Полный текст (532 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فقط من لون السماء الصافي, ولمعان الكواكب وسكون البحر ونور القمر وضياء الشمس فيكتفي بهذا السرور ليس إلا.
لا جرم أن الإنسان كيفما التفت وأينما وجه نظره يتمثل لدى عينيه عظمة الله ووحدانيته.
ولكن أنت تعلمين أن أكثر مذاهب النصارى يعتقدون بالتثليث فلا أدري كيف يمكن توفيق ذلك مع الوحدانية.
قالت: من المعلوم أن المسائل الدينية مستندة إلى الرواية لا إلى أدلة عقلية أما أنا فقد افتكرت كثيرا في مسألة التثليث, فلم أتمكن من توفيقها على العقل والحكمة ولأجل ذلك أعتقد بوحدانية الله.
قلت: إذن يقتضي أن تكوني على مذهب الأربانيين.
قالت: كلا, إن هذا المذهب قد انقرض فإن مجمع أزنيق قد محاه محوا فالتثليث عند النصارى إنما هو بمثابة سر لا يدركه العقل فليس لهم إلا التسليم والاعتقاد.
قلت: إن الإنجيل الشريف خال من النص والتصريح المتعلق بمسألة التثليث فليس ثمة إكراه في الاعتقاد بشيء لا ينطبق على المعقول.
أما مسألة التثليث فقد ظهرت بعد حضرة سيدنا عيسى وبعده بأعصر ولا يوجد في الأناجيل قول يثبت ذلك, وما هناك من بعض التعبيرات لا تتخذ سندا وحجة لأن التوراة الشريف والإنجيل الشريف لو ظلا كما نزلا دون أن يطرأ عليهما تغيير أو تحريف لكانا حجة على إثبات هاته الأمور: ومعلوم أن الإنجيل الشريف لا يعرف في أية لغة كتب بادي بدء إذ لا يزال ذاك مختلفا فيه فمن المحتمل أن الوقت لم يمكن من كتابته فيبقى محفوظا في الأذهان حتى إذا عرج حضرة سيدنا عيسى ﵇ إلى الملأ الأعلى درج ما بقي مستظهرا في أذهان الحواريين من الآيات الإنجيلية في الأناجيل على طرز الحكاية.
وعلى ذلك فإن الأناجيل التي كتبت وهي تزيد عن الخمسين عدا إنما جرى التدقيق بها بعد ثلثمائة سنة من ميلاد سيدنا عيسى ﵇ فأبقى منها أربعة وترك الباقي وفي جهات كثيرة من هاته الأناجيل الأربع مباينات كلية يناقض بعضها البعض الآخر وهذا من الأمور الطبيعية لأن النصرانية ظلت ثلثمائة سنة تحت طي الخفاء وفي الوقوف على الحقيقة في إخلال هذا المقدار من السنين إشكال لا يحتاج إلى إيضاح.
قالت: ما قولك في التوراة؟ قلت: لا يخفى أن التوراة قد أحرقت وفقدت حينا من الزمن, ثم كتبت عن الحفظ مجددا فمن هذه الجهة لا تفيد علم اليقين بخبر واحد وبين أيدينا الآن ثلاث نسخ منها يناقض بعضها بعضا وفي ذلك دليل كاف على أنها محرفة لأن كلام الله لا يمكن وجود التناقض فيه.
قالت: ما هي المناقضات التي رأيتها في التوراة.
قلت: مهلا فأنني سأجد لك فيها تناقضا مهما. قلت ذلك والتفت إلى جارية كانت على مقربة مني وأشرت إليها أن تأتيني بالمحفظة الحمراء الموضوعة على الطاولة فأسرعت الجارية وجاءت بالمحفظة المطلوبة ودفعتها إليها فاستأنفت الحديث مع المادام. قلت: إليك بيان التناقض إن المدة التي مرت من خلقه آدم ﵇ إلى طوفان نوح ﵇ إنما هي بمقتضى النسخة العبرانية (١٦٥٦) سنة وبموجب النسخة اليونانية (٢٢٦٢) سنة, وبموجب النسخة السامرية (١٣٠٧) سنوات.
ولما كان هذا التناقض والاختلاف فاحشا جدا كان يتعذر التوفيق بين هاته النسخ وبموجب النسخ الثلاث أيضا يظهر أن نوحا ﵇ كان حين الطوفان بالغا ستمائة
стр. 387
من العمر وبحسب النسخة السامرية يلزم أن يكون نوح ﵇ حين وفاة آدم ﵇ بالغا ٢٢٣ سنة من العمر وهذا مردود باطل باتفاق المؤرخين والنسخة العبرانية مع النسخة اليونانية أيضا تكذب ذلك, لأن ولادة حضرة نوح بموجب النسخة اليونانية إنما كانت بعد سبعمائة واثنتين وثلاثين سنة.
ثم إن المدة من الطوفان إلى ولادة إبراهيم ﵇ هي ٢٩٢ سنة بمقتضى النسخة العبرانية و ١٠٧٢ بموجب النسخة اليونانية و ٩٤٢ بحسب النسخة السامرية, وهذا اختلاف فاحش أيضا ومما تقدم أعلاه يظهر أنه بحسب النسخة العبرانية كانت ولادة إبراهيم ﵇ بعد طوفان بمائتين واثنتين وتسعين سنة حالة كونه قد جاء مصرحا في الآية الثامنة من الباب التاسع من سفر التكوين إن نوحا ﵇ قد عاش ثلثمائة وخمسين سنة بعد الطوفان فمن ذلك يلزم أن يكون إبراهيم حين وفاة حضرة نوح في الثامنة والخمسين من عمره هذا باطل باتفاق المؤرخين, والنسخة اليونانية والسامرية أيضا تكذبانه لأن ولادة حضرة إبراهيم بحسب النسخة الأولى كانت بعد وفاة نوح بتسعمائة واثنتين وعشرين سنة, وبموجب الثانية بخمسمائة واثنتين وتسعين سنة, ولما كان من المستحيل العقلي وجود التناقض في كلام الله كانت آيات التوراة الشريفة المتعلقة بهذا البحث محرفة لا محالة.
قالت المادام: أجل إنني أعلم أن القرآن قد وصل إليكم كما سمع من نبيكم دون أن تطرأ عليه العوارض.
قلت: هو كذلك وعلاوة على هذا فإن المجتهدين عندنا لم يزيدوا شيئا على عقائدنا الدينية مخالفا للعقل والحكم, ونحن يمكننا أن نزن عقائدنا في ميزان الحكمة أما النصرانية فإن أبواب الحكمة مقفلة عندها.
قالت: في الحقيقة إن دينكم موافق للعقل والحكمة وهو من الأديان التي يمكن لكثير من العلماء الذين جردتهم مسألة التثليث من الدين قبوله والتدين به, ولقد توصلت بواسطة هذه الإيضاحات التي وقفت عليها إلى حل إشكال كنت مترددة في حله وذلك أن المرسلين عندنا في حين إنهم أنفقوا كثيرا من ألموال وألقوا بأنفسهم في التهالك والأخطار رغبة في دعوة الخلق إلى النصرانية فلم ينجحوا تمام النجاح, وأما حجاجكم وتجاركم فقد تمكنوا من دعوة ألوف من الناس إلى الإسلامية بمزيد السهولة في كثير من الأماكن التي مروا فيها ولقد طالما افتكرت في سر هذا الأمر وحكمته فلم أهتد إليه سبيلا أما الآن فقد فهمت أن لطافة دينكم وسهولته وانطباقه على الحكمة قد حمل الخلق على قبوله بهذه السهولة. وفي الحقيقة إن دينكم لا مرية في حقيته ولا مطعن عليه ولكن هناك مسألة واحدة تجعل الناس نفورا منه وتقوم سدا في وجه حسنه ألا وهي مسألة الحجاب عند النساء فإنه من الصعب جدا على الرجال والنساء من المسيحيين الذين ألفوا الحرية وعدم التستر أن يرضوا به ولو لم تكن فيه هاته المسألة لأصبح عدد كثير من الخلق الذين يبحثون عن دين لهم مسلمين.
قلت: لقد بينت لك أن قاعدة الحجاب في الشريعة إنما هي ستر الشعور.
قالت: وهذا لا يرضونه لأنهم متى صاروا مسلمين أجبروا على اتباعه.
قلت: إن المرأة التي لا تستر شعورها لا تخرج من الدين, وإنما ترتكب إثما وأساس الدين الإسلامي الاعتقاد بوحدانية الله تعالى ونبوة محمد ﵊ فالشخص الذي يعتقد ويسلم بهاتين القضيتين على أي دين ومذهب كان فهو مسلم ولا شرط في ذلك كليا نعم إن على المسلم بعض تكاليف إلهية كالصلاة والصيام وهي الفروض التي أمر بها الحق وقتل النفس وارتكاب المعاصي وهي الأمور التي نهى عنها
стр. 388
لأن الذين لا يمتثلون أمر الله ولا يجتنبون نهيه يكونون من الفاسقين ويستحقون في الآخرة العذاب ولكن مع ذلك فهم مسلمون إذ ينالون في نهاية الأمر جنة النعيم والله إن شاء عفا عنهم وإن شاء عذبهم بقدر إثمهم, ثم يدخلهم جنته ولا يدخل بين الله والعبد والمسلمون لا يحتاجون في استحصال العفو عن آثامهم كالنصارى إلى القسس وليسوا بمجبرين على الذهاب حالا إلى الجامع لأداء العبادة نظير المسيحيين الذين يكونون مجبرين في عبادتهم للذهاب إلى الكنيسة فإذا رغبوا في التوبة والاستغفار انسحبوا إلى زواية ما فناجوا الحق وليسوا بمجبرين أن يكشفوا ضمائرهم وخفاياهم لغير الله.
أما المادام فإنها بعد صمت قليل عادت إلى التفكر والتأمل بمقتضى لطافتها الطبيعية وصرت وإياها على اتفاق في الرأي وأما اللاتي كن في الرواق فكان بعض منهن يتحادثن مع البعض الآخر وبعض يجلسن في الرواق مسرورات بضوء القمر حتى إنهن طلبن القهوة مرة ثانية وأحببن أن يكرمننا بفنجان آخر على أننا اعتذرنا عن قبوله وكانت إحدى الزائرات في تلك الأثناء تنشد نشيدا تركيا بصوت خافت, وقد لاحظت على المادام أنها سرت من صوتها ونشيدها فإنها كانت ترعاها السمع, ثم ما عتمت أن باحت بسرورها وانشراحها من صوت المنشدة في مثل هذا الوقت الذي كان الهواء ساكنا به أما أنا فالتفت إلى المنشدة. وقلت: إنه حسن فأنشدي شيئا محزنا مؤثرا يناسب هذا الصوت المهموس.
قالت: ما الذي يجب أن أنشده.
قلت: شيئا من الحجاز.
فأخذت السيدة تنشد نشيدا لطيفا من الحجاز بصوت رخيم مؤثر للغاية وكانت المادام تصغي إليها تمام الإصغاء.
فقلت: أيتها المادام, أليست الأمواج التي تحصل من ارتجاج الهواء على ثوبك الحريري في المراقص تشابه هذا الصوت.
قالت: أجل إنني أفتكر بهذا الأمر ويلذني سماع الأنغام على اختلاف خروجها وفي الحقيقة إن المادام كانت تستمع الغناء بلذة لا مزيد عليها وبعد انتهاء الإنشاد حولت المادام ذهنها إلى التفكير في الصدى والموسيقى من حيث العلوم الحكمية كما أن هاته العاجزة على كوني لست بواقفة تماما على ما يمر في ذهن هاته المرأة العالمة من ضروب الحكمة العالية إلا أنني قد أخذت افتكر ببعض أشياء تواردت على ذهني القاصر, فسبحت في فضاء التصور مدة لا أعرف مقدارها ولكنني أعلم أن يدا مستني وصوتا دخل في أذني فالتفت, وإذا بجارية خدمتي الخاصة تنبهني قائلة: يا سيدتي, لقد مسك البرد.
قلت: إن يدك حارة فمن أين أتاك إنني بردت حتى أيقظتني.
قالت: إنني منذ هنيهة قد شعرت بالبرد فارتديت بالكساء, ولما رأيتك جالسة هنا ملتزمة جانب الصمت ظننتك راقدة فخفت أن تصابي بالبرد ولذلك نبهتك لأنني ما تمكنت من مشاهدة وجهك, فلما لمست يدك شعرت أنك باردة حقيقة.
قلت: فالحق معك فاذهبي وأتينا بغطاءين لأن ضيفتنا المادام تكون قد بردت أكثر مني من حيث إن يديها وعنقها لا يسترهما إلا ستار شفاف.
стр. 389
أما المادام فقد استيقظت على صوت محاورتنا فهبت من بحراتها وأخذت تلتفت ذات اليمين وذات الشمال فلم تر غير الجارية إذ إن رفيقاتنا كن خرجن وأبقيننا وحدنا. فقالت: لقد ضاقت صدورهن من سكرتنا فتفرقن وتركننا منفردتين, فما هاته الحال الغريبة؟ لا جرم أنه ليس من أحد يرضى عمن يكونون في حالة الصمت والراقدون لا يرون أحدا عندهم, وقد تذكرنا حال الرقاد بحالتنا أوان الموت. وفي الحقيقة إن حالتنا الحاضرة تمثل حالة الموت.
قلت: هيهات أيتها المادام أن يكون في النوم وفي الموت راحة مثل التي رأيناها في هاته الليلة حينما كانت أفكارنا سائحة في بحور التصورات اللذيذة.
أما هذه الكلمات فقد ذهبت بصفاء وانشراح كل منا فإن ذكر الموت الذي سيكون خاتمة عمرنا قد جعلناه ختاما لفرحنا وسرورنا في تلك الليلة على أن الموت الذي مع كوننا نرغب أبدا في أن نهرب منه نرى أنفسنا متقربين إليه فقد تمثل لنا كثيرا في تلك الليلة فتجلى لنا كأنه يقول بلسان الحال: إياكما أن تنسياني وفي هذا الوقت أيضا قد بدت لنا عظمة الخالق الباقي, وظهر لدينا عجزنا فرأينا بعين الحقيقة أن كل شيء فان ولا دائم إلا الله سبحانه, فهذا الفكر الرهيب لم يمكنا من البقاء حيث كنا فخرجنا نفتش على رفيقاتنا لنجتمع بهن ثم دخلنا جملة إلى القاعة في ضمن المنزل, وقد أثرت فينا تلك الأفكار تأثيرا شديدا, فصرنا نرجف من هولها وتنتفض من دهشتها, وفي تلك الأثناء أتي بالمبردات فطافت بها الجواري على الزائرات غير أن المادام ترددت في قبولها ومذ لحظت منها قلت: إنني راغبة في كأس من الشاي فهل ترغبين أيتها المادام أن يأتوك بكأس منه؟ قالت: لله أيتها السيدة, إنني اشكر لك وأرغب بالشاي وأرجو أن يؤتى إلي بكأس منه.
وما مر على ذلك بضع دقائق حتى أتي بالشاي المطلوب فشربناه فعاودتنا الحرارة, وبعد جلوس هنيهة من الوقت اتصل بالآذان صدى ترتيب مائدة السحور, فهبت المسافرات لاستدعاء القوارب.
أما المادام فأوصت أن يأتوها بعجلتها, ولما كانت القوارب رابطة على الرصيف وكانت تهيئتها أسهل من تهيئة العجلة تمكن الزائرات من ركوبها قبل مجيء العجلة فذهبت كل واحدة منهن في وجهتها المقصودة, ثم جاء النبأ إلى المادام بتهيئة العجلة فنهضت على أقدامها وارتدت بثوبها وأخذت مروحتها بيدها, ثم قالت وهي على قدم الذهاب: إنني أشكر لك شكرا جزيلا لما أوليتيني من المعروف في هاته الليلة ولا يخفى أن المقصد من السياحة إنما هو مشاهدة ما لم تشاهده العين ومعرفة الأشياء غير المعروفة وكما أنني ميالة إلى الوقوف على أحوال كل مكان هكذا كان من أخص آمالي أن أطلع على تركيا وعاداتها وأفكارها وعقائدها ولأجل ذلك صرفت في هذا السبيل وقتا طويلا ولم أقصر في النفقات ولكنني أقول الحق: إن المعلومات التي حصلت عليها إلى الآن لا توازي شيئا من العلم الصحيح الذي وقفت عليه هذه الليلة فأنا ممتنة جدا.
فقلت لها: إن إكرام الضيف ملتزم عندنا فمهما حصل في سبيل ذلك من المشقة فما نحسبه إلا محض راحة, لا جرم أن رغائبك لا تتعدى حد الكلام وهذا الكلام وهذا سهل للغاية فيا حبذا لو تكرر هذا الاجتماع ويا حبذا لو أمكن مصادفة كثيرات من أمثالك لأن محادثة عالمة وفاضلة نظيرك إنما هو من حسن الطالع, ولذلك أقدم لك تشكراتي القلبية على ما أنلتينيه من الحظ في هاته الليلة, وهاته العاجزة قد تحصلت بهذه المدة الوجيزة
стр. 390
على معلومات كثيرة كان يلزم أن أطالع عدة كتب حتى أتمكن من الحصول عليها فأبثك أيتها المادام شكري وأعلن امتناني الحقيقي.
قالت المادام: سيبقى أثر هاته الليلة وأثر الاجتماع بك ثانيا في الذهن إلى ما شاء الله. قالت هذه العبارة الأخيرة ثم ودعتني وذهبت في عجلتها.
على أنني وإن كنت لا أعرف ما إذا كانت تحافظ حقيقة على الذكرى كما قالت قد شعرت بتأثير كلماتها في قلبي فإنني لا أزال أهز بذكرى تلك الليلة وأفتكر بمحادثتنا غير أنني لم آخذ منها حتى الآن كتابا, وقد علمت أنها ذهبت للتسوح في البلاد العربية, وسمعت أنها ستضع كتابا في سياحتها, فلا ريب أن هذا الكتاب سيكون مجمعا للحقائق, وهذا متوقف على إتمام السياحة ومتعلق بالتوفيق الإلهي.
