Полный текст (532 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
التوشيع
كتمت حالي ويأبى كتمه شجني ... بحكمي الفاضحين الدمع والسقم
المراجعة
قالوا ارعوي قلت قلبي ما يطاوعني ... قالوا انثني قلت عهدي غير منفصم
القول بالموجب
قالوا سلوت فقلت الصبر في كلفي ... قالوا يئست فقلت البرء في سقمي
التهكم
يا عاذلي أنت معذور فسوف ترى ... إذا بدا الصبح ما غطى غشا الظلم
المواربة
أبرمت عذلا ويخشى أن تجربه ... إلى السلو وما السلوان من شيمي
ضرب المثل
أجر الأمور على أذلالها فعسى ... ترى بعينك وجه النصح في كلمي
النزاهة
عن ذم مثلك تبياني أنزهه ... إذ أنت عندي معدود من النعم
تجاهل العارف
الجهل أغواك أم في الطرف منك عمى أغاب رشدك أو ضرب من اللمم
الهزل الذي يراد به الجد
أتعبت نفسك في عذلي ومعذرة ... مني إليك فسمعي عنك في صمم
البسط
اعذل وعنف وقل ما اسطعت لا ترني ... إلا كما شاء وجدي حافظا ذممي
التورية
تسومني الصبر عمن لي حلابهم ... جميع ما مر من حالات عشقهم
التصدير
لم يا عذولي وشاهد حسنهم فإذا ... شاهدته واستطعت اللوم بعد لم
ما لا يستحيل بالانعكاس
أني أنا عرفن فرع لنا نبأ ... من الملام وحشيه بوصفهم
تألف اللفظ والمعنى
وامزج ملامك بالذكرى فإن بها ... تعللا لعليل الشوق من ألم
التفويف
كرر أعد أطرب ابسط ثن غن أجب ... قل سل جد ترنم بر من أدم
الإدماج
أعد حديث أحبائي فهم عرب ... قد أعرب الدمع فيهم كل منعجم
стр. 282
الاستخدام
واستوطنوا السر مني فهو منزلهم ... ولم أفوه به يوما لغيرهم
المقابلة
بدا الصدود ببعدي عن جوارهم ... فعاد وصل بقربي من محلهم
تآلف اللفظ والوزن
أحبة ما لقلبي غيرهم أرب ... وحبهم لم يزل يربو من القدم
تآلف المعنى والوزن
لزمت صدق ولاهم والتزمت به ... فسلت أسلوه إلا عن سلوهم
الإبداع
حلوا بقلبي وحلى جود منتهم ... جيدي وشكر الأيادي مسمعي وفمي
التفريع
ما بهجة الشمس في الآفاق مشرقة ... يوما بأبهج من لألأء حسنهم
القسم وجوابه
لا مكنتني المعالي من سيادتها ... إن لم أكن لهم من جملة الخدم
حسن البيان
بفضلهم غمروني من فواضلهم ... بما عجزت به عن حق شكرهم
التوشيح
وألبسوني مذ آنست نارهم ... من طور حضرتهم نورا جلا ظلمي
المجاز
وألبسوني ثياب الوصل معلمة ... بقربهم وأقروا في القرى علمي
الاستطراد
وخولوني ملكا فيه فزت بهم ... فوز العفاة بوافي فيض فضلهم
التهذيب والتأديب
لهم شمائل بالإحسان قد شملت ... وعلمت كرم الخلاق والشيم
الانسجام
ولي عوائد منهم بالجميل لها ... بمنهم اتصال غير منحسم
التشريع
قالوا فقد راق عيش المستهام بهم ... فلا جفا بعد ما جادوا بوصلهم
الالتفات
حلوا بقلبي فيا قلبي تهن بهم ... وافرح ولا تلتفت عنهم لغيرهم
الاحتراس
قد طال شوقي وقلبي منزل لهم ... إلى الطلول التي تسموا باسمهم
стр. 283
تأليف اللفظ باللفظ
فليت شعري هل حالي بمنتظم ... قبل الوفاة وهل شملي بملتئم
التكرار
نعم نعم حدثتني وهي صادقة ... ظنون سري حديثا غير متهم
المناسبة
عن جودهم عن نداهم عن فواضلهم ... عن منهم عن وفاهم نيل برهم
حسن النسق
سادوا فجودهم جم وبذلهم ... حتم وموردهم غنم لكل ظمي
الإيجاز
يا سعد إن ساعد الأسعاد واجتمعت ... لك الأماني وجئت الحي عن ألم
التتميم
عرج على قاعة الوعساء منعطفا ... على العقيق على الجرعاء من أضم
التجريد
واقصد مصلى به باب السلام وقف ... لدى المقام وقبل موطئ القدم
التمكين
فلي فؤاد بذاك الحي مرتهن ... سلا السلو وعانى وجده بهم
الحذف
ناشدته الله والنوار مشرقة ... تعلو المعالم من سكانها القدم
الاقتباس
ائت الكريم وهذا طور حضرتهم ... أقبل ولا تخف الواشين بالكلم
النوادر
وشاهد الحسن والإحسان جزؤهم ... ولا تدع منك جزأ غير مقتسم
الكناية
ولا يصدك عن بذل الوجوه لهم ... نصح اللواحي وما صاغوا بنطقهم
المخلص
هم المفاليس ما ذاقوا الغرام ولا ... أموا حمى خير خلق الله كلهم
الإطراء
محمد المصطفى ابن للذبيح أبو ال ... زهراء جد أميري فتية الكرم
التكرار
الوافر العظم ابن الوافر العظم اب ... ن الوافر العظم ابن الوافر العظم
التكميل
المرتضى المجتبى المخصوص أحمد ... من اختاره الله قبل اللوح والقلم
стр. 284
الترتيب
خير النبيين والبرهان متضح ... عقلا ونقلا فلم نرتب ولم نهم
التمسيك
أسناهم نسبا أزكاهم حسبا ... أعلاهم قربا من بارئ النسم
السهولة
طه المنادى بألقاب العلا شرفا ... وغيره بالأسامي ضمن كتبهم
المماثلة
عزت جلالته جلت مكانته ... عمت هدايته للخلق بالنعم
الاعتراض
أعظم به من نبي مرسل نزلت ... في مدحه محكم الآيات من حكم
الإيداع
ينبي مفصلها عن عز مرتبة ... من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم
الإشارة
تبارك الله من أوحى إليه بما ... أوحى وخصصه بالمنتهى العظم
التفسير
برتبة ألقاب بالأدنى بحظوته ... برؤية الله بالإيناس بالكلم
التوشيح
دنا ونال فلا ثان يشاركه ... فيما حواه من التخصيص والكرم
العنوان
أتى وكان نبيا عند خالقه ... قدما وآدم طينا بعد لم يقم
التسهيم
ذو الجاه حيث يضم الخلق محشرهم ... ولا يرى غيره في الكشف للغمم
حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي
ذو المجد حيث أهيل المجد قاطبة ... تسير تحت لواه يوم حشرهم
الاكتفاء
ذو المعجزات التي منها الكتاب فيا ... بشرى لمقتبس منه بكل جم
التوليد
يتلى ويحلو ولا يبلى وليس له ... مبدل وهو حبل الله فاعتصم
التفصيل
قل للذي ينتهي هما يحاوله ... من حصر معجز طه الطاهر الشيم
الموارد
كم أعقبت راحة باللمس راحته ... وكم محا محنة ريق له بفم
стр. 285
التقسيم
والنيران أطاعاه فتلك بدت ... بعد الأفول وهذا شق في الظلم
الجمع مع التقسيم
والماء من إصبعيه فاض فيض ندى ... كيفه مردود هذا معدم العدم
الجمع
فريد حسن تسامى عن مماثله ... في الخلق والخلق والإحكام والحكم
القلب
بدر الكمال البدر مكتسب=من نوره وضياء الشمس فاعتلم
تنسيق الصفات
أعظم به من نبي سيد سند ... هاد سراج منير صفوة القدم
التشطير
بالحق مشتغل في الخلق مكتمل ... بالبر معتصم بالبر ملتزم
السجع
للبذل مغتنم بالبشر متسم ... يسمو بمبتسم كالدر منتظم
الترصيع
ممجد الذكر في الفرقان بالحكم ... محمد الأمر في التبيان من حكم
اللف والنشر
جمال صورته عنوان سيرته ... هذا بديع وهذي آية المم
الإغراق
ولو غدا البحر حبرا والفضا ورقا ... في حصر أوصافه ضاقا ببعضهم
الغلو
وذكره كاد لولا سنة سبقت ... إذا تكرر يحي بالي الرمم
المبالغة
علا من المثل ف التشبيه ممتنع ... في وصفه وقصور العقل كالعلم
الاتساع
إذ كل حسن مفاض من محاسنه ... وكل حسنى فمن إحسانه العمم
الاتفاق
محمد اسمه نعت لجملة ما ... في الذكر من مدحه في نون والقلم
الجمع مع التفريق
علاه كالشمس لا يخفى على بصر ... والوجه كالبدر يجلو حالك الظلم
التشبيه
لو كان ثم منيل قلت طلعته ... كالبدر حاشا تعالى كامل العظم
стр. 286
التفريق
قالوا في الغيث قلت الغيث آونة ... يهمي وغيث نداه لا زال همي
صحة الإقسام
يعطى العفاة أمانيهم فلست ترى ... في حبه غير ممنوح ومغتنم
الإشراك
في النور لاح علاه لا نظير له ... نور القرآن وقرآنا من لدن حكم
التلمح
حاز الجمال في حسن متصف ... بشطره بعض ما في سيد المم
المذهب الكلامي
هو الحبيب من الرحمن ... للعالمين بإيجاد من العدم
الالتزام
غوث الورى كعبة الآمال متلزمي ... في حبه بالتفاني صار من لزمي
التوجيه
جردت حجي له من كل مفسدة ... ولم تزل بالصفا تسعى له قدمي
الترديد
بحر الوفاء دعاني بالوفاء إلى ... نيل الوفاء ورواني من النعم
التجزئة
بلغت ما رمته منهم فلم أرم ... عمن جلا غممي بالعزم والهمم
الإيضاح
وإفرده بالمدح واستثني بمدحك من ... حازوا علا الفضل من فازوا بسبقهم
الاستتباع
الباذلو النفس بذل المال من يدهم ... والحافظو الجار حفظ العهد والذمم
السلب والإيجاب
لا يسلبون بفضل الله ما وهبوا ... ويسلبوا ضرر الإملاق بالكرم
التدبيج
سود الوقائع حمر البيض في حرب ... خضر المرابع بيض الفعل والشيم
تشبيه شيئين بشيئين
كأنهم في عجاج النقع حين بدوا ... بدور تم بدت في حندس الظلم
التنكيت
للجمع فلوا وما فلت عزائهم ... وهي المواضي على استئصال كل عم
المساواة
هم النجوم فما أسنى مطالعهم ... في أفق ملته البيضا يهديهم
стр. 287
نفى الشيء بإيجابه
لا يمزج الشك منهم صفو معتقد ... ولا يشين النقي باللم واللمم
جمع المؤتلف والمختلف
بالسبق فازوا بتخصيص تقدهم ... فيه خليفته الصديق والقدم
المدح في معرض الذم
لا عيب فيهم سوى أن لا يضام لهم ... وفد ولا يبخلوا بالرفد في العدم
الازدواج
طه الذي إن اخف ذنبي ولذت به ... أمنت خوفي ونجاني من النقم
التصريع
ولا طمحت إلى شيء من الكرم ... إلا وبلغني فوق الذي أرم
الفرائد
ما هبت الريح إلا شمت برق وفا ... لي فيه وبل غطا من ديمة النعم
براعة المطلب
يا أكرم الرسل سؤلي فيك غير خف ... وأنت أكرم مدعو إلى الكرم
العقد
حسبي بحبك أن المرء يحشر مع ... أحبابه فهنائي غير منحسم
حسن الختام
مدحت مجدك والإخلاص ملتزمي ... فيه وحسن امتداحي فيك مختتمي
إن ختام هذه القصيدة لم يأت في قصيدة غيرها من حسن الذوق السليم. ومن كثرة ما لها من العلم والفهم والإطلاع وسرعة الجواب فيه بدون روية سألها سائل نظما عن وطء النائمة، فقال:
ما قولك يا ستنا العالمة ... في رجل دت على نائمة
تفتحت تحسبه بعلها ... وهي بما لذ لها رائمة
فاستيقظت فأبصرت غيره ... عضت على إصبعها نادمة
فهل لها من فتوة عندكم ... مأجورة من ذاك أم آثمة
فأجابته على البديهة قائلة:
قالت لكم ستكم العالمة ... أنا لأهل العلم كالخادمة
أنقل ما قالوا وما أخبروا ... عن التي قد نكحت نائمة
الشافعي قال لها أجرها ... ما لم تكن في نكحها عالمة
والمالكي قال أنا فتوتي ... مأجورة في ذاك لا آثمة
والحنفي قال أتى رزقها ... في ظلمة الليل وهي حالمة
والحنبلي قال أنا فتوتي ... في هذه النكحة كالآثمة
لو لم يكن لذ لها طعمه ... لانتهضت من تحته قائمة
стр. 288
وقد توفيت في القرن العاشر من الهجرة رحمها الله رحمة واسعة.
عائشة بنت السيد عبد الرحيم الرفاعي
كانت والهة في الله خاشعة، تتكلم على الخواطر، وكانت عد من أعظم أهل الحال، وقفت مرة فوق سطح الدار والفقراء يتواجدون في الرواق فقالت للنساء اللواتي حولها: أعطاني الله حالا إن أردت منعت عن هؤلاء ما هم فيه.
فقالت النساء لها: بالله يا سيدتنا إلا ما فعلت، فرمقت حلقة الفقراء، فسكن القوم كأن لم يكن هناك ذكر ولا وجد، وفضحك أخوها السيد شمس الدين محمد.
وقال لولده: اذهب فقبل رأس عمتك وقل لها: فلتنفض على الناس مما أفاض الله لها. ففعل، فرمقت القوم مرة ثانية، فرجعوا لوجدهم وما كانوا عليه.
توفيت بأم عبيدة في بغداد سنة ٦٣٥ هجرية ودفنت بمشهدها المبارك ﵂.
