Полный текст (532 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
نقطة جعفر بالمسك فشرب الكأس وقبل خدها وكانت فضل الشاعرة واقفة على رأسه فقالت:
وكاتبة بالمسك في الخد جعفراً ... بنفسي سواد المسك من حيث أثرا
لئن أثرت بالمسك سطراً بخدها ... لقد أودعت قلبي من الحزن أسطرا
فيا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا
ثم قالت أيضاً:
سلافة كالقمر الباهر ... في قدح كالكوكب الزاهر
يديرها خشف كبدر الدجى ... فوق قضيب أهيف ناضر
على فتى أروع من هاشم ... مثل الحسام المرهف الباتر
فلما سمع المتوكل هذه الأبيت طرب طرباً شديداً وأمر فغنى بها وأنعم على فضل إنعاماً زائداً وكتبت فضل إلى سعيد بن حميد يوماً.
تبث هواك في بدني وروحي ... فألف فيهما طمع بياس
فأجابها سعيد في وقتها:
كفانا الله شر الياس إني ... لبغض الياس أبغض كل آس
قال ابن أبي المدور الوراق: كنت يوماً عند سعيد بن حميد وكان قد ابتدأ ما بينه وبين فضل يتشعب وقد بلغ ميلها إلى بنان المغني وهو بين المصدق والمكذب بذلك, فأقبل على صديق له فقال: قد أصبحت والله من أمر فضل في غرور أخادع نفسي بتكذيب العيان, وأمنتها ما قد حيل دونه, والله إن إرسالي بعدها قد لاح من تغيرها لذلك وإن عدولي في أمرها مشبه بالعجز وإن تصبري لمن دواعي التلف ولله در محمد بن أمية حيث يقول:
يا ليت شعري ما يكون جوابي ... أما الرسول فقد مضى بكتابي
وتعجلت نفسي الظنون وأشعرت ... طمع الحريص وخيفة المرتاب
وتروعني حركات كل محرك ... والباب يقرعه وليس ببابي
كم نحو باب الدار لي من وثبة ... أرجو الرسول بمطمع كذاب
والويل لي من بعد هذا كله ... إن كان ما أخشاه رد جوابي
قال ابن المنجم: غضب بنان المغني على فضل الشاعرة في أمر أنكره عليها فاعتذرت إليه فلم يقبل معذرتها فأنشدت في ذلك مصبرة نفسها.
يا فضل صبراً إنها ميتة ... يجرعها الكاذب والصادق
ظن بنان أنني خفته ... روحي إذا من بدني طالق
وقال المتوكل لعلي بن الجهم: قل بيتاً وطالب فضل الشاعرة بأن تجيزه. فقال علي: أجيزي يا فضل:
لاذبها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فأطرقت هنيهة ثم قالت:
فلم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد عشقاً ... فمات وجداً فكان ماذا
стр. 422
فطرب المتوكل وقال: أحسنت وحياتي وأمر لها بمائتي دينار وأمر عريب فغنت بها وكتب سعيد بن حميد إلى فضل رقعة قال في آخرها:
تظنون أني قد تبدلت بعدكم ... بديلاً وبعض الظن إثم ومنكر
إذا كان قلبي في يديك رهينة فكيف بلا قلب أصافي وأهجر
قال إسحاق بن مسافر: كنت يوماً عند سعيد بن حميد إذ دخلت عليه فضل على غفلة فوثب إليها وسلم عليها وسألها أن تقيم عنده فقالت: قد جاءني وحياتك رسول من القصر فليس يمكنني الجلوس وكرهت أن أقيم ببابك ولا أراك فقال: سعيد من وقته على البديهة.
قربت ولا نرجو اللقاء ولا نرى ... لنا حيلة يدنيك منا احتيالها
فأصبحت كالشمس المنيرة ضوءها ... قريب ولكن أين منا منالها
وظاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا ولكن قد يلتم خيالها
تقربها الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها واعتلالها
ولكنها أمنية فلعلها ... يجود بها صرف النوى وانتقالها
وتغاضب سعيد بن حميد وفضل أياماً ثم كتب إليها:
تعالي نجدد عهد الرضا ... ونصفح في الحب عما مضى
ونجري على سنة العاشقين ... ونضمن عني وعنك الرضا
ويبذل هذا لهذا هواه ... ويصير في حبه للقضا
ونخضع ذلً خضوع العبيد ... لمولى عزيز إذا أعرضا
فإني مذلج هذا العتاب ... كأني أبطنت جمر الغضى
فسارت إليه وصالحته.
وكان سعيد بن حميد صديقاً لأبي العباس بن ثوابة فدعاه يوماً وجاءه رسول فضل يسأله المصير إليها, فمضى معه وتأخر عند أبي العباس, فكتب إليه رقعة يعاتبه معاتبة فيها بعض الغلظة فكتب إليها سعيد:
أقلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل تارة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولعل إحداث الليالي والردى ... يوماً ستصدع بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن على منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
وحضر يوماً في منزل بعض إخوانه فوجد عندهم فضل, فأقام معهم عامة يومهم, وآخر النهار غضبت منهم على النبيذ, ثم انصرفوا وهم على ذلك وبعد أيام اجتمع سعيد مع إخوانه المذكورين وتصادف مجيء فضل على غير موعد, فدخلت عليهم وسلمت عليهم سواه فقالوا لها: أتهجرين أبا عثمان؟ فقالت: أجب أن تسألوه أن لا يكلمني. فقال سعيد:
стр. 423
اليوم أيقنت أن الهجر متلفة ... وأن صاحبه منه على خطر
كرب الحياة لمن أمسى على شرف ... من الميتة بين الخوف والحذر
يلوم عينيه أحياناً بذنبهما ... ويحمل الذنب أحياناً على القدر
تنأون عنه وينأى قلبه معكم ... فقلبه أبداً منه على سفر
فوثبت إليه وقبلت رأسه وقالت: لا أهجرك والله أبداً ما حييت. وبعد ذلك بمدة غضبت عليه فكتب إليها:
يا أيها الظالم ما لي ولك ... أهكذا تهجر من واصلك
لا تصرف الرحمة عن أهلها ... قد يعطف المولى على من ملك
ظلمت نفساً فيك علقتها ... فدار بالظلم على الفلك
تبارك الله فما أعلم الله ... بما ألقى وما أغفلك
فراجعت وصله وسارت إليه جواباً لرقتها: وكان سعيد يوماً في مجلس الحسن بن مخلد إذ جاءه غلام برقعة فضل, فقرأها وضحك فقال الحسن بن مخلد: بحياتي عليك أقرأتها فدفعها إليه فقرأها وإذا هي تشكو فيها شدة شوقها إلى سعيد فضحك وقال: قد وحياتي ملحت فأجب فكتب إليها:
يا واصف الشوق عندي من شواهده ... قلب يهيم وعين دمعها يكف
والنفس شاهدة بالود عارفة ... وأنفس الناس بالأهواء تأتلف
فكن على ثقة مني وبينة ... أني على ثقة من كل ما تصف
فلما وصل إليها الجواب طاب قلبها وسارت إليه وأقامت عنده عامة النهار وكرت راجعة. ولما تعشقت بنان ابن عمر المغني وعدلت عن سعيد أسف عليها وأظهر تجلداً ثم قال فيها:
قالوا تعزى وقد بانوا فقلت لهم ... بأن العزاء على آثار من بانا
وكيف يملك سلوانا لحبهم ... من لم يطق للهوى سراً وكتمانا
كانت عزائم صبري أستعين بها ... صارت علي بحمد الله أعوانا
لا خير في الحب لا تبدي شواكله ... ولا ترى منه في العينين عنوانا
قال محمد بن السري: إنه توجه إلى سعيد بن حميد في حاجة له فوجده في منزل الحسن بن مخلد فقصده وإذا برسول فضل ناوله رقعة منها وفيها الأبيات التي أرسلتها إلى محمد بن العباس اليزيدي وأولها: الصبر ينقص والسقام تزيد وفي آخرها أنا يا أبا عثمان في حال التلف ولم تعدني ولا سألت عن خبري فأخذ بيد ابن السري ومضيا إليها فسألها عن خبرها فقالت: هو ذا أموت وتستريح مني. فانشأ يقول:
لا مت قبلي بل أحيا وأنت معاً ... ولا أعيش إلى يوم تموتينا
لكن نعيش بما نهوى ونأمله ... ويرغم الله فينا أنف واشينا
حتى إذا قدر الرحمن ميتتنا ... وحان من أمرنا ما ليس يعدونا
متنا جميعاً كغصني بانة ذبلاً ... من بعدما نضراً واستوسقا حينا
стр. 424
ثم السلام علينا في مضاجعنا ... حتى نعود إلى ميزان منشينا
وبلغها حينما كانت مائلة إلى بنان أن سعيداً عشق جارية من جواري القيان فكتبت إليه:
يا عالي السن سيئ الأدب ... شبت وأنت الغلام في الطرب
ويحك إن القيان كالشوك ال ... منصوب بين الغرور والعطب
لا يتصدين للفقير ولا ... يطلبن إلا معادن الذهب
بينا تشكي هواك إذ عدلت ... عن زفرات الشكوى إلى الطلب
تلحظ هذا وذا وذاك وذي ... لحظ محب وفعل مكتئب
وافتصد سعيد بن حميد يوماً فقالت فضل لعريب: وهل لك أن نذهب فنزور سعيداً؟ قالت لها: فلا مانع من ذلك وأرسلت إليه قبل زيارتها هدايا منها ألف جدي وجمل وألف دجاجة فائقة, وألف طبق ريحان وفاكهة ومع ذلك طيب كثير وشراب وتحف حسان فكتب إليها سعيد: وإن سروري لا يتم إلا بحضورك فجاءته في آخر النهار وجلست معه على الشراب وغنتهم عريب بما لزم.
فبينما هم كذلك وإذا بالغلام يستأذن لبنان فإذن له فدخل إليهم وإذا هو شاب طرير حسن الوجه حسن الغناء نظيف الثياب شكل فذهب بفضل كل مذهب, فأقبلت عليه بحديثها ونظرها فتنمر سعيد واستطير غضباً وتبين بنان القصة فانصرف وأقبل عليها سعيد يعذلها ويؤنبها ساعة, ثم أمسك فقالت منشدة:
يا من أطلت تفرسي ... في وجهه وتنفسي
أفديك من متدلل ... يزهو بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأ ... ت بلى أقول أنا المسي
أحلفتني أن لا أسا ... رق نظرة في مجلسي
فنظرت نظرة مخطئ ... أتبعتها بتفرس
ونسيت أني قد حلفت ... فما عقوبة من نسي
فقام سعيد وقبل رأسها وقال: لا عقوبة عليه بل نحتمل هفوته ونتجافى عن إساءته, وغنت عريب في هذا الشعر وشربوا عليه بقية يومهم, ثم افترقوا وأثر بنان في قلبها وعلقت به ثم لم تزل حتى واصلته وقطعت سعيداً.
وكان إبراهيم بن المهدي يقول: إن فضل كانت من أحسن خلق الله خطاً وأفصحهم كلاماً, وأبلغهم في مخاطبة, وأثبتهم في محاورة فقال يوماً لسعيد بن حميد: أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها وتجيدها وتخرجها فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك فقال له وهو يضحك: ما أخيب ظنك ليتها تسلم مني لآخذ كلامها ورسائلها, والله يا أخي لو أخذ أفاضل الكتاب وما ماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك, انتهى.
فضة النوبية
هي جارية السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ كانت من النساء العاقلات الصادقات وقد اشتهرت بالفضيلة. وقيل" عن أبي العباس في قوله تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان: ٧-٨] قال: مرض الحسن والحسين فعادهما جدهما ﷺ وعادهما عامة العرب فقالوا: يا أبا الحسن, لو نذرت على ولدك نذراً.
فقال علي:
стр. 425
إن برءا مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً. وقالت فاطمة: كذلك, وقالت جاريتهما فضة النوبية: إن برأ سيداي صمت لله شكراً, فلبس الغلامان العافية وليس عند آل محمد قليل ولا كثير, فانطلق علي إلى شمعون الخبيري فاستقرض منه ثلاثة آصع من شعير فجاء بها فوضعها فقامت فاطمة إلى صاع فطحنته واختبزته, وصلى مع رسول الله ﷺ .
ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف على الباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد, مسكين من أولاد المسمين أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي فأمرهم بإعطائه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء.
فلما كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى الصاع وخبزته وصلى علي مع النبي ﷺ ووضع الطعام بين يديه إذ أتاهم يتيم فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد يتيم بالباب من أولاد المهاجرين استشهد والدي أطعموني فأعطوه الطعام فمكثوا يومين ولم يذوقوا إلا الماء.
فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الباقي فطحنته وأختبزته وصلى علي مع النبي ﷺ ووضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم أهل بيت النبوة تأسروننا وتشدوننا ولا تطعموننا, أطعموني فإني أسير, فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلا الماء فأتاهم رسول الله ﷺ فرأى ما بهم من الجوع فأنزل الله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً) [الإنسان: ١] إلى قوله (لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً) [الانسان: ٩] .
ومن ذلك يعلم أن المترجمة ساوت نفسها بسيدتها فاطمة الزهراء, فنالت بذلك فخراً لم ينله غيرها من نساء العرب وبقيت بخدمة هذا البيت حتى توفاها الله ﵂.
فطنت بنت أحمد باشا والي طرابزون
ولدت في طرابزونه سنة ١٢٥٨ هجرية وتربت في بيت أبيها أحسن تربية إلى أن ترعرعت قابلة للتعليم, فقدمها والدها إلى مكتب حافظ أفندي أحد معلمي القراءة بتلك المدينة فصار يعلمها مبادئ القراءة التركية والفارسية والقرآن الشريف.