المحاورة الثالثة
إن شهر مايس (نوار, أو أيار) بغاية اللطف والنشاط فهو متوسط بين حر الصيف وبرد الشتاء بمعنى أن حره أقل من حر الصيف وبرده أخف من برد الشتاء، ففي مثل هذا الشهر الذي انتشرت به الروائح الزكية وضاعت أرواح الأزهار المتنوعة كنت جالسة صباح يوم منه في إحدى عرف البستان وكانت نوافذ الغرفة مفتوحة يدخل منها ألطف الروائح العطرية التي تشبه المسك أستغفر الله إنني لم أحسن الوصف والتمثيل، فشتان بين تلك الرائحة وبين رائحة المسك التي قد توجب لبعض الناس سروراً ولبعضهم كدراً في حين أن رائحة الورد والقرنفل والياسمين وما ماثل من الأزهار التي كانت منتشرة في أرض الجنينة وفي جدرانها يتضوع منها أريج ينعش الأرواح، ورائحة الأشجار التي كانت قريبة من نوافذ الغرفة وأزهارها الناصعة البياض كل هاته الروائح الزكية كانت تفوق بنشرها على رائحة المسك، ومع هذا فإن رائحة كل فصيلة منها تختلف عن الأخرى فلم يكن ثمة مشابهة بينها الإطلاق، حتى أن رائحة الجنس الواحد منها كانت تختلف باختلاف أشكاله بين الأصفر والأحمر والأبيض، وهكذا يقال عن سائر أنواع الأزهار. وفي ذلك حكمة صمدانية تدق على الأفهام أما البلابل فكانت في صباح اليوم -المذكور- تطرب الجماد بنغماتها الشجية وتغرد تغريداً ترقص له القلوب في الصدور فتردد بأصواتها المطربة ما يمثل حالة العاشق الذي يطارح معشوقه كلمات الحب حتى إذا لم ينل منه جواباً ظهرت في عنقه إشارات الذل والانكسار.
وجملة القول: إن روائح الأزهار المتنوعة، وأصوات البلابل، ومناظر الأشجار المنتشرة في البستان كانت تشترك بلذتها حاستا السمع والنظر.
وعلى مثل ما تقدم وصفه كانت هذه العاجزة جالسة حوالى منفذة يحيط بها اثنتان من صويحباتي لمناولة قهوة البن بالحليب، وكانت إحداهما تدعى ص.. خانم، أما هذه السيدة فإنها تحسن اللغة الإنكليزية وتعرف قليلاً من الفرنسية بمعنى أنها تفهم هذه اللغة ولكن ببطء، وتتكلم ولكن بصعوبة، وتكتب باللغة التركية بدرجة تتمكن بها من التعبير عن فكرها وإفهام مرادها، والسبب في تضلعها في اللغة الإنكليزية زيادة عن اللغة التركية إنما كان منشؤه مربيتها التي كانت إنكليزية المتحد ولأجل ذلك تلقت منذ الصغر عنها اللغة الإنكليزية فأتقنتها كل الإتقان، فكانت أخلاق هاته السيدة قريبة من أخلاق الإنكليز إذ إن للتربية تأثير كلياً في الأخلاق كما لا يخفى، فكانت منزهة عن شوائب الكلفة تحب الصحة
стр. 391
وتألف العزلة وتميل إلى الأزياء، ولما كنت على بينة من صفاء نيتها وحسن طويتها وكانت من قلبها ظاهرة للعيان ظهور الشمس في رابعة النهار قلت لها: إنني سأعرض ذكرها في رسالتي، والتمست لها أن تأذن لي في ذلك فلبت طلبي، وأجابت مسؤلي، وصرحت بسذاجة تامة أنها لا مانع من ذلك أصلاً حتى حملني هذا التصريح على أن أسألها عن الطريقة التي تحب بها آتي على ذكرها في هاته الرسالة. فقالت جواباً عن ذلك إنها على يقين من محبتي لها فهي واثقة بأنني لا يمكن أن أذمها أو أعرض في ذكرها بالسوء ثم قالت: وهب أنك هوجتني أو طعنت علي فلا يؤثر ذلك شيء في قلبي لما أنك ستكتمين اسمي ولا تصرحين به بل إن الانتقاد علي أحسبه مفيداً جداً لي لما أنني أضطر على إصلاح الفاسد من صفاتي وأخلاقي.
وأما رفيقتي الثانية فكان اسمها ن ... خانم فكانت تحسن لغتها التركية تكلماً وقراءة وكتابة على أنها كانت تدل بعلمها وتحسب نفسها فوق درجتها، وهذا الوهم قد بعثها على الوقوف عند الحد الذي كانت فيه فلم تتقدم عن تلك الدرجة شيئاً على أنها لم تكن خالية من الذكاء، وكانت أيضاً ميالة إلى مساعدة غيرها، راغبة في فائدة السوي وكانت ودودة راسخة في الصداقة لأحبائها تكره الأزياء إلا أنها كانت تضطر عند الذهاب إلى الولائم وجميعات الأفراح أن تجاري غيرها في الاكتساء بألبسة على آخر طرز، وأما في سائر أوقاتها فكانت تلبس الألبسة التركية وهذه الألبسة التركية هي عبارة عن ثوب بسيط مما يقال له: ثوب الغرفة على أن هذا الثوب إن لم يكن يعرف حقيقة ما إذ كان يصح أن يقال له ثوب تركي إلا أنه يستعمل على هذه الصورة.
وجملة القول أن السيدة "ن" كانت تميل إلى الأزياء التركية في حين إن السيدة (ص ... ) كانت لا تهوى ولا تحب سوى الألبسة الافرنجية.
وكانت السيدة (ص ... ) كثيرة الملل والضجر في ذاك الصباح لأنها قد اضطرت على عمل ثوب جديد للذهاب به إلى أحد الأفراح كلفها ٣٥ ليرة، وحيث أن الزفاف تأخر إلى فصل الشتاء مست الحاجة إلى عمل ثوب آخر إذ أن الثوب الأول لا يصلح للفصل المذكور وفضلاً عن ذلك فإنها لو قصدت أن تلبس ثوب السنة الماضية الذي لم تلبسه أصلاً لامتنع عليها الأمر بسبب ما طرأ على الزي من تغير، وقد صرحت هذه السيدة بضجرها وكدرها من التغيرات المذكورة ومن غلاء الأسعار في قيم الأقمشة وغيرها من صاحبات الأثواب ذاكرة أنها ابتاعت ذراع التخريم بثلاث ليرات، ونظراً لتغير الزي الأول قد أحوجها الأمر إلى طرحه في زاوية الاهمال.
وكانت السيدة (ص ... ) تروي أسباب كدرها على الوجه المذكور غير أن السيدة (ن ... ) التي كانت تكره الأزياء قد أدت بها تلك الرواية إلى الحدة والانتقاد، فصرحت بما أورثها بيان تلك السيدة من التأثر والكدر، ثم عقب ذلك جرت المباحثة الآتي بيانها بين السيدتين فقالت السيدة (ص ... ) : إنني منذ السنة الماضية قد ازددت سمناً بحيث إن مشد الألبسة قد ضاق علي فهل يمكنني أن أجد من جنس القماش من أجل توسيعه، وعلى كل فإنني لو وضعت له قماشاً بسيط اللون لوجب مزجه لا فقط من جهة الصدر بل من سائر أطرافه.
قالت السيدة (ن ... ) : (كلا لا يجب أن تحملي نفسك ثقلة لهذا الأمر) .
قالت "ص" لها: ولماذا؟ قالت: ربما هزلت إلى أن يحل الأجل المضروب فحينئذ ينطبق عليك المشد كما يلزم.
стр. 392
قالت لها: إنك تحملينني عناء بهذا الفكر.
فقالت: (كلا إنني لم أقصد ذلك وإنما أنت التي تحملين نفسك عناء فلا أخفي عنك إنني سأدعى إلى ذلك الزفاف ولكنني إذا رأيت أنه سيطول الأجل علي الذهاب إليه فإنني أستغني عن ذلك.
فقال السيدة "ص": كأنما تعنيني بما تقولين أنك لا تحبين أن تكتسي في الأفراح على مقتضى أصول الزي.
قالت: لا، لا أقصد ذلك وإنما متى أردت أن أصنع ثوباً آخذ القماش إلى الخياطة وأطلب منها أن تصنع لي ثوباً من آخر زي، وعند الحاجة أكتسي بهذا الثوب.
قالت: فإذا بطل زي الثوب التي تكونين لم تكتسي به فماذا تصنعين؟.
قالت لها: أنادي الخياطة وأطلب منها أن تحوله إلى الزي الجديد.
قالت: لا أعترض على ذلك وإنما أخبرك أنني أنفقت على هذه الأثواب خمساً وثلاثين ليرة، والنظر إلى التغيير الذي طرأ على كسمه أصبح يحتاج إلى خمس أو ستة أذرع من القماش. آخر ومعلوم أن القماش العاطل لا يصلح أن يضاف على الجيد وأقل ثمن ذراع القماش فهو من نصف ليرة إلى ثلاث ليرات ويلزمه خمسة عشر ذراعا من التخريم فإذا كان الذراع بخمسين غرشا بلغ ثمن الأذرع سبعمائة وخمسين غرشا , وإذا أضيفت إليه أجرة الخياطة وهي ثلاث ليرات كان المجموع ثلاث عشرة ليرة ونصفا, ثم إن الخياطة لا بد أن تضيف إلى ذلك لا أقل من ليرتين بحجة أنها أنفقت على بعض اللوازم الطفيفة فتصبح النفقات خمس عشرة ليرة ونصفا, أليس إن هذه القيمة تكون قد ذهبت جزافا؟ قالت السيدة "ن": إذن ما تقولين عن الخمس والثلاثين ليرة الأولى ألم تذهب جزافا أيضا؟ قالت: لسنا نجول عراة, كما لا يخفى.
قالت السيدة "ن": لا أقول يجب أن نكون عراة الأبدان ولست أتأسف على الدراهم التي تنفق في مشتري الأقمشة وإنما أتأسف على الأموال التي تصرف في سبيل التخاريم وما ماثل ذلك من الزوائد والأطراف, وعلى القيم التي تدفع للخياطة لأنها تكاد توازي نصف الخمس والثلاثين ليرة.
قالت السيدة "ص": ما العمل هل يمكننا أن نلبس القماش كما هو ألست أنت تخيطين أثوابك أيضا ثم تلبسينها؟ قالت لها: لقد أتيت بشيء يمنع ضرر الأزياء في الوقت الحاضر فإنني فصلت ثوبا على الزي التركي من القماش الثقيل لا يضيق ولا يحتاج إلى الإبدال والتغيير, وجعلته بسيطا لا زخرفة فيه, ولا زوائد وقد اقتصدت من إهمال التكاليف وزوائد عدة الأثواب, واشتريت قطعة من الماس البرلنتي بحيث إنني متى رغبت في بيعها لا أخسر من ثمنها شيئا بمثلها وبما ماثلها. قالت السيدة "ص": ستكونين بمعزل عن العالم! قالت لها: أنا لا أقول إنه يجب على الجميع أن يكتسوا بمثل كسوتي ولكن لو اكتسيت بالثوب الذي تغير زيه الأول لعرضت نفسي للهزء والسخرية.
فقلت للسيدة "ص": إن ذلك ليدهش كثيرا ولست بمنفردة فيه بل إن الأوربيات أنفسهم يرينه غريبا
стр. 393
أتحسبين متانة أقمشتنا الوطنية ورخص أثمانها قبيحا ونبتاع ذراع القماش الإفرنجي المزركش بالنحاس بليرتين لا تعجبنا أقمشة حلب والشام وبغداد وديار بكر وكلها من الفضة الخالصة لأن ذراعها لا يتجاوز ثمنه الخمسين غرشا إن كون القماش من متاعنا لا يمنع من أن نخيطه على الطرز الإفرنجي أفلا يعجبك هذا القماش الذي ترينه علي فإنه عبارة عن ثوبين طولهما عشرون ذراعا دفعت ثمنها ثمانية مجيديات فيكون ثمن الذراع ثمانية غروش, ولو كان هذا القماش من أقمشة أوروبا الحريرية ما أمكن مشترى الذراع منه بأقل من عشرين غرشا, ولقماشنا مزية أخرى وهي أنه إذا تلوث بشيء فيمكن غسله وكيه وحينئذ يعود إلى حالته الأولى! فقالت السيدة "ص": لا جرم غير أن أقمشتنا كلها على نسق واحد فلا يمكن تغيير أزيائها.
قلت لها: الإنصاف أيتها السيدة لو كان عندنا للأقمشة الوطنية نصف الرغبة في الأقمشة الإفرنجية لترقت أقمشتنا أيما ترق فعلينا في بادئ الأمر أن نسعى في أن تباع أقمشتنا الحاضرة ليمكن إيجاد ألوان أخرى وأن نهتم بها اهتمامنا بالأقمشة الأوروبية إذ لا يحق لنا أن نقول: إننا طلبنا اللون الفلاني من الأقمشة الوطنية فلم نحصل عليه ومعلوم أن في الوقت الحاضر أخذت تنسج في البلاد المحروسة الشاهانية جميع الأقمشة كالأطلس والخز وغير ذلك وهي أكثر مما يلزمنا, وهذه الأقمشة لها محل من القبول في أوروبا فلا أدري لماذا نحن ننفر منها, أتظنين أن الإفرنج يرضون ويسرون بما نفعله وما نسلكه من طرق التقليد لهم؟ كلا, إنهم يعيبون علينا هذا الأمر ولقد يخجلني ما تقول كثيرات من النساء الإفرنجيات عن ميل الأوروبيين إلى أقمشتنا ونفرتنا منها إذ إن هاته الأقمشة ترسل إلى أوروبا على سبيل الهدايا ونحن لا نكتسي بها على الإطلاق نعم إننا مضطرون إلى الاكتساء ببعض الألبسة الإفرنجية ولكن هاته الألبسة هي كناية عن الفانيلات والجوارب والشيت والباتسته فإن بلادنا خالية منها.
قالت السيدة "ن": أليس عندنا من القماش الكتاني ما يعادل الشيت (بصمه) ؟ فقلت لها: كلا, إن الأقمشة الكتانية لا تغني عن الشيت شيئا, فإن الفقير يمكنه أن يشتري ذراع الشيت بستين باره, ثم يخيطه ثوبا فيلبسه ويغسله وهلم جرا. أما الأقمشة الكتانية فإنها قاسية بحيث إذا غسلت ازدادت خشونة عن الأول, انظري إلى هذا الجمع الحاضر فإنك ترين أن الألبسة الليلية التي نكتسي بها في هذا الوقت كلها من الباتستة ولا يمكن أن نظفر لهذه الغاية بأحسن منها, أما أنت فترجحين الأقمشة الكتانية عليها.
قالت السيدة "ن": كلا, إن ألبستي الليلية كلها من الباتستة ولا أكتسي بقماش آخر على الإطلاق.
قلت لها: إذن يجب على الإنسان في بادئ الأمر أن يهتم بنفسه ثم بغيره وأنا لا أقول أنه يجب أن نحرم أنفسنا من المتاع الإفرنجي تماما ولكن أريد أنه يلزمنا أن نروج بضائعنا ولا ننبذها ظهريا.
قالت السيدة "ن": صدقت, فإن الشيت أفاديا كثيرا واستنفد أموالنا أيضا.
قلت لها: أجل إن الشبت والباتستة تتوارد إلى بلادنا من أوروبا بكثرة لأن الحاجة إليها عمومية ولا شك أنه إذا أردنا أن نحسب الأموال التي تخرج من بلادنا بمقابلة هذه الأقمشة نراها كثيرة جدا وموجبة للحيرة والدهشة.
стр. 394
قالت السيدة "ص": إذن عزمت أن اشترى بالخمس عشرة ليرة التي سأنفقها على إصلاح ثوبي للسنة الماضية قماشا وطنيا وأخيطه على الزي.
قالت السيدة "ن": ما المانع من أن تخيطيه على الطرز التركي.
قالت لها: أي طرز تعنين؟ أمثل ثوبك الذي تلبسينه الآن -يعني ثوب الغرفة وثوب الصباح- فإن هذا لما أنه يسمى العلوي أيقال عنه إنه طرز تركي؟ قالت السيدة "ن": إن ثوب الغرفة (روب دي شامير) إنما يكتسى به في الغرف بمعنى أنه لا يمكن الظهور به أمام الناس والقصد منه أن يحصل المرء على راحته, وثوب الصباح يكتسى به لكي يكون الإنسان مرتاحا في وقت الصباح أي إنه بعكس ثوب الغرفة أما نحن فإنه يمكننا أن نلبس أيا شئنا منهما قصد الحصول على الراحة في جميع الأوقات.
فقلت لها: إن السيدة "ص": يميل قلبها إلى الأزياء الإفرنجية فتخيطها كما تريد, وأنت أيتها السيدة تميلين إلى الزي التركي وهكذا تفعلين, أما أنا فلأنني لا أكره الطرزين ترينني أخيطها أحيانا على الزي الإفرنجي وأوقاتاً على الطرز التركي حسب ما تميل إليه نفسي, ولقد قلت: إنه بما أننا لم نخرج عن عاداتنا لذلك لا نعرض أنفسنا للهزء, على أنه متى أردنا أن نكتسي على الطرز الإفرنجي ولا شك أن حريتنا في مسائل الكسوة إنما هي نعمة مخصوصة والخلاصة أقول وأرجو أن لا يصعب عليكما مقالي إنني لا أذهب مذهب إحداكما من جهة التمسك بالتقاليد الإفرنجية ما أقيد نفسي فيها تقييدا, ولا أرد بعض الفوائد التي تشاهد في الألبسة الإفرنجية تعصبا للعادات التركية إذ إنه لا ينكر أن الأزياء قد أتت بفائدة أخصها منع جر الأذيال.
قالت السيدة "ن": إن الأزياء تختلف كثيرا فلا تستقر على حال فيبينا تكون على النسق الفلاني إذ انتقلت إلى طرز آخر وبينا تكون ضيقة على الحقوين إذ تنفرج عنهما وبينا يجب أن تكون بسيطة للغاية إذ تتغير تغيرا مطلقا، ثم ترين أيضا أن زي الأذيال قد عاد تكرارا. فقلت لها: نحن، يجب علينا أن نتبع الأزياء التي تعجبنا ونرضاها فالتي نراها غير ملائمة في ذاك الوقت يلزمنا أن ننبذها ظهريا. وفي تلك الأثناء دخلت علينا سيدة مسنة فقالت: آه من فتيات هذا الزمان أرى أنهن لا يزلن مكتسيات بألبسة النوم حتى أنهن لم يسرحن شعورهن أيضا وا أسفاه عليهن من مسكينات إنني لما كنت مثلكن لم أكن أعرف المحل الذي أطؤه.
فقلت لها: ألم تكوني تفتكرين بأي إنسان؟ قالت العجوز: كلا، يا روحي لا أقصد ذلك مما قلت وإنما قصدت فيما ذكرت مجرد المزاح لا غير ولعمري إنني إلى مثل هذه الساعة لم أكن أقف في محل معلوم بل كنت ألبس ثيابي وأطير ركضا.
قالت السيدة "ص": هل لك أن تنبئينا كيف كانت كسوتك في أيام صباك؟ قالت: عند النهوض من الرقاد كنت أقف أمام المرآة فأربط عصابتي - المسماة (حوطوز) - وألبس ثيابي التي كانت مفتوحة تماما على الصدر.
قالت السيدة "ص": هل كان الثوب المفتوح من الصدر موجودا في ذلك الزمان إذن يفهم مما قلت إن هذا الزي كان هو الزي الدارج في العصر السابق.