عائشة عصمت بنت إسماعيل باشا تيمور بن محمد كاشف تيمور
أديبة فاضلة، حكيمة عاقلة، بارعة باهرة، شاعرة ناثرة، رضعت أفاويق الأدب وهي في مهد الطفولية وتحلت بحلى لغات العرب قبل تضلعها باللغات التركية، وفاقت على أقرانها فصاحة عند بلوغها سن الرشاد، وصارت ندرة زمانها بين أهل الإنشاء والإنشاد، ولم تدع لولادة مقالا، ولم تترك للأخيلية مجالا، وقد أخنست الخنساء وأنستها صخر، وسارت في مضمار أدباء هذا العصر.
تعلمت العلم والدب في مصر القاهر على أساتذة أفاضل بين أبويها، وكان أكثر ميلها إلى علم النحو والعروض حتى بلغت في الشعر حدا لم يبلغه غيرها من نساء عصرها. ولدت سنة ١٢٥٦ هجري بمدينة القاهرة والدتها جركسية الأصل معتوقة والدها إسماعيل باشا تيمور، ولما انطوى بساط مهدها، وفرقت بين أبيها وجدها بادرت والدتها إلى تعليمها فن التطريز واستحضرت لها آلات التعليم، وكانت أفكارها غير متجهة لتلك بل جل مرغوبها تعلم القراءة والكتابة، وقد علم منها هذا الميل من ائتلافها مع كتاب والدها، وكلما كانت والدتها تمنعها عن الحضور مع الكتاب وتجبرها على تعلم التطريز تزداد هي نفورا من طلب والدتها.
ولما رأى والدها تلك المحاورات تفرس فيها النجابة وقال لوالتدها: دعيها فإن ميلها إلى القراءة أقر. وأحضر لها اثنين من الأساتذة: أحدهما: يدعى إبراهيم أفندي مؤنس كان يعلمها القرآن والخط والفقه. والثاني: يدعى خليل أفندي كان يعلمها علم الصرف واللغة الفارسية.
وبعدما تعلمت القرآن الشريف تاقت نفسها إلى مطالعة الكتب الأدبية - وأخصها الدواوين الشعرية - حتى تربت عندها ملكة التصورات لمعاني التشبيهات الغزلية وخلافها، ولما صارت قريحتها تجود بمعان مبتكرة لم يسبقها عليها غيرها رأى والدها أن يستحضر لها أساتذة عروضيين من النساء الأديبات، وقبل إتمام ذلك صار زواجها من السيد الشريف محمود بك الإسلامبولي ابن السيد عبد الله أفندي الإسلامكبولي كاتب ديوان همايوني بالأستانة سابقا، وذلك كان في سنة ١٢٧١ هجرية.
وهنالك اقتصرت عن المطالعة وإنشاد الأشعار والتفت إلى تدبير المنزل وما يلزم له وخصوصا حينما رزقت بالأولاد والبنات، وبقيت على ذلك حتى كبرت لها بنت كان اسمها توحيدة فألفت إليها زمام منزلها، وكان في تلك الفترة توفي والدها في سنة ١٢٨٩ هجرية، وزوجها في سنة ١٢٩٢ هجرية، وصارت حاكمة نفسها، فأحضرت لها اثنتين لهما إلمام بالنحو والعروض: إحداهما: تدعى فاطمة الأزهرية. والثانية: ستيتة الطبلاوية - وصارت تأخذ عليهما النحو والعروض حتى برعت وأتقنت بحوره وأحسنت الشعر، وصارت تنشد القصائد المطولة
стр. 289
والأزجل المتنوعة، والموشحات البديعة التي لم يسبقها أحد على معانيها ومن ذلك قد جمعت ثلاثة دواوين بالثلاث لغات: العربية، والتركية، والفارسية.
وقبل أن تشرع في طبعها توفيت كريمتها توحيدة وهي في سن الثامنة عشرة من عمرها فاستولى على الترجمة الحزن والأسف الشديد حيث أنها كانت مدبرة منزلها، ولم تحوجها لأحد سواها، وهناك تركت الشعر والعروض والعلوم وجعلت ديدنها الرثاء والعديد والنوح مدة سبع سنوات حتى أصابها رمد العيون، وهنالك كثرت لواحيها وعواذلها من أولادها وصويحباتها ونهوها لتقلع عما هي فيه، وأخيرا سمعت قول الناصحين وقللت شيئا فشيئا من البكاء والنوح حتى شفاها الله من مرض العيون فجمعت ما وجدته من أشعارها فوجدت بعضه والباقي تفرق مدة حزنها، فجاء منه ديوان بالتركي سمته (شكوفة) وهو تحت الطبع الآن بالأستانة العلية، وديوان عربي سمته (حلية الطراز) وقد طبع ونشر وكان له وقع عظيم في النفوس وقبول زائد عند أهل الدب، وبعد ذلك رأت نفسها أنها قادرة على التأليف فألفت كتابا سمته (نتائج الأحوال) فجاء غريبا في بابه وقد طبع ونشرا أيضا، ولما انتشرت مؤلفاتها - المذكورة - سارت في حديثها الركبان إلى أقصى العمران، وطار صيتها في الآفاق، ووردت إليها التقاريظ من كل جهبذ أديب، ولوذعي أريب.
وجميع ما ورد لها من التقاريظ مكتوب في مؤلفاتها - المذكورة - التي منها هذا التقريظ الآتي من السيدة وردة اليازجي الذي أبدعت فيه لرقة معانيه على ديوان حلية الطراز وهذا نصه:
(سيدتي ومولاتي، إنني قد تشرفت باطلاعي على حلية طرازكم التي تحلى بها جيد العصر، وأخجلت بسبك معانيها خنساء صخر، ألا وهي الدرة اليتيمة التي لم تأت فحول الشعراء بأحسن منها، وقصر نظم الدر عنها، وشنفت بحسن ألفاظها مسامعنا حتى غدا يحسدها السمع والبصر، وسارت في آفاقنا مسير الشمس والقمر، ولقد تطفلت مع اعترافي بالعجز والتقصير بتقريظ لها وجيز حقير، فكنت كمن يشهد للشمس بالضياء، أو بالسمو للقبة الزرقاء، راجية من لدنكم قبوله بالإغضاء، ولا زلتم للفضل منارا يسطع، وبين الأدباء في المقام الأرفع بمن الله وكرمه:
حبذا حلية الطراز أتت من ... مصر تزهو باللؤلؤ المنظوم
حلية لعقول لا حلية الو ... شي وكنز المنطوق والمفهوم
أنشأته كريمة من ذوات ال ... مجد والفخر فرع أصل كريم
شمس علم تأتي القصائد منها ... سائرات في الأفق سير النجوم
كل بيت بكل معنى بديع ... ما على السكر فيه من تحريم
قد أعاد الزمان عائشة ف ... يها فعاشت آثار علم قديم
هام قلبي على السماع وأمسى ... ذكرها لذتي وفيها نعيمي
هام قلبي على السماع وأمسى ... ذكرها لذتي وفيها نعيمي
هي فخر النساء بل وردة في ... جيد ذا العصر زينب بالعلوم
فأدام المولى لها كل عز ... ما بدا الصبح بعد ليل بهيم
ومن تقاريظ كتاب (نتائج الأحوال) التقريظ الآتي ذكره من السيدة وردة اليازجي أيضا وهو (سيدتي ومولاتي،
стр. 290
أعرض أنني بينما أنا ألهج بذكر ألطافكم السنية، وأتنسم شذا أنفاسكم العبقرية، وأترقب لقاء أثر من لدنكم يتعلل به الخاطر، ويكتحل بإثمد مداده الناظر، وصلتني مشرفتكم الكريمة، وفريدة عقد وردكم اليتيمة، فجلت عن العين أقذاءها، وردت إلى النفس صفاءها، فتناولها بالقلب لا بالبنان، وتصفحت ما في طيها من سحر البيان. فقلت:
هذا الكتاب الذي هام الفؤاد به ... يا ليتني قلم في كف كاتبه
لعمري إنه كتاب حوى بدائع المنثور والمنظوم، وتحلى من درر الفصاحة فأخجلت لديه دراري النجوم، وقد تطفلت على مقامكم العالي بهذا الجواب ناطقا بتقصيري، وضمنته من مدح سجاياكم الغراء وما يشفع لدى مكارمكم في قبول معاذيري، لا زلتم للفضل معدنا وذخرا وللأدب كنزا وفخرا:
أتت فشفت بطيب الوصل قلبي ... فتاة تيمت قلبي المحب
بديعة منظر سلبت فؤادي ... ومن لي أن أطالبها بسلبي
جلت وجها كبدر التم لكن ... يلوح من الغدائر تحت حجب
لها وشم كخط السحر وافى ... لديه الخال بالتنقيط يسبي
فصيحة منطق ناغت بلفظ ... كسلسال من الصهباء عذب
أتت تروي لنا عن لطف ذات ... غدت باللطف تسبي كل لب
وقد أهدت تحيات تحاكي ... شذا النسمات عاطرة المهب
رسول للولاء دعت فؤادي ... فبادر عند دعوتها يلبي
ولاء كريمة من خير قوم ... سموا شرفا على عجم وعرب
سراة شاع ذكرهم فأمسى ... مناط المدح فيشرق وغرب
لقد ورثوا المعالي من قديم ... وصانوها بشفرة كل غضب
هم النجب الأولى كرموا وطابوا ... ولم يلدوا كذلك غير نجب
وحسبك منهم خود تبدت ... بهذا العصر تخجل كل ندب
فتاة زينب جيد المعالي ... بدر من حلي الآداب رطب
أهيم بها على بعد وماذا ... على الأقدار إن سمحت بقرب
على مصر السلام وساكنيها ... وما في مصر من ماء وترب
على ربع به قلبي مقيم ... ومن لي أن أقيم مكان قلبي
ألا يا من سمت فيكل فضل ... ونالت كل خلق مستحب
ومن فاضت مكارمها فأحيت ... لدي من القريحة كل جدب
لقد أوليتني كرما وجودا ... بمدح من صفاتك جاء ينبي
ثاء لست منه غير أني ... به فاخرت أترابي وصحبي
ورب مؤلف كالروض أجرت ... عليه سما البلاغة أي سحب
تهادت فيه أبكار المعاني ... تجر من الفصاحة ذيل عجب
لقد طابت فكاهته وأهدى ... لأسقام القرائح خير طب
стр. 291
جلا الحكم التي كانت منارا ... لكل بصيرة في كل خطب
رأيت نتائج الأحوال فيه ... ممثلة تلوح بغير نقب
لتميورية العصر المحلى ... بما نسجت يداها كل حقب
أديبة معشر شرفت أصولا ... وسارت بين أقلام وكتب
حوت قصب السباق بكل فن ... وراضت في المعاني كل صعب
ودونك غادة عذراء وافت ... بمهجة شيق للقاك صب
وأني لو قدرت جعلت ذاتي ... بها سطرا ينادي الركب سربي
تقر بعجز من نظمت حلاها ... وتلتمس القبول وذاك حسبي)
ومن إنشاء المترجمة نثرا ما قالته مرة، ونشر في جريدة الآداب يوم السبت الموافق ٩ جمادى الثانية سنة ١٣٠٦ هجرية تحت عنوان (صعر المعارف) وهي:
لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات
(إني وإن كنت لست أهلا لمجال المقال في هذا المضمار ومعترفة بقصر اليد عن قبض زمام المنال لاعتكافي بخيمة الإزار، لكني أرى من خلال أطرافه أن مناهج التربية ظرف الكنوز وبحدود مسالك التأديب مفاتيح كل جوهر مكنوز، فالواجب على كل ذي نفس كريمة أن يميل كل الميل إلى تلك السبل الفخيمة ويحث كل عزيز له أن يرتع في مراتعها القويمة ليحظى بتلك الجواهر اليتيمة مع أني أرى الهيئة الشرقية لا تنظر إلا ما هو أمامها من الصالح فتحض به نفسها، ولو التفت إلى ما بعد يومها وتفقدته لعضت أنامل الندم على ما فرطت ووجدت بالالتفات إلى حكم بارئ النسمات، وموجد المخلوقات، وهي المصانع البديعة الربانية، والمباني الأصيلة الطبيعية صيرورة مدار عمران هذا العالم على الزوجين ولو أمكن الانفراد لخص عالم الأسرار أحدهما دون الآخر وهو الأفضل ولم يفقره إلى ما هو دونه، فكان التأمل في هيولى هذا الكون موجبا على الهيئة الرجولية العناية بتأديب البنات وتهذيب العائلات، لأن ثمرة الؤدد راجعة إليها، فلربما إنه قعد أمر الرجل فأدهشه، فلمته الزوجة بأطراف بناتها الرقيقة وأخمدت جذوة ولوعه بتدابيرها الدقيقة، وهو مع ذلك يجتهد في أن يكتم فضلها بين أفراد الهيئة ويحذر من إعلانه خشية أن يقال: هي ذات معلومية، فيكدر عيشه الصافي وهذا بخلاف الدولة الغربية فالأسف ثم الأسف على هيئة لم تمض فحصها في هذا النسق البديع ولم تجهد نفسها في البحث على هذا الشرف الرفيع، والعجب ثم العجب على مدينة تشغف بتزيين فتياتها بحلي مستعار، وتستعين على إظهار جمالهن بزخرف المعادن والأحجار، وتتخيل أنها زادتهن بسطة في الحسن والدلال، والحال أنها ألقت تلك الأحداث في أخدود الوبال، لأنه لم يعد عليهن من تلك المستعارات إلا العجب والغرور المؤدي بهن إلى ساحة المباهاة والفجور، وذلك لكف بصيرتهن عن الإدراك وعدم علمهن بنتائج الأحوال، وعواقب الأمور.