فلما تعلمت تلك المبادئ انتقل والدها إلى الروملي الشرقية فأحضر لها المعلمين للخط وتدريس باقي العلوم حتى تعلمت كافة ما تحتاج إليه من التهذيب والتأديب ومالت نفسها إلى العروض وبحوره وبرعت فيه أيضاً حتى صارت نادرة زمانها, ولها ديوان شعر باللغة التركية ومثله بالفارسية, ولما أتمت علومها وبرعت في كل ما ألقى إليها وآن أوان زواجها زوجها والدها من أحد الأدباء الأفاضل, فعاشت معه عيشة حسنة, وولدت له أولاداً وبنات, وتوفي عنها وهي في زهرة شبابها وبعد وفاته بمدة خطبها محمد علي بك أفندي كاتب أول نظارة البحرية في الأستانة وهي معه لغاية الآن في عيشة راضية. ولها مؤلفات عقلية وحكمية باللغة التركية وأشعار غزلية وغيرها منها:
سرنكون ايتدى فلك اسابني بيمانه سن ... ?ونكه دلشادا يلمزنا شادا ولان مستانه سن
عزم سوى مكيده الوير مدى جكدم اياق ... باشنه جالسون همان أول بيوفاد مخانه سن
عيش ونوش وصحبتي ذكمزانك هيج بر?وله ... نيلرم ظل سراب آسابو مهما نخانه سن
جرعه نوش باده ألطافي أو لمقدر محال ... بند كان ترك ايتمسونمي مجلس شاهانه سن
стр. 426
وادئ الام وغمده قالدم أي ساقئ دهر ... محرم ايتدى يا رزيرا مجلسه بيكانه سن
شمعه سوزانه حاجت قالمدى جونكه يتر ... آتش كورنده يا قدى عاقبت بروانه سن
برتوجام جمم داراايله فخر ايلسون ... بعدازين يادا يتمسون (فطنت) كبى ديوانه سن
ومنها:
ايلسون تأثير دردك جانه الله عشقنه ... كيرمسون غمنخانمه بيكانه الله عشقنه
كيم بيلوردرداهلنك حالن ينه يارى بيلور ... قيل ترحم ديده كريانه الله عشقنه
بزم جانام اوزاق بوسوزش حسرت ايله ... كل سنكله يانه يم بروانه الله عشقنه
زخم فرقت بك بتوردى قالمدى بنده مجال ... سويليك بوحالمي جانانه الله عشقنه
دل خراب اباد عشقكدرا نوتمه رحم ايدوب ... فطنتنى كل ايلمه ديوانه الله عشقنه
ومنها:
ايتمه رغبت دشمن بدكاره الله عشقنه ... ويرمه فرصت أو يله هرمكاره الله عشقنه
أولمسون محرم رقيب أسراره الله عشقنه ... سن إيدرسك راضيم ازاره الله عشقنه
قيل مروت ويرمه يوزاغياره
قابلادي مرآت قلبم غم ورنج ملال ... بسترغمده ياتوب دردكله أولدم بي مكجال
حسرت ديدارك ايمه ايلدى بك خسته حال ... أويله زارا ولدى تئم كلسه أجل بولمق محال
بن شهيد غمزه كم برجاره الله عشقنه
أي طبيب جان ودل رحم ايله بوبيماركه ... منتظر دوكوز كوز اولمش زخمله يتماركه
بارى بركون مظهر ايله مهر لطف اشاركه ... دست لطفكله دواقيل خسته نا?اركه
مرهم كافور استرياره الله عشقنه
هي نه سحرا يتدك بكا أول جشم جادولرايله ايلدك علقم بر يشأن زلف شبولر ايله
شأنه وش صد جاك سينه م فكركيسولرايله ... تازه ياره ايلمه مج كان وابر ولرايله
بند زخمى اجمدك بيماره الله عشقنه
قالمدى دلده تحمل غيرى درد فرقته ... ايله محرم سويكم بركره بزم وصلته
صون لب جانبخشكي بومبتلاى محنته ... لعل نابك ايله جان ويرتا أميد صحته
صوك نفسده برمددنا جاره الله عشقنه
سروقدك صورتى آيرلمز أصلا ديده دن ... رخلرك كيتمز خيالى خاطر رنجيده دن
نونها لم قاجمه لطف ايت عاشق غم ديده دن ... صاقلامه كل رويني بوبلبل شوريده دن
عرض ديدارايله أي مهباره الله عشقنه
غمزه دنكم تاب ميدن كاه خون الود أولور ... لحظه ده ببك عاشق اشفته دل نابود اولور
نظره خمشك دخى احساندن معدوداولور ... هرنكاهك آفت جان دل ينه خشنوداولور
نه بلايه دوشمش اول آواره الله عشقنه
زنك غمدان صاف ايله سوديكم ايينه كى ... قيل جراغ بزم وصلك عاجزبى كينه كى
стр. 427
شويله دلسوزا يلدى بونبذه ديرينه كى ... سينه سينه يا ندى سينه م كورميلدن سينه كى
مرحمت قيل (فطنت) غمخواره الله عشقنه ومنها:
هريرده سنك سايه صفت همدمك أولسه م ... قلب ايله لرساكى بنى مد غمك أولسه م
بيله مم كيمه درميل نهنى درونك ... كيرسه م يوركك ايجنه هب محرمك اولسه م
غرق ايلر ايدم قطره ناجيز وجودم ... كلبزك جمالكده سنك شبنمك أولسه م
فكتوريا ملكة الإنكليز وإمبراطورة الهند
كانت ولادة "قكتوريا" في الرابع والعشرين من شهر أيار (مايو) أحد شهور سنة ١٨١٩م وأبوها دوق كنت ابن الملك جورج الثالث ملك الإنكليز, وأمها الأميرة "فكتوريا ماري لويز" أخت "ليوبولد" ملك بلجيكا توفي أبوها "دوق كنت" في أوائل سنة١٨٢٠م وعمرها ثمانية أشهر فقط وكان من الرجال العظام المشهورين بالفضائل والفواضل الساعين في ترقية شأن الأمة السابقين إلى عمل الخير والإحسان فإنه كان مشتركاً في أكثر من ستين جمعية خيرية, فقامت أمها على تربيتها واهتمت بأمرها فوق ما ينظر من الوالدات ولا سيما إذا كن أميرات فإن أولاد الملوك والأشراف قلما ينالهم من الاعتناء الوالدي ما ينال غيرهم من أولاد العامة, ولكن "فكتوريا" نالت من ذلك الحظ الأوفر لا سيما لأنها كانت وحيدة لأمها, فانقطعت إلى تربيتها منتظرة أن يسلم لها زمام الملك يوماً ما وتناط بها مهام السلطنة.
ولما صار "لفكتوريا" خمس سنوات من العمر عين لها البارلمنت (أي مجلس الشورى الإنكليزي) ستة آلاف ليرة في السنة لتنفق على تعليمها وتهذيبها فأكبت على الدرس حتى إذا صار لها من العمر إحدى عشرة سنة فقط كانت تتكلم بالفرنسوية والجرمانية جيداً, وتقرأ اللاتينية والطليانية.
وبرعت في الموسيقى والتصوير وظهر منها ميل شديد إلى العلوم الرياضية, ولم يقتصر في تربيتها على تهذيب عقلها وتوسيع معارفها بل صرفت إلى ترويض جسمها, لأن العقل السليم لا يكون في الجسم السقيم, فمرنت على ركوب الخيل, وقطع البحار ونحو ذلك من الأعمال التي تقوي البنية وتجيد الصحة وتزيد الشجاعة وتنزع الخوف وبغير ذلك لم يكن ممكناً لامرأة أن تحكم على مئات الملايين وتتولى أمورهم أكثر من خمسين سنة متوالية على اختلاف أجناسهم, وبلدانهم, وأغراضهم وحياتها عرضة للخطر من الخارجين عليهم من أهل البغي والمجانين.
وسنة ١٨٣٠ م رقي عمها الملك وليم الرابع إلى سدة الملك, ولم يمن له أولاد أحياء من زوجته الشرعية فعنيت "فكتوريا" وارثة له قبل أن تبلغ أشدها, وجعل راتبها السنوي ستة عشر ألف جنيه ولكن لم تزل مكبة على الدرس والتجول في البلاد لتقرن معارفها التاريخية والجغرافيا بالمشاهدة وتطلع على أحوال البلاد من حيث الزراعة والصناعة, ولما بلغت سن الرشد عند الإنكليز وهو السنة الثامنة عشرة. وذلك سنة ١٨٣٧ م جرى لها احتفال عظيم في البلاد, وفي تلك السنة توفي عمها الملك وكانت وفاته في العشرين من شهر حزيران (يونيو) فجاءها رؤساء المملكة وكانت نائمة فأيقظوها من نومها وأخبروها بوفاة عمها, وبأن الملك صار إليها فأبدت من الحزم والنباهة ما أدهشهم.
وفي اليوم التالي نودي بها ملكة بريطانيا العظمى وإرلند في قصر سنت جمس وللحال شرعت تحمل مهام مملكتها الواسعة وتهتم في شؤونها حتى خيف على صحتها من الاعتلال, وأشار عليها الأطباء أن تنقطع مدة عن الأشغال.
стр. 428
وفي العشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) فتحت البرلمنت أول مرة وعين راتبها السنوي فيه ٣٨٥ ألف ليرة وكان وزيرها الأعظم اللورد "ملبرن", وكان رجلاً جليلاً محنكاً في السياسة, إلا أنها علمت أنه لا يدوم لها وأنه لا بد لها من أن تهتم بسياسة مملكتها بنفسها, فكانت تطلب منه أن يشرح لها كل قضية من القضايا السياسية ولم تكن تمضي ورقة ما لم تفهم مؤداها جيداً.
وفي الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) سنة ١٨٣٨ م توجت في دير وستمنستر ووزعت أوراق على المدعوين بقدر ما يسع المكان ولكن أتى جم غفير من كل أنحاء البلاد لمشاهدة تتويجها فصارت ورقة الدخول تباع بخمسين جنيه لشدة ما في نفوس رعاياها من التشوق إلى مشاهدتها, وكان التاج الذي توجت به مرصعاً بالحجارة الكريمة وثمنه (١١٢٧٦٠ ليرة إنكليزية) , وبلغت نفقات تتويجها ٦٩٤٢١ ليرة, وهذا المبلغ قليل في جانب المبلغ الذي أنفق على تتويج عمها فإنه بلغ ٢٣٨ ألف ليرة وأما تاجها فإنه صاغه لها أبرع الصناع الموجودين في تلك السنة, وهو معجزة هذا الزمان وفيه يقال: ليس في الإمكان أبدع مما كان قد صيغ من الذهب على شكل بديع ورصع بألفين وسبعمائة وثلاثة وثمانين حجراً من الماس بألطف ترصيع , وفي مقدمته ياقوتة كبيرة حمراء تضيء كالمشكاة في الليلة الليلاء قيل: إنها أهديت من الملك قشتيلة بالأندلس إلى الأمير الأسود أحد ملوك الإنكليز سنة ١٣٦٧ ميلادية, وفي ذلك التاج ياقوتة زرقاء على غاية من الرونق والبهاء.
وكانت قد رأت أميراً جرمانياً في صغرها اسمه البرنس"ألبرت" ابن دوق "كويرج", والظاهر أنها أحبته من ذلك الحين, فلما استوت على عرش المملكة أرادات أن تتبع سنة الله في خلقه, فكاشفت مجلس الشورى بأنها عازمة أن تتزوج بهذا الأمير, فصوب المجلس رأيها وعين ثلاثين ألف ليرة راتباً سنوياً, ولكنه اختلف في نسبته إليها وفيمن منهما يكون له التقدم ففضت الملكة هذا المشكل بقولها: إن مقامه يكون بعد مقامها بالنسبة إلى المملكة, فاقترنت به في العاشر من شباط (فبراير) سنة ١٨٤٠ م وكان لاقترانهما احتفال عظيم في البلاد كلها.
وفي الحادي والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٨٤٠ م ولدت ابنته وهي التي صارت زوجة ولي عهد جرمانيا, وفي السنة التالية ولدت ولي عهدها برنس "أوف ويلس" فعم الفرح والحبور في البلاد كلها, وقدروا النفقات التي أنفقت احتفالاً بعماده بمائتي ألف ليرة وفي السنة التالية أي سنة ١٨٤٢ م زارت اسكتلندا فاحتفل الشعب الاسكتلندي بها وبزوجها احتفالاً عظيماً, ثم زارتها مراراً كثيرة وكانت أحوال المملكة في اضطراب بسبب مرض البطاطا وما رتب عليه من الضيق في "إرلند" فصرفت عنايتها وعناية مجلسها إلى تخليص رعاياها من هذا الضيق والاقتصاص من المجرمين الذين يكثر عددهم في كل بلاد اشتد الضيق فيها فوقعت في مخاطر كثيرة بسبب ذلك كما سيجيء.
وسنة ١٨٥٢ م توفي القائد العظيم دوق "ولنتنون" الذي قهر بونابرت في واقعة "وطرلو" فحزنت عليه الملكة حزناً شديداً وكتبت تقول إنها فقدت فخر إنكلتر ومجدها ورأسها وأعظم من قام فيها وهذا شأن كل ملك عظيم بقدر رجاله قدرهم ولا يبخس الناس أشياءهم.
ثم انتشبت حرب القرم وكان الشعب الإنكليزي يرى من واجباته مساعدة الدولة العلية ضد هجمات الروس, فظن أن رأي البرنس "ألبرت" زوج الملكة مخالف لرأيه في ذلك, فاتهمه بالخيانة والتشيع للروس
стр. 429
وكثرت القلاقل والإشاعات فأشاع بعضهم أن ألقي القبض عليه وأودع السجن, وألقي القبض على المكلة أيضاً لتشيعها له, ولكن البرنس أعرب عن آرائه السياسية في البرلمنت فهدأت أفكار الناس وزال اضطرابهم.
وفي الشهر التالي استعرضت الملكة الجيوش الذاهبة إلى القرم وزارت العمارة البحرية قبل سفرها إلى البلطيك, وهتمت بحوادث هذه الحرب أشد اهتمام وفي نيسان (أبريل) سنة١٨٥٥ م زارهما الإمبراطور نابليون وزوجته فردت لهما الزيارة في شهر آب (أوغسطس) مع زوجها.
ثم جاءتها سنة١٨٦١ م بأشد المصائب فتوفيت أمها في السادس عشر من آذار (مارس) وتوفي زوجها في الرابع عشر من (ديسمبر) وله من العمر اثنتان وأربعون سنة, فحزنت عليهما حزناً مفرطاً, ولم تعد ترى في المحافل العمومية, إلا نادراً حتى لما احتفل بزواج ابنها ولي العهد لم تمض إلا إلى الكنيسة.