стр. 395
قالت العجوز: لا جرم فإنه كان من جهة مفتوحا على الصدر، ومن جهة ضيقا كثيرا وا أسفاه عليكن أيتها الفتيات إنكن لم ترين شيئا فأين هذا العصر من عصرنا الماضي.
قلت لها: ألم يكن في عصر صباك عجائز لم يكن يستحسن ذوقك؟ قلت: كيف لا؟ فإن عجائز ذلك العصر لم يكن يرضين ذوقنا وزينا.
قلت: ماذا كن يقلن عنه، وكيف كانت كسوتهن؟ قالت العجوز: إن العصابة المسماة (حوطوز) لم تكن عامة وإنما كان للعجائز عصائب مخصوصة بهن يسمينها (قايق حوطوز) وكانت مؤلفة من سبعة أو ثمانية مناديل يعلوها ثلثمائة إبرة.
قالت السيدة "ص": خطابا إلى السيدة "ن": أيتها السيدة الميالة إلى الأزياء التركية إنك ما دمت شديدة الميل إلى هذه الأزياء فعليك بعمل هاته العصابة لأنها تمثل الأكسام التركية كل التمثيل وإلا فاقصري عن التضجر من الألبسة الغربية كأثواب الصباح والغرفة والجاكتا إلخ.
قالت السيدة "ن": إنني أرى راحة في استعمال الأثواب التركية ولأجل ذلك أكتسي بها وما الفائدة من وضع مثل هذه الأحمال على رأسي.
قالت السيدة "ص": إذن أرجوك أن لا تعترضي على كل الناس لأنه قد تبين لك أن الأزياء تتغير من وقت إلى آخر وأن هاته الحال موجودة عندنا أيضا على أن الفرق بين الزمانين أن الألبسة - في الماضي - كانت تتغير مرة في كل أربعين أو خمسين سنة، أما الآن فإنها تتغير في كل ستة شهور.
فقلت: أجل، إن ذلك تأثير السرعة في أزمنتنا، فإن سكان الدنيا الذين يتقلبون أبدا من حال إلى حال لا يمكن أن تبقى ألبستهم على حال واحدة.
قالت: فإذن صار يجب أن نلبس ثيابنا.
قلت: فليأتوا بألبستك إلى هنا.
وبعد أن قلت ذلك جاءوا إليها بالألبسة فأخذت الجارية تلبسها، وبينما كانت تربط رباطات المشد قالت: آه إنني حتى الآن لم أتعود تحمل هذه المشد فإنه يضايقني ويسلب راحتي، فكيف أعمل لا أدري؟ فقلت لها: لا تلبسيه.
قالت: إذ لم يلبس لا يبقى من كسم للأثواب.
فقلت لها: إلبسيه إذا قالت: أنا لم أقل لك إنه يؤثر على معدتي.
فقلت لها: ماذا أقول يا سيدتي فإما أن تلبسيه أو لا.
قالت: الأمران ممتنعان.
قلت لها: إذا وجدت لهما ثالثاً فافعليه.
قالت السيدة "ن": آه يا عزيزتي إن ثوبي الواسع لا يحملني شيئا من هاته الأثقال.
فقالت السيدة "ص": إنه لا يعرف لك كسم لأنه لا ينظر بل يبقى محجوبا.
فقالت لها: أيحسب ذلك عيبا فإنه إذا كان به قصور فلا يشاهد؟ فقلت للسيدة "ص": ألم تقرئي ما كتبه مدحت أفندي بشأن المشد في كتابه المسمى بالمصاحبات الليلة؟
стр. 396
قالت: أمان يا عزيزتي ماذا قال بهذا الشأن؟ فقلت لها: ها هو على مقربة منك فخذيه واقرئي.
قالت: أريني المحل المقصود منه.
فأخذت الكتاب ولما عثرت على الفقرة المتعلقة بالمشد دفعته إلى السيدة "ص": فما أعتمت بعد قراءته أن قالت: يا عزيزتي إن لم يضع له قرارا قطعيا فقد استصوب المرين أي أن يلبس وأن لا يلبس.
فقلت لها: إذا تريدين أن يقول أكثر من ذلك، فإنه وافق على قول الحكماء وعلى قول الخياطين فقد قال مدحت أفندي: إذا شاءت المرأة عمرا عزيزا فلتبسه، وإذا أرادت عمرا لذيذا فعليها أن لا تلبسه، وأنت مخيرة بين المرين وبعد أن انتهت الجارية من تلبيس السيدة وتبكيل الأزرار أخذت ملاقط الشعر لتحميها على النار ثم تعود بها لتصلح شعر سيدتها فقالت السيدة "ص": ما هذا الكسل أيتها السيدات أليس في نيتكن أن تلبسن أثوابكن؟ فقلت لها: لا يجب أن تهتمي بهذا الأمر إنني أستطيع أن ألبس ثيابي قبل أن تنتهي من تزيين شعرك.
فقالت مخاطبة إلى جاريتي اذهبي أنت وألبسي سيدتك ثيابها فإنني أراها لا تحب أن تفعل ذلك من نفسها.
فقالت لها الجارية: إن سيدتي تكتسي بيدها ولا تحب أن ألبسها ثيابها.
قالت: أصحيح أنها متعودة على ذلل؟ لعمري إنها لا تعرف راحتها.
فقلت لها: لا يمكن أن أتصور تعبا يزيد عن الاحتياج إلى شخص آخر في أمر اللبس وكثيرا ما كنت ألاقي من العذاب ألوانا عندما كانت تأتي البنات أحيانا إلي ويطلبن مني أن أسمح لهن في مساعدتي بلبس الثياب، وقد قلت لهن مرارا: إنكن إذا كنتن راغبات في راحتي فدعنني وشأني ولا تتعرضن لمساعدتي، ومذ حينئذ أصبحن لا يتعرضن لي بشيء من ذلك.
قالت: كيف تستطيعين أن تعقدي ربط المشد؟ فقلت لها: عندما ألبسه لأول مرة أضيقه من الوراء إلى درجة اللازمة وأتركه معقودا هكذا فلا يبقى إلا ربطه من جهة الصدر وتزريره، فأفعل ذلك بنفسي خصوصا وأنت تعلمين أنني لا أستعمل المشد يوميا إذ لست بميالة إليه كل الميل ومتى استعملته لأشد كثيرا.
قالت: أنت تسرحين شعرك بنفسك أيضاف أما أنا فإنني منذ صغري كانت مربيتي هي التي تسرحه والآن قد تعلمت هذه الفتاة طريقتها فصارت ترتب شعري أحسن ترتيب.
قلت لها: فإذا لم تكن هذه الفتاة ماذا تفعلين؟ قالت لا جرم، إنني حينئذ ألاقي كثيرا من المشقة لأنني ميالة إلى الترتيب التام، وأولئك البنات لا قدرة لهن على هذا العمل. فقالت جاريتي: إن سيدتي تحسن تنظيف وصف الشعر كل الإحسان حتى إننا عندما نكون متهيآت للذهاب إلى فرح ما تأخذ هي في تسريحنا إذ ترى أننا لم نحسن صنعته.
فقالت: لعمري إن ذلك حسن جدا فإن أمكن رتبي لي شعري إلى أن تكون الفتاة قد انتهت من إحماء الملاقط.
فقلت لها: أتحبين أن أرتبه كما كان مرتبا بالأمس؟
стр. 397
قالت: نعم. فبادرت في الحال إلى جمع الشعر وتسريحه ثم قلت: قد تم المقصود يا سيدتي.
قالت: يا عجبا ما هذه العجلة.
فقلت: ماذا يهمك الاستعجال ما عليك إلا أن تنظري إذا كان أتى حسب المرغوب أم لا فأخذت السيدة "ص" شعرها بيدها ونظرت إليه مليا ثم قالت: لا جرم انه في غاية الإتقان.
غير أن زينتها لم تكن قد تمت لأنها كانت تنتظر (الكي بالملاقط) وفي تلك الأثناء دخلت جاريتها الملاقط المحماة فخرجت إلى غرفة ثانية لألبس ثيابي وبعد أن لبستها عدت إلى حيث السيدة "ص" فوجدت أن عملية الكي لم تنته.
فقالت: يا عجبا، أراك قد لبست ثيابك وزينت شعرك في هذه الفترة.
قالت السيدة "ن": لقد رأيت هناك رسما فما هذا الزي؟ فقلت لها: وجدته في غرفة صناديق والدتي فهو رسم إحدى المادامات في الزمن القديم.
قالت: ما هذا الفستان أرى أنه لا فرق بينه وبين المضرب (الخيمة) انظري إلى هذه العصبة وأنت أيتها السيدة "ص" تعالي وشاهدي زي ذاك العصر.
فقالت لها: أتقصدين أن أستعجل ليحترق جبيني.
قالت السيدة "ن": إذا كنت لا أصنع مثل هذا الفستان فإنني أقدر (أن) أصنع نظير عصبتها أنت تزينت بالزي الجديد، وأنا أنيا بالقديم أليس كله يحسب زيا فلا فرق بين أن يكون جديدا أو قديما، ثم قالت لي: يا عزيزتي وصديقتي أيوجد عندك قليل من البطانة السوداء وشيء من القصب؟ فقلت لها: بلا كسل، أتشغلين نفسك بهذا الآن؟
قالت: لا جرم إن الزهور الموجودة في البستان هي مرجحة على الزهور المنتشرة في هذا الرسم لكونها طبيعية فإذا لم يكن ثمة مانع أن أجمع شيئا منها. قالت ذلك وخرجت إلى الجنينة ثم عادت بالزهور التي رغبت فيها فصنعت شيئا مماثلا تماما لشكل العصبة المرسومة في الرسم تعصبت بها، وقد اشتهينا أن أحدا يسمع قهقهتنا إذ ذاك.
فقالت السيدة "ص": عجبا، هل كانت هاته العصبة في زمن عصبة القايق الذي أشارت إليه المربية فإن من تأمل شكلها الغريب أدرك أنهما كانتا متعاصرتين.
قلت: يحتمل ذلك.
وفي تلك الأثناء أطلت إحدى الجواري رأسها من الباب قائلة: لقد جاءت السيدة الكبيرة، أما السيدة "ن" فإنها لم تجد فرصة لرفع العصبة عن رأسها، ولذلك دخلت الخزانة الموجودة في الداخل لتعلق الثياب محتجبة عن أعين والدتي التي دخلت علينا وخاطبتنا بما يأتي: لقد ذهب عني أن أخبركن أيتها الفتيات أنه جاءنا أمس خبر يفيد أنه سيأتينا اليوم زائرتان أجنبيتان وأنهن يرجوننا أن نستقلهن بالأزياء التركية.
وفي ذاك الوقت ظهر وجه السيدة "ن" وكشفت العصبة لأن المومى إليها لم تتمكن من إخفاء نفسها ضمن الخزانة فتمسك بالتعليق ولكن لم يجدها ذلك نفعا حيث فتح باب الخزانة وظهرت العصبة التي كانت تحاول
стр. 398
إخفاءها، فأخذنا جميعنا بالقهقهة بحيث اضطرت السيدة "ن" أن تهرب إلى خارج الغرفة، ولما سكنت ضوضاة القهقهة سألتنا الوالدة عن أسبا الضحك فأفهمناها حقيقة الواقعة.
فقالت الوالدة: أسرعن بارتداء ملابسكن فإن السعاة قريبة من الرابعة.
فقلت: يا عجبا، ترى في أية ساعة عزمن على المجيء؟ قالت: لقد أنبأن أنهن يحضرن بعد الظهر على أنهن لم يعين ساعة معلومة.
ثم خرجت ولما كانت السيدة "ن" تحب الاكتساء بألبسة تركية لم تكن معرضة للنقلة وقد قضت الضرورة أن أحضر رداء للسيدة "ص" فأحضرت ثوبين من الأثواب التركية أحدهما للسيدة "ص" والآخر لي. وبعد أن ارتدينا بهما وضعت كل منا على رأسها عصبة مزينة بالأزهار المماثلة للون الأثواب مما كنت صنعتها بيدي، ولما مررنا من أمام المرآة رأيت أن زينة السيدة "ص" تفوق زينتنا حسنا وجمالا، وقد اعترفت لها بذلك لأن المشد الذي كانت تلبسه قد زاد بحسن كسمها فظهرت بمظهر لا يكون إلا بمن يستعملن المشدات، وقد تبين لي أن المشد يجعل انتظاما كليا للألبسة التركية أكثر منه للألبسة الإفرنجية، كما أن وضع الزهار في مفرق الشعر مما يزيد الوجه رونقا ولطافة.
فقالت السيدة "ص" إذا كان أعجبك هذا المظهر فعليك أن تفرقي شعرك كشعري وأن تلبسي المشد فقلت لها: نعم، إنني سألبس المشد ولكن فرق الشعر يستغرق وقتاً طويلاً، ولقد آن وقت مناولة الطعام وكما كنا لا نعمل الساعة التي يأتي بها القادمات إلينا أرى من المناسب أن نكون على استعداد لاستقبالهن.
وبعد عشر دقائق كنا جميعا على قدم الاستعداد، فدعونا إلى المائدة وبعد الطعام عدنا إلى غرفتنا.
فقالت السيدة "ص": إن الظلم الذي تلاقيه من زوجها قد سلب راحتها ومنعها من الخروج.
قالت السيدة "ن": من العبث أن يعيشا معا على أنهما إذا افترقا زالت تلك الصعوبة في الحياة وكثرا ما قالت السيدة "ق": إنني لا أريدك فلنفترق، أما هو فقد كان له عن قولها إذن صماء.
قلت: ما هي أسباب عدم راحتها؟ قالت السيدة "ص": إن الرجل سيء الأخلاق وهو لأقل سبب يضربها وهي كثيرا ما قالت له أن يتركها لأنها لم تعد تتحمل معاملته وهو كان يقول لها إنه يموت ولا يتركها.
قالت: فإذا هو يحبها؟ قالت السيدة "ص": ليتها لم تكن هذه المحبة.
قالت السيدة "ن": إن الرجل لا خلاق له فإنه لا فقط يعامل امرأته هذه المعاملة بل هو كذلك مع الخادم والخادمة ولا قبل له على نبذ هذه الأخلاق السيئة ولا على ترك امرأته.
قالت السيدة "ص": إن زوجته لا تقبله فهل تجبر على البقاء معه.
قالت السيدة "ن": أجل إنها في اليوم الماضي كانت تقول: إنه من نفسه لا يريد أن يتركها وإنها ستضطر في آخر المر إلى مراجعة المحكمة.
قالت لها: إن الطلاق إنما هو راجع لإرادة الرجال لا غير فإذا قصدوا أن يطلقوا نساءهم أمكن لهم ذلك
стр. 399
بكلمة واحدة، أما المرأة فإذا كانت راغبة في الطلاق تضطر إلى مراجعة المحكمة، ثم قالت لي: وأنت كنت تقولين منذ مدة أن الأمر مشكل عن المسيحيين فإنهم لا يستطيعون أن ينفصلوا عن بعضهم بعد الزواج وإنما يجبر الرجل أو المرأة - أي منها كان سيء الأخلاق - أن يصرف عمره بالنكد والكرب بعد جواز الطلاق وإننا نحن أحسن حالا لوجود الطلاق عندنا فانظري لنا وسيلة للطلاق؟ فقلت لها: كيف ترغبين أن يكون؟ قالت: أرغب أن يكون في الأمر مساواة بين الرجل والمرأة بمعنى أن النساء يكن كالرجال قادرات أن يطلقن رجالهن بنفس السهولة الموجودة عند الرجال.
قالت: ماذا تقصدين بذلك؟ قلت: إن المرأة متى لبست ثوبا أزرق تطلق من زوجها والسلام.
قالت السيدة "ن": أتقولين حقيقة أم أنت راغبة في المزاح؟ قلت لها: إذا كنت ترتابين في قولي اذهبي إلى إنطاكية وتتأكدي ما قلت.
قالت السيدة "ص": وضحي أكثر من ذلك وزيديني معرفة.
قلت: إن المرأة في إنطاكية عند زفافها تأخذ معها ثوبا أزرق ففي أي وقت أرادت ترك زوجها تلبس الثوب الأزرق وحينئذ يعتقد بأنها صارت مطلقة، وهذه الحال معتبرة في عرف البلدة أيضا.
وأما المرأة الفقيرة التيب لا تملك ثوبا أزرق فإنها تستعيره من امرأة أخرى وتلبسه، ومتى انتهت من غرضها تعيده إلى صاحبته.
قالت السيدة "ن": كيف يمكنهم توفيق هذا الأمر على الأحكام الشرعية؟ فقتل: ألم تكن المسألة الشرط موجودة شرعا فالظاهر أنهم حين الزواج يتزوجون بهذا الشرط فيعتقدون مقاولة من مقتضاها أن المرأة تطلق متى لبست ثوبا أزرق.
قالت: الذي اعلمه أن النساء يشترطن على رجالهن المر الذي يرغبنه فإذا فعلوه أصبحن طالقات منهم على أنني ما كنت سمعت بما تقولين الآن؟ فقلت: يفهم من ذلك أن نساء إنطاكية أعقل منا كثيرا فإنهن متى تزوجن يضعن شروطا ويتزوجن بموجبها وليس ذلك منحصرا بنساء إنطاكية فقط وإنما في عشيرة (عنزة) عادة مألوفة وهي أن يربط سجف في المضارب ويبقى مربوطا على الاستمرار فإذا كانت المرأة راغبة في ترك زوجها حلت رباط السجف وفي ذلك إشارة إلى أنها أصبحت طالقة منه ولعشيرة التركمان - المسماة (تحبر لي) - عادة أخرى من هذا القبيل وذلك أن المرأة متى أرسلت سفيرا إلى زوجها تخبره بواسطته أنها نفرت منه فحينئذ تصير طالقة وكل ذلك موقوف على الشرط.
قالت السيدة "ص": لعمري إنهم عند النكاح عندنا لو وضعوا شرطا بثوب وردي أو أفلاطوني لكان ذلك حسنا جدا.
فقلت: لو وضعوا عندنا مثل ذلك من يعلم عدد الرجال الذين كنا نطلقهم فيكل شهر؟ قلت: لأي سبب، أليس عندنا عقل يوازي عقل نساء إنطاكية ونساء العشيرة؟ قلت: إن الأشياء التي تولد عندنا الأسباب كثيرة إذ من المعلوم أن نساء الخارج متى شبعت بطونهن ولبسن
стр. 400
ثوبا ما لم تبق لهن حاجة من الحاجات وليس عندهن ما عندنا من ضروب النزهة والترف حتى تأخذن الحدة من أزواجهن إذا منعوهن عن الذهاب إلى الحدائق والمنتديات.