قد زينت بالدر غرة جبهة ... وتوشحت بخمار جل أسود
وتطوقت بالعقد تبهج جيدها ... والجهل يطمس كل فضل أمجد
стр. 292
فلو اجتهدت الهيئة الرجلية في حسن سلوكهن بالتربية، وجذبتهن بشواهد المدينة إلى طرف الإطلاع لتتوجت تلك الغانيات من تلقائها بيواقيت المعلومية، وتقلدت بلآلئ التفقه، وكلما شبت ألفت خطواتها في طرق الإدراك، وأدركت مزية حليها الأصيل فزادته جلاء، وفطنت بغلاء قيمته فأوقرته بهاء وسناء، واستغنت بلمعة شرفه عن أرفع جوهر قماش، ولو كان ملبسها ثوبا من الشاش:
إن العلوم لأصل الفخر جوهرة ... يسمو بها قدر الوضيع ويشرف
فوجودها في درج مهجة فاضل ... من حازها بين الآنام مشرف
فأستوهبكم العفو يا أربا العقول عما سأقول: نحن معاشر المخدرات أدرى منكم بنشأة الأطفال من بنين وبنات، إذ من المعلوم أن الطفل حيثما صار على كف القابلة بادر أولا بالبكاء، ثم هجع برهة لفتوره مما لاقاه من التعب لاسيما إطلاق صوته في الصياح الذي لم يكن سبق له، ثم ينتبه محركا جيده يمينا وشمالا فاتحا فاه لطلب الغذاء، فترضعه أمه، فينام على أثر الشبع، فترى منه بسيمات خفيفة في أثناء نومه، وهذا دليل على أن دنيانا دار هم، ومحل أحزان وغم كثيرة الجفاء قليلة الصفاء، فإذا أخذ الطفل في النمو وبلغ خمسة أشهر كانت أول فطنته معرفة أمه ثم أبيه، وتناول الشيء حيث هو منها لإيصاله إلى فيه، فلكم التأمل في مبنى هذه الإشارة الخفيفة والعبارة اللطيفة، ثم كلما اشتدت أعصابه وقويت أعضاؤه علا صياحه فتبادره الوالدة بألحان معدة إليه فيصغي لسماع تلك الألحان. وإذا ضاق صدره من ألم عالجته بكل حنان، وحملته ودارت به من مكان إلى مكان فيفرج كربه ويتلطف ألمه، وهو يظن ذلك التلطف والتسكين بقدرتها وتبيت في قلق وضنك من الشفقة عليه فإذا عوفي أتى إليه الوالد بما يبهجه وتقر به عينه حسب قدرته، فإذا كبر وترعرع وطمحت نفسه للشراسة الطفلية اخترعت له أمه ما يليه عن ذلك وخوفته بمخترعات الأسماء منها ما يتخيل به إرهابا، وإذا صاح ذكرته به، وإذا تشيطن نادت به إليه فيسكت الطفل وتارة تذكر له أباه وتوجس به منه شرا فتوقع في قلبه من جهته الرعب فيستعظم قدرته ويكبره في عينه، ويجعل هيبته إنسان قلبه ومركز ذاته.
فيا ليت شعري ماذا يكون من أمر هذه الفقيرة إلى العلوم وهي خاوية الوفاض عما تستحقه إن في ذلك لحكما:
إن المصابيح إن أفعمتها دسما، ... أهدت لوامعها في كل مقتبس
وإن خلا زيتها جفت فتائلها ... أين الضياء لخيط غير منغمس
وكيف تحسن الشفقة الوالدية بإساءة المشفق عليه، فلو عنيت رجالنا معاشر الشرقيين بتربية بناتهم وأجمعت على تلقين العلوم لهن بمقدار شفقتهم لنالت أرفع مجد، وأهنأ جد، ولعوضت تلك الفتيات عن ذلك القلق براحة العرفان، وأوسعت بسواعد معلوميتهن مضيق السلوك إلى ساحة الإذعان، وقامت بواجبات التدبير وهمت بوقاية أساس حليتها من التدمير لأن تخرب الدور بعد انقطاع أهلها طبيعي والطبيعي ليس بضار إنما هدم سقف الشرف بصرصر الجهل مع وجود الديار هو العار بل النار ومن المستغربات أن يفرط الغارس في تمهيد الأصل، ويأسف على اعوجاج الفرع، هو المؤدي به، فلو أروت الرجال غرائسها من قرارة المعرفة والعرفان لا تكأت في ثقل الأحمال على قويم تلك الأفنان، وصعدت بمساعدتهن أعلى الدرج، وتمسكت بأقوى الحجج.
ولكن تعالت هيئتنا هذه في التنمق عن التهذيب بحجة أوهى من بيت العنكبوت وهي أنهن إذا تعلمن الكتابة يعلقن بالهوى ومغازلة السوى بالجوى، وبادرن
стр. 293
بالمراسلات ألم يطرق مسامعهم روايات الأميين، وأحاديث الجاهليين. فيا رجال أوطاننا وملاك زمام شأننا لم تركتموهن سدى، وذهلتم عن مزايا التأمل في (ما تفعل اليوم ستلقاه غدا) فمن أكم بخلتم عن أن تمدوهن بزينة الإنسانية الحقيقية، ورضيتم بتجردهن عن حليتها البهية، وهن بين أنامل سطوتكم أطوع من قلم، وخضوعهن لسلطتكم أشهر من نار على علم، فعلام ترفعون أكف الحيرة عند الحاجة كالضال المعنى، وقد سخرتم بأمرهن وازدريتم باشتراكهن معكم في الأعمال واستحسنتم انفرادكم في كل معنى فانظروا عائد اللوم على من يعود.
وإني أروم إظهار مقالي هذا ولكني لم أر ساعدا يكون لي مساعدا حتى منحنى المراد مفتاح درج ما كنه الفؤاد، وهي رسالة إحدى السيدات التي ترى تربية البنات من الوجبات، فيا لها من سيدة جلت بلوامع انتباهها في الليلة الليلاء سرجا، ورقت بقوة إدراكها في هذا السبق درجا، وانشقت أذهان السامعين من زهر فطنتها أرجا، وكحلت بإثمد نصحها عيون الناظرين فأحيت بصيره، وأدارت أسنة اللوم عنهن لأنها بقدرهن خبيرة فحق لي أن أهنئ المخدرات بفضل تلك المشارة التي شنفت مسامع الأيقاظ بهذه الإشارة هذا وإني أرى أنجم مصابيحها الغراء تنور بين أيدي الفضلاء، وتهدي أن يميل كل دان بالالتفات إلى ذلك الثناء المشهود، وتشغف كل مبصر منه يوصله إلى سبيل المقصود، والسلام على من اتبع الهدى) .
ومن مراسلاتها إلى السيدة وردة - كريمة الشيخ ناصيف اليازجي - ردا على خطاب ورد للمترجمة منها وهو: (بسم الله أقول، وعزة مآثر البراعة، وعذوبة مذاق مزايا البلاغة، إني لأغبط كتابي لدى لقاء من أؤدي إليه جوابي فلو تطاوعني الإرادة لقرنت عين الإنسان بكل عين من حروفه، وصيرت نفس مرآة العيان قرطي مظروفه، أو قبل الشمل هديا لجعلت قربانه أبعد، أو رام أعظم رشوة وهبت إليه وجدا لم أجد له حد، وذلك عندما أقبل كتابكم من سماء المعاني بعبقري الخطاب، ونقشت رقة أرقام زبدة معانيه على صحاف الصدر، فنطق الجنان قبل اللسان بالترحاب، فلله در كتاب ما نطقت ولادة إلا بحروف هجايته، وما تغزل قيس إلا بألفاظ كادت تداني براعة بدايته، قد أسس بشير يراعه بخلاصة تأثير مآله حديقة الحق بالود وسقى عطير مداده غرائس صدق تفتر عن كل غرام ووجد، وقد عن لي أن أتتوج بتلك الحلية التي توسطت في فتح باب يانعة الوداد وأنالتني نشيق تفاحات وردت هي لانتعاش الروح عين المراد فأملي أن لا تبخلي علي بتلك العاطرة ما هب الصبا، كما انك لا تبرحين من بالي ما لاح كوكب، لا زال سنا عرفانك لائحاً بتيجان الربا وذكاء بهائك يبدي سلام من حملها حبكم وصبا) .
ومن مراسلاتها للسيدة وردة المذكورة أيضا: (استهل براعة سلام حمل الشوق رسالته وتقلد الشفق ما نشقت ناشقة عرف الوداد كفالته، ولو رضيت المجال في صدق المقال لنطق بخالص الوفاء مداد حروفه، وأقام بأداء التحية العاطرة قبل فض ختام مظروفه ولعمري قد توجته أزاهر الثناء بلآلئ غراء، وكالمنه زواهر الوفاء من خالص الوداد إلى حضرة من لا تزال تستروح الأسماع بنسيم أنبائها صباحا ومساء، وتشوق الأرواح إلى استطلاع بدر إنسانها الكامل أطرافا وإناء، ومما زادني شوقا إلى شوق حتى لقد شب فيه طفل الشفق عن الطوق اجتلائي حديقة الورد القدسية ونافجة الدب المسكية، فيا لها من حديقة رمقتها أحداق الأذهان فاقتبست نورا ونوار، وانتشقتها مسام
стр. 294
الآذان فثلمت طربا وسرورا.
ومنذ سرحت في أرجاء تلك اليانعة إنسان العيون، وشرحت بأفكار البصيرة أسرار ذلك الدر المصون لم أزل بين طرب أتوشح بوشاحه، وأدب أتعجب من حسن اختتامه وافتتاحه وجعلت أغازل من نرجس تلك الروضة عيونا ملكت مني الحواس وأهصر من غصون ألفاتها كل ممشوق أهيف مياس، وأتأدب في حضرة وردها خوفا من شوكة سلطانه، وإن حياتي بجميل الالتفات ضاحكة عن نفيس جمانه، وإذا بالياسمين الغض قد ألقى نفسه على الثرى ونادى بلسان الإفصاح هل لهذه النضرة نظيرة يا ترى، فأشار المنثور بكفة الخضيب أن لا نظير لتلك الغادة، ونطق الزنبق بلسان البيان لا تكتموا الشهادة، فعند ذلك صفق الطير بأكف الأجنحة وبشر وجرى الماء لإذاعة نبأ السرور، فعثر بذيل النسيم وتكسر، وتمايلت أغصانها المورقة، لسماع هذا الحديث، وأخذت نسماتها العاطرة في السير الحثيث إذاعة لتلك البشائر في العشائر ونشرا لهذا الفضائل التي سارت مسير المثل السائر، فقلت بلسان الصادق الأمين بعد تحقق هذا النبأ اليقين هكذا هكذا تكون الحديقة وإلا وكذلك لتكتب الفضائل وتملي:
وحدثتني يا سعد عنهم فزدتني ... غراما فزدني من حديثك يا سعد
فتحمل عني أيها الصديق تحية إلى ربة هاتيك الحديقة واشرح لديها حديث شغفي بفضلها الباهر على الحقيقة، واعتذر عن كتابي هذا فقد جاء يمشي على استحياء، وكلما حرضه الشوق على القدوم يبطئه الحياء وكيف وقد حل في منبع الفضائل والمقام الذي لم يدع مقالا لقائل، كأني إنما أهدى الثمر إلى هجر وأمنح البحر الخضم بالمطر أدام الله معالي تلك الحضرة وزادها في كل حال بهجة ونضرة ما لاح جبين هلال وبلغ غاية الكمال) . ومن شعرها البديع قولها:
بيد العفاف أصون عز حجابي ... وبعصمتي أسمو على أترابي
وبفكرة وقادة وقريحة ... نقادة قد كملت آدابي
ولقد نظمت الشعر سيمة معشر ... قبلي ذوات الخدر والأحساب
ما قتله إلا فكاهة ناطق ... يهوي بلاغة منطق وكتاب
فبنية المهدي وليلى قدوتي ... وبفطنتي أعطيت فصل خطابي
لله در كواعب نسبوا لها ... نسج العلا لعوانس وكعاب
وخصصن بالدر الثمين وهامت ال ... خنساء في صخر وجوب صعاب
فجعلت مرآتي جبين دفاتر ... وجعلت من نقش المداد خضابي
كم زخرفت وجنات طرسي أنملي ... بعذار خط أواهب شبابي
ولكم أضا شمع الذكا وتضوعت ... بعبير قولي روضة الأحباب
منطقت ربات البها بمناطق ... يغبطنها في حضرتي وغيابي
وحللت في نادي الشعور ذوائبا ... عرفت شعائرها ذوو الأنساب
عوذت من فكري فنون بلاغتي ... بتميمة غرا وحرز حجاب
ما ضرني أدبي وحسن تعلمي ... إلا بكوني زهرة الأباب
ما سائني خدري وعقد عصابتي ... وطراز ثوبي واعتزاز رحاب
стр. 295
ي
ما عاقني خجلي عن العليا ولا ... سدل الخمار بلمتي ونقابي
عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت ... صعب السباق مطامح الركاب
بل صولتي في راحتي وتفرسي ... في حسن ما أسعى لخير مآب
ناهيك من سر مصون كنهه ... شاعت غرابته لدى ا؟ لأغراب
كالمسك مختوم بدرج خزائن ... ويصوغ طيب طيبه بملاب
أو كالبحار حوت جواهر لؤلؤ ... عن مسها شلت يد الطلاب
در لشوق نوالها ومنالها ... كم كابد الغواص فعل عذاب
والعنبر المشهور وافق صونها ... وشؤنه تتلى بكل كتاب
فأنرت مصباح البارعة وهي لي ... منح الإله مواهب الوهاب
وقولها وقد توسلت بالمقام النبوي ﷺ :
أعن وميض سري في حندس الظلم ... أم نسمة هاجت الأشواق من أضم
فجدد إلى عهد بالغرام مضى ... وشاقني نحو أحبابي بذي سلم
دعا فؤادي من بعد السلو إلى ... من كنت أعهد في قلبي من القدم
وهاجني لحبيب عشق منظره ... يمحو ويثبت ما يهواه من عدمي
يمحو سلوي كما يمحو إساءته ... حبي له فعذابي فيه كالنعم
رام الوشاة سلوي عن محبته ... ولم أوف لهم عذلا ولم أرم
كيف استنار الجوى يا من تملكني ... وشاهد العشق في العشاق كالعلم
فيا له معرضا عني ومعترضا ... بين الفراغ وقلبي فهو متهمي
حسبي من الحب ما أفضى إلى تلفي ... وما لقيت من الآلام والسقم
إني رددت عناني عن غوايته ... وقلت يا نفس خلي باعث الندم
ولذت بالمصطفى رب الشفاعة إذ ... يدعو المنادي فتحيا الناس من رمم
طه الذي قد كسى إشراق بعثته ... وجه الوجود سناء الرشد والكرم
طه الذي كللت أنوار سنته ... تيجان أمته فضلا على الأمم
نعم الحبيب الذي من الرقيب به ... وهو القريب لراجي المجد والنعم
روحي الفداء ومن لي أن أكون له ... هذا الفداء وموجودي كمنعدم
وما هي الروح حتى أفتديته بها ... وهي البقاء بقاء الظلم والظلم
والعمر أوفت ثقال الوزر لمحته ... وبددته صروف الدهر بالتهم
أين الرشاد الذي أعددته لغد ... غويت عنه فزلت بالهوى قدمي
من لي بأطلال بان عز منظرها ... تسقي بطل من الآماق منسجم
تحط أثقال وزر لا تقوم بها ... شم الرواسي من راس ومنهدم
كم بنبع زلل قد فاض من يده ... أروى الأوام وأسقى منه كل ظم
стр. 296
والجذع أن له من بعده جزعا ... لما نأى عنه مولى العرب والعجم
لانت له الصخرة الصماء طائعة ... مذ مسها سيد الكونين القدم
فيا لها معجزات ما لها عدد ... أقلها ما بدا نار على علم
ولا يحيط به مدحي ولو جعلت ... جوارحي ألسنا ينطقن بالحكم
وإنما أرتجي من مدحه قبسا ... يهذي الصراط ويشفي الروح من ألم
وكيف لي باتعاظ النفس آمرتي ... بالسوء ناهيتي عن مورد النعم
فما التماسي عن خير يقربني ... إلى النعيم ولا نسقي بمنتظم
لكن لي أسوة أشفي بها وصبي ... حسن ارتباطي بحبل غير منفصم
ومنة الله دين وصفه قيم ... لحجني أن أخف يوم للقا يقم
وما سوى فوز كوني بعض أمته ... ذخرا أفوز به من زلة الوصم
إلا التماسي عفواف بالشفاعة لي ... من خاتم الرسل خير الخلق كلهم
مددت كف الرجا أرجو مراحمه ... وقد حللت به في شهره الحرم
محمد المصطفى مشكاة رحمتنا ... مصباح حجتنا في بعثة الأمم
يا من به أفتدي يوم الزحام إذا ... أبديت ناصية مفجومة الوسم
أقول حين أوافي الحشر في خجل ... إن الكبائر أنست ذكرة اللمم
يا خير من أرتجي إن لك تكن مددي ... وأزلتي يوم وضع القسط والدمي
فأشفع بحب الذي أنت الحبيب له ... لولاك ما أبرز الدنيا من العدم
عليك أزكى صلاة الله ما افتتحت ... أدوار دهر وما ولت بمختتم.