وسنة ١٨٦٧ م زارها جلالة السلطان عبد العزيز خان وملكة بروسيا وإمبراطورة فرنسا وداهمتها مصيبتان أخيريان. الأولى: وفاة ابنتها الأميرة "ليس" سنة ١٨٦٨ م. والثانية وفاة ابنها دوق"الني" سنة ١٨٨٤ م. وأما الملوك بمعزل عن المصائب والنوائب ولا ينجيهم منها حصن ولا معقل.
وقد مر الآن على هذه الملكة السعيدة زيادة عن خمسين سنة وهي مستولية على سدة الملك ولم يملك أحد غيرها من ملوك الإنكليز خمسين سنة فأكثر إلا ثلاثة وهم: الملك هنري الثالث الذي ملك من سنة ١٢١٦ م إلى سنة ١٢٧٢ م, والملك إدوارد الثالث الذي ملك من سنة ١٣٢٧ م إلى سنة ١٣٧٧ م, والملك جورج الثالث الذي ملك من سنة ١٧٦٠ م إلى سنة ١٨٢٠ م.
وقد ارتقى الشعب الإنكليزي مدة ملكها ارتقاء لا مثيل له وامتدت السلطنة الإنكليزية في الأقطار المسكونة حتى يقال: إن الشمس لا تغرب عنها كلها في الأربع والعشرين ساعة.
وحدث في السلطنة الإنكليزية حوادث كثيرة تستحق الذكر غير ما ذكر.
منها: تخفيض أجرة البوسطة وتعديل شريعة المساكن واسكتلندا وإرلندا حتى صاروا ينتفعون نفعاً حقيقياً من مساعدة الحكومة, وصارت المساعدة تصل إلى الذين يحتاجونها حقيقة.
ومنها: إلغاء شرائع الحبوب وكانت هذه الشرائع تمنع إدخال الحبوب إلى إنكلترا إلا عند الغلاء الشديد بما تفرضه عليها من المكس الفاحش في أوقات الرخص فإذا كان ثمن الكوارتر (نحو ٢٠٠ أقة) من القمح ٦٢ شلناً أخذت الحكومة مكساً عليه ٢٤ شلناً وثلثي الشلن وكلما قل الثمن شلناً زاد المكس شلناً, وإذا زاد الثمن عن ذلك قل المكس كثيراً فإذا بلغ الثمن ٦٩ شلناً صار المكس ١٥ شلناً وثلثين وإذا بلغ الثمن ٧٣ شلناً صار المكس شلناً, فإذا اشترى أحد قمحاً حينما كان ثمن الكوارتر ١٨ شلناً, ثم رخص القمح فصار القمح ثمن الكوارتر ٦٩ شلناً بلغت خسارته في كل كوارتر ١٨ شلناً وثلثي الشلن لأنه يلتزم حينئذٍ أن يدفع عليه مكساً ١٥ شلناً وثلثين بدلاً من دفع شلن واحد.
ومنها: انتقال أملاك تركية الهند الشرقية إلى الحكومة الإنكليزية وبالتالي استيلاء الحكومة على كل بلاد الهند وجعلها قسماً من السلطنة الإنكليزية مع أن أهاليها يبلغون مائتي مليون وأهالي بريطانيا وإرلندا لا يبلغون الآن ٣٥ مليون.
ومنها: إباحة دخول البرلمنت لليهود ووضع نظام التعليم الجديد ولم يكن في بلاد الإنكليز نظام عام للتعليم حتى سنة ١٨٧٠ م. وما بعدها فأقرت الحكومة ترتيب المدارس على نظام ثابت وساعدتها بالأموال الوفيرة ففتحت أبواب المعرفة لكل ولد من أولاد الأمة.
стр. 430
زمنها: اكتشاف الذهب في أستراليا وكولمبيا ومد التلغراف بين إنكلترا وأمريكا, وبينها وبين كل ولايتها واتساع نطاق الزراعة والصناعة والتجارة باتساع نطاق المعارف والاكتشافات العلمية وتكاثر السكك الحديدة والسفن التجارية.
وفي الجملة تقول: إن الشعب الإنكليزي بلغ أوج مجده في مدة هذه الملكة وتمتع بما يتبعه الناس من الحرية الشخصية حتى إن الحقوق التي طلبها الفيلسوف "جون ستورت" في كتابه المعنون بالحرية لم يبق لها داع لأن الجميع تمتعوا بها وبأكثر منها.
ونودي بالملكة "فكتوريا" إمبراطورة الهند سنة ١٨٧٦ م, وقد ولد لها تسعة أولاد أربعة بنين وخمس بنات وهذه أسماؤهم مع ذكر رواتبهم السنوية: ليرة عدد الأسماء ٨٠٠٠ ٤٠٠٠٠ ٦٥٠٠٠ ١٠٠٠٠ ٢٥٠٠٠ ٦٠٠٠ ٦٠٠٠ ٢٥٠٠٠ ٦٠٠٠ ٦٠٠٠ ٣٨٥٠٠٠ ٤٥٠٠٠ ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ البرنسيس "فكتوريا أرليد" زوجة ولي عهد بروسيا البرنس "ألبرت" برنس أوف ويلس دخل دوقية كورنول لزوجة البرنس المذكور البرنس "ألسن" وقد توفيت "ألغرد" دوق أدبنرج البرنسيس "هيلانة" البرنسيس " لويزا" البرنس " أرتر" دوق "كونوت" البرنس "لبوبلد" دوق "اليني" فقد توفي وجعل لزوجته في السنة الأميرة "بياثرس" راتب الملكة السنوي دخل دوقية لنكستر والملكة "فكتوريا" مشهورة في حسن تدينها وشدة اهتمامها بتربية أولادها على مبادئ الديانة والتقوى, وفي اهتمامها بالفقراء والمساكين والمحتاجين من رعاياها فتنفق عليهم من مالها وتشتغل بيدها أحزمة وأكيسة وترسلها لهم, وتهتم أيضاً في شأن العلوم والمعارف شديد الاهتمام, وتثيب المشتغلين فيها, وتقطع لهم الوراتب السنوية جزاء لخدمتهم فالأستاذ "هكسلي" مثلاً له راتب سنوي قدره ٣٠٠ ليرة, والدكتور "مري" له ٢٧٠ ليرة في السنة, "ومتبو أرتلد" له ٢٥٠ ليرة, و" ألفردولس" ٢٠٠ ليرة.
ومع فضل هذه الملكة العظيمة وشدة تعلق شعبها بها وحبهم لها لم يصف لها كأس الحياة من المعتدين الطالبين قتلها, فقد صدق من قال: إن المناصب محفوفة بالمتاعب, فبعد زواجها بأربعة أشهر كانت ذاهبة في مركبة مفتوحة مع زوجها فدنا منها شاب اسمه "أكسفرد" وأطلق عليها طبنجة مرتين ولكنه لم يصبها بمكروه فحكم عليه بالموت, ثم وجد فيه اختلال في عقله فأبدل الحكم بوضعه في بيمارستان المجانين مدى الحياة.
وسنة ١٨٤٢ م حاول واحد آخر قتلها وأطلق عليها طبنجة فحكم عليه بالموت, ولكنها خففت الحكم وحكمت
стр. 431
عليه بالنفي المؤبد وبعد أسابيع قليلة حاول واحد آخر أن يطلق عليها طبنجة, فحكم عليه بالسجن.
وسنة ١٨٤٩ م حاول رجل إرلندي قتلها ورماها بالرصاص فلم يلحق بها ضرراً فحكم عليه بالنفي سبع سنوات.
وفي السنة التالية هجم عليها أحد الجنود وضربها بالعصا على وجهها فحكم عليه بالنفي سبع سنوات.
وسنة ١٨٧٢ م أطلق عليها شاب طبنجة محاولاً قتلها فلم يصبها ولدى النظر في أمره وجد مجنوناً فأودع البيمارستان. وفي تلك السنة أرسل بعضهم رسالة إلى السير "هنري بولسونبي" يتهدد به المكلة بالقتل فهذه حياة الملوك وهذا هو خلها وخمرها.
وللملكة فكتوريا مؤلفان شهيران الأول في تاريخ حياة زوجها ألفة الجنرال "غراي" بإرشادها. والثاني: تاريخ حياتها معه من سنة ١٨٤١ م إلى سنة ١٨٦١ م وأتبعته بكتاب آخر من نوعه نشرته في أواخر سنة ١٨٨٣ م وهو يمتد من سنة ١٨٦٢ م إلى سنة ١٨٨٢ م.
أما زوجها البرنس "ألبرت" فهو ابن دوق "سكس كوبرج كوثا" وهي ولاية في سكسونيا ولد في السادس والعشرين من شهر آب (أغسطس) سنة ١٨١٩ م ودرس العلوم العالية في مدرسة بون الجامعة, وبعد أن تخرج في العلوم السياسية تعلق بالكيمياء والتاريخ الطبيعي والتصوير والموسيقى ويقال: إنه نظم رواية من نوع الأوبرا مثلت في لندن بعدئذٍ. وكان بديع المنظر ماهراً بالفروسية.
ولما اقترنت به الملكة "فكتوريا" على ما تقدم كان في الحادية والعشرين من عمره فمنح الإعانة الإنكليزية وأعطيت له قيادة ألاي من الفرسان ورقي إلى رتبة قليد مرشال, ثم وجهت إليه ألقاب ورتب كثيرة لأن الشعب الإنكليزي رأى منه رجلاً حازماً ساعياً في خير الأمة من غير أن يعرض نفسه للمسائل السياسية التي تعرض لمقاومة حزب من حزبي المملكة والملكة وجدته زوجاً أميناً محباً. أما السبيل الذي اختاره للسعي في خير الأمة من غير أن يعرض نفسه لمقاومة أهل السياسة فهو تنشيط العلوم والفنون فجعل رئيساً لمدرسة كمبرج الجامعة لكثير من المجامع العلمية, ولما كان رئيساً للمجمع العلمي البريطاني سنة ١٨٥٩ م أعرب عن رأيه من جهة العلم معتمداً على إحسان المحسنين بل يخاطب الدولة كما يخاطب الابن أمه واثقاً بحنوها ورغبتها في نجاحه, وستجد الدولة في العلم عنصراً من عناصر قوتها ونجاحها وبسعيه فتح المعرض العام ببلاد الإنكليز سنة ١٨٥١ م ولكن لم يفسح الله له في الأجل فوافته المنية وله من العمر اثنتان وأربعون سنة.
فكتوريا ودهول
إن هذه السيدة من بنات أمريكا الجديرين بالذكر والمدح وممن يفتخر بهن في الاجتهاد والتقدم لأنها ربيت مع أختها "تنيس كلفن" في بلاد أمريكا تربية حسنة ومن عهد نشأتهما ربيت معهما ملكة التقدم وحب التظاهر ومناظرة الرجال بالأعمال اليدوية والمضاريب التجارية, ومن شدة رغبتها في التقدم قام بفكرهما أن يسويا بين الرجال والنساء في الحقوق والمعاملات, فأخذتا على عهدتهما من بدء نشأتهما نشر هذه الأفكار والبرهنة على كفاءة النساء في إدارة الأعمال المالية وغيرها مما لم يقم بأدائه إلى الآن سوى الرجال, وبالفعل فإنهما قد أسستا بيتاً مالياً كتبتا عليه عنوانهما, فتعجب من ذلك أصحاب المضاربات (البنوكة) وتضاعف اندهاشهم لما سمعوا بعد تأسيس المحل المذكور بعدة أسابيع أن صاحبتيه
стр. 432
اكتسبتا عدة ملايين من الريالات وقد أعقب ذلك وقوع أرباب البنوكة ذوي اللحى والشوارب في وهدة الإفلاس.
وقد رسم بعض المصورين هاتين البنتين وعلى رأس كل منهما تاج رمزاً على القوة والتسلط وأطلقت الجرائد ألسنتها بالثناء الجميل والشكر الجزيل على مهارتهما وتغالت في ذلك حتى إن جريدة تلغراف نيويورك نشرت في صدر أحد أعدادها صورة تمثل البنتين راكبتين على عجلة يجرها رؤساء أكبر البيوت المالية فقامت جريدة نيويورك "هرالد" تصوب نحوهما سهام الانتقاد والتعزير وقالت: إن الشرائع الأمريكية وعادتها الأهلية تمنع النساء من السير في المناهج السياسية والدخول في ميادين الأعمال الاجتماعية مهما بلغت بهن درجة العلم والمعرفة. ولما اتصل بهما هذا الكلام لم تعبآ به بل أخذتا في اتباع طريقهما الأول وحثتا السير فيه, وانتهى الأمر بهما إلى أن أسستا جريدة أسبوعية بلغ عدد مشتركيها في زمن يسير (٥٠٠٠٠) نفس.
ولما كانت القوانين الأميركية تخول لجميع أبناء الوطن الذين بلغوا رشدهم الحق في إعطاء أصواتهم بشرط أن يدفعوا ما عليهم من العوائد والرسوم التي اقتضتها نظامات الحكومة, وكانت السيدة "ودهول" من بنات الوطن اللاتي توفر فيهن شروط بلوغ الرشد ولكنها لم تدفع ما استحق عليها من العوائد والرسوم فقد عرضت على هيئة الحكومة أن تعطي لها الإذن بالدخول في مصاف الهيئة الاجتماعية, وشفت عن استعدادها لدفع الرسوم المطلوبة, ثم أخذت تبرهن بعبارات فصيحة وقياسات صحيحة على وجوب مساواة النساء بالرجال في الحقوق الوطنية وتحزب لمذهبها جم غفير من الناس وخمسمائة عضو من مجلس النواب نائبين عن ست وعشرين مقاطعة.
وقد أخذ نجاح الأختين يتدرج في مدارك الزيادة والنمو حتى إنهما عولتا على نشر مبدئهما الحميد ألا وهو تحسين أحوال المرأة في العائلة وكانتا في كل أقوالهما وكتاباتهما توجهان سهام الانتقاد والتبكيت على كيفية تعليم الفتيات وقالتا: إنها مشحونة بقواعد طويلة مملة ومبادئ تميل بهن إلى اتخاذ التملق والخلق الذميم آلة لنوال مآربهن, وذكرتا غير مرة أن البنت تتعلم لتكون في المستقبل امرأة صالحة ووالدة مربية لا لتزويقها وتهيئتها لأن تكون داعية لاستلفات أنظار الشبان وأن أهلها وذوي قرابتها ومعلماتها يخفون عنها أنها لتكون في يوم من الأيام ربة بيتها ومديرة شؤون عائلة ستكون هي قوام نظامها, وركن سعادتها ودعامة عزها وشوكتها. ثم إنهم فوق ذلك لا يذكرونها بواجبها إذا صار بينها وبين الزواج زمن يسير.