قالت: ما معنى هذا الكلام إن أكثر رجال الخارج والعشائر يتزوجون عدة نساء فهل من سبب يبعث على الحدة والكدر أكثر من هذا السبب؟ فقلت: إنهن يكن مسرورات من الضرائر وهن اللاتي يرغبن في تزويج رجالهن حتى تبلغ أزواجهم أربعا لأنه كلما كثرت الضرائر قلت عنهن الخدمة، فإذا أخذ الرجل على زوجته امرأة ثانية خفت عنها نصف الخدمة فإذا اقترن بثالثة كانت مطالبة بالثلث، وإذا أخذ الرابعة هبطت خدمتها إلى الربع، وهؤلاء النساء المسكينات يرغبن في تخفيض خدمتهن إلى الخمس لو كان ذلك بالإمكان، ولكن الشريعة لا تأذن بأكثر من أربع.
قالت: إن ذلك للعجب لأجل الخدمة يقبلن الضرائر.
قلت: أيتها السيدة أعندك نظيرهن حيوانات وبهائم وجمال ومعاول لنقب الأرض؟ وهل تضطرين إلى تحميلها الأخشاب والأعشاب؟ أذهب عنك كيف نستثقل عقص الشعر وتسريحه وإنا مفتقرات إلى أن نستمد المعونة والمساعدة من الجواري؟ قالت: أنا لا أريد هذه الخدمة التي يتحملنها ولا الضرائر أيضا وإنما يعجبني من عادتهن مسألة الثوب الأزرق قالت السيدة "ن": لننظر فيما إذا كان ذلك حسنا هنا وإلا فإنه كما قالت رفيقتنا إذا لبس النساء ثوبهن أبصرن إلى حالة الرجل غير المتأهل.
قلت: إنني أنقل لكن فقرة تكون مثالا لما نحن بصدده فقد اتفق أن امرأة كانت في أثناء بحثها مع زوجها عن محبتها له تقول دائما: (آه يا سيدي إنني أسأل الله أن يقبض روحي بين يديك فإنني أفضل الموت على الانفصال عنك) . وكان الرجل نبيها واقفا على أسرار العالم. أما المرأة فقد كانت جاهلة بالقراءة والكتابة لا تعلم شيئا من أحوال الدنيا، ففي ذات يوم جاء الرجل إلى بيته وكان مغموما جدا بحيث إنه كان لا يقوى على فتح فيه والتلفظ بكلمة من الكلمات فزوجته حملت ذلك على انحراف في صحته، وأخذت تسأله عن سبب كدره.
أما هو فأجابها إنه لم يكن منحرف الصحة وإنما طرأ عليه حادث عظيم كدره جدا وان هذا الحادث مهم إلى حد أنه لا يقوى على بيانه، وبعد إلحاح كلي من المرأة عقبه سكوت طويل من الرجل قال لها (أخيرا) : آه يا زوجتي المحبوبة أنت تعلمين أنه لحد الآن كان الرجال يطلقون نساءهم ولكن وضعت الآن أصول جديدة من مقتضاها أنه يجوز من الآن فصاعدا للنساء أن يطلقن رجالهن فأنت لا تنكرين علي محبتي لك وتعلمين أنه لما كان عدم الانفصال عنك متعلقا بي دون غيري لم يكن لي أقل هم وكدر من هذا القبيل، أما الآن فإنني أفتكر ماذا يحل بي من القهر والنكد لو قصدت أن تطلقيني) . فأجابته هي قائلة: أقلع عن هذا الفكر ولا تهتم به فأنا لا أتركك ولا أطلقك بالكلية) .
وبعد أن مر على ذلك نصف ساعة طلب الرجل منها شربة ماء فالتفتت إليه قائلة: (عفوا أنا لست بقائمة فقم أنت واشرب) ، فأجابها الرجل بقوله: (يا عزيزتي، هل من العدل أن أقوم أنا وأنت لا تقومين إنني أشتغل من الصبح إلى المساء لأجل القيام بحاجتك رغائبك، والله يعلم ما ألاقي من المتاعب حتى إذا أتيت إلى البيت بعد تلك المشقات ألا يلزم أن أرتاح فيه قليلا) أما هي فأجابته قائلة: (إن رجليك غير مكسورتين، فقم
стр. 401
واشرب) . وفي خلال هذه المحاورة بينهما غلبت الحدة على المرأة فقالت له: (لا تزدني فوق طاقتي فإنني أسمعك من فمي ما لا تحب) .
قالت السيدة "ص": إن هاته الأمثلة قد وضعت بقصد المزاح بين الرجال والنساء وإنني أتأسف على كلامك الذي قلته.
فقلت لها: أنا لم أر وما رويتك حقيقة وإنما نقلته من الفكاهة ولكنه مثل ما جرى بالنقل ومع ذلك فإنه لا يسعنا أن ننكر أن النساء هن أقل صبرا وجلدا من الرجال.
قالت: لماذا إنه ليوجد بين النساء من هن أكثر عقلا وأشد صبرا من الرجال، كما ان كثيرا من الرجال هم أدنى معرفة واقل جلدا وأعظم جهلا من النساء.
قلت: نعم، لا أنكر صواب القول ولكن ذلك من قبيل الاستثناء أيتها الصديقة والاعتبار في كل شيء للأكثرية وهكذا تصدر الأحكام حتى إن الأوروبيين الذين يطلقون عنان الحرية لنسائهم لما أنهم يعلمون أن النساء أدنى معرفة من الرجال يسلمون المهر الذي يخصصونه كثمن جهاز لبناتهم إلى الرجال ولا يبقونه بأيدي النساء قالت: وهذا لا أريده بأن أرى أموالي بيد زوجي.
قلت: حيث إن الرجال يستطيعون أن يحسنوا إدارتها جرت العادة عندهم أن يسلموها لهم.
قالت: فإذا خطر للرجل ابتلاع أموال زوجته مع أهوائه واسترسالا إلى إهانتها واحتقار لها؟ قلت: هذا محول علي طالعها.
قالت: كلا، أنا لا أمكنه أن يخونني بواسطة دراهمي.
قلت: ماذا تعملين؟ قالت: إنني أطلقه من تلك الساعة.
قلت: إن الطلاق عندهم لفي غاية الأشكال، والطلاق لأجل بلع أموال المرأة إنما هو في عداد المستحيلات وأما عندنا فلا حاجة أن نتحمل مشقة الطلاق لأجل ذلك لأن أموال المرأة لا تدخل تحت حكم الرجل حتى يتمكن من هضمها.
وحينئذ سمعنا صوتا يشير أن إحدى السفن تتقرب من الشاطئ، فانصرف ذهننا إلى أن الضيوف قادمون عليها، فنهضنا ووقفنا على النافذة المطلة على الساحل، فرأينا في جملة الخارجين منها ثلاث نساء مرتديات بألبسة جميلة.
قالت السيدة "ص": انظري إلى هاته المدام البيضاء وتأملي في حسن ألبستها البسيطة.
قلت: لعلهن من ضيفاتنا.
قالت: ولكن أراهن قد تجاوزن الباب.
قالت السيدة "ن": ربما أنهن يأتين إلينا من باب المنزل انظري الرجل الذي يصحبهن وهذا طبيعي لأنهن لا يحضرن منفردات. قالت السيدة "ص": أنعم ها قد دخلن من باب المنزل ولعمري إنهن جميلات وألبستهن من آخر زي فكيف تحبين أن تدخليني عليهن بألبستي الحاضرة لا جرم أنهن يحسبننا لا ندرك (شيئا) فلا أحب أن أظهر أمامهن بألبسة بسيطة في حين إنهن مكتسيات بألطف كسوة، ولو عرفت أن الأمر سيكون كذلك للبست
стр. 402
أحسن الأثواب وأكملها فتفضلي يا عزيزتي بإعطائي ثوبا من الأثواب الإفرنجية الجميلة لأرتديه وأظهر به أمامهن.
قلت لها: يا عزيزتي، هل من الممكن أن تحضر خياطة لتخيط لنا أثوابا موافقة؟ نعم إن ثوبي التركي قد جاء ملائما لك من حيث إنه مفتوح الصدر ولكن مشدي لا يمكن أن يلائم كسمك وأنت تعلمين أنه لو وجد قماش من لونه وأحضرنا خياطة مخصوصة لتخيطه على طريقته موافقا لك من آخر زي للزم لأجل ذلك نهارا كامل، فهل نؤجل مقابلة ضيفاتنا إلى غدا؟ قالت لعمري، إنني أخجل من الظهور أمامهن في حالتي الحاضرة. قالت السيدة "ن": يا عزيزتي، يمكن أن تحتجبي فلا تظهري أمامهن.
قالت: ما شاء الله، كيف يمكن ذلك وأنا راغبة فيا لتفرج عليهن وعلى ألبستهن الجميلة؟ قالت: (أيتها السيدات، إن المدامات القادمات إلينا لو لم يكن عارفات بأن لنا ألبسة إفرنجية ما كن طلبن منا أن نكتسي بألبسة تركية، ومن المعلوم أنه يجب علينا أن نخدم ذوق ورغبة الضيف أكثر من ذوقنا ورغائبنا.
وبينما كنا نهزل ونهذر على هذا الوجه كانت المدامات دخلن إلى القاعة فنهضنا لاستقبالهن وبعد أن حيياهن جلسنا إلى مقربة منهن، وقد تبين لنا من منظرهن أن إحداهن ذات بعل وتبلغ السابعة والعشرين أو الثامنة والعشرين من سني العمر، ممشوقة القوام طويلته، حسنة الكسم، زرقاء العينين، شقراء الشعر، بيضاء البشرة، جميلة الجملة. والثانية: ذات خدر في التاسعة عشر أو العشرين من العمر وكانت هاتان الصبيتان شقيقتين، والشقيقة الثانية معادلة للأولى بحسنها ولطفها ومع أن الجمال واحد لا أكثر غير أن أنواعه متعددة جدا إلى حد أن ما يراه هذا جميلا يراه ذلك بالعكس، بمعنى أن الأميال مختلفة في الناس لا يمكن أن تتفق على وجه واحد، وذلك مما يمنعنا من البحث في أسرار الطبيعة. ألا ترى أن فلانا يستحسن الحاجب الأسود والعين السوداء، وفلانا يميل إلى الشعر الأشقر والعين الزرقاء، وفلانا يقف بين الذوقين فيعجبه الحد الوسط من النوعين والبعض لا يرى جميلا في غير السمينات، والآخر يحسب الجمال في الرفيعات الهزيلات. وكثيرا ما نسمع قول فلان عندما يرى سمن: آه لو كانت أقل سمنا مما هي عليه الآن. وقول الآخر عن الهزيلة: لو كانت أثر سمنا لبلغت أقصى درجات الجمال.
لا جرم أن القول هذه وعدم جمال تلك بالنظر إلى الأمزجة والأذواق ليس من الإنصاف في شيء. نعم، إن كلا من الناس مخير في ميله ورغبته له أن يستحسن ما يستقبحه الآخر وبالعكس، غير أنه لا يناسب أن يقال: هذا جميل، وذلك غير جميل بالنسبة إلى الميال والأذواق لأن الحق قد برأ أهل الجمال على ألوان وأشكال شتى فإغماض العين عن قدرته وحكمته غير موافق للحقانية.
وقد كانت الصغيرة جميلة الصورة إلا أن جمالها يختلف عن جمال الكبرى ومع أنها أقصر من شقيقتها بأصبعين غير أن هيف قامتها ووجود الأولى أكثر سمنا منها يظهر للعين أنهما متساوين قدا. وهي أن الصغيرة ذات عينين زرقاوين مائلتين إلى الاخضرار وأهدابهما طويلة سوداء، وحاجباها معتدلان في الوضع والرسم متوسطان بين القصر والطول، وشعرهما أسود وشعر رأسها أكلف (كستنائي) وهي بيضاء اللون كشقيقتها غيران الفرق بين بيضاء الاثنتين إن بياض الكبرى مشرب بلون أحمر على حين أن بياض الصغرى كان ناصعا شفافا.
وكان جمال الكبرى لأول نظرة بالعين الناظرة. أما الثانية فكانت على حد قول الشاعر:
стр. 403
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
والمباينة الموجودة بينهما في الهيئة من حيث إن الأولى: كانت شقراء الجملة، والثانية: سوداء شعر الحاجبين والهدبين زرقاء العنين كستنائية الشعر على كونهما شقيقتين لا تقد غريبة في بابها لأن الأولاد الذين يأتون من آباء شقر وأمهات شقر تكون هيآتهم كهيآت آبائهم وأمهاتهم، وهكذا الذين يكونون من أب أشقر ووالدة سوداء العنين والحاجبين، والشعر وبالعكس فإن بعضهم يشبه الأب والبعض الآخر يشبه الأم كما حصل في هيئة ذات الخدر المختلفة عن هيئة شققتها.
ولما زايلنا ظهر السفينة رفعتا عنهما ثوب الزيارة الذي كنا نظرناه عليهما فتبدت للعين ألبستهما التي كانت مستورة بالثوب المذكور، وكانت جميلة جدا، وكانت ذات الخدر تلبس ثيابا حريرية بيضاء وقماشها بسيط للغاية، والثانية لابسة ثوبا يضرب إلى لون الفضة ظريفا وبسيطا أيضا.
فلنأت الآن على وصف الضيفة الثالثة التي عرفنا أنها ذات خدر أيضا وهي كانت حسنة في وقتها أما الآن فإنها تبلغ نحو الخمسين من سني الحياة ومع أن محياها وجسمها قد أقالهما العمر من عذاب الزي والزينة إلا أنها كانت تحملها هذه المشقة، فقد كانت ألبستها وشعرها الممزوج بياضا في غاية الترتيب ومنتهى الانتظام.
وقد كنا في القاعة مع الضيفان والوالدة وسائر أفراد العائلة فعرفتهن بالوالدة وتبادلن معها رسم السلام بالإشارة وقد فهمنا أن ذات الخدر المسنة تكون خالة الصبيتين الشقيقتين.
وكانت السيدة "ص" تشارك هذه العاجزة في الترجمة باللغة الفرنسية فأخبرتنا الضيفات أنه لم يمر على مجيئهن إلى الأستانة إلا ثلاثة أيام، صرفن اليوم الأول في الراحة من عناء السفر، واليوم الثاني في قبول زيارة أقربائهن وأحبائهن الساكنين في دار السعادة، واليوم في التفرج على أسواق (بك أوغلي) ومخازنها بحيث اتضح لنا من إفادتهن أنهن كن ينظرن إلينا كأنهن من عالم الترك ونسائهم.
وفي خلال ذلك أخذت الشقيات تتكلمان معا باللغة الإنكليزية.
فقلت خطابا للسيدة "ص" إليك لقد تم الأمر فإنهما سيتكلمان باللسان الإنكليزي بمعزل عنا ولذلك يلزم أن لا تجعلي لهما سبيلا يدركان أنك تفهمين اللسان المذكور.
قالت: كلا، لا أتركهما يفهمان ولكن أرى أنهما ينما هما يتكلمان بالإنكليزية فخالتهما ملتزمة جانب الصمت فالظاهر أنها لا تعرف اللسان المذكور.
فقلت لها: ماذا تقولان؟ قالت السيدة "ص": إنهما قالتا إننا نعرف المعاملة الحسنة آه يا عزيزتي أمل أقل لك إنه يجب أن نلبس من آخر زي ثم نظهر أمامهن فلا نشك أنهن سيحسبننا جاهلات لا ندرك شيئا.
وفي خلال ذلك التفتت إلينا ذات البعل قائلة: إننا كنا رجوناكن أن تكتسين ألبسة تركية فهل كان ثمة مانع لو أنكن قبلتن رجاءنا؟ فحينئذ التفتت إلي "ص" قائلة بحيرة واستغراب: (يا عجبا أيوجد أكثر من هذه الألبسة ألبسة تركية؟) . وكادت تصرح عن فكرها وتلفظ هذه الكلمات بالإنكليزية إلا أنها لما كانت على مقربة مني وكان كلامها همسا وقد فطنت إلى الزائرات اجتهدت في تحويل الكلام إلى الفرنسية، ثم مزجته بالتركية فصار كلامها مركبا
стр. 404
من ثلاث لغات بحيث لا يمكن لأحد أن يفهمه وعلى ذلك لم يشعر الزائرات بأن أحدا منا يعرف اللسان الإنكليزي، وكان هو المطلوب.
فقلت: إن ألبستنا وأكسامنا هي تركية محضة.
قالت ذات البعل: لا يا عزيزتي ليست هي الأكسام التركية فننا نرغب في مشاهدة الأكسام المذكورة.
قالت السيدة "ص": كيف تكون الألبسة التركية تشيرين إلهيا.
قالت: ألا يوجد أثواب مذهبة؟ قلت إلى (ن خانم) : اذهبي يا صديقتي والبسي ثوبي المقصب الذي أعجبك منذ برهة وتعالي به، ثم التفت إلى ذات البعل وقلت: إن السيدة ستلبس الثوب المذهب وتأتي به على الفور.
قالت ذات البعل: أشكركن كل الشكر ولعمري إنكن عنوان الرقة.
وما مر على ذلك غير برهة قصيرة حتى دخلت (ن خانم) مكتسية بثوبي المذهب غير ان زائراتنا لم يكن مطمئنات تمام الاطمئنان.
قالت ذات البعل: لا ليس مقصدنا هذا وإننا نحن راغبات في الأكسام التركية الصرفة.
قالت ذات الخدر: نعم، الزي التركي ما أجمله.
فقتل: أيمكنكما أن تفهمانا ما هي الأكسام التركية التي ترغبانها وقد أعجبتكما وكيف يكون شكلها.
قالت ذات البعل: إنها جاكيته (نوع ملبوس يصل للحزام فقط) قصيرة مطرزة بالذهب، وقميص رفيع وشروال مقصب.
فقلت لها: ا؟ لآن ترين هذا الزي.
قالت السيدة "ص": ماذا تقولين من أين يمكنك إيجاد هذا الزي والظهور به.
قلت: الآن تنظرين.
وحينئذ نهضت فأحضرت مجموعة الرسوم وقد كنت شاهدت في الطريق امرأة مكتسبة بصدرة مطرزة بالذهب وشروال مقصب فأخذت رسمها وقد فتحت المجموعة وعرضت على الزائرات الرسم المذكور. وقلت: أهذا الزي الذي تطلبينه؟ فأجاب الزائرات الثلاث بصوت واحد: نعم، نعم هذا هو بعينه وكنا نود أن نراكن وأنتن مكتسيات بمثل هذا الزي.
قلت: أين رأيتن النساء اللاتي يلبسن هذه الأزياء؟ قالت ذات البعل: لم نشاهد المكتسيات به عيانا وإنما رأين رسمهن في باريز.
قلت لها: ففي مثل هذه الحال لا يمكنك هنا أيضا أن تشاهدي أكثر من ذلك.
قالت ذات البعل: لماذا لم يبق بين النساء التركيات من يكتسين بهذا الزي؟ فقلت لها: كلا.
قالت ذات الخدر: وا أسفاه إنه لزي جميل للغاية فإذا لا يتسنى لنا أن تشاهد في دار السعادة من ربات هذا الزي.
فقلت لها: لا يمكن أن تشاهدن إلا مثل هذا الرسم.