وقولها غزلا:
منثور حسنك في الحشا سطرته ... ورقيم خطك طالما كررته
سطر العذار تلوته فوجدته ... يومي لسفك دمي وقد سلمته
وقولها في الخمريات:
لاح الصبوح وبهجة الأوقات ... فاشرب وعاطي الصب بالكاسات
واجلب براحك للقلوب تروحا ... فالراح تبدع نشأة اللذات
وانهض فديتك فالزمان مراقبي ... فالحظ لي في كل يوم آتي
ودع الوشاة وما تقول عواذلي ... فالعين عيني والصفات صفاتي
ودعني ومالي في الفؤاد بحبها ... لما صبا بشقائق الوجنات
لا غرو أن كان الرشيق يديرها ... في معهد الغزلان والبانات
فانا الأسير بظل روض كرومها ... ولو أن في عتقي هني حياتي
وأنا الشهيد بحب ذوق عصيرها ... إن كان في حب الكؤوس مماتي
جهل العواذل ما تريد بشربها ... نفسي وما تلقى من السكرات
تسليني عن جفوة أم صبوة ... لفؤادي المضنى من الحسرات
стр. 297
شتان بين ظنونهم وسرائري ... والله يعلم منتهى غاياتي
كما باتت الأحداق يسقى طلها ... روض الجوى وحدائق اللوعات
يا عاذلي كف الملام فإنني ... صلب بدت بين الورى آياتي
قل ما تشاء فإن قولك مطربي ... وحديث من أهوى دوا علاتي
إن شئت لمني أو فهدد وانته ... فأليم لومك في الهوى لذاتي
لعبت بي الأشجان حتى إنني ... لم أدر من أهوى ومن هو ذاتي
ورسا بي الشوق الخؤن لمعهد ... أهو العلى أم غرفة الجنات
وقلوها تهنئة بمولود:
تجلى النور في أفق المعالي ... وحل البدر في أوج الكمال
وأزهرت الكواكب مسفرات ... عن البشرى كإشراق الليالي
وأبدى الدهر مولودا زكيا ... تلوح عليه آيات الجلال
عطاره بلائحة التهاني ... أتى الأعتاب والإقبال عالي
فألبسنا من الأفراح تاجا ... وكلله بأنواع اللآلي
فطب صدرا وقر به عيونا ... ودم فرحا بهاتيك الخلال
فمشكاة السعود لديك تنمو ... وعباس علي النضر غالي
مخايله الشريفة معلنات ... بأن سيكون في أبهى الخصال
ويقفوا الشبل في وصف أباه ... كما يقفوا الرشا أثر الغزال
وقال مشطرة لهذين البيتين:
وليلى ما كفاها الهجر حتى ... أطالت في دجى ليلي أنيني
وكل تجلدي بالصبر لما ... أباحت في الهوى عرضي وديني
فقلت لها ارحمي الأمي قالت ... كذا خط اليراع على الجبين
فدع قلق الصغار وكن صبورا ... وهل في الحب يا أمي ارحمي
وقالت في تشطيرهما أيضا:
وليلى ما كفاها الهجر حتى ... أذاعت بعد كتمان شجوني
وحين تبينت آيات وجدي ... أباحت في الهوى عرضي وديني
فقلت لها ارحمي الأمي قالت ... جننت وفي الهوى بعض الجنون
وهبني كنت أمك كيف أحنو ... وهل في الحب يا أمي ارحميني
стр. 298
وقالت مخمسة للبيتين المذكورين:
إليك معنقي يكفيك إفتا ... جهلت صبابتي أم هل عرفتا
فلا أقوى عليك وأنت أنتا ... وليلى ما كفاها الهجر حتى
أباحت في الهوى عرضي ودين
بروض جمالها أمت وقالت ... وإن عثر المتيم ما أقالت
وكم صدت في هجري أطالت ... فقلت لها ارحمي الأمي قالت
وهل في الحب يا أمي ارحميني
وقالت تهنئ الخديوي السابق:
كللت تاج البدر قربا بالشرف ... مذ حل في مصر ركابك وانعطف
طربت بمقدمك السني وعطفه ... مصر السعيدة والسرور بها هتف
لما عزمت عزمت يصحبك الثنا ... والعود جدد بالهنا ما قد سلف
وتزينت بكر الحبور وأصبحت ... مجلوة بين الرفاهة والترف
وتجملت مصر بما جاء الهنا ... ورخيم مطربها على عود عكف
وبك الأماني قد تبسم ثغرها ... والصفو مال بقده حسن الهيف
وتراقصت مهج النفوس لبشرها ... كبلابل غردن في روض أنف
أضحى يقول بسعد بابك نيلها ... أقل سرت الدنيا ومن فيها شغف
رقمت جمال بها قدومك عصمة ... بمداد تحرير سناه شفي وشف
وبمعجم في معرب قد أرخت ... كللمت تاج البدر قربا بالشرف
وقالت ترثي ابنتها:
إن سال من غرب العيون بحور ... فالدر باغ والزمان غدور
فلكل عين حق مدرار الدما ... ولكل قلب لوعة وبثور
ستر السنا وتحجبت شمس الضحى ... وتنقبت بعد الشريف بدور
ومضى الذي أهوى وجرعني الأسى ... وغدت بقلبي جذوة وسعير
يا ليته لما نوى عهد النوى ... وافى العيون من الظلام نذير
ناهيك ما فعلت بماء حشاشتي ... نار لها بين بين الضلوع زفير
لوثب حزني في الورى لم يلتفت ... لمصاب قيس والمصاب كثير
طافت بشهر الصوم كاسات الردى ... سحرا وأكواب الدموع تدور
فتناولت منها ابنتي فتغيرت ... جنات خد شانها التغيير
فذوت أزاهير الحياة بروضها ... والقد منها مائس ونضير
لبست ثياب السقم في حفر وقد ... ذاقت شراب الموت وهو مرير
جاء الطبيب ضحى وبشر بالشفا ... إن الطبيب بطبعه مغرور
стр. 299
وصف التجرع وهو يزعم أنه ... بالبرء من كل السقام بشير
فتنفست للحزن قائلة له ... عجل ببرئي حيث أنت خبير
وارحم شبابي إن والدتي عدت ... ثكلى يشير لها الجوى وتشير
وارأف بها قد حرمت طيب الكرى ... تشكو السهاد وفي الجوف فتور
لما رأت يأس الطبيب وعجزه ... قالت ودمع المقلتين غزير
أماه قد كل الطبيب وفاتني ... مما أؤمل في الحياة نصير
لو جاء عراف اليمامة يبتغي ... برئي لرد الطرف وهو حسير
يا روع روحي حلها نزع الضنى ... عما قليل ورقها ستطير
أماه قد عز القاء وفي غد ... سترين نعشي كالعروس يسير
وسينتهي المسعى إلى اللحد الذي ... هو منزلي وله الجموع تصير
قولي لرب اللحد رفقا بابنتي ... جاءت عروسا ساقها التقدير
وتجلدي بإزاء لحدي برهة ... فتراك روح راعها المقدور
أماه قد سلفت لنا أمنية ... يا حسنها لو سافها التيسير
كانت كأحلام مضت وتخلفت ... مذ بان يوم البين وهو عسير
عودي إلى ربع خلا ومآثر ... قد خلفت عني لها تأثير
صوني جهاز العرس تذكارا فلي ... قد كان منه إلى الزفاف سرور
جرت مصائب فرقتي لك بعد إذ ... لبس السواد ونفذ المسطور
والقبر صار بغصن قدي روضة ... ريحانها عند المزار زهور
أماه لا تنسي بحق بنوتي ... قبري لئلا يحزن المقبور
ورجاء عفو أو تلاوة منزل ... فسواك من لي بالحنين يزور
فلعلما أحظى برحمة خالق ... هو راحم بر بنا وغفور
فجبتها والدمع يحبس منطقي ... والدهر من بعد الجوار يجور
بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي ... قد زال صفو شأنه التكدير
لا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها ... حزن عليك وحشرة وزفير
قسما بغض نواظر وتلهفي ... مذ غاب إنسان وفارق نور
وقبلتي ثغرا تقضي نحبه ... فحرمت طيب شذاه وهو هطير
والله لا أسلو التلاوة والدعا ... ما غردت فوق الغصون طيور
كلا ولا أنسى زغير توجعني ... والقد منك لدى الثرى مدثور
إني ألفت الحزن حتى إنني ... لو غاب عني ساءني التأخير
قد كنت لا أرضى التباعد برهة ... كيف التصبر والبعاد دهور
أبكيك حتى نلتقي في جنة ... برياض خلد زينتها الحور
إن قيل عائشة أقول لقد فني ... عيشي وصبري والإله خبير
стр. 300
ولهي على توحيدة الحسن التي قد غاب بدر جمالها المستور
قلبي وجفني واللسان وخالقي ... راض وباك شاكر وغفور
متعت بالرضوان في خلد الرضا ... ما زينت لك غرفة وقصور
وسمعت قول الحق للقوم ادخلوا ... دار السلام فسعيكم مشكور
هذا النعيم به الأحبة نلتقي ... لا عيش إلا عيشه المبرور
ولك الهناء فصدق تاريخي بدا ... توحيدة زفت ومعها الحور
وقولها غزلا:
ملك الفؤاد وقد هجر ... بدر المحاسن مذ ظهر
عذب الرضاب مهفهف ... يسبي المتيم بالحور
ما حيلتي في حبه ... ألا الخضوع لما أمر
من منجدي وجفونه ... منها المحب على خطر
وا حيرتي في حبه ... وا طول شجوي بالخفر
أشكو الغرام ويشتكي ... جفن تعذب بالسهر
يا قلب حسبك ما جرى ... أحرقت جسمي بالشرر
رام الحبيب لك الضنى ... لم ذا وأنت له مقر
لكن تعذيب الهوى ... ما للشجي منه مفر
قابلته متثنيا ... ناهيك من غصن خطر
واتيته متبسما ... كالبدر لما أن سفر
يا بدر حكمك الهوى ... فاحكم ونفذ ما أمر
ألق الوشاح وخلني ... أصلى سعيرا في سقر
وعن العذار فلا تسل ... ولنت أولى من عذر
ودع الظلام على الضيا ... واستر بطرتك اغرر
سامت بها الثغر الذي ... يفتر عن غالي الدرر
واصدع بحسنك وافتخر ... تيها بجيدك والطرر
فالشمس تخجل عندما ... تبدو ويستحي القمر
وقولها غزلا أيضا:
ملك الفؤاد وقد رشى ... بدر تكنى بالرشا
عذب الرضاب مهفهف ... يسبي الشجي إذا مشى
ما حيلتي في حبه ... إلا سعير في الحشا
وقالت مخمسة:
وعذري الهوى العذري وهو يمين ... به مقسم التبريح ليس يمين
لأفتكمن ضرب الصفاح تبين ... عيون عن السحر المبين تبين
يسالمها المشتاق وهي تخون
стр. 301
عجبت لها تنسى وقلبي حافظ ... وإنسانها ينسى النهى وهو واعظ
وأعجب من ذا الفتك وهي لواحظ ... مراض صحاح ناعسات يواقظ
لها عند تحريك الجفون سكون
فآهالها مرضي على شدة القوى ... وهاروت عن أجفانها السحر قد روى
ولا ذنب للولهان في لوعة الجوى ... إذا إبصرت قلبا خليا من الهوى
وأومت بلطف حل فيه فتون
يقاد لها طوعا أسريرا وطالما ... أضاعت بوادي التيه صبا ومغرما
وكم فوقت سهما وكم سفكت دما ... وما جردت من مرهفات وإنما
تقول له كن مغرما فيكون
وقولها في صدر جواب:
سلام قد حوى منظوم در ... سلوا عنه الرسالة حين عنت
ولو رامت تعبر عن ضمير ... وما لاقى بكم قلبي لغنت
وقالت استغاثة:
أين الطريق لأبواب الفتوحات ... أين السبيل إلى نيل العنايات
أين الدليل الذي أرجو الرشاد به ... إلى سبيل المعالي والهدايات
أين السلوك الذي أسرار لمحته ... مصباح نور لمشكاة المناجاة
أين الخلوص الذي آثاره سبقت ... يوم الرحيل إلى دار السعادات
كيف الخلاص وأحداث الشقا وطني ... وقد رمتني بها أيدي الشقاوات
كيف المسير إلى أرض المنى وأنا ... بطاعة النفس في قيد الضلالات
كيف العدول بقصد السبل عن عوج ... أمضي بسعي إلى دار الندامات
كيف الرحيل بلا زاد وراحلة ... تحث سير لأرض الاستقامات
ولي حقائب بالأوزار مثقلة ... وعيس كدحي كلت عن مراداتي
فيا أولي الحزم حلوا عقد مشكلتي ... وكيف أبلغ أقطار السلامات
عتبت نفس على ما ضاع من عمري ... في ملهيات وغفلات وزلات
فخالفت مقصدي جهلا وما اتعظت ... ولمحة العمر ولت في الخسارات
فلو بكت مقلتي للحشر ما غسلت ... ذنوب يوم تقضي في الجهالات
ولو تبدد قلبي حسرة وأسى ... على الذي مر من تفريط أوقاتي
لم يجد لي غير دق الكف من ندم ... على عظيم إساءاتي وغفلاتي
إن طال خوفي فقد أحيا الرجا أملي ... في غافر الذنب خلاق السموات
فاز المخفون واستن التقاة إلى ... دار السلام وفردوس الكرامات
وكان شغلي خضوعي زلتي أسفي ... ووضع خدي على أرض المذلات
وطوع أمارتي بالسوء قيدني ... عن الوصول لغايات الكمالات
стр. 302
فلم يسعني بأثقال الذنوب سوى ... ساحات غفران علام الخفيات
وقولها:
مرارة الصبر خصت بالحلاوات ... وجدت في مرها حلوى السلامات
صيانتي في كهوف الصبر أنفع لي ... من حصن كسرى ومن أعماق أغمات
كم بات دهري يريني نهج تربيتي ... فينئني بقبولي وامتثالاتي
وما احتجابي عن عيب أتيت به ... وإنما الصون من شأني وغاياتي
وكلما شب دهري في معاندتي ... لم يلق مني له إلا الإطاعات
وكلما آدني ظلما بمثقلة ... عدلت سيري كما يرضى بمرضاتي
كم قابلتني ليال ريحها سعر ... بطيئة السير ترمي بالشرارات
لاقيتها بجميل الصبر من جلدي ... وبت أسقي الثرى من غيث عبراتي
كم أقعدتني أيام بصدمتها ... وقمت بالعزم مشهور العنايات
وكم حليفة سعد إذ تعنفني ... تقول سعيك مذموم النهايات
فأخفض الطرف من حزن أكابده ... وأهمل الدمع من تلك المقالات
وكم شكرت بأرض الظلم ناصيتي ... فقمت من سجدتي أتلو تحياتي
وما منحت بيوم قد أتى غلطا ... بالأنس إلا وقامت فيه غاراتي
ومذ أتت عذلى تبغي مصادرتي ... ظلما منحتهم أسنى الكرامات
وكلما عددوا ذنبا رميت لبه ... بسطت للعفو راحات اعترافاتي
وكلما حرروا منشور مظلمتي ... وأثبتوا في الورى ظلما جناياتي
