطبخ بين يديها ثلاث قدور فجلسنا واحضر الطعام فأكلنا ودعونا بالنبيذ فجلسنا نشرب. ثم قالت: يا أبا الحسن صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية فقلت: وما هو؟ فقالت: عذيري من الإنسان لا إن جفوته ... صفا لي ولا إن كنت طوع يديه وإني لمشتاق إلى قرب صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه وقالت لي قد بقي فيه شيء فلم نزل نكرره ونردده أنا وهي حتى استوى، ثم جاء حجاب المأمون فكسروا باب المراكبي واستخرجوني، فدخلت على المأمون، فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص وتصفيق وأنا أغني الصوت فسمع هو ومن عنده ما لم يسمعوه واستظرفوه وطربوا منه جدا وسألني فأخبرته الخبر فقال لي: ادن مني وردده، فرددته سبع مرات فقال أبي في آخر مرة: يا علوية خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب. قال القاسم بن زرزور: حدثتني عريب قالت: كنت في أيام محمد ابنة أربع عشرة سنة وكنت أصوغ الغناء وأنا في ذلك السن. قال القاسم: وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان وتصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا فيكون أجود من لحمه فمن ذلك:

стр. 323

لم آت عامدة ذنبا إليك بلى ... أقر بالذنب فاعف اليوم عن زللي فالصفح من سيد أولى لمعتذر ... وقاك ربك يوم الخوف والوجل فكان لحنها فيه خفيف ثقيل ولحن الواثق رمل ولحنها أجود من لحنه. والثاني هو: أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد ... حسبي بربي ولا أشكو إلى أحد أين الزمام الذي قد كنت ناعمة=في ظله بدنوني منك يا سندي وأسأل الله يوما منك يفرحني ... فقد كحلت جفون العين بالسهد فكان لحنها ولحن الواثق فيه من الثقيل الأول ولحنها أجود من لحنه: قال ابن المعتز: وكان سبب انحراف الواثق عنها كيادها إياه وسبب انحراف المعتصم عنها أنه وجد لها كتابا إلى العباس بن المأمون في بلاد الروم مضمونه اقتل أنت العلج حتى أقتل أنا العور الليلي ههنا - تعني الواثق - وكان يسهر الليل وكان المعتصم استخلفه ببغداد. وقال صالح بن علي بن الرشيد: تماري خالي أبو علي مع المأمون في صوت فقال المأمون: أين عريب؟ فجاءت وهي مجموعة فسألها عن الصوت فولت لتجيء بعود فقال لها غنيه بغير عود فاعتمدت على الحائط لعدم قوتها على مفعول الحمى وغنت فأقبلت عقرب فرأيتها قد لسعت يدها مرتين أو ثلاثا فما نحت يدها ولا سكتت حتى أفرغت الصوت، ثم سقت وقد غشي عليها فأقيمت من حضرة المأمون وهو لا يكاد أن يملك نفسه أسفا وفرقا عليها. وقيل: إن المأمون كان يحبها الحب المفرط حتى إنه كان يقبل قدميها ويمرغ عليها الخدود إذا رأى منها انحرافا عنه في شيء ما. وقال أبو العباس بن الفرات: قالت لي تحفة - جارية عريب - كانت عريب تجد في رأسها بردا فكانت تغلف شعرها مكان الغسلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا وتغسله من الجمعة إلى الجمعة فإذا غسلته أعادته كما كان وتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما تسرحه منه بالميزان. وروي عن علي بن يحيى أنه قال: دخلت يوما على عريب مسلما عليها فلما جلسنا هطلت المساء بالأمطار فقالت: أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري وابعث إلى من أحببت من إخوانك قال: فأمرت بدوابي فردت وجلسنا نتحدث فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا وأي شيء استحسنا من الغناء فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان فقالت: وما هو فأخبرتها أنه في هذه الأبيات: تجافي ثم تنطبق ... جفون حشوها الأرق وذي كلف بكى جزعا ... وسفر القوم منطلق به قلق يململه ... وكان وما به قلق جوانحه على خطر ... بنار الشوق تحترق قال فوجهت رسولا إلى بنان فحضر من وقته وقد بلته المساء، فأمرت بخلع ملابسه وألبسته ملابس فاخرة وقدم له طعام فأكل وجلس يشرب معنا وسألته عن الصوت فغناه مرارا فأخذت دواة وقرطاسا وكتبت: اجاب الوابل الغدق ... وصاح النرجس الغرق وقد غنى بنان لنا ... جفون حشوها الأرق فهات الكأس مترعة ... كأن حبابها حدق قال علي بن يحيى فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات.

стр. 324

وقال الفضل بن العباس بن المأمون: زارتني عريب يوما ومعها عدة من جواريها فوافتنا ونحن في شرابنا فتحادثنا ساعة وسألتها أن تقيم عندنا باقي يومها فأبت وقالت: قد دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف وهم مجتمعون في جزيرة المأيد فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى، وقد عزمت على المسير إليهم قال: فحلفت عليها بالإقامة عندنا فأقامت ودعت بدواة وقرطاس فكتبت بعد البسملة في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة وهي: (أردت، لولا، لعلي) . وأرسلتها فأخذها ابن المدبر وكتب تحت كل حرف هكذا: (ليت، ماذا، أرجو) ، ووجه بالرقة، فلما رأتها صفقت وقالت: أأترك هؤلاء وأقعد عندكم لا والله إذا تركني الله من يديه ولكني أخلف عندكم بعض جواري يكفيكم وأقوم إليهم ففعلت وأخذت معها بعض جواريها وتركت بعضهن وانصرفت، وعتب المأمون يوما على عريب فهجرها أياما، ثم اعتلت فعادها فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا قال: فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة تماما، ثم قال: أترى لو كان هذا من كلام النظام ألم يكن كبيرا. وقال أحمد بن أبي داود: جرى بين عريب والمأمون فكلمها المأمون في شيء غضبت منه فهجرته أياماً قال أحمد بن أبي داود: فدخلت يوما. فقال: يا أحمد، اقض بيننا بالصلح، فلما كلمتها في ذلك قالت: لا حاجة لي في قضائه ودوله فيما بيننا وأنشأت تقول: ونخلط الهجر بالوصال ولا ... يدخل في الصلح بيننا أحد فلما سمع المأمون ذلك دخل إليها بالصلح واصطلحا قال حمدون: كنت حاضرا في مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الأخيرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق فقال لي: اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق - يعني المعتصم - فأد إليه رسالتي قال: فركبت ومضيت وبينما أنا في الطريق إذ سمعت وقع حافر دابة فرهبت من ذلك وجعلت أتوقاه حتى صك ركابي في ركاب تلك الدابة وبرقت بارقة فتأملت وجه الراكب وإذا هي عريب فقلت: عريب؟ قالت: نع، أنت حمدون؟ قلت: نعم، فمن أين أتيت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد، قلت: وما صنعت عنده؟ قالت: عجبت من سؤالك هذا ترى أن عريب تخرج من مضرب الخليفة في مثل هذا الوقت لتزور محمد بن حامد وتقول لها: ماذا كنت تصنعين عنده خرجت لأصلي معه الترويح أو لأدرس عليه شيئا من الفقه يا أحمق خرجت لأزور حبيبي كما يتزاور المحبون، وما يفعلون من عتاب وصلح، وغضب، ورضا، وشكوى غرام، وبث أشواق وما أشبه. فأخجلتني وغاظتني، ثم رجعت إلى المأمون بعد أداء الرسالة وأخذنا في الحديث وتناشدنا الأشعار، وهممت والله أن أخبره خبرها، ثم رهبته فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر فأنشده: ألا حي إطلالا لواسعة الحبل ... ألوف تسوي صالح القوم بالرذل فلو أن من أمسى بجانب تلعة ... إلى جبلي طي لساقطة الحبل جلوس إلى أن يقصر الظل عندها ... لراحوا وكل القوم منها على وصل قال: فقال لي المأمون اخفض صوتك لئلا تسمعك عريب فتغضب وتظن أننا في حديثها، فلما سمعت ذلك أمسكت عما أردت أن أخبره به واختار الله لي السلامة. وقال اليزيدي: خرجنا مع المأمون إلى بلاد الروم فرأيت عريب في هودج، فلما رأتني قالت: يا يزيدي أنشدني شعر قلت: نعم حتى أسمع فيه لحناً فأنشدتها:

стр. 325

ماذا بقلبي من دوام الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق من قبل الأردن أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق قال: فتنفست تنفسا ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه فقلت لها: هذا والله تنفس عاشق. فقالت: اسكت يا عاجز أنا أعشق بل أنا معشوقة في كل ناد، والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيساً ظريفاً. قال أحمد بن حمدون: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد خصام وكان يجد بها وجدا مفرطا فكادا يخرجان من شرهما إلى القطيعة وكان في قلبها منه كما لها عنده من الحب فلقيته يوما فقالت له: كيف قلبك يا محمد؟ قال: أشقى والله مما كان وأشد لوعة. فقالت: استبدل بديلا فقال لها: لو كانت البلوى بالخيار لفعلت فقالت: لقد طال إذا تعبك. فقال: وما يكون أصبر مكرها أما سمعت قول العباس بن الأحنف: تعب يكون مع الرجاء بذي الهوى ... خير له من راحة في الياس لولا كرامكتم لما عاتبتكم ... ولكنتم عندي كبعض الناس فلما سمعت ذلك ذرفت عيناها واعتذرت وعاتبته واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه من صدق المودة وحسن المعاشرة. وقال ابن المراكبي: قالت لي عريب: حج بي أبوك وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار وأكتب عنهم النوادر وجميع ما أسمعه منهم فوقف علينا شيخ من الأعراب يسأل فاستنشدته فأنشدني: يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا ... وقد يكون شباب غير فتيان فاستحسنته ولم أكن سمعته قبل ذلك قلت فأنشدني باقي الشعر فقال لي: هو يتيم، فاستحسنت قوله وبررته وحفظت البيت وغنيت فيه صوتا من الثقيل الأول ومولاي لا يعلم بذلك لأنه كان ضعيفا، فلما كان في ذلك اليوم عشيا قال لي: ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابي وقال لك: إنه يتيم أنشدينيه إن كنت حفظتيه فأنشدته وأعلمته أني غنيت به ثم غنيته له فوهب لي ألف درهم بهذا السبب وفرح بالصوت فرحا شديدا. وقال ميمون بن هارون: إنه كان في مجلس جعفر بن المأمون وعندهم أبو عيسى وعلي بن يحيى وبدعة جارية عرب وتحفة وهما تغنيان فذكر علي بن يحيى أن الصوت لغير عريب وذكر أنها لا تدعيه وكابر في ذلك فقام جعفر بن المأمون فكتب رقعة إلى عريب ونحن لا نعلم يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة فكتبت إليه بخطها بعد البسملة: هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم ... وللعزب المسكين ما يتلمس أنا المسكين وحيدة فريدة بغير مؤنس وأنتم فيه وقد أخذتم أنسي ومن كان يلهيني (تغني بذلك جاريتها تحفة وبدعة) فأنتم في القصف والعزف وأنا في خلاف ذلك هناكم الله وأبقاكم، وسألت مد الله في عمرك عما اعترض فيه فلان في هذا الصوت والقصة فيه ما هو كذا وذكرت القصة بتمامها مع الأعرابي ولما وصل الجواب إلى جعفر بن المأمون قرأه وضحك، ثم رمى به إلى أبي عيسى وقال: اقرأ وكان علي بن يحيى إلى جانبي فأراد أن يستلب الرقعة فمنعته وقمت إلى ناحية وقرأتها فأنكر ذلك وقال: ما هذا فوارينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة وكان مبغضا لها. وقال أحمد بن الفرات عن أبيه أنه قال كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذ غنى بعض من كان هناك:

стр. 326

يا بدر إنك قد كسيت مشابها ... من وجه المستنير الائح وأراك تمصح بالمحاق وحسنها ... باق على الأيام ليس ببارح فضحكت عريب وصفقت وقالت: ما على وجه الأرض أحد يعرف هذا الصوت غيري فلم يقدر أحد من القوم على مساءلتها عنه غيري فسألتها فقالت: أنا أخبركم بقصته ولولا أن صاحب القصة قد مات لما أخبرتكم بها وهو أن أبا محلم وفد بغداد فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك فاطلعت أم محمد ابنة صالح يوما فأعجبها جماله ورقته فولعت به وأحبته حبا مفرطا وأرادت التوصل إليه فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالا وتعلمه أنها في احتياج وأنها بعدة مدة ترده إليها بعث إليها بعشرة آلاف درهم وحلف أنه لو ملك غيرها لبعث بها إليها فاستحسنت ذلك منه واتصلت المودة بينهما، وكان القرض سببا للوصلة فكان يدخل إلى منزلها ليلا وكنت أنا أني لهم فشربنا ليلة في القمر وجعل أبو محلم ينظر إليه ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب: يا بدر إنك قد كسيت مشابها ... من وجه أم محمد ابنة صالح والبيت الآخر وقال لي: غني فيه ففعلت واستحسناه وشربنا عليه فقالت أم محمد في آخر المجلس: يا أختي قد نبلت في هذا الشعر إلا أنه سيبقى علي فضيحة إلى آخر الدهر فقال أبو محلم: وأنا أغيره فجعل مكان أم محمد ابنة صالح ذاك المستنير اللائح وغنيته كما غيره وأخذه الناس عني ولو كانت أم محمد حية لما أخبرتكم بالخبر. وكتبت عريب يوما إلى ابن حامد تستزيره فأرسل إليها إني أخاف على نفسي فكتبت إليه: إذا كنت تحذر ما تحذر ... وتزعم أنك لا تجسر فما لي أقيم على صبوتي ... ويوم لقائك لا يقدر فلما قرأ الرقعة صار إليها من وقته وأرسل إليها يعاتبها في شيء فكتبت إليه تعتذر فلم يقبل فكتبت إليه هذين البيتين: تبينت عذري وما تعذر ... وأبليت جسمي وما تشعر ألفت السرور وخليتني ... ودمعي من العين ما يفتر فلما اطلع على البيتين ذرفت عيناه وسعى إليها مستسمحا ومستجديا عفوها عما وقع منه، وقد تمت أخبار عريب. عزة الميلاء كانت عزة مولاة للأنصار ومسكنها المدينة وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من النساء بالحجاز وماتت قبل جميلة، وكانت من أجمل النساء وجها وأحسنهن جسما، وسميت الميلاء لتمايلها في مشيتها، وكانت ممن أحسن ضربا بعود، وكانت مطبوعة على الغناء لا يعييها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغني أغاني الصبا من الدائم مثل سيرين وزرنب وخولة والرباب وسلمى ورائقة وكانت رائقة أستاذتها، فلما قدم نشيط وسائب خاثر المدينة غنيا أغاني بالفارسية، فلقنت عزة عنهما نغما وألفت عليه ألحانا عجيبة فهي أول من فتن أهل المدينة بالغناء وحرض نساءهم ورجالهم عليه، وكان مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزة قالوا: لله درها

стр. 327

ما كان أحسن غناءها وأرق صوتها وأنجى حلقها وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي وأجمل وجهها وأظرف لسانها وأقرب مجلسها وأكرم خلقها وأسخى نفسها وأحسن مساعدتها. وقال طويس: يصف عزة: هي سيدة من غنى من النساء مع جمال بارع، وخلق فاضل، وإسلام لا يشوبه دنس. تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن السوء وهي مجانبة له. فناهيك ما كان أنبلها وأنبل مجلسها. ثم قال: كانت إذا جلست جلوسا عاما فكأن الطير على رؤوس أهل مجلسها من تكلم أو تحرك نقر رأسه. وقال ابن إسلام: فما ظنك بمن يقول فيه طويس هذا القول ومن ذا الذي سلم من لسان طويس. وقال معبد: إنه أتى عزة وهي عند جميلة وقد أسنت وهي تغني على معزفة في شعر ابن الأطنابة: عللاني وعللا صاحبيا ... واسقياني من المروق ريا قال: فما سمع السامعون قد بشيء أحسن من ذلك. قال معبد: هذا غناؤها وقد أسنت فكيف بها وهي شابة وقال صالح بن حسان الأنصاري كانت عزة مولاة لنا وكانت عفيفة جميلة وكان عبد الله بن جعفر وابن أبي عتيق وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنيهم وغنت يوما عمر بن أبي ربيعة لحنا لها في شيء من شعره فشق ثيابه وصاح صيحة عظيمة صعق معها، فلما أفاق قالت له: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب قال: إنس سمعت والله ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي، وكان حسان بن ثابت معجبا بعزة الميلاء وكان يقدمها على سائر قيان المدينة، وكان يزيد بن ثابت ختن ابنته فأولم فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامة أهل المدينة وحضر حسان بن ثابت وقد كف يومئذ وأقبلت الميلاء وهي يومئذ شابة فوضع في حجرها مزهر، فضربت به ثم تغنت فكانت أول ما ابتدأت به شعر حسان قوله: فلا زال قبر بين بصرى وجلق ... عليه من الوسمي جود ووابل وحسان يبكي وابنه يومئ إليها أن تزيد فإذا زادت بكى حسان وقال خارجة بن زيد: فلما طال جلوس حسان ثقل علينا مجلسه فأومأ ابنه إلى عزة فغنت: أنظر خليلي بباب جلق هل ... تبصر دون البقاء من أحد فبكى حسان حتى سدر ثم قال: هذا عمل الفاسق - يعني ابنه - أما لقد كرهتم مجالستي فقيح الله مجلسكم سائر اليوم وقام فانصرف. وقال عبد الله بن أبي مليكة كان رجل من أهل المدينة ناسك من أهل العلم والفقه وكان يغشى عبد الله بن جعفر فسمع جارية مغنية لبعض النخاسين تغني: باتت سعاد وأمسى حبلها انقعا. فشغف بها وهام وترك ما كان عليه حتى مشى إليه عطاء وطاووس فلاماه فكان جوابه لهما أن تمثل بقول الشاعر: يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أم وقعا وبلغ عبد الله بن جعفر خبره فبعث إلى النخاسين فاعترض الجارية وسمع غناءها بهذا الصوت وقال لها: ممن أخذته؟ قالت: من عزة الميلاء، فابتاعها بأربعين ألف درهم، ثم بعث إلى الرجل فسأله عن خبره فأعلمه إياه وصدقه عنه فقال له: أتحب أن تسمع هذا الصوت ممن أخذته عنه تلك الجارية قال: نعم، فدعا بعزة وقال لها: غنيه إياه فغنته، فصعق الرجل وخر مغشيا عليه. فقال ابن جعفر: أثمنا فيه الماء الماء فنضح على وجهه، فلما

стр. 328

أفاق قال له أكل هذا بلغ بك عشقها؟ قال: وما خفي عليك أكثر. قال: أفتحب أن تسمعه منها؟ قال: قد رأيت ما نالني حين سمعته من غيرها وأنا لا أحبها فكيف يكون حالي إن سمعته منها وأنا لا أقدر على ملكها قال: أفتعرفها إن رأيتها. قال: أو أعرف غيرها. فأمر بها فأخرجت وقال: خذها فهي لك والله ما نظرت إليها قط إلا عن عرض، فقبل الرجل يديه ورجليه وقال له: أنمت عيني وأحيت نفسي وتركتني أعيش بين قومي ورددت إلي عقلي فقال: ما أرضى أن أعطيكما هكذا يا غلام احمل معها ثمنها لكي لا تهتم به ويهتم بها فأخذها وانصرف شاكرا. وكان ابن أبي عتيق معجبا بعزة الميلاء فأتى يوما عند عبد الله بن جعفر فقال له: بأبي أنت وأمي هل لك في عزة فقد اشتقت إليها قال: لا أنا اليوم مشغول. فقال: بأبي أنت وأمي إنها لا تنشط إلا بحضورك فأقسمت عليك إلا ساعدتني وتركت شغلك ففعل فأتياها ورسول الأمير على بابها يقول لها دعي الغناء فقد ضج أهل المدينة منك وقالوا: فتنت رجالهم ونساءهم فقال له ابن جعفر: ارجع إلى صاحبك فقل له عني أقسم عليك إلا ناديت في المدينة أيما رجل أو امرأة فتنت بسبب عزة إلا كشف نسفه بذلك لتعرفه ويظهر لنا ولك أمره فنادى الرسول بذلك فما أظهر أحد نفسه، ودخل ابن جعفر إليها وابن أبي عتيق معه فقال لها: لا يهولنك ما سمعت فغنينا، فغنتهما: إنا محيوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطيل فاهتز ابن أبي عتيق طربا فقال ابن جعفر: ما أراني أدرك ركابك بعد أن سمعت هذا الصوت من عزة، وبقيت عزة في عز وإقبال ونعمة وافرة حتى ماتت مأسوفا عليها من كل من سمع صوتها ورأى جمالها. عزة صاحبة كثير هي عزة بنت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى يتصل نسبها إلى عبد مناف علقها كثير جارية قد كعبت نهودها. وكان سبب دخول الهوى بينهما أن كثيرا مر بغنم له ترد الماء على نسوة من ضمرة بوادي الخبت فأرسلن له عزة بدريهمات تشتري بها كبشا لهن منه، فنظرها نظرة تأمل فداخله منها ما كان، فرد الدراهم وأعطاها الكبش وقال: إن رجعت أخذت حقي، فلما عاد سألنه ذلك فقال: لا أقتضي إلا من عزة فقلن له: ليس فيها كفاءة فاختر إحدانا فأبى وأنشد: نظرت إليها نظرة وهي عاتق ... على حين أن شبت وبان نهودها نظرت إليها نظرة ما يسرني ... بها حمر أنعام البلاد وسودها فجعلن يبرزنها له كارهة ثم داخلها ما داخله ولما اشتدت حالته أنشد: يزهدني في حب عزة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين ينظر ذو اللب وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب ودخلت عزة على أم البنين بنت عبد العزيز فقالت لها: ما الحق الذي مطلته كثيرا إذ قال: قضى كل ذي دين فوفى غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها فقالت: وعدته قبله، فقالت: أنجزيها وعلي إثمها.

стр. 329

ومن غريب الإنفاق أن كثيرا له غلام يتجر على العرب فأعطى النساء إلى أجل، فلما اقتضى ما له منهن ما طلته عزة فقال لها يوما - وقد حضرت في نساء - أما آن أن تفي بما عندك؟ فقالت: كرامة لم يبق إلا الوفاء فقال: صدق مولاي حيث يقول: قضى كل ذي دين البيت. فقلن له: أتدري من هي غريمتك؟ فقال: لا أدري. قلن هي والله عزة فقال: أشهدكن علي أنها في حل مما عندها ومضى فأخبر مولاه بالحكاية فقال: وأنت حر وما عندك لك وكان الذي عنده ألف دينار وأنشد: سيهلك فيا لدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدهر غائله يود بأن يمسي سقيما لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ويهتز للمعروف في طلب العلا ... لتحمد يوما عند عز شمائله ودخلت عزة على عبد الملك بن مروان فقال لها أتروين قول كثير: لقد زعمت أني تغيرت بعدها ... فمن ذا الذي يا عز لا يتغير تغير جسمي والخليقة كالتي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر فقالت: لا أدري هذا ولكن أروي قوله: كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت فضحك من ذلك واتفق أن عزة خرجت إلى مكة مع زوجها وكان كثير في ذلك العير، فلما كان في أثناء الطريق مرت بجمل له فسلمت على الجمل فبلغ كثيرا ذلك فجاء إلى الجمل فحله وأطلقه من الحمل وأنشد: حيتك عزة بعد الهجر وانصرفت ... فحي ويحك من حياك يا جمل لو كنت حييتها ما زلت ذائقه ... عندي ولا مسك الإدلاج والعمل ليت التحية كانت لي فأشكرها ... مكان يا جمل حييت يا رجل ثم اتفق أن زوجها أمرها أن تستعطي سمنا فلقيها كثير فأخبرته بحاجتها فأخرج إداوة سمن وجعل يسكب في إناء عزة وهما يتحدثان فلم يشعر حتى غرقت أرجلهما، فلما رجعت أنكر زوجها كثرة السمن وأقسم عليها فأخبرته فحلف ليضربنها أو لتخرجن فتشتم كثيرا بحيث يسمعها ففعلت فأنشد كثير: يكلفها الخنزير شتمي وما بها ... هوائي ولكن للمليك استذلت هنيئا مرئيا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت ودخلت عليه وهو يبري سهاما، فجعل ينظر إليها ويبري ساعدته فدخلت ومسحت الدم بثوبها. وتوفيت عزة سنة أربع ومائة ورثاها كثير بأبيات منها، وقد سأل عبد العزيز أن يرشده إلى قبر عزة، فلما وقف عليه أنشد: وقفت على ربغ لعزة ناقتي ... وفي البر رشاش من الدمع يسفح فيا عز أنت البدر قد حال دونه ... رجيع تراب والصفيح المضرح وقد كنت أبكي من فراقك خيفة ... فهذا لعمري اليوم أنأى وأنزح فهلا فداك الموت من أن ترينه ... بمن هو أسوأ منك حالا وأقبح

стр. 330

ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة ... لشيء ولا ملجأ لمن يتملح فلا زال رمش ضم عزة سائلا ... به نعمة من رحمة الله تسفح فإن التي أحببت قد حال دونها ... طوال الليالي والضريح المرجح أرت بعيني البكا كل ليلة ... فقد كاد مجرى الدمع عيني يقرح إذا لم يكن ما تسفح العين لي دما ... وشر البكاء المستعار المسيح ومما قال فيها أيضا: كفى حزنا للعين أن رد طرفها ... لعزة عير آذنت برحيل وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذا لغليلي توليت محزونا وقلت لصاحبي ... أقاتلتي ليلي بغير قتيل لعزة إذا ما حل بالخيف أهلها ... فأوحش منها الخيف بعد حلول وبدل منها بعد طول إقامة ... تبعت نكباء العشي جفول لقد أكثر الواشون فينا وفيكم ... ومال بنا الواشون كل مميل وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالمقصى بكل سبيل وقال فيها أيضا: لا تغدرن بوصل عزة بعدما ... أخذت عليك مواثقا وعهودا إن المحب إذا أحب حبيبه ... صدق الصفاء وأنجز الموعدا الله يعلم لو أردت زيادة ... في حب عزة ما وجدت مزيدا رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خر والعزة خاشعين سجودا عفراء بنت الأحمر الخزراعية نشأت مع ابن عمها الحارث المشهور بابن الفرند ممتزجين بالألفة إلى أن بلغا فتزوج بها فأقاما مدة ينمو الهوى بينهما إلى أن عزمت يوما على أن تزور أباها، فجهزها إليه، فأقامت مدة وكل منهما يأبى أن يجئ بنفسه وزادت الوحشة بينهما وحلف أبواهما على أن لا يأتي أحدهما الآخر مخافة أن تزري العرب به فمرض الحارث فكتب إليها: صبرت على كتمان حبك برهة ... ولي منك في الأحشاء أصدق شاهد هو الموت إن لم تأتني منك رقعة ... تقوم بقلبي في مقام العوائد فأجابته تقول: كفيت الذي تخشى وصرت إلى المنى ونلت الذي تهوى برغم الحواسد ووالله لولا أن يقال تظننا ... بي السوء ما جانبت فعل العوائد فلما قرأ ما في الرقعة وتنشق ريحها وكانت أعطر أهل زمانها غشي عليه فإذا هو ميت فقيل لها: ما كان عليك لو أجبته زورة؟ قالت: خشيت أن يقال صبت إليه، ولكني قاتلة نفسي ولاحقة به قريبا فلم يشعروا بها إلا وهي ميتة.