قالت الخالة: من هي صاحبة هذا الرسم؟ فقلت: لا أدري لقد رأيتها في الطريق فأخذت رسمها.
стр. 405
فقالت ذات البعل: كأنما هي من ممثلات الروايات.
فقالت الخالة: لا جرم إنها كما أشرت.
فقلت: إن ممثلات الروايات عندنا جميعهن مسيحيات ففي مثل هذه الحال لا تكون هذه المرأة تركية وهي امرأة مسيحية. قالت ذات البعل: إننا في باريز ننظر إلى مثل هذه الرسوم كأنما هي من رسوم السيدات التركيات وندقق كثيرا في زينتهن ووجوههن فإذا يفهم من ذلك أن الزينة ليست بزينة التركية وذوات هاته الأزياء لسن من السيدات التركيات.
قلت: أجل، فكما أنه يمكن لأي الناس أن يرتسم بالزي الذي يرغب فيه هكذا أيضا بعض النساء المسيحيات يرتسمن بمثل هذه الأزياء غير أنني لا أدري ما هو الزي الذي يلبسنه لأنه على نحو ما تشاهدن في هذا الرسم ترين على رأس صاحبته كفية من صنع البلاد العربية وعلى عاتقها صدرة من صدرات نساء الأرناوط وفي رجليها شروال والكرسي المنزل بالصدف الذي على قرب منها إنما هو من صنع الشام والفنجان الموضوع عليه من متاع الهند والنارجيلة التي في يدها لا أعرف حقيقة من استعمال نساء أية ملة من الملل أما شعرها فإنه مقصوص على الزي الإفرنجي، وقد قص من أسفل على النسق الأوروبي فإذا أمعنت النظرية حققت ذلك.
قالت ذات البعل: لا جرم أنه على الزي الإفرنجي تماما فإذا كان هذا الزي لم يمكن من الأزياء التركية كذلك لم يكن هو زيا منه آخر فليس إلا زيا قد ركب عن عدة أزياء.
ثم جاءوا إلينا بصينية القهوة على العادة التركية وقد وضع الإبريق في السلسة (أو السنبل) أو العازقي باللغة المصرية وهي مغطاة بمنديل فأعجب المسافرات بها كل الإعجاب وساتأذننا في معاينة كل قطعة منها على حدة وقد استحسن غطاء الصينية لنه كان مزركشا بالذهب وسألننا عن المحل الذي يباع به أباريق القهوة الفضية فهديتهن إلى سوق الصاغة، ثم بين لنا رغبتهن في مشترى الأقمشة التركية وطلبن إلينا أن نعرفهن عن الموضع إلي يباع به أحسنها فعرفتهن أن أقمشتنا متنوعة جدا وأوصيتهن أن يشترين من أقمشة بورسة أو الأقمشة العربية، وقد صرفنا في هذا الحديث قسما من الوقت، وبعد ذلك فهمنا أن الشقيقتين هما بنتا تاجر كثير الثروة، وأن أمهما وأباهما في باريز، وأن الأخت الكبيرة متأهلة من خمس سنوات، وأن زوجها أيضا من مسلك والدها، وأن خالتها تسكن مع والديهما، وأن ذات البعل تقيم في بيت زوجها.
قالت السيد "ص" إلى الخالة: لماذا أنت لم تتأهلي؟ قالت: هكذا كان نصيبي.
فقالت لها: أأنت لم ترغبي في الزواج؟ قالت: إن الزواج عندنا لا يخلو من الصعوبة.
فقالت لها: لأي سبب؟ قالت: لمسألة المهر (الدوتة) ؟
стр. 406
فقالت: ولكن أليس إن عدم الحصول على زوج بلا مهر إنما هو مخصوص بغير الجميلات فإننا نستمع أن المجيلات يتزوجن بلا مهر.
قالت: نعم، يتفق مثل ذلك ولكن غير الجميلات ذوات المهر كثيرا ما كن سببا في حرمان الجميلات اللاتي لا مهر لهن من الزواج لأنه لا تبقى واحدة منهن بلا زوج على حين إنه ينذر وجود من يقترن بالجميلات الخاليات من المهر.
فقالت لها: ألم تقترن شقيقتك.
قالت ذات البعل: إن والدي أخذ والدتي عن حب ولقد كان يهوى أن يقترن بها ولو لم يكن لها مهر غير أن جدي دفع المهر بإرادته وبعد تأهل والدتي بست أو بسبع سنوات أفلس جدي وكانت خالتي فتاة في ذات الوقت.
قالت السيدة "ص": وبعد ذلك ألم يتفق لها راغب على الإطلاق. قالت الخالة: نعم، تيسر ذلك وليس فقط أنه رغب في الاقتران بي وإنما حصل بيننا حب.
فقالت السيدة "ص": ففي هذه الحالة لم يبق حكم لمسألة المهر ولماذا لم تقترني به؟ قالت لها: إنني أنقل إليك المسألة من أولها فأقول بعد إفلاس والدي كنت قطعت أملي من الزواج على الإطلاق، ثم اتفق لي أن صادفت شابا غنيا بالمال والتهذيب والمعرفة محبا للعمل، موافقا من سائر وجوهه قد اكتسب ثروة بكده واجتهاده، فوقع في قلب كل منا حب الآخر وهو الحب الظاهر الذي يتم به الزواج، ولما كنت خالية من المهر اجتهدت كثيرا أن أتغلب على حبي وانبذه ظهريا إلا أن ما رأيته فيه من الميل القلبي إلى الزواج قد ولد في الجراءة على توطيد الآمال، وتقررت المسألة بيننا قطعيا، كما أن والدي قد قبل بكمال الامتنان حسن نية هذا الشاب الذي سيقبلني على علاني خالية الوفاض من المال وثروته كافية لأن أعيش فيها بكمال الراحة ولهناء، وكنا إلى ذاك الوقت نعرف هذا الرجل أنه ينتسب إلى إحدى العائلات من الإيالات فلما حان الزمن الذي سيتقرر به زواجنا نهائيا اجتمع به والدي اجتماعا طويلا، وتحادثا مليا، وطلب منه إيضاحات عن أحواله وعن عائلته، ففهم حينئذ أنه لا ينتسب إلى عائلة معلومة وإنما هو من الأولاد الطبيعيين (المنبوذين) .
قالت السيدة "ص": وا أسفاه ما أصعب ذلك إذا وجد الحب.
قالت لها: نعم، إنني كنت أحبه ولكن أيبقى موجب بعد ذلك لهذه المحبة إن معرفتي كونه ولدا منبوذا كافية لأن تبعثني على النفرة منه ولا يلزم الحب أكثر من هذا النفور.
قلت لها: وهل أمكن له أن يتناسى ذاك بمثل هذه السهولة؟ قالت: كلا إنه تأسف أسفا لا مزيد عليه، وأصر كثيرا على الفرار بي إلى بلد آخر حيث يقترن بي قائلا لي أنه لا يتركني أن أفتقر إلى أي كان مادامت عائلتي لا تقبله، أما أنا فكيف يمكنني أن أرضاه فإنني إذا لم أفتكر بنفسي فيجب أن أفتكر بأولادي لأنن من حيث وضعتهم في هذا العالم من أب منبوذ (نفل) سأبقى مخجولة أمامهم طول العمر، وعندما افتكرت بأنني سأترك اسم عائلتي للانضمام إلى رجل لا تعرف له عائلة ولا اسم لكي افتخر بالانتساب إليه رددته خائبا وأخبرته إنني لن أقترن به وأنني صممت على أن لا أكلم رجلا، فلست بمكلمته على الإطلاق.
стр. 407
قالت السيدة "ص": هل تزوج هذا المنكود الحظ بعد ذلك بسواك؟ قالت: لم اعد أره بعد هاته الحادثة لأنه زايل بايز قاصدا وجهة أخرى، ولا أدري ما الذي جرى به أما أنا فحيث لم يكن عندي مهر (دوته) لم يتقدم لي طالب آخر، وبعد، فأنبئني أنت ألا يوجد عندكم بنات متقدمات في السن بلا زواج.
قالت لها: لو دفع مليون من الدراهم لما وجد واحدة على الإطلاق فإن القبيحات والفقيرات لا يكن قواعد في البيوت.
قالت ذات البعل: إنه يوجد عندكن مسألة لا تخلو من الإشكال ألا وهي أن الرجال يستخدمون النساء كالجواري.
قلت: إن إدارة البيت والإنفاق على الزوجات عندنا إنما هو من وظائف الرجال والنساء مهما كن مثريات فلسن مطالبات بالإنفاق على البيت، أما الرجل المقتدر فإنه يستخدم في يته خادمة وطباخة وإذا لم تتجاوز مقدرته حد الخدمة نفسه فزوجته مروءة تقوم بخدمة البيت وإلا فإن الرجل لا يستطيع أن يجبرها شرعا بذلك، فقد اتفق في أيام خلافة عمر خارجا من حرمه الأصحاب الكرام جاء إلى دار الخلافة متظلما مشتكيا من زوجته فنظر عمر خارجا من حرمه وهو يتكلم بحدة فقال له: (أي شيء حدث يا أمير المؤمنين) فأجابه عمر بقوله: (إن حال النساء معلوم لا يحتاج إلى إيضاح فزوجتي قد سببت لي هذه الحدة. وأنت ما الذي جاء بك إلى هنا. فأجابه: إنني لأشكو إليك زوجتي أما وقد رأيتك على مثل هذه الحال فلا أرى محلا للشكوى) فقال له عمر: صه لا يجب أن نرفع صوتنا فإن نساءنا يقمن بإدارة بيوتنا مع أن ذلك خارج عن وظيفتهن ويرضعن أولادنا ولسن مكلفات به فإذا أظهرنا هذه المسائل ينتج عنها ضرر لنا) . فمن هذه القصة يتضح لك جليا أن النساء غير مطالبات ولا مكلفات شرعا بالخدمة.
قالت ذات البعل: أحسنت وإنني منك سؤالا من عاداتكم أن الأزواج عندما يدخلون على زوجاتهم في غرفتهن ينظرون من داخل باب الغرفة فإذا رأى الزوج أن زوجته وضعت خفها أمام الباب يدخل إلى الداخل حسبان أن ذلك إشارة على السما له بالدخول، وإن لم ينظر الخف فيعود من حيث أتى.
قالت السيدة "ص": باللغة التركية أحسنت أن يكون ذلك من الغلط المأخوذ عن الفرجية الزرقاء قالت ذلك ولم نستطع نحن الاثنتان من ضبط قهقهتنا.
أما السيدة "ن" فلما كانت لم تعلم شيئا عن مسألة الفرجية ولم تكن أحاطت عملا بعبارة الخف التي أشارت إليها الزائرة التفتت إلي قائلة: ما الذي طرأ عليكما؟ فأفهمتها القضية، وحينئذ اشتركت معنا بالضحك، وكان دوي قهقهتنا يملأ فضاء القاعة.
أما الزائرات فقد استغربن منا ذلك وقد لاحظت استغرابهن فقلت: عفوا أيتها الزائرات إننا لم نضحك من كلامكن وإنما قد اتفق أن سبقت بيننا عبارة قبل مجيئكن مشابهة لعبارة صدرت منكن فكان ما كان من داعي الضحك. ثم نقلت لهن مسألة الفرجية الزرقاء وقلت: إنه كما يوجد بعض منا لا يكون لهن علم بأشياء واقعة في بلادنا هذه ألا يستبعد أن تتصل بكن معلومات مغلوطة عن كثير من الأشياء، ولا جرم أنه كلما بعدت المسافة كثر الوهم وزاد الغلط.
قالت ذات الخدر المسموع عندنا: إن النساء التركيات كلهن سمينات يندر بينهن وجود الهزيلات فهل ذلك صحيح؟ قلت لها: عجباً، فما الموجب لذلك يا ترى؟
стр. 408
قالت: يقال إن ذلك ناشئ عن احتجابهن وعدم خروجهن إلى الأسواق إلا نادراً على إنني مذ وصلت إلى هذه العاصمة دققت كثيراً بنسائها فرأيت عكس ما سمعت، أي إن السمينات بينكن قليلات جدا كما أنني قد رأيت في الطريق من (بك أوغلي) حتى وصلت إلى الوابور كثير من النساء المستترات، وفي الوابور أيضا يوجد نساء مستترات متحجبات.
فقلت: إن النساء عندنا لا ينحبسن في البيوت وإنما يمكن لهن أن يخرجن إلى الأسواق في أي وقت شئن وأن تشتري ما ترغب.
فقالت ذات البعل: إن النساء التركيات هن أسيرات بأيدي أزواجهن فإننا نسمع أنهن لا يستطعن أن يعملن شيئا بدون إذن رجالهن.
قلت: لا جرم إنه من وظيفة النساء في أية ملة كانت أن يطعن أزواجهن على أن مثل هذه الوظائف هي عند المسيحيين أشد منها عن المسلمين لأن صك النكاح عندكن إنما يحرر مشروطا فيه أن تكون الزوجة في كل حال تابعة لزوجها ومرتبطة به ففي مثل هاته الحال يحق للرجل أن يذهب بزوجته جبرا أي محل شاء.
قالت: لا شك ولا ريب في وجوب ذلك إنه من الأمور الحسنة أن يكونا دائما مجتمعين.
قلت: فما قولك إذن فيما لو كان الزوج من عشاق السياحة وأراد الصعود توا إلى القطب للاكتشاف أو كان ممن يميلون إلى السياحة البحرية وأحب التوغل في أعماق البحر على ظهر جارية تميل مع الأرياح أو كان من المنطاديين (البالونجيين) ورغب في الصعود على طبقات الهواء.
قالت: ألا يحق للرجال عندكم إجبار النساء على الذهاب معهم؟
قلت: يمكن لهم أخذهن إلى الأماكن القريبة غير أنهم إذا كانوا قادرين الأسفار الطويلة الشاسعة فالمرأة ذات الشهامة إنما تذهب مع زوجها طوعا ومروءة لا غير وإذا لم تذهب فلا تجبر وعندكم لا يجوز للمرأة أن تبيع شيئا من ما لها إلا بإذن من الرجل أما نحن فإن المرأة عندنا حرة مستقلة في بيع واستهلاك ما تملكه.
قالت الخالة: كنا سمعنا أن السيدات التركيات يلبسن الألبسة الإفرنجية أكثير من الألبسة التركية، وذلك ما حدانا إلى الرجاء بان تقبلننا وأنتن بالأكسام التركية أحقيق ذلك؟ قلت: أجل، إن أكثرهن على مثل ما وصفت.
ثم التفتت ذات البعل إلى البيانو قائلة: أتعزفين بالبيانو (آلة موسيقية) ؟ فأجبت مشيرة إلى السيدة "ص": إن هذه السيدة تحسن العزف أكثر مني بها لأنها درسته نحو عشر سنوات.
قالت: لا جرم أن الضرب على هذه الآلة لا يمكن بأقل من عشر سنوات.
فقلت لها: يمكن الضرب على البيانو بعشر سنوات على شريطة الاستمرار والتعود بلا انقطاع، ولكن في كم سنة يمكن حفظه تماما.
قالت: أما أنا فقد ابتدأت به منذ السنة السادسة من عمري وها أنا ذا في الثامنة والعشرين وقد مر على زواجي ست سنوات كنت إلى ذلك العهد أي مدة ست عشرة سنة أعزف يوميا بهذه الآلة أربع ساعات وعند ما تأهلت صرت أعزف به يومين في الأسبوع، وحتى الآن لم أتعلم البيانو، أتعلمين ما المراد وما المعنى بعلم البيانو؟
стр. 409
قلت: نعم إن علمي به قد حداني إلى صرف النظر عن تعلمه فما أكثر العازفين عدا وأقلهم معرفة تامة به لأن علم البيانو إنما هو علم يراد هـ معرفة الأنغام من أول مرة بحسب أية نوطة كانت وسرعة عزفها والوصل إلى هذا الحد من المعرفة لا يحصل بمدى عشر سنوات، وإن كانت متمادية وها نحن الآن نكلف هذه السيدة أن تضرب على الآلة فتنظرين أنها تحسن الضرب جيدا ولكن ليكن معلومك أن الأنغام التي ستطربنا بها قد كررتها على النوطة عدة مرات حتى أمكن لها الإجادة بها على أن المقصد من البيانو هو غير ذلك وما دام أنه يوجد من يعزف على البيانو في هذا المجلس فالبيانو موجود والنوطة موجودة أيضا، وفي هذا الحال يجب ضرب النغم على البيانو عند النظر إلى النوطة، لن مراجعة الأنغام على النوطة عدة مرات وتكرير العزف بها لا يسمى عزفا ولا يترك في المرء ميلا لسماعها.
أما أنا فإنني عندما بدأت في درس البيانو اشتغلت به أربع سنوات متولية بمزيد الرغبة والاجتهاد، وتعلمت النوطة بسرعة لا مزيد عليها، وقد أخبرني العارفون بالبيانو أن عزفي به كان حسنا وملذا غير أن وصولي إلى الدرجة المقصودة حقق عندي ما جيب من المدة لبلوغ المطلوب فإن تجربتي أرتني أن أستاذي لم يتوفق إلى هذا الأمر فحملت ذلك على عدم كفاءته واستبدلته بأستاذ طائر الشهرة في هذا الفن، وأول عمل بدأت به أنني فتحت أمام نوطة لم يكن له عهد سابق فلم يسحن نغمها إلا عد أن كررها ثلاث مرات فعدلت عن التحري على أستاذ آخر ولكن أخذوا يستغربون عملي ويقولون: إنه لا يمكن الحصول على أستاذ اعرف به فأخبرتهم بمطلوبي فأنبؤني أنه قد يمكن أن يوجد في دار السعادة شخص أو شخصان من الطرز المطلوب وعلمت من نتيجة تحقيقاتي أن مع الاستعداد التام والاستمرار على العزف يوميا أربع أو خمس ساعات يمكن تعلم البيانو خلال خمس عشرة سنة من حياتي على تعلم هذه الآلة تأسفت على التعب الذي نالني في مدة أربع سنوات وضربت صفحا عن درس البيانو، فالآن صرت إذا رأيت نغما أعجبني أفتح النوطة ولا أتمكن من إتقانه إلا بعد أن أكرره لا أقل من خمس عشرة مرة، فهل ذات الخدر تحسن العزف بالبيانو؟ قالت ذات البعل: نعم، تعرف أن تعزف به ولكنها لم تصل بعد إلى درجتي بل يلزمها وقت أيضا.
قلت: تلطفي وأسمعينا قليلا من أنغامك اللطيفة.
فنهضت ذات البعل وجلست إلى البيانو ورفعت غطاءه وبعد أن نظرت إلى العلامة التي في داخله قالت: إنه بيانو بارزي لا جرم أن أحسن أجناسه إنما تصنع في باريز غير أن في بعض الجهات في أوروبا يصنعون منه جنسا حسنا ما أمكن، ولقد نظرت في حوانيت (بك أوغلي) كثيرا من هذه الآلات التي تنتسب إلى عدى أماكن فسألت عما إذا كان يوجد كمن صنع هذه البلاد فأخبروني انه لا يوجد فتعجب ولأجل ذلك أسألك ألا يصنعون عندكم من هذه الآلات.