وبالجملة فكانت جميع هذه الأقوال باعثة على قيام الجميع ضد هاتين الأختين فاتهموهما بنشر المبادئ الفاسدة والعبث بصفة النساء الطاهرات الذيل وقد تغالوا في اتهامهما فنسبوهما إلى بث المبادئ العاطلة في العادات السليمة والأخلاق الحالية. وبناء عليه صاروا يغلوا في غياهب السجن ورغماً عن كون المحكمة قد برأتهما وأطلقت سراحهما فإن الناس استمروا يسومونهما الحيف والخسف وقالت إحدى الجرائد الأمريكية في ذلك ما نصه: كانت إذا احتاجت "فكتوريا ودهول" أن تستأجر حجرة لتبيت فيها وكانت أجرة هذه الحجرة ٢٠٠٠ ريال لا يسمح لها بسكناها بأقل من ٣٠٠٠ ريال, وإذا نزلت بإحدى الفنادق كانت تدفع عشرة أمثال ما يدفعه غيرها وكثيراً ما قضيت الليالي خارج المنازل لعدم قبول أحد أن يضيفها في منزله.
ولما وصلت إلى هذا الحد حالتهما ورأتا عدم طيب المقام بارحتا أمريكا قاصدتين مدينة "لوندره" حيث
стр. 433
كرمت مثواهما إحدى النساء الإنكليزيات ولم يذهب سعيهما في بلاد أمريكا هباء منثوراً فإنه لا يرى الإنسان في الولايات المتحدة بالقارة المذكورة محلاً من المحلات إلا وجدت المرأة فيه بجانب الرجل تؤدي الأعمال كما يؤديها هو, وتحقق من أن حقوقها صارت مرعية فهي لا تمنع من اكتساب ما يقوم بمعاشها ومعاش آويها من أي عمل رضيت به فهذه هي النساء, وهذا هو الفخر إذ أن امرأة تعجز عن أعمالها الرجال في بلاد مثل أمريكا.
قيدر ابنة مينوس الكريني
هي حليلة "ثيزى" ملك أثينا هامت أثناء تغيب زوجها بابنه "أبيوليت" المولد من زوجته الأولى "أثيوبا" ملكة الأمازون, وكان جميلاً فتاناً, ولما تمادى بها الوجد والألم وابتلاها الكتمان بالسقم باحت بما تجده من حر الجوى وبرحاء الهوى إلى أمينة سرها "أوتون", أما "أبيوليت" فكان مفتوناً بحب "أديسيا" سجينة أبيه ذات النسب الملكي التي كانت أيضاً كلفت به دون أن يعلم كل بماله في قلب الآخر فكانوا يمثلون سلسلة عشاق ومعاشيق, ولكن تحت طي الستر والخفاء مخافة الافتضاح إذا قدر الجفاء.
جننا بليلى وهي جنت بغيرنا ... وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
فلما أرجف بموت "ثيزى" زينت "أوتون" ل "فيدر" مطارحة "أبيوليت" أحاديث الوجد وأطماعه [في إرث] العرش بالنيابة عن ابنها الطفل الذي كانت الأمة تتردد في الاختيار بينه وبين "أديسيا" تلك التي استبشرت بالفكاك من الأسير حال, إيقافها "أبيوليت" على دخيلة الأمر بعد إذ كانت يئست من الخلاص, وتلا عليها لسان الحال ذوقي عذاب ربك لات حين مناص, فعالنتاه كلتاهما بحديث وجد مقيم معقد بلسان أغن ينشد:
أرى في فؤادي لوعة الحب لا تهدا ... أهذا الذي سماه أهل الهوى وجدا
قال "أديسيا" عقدي وداد وولاء ورمى "فيدر" بسهمي نفرة وجفاء, ولم يمض إلا مثل حسوة طائر, أو لهنة مسافر حتى قيل: عاد "ثيزى" حياً فسقط في يدي "فيدر" وقالت: ويلاه, لقد جئت شياً فرياً, ثم عضت بنانها الخضيب بثنايا الندامة وفوقت إلى قيمتها "أوتون" نبال التقريع والملامة, ولكن كان قد سبق السيف العذل, فلجأت إلى الغدر والختل حتى إذا حل زوجها الصرح قابلته بوجه باسر, ودمع ماطر, وخرطوم كمخلب كاسر وقالت بصوت يقصف كالهذيم: ما جزاء من أراد بأهلك سوء إلا أن يسجن أو عذاب أليم إن "أبيوليت" رماني لاقتناص عن قوس احتياله بحربات نافذات كادت تفري عرضاً وفرو تثلم سد المأرب.
وفب رواية إن ذلك كان بلسان "أوتون" ليتم الدست على "ثيزى" المغبون فانطلقت عليه زخارفها وجهر في مجاهل مخارفها, فنشبت برجله الحبالة, ولم يدر أن عرسه أروغ من ثعالة, ففار على ابنه غيظاً كما يفور المرجل ولعنه وهو يحرق عليه الأرم قائلاً: امض إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم, ثم توسل إلى مبعود البحر نبتون أن يهلك ابنه الخؤن, فمضى "أبيوليت" في رهط من حاشيته أسيفاً حزيناً قاصداً مدينة "مسينة"
وكان أوعز إلى "أريسيا" أن تلحق به ليشهد المعبودات على اقترانهما وليقطعا غابر العمر في حجر بعضهما فبينما هو سائر على شاطئ البحر إذا بالأمواج علت كالشواهق, ثم هوت متكسرة كأنما رميت بجلاهق, فبان من تحتها تنين أقشر هائل المنظر أجش الصوت تنوب أنيابه عن ملك الموت, ففر القوم هلعاً متوارين عن الأبصار إلا "أبيوليت" فإنه قابله بقلب من فولاذ, وصدر كأنه تيار, ورمى فؤاده بحربة هي للأرواح أحرق
стр. 434
أخبار, وللأعمار أقطع بتار فإنهار عند أرجل الخيل كالنخلة السحوق متشحطاً بدمه, كادماً الصخر بفمه, فنفرت الخيل وأي نفار, وشردت المركبة متسلقة بين الصخور في القفار, حتى تكسرت العواجل وسقط على الصحصحان, وكانت قد علقت رجله بالعنان, فجعلت تجره الخيل مذعورة تتلاطم مدهوشة حتى تمزقت لحمانه بفعل الأشواك والصخور, وتفجرت ينابيع دمه منسابة في تلك الشعاب والوعور, ولم يدركه أصحابه إلا والجريص في ثغره والحشرجة في صدره, فأوصاهم أن يبلغوا أباه ما كان وأنه بريء من افتراء دليلة المكر والبهتان, وأن يتوسلوا إليه عنه بأن يتخذ حبيبته "أديسيا" بدلاً منه عزاء لمصابه, وشهداً يحلى جام صابه, وبعد موته بدقائق أقبلت "أديسيا" بخطو دونه إهماج السوابق, وانقضاض الصواعق, فلما رأت محبوبها في تلك الحالة صعقت بصوت دوى له الجو وانطرحت إلى جانبه لا تفرق ولا تعي, ولما ثاب إليها حلمها عاد الجميع أدراجاً, واتخذوا تواً إلى المليك منهاجاً, فقصوا عليه ذلك النبأ الفاجع, وكان قبل ذلك أن "أونون" -أم البدائع- ألقت بنفسها إلى البحر كمداً لما جرى عن يدها من الفظائع, ولما كاد صبح الحقيقة أن يلوح شربت "فيدر" سماً ناقعاً, وقابلت "ثيزى" كاسرة طرفاً دامعاً, وأنبأته ثمت بوصمتها بما صيرته على هامة من الويل بداعية تلبيتها نداء شهوتها, وكان السم قد استحكم في دورة دمائها, فتحرقت مفردات أحشائها وسقطت أمامه جثة بلا روح, فقامت عليه القيامة, وعاد على نفسه بالتوبيخ والملامة وقطع مع "أديسيا" التي اصطفاها ابنة وخليلة عيشاً ينغصه ذكرى "من يزرع العجلة يحصد الندامة".
فيروز خونده
بنت السلطان علاء الدين ملك دهلي في بلاد الهند كانت فريدة الزمان حسناً وبهاء, وعقلاً وذكاء, ذات أدب وفصاحة, وكياسة وملاحة, محبة للمكرمات تفعل الخير مع كل من تراه مستحقاً.
شاركت أخاها السلطان شهاب الدين في صعاب الأمور, وسلم لها زمام الأحكام حتى إنها بأصالة رأيها ضبطت المملكة أحسن مما كانت عليه في مدة أبيها, وكان أخوها لا يقطع أمراً إلا برأيها, ومن شدة محبته لها لم يرض أن يزوجها خارجاً عن مملكته وزوجها لشخص غريب اسمه الأمير "غدا" ابن الأمير هبة الله بن مهني أمير عرب الشام بقصد أن يقيم عنده كما قاله ابن بطوطة في "رحلته": قال: إنه لما جاء الأمير غدا" ابن الأمير هبة الله سائحاً في بلاد الهند مر على "دهي" فأكرمه السلطان شهاب الدين إكراماً زائداً وأحب أن يأخذه ضيفه من محبته للعرب, فزوجه أخته المذكورة وعمل له فرحاً عظيماً وكيفيته أن عين للقيام بشأن الوليمة ونفقاتها الملك فتح الله المعروف "بشونويس" وعين ابن بطوطة لملازمة الأمير "غدا" والكون معه في تلك الأيام, فأتي الملك فتح الله بالصيونات فظللل بها فسحات القصر الأحمر وضرب في كل واحد منهما قبة ضخمة جداً, وفرش ذلك بالفرش الحسان وأتى شمس الدين التبريزي أمير المطربين ومعه الرجال المغنون والنساء المغنيات والرواقص وكلهن مماليك السلطان وأحضر الطباخين والخبازين والشوايين والحلوانيين والثريدارية والتبول وذبحت الأنعام والطيور, وأقاموا يطعمون الناس خمسة عشر يوماً ويحضر الأمراء الكبار والأعزاء ليلاً ونهاراً.
فلما كان قبل ليلة الزفاف بليليتين جاء الخواتين من دار السلطان ليلاً إلى هذا القصر فزينه وفرشنه بأحسن الفرش واستحضر الأمير سيف الدين لكونه عربياً غربياً لا أقران له, وحففن به وأجلسنه على مرتبة معينة له, وكان السلطان قد
стр. 435
أمر أن تكون ربيبة أم أخيه مبارك خان مقام أم الأمير "غدا" وأن تكون امرأة أخرى من الخواتين مقام أخته وأخرى مقام عمته, وأخرى مقام خالته حتى يكون كأنه بين أهله.
ولما أجلسنه على المرتبة جعلن له الحناء في يديه ورجليه وأقام باقيهن على رأسه يغنين ويرقصن, وانصرفن إلى قصر الزفاف وأقام هو مع خواص أصحابه وعين السلطان جماعة من الأمراء يكونون من جهته وجماعة يكونون من جهة الزوجة وعادتهم أن تقف التي من جهة الزوجة على باب الموضع الذي تكون به جلوتها على زوجها ويأتي الزوج بجماعته فلا يدخلون إلى إن غلبوا أصحاب الزوجة أو يعطونهم الآلف من الدنانير إن لم يقدروا عليهم.
ولما كان بعد المغرب أتى إليه بخلعة حرير زرقاء مزركشة مرصعة قد غلبت الجواهر عليها فلا يظهر لونها مما عليها من الجوهر وبشاشية مثل ذلك, ثم ركب الأمير سيف الدين في أصحابه وعبيده وفي يد كل واحد منهم عصاً قد أعدها وصنعوا شبيه إكليل من الياسمين والنسرين والزيتون وله زخرف يغطي وجه المتكلل به وصدره وأثوابه وأعطوه إلى الأمير ليجعله على رأسه فأبى من ذلك وكان من عرب البادية لا عهد له بأمور الملك والحضر, فحاوله ابن بطوطة وحلف عليه حتى جعله على رأسه وأتى باب الحرم وعليه جماعة الزوجة فحمل من ثياب وبلغ ذلك السلطان فأعجبه فعله ودخل إلى القصر.
وقد جعلت العروس فوق منبر عال مزين بالديباج مرصع بالجوهر ملآن بالنساء والمطربات قد أحضرن أنواع الآلات المطربة وكلهن وقوف على قدم إجلالاً له وتعظيماً, فدخل بفرسه حتى قرب من المنبر فنزل وخدم عند أول درجة منه, وقامت العروس قائمة حتى صعد فأعطته التنبول بيدها فأخذه وجلس تحت الدرجة التي وقفت بها ونثرت دانانير الذهب على رؤوس الحاضرين من أصحابه ونقطها النساء والمغنيات تغنين حينئد والأطبال, والأبواق, والأنفار تضرب خارج الباب.
ثم قام الأمير وأخذ بيد زوجته ونزل وهي تتبعه فركب فرسه يطأ بها الفرش والبسط, ونثرت الدنانير عليه وعلى أصحابه وجعلت العروس في محفة وحملها العبيد على أعناقهم إلى قصره والخواتين بين يديها راكبات وغيرهن من النساء ماشيات وإذا مروا بدار أمير أو كبير خرج إليهم ونثر عليهم الدنانير والدراهم على قد رهمته حتى أوصلوها إلى قصره, ولما كان بالغد بعثت العروس إلى جميع أصحاب زوجها الثياب والدنانير والدراهم وأعطى السلطان لكل واحد منهم فرساً مسرجاً ملجماً, وبدرة دراهم من ألف دينار إلى مائتي دينار وأعطى الملك فتح الله للخواتين ثياب الحرير المنوعة والبدر, وكذلك لأهل الطرب وعادتهم ببلاد الهند أن لا يعطي أحد شيئاً لأهل الطرب إنما يعطيهم صاحب العروس, وأطعم الناس جميعاً ذلك اليوم وانقضى العرس وأمر السلطان أن يعطي الأمير "غدا" بلاد المالوة والجزأت وكيناية وسهر والة.