стр. 331

عفراء بنت مهاصر بن مالك بن حزام بن ضبة بن عبد بن عذرة كانت من أعظم مشاهير عصرها حسنا وجمالا، وأدبا وظرفا وفصاحة. شغف بها عروة بن (حزام) أخي مهاصر وكلاهما ابنا مالك - وهو المشهور بالعشق. قيل: إنه أول عاشق مات بالهجر ولشدة مقاساته في العشق ضرب به المثل، وكان سبب عشقه لها أن أباه حزاما توفي ولعروة من العمر أربع سنين وكفله مهاصر أبو عفراء فانتشآ جميعاً فكان يألفها وتألفه، فلما بلغا الحلم سأل عمه تزويجها فوعده ذلك. ثم أخرجه إلى الشام وجاء ابن أخ له يقال له: أثالة بن سعيد بن مالك يريد الحج فنزل بعمه مهاصر فبينما هو جالس يوما تجاه البيت إذ خرجت عفراء حاسرة عن وجهها ومعصميها وعليها أزار خز، فلما رآها وقعت من قلبه بمكانة عظيمة فخطبها من عمه فزوجه بها وأن عروة أقبل مع العير في اليوم الذي حملت مع زوجها فعرفها من البعد، وأخبر أصحابه، فلما التقيا وعرف الأمر بهت لا يحير جوابا حتى افترق القوم، فأنشد: وإني لتعروني لذكراك رعدة ... لها بين جلدي والعظام دبيب فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب فقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن ب ﴿أتني لطبيب فما بي من حمى ولا مس جنة ... ولكن عمي الحميري كذوب عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب وبي من جوى الأحزان والبعد لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب ولكنما أبقى حشاشة مقول ... على ما به عود هناك صليب وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب وحين وصل الحي أخذه الهذيان والقلق وأقام أياما لا يتناول قوتا حتى شفت عظامه ولم يخبر بسره أحدا وإنه تمرض بين أهله زمانا، ولما يئس من الشفاء وعلم الضجر من أهله قال لهم: احتملوني إلى البلقاء فإني أرجو الشفاء. فلما حل بها جعل يسارق عفراء النظر في مرورها عاودته الصحة، فأقام كذلك إلى أن لقيه شخص من عذرة فسلم عليه، فلما أمسى دخل العذري على زوج عفراء وقال له: متى قدم هذا الكلب عليكم فقد فضحكم بكثرة ما يتشبب بكم فقال: من تعني؟ قال: عروة. قال: أنت أحق بما وصفت والله ما علمت بقدومه وكان زوج عفراء متصفا بالسيادة ومحاسن الأخلاق في قومه. فلما أصبح جعل يتصفح الأمكنة حتى لقي عروة فعاتبه وأقسم أن لا ينزل إلا عنده، فوعده ذلك، فذهب مطمئنا. وأما عروة فإنه عزم أن لا يبيت الليل وقد علموا به فخرج فعاوده المرض فتوفي بواد القرى دون منازل قومه، ولما بلغ عفراء وفاته قالت لزوجها: قد تعلم ما بينك وبيني وبين الرجل من الرحم وما عندي من الوجد وإن ذلك على الحسن الجميل فهل تأذن لي أن أخرج إلى قبره فأندبه فقد بلغني أنه قضى. قال: ذلك لك، فخرجت حتى أتت قبره فتمرغت عليه وبكت طويلا ثم أنشدت: ألا أيها الركب المجدون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا ... بأن قد نعيتم بدر كل ظلام فلا لقي الفتيان بعدك راحة ... ولا رجعوا عن غيبة بسلام

стр. 332

ولا وضعت أنثى تماما بمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام وما إن بلغتم حيث وجهتم له ... ونغصتم لذات كل طعام ولما فرغت من شعرها ألقت نفسها على القبر فحركت فوجدت ميتة فدفنت إلى جانبه، فنبت من القبرين شجرتان حتى إذا صارتا على حد قامة التفتا، فكانت المارة تنظر إليهما ولا يعرفان من أي ضرب من النبات، وكثيرا ما أنشدت فيهما الناس فمن ذلك قول الشهاب محمود: بالله يا سرحة الوادي إذا خطرت ... تلك المعاطف حيث الرند والغار فعانقيهم عن الصب الكثيب فما ... على معانقة الأغصان من عار وكانت وفاتها في عاشر شوال سنة ٢٨ للهجرة، ومن قول عفراء: عداني إن أزورك يا خليلي ... معاشر كلهم واش حسود أشاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد فأما إذ ثويت اليوم لحدا ... فدور الناس كلهم اللحود فلا طابت لي الدنيا مذاقا ... لبعدك لا طيب لي العديد ومن محاسن شعر عروة قصيدته النونية التي أولها: خليلي من عليا هلال بن عامر ... بصنعاء عوجا اليوم وانتظراني ولا تزهدا في الأجر عندي وأجملا ... فإنكما بي اليوم مبتليان ومنها: ألا فاحملاني بارك الله فيكنا ... إلى حاضر البلقاء، ثم دعاني على جسرة الأصلاب ناجية السرى ... تقطع عرض البيد بالوخدان ألما على عفراء إنكما غدا ... بشحطك النوى والبين مفترقان فيا واشي عفراء ويحكما بمن ... وما والى من جئتما تشيان بمن لو أراه عانيا لفديته ... ومن لو رآني عانيا لفداني وهي تسعة وسبعون بيتا قد ضمنها حكاية حالة بألفاظ رقيقة ومعاني أنيقة، وقد تركناها لشهرتها وخوف الخروج عن الموضع. عقيلة ابنة أبي النجاد بن النعمان عقيلة ابنة أبي النجاد بن النعمان بن المنذر بن ماء المساء ملك العرب المشهور وجدها النعمان صاحب الخورنق. وهي من أجمل نساء العرب. وأعلمهن بالأدب وأحوال العرب أياما ووقائع. تعلقها عمرو بن كعب بن النعمان - المذكور- وكان رباه عمه أبو النجاد بعد وفاة والد كعب فشغف بها عمرو واشتد ولوعه وزاد غرامه فخطبها إلى عمه فطلب منه مهرا يعجز عنه، فأشار عليه بعض أصحابه بالخروج إلى أبرويز بن كسرى لما كان بين حدودهما من الوصلة، فلما ذهب في الطريق مر بعراف فبات عنده فاستعلم منه الأمر فاخبره أنه ساع فيما لا يدرك فعاد فوجد عمه قد زوج العقيلة لفزاري فهام على وجهه إلى اليمامة. فلما بنى بها الفزاري وكان عندها من الشوق لعمرو أضعاف ما عنده لها فكانت تشد الفزاري إذا جن الليل إلى

стр. 333

كسر البيت وتبيت في الخدر فإذا أصبح الصبح تطلقه فيستحي أن يخبر العرب بذلك، فأقام على هذا الحال سبعين ليلة، فلما كثر توبيخ العرب له واختلاف ظنونهم فيه خرج فلا يدري أين يذهب، وأقامت العقيلة ببيت أبيها لا تتناول إلا الأقل من الطعام بقدر ما يمسك الرمق ودأبها البكاء على عمرو وهو كذلك فإنه كان لا يرى إلا شاخصا إلى السماء متمسكا بحبل علق فوق رأسه من العشاء إلى الصباح وهو ينشد: إذا جن ليلي فاضت العين أدمعا ... على الخد كالغدران أو كالسحائب أود طلوع الفجر والليل قائل ... لقد شدت الأفلاك بعد الكواكب فما أسفي إلا على ذوب مهجتي ... ولم يدر يوما كيف حال الحبائب فلما كان بعد أيام دخل عليه صديقه فوجده غاصا بالضحك مستبشرا فسأله فقال: لقد حدثتني النفس أن سوف نلتقي ... وبيدل بعد بيننا بتدان فقد آن الدهر الخؤن بأنه ... لتأليف ما قد كان يلتمسان ثم شهق شهقة فاضت نفسه قال الفرزدق: خرجت في طلب غلام لي أبق، فلما صرت على ماء لبني حنيفة جاءت السماء بالأمطار فلجأت إلى بيت هناك فخرجت لي جارية كأنها القمر فحيت ثم قالت: ممن الرجل؟ قلت: تميمي. قالت: من أيها قبيلة قلت: من نهشل بن غالب. فقالت: إذا أنتم الذين يقول فيكم الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتاً دعائمه أعز وأطول بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل فقلت: نعم، فقالت: قد هدمه كلم جرير بقوله: أخزى الذي سمك السماء مجاشعاً ... واحل بيتك بالحضيض الأوهد قال: فأعجبتن، فلما رأت ذلك مني قالت: أين تؤم؟ قلت: اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت: تذكرت اليمامة أن ذكري ... بها أهل المروءة والكرامة ألا فسقي المليك أجش جونا ... يجود بصوته تلك اليمامة وحيا بالسلام أبا نجيب ... فأهلا للتحية والسلامة قال: فأنست بها قلت: أذات خدر أم ذات بعل؟ فقالت: إذا رقد النيام فإن عمرا ... تؤرقه الهموم إلى الصباح تقطع قلبه الذكرى وقلبي ... فلا هو بالخلي ولا بصاح سقى الله اليمامة دار قوم ... بها عمرو يحن إلى الرواح فقلت لها: من هو؟ فأنشدت تقول: إذا رقد النيام فإن عمرا هو القمر المنير المستنير وما لي في التبعل من براح ... وإن رد التبعل لي أسيرا ثم شهقت فماتت فسألت عنها فإذا هي العقيلة وضبط اليوم الذي ماتت فيه وجد موت عمرو فيذلك اليوم أيضا. عكرشة ابنة الأطروش بن رواحة كانت فصيحة الألفاظ، رقيقة أديبة، حرة المنطق، ذات عقل وافر، جامعة بين مزيتي الشجاعة والادب

стр. 334

حضرت حرب صفين وألفت الخطب البليغة فمما قالته وهي واقفة بين الصفين تحرض جيش علي بن أبي طالب: أيها الناس، عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إن الجنة لا يرحل من أوطنها ولا يهرم من سكنها، ولا يموت من دخلها فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها، وكونوا قوما مستبصرين في دينكم بالصبر على طلب حقكم، إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، غلف القلوب لا يفقهون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله إياكم والتواكل في ذلك ينقض عز الإسلام ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى والعقبة الأخرى، يا معشر المهاجرين والأنصار، امضوا على بصيرتكم واصبروا على عزيمتكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البعير هذا وقد انكفأ عليها العسكران يقولون: هذه عكرشة بنت الأطروش فلنطرب القلوب بدر ألفاظها. ووفدت على معاوية فسألته رد الصدقات فقالت: إن صدقاتنا كانت تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا وأنا قد فقدنا ذلك، قال: وما يصنع الوالي؟ قالت: فما يجبر لنا كسير ولا ينعش لنا فقير، فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك ينبه عن الغفلة ويراجع التوبة وإن كان عن غير رأيك فما مثلك استعان بالخونة ولا استعمل الظلمة. قال معاوية: يا هذه، إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق، وبجور تندفق، قالت: يا سبحان الله والله ما فرض لنا حقا فيجعل فيه ضررا على غيرنا، وهو علام الغيوب. قال معاوية: يا أهل العراق نبهكم علي بن أبي طالب فلم تطاقوا، ثم أمر برد صدقاتهم فيهم وأنصفها وذهبت وهي مكرمة وبقيت عزيزة في قومها إلى أن توفاها الله تعالى. علية ابنة المهدي العباسية أخت هارون الرشيد أمير المؤمنين الخامس العباسي، كانت من أحسن نساء زمانها وجها، وأظرفهن خلقا، وأوفرهن عقلا، ذات صيانة وأدب بارع، تزوجها موسى بن عيسى العباسي وكان الرشيد يبالغ في إكرامها واحترامها. ولها ديوان شعر عاشت خمسين سنة، وتوفيت سنة ٢١٠ هجري وكان سبب موتها أن المأمون سلم عليها وضمها إلى صدره وجعل يقبل رأسها ووجهها مغطى، فشرقت من ذلك وحمت وماتت لأيام يسيرة، وكانت تتغزل في خادمين أحدهما طل والآخر رشأ، فمن قولها في طل، وصفحت اسمه: أيا سروة الفتيان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل لديك سبيل متى يلتقي من ليس يقضي خروجه ... وليس لمن يهوى إليه وصول وقالت أيضا: سلم على ذاك الغزال ... الأغيد الحسن الدلال سلم عليه وقل له ... يا غل ألباب الرجال خليت جسمي ضاحيا ... وسكنت في ظل الحجال وبلغت مني غاية ... لم أدر منها ما احتيال فبلغ الرشيد ذلك فحلف أنها لا تذكره ثم سمع عليها يوما فوجدها وهي تقرأ القرآن في آخر سورة البقرة حتى بلغت قوله تعالى (فإن لم يصبها وابل) (البقرة: ٢٦٥) فما نهى عنه أمير المؤمنين، فدخل الرشيد وقبل رأسها وقال لها: قد وهبتك طلا ولا منعتك بعدها عما تريدين. وكانت من اعف الناس كانت إذا طهرت لازمت المحراب