فقلت لها: كلا، فإن العامل عندنا لم تترق الترقي المطلوب إلى هذا الحد ولقد كانت هذه الأشياء في الأزمنة السالفة ترسل من الشرق إلى أوروبا فانعكس الموضع وأصبحت ترد إلى الشرق من أوروبا. قالت: هل إن البيانو أرسل إلة أوروبا من الشرق؟ قلت: معلوم أن (شارلمان) كان أرسل بعض الهدايا إلى هارون الرشيد وبالمقابلة أهداه هارون الرشيد ساعة (وأرغون) وبعض الأقمشة النفيسة بحيث لما وصلت إلى أوروبا كان لها عند الأهالي وقع أشبه بالأمور السحرية، فكما أن الشرقيين يقلدون الأوروبيين في هذه الأيام هكذا كان (شارلمان) في عصره يقلد الدولة
стр. 410
العباسية بعلومها ومعارفها إلا أنه لم يتوفق إلى ذلك، ولا يخفى أن الأرغون الذي يعزف به في كنائس أوروبا في الوقت الحاضر إنما ورد إليها من بغداد في لأزمنة السالفة. أما البيانو فليس إلا فرعا منه.
قالت: يا عجبا أيصنع إلى الآن (أرغون) في بغداد؟ فقلت: كلا، فإنه ليس في بغداد حتى ولا من يعرف ما هو الأرغون.
قالت: إن ثروة البلاد إنما تحصل بترقي مثل هذه الصنائع والمعارف.
قلت: أن العلوم والمعارف والصنائع إنما هي مع المدنية نظير اللازم والملزوم تترقى بنسبة ترقي المدنية.
أما المدنية فهي نظير سائح يطوف العالم مصحوبا بالعلوم والمعارف وسائر أنواع التجملات واللطائف ففي الأزمنة المتوغلة في القدم جالت في مصر وبابل ومرت في طريقها على البلاد اليونانية حتى إذا سقطت هذه البلاد وصارت خرابا سارت إلى الإسكندرية وأشرقت أنوارها في حكومة الملوك البطالسة وزادت أيامها رونقا وبهاء.
ثم ذهبت في أيام الدولة العباسية إلى العراق وألقت عصا التسيار في بغداد مستعيضة بها عن باب، ثم سرت أشعة عمرانها إلى إيران وتركستان، وفي خلال ذلك امتدت من جهة إلى العرب فحلت فيا لأندلس.
ثم وردت على أوروبا فأشرقت فيه إشراقا، وكما أن الحكماء المسلمين أخذوا العلوم الحكيمة عن اليونانية وأضافوا محصول أفكار الحكماء اليونانيين على اختراعاتهم فوصلوا بالعلوم إلى درجة هي من الرفعة والتقدم بمكان عالي هكذا فعل الأوروبيين فإنهم رأوا محصول مساعي العرب حاضرا مهيئا فصرفوا إليه أفكارهم وغاياتهم، ورفعوا بجدهم شأن العوم والمعارف إلى درجة تحير العقول وتسحر الألباب، وفي الوقت الحاضر يوجد سهولة كلية للاستفادة من محصول مساعي الأوروبيين المشاهدة عيانا لأجل انتشار العلوم والصنائع عندنا.
قالت: إذا كان الواقعة هكذا يلزم الاهتمام بأصدقائهم القدماء.
قلت: لا شك أننا راغبون فيهم في حضرة سلطاننا الحالي فإنه منذ جلوه الهمايوني قد تقدمت المعارف والصنائع في بلادنا تقدما خارقا للعادة، ولا نرتاب أنه في وقت قريب نرى المعارف والصنائع إجمالا بحالتي الكمال والإتقان، ولا جرم أن مجيء السواح من أصحاب المعارف نظيركن إنما هو علامة بينة على ما تقدم.
قالت ذات الخدر: إذا حسن لديك أعطنا نوطة يروق لديك نغمتها وشقيقتي تعزف فيها البيانو.
فبيت الطلب وأتيتها بنوطة مخصوصة (بالأوبرا) فأخذتها ذات البعل ولحنتها على البيانو بأحسن تلحين أطربنا وأدهشنا ولعمر الحق إنني إلى هذا العهد ما كنت سمعت بمثل عزفها، وقد كانت كلما جئناها بنوطة تبادر إلى تلحينها في الحال فتحققت من ذلك أنها بلغت في هذا الفن الدرجة المطلوبة، ثم أطربتنا بإيقاع بعض الألحان المحفوظة في ذاكرتها، فجعلتنا حيارى من مهارتها، ثم أخذت الشقيقتان تعزفان على البيانو بوقت واحد أي بأربع أيد مما يقال له بالفرنسية: (كاترمن) فأطربتنا أيما إطراب وشهدنا لذات الخدر أنها من البارعات جدا في هذا الفن.
فقلت لهما: ناشدتكما الله أن تعفيانا من الإيقاع على البيانو بعد هذا الذي سمعناه.
فقالت ذات البعل: إذا حسن أطربينا ببعض الأنغام التركية.
فقلت لها: لا بأس، إننا نلحن بعض الألحان التركية وإذا شئت بآلة تركية.
قالت: أكون ممتنة للغاية.
وبعد أن وقعت والسيدتين "ص" و"ن" كل منا بفصل على البيانو من الأنغام التركية نهضت إحدانا إلى العود.
стр. 411
والثانية: للكمنجة، والثالثة: لقانون فوقع على هاته الآلات فحينئذ سألننا ذات البعل وشقيقتها عما إذا كان يمكن إيقاع الألحان الإفرنجية على العود والقانون مثل الكمنجة التي تلحن في الإيقاع وبناء على ذلك ممكن على أن عند الوصول إلى نغمة سريعة تنفرد الكمنجة في الإيقاع وبناء على ذلك أخذنا نلحن بعض القطع الإفرنجية الممكن تلحينها، ثم نهضت إلى البيانو ورفعت عليه بالاشتراك مع السيدة "ن" التي كانت توقع على الكمنجة قطعا إفرنجية على هذه الصورة مرحلة من الوقت وبعد مناولة الطعام أحضرنا للضيفات أثمارا محلية، وجبنا محليا، وزيتونا، ومقددات وغيرها من الأشياء المسماة عندنا قهوة ألتي فاستحسن جبننا كل الاستحسان، وأنبأننا أن مربياتنا مصنوعة على النسق الأوروبي تماما.
وجملة القول: إنهن تناولن منها بكمال الشكر والتقدير فجعلننا ممتنات منهن امتنانا لا مزيد عليه، ثم طفنا بهن في الحديقة وخضنا عباب الحديث المعقود بأهداب الولاء، فلما أزفت الساعة الحادية عشرة موعد مجيء الوابور تناولت كل منهن قبعتها وسترته، وكانت الشقيقتان في خلال الحديث تتكلمان فيا للغة الإنكليزية أحيانا، وكان كلامهما يتعلق بالثناء علينا وبينان امتنانهما منا، فالحمد لله أن كلامهما لم يكن علينا لأن سماع المذمة مواجهة مما لا تصبر عليه النفوس الأبية.
ولما كان احترام الضيف دينا واجبا كان عدم مقابلة احترامهما بالمثل مما يؤثر في قلوبنا كل التأثير، وقد تصورت السيدة "ص" أن تبدي امتنانها للضيفات بلهجة إنكليزية فصحى غير أن تسترها في أثناء الاجتماع منعها عن إيفاء هذا الواجب لعلمها أن التظاهر بمعرفة الإنكليزي بعد التجاهل به لا يكون مشكورا وقد صرفنا ذاك النهار بالسرور والانشراح، فإننا قطعنا قسما منه أي من الصباح إلى الظهر بمنتهى ما يكون من الحبور حتى إذا جاءت السائحات الإفرنجيات صرفنا القسم الباقي على نغمات الألحان فكان ذلك من ألطف الصدف.
أما السيدتان "ص" و"ن" فإنهما بقيتا تلك الليلة عندنا لأنهما من جهة لم يريدا ترك تلك الجمعية، ومن جهة أخرى لم يتيسر لهما وأبور بعد ذهاب الضيفات، فصرنا تلك الليلة كما صرفنا ذاك النهار بغاية ما يمكن من إمرار الوقت بالسرور، وقد كنا في أثناء حديثنا مع الضيفات المومى إليهن بينا لهن أن سنصرف ليلة لطيفة مع رفيقاتنا المذكورات.
ثم قالت السدة "ن": إن طالعنا اليوم فتح الزهور والمسرات، فهل من ساعة أشرف منها. فقلت لها: لا جرم أننا لو قصصنا حوادث هذا النهار على أحد المنجمين لأنبأنا أن طالعنا اليوم في برج الدلو من البروج الهوائية، ولكان أفاض بي بيان أن السعد يتناظر في بيت شرفه مع عطارد وأن السعد الكبر ناظر إليه بعين المودة والولاء وإلى غير ذلك من الاصطلاحات الفلكية لا جرم أن هاته الأشياء إنما هي اتفاق حسن. فنسأل الله أن يحفظنا من الصدف المعكوسة والمنكوسة.
وحقيقة ما يقال: أخيرا أننا صرفنا هذا النهار والحمد لله على أحسن حال من الزهو والسرور. انتهى.
فاطمة بنت الأمير أسعد الخليل
هي بنت الأمير أسعد الخليل أحد أمراء الشيعة القاطنين في جبل عامل من أعمال سورية, وهو من كبراء (عائلة علي صغير) . ولدت سنة ١٢٥٦ من الهجرة وتوفي والدها وهي صغيرة جداً فتولى تربيتها شقيقها الأمير محمد بيك الأسعد.
فلما بلغت سن التعليم سلمها للمعلمين لتدريس العلوم فتلقت جملة علوم في أقرب وقت, وكانت ذات عقل وفطنة ونباهة وكياسة, فحفظت القرآن الشريف,
стр. 412
ودرست النحو والصرف والبيان حتى فاقت نساء عصرها وأهل جلدتها, فذاع صيتها في الآفاق, ولما بلغت الثامنة عشرة من سنيها تقدم إليها الأمير علي بك الأسعد بالخطوبة فأنعم له شقيقها بها.
وكان الأمير المذكور حاكماً على بلاد بشارة ومحل إقامته قلعة تبنين التي هي قاعدة بلاد بشارة وتلك القلعة بناها هيوسنت أومر صاحب طبرية سنة ١١٠٧ م وجعلها معقلاً لغزو وصور وما يليها وهي على مرتفع صعب المرتقى في وسط بقعة خصبة وعامرة بين الجبال تكثر فيها الكروم والثمار والغابات, ويسميها الإفرنج "طورون" وكانت حصناً منيعاً مهماً وسمى بها عائلة أصحابها.
وسنة ١٥٥١ م أقيم "هونفردي" صاحب"تبنين" عاملاً للملك "بلدوين الثالث" وقد فتح هذه البلاد صلاح الدين الأيوبي سنة ١١٨٧ م الموافقة لسنة ٥٨٣ هجرية, وذلك أنه سير إليها ابن أخيه تقي الدين ففتحها وأخرج الإفرنج منها.
وسنة ٥٩٤ هـ كانت "تبنين" بيد الملك العادل بن صلاح الدين فرحل إليها الإفرنج وحاصرها وقاتلوا من بها وجدوا في القتال ونقبوا الحصن من جهاتهم, فلما رأى من القلعة ذلك خافوا على أنفسهم وأموالهم ليسلموا القلعة فقال لهم بعض الإفرنج: من يحمي نفسه وكان الملك العادل قد كاتب أخاه الملك العزيز بمصر فسار مجداً حتى وصل إلى عسقلان.
فلما علم الإفرنج ذلك وأن ليس لهم ملك أرسلوا إلى ملك قبرص وزوجوه ملكتهم وكان هذا محباً للسلم فكف عن حصار تبنين, ثم اصطلحوا مع الملك العادل وتعاقبت الملوك والأمراء على تملك تلك القلعة مدة مديدة حتى تملكها أمراء بيت علي صغير المذكورين الذين منهم الأمير علي بك الأسعد, وكانت السيدة فاطمة من تلك العائلة وأنهم كانوا في ذاك الوقت يحافظون على نسبهم الشريف من أن يخلطوا به نسب آخر من عامة الناس ولا يزوجون إلا لبعضهم البعض.
وكان الأمير علي بك الأسعد إذ ذاك كبير تلك العائلة مقاماً ورفعة وهو الحاكم الوحيد على بلاد بشارة من قبل الدولة العلية وكان مشهوراً بالكرم وحسن السياسة ومتصفاً بالعدل في أحكامها, ولما زفت إليه السيدة فاطمة نقلها من "الطيبة" التي هي بلد والدها ومسقط رأسها ومنبت صباها ومهد طفولتها إلى "تبنين" فشق ذلك على شقيقها محمد بك الأسعد وعلى أهلها وأهل بلدتها لأنها محسنة إلى الفقير من أهل البلد ومعنية للمسكين وعائدة للمريض, وكان يحبها كل من في تلك البلدة وكان شقيقها يعتمد عليها في بعض الآراء الإدارية وغيرها على صغر سنها.
ولما نقلت إلى تبنين نالت بحسن آدابها وكمال عقلها ورقة لطفها ونضارة جمالها حظوة عظيمة عند زوجها حتى ملكت زمام الأمور فضلاً عن تملكها فؤاد زوجها، وتقلدت إدارة الأشغال المنزلية، وفازت على كل نسائه وأهل ذاك النادي. فلما رأى منها علي بك ذلك الحزم والعزم الذي يفوق حزم أعاظم الرجال أحب مشاركتها في الأحكام، واعتمد على آرائها السديدة، فتعاطت الأحكام مع زوجها وشاركته بالرأي وحكمت وعدلت في حكمها بين الناس حتى أحبها الكبير والصغير والغني والفقير ولم يغيرها في مركزها الحقيقي ما صارت إليه من الدولة والسلطة عن حبها لفعل الخير والإحسان إلى الفقراء كما كانت تفعل في بيت أبيتها بل جعلت في دارها محلاً مخصوصاً لتربية الأولاد اليتامى وأولاد السبيل، وشهرت بفعل الخير وقصدها المضطرون ولجأ إليها الخائفون.
وكل ذلك لم يبذل لها حجاب بل كانت تتعاطى الأحكام من
стр. 413
وراء الحجاب وتنظر في الدعاوى داخل الحجاب، وكان كل من في ديوان الأمير علي بك يعجبون بآرائها وسمو أفكارها لدقائق من الأمور الغامضة من الأحكام الشرعية ولم تزل كذلك إلى سنة ١٢٨١ هجرية وكان البيك المومى إليه قد تأخر عليه شيء من الأموال الأميرية لأن كرمه الحاتمي كان يضطره إلى ذلك حيث إنه كان في دولة عظيمة، وكان إذا ركب يركب معه فوق المائتي فارس من حشمه، وذلك خلاف الخدم والسياس والعمال، والطباخين والفراشين، وما يتبع دائرة الحريم من وكلاء وخدم وطباخين وغير ذلك.
وكان في قلعة تبنين محل للضيوف يسع ألفي شخص وفيه من المفروشات والأثاث ما يليق بذلك القصر الفاخر كل غرفة بما يلزم لها الراحة الضيوف وله فراشون مختصون لخدمة الضيوف فقط والطباخون كذلك غير الذين يخدمون المقيمين من العائلة، وكل هؤلاء الأتباع لهم الروات من دائرة الأمير المومى إليه، وكانت تأتي الشعراء والطالبون من كل صوب وهو لا يدر أحداً بدون جائزة ويفد إلهي الزائرون من كل المدن الشهيرة من كبار المتوظفين وغيرهم يمضون عنده فصل الصيف في القلعة لحسن هوائها وطيب مركزها وخصب تربة تلك الأراضي والجبال النضرة. وقد كان له حساد وأعداء من أقرب الناس إليه قد أضمروا له الضغينة وألقوا الدسائس حسداً منهم لما ناله من المجد والرفعة وعملوا على إلقاء القبض عليه ومحاسبته على الأموال الأميرية فحوسب في مدة ثمانية شهور وهو تحت الحجز، وظهر طرفه مبالغ جسيمة.
فقامت السيدة فاطمة في أثناء ذلك بأعباء هذا الحمل الثقيل وتدبرت الأموال المطلوبة من بعلها وقد جمعتها من مالها وأموال عائلتها وباعت حليها وحلي كل امرأة في دائرتها حتى تمكنت من سداد الأموال المطلوبة، وكانت تفعل ذلك بكل حزم يفوق شهامة الرجال وصدر الأمر بخلاصة في أواخر سنة ١٢٨١ هجرية.
وبعد ذلك أراد الرجوع إلى وطنه من محل ما كان محجوراً عليه وهي قلعة دمشق الشام، فدخلت سنة ١٢٨٢ هجرية التي جاء فيها الوباء العام المشهور (بالكوليرة) ، وهنالك قبل انتقاله إلى وطنه أصيب بالكوليرة بدمشق الشام ومكث ثلاثة أيام، وتوفاه الله تعالى.
وكان برفقته أخوها الأمير محمد بك الأسعد فأصيب الأمير أيضاً بهذا الداء ولحق بابن عمه وكانت وفاتهما في أسبوع واحد تاركين لآلهما الحزن الطويل فكانت نكبة عظيمة على السيدة فاطمة -المذكورة- ونكبت تلك العائلة أيضاً بوفاة أميرها فلازمت المترجمة الأحزان والأكدار بسبب فقط بطليها الزوج والأخ في آن واحد وانقطعت إلى (الزريرية) وهي مزرعة من مزارع زوجها فاقتسمت ما يخصها ويخص بناتها الثلاثة لأنها كانت ولدت له جملة أولاد من ذكور وإناث فلم يعش لها إلا هؤلاء الثلاث بنات.
وكان للأمير علي بك أولاد من غيرها ذكور وإناث أيضاً فضمتهم جميعاً بحسن إدارتها إلى بعضهم، وقسمت عليهم الأرض بحسب الفريضة الشرعية بدون أن تجعل للحكومة مدخلاً في ذلك وشرعت في بناء دار لكل من أولادها وأولاد زوجها للسكنى وأرضت الكل بحسن تدبيرها وسداد رأيها وأتمت ذلك البناء على ما أحب الأولاد.
وخصصت من مالها شيئاً مخصوصاً لتربية اليتامى، وفك كرب المكروب، وقسمت وقتها بين سكناها (بالزريرية) و (الطيبة) عند شقيقها الأصغر الأمير خليل بك الأسعد، ولم تزل -حفظها الله- على هذه السجايا الحسنة إلى الآن يضرب بها المثل في تلك الأصقاع.
ولها في الشعر قليل، وأما في النثر فيشهد لها اليراع، وتنطق لها الطروس.