أظهرت شكري لهم بالرغم عن أسفي ... وكان ما كان من فرط التهاباتي
ولم أفه لذوي ود لمعرفتي ... أن الحبيب حبيب في المسرات
أقوم والضيم تطويني نوائبه ... طي السجل ولم أسمعه أناتي
أخفي الأسى إن حسود جاء يسألني ... لأين يسعى وأومى لابتهاجاتي
إن ضل سعي فهادي الصبر يرشدني ... إلى طريق رشادي واستقاماتي
ولم أزل أشتكي بنى ومظلمتي ... لعالم الجهر مني والخفيات
علت ولاة الصفا أشهى نجائبها ... لتقضي الفوز من وادي المودات
وبت باليأس في بطحاء متربتي ... وكان شغلي بضحى دق راحاتي
أقول للصبر لا عتب على زمن ... أعطى لأبنائه أسمى العطيات
فقال مهلا ولا تغررك شوكتهم ... فالصحو يعقبه سود الغمامات
فليس كل ملوم دام مكتئبا ... وما السعيد سعيد للملاقاة
فدهرهم غرهم جهلا وما علموا ... أن الزمان قريب الالتفاتات
فما توارت بغاة الغم من أسفي ... حتى أناخوا بأجبال النكايات
стр. 303
تذكر الدهر عادات له سلفت ... وقد نسوها بحانات الخلاعات
ورد دهري سهام الحقد صائبة ... إليهم فغدوا في شر حالات
فما استطابوا أمانيهم ولا قنصوا ... حتى استوينا بكهف الاعتكافات
قال الدهاة سهام الدهر قد وقعت ... من ذلك الجمع في كشح وليات
فقلت أنعم به من حاذق فطن ... وإنه لحقيق بالعدالات
ظنوا الزمان أباح السعد طالعهم ... وأنه اختص نجمي بالنحوسات
والصبر أشهدني ما كنت أغبطهم ... عليه عاد اعتبارا في البرات
فلا يهولنك حرمان بليت به ... ولا يغرك إقبال غدا آتي
كلاهما والذي أنشأك من علق ... يفنى ويعدم في بعض اللميحات
أين الملوك الألي كانت أوامرهم ... محدودة كسيوف مشرفيات
تمحى وتثبت ما رامت وما رفضت ... بين الأنام بأقوال سميات
قد أحكم الدهر مر ما هم فما لبثوا ... حتى انطووا في الثرى طي السجلات
فكم مضى عزمهم في عز سطوتم ... فولا وفعلا بتسديد الرياسات
وكم سرى في الورى منشور سلطتهم ... شرقا وغربا بأنواع السياسات
يؤب بالعجز أقواهم إذا ألم ... به ألم ويبدي شر حسرات
يلوذ ضعفا بأذيال الطبيب وما ... يغني الطبيب لدى فتك المنيات
وكم لفقد عزيز منهم سكبت ... مدامع بالنعما مصونات
وطالما أحرقت حسراتهم كبدا ... تضعضعت منه أركان الشهامات
فلا تقل لي متاع وهو عارية ... واليأس عندي راحات استراحاتي
وقد بسطت أكف الذل ضارعة ... لخالق الخلق جبار السموات
وبت أدعو عليم السر قائلة ... يا غافر الذنب جد لي باستجاباتي
يا كاشف الضر عن أيوب مرحمة ... حين استغاثك من مس المضرات
وصاحب الحوت قد أنجيته كرما ... لما دعا بابتهال في الضراعات
أنقذته يا إله العرش من ظلم ... لظلمه النفس لاقته باعنات
وابيضت العين من يعقوب وانسكبت ... حزنا على يوسف في فيض عبرات
ومذ شكا البث للرحمن عاد له ... نور العيون قرينا بالمسرات
ويوسف السيد الصديق حين دعا ... في ظلمة السجن من أسنى العنايات
ومذ علمت بإخلاص الخليل غدا ... والنار من حوله في روض جناتي
عادت سلاما وبردا بعدما اشتعلت ... ولم يفه من يقين بالشكايات
وقد رفعت يمين الذل داعية ... إليك يا رب أرجو غفر زلاتي
ربي إلهي معبودي وملتجئي ... إليك أرفع بثي وابتهالاتي
قد ضرني طعن حسادي وأنت ترى ... ظلمي وعلمك يغني عن سؤالاتي
стр. 304
فامنن علي بألطاف لتخرجني ... من الضلال إلى سبل الهدايات
أنت الخبير بحالي والبصير به ... فافتح لهذا الدعابات الإجابات
فكيف أشكو لمخلوق وقد لجأت ... لك الخلائق في يسر وشدات
فيا لها من جراح كلما اتسعت ... أعيت طبيبي رغما عن مداواتي
أنت الشهيد على قول أفوه به ... ما دمت عائشة فالحمد غاياتي
عائدة المدينة
أم ولد حبيبي بن الوليد المرواني. كانت جارية حالكة اللون تروي عن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة وغيره من علماء المدينة المنورة وهبها محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان الحبيب بن الوليد المرواني فقدم بها إلى الأندلس وقد أعجب بعلمها وفهمها وفرط ذكائها واتخذها لفراشه، وبقيت عنده معززة مكرمة إلى أن توفاها الله تعالى.
عاتكة بنت عبد المطلب الهاشمية
كانت من أوفر النساء القرشيات عقلا، وأحلاهن منطقا، وأحسنهن تصورا وتبصرا، ومما يروى عنها أنها قد رأت قبل قدوم ضمضم بثلاثة أيها رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وتخوفت أن يدخل على قومك شر أو مصيبة فاكتم علي ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته أن: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، وأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت أسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس: إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.
قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل، هشام ورهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال لي: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد مناف متى حدثت فيكم هذه البينة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأتها عاتكة. قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنها قالت: انفروا في ثلاث فنتربص بكم هذه الثلاث فإن يكن ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكبت كتابا عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب.
قال العباس: فوالله ما كان إليه مني كبيرا إلا أن حجدت ذلك وأنكرت أن تكون رات شيئا قال: ثم تفرقنا، فلما أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع برجالكم ويتناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غيرة بشيء مما سمعت. قلت: قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكموه.
قال: فغدوت في اليوم الثالث من الرؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال: فدخلت
стр. 305
المسجد فرأيته والله إني لأمشي نحوه العرضنة ليعود لبعض ما كان فأوقع به.
وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله أكل هذا فرقا أن أشاتمه، فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي: يا معشر قريش، اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها محمد في أصحابه ل أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر.
قال: فتجهز الناس سرعا وقالوا: لا يظن محمد وأصحابه أن يكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأرغب قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أبو لهب بن عبد المطلب تخلف فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان ذلك في وقعة بدر وخبرها مشهور ومن شعرها قولها ترثي أباها مع إخوتها في حال حياته حين طلب منها ذلك.
أعيني جودا ولا تبخلا ... بدمعكما بعد نوم النيام
أعيني واستعبروا واسكبا ... وشوبا بكاء كما بالمدام
أعيني واستخركا واسجما ... على رجل غير نكس كهام
على الجحفل في النائبات ... كريم المساعي وفي الذمام
على شيبة الحمد وأرى الزناد ... وذي مصدق بعد ثبت المقام
وسيف لدى الحرب صمصامة ... ومردي المخاصم عند الخصام
وسهل الخليقة طلق اليدين ... وف عد ملي صميم اللهام
تبنك في باذخ بيته ... رفيع الذؤابة صعب المرام
وقولها في الحماسة:
سائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنا ... في مجمع باق شناعه
فيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه
بعكاظ يعشى الناظ ... رين إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكا ... قصرا وأسلمه رعاعه
ومجد لأعادرنه ... بالقاع تنهسه رباعه
ولها أشعار كثيرة غير هذه لم نقف عليها لعدم ورودها في كتب التاريخ.
عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل
كانت من الفصاحة على جانب عظيم، وقد أعطيت شطر الحسن فعشقها عبد الله بن أبي بكر الصديق وكلف بها حتى كاد أن يطير عقله، فلما تزوج بها أقام سنة لم يشتغل بسواها، فلما كان يوم الجمعة وهو معها إذ فاتته الصلاة وهو لا يدري وجاء أبوه فوجده عندها فقال له: أجمعت؟ فقال: وهل صلى الناس؟ فقال: قد ألهتك عن الصلاة طلقها فطلقها، واعتزلت ناحية فلما كان الليل قلق قلقا شديدا فأنشد:
стр. 306
أعاتك لا أنساك ما ذر شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوق
لها منطق جزل ورأى ومنصب ... وخلق سوي في حياء ومصدق
فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير شيء يطلق
وكان أبو بكر على سطح يصلي فسمعه فرق له فقال له: راجعها، ثم ضمها إليه وأعطاها حديقة على أن لا تتزوج بعده وأنشد:
أعاتك قد طلقت من غير ريبة ... وروجعت للأمر الذي هو كائن
كذلك أمر الله غاد ورائح ... على الناس فيه ألفة وتباين
ومازال قلبي للتفرق طائرا ... وقلبي لما قد قدر الله ساكن
ليهنك أني لا أرى فيك سخطة ... وأنك قد تمت عليك المحاسن
فإنك ممن زين الله وجهه ... وليس لوجه زائنه الله شائن
فلما قتل بالطائف رثته فقالت:
رزئت بخير الناس بعد نبيهم ... وبعد أبي بكر وما كان قصرا
ف لله عينا من رأى مثله فتى ... أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه أوسنة خاضها ... إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا
فآليت لا تنفك عيني سخينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
مدى الدهر ما غنت حمامة أيكة ... وما طرد الليل الصباح المنورا
وتزوجها عمر بعد أن استفتى عليا في ذلك فأفتى بنها ترد الحديقة إلى أهله وتتزوج ففعلت فذكرها علي بقولها: فآليت لا تنك البيت، ثم قال: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (الصف: ٣) ثم تزوجها بعده الزبير وبعده الحسين بن علي ﵇ حتى قال عمر: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة، وخطبها علي فقالت: إن لأضن بك عن القتل، وخطبها مروان بعد الحسين فقالت: ما كنت متخذة حما بعد رسول الله ﷺ . وقالت عاتكة ترثي عمر بن الخطاب:
عين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الإمام النحيب
فجعتني المنون بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتلبيب
عصمة الناس والمعني على الده ... ر غياث المنتاب والحروب
قل لأهل الضراء والبؤس موتوا ... قد سقته المنون كأس شعوب
ولها فيه أيضا:
وفجعتني فيروز لا در دره ... بأبيض تال للكتاب نجيب
رؤئف على الداني غليظ على العدا ... أخي ثقة في النائبات منيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... يريع إلى الخيرات غير قطوب
وقالت ترثيه أيضا:
من لنفس عادها أحزانها ... ولعين شفها طول السهد
جسد لفف في أكفانه ... رحمة الله على ذاك الجسد
стр. 307
فيه تفجيع لمولى غارم ... لم يدعه الله يمشي بسبد
فيه تفجيع لمولى غارم ... لم يدعه الله يمشي بسبد
وقالت ترثي الزبير، وتخاطب عمرو بن جرموز الذي قتله غدرا عند رجوعه من حرب الجمل:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
شلت يمينك إن قتلت مسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد
عن الزبير لذو بلاء صادق ... سمح سجيته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عنها طرادك يا ابن فقع القردد
فاذهب فما ظفرت يداك بمثله ... فيمن مضى ممن يروح ويغتدي
وقالت ترثي الحسين ﵇:
وحسينا ولا نسيت حسينا ... أقصدته أسنة العداء
غادروه بكربلاء صريعا ... جادت المزن في ذرى كربلاء
عاتكة ابنة معاوية بن أبي سفيان الأموي
كانت في الحسن أعجوبة زمانها، وفي الأدب نادرة أقرانها، تعلمت الغناء وضروبه ولها في بعض ألحان وكان يختلف إليها بعض مغنيات مكة والمدينة فتحسن صلتهن وتجيزهن وتطلب منهن أن لا يقطعن عنها.