стр. 335

وإذا لم تكن طاهرا غنت ولما خرج الرشيد إلى الري أخذها معه، فلما وصلت إلى المرج نظمت قولها: ومقترب بالمرج يبكي بشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحب إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنشق يستشفى برائحة الركب وغنت بهما، فلما بلغ الرشيد الصوت علم أنها قد اشتاقت إلى العراق وأهلها فأمر بردا. ومن شعرها: إني كثرت عليه في زيارته ... فمل والشيء مملول إذا كثرا ورابني منه أني لا أزال أرى ... في طرفه قصرا عني إذا نظرا وقالت أيضا: كتمت اسم الحبيب عن العباد ... ورددت الصبابة في فؤادي فوا شوقي إلى أيام خلي ... لعلي باسم من أهوى أنادي وقالت أيضا: خلوت بالراح أناجيها ... آخذ منها ثم أعطيها نادمتها إذ لم أجد صاحبا ... أرضاه أن يشركني فيها وهذا يشبه قول أبي نواس: على مثلها مثلي يكون نادما ... وإن لم يكن مثلي خلوت بها وحدي وقالت أيضا: بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لمسج يس يستحسن في حكم الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج وقليل الحب صرفا خالصا ... وهو خير من كثير قد مزج وقالت عريب - المغنية -: أحسن يوم مر بي في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدي وأخته علية وعندهم يعقوب، وكان أحذق الناس بالمزمار، فبدأت علية فغنتهم من صنعتها في شعرها وأخوها يعقوب يزمر عليها: تحجب فإن الحب داعية الحب ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب تبصر فإن حدثت أن أخا الهوى ... نجا سالما فانج النجاة من الحرب إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب وأطيب أيام الفتى يومه الذي ... يروع بالهجران فيه ويا لعتب وقالت أيضا: لم ينسينك سرور لا وحرزن ... وكيف لا كيف ينسى وجهك الحسن ولا خلا منك لا قلبي ولا جدي ... كلي بكلك مشغول ومرتهن وحيدة الحسن ما لي عنك من كلف ... نفسي بحبك إلا الهم والحزن نور تولد من شمس ومن قمر ... حتى تكامل فيه الروح والبدن فما سمعت مثل ما سمعت منها قط وأعلم أني لا أسمع مثله أبدا

стр. 336

عمارة جارية ابن جعفر كانت من مشاهير نساء عصرها حسنا وجمالا ولها اليد الطولى في صنعة الغناء وكان سيدها وجد بها وجدا شديدا فان لا يستطيع فراقها سفرا أو حضرا فقدم على معاوية سنة من السنين لأخذ حقه فزاره يزيد فغنت الجارية بحضرته فأخذت بمجامع قلبه وتمكن حبها من نفسه وكان ذا دهاء فكتم أمرها. فلما أفضت إليه الخلافة استشار أهل سره فيأمرها وأنه لا يهنأ له قرار دونها فقالوا له: إن ابن جعفر عند الناس بمنزلة وتعرف ما كان عليه من أبيك ولا نأمن عليك في ذلك فالزم المهلة واجتهد فيا لحيلة. فأخذ في تدبير ذلك حتى ظهر له فأحضر رجلا عراقيا معروفا بالدهاء والحيل، وأطلعه على أمره فقال له: مكني مما أريد ولك علي أن آتيك بها فقال: لك ذلك دبر بسرك، ثم أعطاه مالا وثيابا وجواهر. وخرج العراقي كبعض التجار حتى نزل بساحة عبد الله بن جعفر وبلغه فأحسن ملتقاه وأخذ العراقي في التودد إليه فأرسل إليه بقماش وهدايا تزيد على ألف دينار وسأله قبولها ونقله إلى خواصه فزاد في الهدايا إلى أن صار من ندمائه فأحضر الجارية. فلما غنت أعجب بها العراقي حتى قال ما ظننت أن في الدنيا مثل هذه فقال له: كم تساوي عندك؟ قال الخلافة فقال عبد الله: تقول ذلك لتزين لي شأنها وتطلب بذلك سروري قال: يا سيدي أنا تاجر أجمع الدرهم ولو بعتنيها بشعرة آلاف دينا لأخذتها. قال: قد بعتك. قال: اشتريت وقام العراقي بالمال. فقال ابن جعفر: أنا كنت مازحا. فقال له: يا سيدي أنت تعلم أن المزاح في البيع جد، وهذا لا يليق بمثلك وأنت معروف بالكرم والصلات، فكيف ترضى أن يشيع عنك مثل هذا؟ وطال بينها الكلام إلى أن خدعه فأخرجها له وهو كالمجنون لا يملك نفسه، فرحل بها من يومه وأقام ابن جعفر حزينا باكيا لا يقر له قرار. فلما دخل العراقي الشام وجد يزيد قد مات، فاجتمع بمعاوية ولده فقص الخبر وكان صالحا فقال له: اخرج عني بها فلا تريني وجهك فخرج العراقي وكان قد قال للجارية: أنا لست من رجالك وإنما أخذتك للخليفة فاستترت فلم ير لها وجها. فلما قال له معاوية ما قال جاء إليها وقال لها: قد صرت لي. ولكن فاستتري فإني معيدك إلة مولاك ثم رحل بها حتى دخل على ابن جعفر، فلما تلاقيا أخبره بالقضية وأنه لم يكن تاجرا ولكن كان مطلوبه الجارية ليزيد، وإنه حين رآه قد هلك لم ير نفسه أهلا لها فأعادها إله ولم ير لها وجها، ثم أخذها فسلمها إليه فلما تلاقيا وتعانقا خرا مغشيين ساعة، ثم أدخلها ورفع منزلة العراقي حتى صار أعظم الناس عنده ووهب له المال وانصرف وأقاما على ما كان عليه في عز وإقبال. عمرة ابنة دريد بن الصمة سيد بني جشم الذي قتل يوم حنين في حرب الإسلام قتله عبد ربيعة بن رفيع سنة ثمان للهجرة و (٦٣٠ م) . كانت من نساء العرب المتقدمات بالمنزلة النابغات بالفصاحة والدب، العالمات بأشعار وروايات العرب لها اليد الطولى في الكرم والشعر المحكم ومن أشعارها ما قالته رثاء في أبيها دريد - المذكور - وتنعي إلى بني سليم إحسان دريد إليهم فيا لجاهلية: لعمرك ما خشيت على دريد ... بيطن سميرة جيش العتاق جزى عنه الإله بني سليم ... وعقتهم بما فعلوا عقاق

стр. 337

وأسقانا إذ عدنا إليهم ... دماء خيارهم يوم التلاقي فرت عظيمة دافعت عنهم ... وقد بلغت نفوسهم التراقي وربّ كريمة أعتقت منهم ... وأخرى قد فككت من الوثاق وربّ منوه بك من سليم ... أجبت وقد دعاك بلا رماق فكان جزاؤنا منهم عقوقا ... وهما ماع منه مخ ساق عفت آثار خيلك بعد أين ... فذي بقرا لي نيف النهاق وقالت فيه أيضا: قالوا قتلنا دريداً قلت قد صدقوا ... فظل دمعي على السربال ينحدر لولا الذي قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف تأتمر إذا لصحبهم غبا وظاهرة ... حيث استقرت نواهم جحفل ضفر عمرة ابنة الخنساء كانت شاعرة مثل أمها الخنساء وأبوها هو مرداس بن أبي عامر وكان العباس ويزيد ابنا مرداس أخويها وتزوجت بنشبة فولدت له ولدا سمته الأقيصر مات صغيرا. ومن مراثيها قولها في أخيها يزيد لما قتل وذلك أن يزيد كان قتل قيس بن الأسلت في بعض حروبهم فطلبه بثأره هارون بن النعمان بن الأسلت حتى تمكن من يزيد فقتله بقيس بن أبي قيس وهو ابن عمرو فقالت عمره: أجد ابن أمي أن لا يؤبا ... وكان ابن أمي جليدا نجيبا نقيا تقيا رحيب المقام ... كميا صليبا لبيبا خطيبا حليما أريبا إذا ما تبدى ... سديد المقال مهيبا دريبا وحسناء في القول منسوبة ... تكشف حاجبها والسبيبا فشد بمنطقة مقصرا ... فدارت به تستطيف الركوبا تشق سنابكها بالعرى ... وتطرح بالطرف عنها الغيوبا فلما علاها استمرت به ... كما أفرغ الناضجان الذنوبا فسار إليه وقالوا استقم ... فلم يجدوه هلوعا هيوبا بقوم إذا فرغوا أمسكوا ... وأدرك منهم ركوبا ركوبا وطعنة خلس تلافيتها ... كعطف النساء الرداء الحجوبا وحوراء في القوم مظلومة ... كأن على دفتيها كثيبا تميمتها غير مستأمر ... فعرقبتها وهززت القضيبا فظلت تكوس على أكرع ... ثلاث وغادرت أخرى خضيبا وقلت لصاحبها لا ترع ... فلم يعدم القوم نصحا قريبا فراح يعدي على أجرد ... أمون وغادرت رحلا جنييا ورق سباه لأصحابه ... فظل يحيا وظلوا شروبا

стр. 338

وقالت عمرة أيضا ترثي أباها مرداسا وكان يقال له: الفيض من سخائه كأنه فيض البحر: لقد أرانا وفينا سامر لجب ... مصارخ فيهم عز ومرتغب لا يرقع الناس فتقاظل يفتقه ... ويرقع الخرق قد أعيا فيرتئب والفيض فينا شهاب يستضاء به ... إنا كذلك فينا توجد الشهب إذ نحن بالإثم نرعاه ونسكنه ... جول فوارسها كالبحر تضطرب كأن الذلول وفيها كل معترض ... يفنى ضغينته التعداء والخبب وقالت عمرة ترثي أخاها يزيد - وهذا الشعر فيا لحماس -: أعيني لم أختلكما بخيانة ... أبي الدهر والأيام أن أتصبرا وما كنت أخشى أن أكون كأنني ... بعير إذا ينعى أخي تحسرا ترى الخصم زورا عن أخي مهابة ... وليس جليس عن أخي بأزورا وقالت في أخيها عباس - وقد مات في الشام سنة ١٦ للهجرة و٦٣٨ للميلاد: لتبك ابن مرداس على ما عراهم ... عشيرته إذ حم أمس زوالها لدى الخصم إذ عند الأمير كفاهم ... فكان إليها فضلها وحلالها ومعضلة للحاملين كفيتها ... إذا أنهكت هوج الرياح طلالها وقالت من جملة قصيد في يزيد: تحمى لها ذات أجياد غضنفرة ... فمجلس الإثم فالصرداء أحياء فيهن قب كحبات الأباء به ... يحذين تبنا ولا يحذين قردانا وتوفيت عمرة بنت الخنساء نحو سنة ٤٨ هجرية. عمرة الخثعمية هي من نساء بني خثعم الشاعرات الأديبات المتحمسات وشعرها مقبول ولها رثاء في أخوين لها قتلا فيبعض الغزوات: لقد زعموا أني جزعت عليهما ... وهل جزع أن قلت وا باباهما هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما هما يلبسان المجد أحسن لبسة ... شحيحان ما استطاعا عليه كلاهما عمرة ابنة النعمان بن بشير كانت حسنة الإشارة جميلة المنظر لطيفة المخبر عفيفة دينة متمسكة بالصدق والصداقة عرفت بين أخواتها بالأمانة وحفظ العهد وعندما شبت تزوجت بالمختار بن أبي عبيد الثقفي ومكثت معه لحين قتله فقتلت معه وكان لها علم بمعاني الشعر والأدب ولها فيه بعض مقاطيع ومن ذلك ما قالته تخاطب به أخاها أبان بن النعمان وتلومه فيها على زواج أختها حميدة بروح بن زنباع وكان من بني جذام: أطال الله شأنك من غلام ... متى كانت مناكحنا جذام