стр. 414
فكيهة جارية أحيحة بن الجلاح
كانت أحسن الناس صوتاً في زمانها وأعلمهم في ضروب الغناء وأنواعه وكانت قينات المدينة يأخذن عنها فنون هذا العلم ومن حسن صوتها قد افتتن بها كثير من النساء والشبان، ولها حكاية مع تبع لطيفة نذكرها لحسن موقعها وثبات جأش تلك الجارية وهي: أن تبعاً أبا كرب بن حسان بن سعد الحميري كان سائراً من اليمن يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل قبله، فمر بالمدينة فخلف بها ابنا له ومضى حتى قدم الشام ثم سار من الشام حتى قدم العراق فنزل بالمشقر فقتل ابنه غيلة بالمدينة، فبلغه وهو بالمشقر فكر راجعاً إلى المدينة وهو يقول:
يا ذا المعاهد لا تزال ترود ... رمد بعينك عادها أم عود
منع الرقاد فما أغمض ساعة ... نبط بيثرب آمنون قعود
لا تسقي بيديك إن لم تلقها ... حربا كأن أشاءها مجرود
ثم اقبل حتى دخل المدينة وهو مجمع على خرابها وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرية فنزل بسفح أحد فاحتقر بها بئرا وهي البئر التي يقال لها إلى اليوم بئر الملك، ثم أرسل إلى أشراف أهل المدينة ليأتوا فكان فيمن أرسل إليه زيد بن أمية بن زيد وابن عمه زيد بن ضبيعة بن زيد بن عمرو بن عوف، وابن عمه زيد بن أمية بن زيد، وابن عمه زيد بن عبيد بن زيد -وكانوا يسمون الأزياد، وأحيحة بن الجلاح، فلما جاء رسوله قال الأزياد: إنما أرسل إلينا ليملكنا على أهل يثرب.
فقال أحيحة: والله ما دعاكم لخير. وقال: ليت حظي من أبي كرب أن يرد خبره جبله فذهبت مثلا، فخرجوا إليه وخرج أحيحة ومعه فكيهة جاريته وخباء وخمر، فضرب الخباء وجعل فيه الجارية والخمر.
ثم خرج حتى استأذن على تبع فأذن له وأجلسه معه على زريبة تحته وتحدث معه وسأله عن أمواله بالمدينة، فجعل يخبره عنها، وجعل تبع كلما أخبره عن شيء منها يقول كل ذلك على هذه الزريبة يريد بذلك تبع قتل أحيحة، ففطن أحيحة أنه يريد قتله فخرج من عنده فدخل خباءه فشرب الخمر وقرض أبياتاً وأمر فكيهة أن تغنيه بها، وجعل تبع عليه حرسا والأبيات هي:
يشتاق شوقي على فكيهة لو ... أمست قريبا ممن يطالبها
لتبكني فينه ومزهرها ... ولتبكني قهوة وشاربها
ولتبكي ناقة إذا رحلت ... وغاب في سردح مناكبها
ولتبكني عصبة إذا جمعت ... لم يعلم الناس ما عواقبها
فلم تزل فكيهة تغنيه يومه وعامة ليلته، فلما نام الحرس قال لها: إني ذاهب إلى أهلي فسدي علك الخباء فإذا جاء رسول الملك فقولي هو نائم فإذا أبوا غلا أن يوقظوني فقولي: قد رجع على أهله وأرسلني على الملك برسالة، فإذا ذهبوا بك إليه فقولي له يقول لك أحيحة أغدر بقينة أو دع، ثم انطلق فتحصن في أطمه الضحيان وأرسل تبع من جوف الليل إلى الأزياد فقتلهم على قفارة من قفار تلك الحرة، وأرسل إلى أحيحة ليقتله فخرجت إليهم فكيهة فقالت: هو راقد فانصرفوا وترددوا عليعا مرارا، كل ذلك تقول هو راقد، ثم عاودوا فقالوا: لتوقظنه أو لندخلن عليك.
قالت: فإنه قد رجع على أهله وأرسلني إلى الملك برسالة فذهبوا بها إلى الملك، فلما دخلت عليه سألها عنه فأخبرته خبره وقالت: يقول لك: اغدر يقينه أو دع. فذهبت كلمة أحيحة هذه مثلا فجرد له كثيبة من خيله، ثم أرسلهم في طلبه فوجدوه قد تحصن في أطمه، فحاصروه ثلاثا يقاتلهم
стр. 415
إلى تبع فقالوا: تبعثنا على رجل يقاتلنا بالنهار ويضيفنا بالليل فتركه وانصرف.
فريدة مولاة آل الربيع
هي مولدة نشأت بالحجاز، ثم وقعت إلى آل ربيع فعلمت الغناء في دورهم، ثم صارت إلى البرامكة، فلما قتل جعفر بن يحيى ونكبوا هربت وطلبها الرشيد فلم يجدها ثم صارت لى الأمين.
فلما قتل خرجت فتزوجها الهيثم بن مسلم فولدت له ابنه عبد الله، ثم مات عنها فتزوجها السندي بن الجرشي وماتت عنده ولها صنعة جيدة في شعر الوليد بن يزيد:
ويح سلمى لو تراني ... لعناها ما عناني
واقفا في الدار أبكي ... عاشقا حور الغواني
ومن صنعتها أيضا:
ألا أيها الركب النيام ألا هبوا ... نسائلكم هل يقتل الرجل الحب
ألا رب ركب قد وقفت مطيهم ... عليك ولولاك أنت لم يقف الركب
فريدة جارةي الواثق
كانت لعمر بن بانة وهو أهداها إلى الواثق وكانت من الموصوفات المحسنات، وكانت حسنة الوجه حسنة الغناء حادة الفطنة والفهم وتزوجها المتوكل بعد الواثق.
وقال صاحب "الأغاني" عن محمد بن الحارث إنه قال: كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة إذا حضرت ركبت على الدار فإن نشط إلى الطرب أقمت عنده. وإن لم ينشط انصرفت.
وكان رسمنا أن لا يحضر أحدنا إلا بنوته فإني لفي منزلي في غير يوم نوبتي غذ أرسل الخليفة من هجموا علي وقالوا لي: أجب أمير المؤمنين فقلت: هذا اليوم لم يحضرني امير المؤمنين قط لعلمكم غلطتم.
فقالوا: الله المستعان لا تطول وبادر فقد أمرنا أن لا ندعك تستقر على الأرض، فداخلني فزع شديد وخفت أن يكون ساع قد سعى بي أو بلية حدثت في رأي الخليفة علي، فتقدمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار، فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كانت أدخل فمنعت وأخذ بيدي الخدم، فأدخلوني وعدلوا بي إلى طرق لا أعرفها فزاد ذلك في جزعي وغمي.
ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدم على خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصحن ملبسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، ثم أفضيت غلة رواق أرضه وحيطانه ملبسة بمثل ذلك، وإذا بالواثق في صدره على سرير مرصع بالجواهر وعليه ثياب منسوجة بالذهب وإلى جانبه فريدة جاريته عليها مثل ثيابه وفي جحرها عود، فلما رآني قال: جودت والله يا محمد غلينا إلينا فقبلت الأرض ثم قلت: خيرا يا أمير المؤمنين، قال: خيرا أرى أما تنظر ما نحن فيه أنا طلبت والله ثالثا يؤانسنا فلم أر أحق منك فبحياتي بادر فكل شيئا من الطعام وبادر غلينا فقلت: قد والله يا سيدي أكلت وشربت أيضاً.
قال: فاجلس فجلست. وقال: هاتوا لمحمد رطلا في قدح، فأحضر ذلكن ثم قال لفريدة: غني. فغنت:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النفس يا ليل أنها ... قلتك ولا إن قل منك نصيبها
فجاءت والله بالسحر وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغني الصوت بعد الصوت، وأغني أنا في خلال
стр. 416
غنائها فنزلنا أحسن ما أمر لأحد فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب صدر فريدة بها ضربة تدحرجت من أعلى السرير إلى الأرض، وتفتت عودها، ومرت تعدو وتصيح، وبقيت أنا كالمنزوع الروح، ولم أشك أن عينه وقعت إلي وقد نظرت إليها، ونظرت إلى فأطرق ساعة إلى الأرض متحيرا، وأطرقت أتوقع ضرب العنق فإني لكذلك إذ قال: يا محمد، فوثبت.
فقال: ويحك، أرأيت أغرب مما تهيأ علينا فقلت: يا سيدي الساعة والله تخرج روحي فعلى من أصابنا بالعين لعنة الله، فما كان سبب الذنب.
قال: لا والله، ولكن فكرت أن جعفرا يقعد هذا المقعد ويقعد معها كما هي قاعدة معي فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت، فسري عني وقلت: بل يقتل الله جعفراً ويحيا أمير المؤمنين أبداً وقبلت الأرض وقلت: يا سيدي، الله الله ارحمها ومربدها، فقال لبعض الخدم: الوقوف من يجيء بها؟ فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها وعليها غير الثياب التي كانت عليها قبل، فلما رآها جذبها وعانقها فبكت وجعل هو يبكي واندفعت أنا بالبكاء.
فقال: ما ذنبي يا مولاي وبأي شيء استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي تبكي أيضاً.
فقال: سألتك بالله يا أمير المؤمنين غلا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من هذا الفكر وأرحت نفسك من الهم بي وجعلت تبكي وهو يبكي.
ثم مسحا أعينهما ورجعت إلى مكانها وأومأ إلى الخدم الوقوف بشيء لا أعرفه، فمضوا أحضروا أكياساً فيها دراهم دنانير ورزما فيها ثياب كثيرة وجاء خادم بدرج ففتحه وأخرج منه عقدا ما رأيت قط مثل جوهره فألبسها إياه: وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي وخمسة تخوت فيها ثياب وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن مما كنا، فلم نزل كذلك إلى الليلة.
ثم تفرقنا وضرب الدهر ضربه وتقلد المتوكل فو الله إنني لفي منزلي بعد توبتي إذ هجم علي رسل الخليفة فما أمهلوني حتى ركبت, وصرت إلى الدار فأدخلت والله والحجرة بعينها وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير وإلى جانبه فريدة, فلما رآني قال: ويحك, أمل ترى ما أنا فيه من هذه أنا منذ غدوة أطالها بأن تغنيني فتأبى ذلك؟ فقلت لها: يا سبحان الله أتخالفين سيدك وسيد البشر بحياتي, غني فعرفت والله أنه تم التفاؤل ثم اندفعت تغني:
مقيم بالمجازة من قنونا ... وأهلك بالأجيفر فالثماد
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير, ومرت تعدو وهي تصيح: وا سيداه.
فقال لي: ويحك, ما هذا؟ فقلت: لا أدري والله يا سيدي فقال: فما ترى؟ فقلت: أرى أن أنصرف أنا وتحضر هي ومعها غيرها فإن الأمر يؤل إلى ما يريد أمير المؤمنين. قال: فانصرف في حفظ الله. فانصرفت ولم أدر ما كانت القصة.
وقال محمد بن عبد الملك سمعت فريدة تغني:
أخلاي بي شجو وليس بكم شجو ... وكل امرئ مما بصاحبه خلو
أذاب الهوى لحمي وجسمي ومفصلي فلم يبق إلا الروح والجسد النضو
وما من محب نال ممن يحبه ... هوى صادقاً إلا سيدخله زهو
بليت وكان المزح بدء بليتي ... فأحببت جهلاً والبلايا لها بدو
وعلقت من يزهو على تجبرا ... وإني في كل الخصال له كفو
قال: فما سمعت قبله ولا بعده غناء أحسن منه. وقال عمرو بن بانة غنيت أمام الواثق يوماً
قلت خلي فاقبلي معذرتي ... ما كذا يجزي محباً من أحب
стр. 417
فقال لي: تقدم إلى الستارة فألقه على فريدة. فألقيته عليها. قالت: هو خلي أو خل كيف هو؟ فعلمت أنها سألتني عن صاحبه لها اسمها خل وكانت ربية معها وأخفت ذلك عن الواثق. وبقيت مدة في دار خلافة الواثق حتى ماتت عنده.
فضل المدينة
كانت حاذقة بالغناء, كاملة الخصال وأصلها لإحدى بنات هارون الرشيد. ونشأت وتعلمت ببغداد ودرجت من هناك إلى المدينة المنورة فازدادت طبقتها في الغناء وأخذ عنها جملة من المغنين, ولها أصوات حسنة مذكورة بالأغاني وبقيت بالمدينة إلى أن ماتت بها.
فضل الشاعرة
كانت فضل جارية مولدة من مولدات البصرة وكانت أمها من مولدات اليمامة بها ولدت ونشأت في دار رجل من عبد القيس وباعها بعد أن أدبها وخرجت واشتريت وأهديت إلى المتوكل, وكانت هي تزعم أن الذي باعها أخوها وأن أباه وطئ أمها فولدتها منه فأدبها وخرجها معترفاً بها وأن بنيه من غير أمها (تواطؤوا) على بيعها وجحدها ولم تكن تعرف بعد أن أعتقت إلا بفضل العبيدية, وكانت حسنة الوجه والجسم والقوام أديبة فصيحة سريعة البديهة مطبوعة في قول الشعر. ولم يكن في نساء زمانها أشعر منها.
قال أحمد بن أبي طاهر: كانت فضل الشاعرة مع رجل من النخاسين بالكرخ يقال له: حسنويه فاشتراها محمد ابن الفرج أخو عمر بن الفرج أخو عمر بن الفرج الراجحي وأهداها إلى المتوكل فكانت تجلس للرجال ويأتيها الشعراء فألقى عليها يوماً أبو دلف القاسم بن عيسى:
قالوا عشقت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطي إلي ما لم يركب
كم بين حبة لؤلؤ مثقوبة ... نظمت وحبة لؤلؤ لم تنقب
فقالت فضل مجيبة له:
إن المطية لا يلذ ركوبها ... ما لم تذلل بالزمام وتركب
والدر ليس بنافع أصحابه ... حتى يؤلف للنظام بمثقب
ولما دخلت على المتوكل يوم أهديت إليه قال لها: أشاعرة أنت؟ قالت: كذا زعم من باعني واشتراني, فضحك وقال: أنشدينا من شعرك, فأنشدته:
استقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث وثلاثينا
خلافة أفضت إلى جعفر ... وهو ابن سبع بعد عشرينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الناس ثمانينا
لا قدس الله امراً لم يقل ... عند دعائي لك آمينا
فاستحسن الأبيات وأمر لها بخمسة آلاف درهم وأمر عريب فغنت فيها.
وكان المعتمد بن المتوكل عرضت عليه جاريته وهو صغير في خلافة أبيه فاشتط مولاها في السوم فلم يشترها وخرج بها مولاها إلى ابن الأغلب, فبيعت هناك.
ولما ولي المعتمد الخلافة سأل عن خبرها فقيل له: إنها بيعت وأولدها مولاها الذي اشتراها فقال لفضل: قولي فيها شيئاً. فقالت:
стр. 418
علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم
ونصبتي يا خيبتي ... غرض المظنة والتهم
فارقتني بعد الدنو ... فصرت عندي كالحلم
لو أن نفسي فارقت ... جسمي لفقدك لم تلم
ما كان ضرك لو وصلت ... فخف عن قلبي الألم
أو لا فطيفي في المنا ... م فلا أقل من اللمم
صلاة المحب حبيبه ... الله يعلمه كرم
وكتب محمد بن العباس اليزيدي يوماً لها هذه الأبيات:
أصبحت فرداً هائم العقل ... إلى غزال حسن الشكل
أخني فؤادي طول عهدي به ... وبعده عني وعن وصلي
منية نفسي في هوى فضل ... أن يجمع الله بها شملي
أهواك يا فضل هوى خالصاً ... فما بقلبي عنك من شغل
فأجابته:
الصبر ينقص والسقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
إني أعوذ بحرمتي بك في الهوى ... من أن يطاع لديك في حسود
وكانت تهوى أحد جلسائها في مجلس الخليفة, والخليفة لا يعلم ذلك, فكتب لها خليلها يوماً رقعة وسلمها لها بحيث لا أحد يراهما, فلما فضتها وجدت فيها:
ألا ليت شعري فيك هل تذكرينني ... فذكراك في الدنيا حبيب
وهل لي نصب من فؤادك ثانياً ... كما لك عندي في الفؤاد نصيب
ولست بموصل فأحيا بزورة ... ولا النفس عند اليأس عنك تطيب
فكتبت إليه:
نعم وإلهي إنني بك صبة ... فهل أنت يا من لا عدمت مثيب
لمن أنت منه في الفؤاد مصور ... وفي العين نصب العين حين تغيب
فثق بوداد أنت مظهر مثله ... على أن بي سقماً وأنت طبيب
ومرة اتكأ المتوكل على يدها ويد بنان الشاعر وجعل يمشي في داره وقال لهما أجيزا إلي قول الشاعر:
تعلمت أسباب الرضا خوف عتبها ... وعلمها حبي لها كيف تغضب
فقالت فضل:
تصد وأدنو بالمودة جاهداً ... وتبعد عني بالوصال وأقرب
فقال بنان:
وعندي لها العتبى على كل حالة ... فما منه لي بد ولا عنه مذهب
وألقى أحد أصحاب أحمد بن طاهر عليها يوماً:
стр. 419
ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر
فقالت بديهة:
فو الله لا يدرى أندري بما جنت ... على قلبه أو أهلكته وما ندري
وكان علي بن الجهم يوماً عند فضل الشاعرة فلحظها لحظة استرابت بها فقالت:
يا رب رام حسن تعرضه ... يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقال مجيباً لها:
أي فتى لحظك لم يمرضه ... وأي عقد محكم لم ينقضه
فضحكت وقالت: خذ في غير هذا الحديث.