وجعل فتح الله المذكور نائباً عنه عليها وعظمه تعظيماً شديداً, وكان الأمير جافياً فلم يقدر ذلك حق قدره وغلب عليه جفاء البادية فأداه ذلك إلى النكبة به بعد عشرين ليلة من زفافه وذلك من تعديه على زوجته واحتقاره لها ولأهلها ورجال مملكتها, فحقدوا عليه وأخرجوه من بينهم طريداً فريداً بدون زاد ولا راحلة وبقيت المترجمة في منزل أخيها معززة مكرمة لا ينقصها شيء سوى ما فاتها من محبة زوجها وهكذا الزمان لا يصفو لأحد.
حرف القاف
[قتيلة بنت النضر بن الحارث]
قتيلة بنت النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن مناف بن عبد الدارين قصي القرشية العبدرية.
стр. 436
كان أبوها طبيب العرب وحارب النضر في يوم بدر مع قريش فأسر, ثم أمر النبي ﷺ بقتله فقتل.
قال التبريزي: كان النبي ﷺ تأذى به فقتله صبراً, وكان من جملة أذاه أنه كان يقرأ الكتب في أخبار العجم على العرب ويقول: إن محمداً يأتيكم بأخبار ثمود وعاد, وأنا منبئكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة يريد بذلك القدح بنبوته.
وقال ابن عباس في قول الله تعالى: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا) [لقمان: ٦] إنها نزلت في النضر بن الحارث وكان يشتري كتب الأعجام من فارس والروم وكتب أهل الحيرة فيحدث بها أهل مكة, وإذا سمع القرآن أعرض عنه واستهزأ به, فلما أسر يوم بدر أمر النبي علياً أن يضرب عنقه وعنق عقبة بن أبي معيط صبراً فقتلا فقالت فتيلة ترثي أباها.
وفي بعض الروايات أنها أتت محمداً فأنشدت الأبيات الآتية فرق لها النبي وبكى وقال لها: لو جئتني من قبل لعفوت عنه, ثم قال: لا تقتل قريش صبراً بعد هذا والأبيات رواها كثيرون وشرحها شارح الحماسة وهي:
يا رابكاً إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ به ميتاًً فإن تحية ... ما أن تزال بها النجائب تعنق
مني إليه وعبرة مسفوحة ... جادنت لمانحها وأخرى تحنق
فليسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت أو ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق
قسراً يقاد إلى المنية معتباً ... رسف المقيد وهو عان موثق
أمحمد أو لست صنو نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق
لو كنت قابل فدية لفديته ... بأعز ما يغلو لديك وينفق
فالنضر أقرب من تركت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
وبعدما انتهت من قصيدتها وقال لها النبي ما قال. قالت تمدحه بقصيدة مطولة -عثرنا منها على هذا البيت-:
الواهب الألف لا يبغي به بدلاً ... إلا الإله ومعروفاً بما اصطنعا
وهذه القصيدة لعمري إنها من القصائد التي يحق الافتخار بها لأنها صادرة من ذات قناع, وقد علمت قوة قائلتها من انسجام هذا البيت الذي ذكر منها لأنه في غاية الرقة والانسجام.
وتزوجت قتيلة بعبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس فولدت له علياً والوليد ومحمداً وأم الحكم وقد أسلمت بعد قتل أبيها وصارت من الصحابيات المروي عنهن الحديث توفيت في خلافة عمر بن الخطاب.
قلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب
كانت جارية صفراء, حلوة حسنة الغناء والضرب, حاذقة. قد أخذت عن إبراهيم وعن ابنه إسحاق ويحيى الملكي, وزبير بن دحمان. وكانت لصالح بن عبد الوهاب, واشتراها الواثق, وكان الواثق قد جمع أرباب الغناء فغنى أحدهم بين يديه لحناً لقلم في شعر محمد بن كناس وهو:
في انقباض وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم
стр. 437
أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
فسأل لمن الصنعة فيه فقيل: لقلم الصالحية جارية صالح بن عبد الوهاب فبعث إلى محمد بن عبد الملك الزيات فأحضره فقال: ويلك, من هو صالح بن عبد الوهاب هذا؟ فأخبره به قال: ابعث له فأشخصه هو وجاريته فقدما على الواثق فدخلت قلم فأمرها بالجلوس والغناء فغنت, فاستسحن غناءها, وأمر بابتباعها فقال صالح: أبيعها بمائة ألف دينار وولاية مصر؟ فغضب الواثق من ذلك وردها عليه, ثم غنى بعده زرنب الكبير في مجلس الواثق صوتاً لقلم وهو:
أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدك ما رأيت لها معنياً
تقطع نفسه من حب ليلى ... نفوساً ما أثبن ولا جزينا
فسأل لمن الغناء فقيل: لقلم جارية صالح. فبعث إلى ابن الزيات أن أشخص صالحاً ومعه قلم, فلما أشخصها دخلت على الواثق فأمرها أن تغنيه هذا الصوت فغنته فقال لها: الصنعة فيه لك. قالت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: بارك الله فيك. وبعث إلى صالح فأحضر فقال: أما إذا وقعت الرغبة فيها من أمير المؤمنين فما يجوز أن أملك شيئاً له فيه رغبة, وقد أهديتها إلى أمير المؤمنين فإن من حقها على إذا تناهيت في قضائه أن أصيرها ملكه فبارك الله له فيها فقال له الواثق: قد قبلتها.
وأمر ابن الزيات أن يدفع له خمسة آلاف دينار وسماها احتياطاً فلم يعطه لن الزيات المال ومطله به فوجه صالح إلى قلم من أعلمها ذلك فغنت الواثق وقد اصطبح صوتاً فقال لها: بارك الله فيك وفيمن رباك فقالت: يا سيدي, وما نفع من رباني مني إلا التعب والغرم علي والخروج مني صفراً قال: أولم آمر له بخمسة آلاف دينار قالت: بلى.
ولكن ابن الزيات لم يعطه شيئاً فدعا بخادم من خاصة الخدم ووقع إلى ابن الزيات بحمل خمسة آلاف دينار إليه وخمسة آلاف أخرى معها قال صالح: فصرت مع الخادم إليه بكتاب فقربني.
وقال: أما الخمسة آلاف الأول فخذها فقد حضرت والخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة, فقمت, ثم تناساني كأنه لم يعرفني وكتبت إليه كتاباً أقتضيه فبعث إلي اكتب لي قبضاً بها (أي وصلاً) وخذها بعد جمعة فكرهت أن أكتب قبضاً بها فلا يحصل لي شيء فاستترت منه في منزل صديق لي, فلما بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق فبعث إلي بالمال وأخذ كتابي بالقبض, وابتعت بالمال ضيعة, وتعلقت بها وجعلتها معاشي.
قمر جارية إبراهيم بن حجاج اللخمي صاحب إشبيلية
كانت من أهل الفصاحة والبيان والمعرفة بصنعة الألحان وجلبت إليه من بغداد, وجمعت أدباً وظرفاً ورواية وحفظاً مع فهم بارع, وجمال رائع, وكانت تقول الشعر بفضل أدبها ولها في مولاها تمدحه:
ما في المغارب من كريم نرتجي ... إلا حليف الجود إبراهيم
إني حللت لديه منزل نعمة ... كل المنازل ما عداه ذميم
ومن قولها تشوقاً إلى بغداد:
آها على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسحر في أحداقها
ومحالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلتها على أطواقها
متبخترات في النعيم كأنما ... خلق الهوى العذري من أخلاقها
стр. 438
نفسي الفداء لها فأي محاسن ... في الدهر تشرق من سني أشراقها
ومن حسن صوتها وجمالها وتهذيبها حظيت عند مولاها وبقيت عنده في عز وإقبال إلى أن ماتت فأسف عليها أسفاً شديداً.
حرف الكاف
كاترينا هنريات دوبلذاك دوانتزغ
مركيزة "فرنل" حليلة "هنري الرابع" ملك فرنسا ولدت في أرليان سنة ١٥٧٩ للميلاد. توفيت في باريس ٢٤ شباط سنة ١٦٣٣ م. وهي ابنة "فرنسوا دوبلذاك دوانتزاغ" من زوجته الثانية "ماري توشيت" التي كانت قبل أن تزوجها عشيقة "شارل التاسع" ملك فرنسا.
أما "كاترينا" فكانت بديعة المعاني غاية في الجمال والدلال والذكاء فتنة للناس ذكرها رجال الدولة ل "هنري الرابع" بعد موت عشيقته غبرياله دواستري فهام بها قبل أن يراها ولما التقيا ألقته في شرك الغرام فلم يجد عنها بعد ذلك سلوى وكانت برشاقتها ورقتها تزيده شغفاً بها فأعطاها ٥٠٠ ألف فرنك وعاهدها خطاً على أن يتزوجها إذا ولدت له ولداً ذكراً, فلما نمى الخبر إلى وزيره "سلي" استشاط غيظاً, ومزق المعاهدة. أما "هنري" فكتبها ثانية وقدمها لها في تشرين الأول سنة ١٥٩٩ م.
وسنة ١٦٠٠ م أسقطت فتزوج الملك "بماري دومديشي" وبعد تزوجه بها لقي كاترينا فأوسعته شتائم ولم يتمكن من إخماد غضبها إلا بجعلها "مركيزة لفرنل" وطلب إليها أن تتقرب إلى الملكة وتؤانسها وألح عليها بذلك فأجابته إلى طلبه ورضيت أن تقيم في اللوفر وولدت هناك عدة أولاد وكانت فيه سبباً لتنغيص عيشه وعيش الملكة وجرى لها مع "سلي" مناقشات شديدة, فكان يذكر لها أمولاً تغيظها, وكانت تطلب إلى الملك أن يفصله فلم يجب طلبها.
أما "ماري دومديشي" فكانت تلح على "هنري الرابع" باسترجاع معاهدة الزواج التي عقدها معها وهي تمانع في ذلك أشد الممانعة, وتريها لكل من يرغب في الاطلاع عليها غير أن تمنعها أوقع بينها وبين هنري خصاماً, فطلبت إليه أن يسمح لها بالذهاب إلى إنكليرا مع أولادها فسمح لها بذلك بشرط أن ترد عليه المعاهدة, ولكنها لم تسلمها إلا بعد أن قبضت ١٠٠ ألف فرنك, وعدلت عن السفر إلى إنكلترا فبقيت في فرنسا وواطأت جماعة على خلع الملك من جملتهم أبوها والكونت "دواوفرن" أخوها لأمها.
فلما كشفت المؤامرة حكم عليها بالموت وذلك في شباط سنة ١٦٠٥ م غير أنه كان لم يزل لجمالها سطوة على الملك فاسترضته عنها فبدل قصاصها هذا بالسجن وأطلق سبيلها أيضاً ولم يلبث أن قربها ثانية فصار لها عنده من المنزل والحب والإكرام ما كان لها أولاً, ولم تزل هذه حالها إلى أن قرب الملك غيرها فهجرها فتركت البلاط الملكي وصرفت أيامها الأخيرة في فرنل وباريس, ولما استنطقت ابنة "كومان" رفيقة الملكة "مرغريتا" بعد أن قتل هنري الرابع اتهمت "كاترينا" بالاشتراك في قتله غير أنه لما كان قد حكم على الابنة المذكورة بالسجن مدة حياتها بطولها لأنها شهدت شهادة زور في غير تلك المسألة لم يتمكن المؤرخون من الاستناد إلى ما اتهمت به المركيزة. ومن جملة الأولاد الذين ولدتهم "كاترينا" "لهنري الرابع" "غبرياليه أنجليك" التي تزوجت دوق "أبرتون". وتوفيت سنة ١٦٢٧ م.
"وغستون هنري دوفرنل" ولد سنة ١٦٠١ م وسمي أسقفاً لمتس. قيل: لبس ثوب الغسيسية غير أنه لم يتم لبسه بل جعل دوقاً ثم بيرام وتزوج بنت الكانشيليا زسفير, وتوفي سنة ١٦٨٢ م ومن أراد الوقوف على تفاصيل هذه الحوادث فعليه بمطالعة الكتاب الذي ألفه "دولسبكور" وترجمته عنوان عشق هنري الرابع, وقد طبع في باريس سنة ١٨٦٣ م.
стр. 439
كاترينا دوماتوفنادشكوف
أميرة روسيا ولدت في سنة ١٧٦٤ م. توفيت ب "فرر" موسكو سنة ١٨١٠ م كانت ثالثة بنت للكونت (رومان قودونثروق) تربت تربية علمية عند عمها الوزير الأول وكانت منذ نعومة أظفارها ميالة إلى الأفكار الحرة وحب الاستقلال, دخلت البلاط وهي صغيرة أخت ولية العهد كارترينا الثانية وتزوجت في سنة م بالبرنس "وسكوف" فأقامت معه مدة في موسكو, ثم رجعت إلى البلاط وكانت أختها أليصابات قد صارت نديمة الإمبراطور بطرس الثالث الجديد, فحملتها الغيرة من أختها وكرهتها لارتباك البلاط وأعمال رجاله على الاشتراك عندما بلغت الثامنة عشرة من السن في مؤامرة أدارتها وخلعت الإمبراطور "بطرس الثالث" وقتلته, وولت امرأته الألمانية الإمبراطورة.
وليس من المحقق أن ما استخدمت من الوسائل لتقوية تلك المؤامرة كان موافقاً للناموس فعند قتله لبست ثوب رجل وامتطت جواداً وقادت فرقة من العساكر ولم تكن المكافأة التي حصلت عليها من الإمبراطورة كافية ورفضت أن تجعلها قائدة للحرس الإمبراطوري وآل ميلها إلى الاستقلال وخشونة طبعها إلى حرمانها من رضا الإمبراطورة, فاعتزلت عن البلاط وأكبت على الدرس والمطالعة ومعاشرة العلماء وبعد وفاة زوجها ساحت في غربي أوروبا.