وفي بعض السنين لم يأتها أحد من مكة والمدينة فاستأذنت من أبيها أن يسمح لها بالحج، فسمح لها، فتجهزت بجهاز عظيم لم ير مثله، وسارت على البر تحملها وركبها المطايا، فلما وصلت لمكة نزلت بذي طوى، فمر بها وهب الجمحي - المعروف بأبي دهبل - وكان شاعرا جليلا، غيسانيا جميلا. فجعل النظر وجمرات الوجد تتأجج بفؤاده قاذفة بالشرر، وكان الوقت هجيرا والجواري رافعات عنها الأستار، ففطنت له، فذعرته وشتمته كثيرا، ثم أمرت بالسجوف فحجب بظلامها شمس النهار فقال:
إني دعاني الحين فاقتادني ... حتى رأيت الظبي بالباب
يا حسنة إذ سبني مدبرا ... مستترا عني بجلباب
سبحان من أوقفها حسرة ... صبت على القلب بأوصاب
يذود عنها أن تطلبها ... أب لها ليس بوهاب
أحلها قصرا منيع الذرى ... يحمى بأبواب وحجاب
فشاعت أبياته في مكة واشتهرت وغنى بها حتى سمعتها عاتكة إنشادا وغناء فطربت لها وسرت وبعثت إليه تهديه فتراسلا وتحابا، ولما صدرت عن مكة خرج في ركبها إلى الشام، فكانت تتعاهده باللطف والإحسان حتى إذا وردت دمشق ورد معها فانقطعت عن لقائه فمرض حتى عز شفاء دائه فقال:
طال ليلي وبت كالمجنون ... ومللت الثواء في جيرون
وأطلت المقام بالشام حتى ... ظن أهلي مرجحات الظنون
فبكت خشية التفرق جمل ... كبكاء القرين إثر القرين
стр. 308
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ... ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبتها لم تجدها ... في سناء من المكارم دون
ثم خاصرتها إلى القبة الخض ... راء تمشي في مرمر مسنون
قبة من مراجل ضربوها ... عند برد الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من البا ... ب وإن كنت خارجا عن يميني
ولقد قلت إن تطاول سقمي ... وتقلبت ليلتي في فنون
ليت شعري أمن هوى طار نومي ... أم براني الباري قصير الجفون
ففشا هذا الشعر حتى بلغ معاوية فصبر حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس يسلمون وينصرفون، وكان فيهم وهب، فلما أزمع الرجوع ناداه معاوية حتى إذا خلا لهما الجو قال: ما كنت أحسب أن في قريش أشعر منك تقول:
ليت شعري أمن هوى طار نومي ... أم براني الباري قصير الجفون
غير أنك قلت:
وإنا ما نسبتها لم تجدها ... في سناء من المكارم دون
والله إن فتاة أبوها معاوية وجدها أبو سفيان وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت وأي شيء زدت في قدرها ولقد أسأت بقولك، ثم خاصرتها فقال: والله لم أقل هذا، وإنما قيل عن لساني فقال معاوية: أما مني فليهدأ روعك لني عليم بعفاف فتاتي، وإنه مغتفر لفتيان الشعراء التشبيب بمن أرادوا، ولكني أكره لك جوار أخيها يزيد فإن له سورة الشباب وأنفة الملوك، فحذر وهب ورحل إلى مكة، فبينما معاوية في مجلسه يوما ذا بخصي يقول له: لقد سقط يا أمير المؤمنين إلى عاتكة اليوم كتاب أبكتها تلاوته بما أصارها حتى الساعة حزينة فقال: علي به، يألطف حيلة، فلما أوتيه قرأ فيه:
أعاتك هلا إذ بخلت فلا ترى ... لذي صبوة زلفى لديك ولا يرقى
رددت فؤادا قد تولى به الهوى ... وسكنت عينا لا تمل ولا ترفا
ولكن خلعت القلب بالوعد والمنى ... ولم أر يوما منك جودا ولا صدقا
أتنسين أيامي بربعك مدنفا ... صريعا بأرض الشأم ذا سقم ملقى
وليس صديق يرتضي لوصية ... وأدعو لدائي باشراب فما أسقى
وأكبر همي أن أرى لك مرسلا ... فطول نهاري جالسا أرقب الطرقا
فوا كبدي إذ ليس لي منك مجلس ... فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى
رأيتك تزدادين للصب غلظة ... ويزداد قلبي كل يوم لكم عشقا
فبعث إلى يزيد فلما جاء وجده مطرقا كئيبا فاستجلاه الأمر فقال: هو نبأ يقلق فيمرض فيحير إن هذا الفاسق القرشي كتب إلى أختك بهذه الأبيات، فلم تزل باكية حتى الساعة. قال يزيد الخطب دون ما تتوهم بعد لنا يرصده ويقتله فقال معاوية: يا يزيد، والله إن تقتل قرشيا هذا حاله صدق الناس مقاله. قال: يا أمير المؤمنين، إنه نظم أبياتا غير هذه وتناشدها المكيون، فسارت حتى بلغتني فأوجعتني وحملتني على ما أشرت. فقال: وما هي؟ فأنشد:
стр. 309
ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهل ... وما كان من يلحى محبا له عقل
حمى الملك الجبار عني لقاءها ... فمن دونها تخشى المتألف والقتل
فلا خير في حب يخاف وباله ... ولا في حبيب لا يكون له وصل
فوا كبدي إني اشتهرت بحبها ... ولم يك فيما بيننا ساعة بذل
ويا عجبا أني أكاتم حبها ... وقد شاع حتى قطعت دون السبل
فقال معاوية: قد والله فهمت المعنى لأني أراه يشكو الحرمان فالخطب فيه يسير، ثم حج عامئذ للسبب عينه ولما انقضت المناسك دعا بإشراف قريش وشعرائهم وأجزل لهم الصلاة.
فلما أزمع وهب الانصراف قال: إيه يا وهب ما لي أرى يزيد ساخطا عليك في قواريض تأتيه عنك وشعر تنطق به فبدأ أبو دهبل يطيل الاعتذار ويحلف أنه مكذوب عليه فقال معاوية: لا بأس عليك وما يضرك ذلك فأي بنات عمك أحب إليك، قال: فلانة، فقال: قد زوجتك بها وأمهرتها بألفي دينار ووهبتك ألف دينار.
فلما استوفاها قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق فقد أبحت به دمي وأما ابنة عمي فهي طالق بتاتا فسر معاوية ووعده بإدرار الصلة كل عام وهو لم يقل فيها شعرا ووفى بوعده وبقيت عاتكة مغرمة به إلى أن ماتت.
عاتكة بنت يزيد بن معاوية
وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، تزوجها عبد الملك بن مروان فهي أم يزيد بن عبد الملك بن مروان وكان يحبها بعبد الملك حبا مفرطا فغضبت عليه مرة وكان بينهما باب محجبة، فأغلقت ذلك الباب فشق غضبها على عبد الملك، وشكا إلى رجل من خاصته يقال له: عمر بن بلال الأسدي فقال: ما لي عندك إن رضيت؟ قال: حكمك فأتى عمر إلى بابها وجعل يتباكى وأرسل إليها السلام، فخرجت إليه حاضنتها ومواليها فقلن: ما لك؟ قال: نزعت إلى عاتكة ورجوتها وقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية ومن أبيها بعده قلن: وما لك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما قتل أحدهما صاحبه.
فقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به. فقلت: أنا الولي وقد عفوت قال: لا أعود الناس على هذه العادة، فرجوت أن ينجي الله ابني هذا على يدها، فدخلن عليها فذكرن ذلك لها فقالت: وكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له قلن: إذا والله يقتل فلم يزلن بها حتى دعت بثيابها فلبستها، ثم خرجت نحو الباب، فأقبل حديج الخصي قال: يا أمير المؤمنين، هذه عاتكة قد أقبلت. قال: ويلك، ما تقول قال: قد والله طلعت فأقبلت وسلمت، فلم يرد ﵍ فقالت: أما والله لولا عمر ما جئت إن أحد بينه تعدى على الآخر فتله فأردت قتل الآخر وهو الولي وقد عفا قال: إن أكره أن أعود الناس على هذه العادة قالت: أنشدك الله يا أميرا لمؤمنين فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية وقد طرق بابي فلم تزل به حتى أخذت برجله فقبلتها فقال: هو لك ولم يبرحا حتى اصطلحا، ثم راح عمر بن بلال إلى بعد الملك فقال: كيف رأيت قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك. قال: مزرعة بعدتها وما فيها، وألف دينا، وفرائض لولدي وأهلي. قال: ذلك لك، ثم اندفع عبد الملك يتمثل بشعر كثير (وإني لأرعى قومها من جلالها) .
ولعاتكة هذه حكاية مع الشعراء وذلك ما حكاه نصيب قال: إنه خرج هو وكثير والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء فقال: هل لكم في أن نركب جميعا فنسير حتى نأتي العقيق؟ قالوا: نعم، فركبوا أفضل ما عندهم من
стр. 310
الدواب ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وتنكروا ثم ساروا حتى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفحون الأماكن حتى رفع لهم سواد عظيم، فأموه حتى أتوه فإذا وصائف وخدم ونساء بارزات فسألنهم أن ينزلوا فنزلوا ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت: ادخلوا فدخلوا على امرأة جميلة برزة على فرش لها فرحبت وحيت وإذا كراسي موضوعة فجلسوا جميعا في صف واحد كل إنسان على كرسي.
فقالت: إن أحببتم أن تدعو بصبي لنا فنعرك أذنه ونصيحة فعلنا وإن شئتم بالغداء فقالوا: بل تدعين بالصبي ولن يفوتنا الغداء فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلا كلمح البصر حتى جاءت جارية جميلة عليها مطرف قد سترت نفسها به فكشفوه عنها وإذا جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها فرحبت بهم وحيتهم فقالت لها مولاتها: خذي ويحك من قول نصيب عافى الله نصيبا.
ألا هل من البين المفرق من بد ... وهل مثل أيام بمنقطع السعد
تمنيت أيامي أولئك والمنى ... على عهد عاد ما تعيد ولا تبدي
فغنته، فجاءت به كأحسن ما سمع بأحلى لفظ وأشجى صوت، ثم قالت لها: خذي أيضا من قول نصيب عافاه الله:
أرق المحب وعاده سهده ... لطوارق الهم التي ترده
وذكرت من رقت له كبدي ... وأبى فليس ترق لي كبده
لا قومه قومي ولا بلدي ... فنكون حينا جيرة بلده
ووجدت وجدا لم يكن أحد ... من اجله بصبابة يجده
إلا ابن عجلان الذي تبلت ... هند ففات بنفسه كمده
قال: فجاءت به أحسن من الأول فكدت أطير سرورا، ثم قالت: ويحك خذي أيضا قوله:
فيا لك من ليل تمتعت طوله ... وهل طائف من نائم متمتع
نعم إن ذا شجو متى يلق شجوه ... ولو نائما مستعتب أو مودع
له حاجة قد طالما قد أسرها ... من الناس في صدر بها يتصدع
تحملها طول الزمان لعلها ... يكون لها يوما من الدهر منزع
وقد قرعت في أم عمرو لي العصا ... قديما كما كانت لذي الحلم تقرع
قال نصيب: فجاءني والله شيء حيرني وأذهلني طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها لشعري وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها، ثم قالت: خذي من قوله أيضا:
يا أيها الركب إني غير تابعكم ... حتى تلموا وأنتم بي ملمونا
فما أرى مثلكم ركبا كشكلكم ... يدعوهم ذو هوى أن لا يعوجونا
أم خبروني عن داء بعلمكم ... وأعمل الناس بالداء الأطبونا
قال نصيب: فوالله لقد زهوت بما سمعت زهوا خيل لي أني من قريش، وأن الخلافة لي ثم قالت: حسبك يا بنية هات الطعام يا غلام فوثب الأحوص وكثير وقالا: والله لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك في مجلس فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا وقدمت شعر هذا على شعرنا، وأسمعت الغناء فيه وإن في أشعارنا لم يفضل شعره وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا فقالت علة معرفة كل ما كان مني فأي شعر كما أفضل من شعره أقولك يا أحوص؟
стр. 311
يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت
أو قولك يا كثير في عزة:
وما حسبت ضمرية جدورية ... سوى التيس ذي القرنين أن لها بعلا
أو قولك فيها:
إذا ضمرية عطست فنكها ... فإن عطاسها طرف السفاد
فخرجا مغضبين، وبقي نصيب فتغدى عندها وأمرت له بثلثمائة دينار وحلتين وطيب، ثم دفعت له مائتي دينار وقالت: ادفعها إلى صاحبيك فإن قبلاها وإلا فهي لك، قال نصيب: فذهبت بالبدرة حتى أتيت رفيقي، فعرضت عليهما نصيبهما فأبيا أن يأخذاه، فأخذته لنفسي وبلغها الخبر فقالت: حسنا والله فعلت، وبقي كثير والأحوص يترقبان لها الفرص حتى يهجواها بشيء فلم يقدرا عليها خوفا من بأسها وسطوتها ومداراة لها، وأما هي فبقيت مكرمة عند عبد الملك، وفي خلافة ولدها أيضا حتى ماتت في آخر خلافة ولدها ودفنت بما يليق بها من الرفعة والإكرام.
عاصية البولانية بنت عبد العزى الطائي
كانت شاعرة مجيدة وشعرها قليل، قيل: إن بني محارب غزت طيئاً وفتكت فيهم لغياب سراتهم ورجعت غانمة فقالت عاصية تندب قومها وتهجو محاربا بقولها:
أعاصي جودي بالدموع السواكب ... وبكى لك الويلات قتلى محارب
فلو أن قومي قتلتهم عمارة ... كرام سراة من رؤوس الذوائب
صبرنا لما يأتي به الدهر عامدا ... ولكنما آثارنا في محارب
قبيل لئام إن ظهرنا عليهم ... وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب
عبدة محبوبة بشار بن برد
كانت ذات عقل وأدب، وفصاحة وكياسة، وصوت حسن، ومنطق عذب وكان سبب عشق بشار لها أنه كان له مجلس يجلس فيه يقال له: البردان، فبينما هو في مجلسه ذات يوم وكان النساء يحضرنه إذ سمع كلام امرأة أشجاه نغمها وحسن ألفاظها فدعا بغلامه فقال: إني قد علقت امرأة فإذا تكلمت فانظر من هي واعرفها فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وأعلمها أني لها محب وأنشدها هذه الأبيات. وعرفها أني قلتها فيها.