стр. 339

أترضي بالفواسق والزواني ... وقد كنا يقر بنا السنام وقد سمع ذلك ابن عم لروح بن زنباع زوج أختها حميدة فقال: رضى الأشياخ بالقيطون فحلا ... وترغب للحماقة عن جذام يهودي له بضع العذارى ... فقبحا للكهول وللغلام تزف إليه قبل الزوج خود ... كأن شمسا تدلت من غمام فأبقى ذلكم عارا وخزيا ... بقاء الوحي في صم السلام يهود جمعوا من كل أوب ... وليسوا بالغطاريف الكرام وقتلت عمرة بعد قتل زوجها المختار بن أبي عبيد الثقفي والسبب في ذلك كما جاء في التاريخ الكامل لابن الأثير: أن مصعبا بعد أن قتل المختار دعا أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأته وعمرة هذه فأحضرهما وسألهما عن المختار فقالت أم ثابت: نقول فيه بقولك أنت. فأطلقها وقالت عمرة: ﵀ كان عبد الله صالحا فحبسها وكتب إلى أخيه عبد الله بن الزبير أنها تزعم أنه نبي فأمره بقتلها ليلا بين الكوفة والحيرة قتلها بعض الشرط ضربها ثلاث ضربات بالسيف وهي تقول: يا أبتاه، يا عترتاه فرفع رجل يده فلطم القاتل وقال: يا ابن الزانية، عذبتها ثم تشحطت فماتت فتعلق الشرطي بالرجل وحمله إلى مصعب فقال: خلوه فقد رأى أمرا فظيعا فقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي في ذلك: إن من أعجب العجائب عندي ... قتل بيضاء حرة عطبول قتلت هكذا على غير جرم ... إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري في ذلك: أتى راكب الآذي بالنبا العجب ... بقتل ابنة النعمان ذي الدين والحسب بقتل فتاة ذات دل ستيرة ... مهذبة في الخيم والعز والنسب مطهرة من نسل قوم أكارم ... من المؤثرين الخير في سالف الحقب خليل النبي المصطفى توافقوا ... وصاحبه في الحرب والضرب والكرب أتاني بأن الملحدين توافقوا ... على قتلها لا أحسنوا القتل والسلب فلا هنأت آل الزبير معيشة ... وذاقوا لباس الذل والخوف والحرب كأنهم إذا أبرزوها وقطعت ... بأسيافهم فازوا بمملكة العرب ألم تعجب الأقوام من قتل حرة ... من المحصنات الدين محمودة الأدب من الغافلات المؤمنات برية ... من الدم والبهتان والشك والريب علينا ديات القتل واليأس واجب ... وهن عفاف في الحجال وفي الحجب على دين أجداد لها وأبوة ... كرام مضت لهم تخز أهلا ولم ترب من الخفرات لا خروج بزينة ... ولا ذمة تبغي على جارها الجنب ولا الجار ذي القربى ولم تدر ما الخنا ولم تزدلف يوما بسوء ولم تجب عجبت لها إذ كتفت وهي حية ... إلا إن هذا الخطب من أعجب العجب

стр. 340

وروى صاحب الأغاني: أن مصعبا بعد قتل المختار أخذ عمرة وابنة مرة امرأته الثانية وأمرهما بالبراءة من المختار أما بنت سمرة فبرئت منه وأبت ذلك عمرة فكتب به مصعب إلى أخيه عبد الله فكتب إليه إن أبت أن تبرأ منه فاقتلها فأبت فحفر لها حفيرة وأقيمت فيها فقتلت. عوان جارية سليمان بن عبد الملك كان يحبها مولاها حبا شديدا وهي مشهورة بالجمال والفصاحة، وكان شديد الغيرة عليها وإنه خرج لغرض ومعه سنان وكان فارسا معروفا بالشجاعة وكان حسن الغناء، وكان يتركه كثيرا لمعرفته بغيرة سليمان ولكن زاره ضيوف في تلك الليلة فأكرمهم فقالوا: يا سنان لم تكرمنا ما لم تسمعنا الغناء وكان قد أخذت منه الخمرة فأنشد: محبوبة سمعت صوتي فأرقها ... في آخر الليل لما بلها السحر تثني على فخذها مثنى معصفرة ... والحي منها على لباتها حصر لم يحجب الصوت أجراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصوت منحدر في ليلة النصف ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر لو خليت لمشت نحوي على قدم ... يكاد من رقة للمشي ينفطر فلما سمع سليمان الصوت خرج فزعا فجاء إلى عوان فرآها على صفة الأبيات وكانت يقظانة، فلما فطنت به قالت: ألا رب صوت جاءني من مشوه ... قبيح المحيا واضع الأب والجد قصير نجاد السيف جعد بنانه ... إلى أمة يدعى معا وإلى عبد فسكن ما به وقال: قد راعك صوته. قالت: صادف مني يا أمير المؤمنين فحلف ليقتلنه، فأرسلت عبدا يحذره وقالت: إن لحقته فلك ديته وأنت حر فسبق رسول سليمان فجاءوا به فنظر إليه؟، ثم قال: وإنك لمجترئ فقال: أنا فارسك فاستبقني فقال: لا أقتلك ثم أمر به فخصي. وبقيت عوان عند سليمان معززة مكرمة إلى أن مات عنها وآلت إلى خلفه. عوراء بنت سبيع كانت فصيحة اللسان ثبتة الجنان، لها علم بفنون الأدب ورواية في شعر العرب. لها شعر قلل وأغلبه رثاء في أخيها عبد الله بن سبيع حين قتل في يوم من أيام العرب منه قولها: أبكى لعبد الله إذ ... حشت قبيل الصبح ناره طيان طاوي الكشح لا ... يرخى لمظلمه إزاره يعصى البخيل إذا أرا ... د المجد مخلوعاً عذاره حرف الغين غاية المنى جارية المعتصم بن صمادح هي جارية أندلسية متأدبة متخرجة في فنون الغناء لها صوت حسن وصنعة جيدة بالأصوات، وكان أكثر

стр. 341

غنائها من أصوات عريب وإسحاق ومعبد. وقيل: إن سبب وصولها إلى المعتصم بن صمادح هو أنها لما أدبها وخرجها سيدها قدم بها إلى المعتصم فأراد اختبارها فقال لها: ما اسمك؟ فقالت غاية المنى. فقال لها أجيزي. اسألوا غية المنى ... من كسا جسمي الضنى وأراني مولها ... سيقول الهوى أنا فاشتراها منه بنائة ألف درهم وكانت محظية عنده إلى أن ماتت. الشاعرة الغسانية لم أقف على اسمها الحقيق وإنما قال صاحب (نفح الطيب) : إن هذا اللقب هو نسبة إلى بلدة من بلاد الأندلس وهي تشتهر بإقليم المرية وهي من أهل المائة الرابعة. كانت ذات ظرف وأدب وجمال ولطف وبهاء وكمال، عالمة بالعروض وضروبه والشعر وروايته فمن نظمها من أبيات: عهدتم والعيش في ظل وصلهم ... أنيق وغصن الوصل أخضر فينان ليالي سعد لا يخاف على الهوى ... عتاب ولا يخشى على الوصل هجران ويقال: إن لها صائد وأشعار غير هذه وهي من الشاعرات الموصوفات بالأندلس حرف الفاء فاختة ابنة أبي طالب فاختة ابنة أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية. بنت عم النبي ﷺ وأخت علي بن أبي طالب أمها فاطمة بنت أسد واختلف في اسمها فقيل: هند. وقيل: فاطمة. وقيل: فاختة. كانت تحت هبيرة بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزومي. أسلمت عام الفتح، فلما أسلمت وفتح رسول الله ﷺ مكة هرب هبيرة إلى نجران وقال: حين فر معتذرا من فراره: لعمرك ما وليت ظهري محمدا ... وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل ولكنني قبلت أمري فلم أجد ... لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي وقفت فلما خفت ضيقة موقفي ... رجعت لعود كالهزبر إلى الشبل قال خلف الأحمر أبيات هبيرة في الاعتذار خير من قول الحارث بن هاشم - يعني قوله -: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد وقال الأصمعي: حسن ما قيل في الاعتذار من الفرار قول الحارث بن هشام. قال ابن إسحاق: إن هبيرة أقام بنجران، فلما بلغه إسلام أم هانئ، وكانت تحته قال أبياتا منها: وعادلة هبت بليل تلومني ... وتعذلني بالليل ضل ضلالها وتزعم أني إن طعت عشيرتي ... سأردى وهل يردين إلا زوالها ومنها يخاطب أم هانئ: فإن كنت قد تابعت دين محمد ... وقطعت الأرحام منك حبالها فكوني على أعلى سحيق بهضبة ... ململمة غبراء يبس بلالها

стр. 342

وهي أكثر من هذا، وولدت أم هانئ لهبيرة عمرا - وبه كان يكنى هبيرة وهانئا ويوسف وجعدة. وقيل: ما أخبر أحد أنه رأى النبي ﷺ يصلي الضحى إلا أم هانئ فإنها حدثت أن رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل فسبح ثماني ركعات ما رأيته صلى صلاة أخف منها غير أنه كان يتم الركوع والسجود. فارعة ابنة أبي الصلت الثقفية أخت أمية بن أبي الصلت كانت من أديبات العرب الشاعرات العاقلات الجميلات الهيئة والمنظر، وكانت من الصحابيات المحدثات الصادقات فيا لرواية أخذ عنها كثير من التابعين. فلما مات أمية قدمت على رسول الله ﷺ فسألها عن وفاة أخيها فقالت: إني رأيت بينما هو راقد إذ أتاه رجلان فكشطا سقف البيت ونزلا فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه أوعى قال الذي عند رأسه للذي عند رجليه: وعى. قال: أزكا؟ قال: زكا قال: فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي ثم قطرت عينه ثم غشي عليه فلما أفاق قال: كل عيش وإن تطاول دهرا ... صائر أمره إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا اجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا إن يوم الحساب يوم عظيم ... فيه شيب الصغار يوما ثقيلا فقال رسول الله ﷺ : (فما أطيبه من شعر سألتك بالله أعيديه) . فأعادت عليه شعر أخيها وأنشدت شعرا يدا، فقالت: لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... فلا شيء أعلى منك جدا وامجد مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد وهي قصيدة طويلة حتى أتت على آخرها ثم إنها أنشدته قصيدته التي يقول فيها: عند ذي العرش يعرضون عليه ... يعلم الجهر والكلام الخفيا يوم تأتيه وهو رب رحيم ... إنه كان وعده مأتيا يوم نأتيه مثل ما قال فردا ... لم يذر فيه راشدا وغويا أسعيد سعادة أنا أرجو ... أو مهابا بما كسبت شقيا رب إن تعف فالمعافاة ظني ... أو تعاقب فلم تعاقب بريا إن أواخذ بما اجترمت فإني ... سوف ألقى من العذاب فريا وأنشدته قول أخيها أيضا بقصيدته المشهورة التي فيها: باتت همومي تسري طوارقها ... أكف عيني والدمع سابقها ما رغب النفس فيا لحياة وإن ... تحيا قليلا فالموت سائقها ومنها قوله: يوشك من فر من منيته ... يوما على غرة يوافقها

стр. 343

من لم يمت غبطة يمت هرما ... للموت كأس والمرء ذائقها وأنشدته قوله عند موته: لبيكما لبيكما ... ها أنا ذا لديكما وقوله: عن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما فقال رسول الله ﷺ : (كان مثل أخيك كمثل الذي أتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين آمن شعره وكفر قلبه) فأنزل الله تعالى فيه: (واتل عليهم نبأ الذي أتيناه آياتنا) (الأعراف: ١٧٥) الآية. وبقيت فارعة في عهد النبي ﷺ من نساء المعدودات بالفضائل المقدمات عند الصحابة إلى أن ماتت. فارعة ابنة شداد كانت من النساء الموصوفات بالأدب وعلو الهمة، وحسن المدركة، لها شعر حسن ومراث مقبولة منها ما قالته في أخيها أبي زرارة مسعود يوم قتل في بعض غزواته: يا عين جودي لمسعود بن شداد ... بكل ذي عبرات شجوه بادي من لا يذاب له شحم السديف ولا ... يجفو العيال إذا ما ضن بالزاد ولا يحل إذا ما حل منتبذا ... يخشى الرزية بني المال والنادي قوال محكمة نقاض مبرمة ... فراج مبهمة حباس أوراد نحار راغية قتال طاغية ... حلال رابية فكاك أقياد حلال ممرعة حمال معضلة ... فراع مفظعة طلاع أنجاد شهاد أندية رفاع أبنية ... شداد ألوية فتاح أسداد جماع كل خصال الخير قد علموا ... زين القرين وخطل الظالم العادي أبا زرارة لا تبعد فكل فتى ... يوما رهين صفيحات وأعواد هلا سقيتم بن حرم أسيركم ... نفسي فداؤك من ذي كربة صاد فاطمة ابنة أسد ابن هاشم بن عبد مناف القرشية أم علي بن أبي طالب وأم أخوته طالب وعقيل وجعفر. وقيل: إنها توفيت قبل الهجرة وليس بشيء والصحيح أنها هاجرت إلى المدينة وتوفيت بها. قال الشعبي: أم علي فاطمة بنت أسد أسلمت وهاجرت إلى المدينة وتوفيت بها وقال علي لأمه فاطمة بنت أسد أكفي فاطمة بنت رسول الله ﷺ سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك من الداخل الطحن وهذا يدل على هجرتها لأن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة. قال الزهري: هي أو هاشمية ولدت لهاشمي، وهي أيضا أو هاشمية ولدت خليفة، ثم بعدها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولدت الحسن ثم زبيدة امرأة الرشيد ولدت الأمين لا نعلم غيرهن، ثم إن هؤلاء الثلاثة لم تصف لهم الخلافة فأما علي فإنه كان من اضطراب الأمور عليه إلى أن قتل كما هو مشهور. وأما الحسن والأمين فخلعا. وقيل: إن رسول الله ﷺ كفن فاطمة بنت أسد في قميصه واضطجع في قبرها وجزاها خيرا. فقيل له: ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعت بهذه قال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبر بي منها إنما ألبستها قميص لتكسى من حلل الجنة واضطجعت في قبرها ليهون عليها