وسنة ١٧٨٢ م عهدت إليها الإمبراطورة رياسة الأكاديمية العلمية وسنة ١٧٨٤ م عينتها لرياسة الأكاديمية الروسية الجديدة ولها من الكتابات النثرية والشعرية شيء كثير وبعد وفاة الإمبراطورة كاترينا سنة ١٧٩٦ م أمرها الإمبراطور "بولس" أن تنزل في قرية صغيرة من ولاية نفضودود فتوسطوا أمرها فعفا عنها وخرجت من المنفى وصرفت باقي أيامها في أملاك لها بقرب موسكو.
كاترينا إمبراطورة الروسيا الأولى
ولدت كاترينا في شمالي ولاية لبغونيا سنة ١٦٨٢ م وسميت "مرثا", وأبوها من مدبرين الأخانسر في الجيش الأسوجي واسمه يوحنا راب, وتوفي قبل ولادتها بزمن قصير فربتها أمها ثلاث سنوات بالحزن والفاقة الشديدة وتوفيت وتركتها عالة على الناس فشفق عليها رجل من أهالي قريتها وعالها مدة ثم أتى بها كاهن لوتري إلى بيته في مدينة "مرينبرج" خادمة لأولاده ويقال: إنها بقيت في بيته إلى أن توفي وإنها كانت تلتقط من أولاده مبادئ العلوم التي كانوا يتعلمونها في المدارس ولكن كل ما يروى عنها في حداثتها أقاصيص لا يركن إليها والذي يذكره المؤرخون أنها تزوجت في "مرينبرج" بجندي أسوجي سنة ١٧٠١ م وأنه في السنة التالية فتح الروسيون مدينة "مرينبرج" وقتلوا زوجها وأخذوها أسيرة فضمها الجنرال "بوراليه".
ثم اتصلت بالأميرة فشيكوف ورآها عندها الإمبراطور بطرس الأكبر فراعه جمالها, ولطف حديثها فقربها منه وكان قد طلق زوجته لمخالفتها له في المبدأ والرأي فعمد كاترينا في كنيسة الروم وسماها باسم كاترينا الكسيونا وأشهر زواجه بها سنة ١٧١٢ م وكان قد تزوج بها سراً قبل ذلك, ويقال: إن الداعي لإشهار زواجه بها أنه لما فتح الحرب على الدولة العثمانية سنة ١٧١١ م رأى أنه لا صبر له على فراقها لحبه لها ولمشاركتها له في الرأي واجتهادها في مرضاته وإعجابها بأعماله ومآثره, فسافر بها علناً إلى ميدان القتال كملكة محفوفة بالمجد والجلال وكانت تركب معه وتعرض نفسها للمتاعب والأخطار وتتلطف بالجنود العثمانيةحتى أيقن بالوبال ويقال:
стр. 440
إنه دخل خيمته حينئذٍ وأمر حرسه أن لا أحد يدخل عليه, فجاءت كاترينا ودخلت عليه بالرغم عن أمره.
فلما رآها لم يتضرر من دخولها لاحتياجه إلى سديد رأيها فأشارت عليه أنه يصالح العثمانيين ويرد لهم البلاد التي أخذها منهم وقالت: إنها تتكفل بإرضاء بلطجي محمد قائد الجيش العثماني فسر منها وفوض إليها تدبير الأمر, فاختارت ضابطاً حكيماً وأرسلته إلى عسكر العثمانيين بهدية سنية من الجواهر الغراء والنقود فعقدت شروط الصلح وأمضاها الفريقان, وقد ارتاب كثيرون من المتأخرين في صحة هذا الخبر وقالوا: إنه لا صحة لما يروى من مداخلة كاترينا في عقد الصلح ومهما يكن من الأمر فلا شبهة في أن الإمبراطور نفسه كان يحسب لها فضلاً في نجاته من الجنود العثمانية هو وجنوده وبعد ثلاث سنوات, ولدت له ابنة ففرح بها فرحاً عظيماً وصنع رتبة القديسة كاترينا إكراماً لزوجته, وجعل لها عيداً كل سنة تذكاراً لها, واتفق أنه تغلب قبيل ذلك على الأسطول الأسوجي, وأسر أميره فأتى بالأسرى في هذا العيد ودخل بهم مدينة بطرس برج باحتفال عظيم.
ثم سافر في ممالك أوروبا لينظر في سياستها ويسبر غور رجالها وأخذ زوجته معه فولدت في أثناء الطريق ولداً لم يعش إلا يوماً واحداً, وكان هو قد سبقها قليلاً فأسرعت إليه وهي نفساء لكي لا يمل من انتظارها, وهذا دليل على أن رفاهية البلاط الكلوكي لم تغير من طباعها ولا أضعفت من همتها, وكانت تتفقد معه الأماكن التي زارها في سياحته الأولى حينما زار أوروبا لكي يتعلم صنائع أهاليها وفنونهم وسنة ١٧٢٣ م ألبسها التاج وأوصى لها بالملك من بعده ويقال: إنه سار معها إلى الكنيسة ماشياً بصفة قائد لفرقة جددها سماها "شفاليية" الإمبراطورة ووضع التاج على رأسها بيده وأمر بأن يقرأ الإعلان الآتي الذي أنشأه قبل ذلك وهو من حضرة الإمبراطور المتولى على جميع الدولة الروسية إلى جميع فئات القسيسين والضباط الملكيين والعسكريين والأهليين عموماً الموصوفين بالأمانة لا يخفى على كل منهم العادة المستمرة الجارية في الممالك المسيحية التي بمقتضاها يتوج الملوك زوجاتهم كما هو جار الآن.
وكما فعل الملوك المسيحيون الشرقيون في الأزمان الغابرة كالقيصر "بازلند" الذي توج زوجته "زنوبيا" القيصر "بوستنياتوس" الذي توج زوجته "لويسينا" والقيصر "هرقل" توج زوجته "مرتينا", والإمبراطور "ليون" الفيلسوف الذي توج زوجته "ماريا", وكذا جماعة غيرهم من القياصرة قد وضعوا التاج الإمبراطوري على رؤوس نسائهم نسائهم ولا محل لذكرهم هنا جميعهم.
ومن المعلوم أننا طالما خاطرنا بأنفسنا واقتحمنا الشدائد والأهوال مدة الحرب الأخيرة التي مكثت إحدى وعشرين سنة متوالية لحفظ وطننا وقد أنهيت هذه الحروب بعون الله بالشرف الكامل, وبالصلح الذي لم يسبق أنه وقع مثله لدولة روسيا ولم تحز قط من الفخار ما حازته بهذه الحروب, وحيث إن زوجتنا الإمبراطورة كاترينا قد ساعدتنا على الخلاص من ربقة هذه الأخطار في عدة وقائع ولاسيما التي حصلت بينا وبين الجنود العثمانية على نهر بروت حيث تضعضع حال جيوشنا وآل أمرها إلى ٢٢ ألف مقاتل وكانت العساكر العثمانية ٢٧٠ ألف وأظهرت في تلك الأزمنة غيرة عظيمة وشجاعة فائقة كما هو معلوم عند جيوشنا فبالنظر إلى ذلك وبمقتصى التصرف والنفوذ الموهوب لنا من الله تعالى يتم تتويجها في فصل الشتاء من هذه السنة بمدينة موسكو وقد أعلنا ذلك قبلاً لرعايانا المحبين الأمناء ومحبتنا الإمبراطورة لا تزال لهم بدون نقص ولا تغيير.
ثم ساء ظن الإمبراطور في أواخر سنة ١٧٢٤ م وهي السنة التي توجها فيها وأمر بقتل الرجل الذي
стр. 441
اتهمها به والأرجح أن تهمته لها كانت باطلة ولم تطل حياته بعد ذلك لأنه توفي بداية سنة ١٧٢٥ م فأخفت هي ورجال بلاطها خبر موته إلى أن يستتب لها الأمر من بعده وقد اتهمها البعض بأنها دست له السم وهذا أيضاً لا دليل على صحة ولا سيما لأنها لم تكن على يقين من وصول الأمر إليها وتضاربت الآراء بعد وفاته فيمن يخلفه, ولكن تحزب لها الأمير "تشكوف" وغيره من أهالي ولما قال ذلك انكسرت شوكة أضدادها وأقر الجميع على مبايعتها فاستقرت على عرش روسيا في خطة زوجها لأنها سلمت تدبير أمور المملكة إلى "فشكوف" الحكيم.
ومن الأعمال العظيمة التي عملتها أنها أبطلت مجلس الأعيان وألغت ألقاب المجمع المقدس وقيدت خدمة الدين ضمن دائرة ضمن دائرة الكتب المقدسة, وعضدت مجلس المعارف, وعينت لأعضائه المرتبات الطائلة, وأناطت أشغال الدولة بمجلس شوراها السري ولكنها لم تخيم حياتها بالخير كما بدأتها إذ يقال: إنها مالت إلى المكر في أواخر أيامها, وعاشت عيشة أسرعت بها إلى القبر فتوفيت في السابع عشر من شهر أيار (مايو) سنة ١٧٢٧ م ولا مشاحة في أنها كانت امرأة عظيمة وقت نفسها من الذل, وتسلطت على قلب ملك من أعظم ملوك عصرها ولم تقنع نفسها الكبيرة بأنها صارت زوجة شرعية لهذا الملك العظيم بل رفعتها همتها إلى عرش روسيا فصارت عالية على أسراف الروس العريقين في النسب وأحسنت السياسة فيهم وأبقت لها بينهم ذكراً مجيداً.
كاترينا الثانية إمبراطورة روسيا وهي ابنة دوق أنهلت زرسبت
هذه الملكة كانت أديبة عاقلة عالمة بضروب السياسة تبوأت الملك في سنة ١٧٦٢ م وتوفيت سنة ١٧٩٦ م فكانت مدة ملكها أربعاً وثلاثين سنة. وفي أيامها اكتسبت روسيا نفوذاً أولياً قاطعاً في السياسة الأوروباوية, واعترف بأنها من دول أوروبا العظمى, وأدركت منافع السلم الخارجي بتوجيه خواطرها واجتهادها إلى تقدم إمبراطوريتها, وبعد استوائها على عرشها محفوفاً بجمهور من رجال السياسة والحرب المشهورين بالحذق أكثر من اشتهارهم بالسجايا.
ومنهم "غالستن" "وروميانتزف" و"بانيزه" و"أورلوف" و"ستلينكوف" و"سوفادوف" و"تشرنتشيف", و"بونمكين" وكانت لها اليد الطولى بتقسيم بولونيا في سنة ١٧٧٢ م.
وسنة ١٧٩٣ م واستولت على نحو ثلثيها وفي أثر حروب كثيرة ضمت إلى روسيا القرم وأزوق وغيرها ومساحة ما ضم إلى إمبراطوريتها أيام ملكها نحو مائتين وخمسة وعشرين ألف ميل مربع ومنها كورلندا وأما أعمالها الأيلة إلى تقدم البلاد الداخلي فلم تكن أعمالها الحربية أعظم منها فإن نحو خمسين ألفاً من الغرباء المجدين استوطنوا أراضي روسيا الزراعية الجنوبية وأنشأت عدة بيوت للتعليم والإحسانات إلى المعوزين وأكسبت التجارة البرية والبحرية والصناعة نجاحاً عظيماً ورواجاً كثيراً, وأصلحت إدارة الإمبراطورية حق الإصلاح.
وسنة ١٧٦٦ م عقدت جمعية من وكلاء الولايات لوضع قانون ونظام جديد وكانت درجة تعليم النساء في أول ملكها منحطة جداً فأفرغت هذه وسعها في سبيل ترقية قواهن العقلية وإعلاء درجتهن في الهيئة الاجتماعية, ومن الوسائل التي استعملتها إنشاؤها مدرسة إكليريكية للبنات في بطرس برج من
стр. 442
قوانينها أن الابنة متى دخلتها لا تتمكن من تركها إلا لمضي سبع سنوات لاعتقادها أن هذه المدة تعتبر كافية لكمال التهذيب, وكانت المدرسة المذكورة مقسومة إلى قسمين القسم الأول لأجل تربية بنات الشرفاء, والثاني للدرجة الوسطى من الشعب. وكان عدد البنات اللواتي تلقين التربية فيها ٥٠٠.
ومن ذلك الحين سنة ١٧٦٤ م أخذت مدارس الإناث بالازدياد في كل روسيا, وأنشأت لهن الإمبراطورة محلات للرياضات الجسدية في كل أنحاء المملكة وبلغ عددها (سنة ١٨٧٣ م) ٢٠٠. وعدد التلميذات ٢٣٠٠٠. وتجمع دارهم خصوصية من البلديات للقيام بمصاريف المدارس المذكورة التي لم ينحصر نفعها في تربية النساء الروسيات فقط, والآن آل تقليل النفور والبغضاء الناتجة عن التفاوت في حقوق الولادة والمركز والثروة فتدهب التلميذات إلى محل الرياضات الجسدية بدون تمييز النسب والقرابة ويلبسن في ظروف كثيرة ملابس واحدة, وفي المدينة المؤلفة من أجناس مختلفة من الأهالي لا يراعون الجنسية فترى البنات التتريات والبشكيريات مختلطات مع الروسيات في الشرق كاختلاط الروسيات والبولونيات في الغرب, وإذا اعتبرنا الزمان الذي ابتدئ فيه بالاعتناء بتربية النساء فيها تحكم بأنهن قد أظهرن من الذكاء والميل الطبيعي لتلقي العلوم والتربية الحسنة شيئاً كثيراً.