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ... الأذن كالعين توفى القلب ما كانا
ما كنت أول مشغوف بجارية ... يلقى بلقيانها روحا وريحانا
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
فأبلغها الغلام الأبيات فهشت لها وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن يحدثها وينشدها ولا تطعمه في نفسها ومما قال فيها:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها ... قلبي فأضحى به من حبها أثر
أني ولم ترها تهذي فقلت لهم ... إن الفؤاد يرى ما لم ير البصر
стр. 312
أصبحت كالحائم الحران مجتنبا ... لم يقض وردا ولا يرجى له صدر
وقال فيها أيضا وهو أجود ما قال فيها:
يزهدني في حب عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحب
فما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا ... وألف بين العشق والعاشق الصب
وجاءته يوما مع خمسة نسوة قد مات لإحداهن قريب يسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به فوافينه في مجلسه المسمى بالبردان وكان له مجلس يجلس فيه بالغداة يسميه البردان، وآخر يجلس فيه عشية يسميه الرقيق فاستأذن بالدخول عليه فأذن لهن، فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه.
فقالت إحداهن: هو خمر وقالت الأخرى: هو زبيب وعسل. وقالت الثالثة: هو نقيع زبيب. فقال: لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي فأمسكن ساعة، ثم قالت إحداهن: ما عليكن من ذلك فأقمن يومهن وأكلن من طعامه وشربن من شرابه وأخذن من شعره، وبلغ ذلك الحسن البصري فعابه فبلغ بشاراً كلامه، وكان بشار يلقب الحسن البصري بالقس فقال:
لما طلعن من الرقي ... ق علي بالبردان خمسا
وكأنهن أهلة ... تحت الثياب رفقن شمسا
باكرن طيب لطيمة ... وغمسن في الجادي غمسا
فسألنني من في البيو ... ت فقلت ما يحوين انسا
ليت العيون الناظرا ... ت طمس عنا اليوم طمسا
فأصبن من طرف الحدي ... ث لذاذة وخرجن ملسا
لولا تعرضهن لي ... يا قس كنت كأنت قسا
العبادية جارية المعتضد بن عباد والد المعتمد
أهداها إليه مجاهد العامري وكانت أديبة كاتبة ذاكرة لكثير من اللغة فصيحة العبارة لطيفة الإشارة حاضرة الرواية قريبة النادرة لها إلمام تام بضروب الغناء، وكان يميل إليها المعتضد ميلا شديدا ويشغف بها شغفا زائدا حتى أنها ألهته عن بعض أموره، وكانت من توقد قريحتها وحضور بديهتها ترتجل الشعر والأمثال ومن ذلك أنها كانت نائمة ذات يوم وكان المعتضد سهران فدخل عليها وهي نائمة فقال:
تنام ومدنفها يسهر ... وتصبر عنه ولا يصبر
فأجابته بديهة بقولها:
لئن دام هذا وهذا له ... سيهلك وجدا ولا يشعر
ولها غير ذلك من الأشعار والنوادر.
عبيدة الطنبورية بنت صباح مولى أبي السمراء
كانت عبيدة من المحسنات المتقدمات في الصنعة والآداب يشهد لها بذلك إسحاق وحسبها بشهادته
стр. 313
وكان أبو حشيشة يعظمها ويعترف لها بالرياسة والأستاذية وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم صوتا، وكانت لا تخلو من عشق ولم يعرف امرأة في الدنيا أعطر منها، وكانت صنعة عجيبة، فمنها في الرمل:
كن لي شفيعا اليكا ... إن خف ذاك عليكا
وأعفني من سؤالي ... سواك ما في يديكا
يا من أعز وأهوى ... ما لي أهون عليكا
وروي عن علي بن الهيثم اليزدي أنه قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي يألفني ويدعوني ويعاشرني فجاء يوما إلى أبي الحسن فلم يصادفه فرجع ومر بي وأنا مشرف من جناح لي فوقف وسلم علي وأخبرني بقصته وقال: هل تنشط اليوم للمسير إلي فقلت له ما علي الأرض شيء أحب إلي من ذلك ولكني أخبرك بقصتي ولا أكتمك فقال: هاتها. فقلت: عندي اليوم محمد بن عمرو بن مسعدة وهارون بن أحمد بن هشام وقد دعونا عبيدة الطنبورية وهي حاضرة والساعة يجيء الرجلان فامض في حفظ الله فإني جالس معهم حتى تنتظم أمورهم وأروح إليك فقال لي: فهلا عرضت علي المقام عندك فقلت له لو علمت أن ذلك مما تنشط له والله لرغبت إليك فيه فغن تفضلت بذلك كان أعظم لمنتك فقال: أفعل فإني قد كنت أشتهي أن أسمع عبيدة ولكن لي عليك شريطة قلت: هاتها قال: إنها إن عرفتني وسألتموني أن أغني بحضرتها لم يخف عليها أمري وانقطعت فلم تصنع شيئا فدعوها على جبلتها فقلت: أفعل ما أمرت به فنزل ورد دابته وعرفت صاحبي ما جرى فكتماها أمره وأكلنا ما حضر وقدم الشراب فغنت لحنا لها تقول:
قريب غير مقترب ... ومؤتلف كمجتنب
له ودي ولي منه ... دواعي الهم والكرب
أواصله على سبب ... ويهجرني بلا سبب
ويظلمني على ثقة ... بأن إليه منقلبي
فطرب إسحاق وشرب نصفا، ثم غنت وشرب، ولم يزل كذلك حتى والى بين عشرة أنصاف وشربنا معه، وقام ليصلي فقال هارون بن أحمد: ويحك يا عبيدة، ما تبالين والله متى مت قالت: ولم ذلك؟ قال: أتدرين من هو المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب قالت: لا والله. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي فلا تعرفينه أنك قد عرفته، فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني فلحقتها هيبة واختلاط فنقصت نقصانا بينا فقال: أعرفتموها من أنا؟ فقلنا: نعم عرفها إياك هارون. فقال إسحاق: نقوم إذا فننصرف إنه لا خير في عشرتكم الليلة ولا فائدة لي ولا لكم، ثم انصرف وكان إذا اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس بن الرشيد يوما وفيهم المسدود وعبيدة وقيل له: عن تقول: لا والله لا تقدمت عبيدة وهي الأستاذة فما غنى بحضرتها حتى تقدمت هي وكانت تكتب على طنبورها:
كل شيء سوى الخيا ... نة في الحب يحتمل
وكانت بنت رجل يقال له: صباح مولى أبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن ظاهر أبو السمراء أحد العدة الذين وصلهم ابن طاهر في يوم واحد لكل رجل منهم مائة ألف دينار، وكان الزبيدي الطنبوري يختلف إلى أبي السمراء، وكان صباح صاحب أبي السمراء، فكان الزبيدي إذا سار إلى أبي السمراء فلم يصادفه أقام عند صباح والد عبيدة وبات وغنى وأنس.
وكان لعبيدة صوت حسن وطبع جيد فسمعت غناء
стр. 314
الزبيدي فوقع في قلبها واشتهت الغناء وسمع الزبيدي صوتها وعرف طبعها فعلمها وواظب عليها ومات أبوها ورقت حالها، وقد حذقت الغناء على الطنبور فخرجت تغني وتقنع باليسير، وكانت مليحة مقبولة خفيفة الروح فلم يزل أمرها يزيد حتى تقدمت وكبر حظها فتزوجها علي بن الفرج الرجحي أخو عمرو، وكان حسن الوجه كثير المال، فولدت له بنتا فحجبها ثم ماتت بنتها من علي بن الفرج وصادف ذلك نكبتهم واختلاط حال علي فطلقها فخرجت.
وماتت عبيدة من نزف أصابها حتى أتلفها وفي عبيدة يقول إسحاق النديم:
أمست عبيدة في الإحسان واحدة ... فالله جار لها من كل محذور
من أحسن الناس وجها حين تبصرها ... وأحذق الناس إن غنت بطنبور
عتبة جارية الخيزران زوجة المهدي وأم الرشيد
وكانت قبلها لريطة ابنة أبي العباس السفاح، وكانت رقيقة ظريفة أديبة بارعة في الجمال والكمال، وكان يعشقها أبو العتاهية، وله فيها أشعار رقيقة ونوادر ظريفة منها أن ريطة بنت السفاح وجهت إلى عبد الله بن مالك الخزاعي في شراء رقيق للعتق وأمرت جاريتها عتبة أن تحضر ذلك فإنها جالسة إذا جاء أبو العتاهية في زي متنسك فقال: جعلني الله فداك شيخ ضعيف كبير لا يقوى على الخدمة فإن رأيت أعزك الله شرائي وعتقي فعلت مأجورة فأقبلت على عبد الله فقالت له: إني لأرى هيئة جميلة وضعفا ظاهرا ولسانا فصيحا، ورجلا أديبا فاشتره وأعتقه، فقال أبو العتاهية: أتأذنين لي أصلحك الله في تقبيل يدك، فأذنت له فقبل يدها وانصرف، فضحك عبد الله بن مالك وقال: أتدرين من هذا قالت: لا، قال: هذا أبو العتاهية وإنما احتال عليك حتى يقبل يدك.
ولما كثر تشبيب أبي العتاهية بها شكت إلى مولاتها الخيزران ما يلحقها من الشناعة، ودخل المهدي وهي تبكي بين يدي سيدتها الخيزران، فسألها عن خبرها فأخبرته فأمر بإحضار أبي العتاهية فأدخل إليه فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل في عتبة:
الله بيني وبين مولاتي ... أبدت لي الصد والملامات
ومتى وصلتك حتى تشكو صدها عنك قال: يا أمير المؤمنين فأنا الذي أقول:
يا ناق حثي بنا ولا تهني ... نفسك فيما ترين راحاتي
حتى تجيئي بنا إلى ملك ... توجه الله بالمهابات
يقول للريح كلما عصفت ... هل لك يا ريح في مباراتي
عليه تاجان فوق مفرقه ... تاج جمال وتاج إخبات
قال: فنكس رأسه، ونكت بالقضيب، ثم رفع رأسه فقال: أنت القائل:
ألا ما لسيدتي مالها ... أدلت بأجمل إدلالها
وجارية من جواري الملو ... ك قد أسكن الحسن سربالها
ثم سأله عن أشياء فأفحم أبو العتاهية، فأمر المهدي بجلده نحوا من حد وأخرج مجلودا فلقيته عتبة وهو على تلك الحالة فقال:
стр. 315
بخ بخ عتبة من مثلكم ... قد قتل المهدي فيكم قتيل
فتغرغرت عيناها وفاض دمعها وصادفت المدهي عند الخيزران فقال: ما لعتبة تبكي؟ قالوا له: رأت أبا العتاهية مجلودا وقال لها: كيت كيت، فأمر له بخمسين ألف درهم ففرقها أبو العتاهية على من بالباب فكتب صاحب الخبر بذلك فوجه إليه: ما حملك علي إن أكرمتك بكرامة فقسمتها؟ فقال: ما كنت لآكل ثمن من أحببت، فوجه إليه بخمسين ألفا أخرى وحلف عليه أن لا يفرقها فأخذها وانصرف. قال المبرد: أهدى أبو العتاهية إلى المهدي في يوم نوروز برنية صينية فيها ثوب ممسك وعليه سطران مكتوبان بالغالية:
نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها
إني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها
فهم أن يدفع إليه عتبة فقالت لك: يا أمير المؤمنين، أمع حرمتي وخدمتي تدفعني إلى بائع جرار يكتسب بالشعر فبعث إليه أما عتبة فلا سبيل لك إليها وقد أمرنا لك بملء البرنية مالا فخرجت عتبة وهو يناظر الكتاب ويقول: إنما أمر لي بدنانير وهو يقولون بدراهم فقالت: أما لو كنت عائقا لعتبة لما اشتغلت بتمييز العين من الورق، وكان أبو العتاهية بائع جرار وكان أقدر الناس على وزن الكلام، وكان حلو الألفاظ، ومن مختار شعره في عتبة:
بالله يا حلوة العينين زوريني ... قبل الممات وإلا فاستزيريني
هذان أمران فاختاري أحبهما ... إليك أولا فداعي الموت يدعوني
إن شئت موتا فأنت الدهر مالكة ... روحي وإن شئت أن أحيا فأحييني
إني لأعجب من حب يقربني ... ممن يباعدني عنه ويقصيني
يا أهل ودي إني قد لطفت بكم ... في الحب جهدي ولكن لا تبالوني
الحمد لله قد كنا نظنكم ... من ارحم الناس طرا بالمساكين
أما الكثير فلا أرجوه منك ولو ... أطمعني في قليل منك يكفيني
ومن مختار شعره فيها قوله:
ألا يا عتب يا قمر الرصافة ... ويا ذات الملاحة والنظافة
رزقت مودتي ورزقت عطفي ... ولم أرزق فديتك منك رأفة
وصرت من الهوى دنفا سقيما ... صريعا كالصريع من السلافة
أظل إذا رأيتك مستكينا ... كأنك قد خلقت علي آفة
ومات أبو العتاهية ولم ينل من عتبة أربا مع كونها كانت مغرمة به والذي يمنعها عن الاقتران به سفالة حسبه.
العجفاء المغنية
كانت ذات صوت غرد ولا تغريد البلابل جبت إليها الأسماع، ومالت إليه القلوب، وتحدثت بحسن صناعتها الركبان في كل مكان، وبلغت في زمن صباها ما لم ينله غيرها من القيان، وفي آخر مدتها رماها الزمان بكلكله وافتقرت وأقامت تعلم جواري الأمراء صنعة الغناء وأخيرا انقطعت في دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة وبقيت عنده إلى أن اشتراها الأمير عبد الرحمن بن معاوية الأموي فبقيت عنده إلى أن ماتت.