стр. 344

عذاب القبر. قال الزبير: انقرض ولد أسد بن هاشم إلا من ابنته فاطمة بنت أسد. وفاطمة هذه لها فضائل مشهورة ومآثر مشهورة ومآثر مشكورة مذكورة فيكتب التاريخ ولشهرتها وكثرة تداولها اكتفينا بذكر هذا اليسير منها. فاطمة بنت النبي ﷺ ولدت فاطمة قبل ما تبني ريش الكعبة بخمس سنين وهي أصغر بناته ﷺ وأمها خديجة بنت خويلد وكان النبي ﷺ إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة. وكان يحبها أكثر من كل أولاده الطاهرين وبناته الشريفات تزوجها علي بن أبي طالب ﵉ في شهر رمضان من السنة الثانية للهجر وبنى بها في ذي الحجة من السنة - المكورة-. روي عن أنس أنه قال: كنت عند رسول الله ﷺ فغشيه الوحي، فلما أفاق قال: (يا أنس أتدري ما جاءني به جبريل ﵇ من صاحب العرش وعلا) . قلت: بأبي أنت وأمي ما جاءك به جبريل؟ قال: (قال لي: إن الله ﵎ يأمرك أن تزوج فاطمة من علي فانطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وبعدتهم من الأنصار) قال: فانطلقت فدعوتهم، فلما أخذوا مجالسهم قال ﷺ : (الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه المهروب إليه من عذابه النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بأحكامه أعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد، إن الله جعل المصاهرة نساب لاحقا وأمرا مفترضا وحكما عادلا، وخيرا جامعا أوشج بها الأرحام، وألزمها الأنام. فقال الله : (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) (الفرقان: ٥٤) . فأمر الله تعالى يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأمة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم) . قال: وكان علي ﵇ غائبا في حاجة لرسول الله ﷺ قد بعثه فيها ثم أمر لنا بطبق فيه تمر فوضع بين أيدينا فقال: انتهبوا فبينما نحن كذلك إذ أقبل علي فتبسم إليه رسول الله ﷺ وقال: (يا علي إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة وإني زوجتكما على أربعمائة مثقال فضة) . فقال علي: رضيت يا رسول، ثم عن عليا خر ساجدا شكرا لله. فلما رفع رأسه قال رسول الله ﷺ : (بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيب) . قال أنس: والله لقد أخرج منهما الكثير الطيب. وفي المسند عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : (مرحبا بابنتي) . ثم أجلسها عن يمينه وأسر لها حديثاً فبكت، فقلت: استخلصك رسول الله بحديثه ثم تبكين ثم أسر لها حديثا أيضا فضحكت. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قيل لها، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، حتى قبض ﷺ . فسألتها فقالت: أسر إلي (أن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة وأنه عارضني به في هذا العام مرتين ولا أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أو أهل بيتي لحوقاً بي ونعم السلف أنا لك) . فبكيت، فقال: (ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة) . فضحكت لذلك ولم تضحك فاطمة عليها لسلام بعد وفاة أبيها. قال

стр. 345

في الجمان: روي أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أعطت جارية لها صدقة بعد وفاة رسول الله ﷺ وقالت لها: امضي إلى السوق بها وقولي من يقبل صدقة بنت رسول الله ﷺ فمن قبلها فأتني به فمضت الجارية إلى السوق وقالت: من يقبل صدقة بنت رسولا لله ﷺ ؟ فقال رجل مغربي: أنا موضع صدقة آل بيت رسول الله ﷺ ، فأعطته الصدقة وقالت له: أجب بنت رسول الله ﷺ فقال لها نعم. فلما بلغ الباب سألته: من أنت؟ فقال لها: أنا رجل مغربي. فقالت له: من أي المغرب؟ فقال: من البربر، فبكت فاطمة وقالت: قال لي والدي رسول الله ﷺ : (لكل نبي حواري وحواري ذريتي البربر سيقتل الحسن والحسين ويفر أولادهما إلى المغرب فلا يأويهما إلا البربر فيا شؤم من فعل بهم ذلك وطوبى لمن أكرمهم وأعزهم) . وعن علي ﵇ قال: إن فاطمة بنت رسول الله صارت إلى قبر أبيها بعد موته ووقفت عليه وبكت، ثم أخذت من تراب القبر فجعلتها على عينها ووجهها، ثم أنشأت تقول: ما على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لوانها ... صبت على الأيام عدن لياليا ولها ﵍ ترثي أباها ﷺ : أغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار واظلم العصران والأرض من بعد النبي كئيبة ... أسفا عليه كثيرة الأحزان فليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضر وكل يمان وليبكه الطود الأشم وجوه ... والبيت ذو الأستار والأركان يا خاتم الرسل المبارك صنوه ... صلى عليك منزل القرآن توفيت ﵍ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة وهبي بنت ثمان وعشرين سنة ودفنت بالبقيع ليلا، وصلى عليها علي- ﵇ وقيل: صلى عليها ونزل في قبرها هو والفضل بن العباس. وقيل: لبثت فاطمة بعد وفاة النبي ﵇ ثلاثة أشهر. وقال عروة بن الزبير وعائشة لبثت ستة أشهر. ومثله عن ابن شهاب الزهري وهو الصحيح. روي أن عليا ﵇ لما ماتت فاطمة وفرغ من جهازها ومن دفنها رجع إلى البيت فاستوحش فيه وجزع عليها جزعا شديدا ثم أنشأ يقول: أرى علل الدنيا علي كثيرة ... وصاحبها حتى الممات عليل لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكل الذي دون الفراق قليل وإن افتقادي فاطما بعد أحمد ... دليل على أن لا يدوم خليل وكان يزور قبرها في كل يوم فأقبل ذات يوم فانكب على القبر وبكى بكاء مرا وأنشأ يقول: ما لي مررت على القبور مسلما ... قبر الحبيب فلم يرد جوابي يا قبر ما لك لا تجيب مناديا ... أمللت بعدي خلة الأحباب فأجابه هاتف يقول: قال الحبيب وكيف لي بجوابكم ... وأنا رهين جنادل وتراب

стр. 346

أكل التراب محاسني فنسيتكم ... وحجبت عن أهل وعن أترابي فعليكم مني السلام تقطعت ... مني ومنكم خلة الأحباب وأما أولادها: فالحس والحسين والمحسن، وهذا مات صغيرا وأم كلثوم وزينب وزاد الليث بن سعد رقية وماتت صغيرة لم تبلغ. ولم يتزوج علي على فاطمة، وكانت أول أزواجه ﵉ ونفعنا الله بهما آمين. فاطمة ابنة الحسين ابن علي بن أبي طالب ﵈ أمها أم إسحاق التميمية بنت طلحة بن عبيد الله وتزوج فاطمة ابن عمها حسن بن الحسن السبط فولدت عبد الله ويلقب بالمحض، وإنما سمي بالمحض لمكانه من الحسنين وكان يشبه رسول الله ﷺ وقيل له: لم صرتم أفضل الناس؟ فقال: لأن الناس كلهم يتمنون أن يكونوا منا ولا نتمنى أن نكون من أحد، وولدت صاحبة الترجمة للحسن المثنى إبراهيم القمر والحسن المثلث وكل منهم له عقب ومات المحض هو وإخوته في سجن المنصور العباسي، وكان موتهم سنة ١٤٥ هجري ثم مات عنها الحسن المثنى فتزوجها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. وفي (الأغاني) : خطب الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى عمه الحسين فقال: يا ابن أخي قد كنت أنتظر هذا منك انطلق معي فخرج به حتى أدخله منزله فخيره في ابنتيه فاطمة وسكينة فاستحى فقال له: قد اخترت لك فاطمة بنتي فهي أكثر شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله ﷺ وكانت تشبه الحور العين لجمالها - ولما مات الحسن المثنى ضربت زوجته فاطمة بنت الحسين على قبره فسطاطا، وكانت تقول الليل وتصوم النهار. فلما كان رأس السنة قالت لمواليها: إذا أظلم الليل قوضوا هذا الفسطاط، فلكا أظلم الليل وقوضوه سمعت قائلا يقول: هل وجدوا ما فقدوا؟ فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا، ولما مات الحسن خرج بعد الله بن عمرو في جنازته فنظر إلى فاطمة حاسرة تضرب وجهها، فأرسل يقول لها: إن لنا في وجهك حاجة فارفقي به فاستحيت، وعرف ذلك منها، وخمرت وجهها، فلما حلت أرسل إليها يخطبها، فقالت: كيف بأيماني؟ وكانت قد حلفت لزوجها أن لا تتزوج بعده فأرسل إليها يقول لها: لك بكل مملوك مملوكان وعن كل شيء شيئان، فعوضها عن يمينها فنكحته وولدت له محمدا والقاسم، وكان عبد الله بن الحسن ولدها يقول: ما أبغضت بغض عبد الله بن عمرو أحدا ولا أحببت حب ابنه محمد أحدا. وكانت فاطمة كريمة الأخلاق حسنة الأعراق. قيل: إنه لما جهز يزيد أهل البيت إلى المدينة بعد قتل الحسين أرسل معهم رجلا أمينا من أهلا لشام في خيل سيرها، وصحبتهم إلى أن دخلوا المدينة فقالت فاطمة بنت الحسين لأختها سكينة: قد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن تصليه بشيء؟ فقالت: والله ما معنا ما نصله به إلا ما كان من هذا الحلي. قالت: فافعلي. فأخرجت له سوارين ودملجين وبعثتا إليه بهما، فردهما وقال: لو كان الذي صنعته رغبة فيا لدنيا لكان في هذا كفاية، ولكني والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله ﷺ . كانت فاطمة أكبر سنا من أختها سكينة. قال صاحب (نور الأبصار) عن القطب الشعراني: إن السيدة فاطمة النبوية بنت الإمام الحسين السبط مدفونة بالدرب الأحمر بمصر. وقال الشيخ عبد الرحمن الأجهوري الكبير: إن السيدة فاطمة النبوية مدفونة خلف الدرب الأحمر في زقاق يعرف بزقاق فاطمة النبوية في مسجد جليل ومقامها عظيم وعليه المهابة والجلال. وفي رحلة ابن بطوطة بعد الكلام على غزة ما نصه: (وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت

стр. 347

الحسين بن علي ﵁، وبأعلى القبر وأسلفه لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب منقوش بخط بديع (بسم الله الرحمن الرحيم لله العزة والبقاء، وله ما ذرأ وبرأ وعلى خلفه كتب الفناء، وفي رسول الله ﷺ أسوة هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين ﵇ . وفي اللوح الآخر منقوش صنعة محمد بن أبي سهل النقاش بمصر وتحت ذلك هذه الأبيات: أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه ... بالرغم مني بين الترب والحجر يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة ... بنت الأئمة بنت الأنجم الهر يا قبر ما فيك من دين ومن ورع ... ومن عفاف ومن صون ومن خفر ومن كلام فاطمة - عليها لسلام -: والله ما نال أحد من أهل السفه بسفههم شيئا ولا أدركوا من لذاتهم شيئا إلا وقد ناله أهل المروءات فاستتروا بجميل ستر الله. ومن قولها تنعي أباها: نعق الغراب فقلت من ... تنعاه ويحك يا غراب قال لإمام فقتل من ... قال الموفق للصواب قلت الحسين فقال لي ... بمقال محزون أجاب إن الحسين بكربلا ... بين الأسنة والحراب ثم استقل به الجنا ... ح فلم يطق رد الجواب فبكيت مما حل بي ... بعد الرضي المستجاب وقيل: إن هذه الأبيات لفاطمة الصغرى وإنها تخلفت في المدينة فجاء غراب وتمرغ في دم الحسين ف كربلاء وطار حتى وقع على جدار فاطمة الصغرى، فرفعت طرفها ونظرت إليه وبكت بكاء شديدا وأنشأت الأبيات المذكورة. وقال بعضهم لما زفت فاطمة بنت الحسين ﵉ إلى عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان عارضها موسى شهوات فقال: طلحة الخير جدكم ... ولخير القواطم أنت للطاهرات من ... فرع تيم وهاشم أرتجيكم لنفعكم ... ولدفع المظالم وتوفيت السيدة فاطمة - المشار إليها - سنة عشرة ومائة للهجرة ودفنت في المسجد المعروف بها الآن الكائن خلف الدرب الأحمر بمصر - المار ذكره - ومسجدها مقام الشعائر وله أوقاف دارة من ديوان الأوقاف لغاية الآن، ولها مولد كل سنة، وحضرة في كل أسبوع تجتمع فيها رجال الطريقة ولأذكار والصلوات تقام من المساء إلى الصباح. فاطمة بنت مر الخثعمية كانت من كاهنات العرب المشهود لهم بالفراسة وقد اشتهر صيتها في علم الكهانة وكانت تقول الشعر