وسنة ١٨٧٢ م كان في مدرسة "زوريخ" الكلية ٦٣ تلميذاً و ٥٤ منهن من الروسيات ولا يراعون اختلاف الأديان في إدخال التلميذ إلى المدارس فحقوق الطوائف متساوية في هذا الصدد, ويوجد في كل مدرسة كهنة مخصوصون للاهتمام بأمور التلامذة من مذهب واحد لم يكن كافياً لتعين المدرسة لهم مدرساً دينياً فيترك الاعتناء بأمر دينهم إلى والديهم أو أقاربهم, وقد أبطلت الإمبراطورة فيها القصاصات بالقتل أو الضرب ولا يحكمون بالقتل الآن إلا على مرتكبي أكبر الجنايات, ولا تقوى المجالس الجنائية على الحكم به ولكن تحال الدعوى إلى مجالس عالية تشكل في هذه الظروف ولا يزالون في سبيريا يقاصون المجرمين بالضرب وذلك لأجل المحافظة على الترتيب بينهم وذكر في تقرير سنة ١٨٦٠ م و ١٨٦٨ م أن معدل عدد المذنبين فيها ٥٣٤٠٠٠ من ذنوب مدنية وجنائية وسياسية وعدد الذين حكم عليهم بالقصاصات من المذنبين وحكم على ١٢١١ منهم بالأشغال الشاقة وعلى ٢١٧٢ مذنباً بالإبعاد إلى سيبيريا, وعلى ٢٤٨٨ بالنفي المؤبد, وعلى ٦٦٦٧ بالسجن في القلاع حيث يشتغلون بالصنائع اليدوية الشاقة, وعلى ١٣٦٦٩ مذنباً بالسجن, وعلى ٥٧٧٥٧ مذنباً بقصاصات خفيفة. وأما جرائم السرقة فكانت ٣١ في المائة من عدد المذنبين وحوادث القتل ٢ في المائة وكان عدد النساء المذنبات في ألأربعة وثمانين ألفاً نحو ١٨٨٠٠ وأكثر قليلاً من عشرة في المائة.
وبالجملة فإن نتيجة اجتهاد هذه الملكة جعلت البلاد في تقدم ظاهر حسدتها عليه باقي الدول, وكانت مع ما هي عليه من سمو الأفكار واتساع المدارك لا تألو جهداً من اشتغالها بفن التطريز والتصوير والنقش والحفر بالمعادن والعاج, وذلك لتعلقها في الصناعة وكانت محبة للعلماء مقربة لهم وأخصهم الفلاسفة المشهورون, وكانت مرة أهدت إلى "فولتير" علبة من العاج من صنع يدها فسر "فولتير" لهذه الهدية, وبعد قليل كافأها بأن قدم لها زوجاً من الجربات الحريرية من صنع يده وأرسل لها رسالة يقول فيها.
"إن جلالتك تكرمت بإهداء ما هو من أعمال الرجال ولكنه مصنوع بأيدي النساء فأهديتك ما هو من أعمال النساء ولكنه مصنوع بأيدي الرجال, وإني أرجو قبول هديتي وعساها أن تنال حظاً لديك".
стр. 443
ولما وصلت لها هذه الهدية سرت سروراً لا مزيد عليه وأكرمته إكراماً زائداً, وبالجملة فإن هذه الملكة لم يتول تخت روسيا من النساء مثلها.
[كبشة بنت معدي كرب الزبيدي]
كبشة بنت معدي مرب الزبيدي أخت عمرو بن معد يكرب المشهور صاحب الصمصامة.
كانت مشهورة بين نساء زمانها بالحسن والجمال, والذكاء والشجاعة, والإقدام. وكانت تقول الشعر ويغلب على شعرها الحماسة, وطالما كانت تعرض على أخيها عمرو وتفاخره, وكانت تزوجت عبد الله بن منقذ الهلالي وقد ائتلفت معه ائتلافاً شديد وأحبته حباً لا مزيد عليه, ومكثت معه مدة وهما على غاية ما يرام من الراحة والرفاهية حتى كان ذات يوم غزا غزوة في العرب فكان فيها يومه وبلغ الخبر كبشة فشقت عليه الجيوب ولطمت الخدود, ورثته بمرات كثيرة منها قولها:
وأرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالم ... وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
فإن أنتم لم تثأروا واتديتم ... فمشوا بآذان النعام المصلم
ولا تشربوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم
كبك خاتون زوجة السلطان أوزبك
قال ابن بطوطة "كبك خاتون (بفتح الكاف الأولى وفتح الباء الموحدة) بنت الأمير نغطى. (بنون وغين معجمة وطاء مهملة مفتوحات وياء مسكنة) , وأبوها كان مبتلى بعلة النقرس". قال: "وقد رأيته في غد دخولنا على الملكة دخلنا على هذه الخاتون فوجدناها على مرتبة تقرأ في المصحف الكريم وبين يديها نحو عشر من النساء القواعد ونحو عشرين من البنات يطرزن ثياباً, فسلمنا عليها وأحسنت في السلام والكلام وقرأ قارؤنا فاستحسنته, وأمرت بالقمز فأحضر, وناولتني القدح بيدها كمثل ما فعلته الملكة, وانصرفنا عنها.
وقد أجزلت لنا العطاء وهكذا عادتها فإنها تكرم كل من تسمع به إنه غريب ولها مآثر حسنة وخيرات واسعة ومبرات على الفقراء والمساكين لم يسبقها عليها أحد من نساء زمانها".
كريمة بنت محمد بن حاتم
جاوزت بمكة المكرمة وروت صحيح البخاري عن الكشميهني وروايتها من أصح روايات البخاري, وروت عن زاهر السرخسي, وكانت تصنف كتبها وتقابل بنسخها وهي في الفهم والنباهة وحدة الذهن بحيث ترحل إليها أفضل العلماء, وكان لها مجلس بمكة المكرمة تجتمع فيه الطلبة والأفاضل من رجال كل علم وهي تلقي على كل نوع مما يطلبه فصيحة المأخذ مفهومة المعنى, وكان أكثر ميلها إلى الحديث حتى بلغت فيه حداً لم يبلغه غيرها ولم تتزوج قط وبلغ عمرها ١٠٠ سنة, وتوفيت بمكة المكرمة.
كيلوباتره ملكة مصر
هي من الملوك البطالسة الذين تغلبوا على مصر عقيب دولة الفراعنة اقترنت بأخيها "بطليموس ديوينسيوس"
стр. 444
سنة ٥٢ قبل الميلاد وكان في سن الثالثة عشرة وهي في سن السابعة عشرة فراودتها نفسها على الاستئثار بالعرش دونه, فقاومها رجال البلاط وأوصياء زوجها القاصر حتى إذا أعيتها الحيلة عمدت على الاستنصار بأغسطوس قيصر الرومان, فألف ذات بينهما, ولكنها بعد قليل تزوجت بأخيها الثاني ولم يكن قد أتى عليه إحدى عشرة سنة, فنودي به بأمر قيصر ملكاً على مصر.
ثم مات هذا مسموماً بعد زواجه بأربعة أعوام, ولما خلا العرش من ملك بعث أنطنيوس أحد مشتركي دولة الرومان الأربعة, فاستدعى كليوباترة إلى طرسوس حيثما كان ذاهباً إلى محاربة بروتوس الروماني فلبت الدعوة وسارت على أجنحة الرياح حتى بلغت نهر طرسوس, وهنالك اتخذت لها سفينة فاخرة الأثاث أرجوانية السجف والقلاع مزدانة ببديع الأواني ونفائس الجوهر, وأفرغت على قدها الفتان حلة كسروية مدبجة بالدر, وكللت جبينها الوضاح بتاج وهاج, وألبست وصائفها الحور ثياباً خضراً من سندس واستبرق, وتصدرت بينهن كأنها الشمس وكأنهن البدور وهن يضربن بالعيدان والقياثير, ويطلقن البخور والند حتى عبق الشاطئ برياحها, وماج النهر طرباً بنغمات أعوادهن ولألأ محياهن.
فلما لقيها أنطونيوس استطار فؤاده شغفاً وذهب رشده هياماً وكلفاً فما عتم أن عاد معها إلى الإسكندرية, وهنالك زفت عليه حليلة فلم يستطع بعد على فراقها صبراً, فغادر واجباته ومهامه إلى التقادير, وأصبح لا يستفيق من خمرة جبها سكراً.
ولما طار الخبر إلى زوجته الأولى "أوكتافيا" نزغها من شيطان الغيرة نازغ, فأغرت أخاها "أوكتافيوس" أحد الشركاء الأربعة على مخاصمته والانتقام منه. فحشد جيشاً خميساً وقصد به الديار المصرية, فتغلب عليها بعد نزال بشيب لهوله الوليد. ولما حمى الوطيس وأحس "أنطونيوس" بسوء المنقلب سقط في يده ولات حين ندامة, فتناول مدية وطعن بها ثديه فكانت القاضية.
وأما كليوباترة فلما لم تنطل أساليبها على "أوكتافيوس" ولم تقو على اختلابه بما أوتيت من الجمال الباهر واللطف الساحر بفوات عرشها بعد أن أحاطت به جواريها وأترابها, وكانت قد زينت رأسها بالتاج, وأفرغت على جسدها البلوري حلة من نفيس الديباج, ثم زحزحت غلالتها عن نهديها العاجيين وأطلقت حية خبيثة على صفحة صدرها المزري باللجين, فلدغتها لدغة مشوق ملهوف أوردها حياض الحتوف, وكان ذلك سنة ٣٠ قبل المسيح وبموتها قرض الله دولة البطالسة بعد أن حكمت مصر ٢٩٤ عاماً فسبحانه إذا قضى أمراً فإنه يقول له: كن فيكون.
كانت مدة ملك كليوباترة ٢٢ سنة, وكانت حكيمة متفلسفة مقربة للعلماء معظمة للحكماء, ولها كتب مصنفة في الطب والزينة وغير ذلك من الحكمة مترجمة باسمها منسوبة إليها معروفة عند صنعة الطب. وقال العلامة المسعودي في كتابه المسمى "مروج الذهب ومعادن الجوهر" أن سبب وفاة كليوباترة كانت عند ما جمعت في مجلسها أصناف الرياحين استحضرت حية من الحيات التي تكون بين الحجاز ومصر والشام وهي نوع من الحيات التي تراعي الإنسان حتى إذا تمكنت من النظر إلى عضو من أعضائه قفزت أذرعاً كثيرة كالرمح فلم تخطئ ذلك العضو بعينه حتى تتفل عليه سماً فتأتي على الإنسان ولا يعلم بها لخموده من فوره ويتوهم الناس أنه قد مات حتف أنفه فجاءت بحية وضعتها في إناء بلوري.
ثم لما علمت أن "أغسطس أوكتافيوس" أراد الدخول في قصر ملكها أمرت بعض جواريها ومن أحبت فناءها قبلها, وأن لا يلحقها العذاب بعدها فسمتها بإناء, فخمدت من فورها ثم جلست كليوباترة على سرير ملكها ووضعت تاجها على رأسها وعليها ثيابها وزينة ملكها, وجعلت أنواع الرياحين والزهور والفاكهة والطيب وما يجمع بمصر
стр. 445
من عجائب الرياحين وغيرها مبسوطة في مجلسها وأمام سريرها, وعهدت بما احتاجت إليه من أمورها وفرقت حشمها من حولها فاشتغلوا بأنفسهم عن ملكتهم لما قد غشيهم من عدوهم ودخوله عليهم في دار ملكهم, وأدنت يدها من الإناء الزجاج الذي كانت فيه الحية فقربت يدها من فيه فتفلت عليها فجفت مكانها وانسابت الحية وخرجت من الإناء ولم تجد حجراً ولا مذهباَ تذهب فيه لإتقان تلك المجالس بالرخام والمرمر والأصباغ, فدخلت في تلك الرياحين ودخل "أغسطس أوكتافيوس" حتى انتهى إلى المجلس فنظر إليها جالسة والتاج على رأسها فلم يشك في أنها تنطق فدنا منها فتبين أنها ميتة, وأعجب بتلك الرياحين, فمد يده إلى كل نوع منها يلمسه ويتبينه ويعجب خواص من معه به ولم يدر ما سبب موتها, فبينما هو كذلك من تناول تلك الرياحين وشمها إذ قفزت عليه تلك الحية فرمته بسمها فيبس شقه من ساعته, وذهب بصره الأيمن وسمعه, فتعجب من فعلها وقتلها لنفسها واختيارها للموت على الحياة مع الذل.
ثم ما كان من إلقاء الحية بين الرياحين فقال في ذلك شعراً بالرومية يذكر حاله وما نزل به وقصتها, وأقام بعدما نزل به ما ذكرنا يوماً وهلك, ولولا الحية قد أفرغت سمها على الجارية ثم على الملكة لكان "أغسطس أوكتافيوس" قد هلك من ساعته.
وكانت كليوباترة دائماً تحب القصف والخلاعة وتألف الملاهي وطالما تمنت أن يكون لها حبيب تركن إليه وتعول في أمورها عليه. ولها أيام لطيفة, وليال ظريفة, ووقائع حسنة, ونوادر مستحسنة.
كنزة أم شملة بن برد المنقري من ولد قيس
كانت من شاعرات العرب المتقدمات في الأدب, اشتراها برد المنقري وتزوجها فولدت له شملة بن برد, وكان من الشجاعة على جانب عظيم, وطالما اقتحم الحروب وأباد الأقران.
فمن شعرها حينما هجمت عليهم العرب عند غياث ولدها شملة قولها:
إن يك ظني صادقاً وهو صادقي ... بشملة يحبسهم بها محبساً أزلاً
فيا شمل شمر واطلب القوم بالذي ... أصبت ولا تقبل قصاصاً ولا عقلاً
وقالت أيضاً:
لهفي على قومي الذين تجمعوا ... بذي السيد لم يلقوا علياً ولا عمراً
فإن يك ظني صادقاً وهو صادقي ... بشملة بحبسهم بها محبساً وعراً
وقد صدق قولها وبلغ الشعر ولدها فقال: والله لأصدقنها قولها. وقصد القوم فقابلهم وأبلى بهم بلاء حسناً واسترد منهم ما سلبوه من قبيلته. ومن شعرها قولها:
ألا حبذا أهل الملا غير أنه ... إذا ذكرت في فلا حبذا هيا
على وجهه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
ألم تر أن الماء يخلف طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة ... تولى بأضعاف الذي جاء طاميا
كذلك مي في الثياب إذا بدت ... وأثوابها يخفين منها المخازيا
فلو أن غيلان الشفي بدت له ... مجردة يوماً لما قال ذا ليا
стр. 446
كقول مضى منه ولكن لرده ... إلى غير مي أولا لأصبح ساليا
كلابة مولاة ثقيف
كانت عند عبد الله بن القاسم الأموي العبلي, وكان يبلغها تشبيب العرجي بالنساء وذكره لهن في شعره وكانت كلابة تكثر أن تقول لشد ما اجترأ العرجي على نساء قريش حين يذكرهن في شعره ولعمري ما لقي أحداً فيه خير ولئن لقيته لأسودن وجهه, فبلغه ذلك عنها.