وكان بينها وبين سعيد بن حميد الشاعر مراسلات ومواصلات أدبية فحضر مجلسها يوماً ومعه بنان فأقبلت على بنان وتركته, وذهب مغضباً لها وظهر لها في وجهه ذلك فكتبت إليه:
وعيشك لو صرحت باسمك في الهوى ... لا قصرت عن أشياء بالهزل والجد
ولنني أبدي لهذا مودتي ... وذاك وأخلو فيك بالبث والوجد
مخافة أن يغرى قول كاشح ... عدو فيسعى بالوصال إلى الصد
فكتب إليها سعيد:
تنامين عن ليلي وأسهره وحدي ... وأنهى جفوني أن تبثك ما عندي
فإن كنت لا تدرين ما قد فعلته ... بنا فانظري ماذا على قاتل العمد
وجاءها أبو يوسف بن الدقاق الضرير وأبو منصور الباخرزي زائرين فحجبا عن الدخول إليها, ولما رجعا وعلمت بمجيئهما وانصرافهما قبل مقابلتها غمها ذلك فكتبت إليهما تعتذر:
وما كنت أخشى أن تروا لي زلة ... ولكن أمر الله ما عنه مذهب
أعوذ بحسن الصفح منكم وقبلنا ... بصفح وعفو ما تعوذ مذنب
فكتب إليها أبو منصور الباخرزي:
لئن أهديت عتباك لي ولإخوتي ... فمثلك يا فضل الفضائل يعتب
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكل امرئ لا يقيل العذر مذنب
وقال المتوكل يوماً لعلي بن المنجم: كان بيني وبين فضل موعد وقبل مجيئها قد شربت وسكرت فنمت وجاءت فضل للموعد فحركتني بكل ما ينتبه به النائم فلم أنتبه فلما علمت أن لا صلة لها في كتبت رقعة ووضعتها على مخدتي وانصرفت, فلما انتبهت وجدتها فإذا مكتوب فيها:
قد بدا شبهك يا مو ... لاي يحدو بالظلام
قم بنا نقضي لبانا ... ت التزام والتآم
قبل أن تفضحنا عو ... دة أرواح النيام
وكانت فضل تهاجي خنساء جارية هشام المكفوف -وكانت شاعرة- فكان أبو شبل عاصم بن وهب يعاون فضلاً عليها ويهجوها مع فضل, وكان القصيدي والحفصي يعينان خنساء على فضل وأبي شبل على لسان فضل:
стр. 420
خنساء طيري بجناحين ... أصبحت معشوقة نذلين
من كان يهوى عاشقاً واحداً ... فأنت تهوين عشيقين
هذا القصيدي وهذا الفتى ل ... حافصي قد زاراك فردين
فضحت من هذا وهذا كما ... ينعم خنزير بحشين
فقالت خنساء تجيبها:
ماذا مقال لك يا فضل بل ... مقال خنزيرين فردين
يكنى أبا الشبل ولو أبصرت ... عيناه شبلا راث كزين
وقالت فضل في خنساء:
إن خنساء لا جعلت فداها ... اشتراها الكسار من مولاها
ولها نكهة يقول محادث ... ها أهذا حديثها أم فساها
وقالت خنساء في فضل وأبي شبل:
تقول له فضل إذا ما تخوفت ... ركوب قبيح الذل في طلب الوصل
حرام فتى لم يلق في الحب ذلة ... فقلت لها لا بل حرام أو شبل
وقالت خنساء تهجو أبا شبل لمساعدته فضل عليها:
ما ينقضي فكري وطول تعجبي ... من نعجة تكنى أبا الشبل
لعب الفحول بسفلها وعجانها ... فتمردت كتمرد الفحل
لما اكتنيت بما اكتنيت به ... وتسمت النقصان بالفضل
كادت بنا الدنيا تميد ضحى ... ونرى السماء تذوب كالمهل
ولما وصلت هذه الأبيات إلى أبي شبل غضب منها ولم يجب عليها وقال يهجو مولاها هشاماً:
نعم مأوى العذاب بيت هشام ... حين يرمي اللثام باغي اللثام
من أراد السرور عند حبيب ... لينال السرور تحت الظلام
فهشام نهاره ودجى الل ... يل سواء نفسي فداء هشام
ذاك حر دواته ليس تخلو أبداً من تخرق الأقلام
وزارت فضل سعيد بن حميد ليلة على موعد بينهما, فلما حصلت عنده جاءتها جاريتها مبادرة تعلمها أن رسول الخليفة قد جاء يطلبها, فقامت مبادرة, فمضت فلما كان من غد كتب إليها ابن حميد:
ضن الزمان بها فلما نلتها ... ورد الفراق فكان أقبح وارد
والدمع ينطق للضمير مصدقاً ... قول المقر مكذباً للجاحد
وقال لها عبيد بن محمد صبيحة قتل المنتصر والمعتز ماذا نزل بكم البارحة؟ فقالت:
أن الزمان بذحل كان يطلبنا ... ما كان أغفلنا عنه وأسهانا
مالي وللدهر قد أصبحت همته ... مالي وللدهر ما للدهر لا كانا
وخرجت فيحة جارية المتوكل إلى سيدها يوم نيروز وبيدها كأس بلور بشراب صاف فقال لها: ما هذا فديتك؟ قالت: هديتي لك في هذا اليوم عرفك الله بركته, فأخذها من يدها ونظر إليها فإذا مكتوب على خدها
стр. 421
نقطة جعفر بالمسك فشرب الكأس وقبل خدها وكانت فضل الشاعرة واقفة على رأسه فقالت:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفراً ... بنفسي سواد المسك من حيث أثرا
لئن أثرت بالمسك سطراً بخدها ... لقد أودعت قلبي من الحزن أسطرا
فيا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا
ثم قالت أيضاً:
سلافة كالقمر الباهر ... في قدح كالكوكب الزاهر
يديرها خشف كبدر الدجى ... فوق قضيب أهيف ناضر
على فتى أروع من هاشم ... مثل الحسام المرهف الباتر
فلما سمع المتوكل هذه الأبيت طرب طرباً شديداً وأمر فغنى بها وأنعم على فضل إنعاماً زائداً وكتبت فضل إلى سعيد بن حميد يوماً.
تبث هواك في بدني وروحي ... فألف فيهما طمع بياس
فأجابها سعيد في وقتها:
كفانا الله شر الياس إني ... لبغض الياس أبغض كل آس
قال ابن أبي المدور الوراق: كنت يوماً عند سعيد بن حميد وكان قد ابتدأ ما بينه وبين فضل يتشعب وقد بلغ ميلها إلى بنان المغني وهو بين المصدق والمكذب بذلك, فأقبل على صديق له فقال: قد أصبحت والله من أمر فضل في غرور أخادع نفسي بتكذيب العيان, وأمنتها ما قد حيل دونه, والله إن إرسالي بعدها قد لاح من تغيرها لذلك وإن عدولي في أمرها مشبه بالعجز وإن تصبري لمن دواعي التلف ولله در محمد بن أمية حيث يقول:
يا ليت شعري ما يكون جوابي ... أما الرسول فقد مضى بكتابي
وتعجلت نفسي الظنون وأشعرت ... طمع الحريص وخيفة المرتاب
وتروعني حركات كل محرك ... والباب يقرعه وليس ببابي
كم نحو باب الدار لي من وثبة ... أرجو الرسول بمطمع كذاب
والويل لي من بعد هذا كله ... إن كان ما أخشاه رد جوابي
قال ابن المنجم: غضب بنان المغني على فضل الشاعرة في أمر أنكره عليها فاعتذرت إليه فلم يقبل معذرتها فأنشدت في ذلك مصبرة نفسها.
يا فضل صبراً إنها ميتة ... يجرعها الكاذب والصادق
ظن بنان أنني خفته ... روحي إذا من بدني طالق
وقال المتوكل لعلي بن الجهم: قل بيتاً وطالب فضل الشاعرة بأن تجيزه. فقال علي: أجيزي يا فضل:
لاذبها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فأطرقت هنيهة ثم قالت:
فلم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد عشقاً ... فمات وجداً فكان ماذا
стр. 422
فطرب المتوكل وقال: أحسنت وحياتي وأمر لها بمائتي دينار وأمر عريب فغنت بها وكتب سعيد بن حميد إلى فضل رقعة قال في آخرها:
تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلاً وبعض الظن إثم ومنكر
إذا كان قلبي في يديك رهينة فكيف بلا قلب أصافي وأهجر
قال إسحاق بن مسافر: كنت يوماً عند سعيد بن حميد إذ دخلت عليه فضل على غفلة فوثب إليها وسلم عليها وسألها أن تقيم عنده فقالت: قد جاءني وحياتك رسول من القصر فليس يمكنني الجلوس وكرهت أن أقيم ببابك ولا أراك فقال: سعيد من وقته على البديهة.
قربت ولا نرجو اللقاء ولا نرى ... لنا حيلة يدنيك منا احتيالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوءها ... قريب ولكن أين منا منالها
وظاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا ولكن قد يلتم خيالها
تقربها الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها واعتلالها
ولكنها أمنية فلعلها ... يجود بها صرف النوى وانتقالها
وتغاضب سعيد بن حميد وفضل أياماً ثم كتب إليها:
تعالي نجدد عهد الرضا ... ونصفح في الحب عما مضى
ونجري على سنة العاشقين ... ونضمن عني وعنك الرضا
ويبذل هذا لهذا هواه ... ويصير في حبه للقضا
ونخضع ذلً خضوع العبيد ... لمولى عزيز إذا أعرضا
فإني مذلج هذا العتاب ... كأني أبطنت جمر الغضى
فسارت إليه وصالحته.
وكان سعيد بن حميد صديقاً لأبي العباس بن ثوابة فدعاه يوماً وجاءه رسول فضل يسأله المصير إليها, فمضى معه وتأخر عند أبي العباس, فكتب إليه رقعة يعاتبه معاتبة فيها بعض الغلظة فكتب إليها سعيد:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل إحداث الليالي والردى ... يوماً ستصدع بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن على منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
وحضر يوماً في منزل بعض إخوانه فوجد عندهم فضل, فأقام معهم عامة يومهم, وآخر النهار غضبت منهم على النبيذ, ثم انصرفوا وهم على ذلك وبعد أيام اجتمع سعيد مع إخوانه المذكورين وتصادف مجيء فضل على غير موعد, فدخلت عليهم وسلمت عليهم سواه فقالوا لها: أتهجرين أبا عثمان؟ فقالت: أجب أن تسألوه أن لا يكلمني. فقال سعيد:
стр. 423
اليوم أيقنت أن الهجر متلفة ... وأن صاحبه منه على خطر
كرب الحياة لمن أمسى على شرف ... من الميتة بين الخوف والحذر
يلوم عينيه أحياناً بذنبهما ... ويحمل الذنب أحياناً على القدر
تنأون عنه وينأى قلبه معكم ... فقلبه أبداً منه على سفر
فوثبت إليه وقبلت رأسه وقالت: لا أهجرك والله أبداً ما حييت. وبعد ذلك بمدة غضبت عليه فكتب إليها:
يا أيها الظالم ما لي ولك ... أهكذا تهجر من واصلك
لا تصرف الرحمة عن أهلها ... قد يعطف المولى على من ملك
ظلمت نفساً فيك علقتها ... فدار بالظلم على الفلك
تبارك الله فما أعلم الله ... بما ألقى وما أغفلك
فراجعت وصله وسارت إليه جواباً لرقتها: وكان سعيد يوماً في مجلس الحسن بن مخلد إذ جاءه غلام برقعة فضل, فقرأها وضحك فقال الحسن بن مخلد: بحياتي عليك أقرأتها فدفعها إليه فقرأها وإذا هي تشكو فيها شدة شوقها إلى سعيد فضحك وقال: قد وحياتي ملحت فأجب فكتب إليها:
يا واصف الشوق عندي من شواهده ... قلب يهيم وعين دمعها يكف
والنفس شاهدة بالود عارفة ... وأنفس الناس بالأهواء تأتلف
فكن على ثقة مني وبينة ... أني على ثقة من كل ما تصف
فلما وصل إليها الجواب طاب قلبها وسارت إليه وأقامت عنده عامة النهار وكرت راجعة. ولما تعشقت بنان ابن عمر المغني وعدلت عن سعيد أسف عليها وأظهر تجلداً ثم قال فيها:
قالوا تعزى وقد بانوا فقلت لهم ... بأن العزاء على آثار من بانا
وكيف يملك سلوانا لحبهم ... من لم يطق للهوى سراً وكتمانا
كانت عزائم صبري أستعين بها ... صارت علي بحمد الله أعوانا
لا خير في الحب لا تبدي شواكله ... ولا ترى منه في العينين عنوانا
قال محمد بن السري: إنه توجه إلى سعيد بن حميد في حاجة له فوجده في منزل الحسن بن مخلد فقصده وإذا برسول فضل ناوله رقعة منها وفيها الأبيات التي أرسلتها إلى محمد بن العباس اليزيدي وأولها: الصبر ينقص والسقام تزيد وفي آخرها أنا يا أبا عثمان في حال التلف ولم تعدني ولا سألت عن خبري فأخذ بيد ابن السري ومضيا إليها فسألها عن خبرها فقالت: هو ذا أموت وتستريح مني. فانشأ يقول:
لا مت قبلي بل أحيا وأنت معاً ... ولا أعيش إلى يوم تموتينا
لكن نعيش بما نهوى ونأمله ... ويرغم الله فينا أنف واشينا
حتى إذا قدر الرحمن ميتتنا ... وحان من أمرنا ما ليس يعدونا
متنا جميعاً كغصني بانة ذبلاً ... من بعدما نضراً واستوسقا حينا
стр. 424
ثم السلام علينا في مضاجعنا ... حتى نعود إلى ميزان منشينا
وبلغها حينما كانت مائلة إلى بنان أن سعيداً عشق جارية من جواري القيان فكتبت إليه:
يا عالي السن سيئ الأدب ... شبت وأنت الغلام في الطرب
ويحك إن القيان كالشوك ال ... منصوب بين الغرور والعطب
لا يتصدين للفقير ولا ... يطلبن إلا معادن الذهب
بينا تشكي هواك إذ عدلت ... عن زفرات الشكوى إلى الطلب
تلحظ هذا وذا وذاك وذي ... لحظ محب وفعل مكتئب
وافتصد سعيد بن حميد يوماً فقالت فضل لعريب: وهل لك أن نذهب فنزور سعيداً؟ قالت لها: فلا مانع من ذلك وأرسلت إليه قبل زيارتها هدايا منها ألف جدي وجمل وألف دجاجة فائقة, وألف طبق ريحان وفاكهة ومع ذلك طيب كثير وشراب وتحف حسان فكتب إليها سعيد: وإن سروري لا يتم إلا بحضورك فجاءته في آخر النهار وجلست معه على الشراب وغنتهم عريب بما لزم.
فبينما هم كذلك وإذا بالغلام يستأذن لبنان فإذن له فدخل إليهم وإذا هو شاب طرير حسن الوجه حسن الغناء نظيف الثياب شكل فذهب بفضل كل مذهب, فأقبلت عليه بحديثها ونظرها فتنمر سعيد واستطير غضباً وتبين بنان القصة فانصرف وأقبل عليها سعيد يعذلها ويؤنبها ساعة, ثم أمسك فقالت منشدة:
يا من أطلت تفرسي ... في وجهه وتنفسي
أفديك من متدلل ... يزهو بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأ ... ت بلى أقول أنا المسي
أحلفتني أن لا أسا ... رق نظرة في مجلسي
فنظرت نظرة مخطئ ... أتبعتها بتفرس
ونسيت أني قد حلفت ... فما عقوبة من نسي
فقام سعيد وقبل رأسها وقال: لا عقوبة عليه بل نحتمل هفوته ونتجافى عن إساءته, وغنت عريب في هذا الشعر وشربوا عليه بقية يومهم, ثم افترقوا وأثر بنان في قلبها وعلقت به ثم لم تزل حتى واصلته وقطعت سعيداً.
وكان إبراهيم بن المهدي يقول: إن فضل كانت من أحسن خلق الله خطاً وأفصحهم كلاماً, وأبلغهم في مخاطبة, وأثبتهم في محاورة فقال يوماً لسعيد بن حميد: أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها وتجيدها وتخرجها فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك فقال له وهو يضحك: ما أخيب ظنك ليتها تسلم مني لآخذ كلامها ورسائلها, والله يا أخي لو أخذ أفاضل الكتاب وما ماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك, انتهى.
فضة النوبية
هي جارية السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ كانت من النساء العاقلات الصادقات وقد اشتهرت بالفضيلة. وقيل" عن أبي العباس في قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان: ٧-٨] قال: مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما ﷺ وعادهما عامة العرب فقالوا: يا أبا الحسن, لو نذرت على ولدك نذراً.
فقال علي:
стр. 425
إن برءا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة: كذلك, وقالت جاريتهما فضة النوبية: إن برأ سيداي صمت لله شكراً, فلبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير, فانطلق علي إلى شمعون الخبيري فاستقرض منه ثلاثة آصع من شعير فجاء بها فوضعها فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته, وصلى مع رسول الله ﷺ .
ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف على الباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد, مسكين من أولاد المسمين أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي فأمرهم بإعطائه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء.
فلما كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى الصاع وخبزته وصلى علي مع النبي ﷺ ووضع الطعام بين يديه إذ أتاهم يتيم فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد يتيم بالباب من أولاد المهاجرين استشهد والدي أطعموني فأعطوه الطعام فمكثوا يومين ولم يذوقوا إلا الماء.
فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الباقي فطحنته وأختبزته وصلى علي مع النبي ﷺ ووضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت النبوة تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا, أطعموني فإني أسير, فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلا الماء فأتاهم رسول الله ﷺ فرأى ما بهم من الجوع فأنزل الله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) [الإنسان: ١] إلى قوله (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً) [الانسان: ٩] .
ومن ذلك يعلم أن المترجمة ساوت نفسها بسيدتها فاطمة الزهراء, فنالت بذلك فخراً لم ينله غيرها من نساء العرب وبقيت بخدمة هذا البيت حتى توفاها الله ﵂.
فطنت بنت أحمد باشا والي طرابزون
ولدت في طرابزونه سنة ١٢٥٨ هجرية وتربت في بيت أبيها أحسن تربية إلى أن ترعرعت قابلة للتعليم, فقدمها والدها إلى مكتب حافظ أفندي أحد معلمي القراءة بتلك المدينة فصار يعلمها مبادئ القراءة التركية والفارسية والقرآن الشريف.
فلما تعلمت تلك المبادئ انتقل والدها إلى الروملي الشرقية فأحضر لها المعلمين للخط وتدريس باقي العلوم حتى تعلمت كافة ما تحتاج إليه من التهذيب والتأديب ومالت نفسها إلى العروض وبحوره وبرعت فيه أيضاً حتى صارت نادرة زمانها, ولها ديوان شعر باللغة التركية ومثله بالفارسية, ولما أتمت علومها وبرعت في كل ما ألقى إليها وآن أوان زواجها زوجها والدها من أحد الأدباء الأفاضل, فعاشت معه عيشة حسنة, وولدت له أولاداً وبنات, وتوفي عنها وهي في زهرة شبابها وبعد وفاته بمدة خطبها محمد علي بك أفندي كاتب أول نظارة البحرية في الأستانة وهي معه لغاية الآن في عيشة راضية. ولها مؤلفات عقلية وحكمية باللغة التركية وأشعار غزلية وغيرها منها:
سرنكون ايتدى فلك اسابني بيمانه سن ... ?ونكه دلشادا يلمزنا شادا ولان مستانه سن
عزم سوى مكيده الوير مدى جكدم اياق ... باشنه جالسون همان أول بيوفاد مخانه سن
عيش ونوش وصحبتي ذكمزانك هيج بر?وله ... نيلرم ظل سراب آسابو مهما نخانه سن
جرعه نوش باده ألطافي أو لمقدر محال ... بند كان ترك ايتمسونمي مجلس شاهانه سن
следующие страницы →