стр. 348

مر عليها يوما عبد المطلب بن هاشم ومعه ولده عبد الله فرات في وجه عبد الله نورا ساطعا فتفرست فيه أنه سيخرج منه مولود يكون له شان فأحبت أن يكون منها ذلك المولود فقالت له: يا عبد الله، هل لك أن تقع علي ولك مائة ناقة من الإبل فقال لها: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فأستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه ثم قال لها: أنا مع أبي فلا أقدر أن أفارقه ومضى فزوجه أبوه آمنه بنت وهب، فأقام عندها ثلاثا، ثم انصرف فمر الخثعمية فدعته نفسه إلى ما دعته إليه فقال لها: هل لك فيما كنت أردت؟ فقالت: يا فتى، ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون لي فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد فما صنعت بعدي قال: زوجني أبي آمنة ابنة وهب فقالت: فاطمة بنت مرحين ذاك: إني رأيت مخيلة لمعت ... فتلألأت بحناتم القطر فسما بها نور يضيء به ... ما حوله كإضاءة البدر ورأيت سقياها حيا بلد ... وقعت به وعمارة القفر فرجوته فخراً أبوء به ... ما كل قادح زنده يورى لله ما زهرية سلبت ... منك الذي سلبت وما تدري وقالت أيضا في ذلك: بني هاشم قد غادرت من أخيكم ... أمينة إذ للباه يعتركان كما غادر المصباح عنده خموده ... فتائل قد بلت له بدهان فما كل ما يحوي الفتى من ملاذه ... لعزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه ... سيكفيكه جد أن يعتلجان سيكفيكه إما يد مقفعلة ... وغما يد مبسوطة ببنان ولما حوت منه أمينة ما حوت ... حوت منه فخرا ما لذلك ثاني فانصرف عبد الله وبقيت هي في حالها حتى ولد النبي ﷺ وتربى وكبر ونزل عليه الوحي ووفدت عليه وأسلمت على يديه وماتت في مدته - رحمها الله. فاطمة بنت أحجم بن دندنة الخزاعي كان أبوها أحد سادات العرب، تزوج بخالدة بنت هاشم بن عبد المطلب. وكانت فاطمة من فصحاء العرب وشاعرات النساء، وأشعارها كانت لا تخرج عن الحكم والأمثال، وأكثرها رثاء، وكانت العرب تتمثل بأشعارها. ومن قولها في الجراح زوجها: يا عين بكى عند كل صباح ... جودي بأربعة على الجراح قد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركنني أضحي بأجرد ضاح قد كنت حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح

стр. 349

وأغض من بصري وأعلم أنه ... قد بان حد فوارسي ورماحي وإذا ما دعت قمرية شجنا لها ... يوما على فنن دعوت صياحي وقالت أيضا: إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا لو تملتهم عشيرتهم ... لاقتناء العز أو ولدا هان من بعض الزرية أو ... هان من بعض الذي أجد كل ما حي وإن أمروا ... وأردوا لحوض الذي وردا فاطمة ابنة الخطاب بن نفيل فاطمة ابنة الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشية العدوية أخت عمر بن الخطاب كانت إحدى العشرة الذين أسلموا أول الإسلام، وهي أسلمت مع زوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي قبل إسلام أخيها عمر وهي كانت سبب إسلامه. وقيل: سئل عمر عن سبب إسلامه فقال: خرجت بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام فإذا أحد رجال بني مخزوم، وكان قد أسلم فقلت، تركت دين آبائك واتبعت دين محمد. فقال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني. قلت: من هو؟ قال: أختك وختنك. قال: فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة، ففتح الباب، فدخلت فقتل: ما هذا الذي أسمع؟ قالت: ما سمعت شيئا فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربه فأدميته فقامت إلي أختي فأخذت برأسي فقالت: قد كان ذاك على رغم أنفك قال: فاستحيت حين رأيت الدم وقلت: أروني هذا الكتاب فأروه إياه، فلما رآه أسلم وذلك مشهور في ترجمته. وبقيت المترجمة تعضد الإسلام وتحرض نساء قريش على إتباعه حتى دخل دين الإسلام نساء والرجال الكثيرون بسببها. وكانت أديبة فاضلة عاقلة محبة للخير كارهة للشر آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر توفيت بخلافة أخيها عمر بن الخطاب ودفنت بما لاق بها. فاطمة ابنة قيس بن خالد الأكبر فاطمة ابنة قيس بن خالد الأكبر ابن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر القرشية الفهرية أخت الضاحك بن قيس قيل: كانت أكبر منه بعشر سنين، وكانت أديبة عاقلة فاضلة، ذات رأي صائب، وفكر ثاقب، وكمال باهر، وجمال ظاهر. هاجرت أول الإسلام مع من هاجر، وكانت تحت أبي حفص بن المغيرة فطلقها ثلاثا لأسباب وقعت بينهما فأمرها النبي ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم. فقالت له: ألي لي على أبي حفص نفقة؟ فقال لها: (ليس لك عليه نفقة ولا سكنى) ، فامتثلت. وقيل: إنه لما طلقها أبو حفص خطبها معاوية وأبو جهم بن حذيفة فاستشارت النبي ﷺ بذلك فقال لها: (أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو حذيفة فلا يضع عصاه عن عاتقه) . وأمرها بأسامة بن زيد فتزوجته. وقيل: إنها قدمت الكوفة على أخيها الضحاك بن قيس، وكان أميرا بها من قبل عمر بن الخطاب، فلما سمع

стр. 350

بقدومها أهل الكوفة تقاطروا عليها ومن جملتهم الشعبي وقد حدثتهم بما سمعته عن النبي ﷺ روى عنها الشعبي جملة أحاديث. وقيل: إنه لما قتل عمر بن الخطاب اجتمع أهل الشورى في بيتها وقضوا مآربهم في الخلافة بإطلاعها وأخذوا رأيها في ذلك. وقد روت جملة أحاديث رواها عنها بعض الصحابة. فاطمة بنت الوليد عتبة فاطمة بنت الوليد عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن مناف القرشية العبشمية. كانت تزوجت سالما مولى حذيفة زوجها منه عمها أبو حذيفة بن عتبة، وكانت من المهاجرات الأول ومن أفضل أيامى قريش لها عقل وكمال، وفضل وجمال. ولما قتل عنها سالم يوم اليمامة تزوجها بعده الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي. وقيل: إنها كانت في الشام تلبس الجباب من ثياب الخز، ثم تأتزر فقيل لها: ما يغنيك هذا عن الإزار؟ فقالت: سمعت رسول الله ﷺ بالإزار. وقد روت جملة أحاديث عن النبي ﷺ رواها عنها بعض الصحابة. فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومي أخت خالد بن الوليد أسلمت يوم الفتح وبايعت النبي ﷺ وهي زوج بان عمها الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي ويقال: إنه تزوجها بعده عمر بن الخطاب، وقد ولدت للحارث بن هشام عبد الرحمن وأم حكيم وقد خرجت مع زوجها الحارث إلى الشام، وقد استشارها أخوها خالد في بعض أموره وذلك لوفرة عقلها وحسن تدبيرها، ولما مات عنها زوجها الحارث عادت إلى المدينة وقد تزوجها عمر بن الخطاب بعد رجوعها بقليل. وروي لها عن النبي ﷺ أحاديث رواها عنها بعض الصحابة. فاطمة ابنة الضحاك الكلابية كانت من النساء العاقلات الفاضلات، وهي ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، تزوجها النبي ﷺ بعد وفاة ابنته زينب. قيل: إنه خيرها حين نزلت آية التخيير فاختارت الدنيا ففارقها عند ذلك النبي ﷺ فكانت بعد ذلك تلتقط البعر وتقول: أنا الشقية اخترت الدنيا. والظاهر أن هذه الرواية باطلة لأنه جاء في الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ حين خير أزواجه بدأ بها فاختارت الله ورسوله، وهكذا تتابع أزواج النبي ﷺ كلهن على ذلك وقيل: كان عنده تسع نسوة حين خيرهن وهن اللاتي توفي عنهن. وروى جماعة أن التي قالت: أنا الشقية هي التي استعاذت منه. وقد اختلفوا فيها اختلافاً كثيراً. فاطمة ابنة عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشية العبشمية هي أخت هند بنت عتبة وهي خالة معاوية بن أبي سفيان الأموي، كانت فصيحة الألفاظ، رقيقة أديبة، حلوة المنطق، ذات عقل وافر، جامعة بين مزيتي الحسن والأدب. أسلمت يوم الفتح وبايعت النبي ﷺ ، وروى عنها أخوها أبو حذيفة بن عتبة ذهب بها وبأختها هند يبايعان رسول الله صلى الله عليه

стр. 351

وسلم وذلك يوم الفتح فقالت فاطمة: فلما اشترط علينا النبي ﷺ . قالت هند: أو تعلم في نساء قومك هذه الهنات والعاهات فقال: (بايعيه فهكذا يشترط) . وقيل: إن فاطمة جاءت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، قد كنت وما في الأرض قبة أحب إلي أن تهدم من قبتك وإني اليوم وما في الأرض قبة أحب إلي بقاء من قبتك فقال: (أما إن أحدكم لن يؤمن حتى أكون أحب إليه من نفسه) . فاطمة ابنة المجلل بن عبد الله فاطمة ابنة المجلل بن عبد الله بن قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية العامرية. وتكنى أم جميل كانت من النساء الفاضلات الأديبات العاقلات، وقد اشتهرت بالفضيلة والظرف والرقة وهي من السابقين إلى الإسلام. تزوجها حاطب بن الحارث بن المغيرة فولدت له محمد بن حاطب والحارث بن حاطب وقد هاجرت مع من هاجروا إلى بلاد الحبشة مع زوجها حاطب. فلما توفي زوجها في بلاد الحبشة وقدمت هي وابناها المذكوران إلى المدينة في إحدى السفينتين اللتين قدمتا إليها من الحبشة، وقيل: إنها لما قدمت من أرض الحبشة وفدت إلى النبي ﷺ ومعها ابنها فقالت: يا رسول الله، هذا ابن أخيك حاطب وقد أصابه هذا الحرق من النار فادع الله له فدعا له النبي ﷺ بالشفاء فشفي. فاطمة ابنة عبد الملك بن مروان كانت فصيحة زمانها وأديبة عصرها وأوانها، ذات جمال رائق، وحسن فائق، ودين وورع لم يسبق إليه أحد من نساء بني أمية. تزوجت بعمر بن عبد العزيز الأموي قبل أن يتولى الخلافة فغمرها بأمواله وأقنعها بنواله، وهي لم تكن بأقل منه مالا وقد عاشا في مبدئهما عيشة الرفاهية والتنعم ولما آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز رأى أن عبأها ثقيل لا حمله عاتقه. ومن جملة ما صنه قال لفاطمة: إن أردت صحبتي فردي ما معه من مال وحلي وجواهر إلى بيت مال المسلمين فإنه لهم وإني لا أجتمع أنا وأنت وهو في بيت واحد. فردته جميعه ول تبق لها منه خلال إبرة. وبقيت معه في عيشة التقشف والضيق مع اتساع الخلافة والملك إلى أن مات، فلما انتقلت الخلافة إلى أخيها يزيد بن عبد الملك قال لها: إن عمر قد ظلمك في مالك وإني رددته إليه فخذيه. قالت: كلا والله لا آخذه فما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتاً. فأخذه يزيد وفرقه على أهله وبقيت فاطمة في حالة زهد وعبادة وورع حتى لحقت بزوجها عمر ﵁. فاطمة ابنة جمال الدين سليمان فاطمة ابنة الشيخ الإمام المقرئ المحدث جمالا لدين سليمان بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن سعد الله بن أبي القاسم الأنصاري الدمشقي. كانت من النساء العالمات العاقلات المحدثات الصادقات في الرواية أخذت الحديث عن والدها وعن أجلاء عصرها وقد أخذ عنها الحديث جملة مثل الصفدي وخلافه وأجازها معظم علماء القرن السابع للهجرة من الشام والعراق والحجاز وفارس وغيرها وكانت ولادتها في سنة ٦٢٠ هجرية، وتوفيت في سنة ٧٠٨ هجرية، وكانت ذات ثروة وافرة تمكنت منها بأعمال خيرات ومبرات ومدارس وبمارستانات وتكايا، وأوقفت لتلك المحلات الخيرية أوقافا، ورتبت لمستخدميها رواتب حتى باهت بأفعالها الخيرية أعاظم رجال ونساء عصرها - رحمها الله تعالى.