ومن النوادر
стр. 316
ما قاله الأرقمي عن هذه الجارية قال: قال لي أبو السائب: هل لك في أحسن الناس غناء؟ قلت: وأنى لي ذلك قال اتبعني فتبعته إلى أن جئنا دار مسلم بن يحيى فأذن لنا فدخلنا ثم طلعت علينا جارية عجفاء كلفاء عليها ثوب أصفر وكأن وركيها في خيط من ضعفها فقلت لأبي السائب: بأبي أنت ما هذه؟ فقال: اسكت فتناولت عودا فغنت:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم
فاستبقني أن قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم
قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم
قال: فتحسنت في عيني وبدا ما أذهب الكلف عنها وزحف أبو السائب وزحفت منه ثم تغنت:
برح الخفاء فأيما بك تكتم ... ولسوف يظهر ما تسر فيعلم
مما تضمن من غدير قبله ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم
يا ليت أنك يا حسام بأرضنا ... تلقى المراسي طائعا وتخيم
فتذوق لذة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخوانا فماذا تنقم
قال: فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمر قتين وربت العجفاء في عيني ما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنت:
يا طول ليلي أعالج السقما ... إذ حل كل الأحبة الحرما
ما كنت أخشى فراقكم أبدا ... فاليوم أمسى فراقكم عزما
فألقيت طيلساني وأخذت وسادة فوضعتها على رأسي وصحت كما يصاح على اللوبيا في المدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيه القوارير ودهن فوضعها على رأسه وصاح صاحب الجارية، وكان - ألثغا- قوانيني (يعني قواريري) فاصطكت القوارير وتكسرت وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديما، ثم وضع الربعة على رأسه وعوضنا ثمن القوارير إلى صاحب الجارية وذهبنا وكنا نختلف إلى العجفاء حتى اشتراها عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فانقطع عنا خبرها.
العروضية
مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون الكاتب سكنت بلنسية، وكانت قد أخذت عن مولاها النحو واللغة ولكنها فاقته في ذلك وبرعت في العروض، وكانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر للقالي وتشرحها وقد قرأ عليها أبو داود سليمان - الكتابين المذكورين - وأخذ عنها العروض. توفيت بدانية بعد سيدها في عدد الخمسين والأربعمائة وقد تركت لها ذكرا جميلا وفخرا طويلا تتحدث به الأجيال من بعدها - رحمها الله تعالى.
عريب
كانت مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة، وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والدب. ولم يتعلق بها أحد من نظرائها ولا رؤي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن نظير لها.
وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في قصور الخلافة، وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه
стр. 317
عيش الحجاز والنشء بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.
وكانت عريب لعبد الله بن إسماعيل صاحب مراكب الرشيد وهو الذي رباها وأدبها وعلمها الغناء ونقل صاحب الأغاني من حديث إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها ابنة جعفر بن يحيى البرمكي وأن البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة.
وقيل: إن أم عريب كانت تسمى فاطمة وكانت قيمة لام عبد الله بن يحيى بن خالد، وكانت صبية نظيفة فرآها جعفر بن يحيى فهويها، وسأل أم عبد الله أن تزوجه بها ففعلت وبلغ الخبر يحيى بن خالد، فأنكره وقال له: أتتزوج من لا يعرف لها أم ولا أب اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها إلى دار في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه ووكل بها من يحفظها وكان يتردد إليها فولدت عربيها في سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة.
وقيل: إن أم عريب ماتت في حياة جعفر فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من سنبس فباعها من المراكبي، وقيل: إن الفضل بن مروان كان يقول: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبهتهما بقدمي جعفر بن يحيى قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها لبعض الكتاب فقال: فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى.
وروى أبو الفرج الأصبهاني عن محمد بن خلف أنه قال: قال لي أبي: ما رأيت امرأة أضرب من عريب ولا أحسن صنعة، ولا أحسن وجها، ولا أخف روحا، ولا أحسن خطابا، ولا أسرع جوابا، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي فقال: صدق أبو محمد كذلك قلت: أفسمعتها. قال: نعم، هناك - يعني في دار - المأمون - قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟ فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك فهو أعلم مني بها فأخبرت بذلك أبي فضحك، ثم قال: أما استحيت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا.
وأخبر علي بن يحيى أنه كان لإسحاق صناجة وكان معجبا بها واشتهاها المعتصم في خلافة المأمون فبينما هو ذات يوم في منزله إذ أتاه إنسان يدق الباب دقاً شديداً قال: فقلت: انظروا انظروا من هذا فقالوا: رسول أمير المؤمنين فقلت: ذهبت صناجتي تجده ذكرها له ذاكر فبعث إني فيها.
فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مسخن فدخلت فسلمت فرد علي السلام ونظر إلى تغير وجهي فقال لي: اسكن، فسكنت فقال لي عن صوت. قوال: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك، فأمر جارية من وراء الستارة فغته وضربت، فإذا قد شبهته بالقديم فقلت: زدين معها عودا آخر فإنه أثبت لي. فزادني عودا آخر فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة قال: من أين؟ قلت: ذلك. قلت: لما سمعت لينه عرفته أنه محدث من غناء النساء ولما رأيت جودة مقاطعة علمت أن صاحبته قد حفظت مقاطعة وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشك فقال: صدقت الغناء لعريب وقال يحيى بن علي: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فتكتبه فكان ألف صوت، وسأل ابن خرداذيه عريب عن صنعتها فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت ونقل الأصبهاني عن محمد بن القاسم أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز وأبي العبيس بن حمدون وما أخذه عن بدعة جاريتها فقابل بعضه ببعض فكان ألفا ومائة وخمسا وعشرين صوتا.
ودخل بن هشام على المعتز وهو يشرب وعريب تغني فقال له: يا ابن هشام، عن فقال: يا ابن هشام، عن فقال: تبت عن الغناء، مذ قتل سيدي المتوكل فقالت له عريب: والله أحسن حيث تبت فإن غناءك كان قليل المعنى لا متقن ولا صحيح
стр. 318
ولا طريب فأضحكت أهل المجلس جميعا منه فخجل فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها ويعيب صنعتها ويقول: هي ألف صوت في العدد وصوت واحد في المعنى وهي مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول:
يا عين بكى خالدا ... ألفا ويدعى واحدا
قال الأصبهاني: وليس الأمر كما قال: إنها لصنعة شبهت فيها صنعة الأوائل وجودت وبرزت.
منها: أأن سكنت نفسي وقل عويلها. ومنها: يقول همي يوم ودعتها. ومنها: إذا أردت انتصافا كان ناصركم وعدد لها جملة أصوات في الأغاني لا لزوم لذكرها هنا وقيل: إن مولى عريب خرج إلى البصرة وأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء فبرعت في ذلك كله وتزايدت حتى قالت الشعر، وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان. وقيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه، ثم ركبه دين فاستتر عنده فمد عينه إلى عريب فكاتبها فأجابته وكانت المواصلة بينهما وعشقته عريب، فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلما من عقب وقيل: من خيوط غلاظ وسترته حتى إذ همت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمده وقد أعد لها موضعا لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل ودثرتها بدثارها، ثم تسورت من الحائط حتى هربت فمضت إليه فمكثت عنده زمانا.
وقيل: إنها لما صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنيه به فأعاره عودها وهو لا يعلم أنها عنده ولا يتهمه بشيء من أمرها فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي وهو عيسى بن زينب يهجو أباه ويعيره بها وكان كثيرا ما يهجوه:
قاتل الله عريبا ... فعلت فعلا عجيبا
ركبت والليل داج ... مركبا صعبا مهوبا
فارتقت متصلا بالنج ... م أو منه قريبا
صبرت حتى إذا ما ... أقصد النوم الرقيبا
مثلت بين حشايا ... هالكي لا تستريبا
خلفا منها إذا نو ... دي لم يلف مجيبا
ومضت يحملها الخو ... ف قضيبا وكثيبا
محة لو حركت خف ... ت عليها أن تذوبا
فتدلت لمحب ... فتلقاها حبيبا
جذلا قد نال في الدن ... يا من الدنيا نصيبا
أيها الظبي الذي تس ... حر عيناه القلوبا
والذي يأكل بعضا ... بعضه حسنا وطيبا
كنت نهبا لذئاب ... فلقد أطعمت ذيبا
٣ وكذا الشاة إذا لم=يك راعيها لبيبا
لا يبالي وبأ والمر ... عى إذا كان خصيبا
فلقد أصبح عبد الله ... كشخان حريبا
قد لعمري لطم الوجه ... وقد شق الجيوبا
стр. 319
وجرت منه دموع ... بلت الشعر الخضيبا
وأخبر بعضهم أنها ملته بعد ذلك فهربت منه فكانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد متسترة متخفية، فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغني تسمع غناءها فعرفه فبعث إلى عمه من وقته وأقام هو بمكانه فلم يبرح حتى جاء عمه فلببها وأخذها فضربها مائة مقرعة وهي تصيح يا هذا لست أصبر عليك امرأة حرة إن كنت مملوكة فبعني لست أصبر على الضيقة فلما كان من غد ندم على فعله وسار إليها فقبل رأسها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها منه قال وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه فطلبها منه فلم يجبه إلى ما سأل وقبل ذلك كان طلب منه خادما عنده فاضطغن لذلك عليه فلما ولى الخلافة جاء المرابي ليقبل يده فأمر بمنعه ودفعه ففعل ذلك الشاكري فضربه المراكبي وقال له: أتمنعني من يد سيدي أن أقبلها فجاء الشاكري لما نزل محمد فشكاه فدعا محمدا بالمراكبي وأمر بضرب عنقه فسأل في أمره فأعفاه وحبسه وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له، فلما قتل محمد هربت إلى المراكبي فكانت عنده قال: وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عدي الذي كانت عنده لما هربت إليه، ثم ملته فهربت منه وهي أبيات هذان منها:
ورشوا على وجهي من الماء واندبوا ... قتيل عريب لا قتيل حروب
فليتك إذ عجلتني فقتلتني ... تكونين من بعد الممات نصيبي
وقد ذكر بعضهم رواية تخالف هذه وهي أنها هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن أحدقوا خراسان قال: وكان أشقر أصهب الشعر أزرق وفيه تقول عريب ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس:
بأبي كل أزرق ... أصهب اللون أشقر
جن قلبي بي ولي ... س جنوني بمنكر
وقيل: إن ابن المدبر قال: خرجت مع المأمون إلى أرض الروم أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق فكنا نسير مع العسكر، فلما خرجنا من الرقة رأينا جماعة من الحرم في العماريات على الجمازات وكنا رفقة وكنا أترابا فقال لي أحدهم على بعض هذه الجمازات عريب فقلت: من يراهنني أمر في جنبات هذه العماريات وانشد أبيات عيسى بن زينب:
قاتل الله عريبا ... فعلت فعلا عجيبا
فراهنني بعضهم وعدل الرهنان وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها حتى أتممتها فإذا أنا بامرأة قد أخرجت رأسها فقال: يا فتى أنسيت أجود الشعر وأطيبه أنسيت قوله:
وعريب رطبة الشف ... رين قد نيكت ضروبا
اذهب فخذ ما بالغت فيه ثم ألقت السجف فعلمت أنها عريب وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم.
وقال عمر بن شبة كانت للمراكبي جارية يقال لها: مظلومة. جملية الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، فقال فيها بعض الشعراء:
стр. 320
لقد ظلموك يا مظلوم لما ... أقاموك الرقيب على عريب
ولو أولوك إنصافا وعدلا ... لما أخلوك أنت من الرقيب
أتنهين المريب عن المعاصي ... فكيف وأنت من شأن المرايب
وكيف يجانب الجاني ذنوبا ... لديك وأنت جالبة الذنوب
فإن يسترقبوك على عريب ... فما رقبوك أنت من القلوب
وأخبر بعضهم أنه لما نمى خبر عريب إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها فأحضر وغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي تقول:
لكل أناس جوهر متنافس ... وأنت طراز الآنسات الملائح
فطرب محمد واستعاد الصوت مرارا وقال لإبراهيم: يا عم، كيف سمعت. قال: يا سيدي سمعت حسنا وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك وساوم بها ففعل فاشتط مولاها في السوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار وانتقض أمر محمد وشغل عنها فلم يأمر لمولاها حتى قتل بعد أن افتضها فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عدي.
وقيل: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم إليه المراكبي من محمد بن حامد فأمر بإحضاره فسأله عنها، فأنكر. فقال له المأمون كذبت قد سقط إلي خبرك وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة ويضع عليه السياط حتى يردها فأخذه وبلغها الخبر فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرد ليضرب وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح أنا عريب إن كنت مملوكة فليبعني وإن كنت حرة فلا سبيل له علي فرفع خبرها إلى المأمون فأمر بتعديلها عنه قتيبة بن زياد القاضي فعدلت عنده وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها فسأله البينة على ملكه إياها فعاد متظلما إلى المأمون.
وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق ولا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة وتظلمت إليه زبيدة، وقال: من أغلظ ما جرى علي بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبي على داري وأخذه عريبا منها.
فقال المراكبي إني أخذت ملكي لأنه لم ينقدني الثمن فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقدي وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي فأخذها من قتيبة بن زياد فأمر ببيعها ساذجة فاشتراها المأمون بخمسة آلاف درهم فذهبت به كل مذهب ميلا إليها ومحب لها، وقيل: إنه لما مات المأمون بيعتعت في ميراثه ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم.
ثم أعتقها فهي مولاته وذكر بعضهم أنها لما هربت من دار محمد لما قتل تدلت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي. وقيل: إن المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار ودعا بعبد الله بن إسماعيل فدفعها إليه وقال: لولا أني حلفت أن لا أشتري مملوكاً بأكثر من هذا لزدتك ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار، وخلع عليه خلعة سنية فقال: يا سيدي إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، وأما أنا فإني ميت لا محالة لأن هذه الجارية كانت حياتي وخرج عن حضرته فاختلط وتغير عقله ومات بعد أربعين يوما.
وقيل: إن إبراهيم بن رباح كان يتولى نفقات المأمون فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب فأمره أن يشتريها فاشتراها بمائة ألف درهم قال: فأمرني المأمون بحملها وأن أحمل لإسحاق مائة ألف درهم أخرى ففعلت ذلك، ولم أدر كيف أثبتها فحكيت في الديوان أن المائة ألف خرجت في ثمن جوهرة، والمائة ألف
следующие страницы →