стр. 352

فاطمة ابنة الخشاب كانت شاعرة مجيدة وفصيحة بليغة لها قصائد مطولة وأشعار لطيفة ونثر جميل، عاصرت الصفدي في القرن السابع. وقد اجتمع عليها جملة من العلماء والأماثل والأدباء الأفاضل، وقد أجازها في الحديث جملة منهم وروى عنها كثير أيضا. وقد أرسلها يوما العلامة قاضي القضاة شهاب الدين بن فضل الله بقصيدة غراء نحو سبعة وعشرين بيتا ومطلعها: هل ينفع المشتاق قرب الدار ... والوصل ممتنع مع الزوار يا نازلين بمهجتي وديارهم ... من ناظري بمطمح الأنظار هيجتم شجني فعدت إلى الصبا ... من بعد ما وخط المشيب عذاري فأجابته المترجمة بقصية على وزنها وقافيتها تزيد عن العشرين بيت لم نعثر منها إلا على هذين البيتين وهما: إن كان غركم جمال إزار ... فالقبح في تلك المحاسن وار لا تحسبوا أني أماثل شعركم ... أنى يقاس جداول ببحار فلما وصلت هذه القصيدة إلى قاضي القضاة وجدها كلها ألفاظا درية ومعاني عبقرية أكبر مخاطبته وأخذها بعين الكمال، ولم يخاطبها إلا بما يوافق مقام العلماء الأعلام، وبقيت معززة مكرمة إلى أن ماتت وحضر مشهدها جملة من العلماء والأعيان والحكام - رحمها الله تعالى. فاطمة الفقيهة ابنة علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي كانت من الفقيهات العالمات بعلم الفقه والحديث أخذت العلم عن جملة من الفقهاء وأخذ عنها كثيرون. وكان لها حلقة للتدريس وقد أجازها جملة من كبار القوم، وكانت من الزهد والورع على جانب عظيم تزوجت بفخر الأنام العالم العلامة علاء الدين القاشاني ومكثت عنده زمنا طويلا، وقد ألفت المؤلفات العديدة في الفقه والحديث وانتشرت مؤلفاتها بين العلماء والأفاضل، وكانت معاصرة للملك العادل نور الدين الشهيد وطالما استشارها في بعض أموره الداخلية وأخذ عنها بعضا لمسائل الفقيهة وكان دائما ينعم عليها ويعضد مسعاها. وقد توفيت بمدينة حلب ودفنت في مقبرة من قبور الصالحين وقبرها هناك مشهور بقبر المرأة وزوجها لأنها دفنت بعد وفاته بجانبه. فاطمة النيسابورية ﵂ كانت من ذوي الزهد والورع ولابسات المسوح حجت جملة مرار من بيت المقدس إلى مكة وهي ماشية على قدميها، وكانت معاصرة لذي النون المصري وأبي يزيد البسطامي وكان ذو النون المصري ﵁ يقول: فاطمة أستاذتي. وكانت تقول: من لم يراقب الله تعالى في كل حال فإنه ينحدر في كل ميدان ويتكلم بكل لسان، ومن راقب الله في كل حال أخرسه إلا عن الصدق وألزمه الحياء منه والإخلاص له. وكانت تقول: من عمل لله على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، وكان أبو يزيد البسطامي يقول عنها: ما رأيت امرأة مثل فاطمة

стр. 353

ما خبرتها عن مقام إلا كان الخبر لها عبانا. ماتت في طريق العمرة بمكة سنة ثلاث وعشرين ومائتين. فاطمة بنت الإمام السيد أحمد الرفاعي الكبير كانت عابدة فاتنة صالحة حافظة لكتاب الله فقيهة في دين الله محافظة على الدين مكرمة للصالحين خاشعة قانعة باكية، هائمة في الله تعالى شغلها حب الله تعالى عن غيره. رأى الشيخ الفاروقي - قد س سره - رسول الله ﷺ في المنام والسيدة فاطمة هذه وأختها السيدة زينب بين يديه والنبي ﷺ يقول: فاطمة فاطمتي، وزينب زينبي وبنتاي وبنتا ولدي أحب أهل هذا البيت يا عمر. فأفاق الفاروقي مندهشا وغشي عليه الليل كله، فلما أصبح استأذن على السيدة فاطمة، فلما وقف وراء الحجاب قالت له بصوت حزين وخشية وأنين قبل أن يذكر رؤياه: جدنا بنا رحيم ﷺ . أخذ عنها القراءة ولدها السيد أبو إسحاق إبراهيم الأعزب وولدها السيد نجم الدين أحمد ﵄ وسمعا منها حديث الرسول وحدث عنها السيد أحمد الصبان ﵁ في كتاب (الوظائف) . ونقل عنها الشيخ محيي الدين إبراهيم بن عمر الفاروقي أنها أنشدت في مجلس درسها بيتا حفظته أخته الصالحة خديجة الفارسية ورواه عنها وهو: نموت على التقوى ونحشر في غد ... على خالص الإيمان والبر والتقوى توفيت بأم عبيدة سنة تسع وستمائة ودفنت بالمشهد الأحمدي ﵂. فاطمة بنت السيد عبد الرحيم الرفاعي وتلقب ملكة. قال الإمام أحمد الزبرجدي الكبير - قدس سره - حين ذكرها: السيد فاطمة أخت القطب الجليل السيد أحمد الصياد بن الرفاعي - قدس الله سره - العزيز يلقبها أهل بيتهم ملكة. كانت صالحة عارفة عالمة عابدة خاشعة، حجت مع أخيها السيد عز الدين أحمد الصياد الشهير سنة ثلاث وأربعين وستمائة وزارت مدينة النبي ﷺ ، فلما تمثلت أمام قبر جدها ﵇ قالت: يا رب إ قبلت لديك زيارتي ... فاجعل [بطيبة] قرب طه مدفني ثم غشي عليها فرفعوها إلى محلها فماتت ذلك اليوم ودفنت بالقرب من حرم النبي ﷺ ، ومرقدها المبارك معروف يزار بالمدينة ويترك به - رضي الله عنا - وهي حفيدة الغوث الأكبر سيد الأولياء السيد أحمد الرفاعي ﵁ من بنته السيدة العارفة بالله الشريفة زينب ووالدها القطب الأعظم السيد عبد الرحيم الرفاعي الحسيني ﵃ أجمعين. فاطمة علية هي ابنة العلامة المفضال المؤرخ الشهير جودت باشا، ناظر العدلية العثمانية سابقا. ولدت فاطمة علية في الأستانة العلية ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة ١٢٧٩ هجرية الموافق ٩ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٨٦٢ ميلادية. ولما تولى والدها ولاية حلب الشهباء سنة ١٢٨٢ هجرية كان عمرها ثلاث سنوات ولما ظهر عليها من أمرات النجابة أحبها حبا شديدا فأخذها معه ومكثت عنده مدة ولايته وهي سنتان تحت ناظريه. ولما رجع إلى الأستانة استحضر لها معلمين ومعلمات وهو تقلب في جملة وظائف مهمة في الدولة العثمانية إلى أن بلغت من العمر أربع عشرة سنة فتعين والدها في ولاية ثانية، وكان ذلك في سنة ١٢٩٢ هجرية، فذهبت

стр. 354

معه ولم يمكث بها كثيرا ورجع إلى الأستانة ومع ذلك فإنها أينما توجهت فإنها مشتغلة بالعلوم والمعارف. وفي سنة ١٢٩٥ هجرية لتولى والدها ولاية سورية فتوجهت معه وأقامت مدة في دمشق الشام، ثم أقامت شتاء في بيروت ورجعت برجوع والدها إلى الأستانة. وكان أول ما اشتغلت به من العلوم من سن الطفولية تعلم أصول القراءة والكتابة التركية، وتلقت دروس العربية والفارسية من عدة معلمين خصوصيين مختلفي الطبقات، ثم اشتغلت بتحصيل اللغة الفرنساوية وأتمت الحصول عليها بواسطة آنسة باريسية، ولما كانت في سورية تقدمت في تحصيل اللغة العربية بكافة فنونها من بديع وعروض ونحو وبيان وخلافه. أما العوم العقلية من توحيد وكلام ومنطق، ورياضة وهندسة، وحساب فإنها أخذتها عن والدها بأحسن مأخذ. وأما علم الموسيقى فإنها أخذته بكامل أنواعه وفروعه عن ماهرين فيه من ترك وعرب وفرس وإفرنج حتى فاقت أهل زمانها فيه. والذي يرى تفرغها لهذه العلوم يظن أنها أهملت أهمما يلزم للمخدرات من الأشغال المنزلية حالة كونها لم تهمل دوام التقدم في الأشغال اللازمة للمخدرات وقد تفردت بذلك بين مثيلاتها وفاقت كثيرات من قريناتها. وافتتحت لذاتها منهاجا خصوصيا في الإنشاءات الكلامية ولكنها لم تقتدر على التفرغ لنشر الآثار بالنسبة لاشتغالها في أول المر بالشؤون التي هي طبيعية الحصول لطائفة النساء كتدبير المنزل وتربية الأولاد. ولما عمت العلوم والمعارف في هذا العصر الحميدي إلى عموم الممالك العثمانية وخصوصا في الأستانة العلية، وابتدأ بعض المخدرات العثمانية في نشر الآثار والاشتراك في خدمة التأليف وغيرها ابتدرت المترجمة أن تسابق هاتيك المخدرات فترجمت رواية (دولانته) تأليف (جورج أدنا) أحد مشاهير أدباء الفرنساويين من اللغة الفرنساوية إلى التركية وسمتها باسم (مرام) وأبدعت فيها كل الإبداع من جهة الأسلوب والسياق وهي أول آثار براعتها ولكنها ضنت باسمها فلم تذكره بل أخفته صونا واحتجابا، وانتظرت أقوال أدباء العصر عنها ولم يتكامل نشرها حتى ظهرت علائم استحسان الأدباء للطراز الجديد الذي جرت عليه في عباراتها، وقد احتفل بها العلامة أحمد مدحت أفندي محرر جرنال (ترجمان حقيقت) التركي العبارة. وكتب جملة فصول عنها وشوقها إلى خدمة العلوم والآداب. وكثر الكلام بين أدباء العثمانيين عن سياق هذه الرواة بالنظر لخفاء اسم مترجمتها ولكن عضدها فيه مدحت أفندي وأمثاله من فضلاء الأتراك وأظهروا لهم حقيقة حالها. وبناء على تعضيد وتنشيط مدحت أفندي لها أظهرت اسمها، وابتدأت المباحثات العلمية والأدبية بينها وبينه وصارت تكتب المقالات العديدة وترسلها تحت إمضائها فتنشر في (ترجمان حقيقت) ، وذلك اشتهرت بين الأدباء اشتهارا عظيما. ولما شاع ذكرها في الآفاق وسمعت بها نساء الإفرنج السائحات صرن أول ما يردن على الأستانة يقصدن منازل السيدات العثمانيات المتصفات بالفضيلة ويزرن المترجمة ويذاكرنها في العلوم والمعارف والفنون فيجدن منها فاضلة أديبة. وقد جرت بينها وبين ثلاثة من سيدات الإفرنج السائحات محاورات مهمة كتبتها في رسالة وسمتها باسم

стр. 355

(نساء الإسلام) وقد نشرت في جريدة ترجمان حقيقت سنة ١٨٩٢ إفرنجية وترجمتها عنها جريدة ثمرات الفنون التي تطبع في بيروت من التركية إلى العربية، ثم ترجمت هذه الرسالة إلى الفرنساوية والإنكليزية وبلغت حدها من الاشتهار. وبما أنها جاءت أحسن مقالة أنشئت من ذوات القناع، لما فيها من حسن البلاغة والإبداع رأيت أن أدرجها عقيب هذه الترجمة وإن كان فيها طول لما فيها من الفائدة وأثرا لهذه الفاضلة. وللمترجمة رواية تركية عثمانية وسمتها باسم (محاضرات) نشرتها بأسلوبها التركي البديع في الأستانة العلية. وبالجملة فإن المترجمة قد تفننت في العلوم الرياضية والفلسفية والطبيعية كل التفنن ومزجت العلوم الشرقية بالعلوم الغربية حتى صارت من مفاخر المخدرات الإسلامية ولم يضاهها أحد من النساء الشرقيات والغربيات، وهي الآن مقيمة بالأستانة العلية كثر الله من أمثالها ووسع الله بها العلوم والمعارف على جنسنا النسائي. وها هي الرسالة الموعود بإدراجها قالت: " لما كان النوع الإنساني مدينا بالطبع ومحتاجا إلى التعاون والتعاضد مع بعضه البعض تكمن في كل جهة من عقد روابط الجمعية وبسط بساط المدنية واستكمال حاجاته الضرورية، ثم تسنى له بالتدريج استحصال حوائجه الكمالية أيضا وعلى هذا الوجه ظهر اختلاف في اللغات في أي الأطراف ونشأ تباين في العرف والتعامل يخالف بعضه بعضا، وقد أدى اختلاف اللسان والمكان إلى إيجاد مباينة كلية بين الملل والأقوام حتى أنه من القديم أخذ كل فرد من هاته الملل يعيش في عالمه الصغير في حالة العزلة والانفراد لا يعلم شيئا من أحواله سواه. أجل إن الملل المذكورة لم تكن خلوا من وسائط المواصلات كالقوافل والسفن إلا أنه بالنظر إلى صعوبة الأسفار البرية والبحرية وقلة الواردات كان أهالي البلاد البعيدة غير واقفين تمام الوقوف على أحوال غيرهم من أبناء النوع الإنساني وكان إذا ظهر حادث في جهة من أوروبا لا يمكن العلم به إلا بعد سنة كاملة ومثل ذلك كانت سائر البلاد الأوروبية أيضا لا تسمع بحوادث العالم إلا بعد مرور زمن طويل. ولما أنشئت السفن التجارية كثرت الواردات وحصلت السرعة والسهولة في النقل والحركة، وقد ازدادت هذه السرعة والسهولة في الأسفار والسياحات زيادة تذكر بواسطة الطرق الحديدية، ثم اخترع التلغراف فكان واسطة للمخابرات بنسبة هذه السرعة في الأسفار حتى إن الحوادث التي كانت لا تعلم في البلاد البعيدة إلا بعد سنة صار يمكن الوقوف عليها في خلال ساعة واحدة، وبالجملة فإن العالم دخل فيطور جديد يختلف عن الطرز الأول وعلى ذلك فإن الأوربيين المشتغلين بتحقيق وتدقيق جميع الأشياء وإن كانوا قد ابتدأوا في بذل الجهد رغبة منهم في الاطلاع على خصوصيات أحوالنا قد تبين لي في خلال المحاورات التي وقعت بيني وبين بعض النساء الأوروبيات من معتبري السواح أن ظنون الإفرنج المتعلقة بنا هي من حيث الخطأ والوهم في صورة موجبة للتعجب حقيقة حتى إنني عندما سمعت هذه الأخبار الكاذبة من المرمى إليهن تعجبت تعجبا يضاهي استغرابهن مما يلقينه من الأخبار الفاسدة المغلوطة وظننت إنهن إنما يجئن عن غيرها من الملل.
следующие страницы →