وكان العلبى نازلاً على ماء لبنى نصر بن معاوية يقال له الضنق على ثلاثة أميال من مكة والعرج أعلاها قليلاً مما يلي الطائف فبلغ العرجي أنه خرج إلى مكة فأتى قصره فأطاف به فخرجت إليه كلابة وكان خلفها في قصره فصاحت به إليك ويلك وجعلت ترميه بالحجارة وتمنعه أن يدنو من القصر فاستسقاها فأبت أن تسقيه.
وقالت: لا يوجد والله أثرك عندي أبداً فيلصق بي منك شر فانصرف. وقال: ستعلمين. وقال هذه الأبيات ليتهمها الناس ويوقع بها أمام سيدها:
حور بهثن رسولاً في ملاطفة ... ثقفا إذا عقل النساءة الوهم
إلى أن أتينا هدأ إذا علقت ... أمراً سنا وافتضحنا إن همو علموا
فجئت أمشي على هول أجشمه ... تجشم المرء هولاً في الهوى كرم
إذا تخوفت من شيء أقول له ... قد جف فامض بشيء قدر القلم
أمشي كما حركت ريح يمانية ... غصناً من البان رطباً طلة الديم
في حلة من طاز أكسوس مثرية ... تعفو بهدابها ما أثرت قدم
خلت سبيلي كما خلت ذا عذر ... إذا رأته عتاق الخيل ينتجم
وهن في مجلس خال وليس له ... عين عليهن أخشاها ولا ندم
حتى جلست إزاء الباب مكتتما ... وطالب الحاج تحت الليل مكتتم
أبدين لي أعيناً نجلا كما نظرت ... أدم هجان أتاها مصعب قطم
قالت كلابة من هذا فقلت لها ... أنا الذي أنت من أعدائه زعموا
أنا امرؤ جد بي حب فأحرمني ... حتى بليت وحتى شفني السقم
لا تكليني إلى قوم لو انهموا ... من بغضنا أطعموا لحمي إذا طعموا
وأنعمي نعمة تجزى بأحسنها ... فطالما نالني من أهلك النعم
ستر المحبين في الدنيا لعلهمو ... أن يحدثوا توبة فيها إذا أثموا
هذي يميني رهن بالوفاء لكم ... فأرضي بها ولأنف الكاشح الرغم
قالت رضيت ولكن جئت في قمر ... هلا تلبثت حتى تدخل الظلم
فبت أسق بأكواب أعل بها ... من بارد طاب منا الطعم والنسم
حتى بدا ساطع للفجر نحسبه ... سنا حريق بليل حين يضطرم
كغرة الفرس المنسوب قد حسرت ... عنه الجلال تلالاً وهو يلتجم
ودعتهن ولا شيء يراجعني ... إلا البيان وإلا الأعين السجم
إذا أردن كلامي عنده اعترضت ... من دونه عبرات فانثنى الكلم
تكاد إذر من نهضاً للقيام معي ... أعجازهن من الإنصاف تنقصم
стр. 447
وقد أعطاه العرجي جماعة من المغنين وسألهم أن يغنوا فيه, فصنعوا في أبيات منه عدة ألحان وقال: لا أجد لهذه الأمة شيئاً أبلغ من إيقاعها تحت التهمة عند ابن القاسم ليقطع راتبها من ماله, فلما سمع العبلي بالشعر يغنى به أخرج كلابة واتهمها, ثم أرسل بها بعد زمان على بعير إلى مكة فأحلفها بين الركن والمقام إن العرجي كذب فيما قاله فحلفت سبعين يميناً فرضي عنها وردها فكان بعد ذلك إذا سمع قول العرجي: طالما مسني من أهلها النعم قال: كذب والله ما مسه ذلك قط.
حرف اللام
لبنى بنت الحباب الكعبية
كانت أحسن نساء زمانها وجهاً وأرقهن شمائل, وأعذبهن منطقاً, وألطفهن إشارة. ذات فصاحة وأدب ومعرفة بأشعار العرب وهي صاحبة قيس بن ذريح العذري, رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب.
وكانت سبب علاقته بها أنه ذهب لبعض حاجاته فمر ببني كعب. وقد احتدم الحر, فاستقى الماء من خيمة منهم, فبرزت إليه امرأة مديدة القامة بهية الطلعة, عذبة الكلام, سهلة المنطق, فناولته إداوة ماء, فلما صدر قالت له: ألا تبرد الحر عندنا, وقد تمكنت من فؤاده. فقال: نعم, فمهدت له وطاء واستحضرت ما يحتاج إليه وجاء أبوها, فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهم ضياء اليوم
ثم انصرف وهو أشغف الناس بها فجعل يكتم ذلك ألى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه ومر بها ثانياً, فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من حبها فوجد عندها أضعاف ذلك, فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر, فمضى إلى أبيه, فشكا إليه ذلك فقال له: دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك, فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركها وجاء إلى الحسين بن علي بي أبي طالب وأخبره بالقضية, فرثى له والتزم أن يكفيه هذا الشأن فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجاب فقال: يا ابن رسول الله, لو أرسلت لكفيت بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس حافياً على حر الرمل. فقام ذريح ومرغ وجهه على أقدامه ومشى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى وأدى الحسين المهر من عنده, ولما تزوجها أقام مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الإقبال وفنون المحبة, ولكن لم تلد لبنى فساء ذلك أبويه فعرضا على قيس أنه يتزوج بمن تجيء بولد, وذلك أحفظ لنفسه وأبقى لماله فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك وقال: لا أسوءها قط وقام يدافعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه أن لا يكنه سقف إلا أن يطلق قيس لبنى فكان إذا اشتد الحر يجيؤه فيظله بردائه ويصلي هو بحر الشمس حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له: لا تفعل, فتهلك إلى أن قدر الله وطلقها.
فلما أزمعت الرحيل بعد العدة جاء وقد سأل الجارية عن أمرهم فقالت: سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها ترتحل الليلة أو غدا فسقط مغشياً عليه فلما أفاق أنشد:
وإني لمفن دمع عيني بالبكا ... حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفيك إلا أن ما حان حائن
فلما حملت إلى المدينة يئس قيس واشتد شوقه وزاد غرامه وأفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندم وجعل يتلطف به, فلما أيس منه
стр. 448
استشار قومه في دائه, فاتفقت آراهم على أن يأمروه يتصفح أحياء العرب, فلعل أن تقع عينه من تسليه عن حب لبنى, ففعل حتى نزل بحي من فزارة, فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً فسألها عن اسمها فقالت لبنى: فسقط مغشياً عليه, فارتاعت.
وقالت: إن لم تكن قيساً فمجنون ونضحت على وجهه الماء, فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس لبنى, وكان أمرهما اشتهر في العرب وجاء أخوها فأخبرته فركب حتى استرده, وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً فقال له: لقد شققت علي, وأجاب. فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه المصاهرة حتى لامته العرب.
وقالوا: نخشى أن يصير فعلك هذا سنة في العرب. فقال: دعوني ففي مثل هذا فليرعب الكرام, وألح عليه وزوجه بأخته, فلما بلغ لبنى قالت: إنه لغدار وإني طالما خطبت فأبيت والآن أجيب. وكان أبوها قد اشتكى قيساً إلى معاوية وقال: إنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان يهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني, ففعل, وأجابت حين علمت بزواج قيس فجعل النساء يغنينها ليلة الزفاف.
لبنى زوجها ... أصبح لا حر يوازيه
له فضل على الناس ... وقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقاً ... صريع في بواكيه
فلا يبعده الله ... وبعد النواعيه
ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محل قومها فقالت له النساء: ما تصنع بهذا وقد رحلت مع زوجها؟ فلم يلتفت حتى أتى محل خبائها فتمرغ به وأنشد:
إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا ... إلى الله فقد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمه ... نحيل وعهد الوالدين قديم
وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروج قيس أيضاً فتلاقيا فهبت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبر عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد:
إذا طلعت شمس النهار فسلمي ... فآية تسليمي عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقت ... وعشر إذا اصفرت وحان رجوعها
ولو أبغلتها جارة قولي اسلمي ... بكت جزعاً وارفض منها دموعها
وحين انقضى الحج مرض مرضاً شديداً فأنهكه فأكثر الناس من عيادته, فجعل يتفكر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد:
ألبنى لقد جلت عليك مصيبتي ... غداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنينني نيلاً وتلوينني به ... فنفسي شوقاً كل يوم تقطع
ألومك في شأني وأنت مليمة ... لعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرة ... فما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي علي جنازة ... لديك فلا تبكي غداً حين أرفع
فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع, وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة وجاء قيس إلى المدينة بناقة من
стр. 449
إبله ليبيعها, فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه.
ثم قال له: ائتني غداً في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاماً وقام لبعض حاجاته فقالت لبنى لخادمتها" سليه ما بال وجهه متغيراً شاحباً فتنفس الصعداء.
ثم قال: هكذا حال من فارق الأحبة. فقالت: استخبريه عن قصته فاستخبرته فشرع يحكي أمره فرفعت الحجاب وقالت: حسبك قد عرفنا حالك فبهت حين عرفها ساعة لا ينطق بلفظ.
ثم خرج لوجهه فاعترضه الرجل وقال: مالك؟ عد لتقبض مالك, وإن شئت زدناك فلم يكلمه ومضى فدخل على لبنى فقالت له: ما هذا إنه لقيس! فحلف أنه لا يعرفه. وأنشد قيس معاتباً لنفسه:
أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبت ... فللدهر والدنيا بطون وأظهر
كأني في أرجوحة بين أحبل ... إذا فكرة منها على القلب تخطر
وقصد قيس معاوية فمدحه فرق له وكان قد أهدر دمه فقال له: إن شئت كتبت إلى زوجها بطلاقها فقال: لا, ولكن إئذن لي أن أقيم ببلدها ففعل فنزل حين زال هدر دمه بحيها, وتضافرت مدائحه فيها حتى غنى بها معبد والغريض وأضرابهما, وقد قصد قيس أبن أبي عتيق وكان أكثر أهل زمانه مروءة فجاء ابن أبي عتيق إلى الحسن والحسين وأعلمهما أن له حاجة عند زوج لبنى وطلب أن ينجداه عليه فمضيا معه حتى اجتمعوا به وكلموه في طلب ابي أبي عتيق وهم لم يعلموا الغرض قال: سلوا ما شئتم. فقال ابن أبي عتيق: أهلاً كان أو مالاً؟ قال: نعم. فقال: أريد أن تطلق لبنى ولك ما شئت عندي. فقال: أشهدكم أنها طالق. فاستحيوا منه وعوضه الحسن مائة ألف درهم وقال له: لو علمت الحاجة ما جئت, ونقلت إلى العدة وعاتبت لبنى قيساً على تزويجه الفزارية فحلف لها أن عينيه لم تكتحل برؤيتها ولم يكلمها لفظة واحدة, وأنه لو رآها لم يعرفها وأخبرته أنها كارهة زوجها وأعلمته أنها لم تتزوج به رغبة فيه بل شفقة على قيس حين أهدر دمه ليخلي عنها, وتوفيت لبنى في العدة سنة ٣٣هـ وإن قيساً حين بلغه ذلك خرج حتى وقف على قبرها وأنشد:
ماتت لبينى فموتها موتي ... هل ينفعن حسرة على الفوت
إني سأبكي بكاء مكتئب ... قضى حياة وجداً على ميت
ثم بكى حتى أغمي عليه فحمل ومات بعد ثلاث ودفن إلى جانبها وله فيها أشعار كثيرة منها:
إذا خدرت رجلي تذكرت من لها ... فناديت لبنى باسمها ودعوت
دعوت التي لو أن نفسي تطيعني ... لفارقتها في حبها فقضيت
برت نبلها للصيد لبنى وريشت ... وريشت أخرى مثلها وبريت
فلما رمتني أقصدتني بنبلها ... وأخطأتها بالسهم حين رميت
وفارقت لبنى ضلة فكأنني ... قرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت أني مت قبل فراقها ... وهل ينفعن بعد التفرق ليت
فوطن لهلكي منك نفساً فإنني ... كأنك بي قد يا ذريح قضيت
وقال أيضاً:
عيد قيس من حب لبنى ولبنى ... داء قيس والحب صعب شديد
فإذا عادني العوائد يوماً ... قالت العين لا أرى من أريد
стр. 450
ليت لبنى تعودني ثم أقضي ... إنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس لقد تضمن منها ... داء خبل فالقلب منه عميد
وقال: وقد سأله الطبيب مذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فأنشد:
تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعدما كنا نظافا وفي المهد
فزاد كما زدنا وأصبح ناميا ... وليس إذا متنا بمنفصم العقد
ولكنه باق على كل حادث ... وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
لبانة ابنة ريطة بن علي بن عبد الله طاهر
كانت من أحسن نساء زمانها وأوفرهن عقلاً, وأعظمهن أدباً, فصيحة المنطق عذبة اللسان شاعرة وشعرها مقبول ولها علم بضروب الغناء تزوجها محمد الأمين بن هارون الرشيد فقتل ولم يبن بها فقالت ترثيه:
أبكيك لا للنعيم والإنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على سيد فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
يا فارساً بالعراء مطرحاً ... خانته قواده مع الحرس
من للحروب التي تكون بها ... إن أضمرت بارها بلا قبس
من لليتامى إذا هم سبغوا ... وكل عان وكل محتبس
أم من لبر أم من لفائدة ... أم من لذكر الإله في الغلس
ولما قتل الأمير رجعت إلى منزل والدها ولم تتمالك أن تبقى مع السيدة زينب بنت جعفر أم الأمين لأنها تشاءمت منها فخشيت على نفسها من الإهانة والاحتقار.
وبعد أن استتب الأمر إلى المأمون جعل لها إدرارات ورواتب تنفق منها ولم يتركها تذهب إلى حيث شاءت بل جعلها كأنها من حرم دار الخلافة وبقيت على ذلك إلى أن ماتت بآخر خلافته.
لطيفة الحدانية
توفي أبوها وتركها صغيرة فكفلها عمها, وكانت على أرفع ما يكون من مراتب الجمال ومحاسن الأخلاق والخصال, فربيت في بيت عمها حتى بلغت وكان لعمها ولد شاب يدعى واصفاً وكان كامل الحسن والظرف واللطف والعفة فكانت لطيفة تنظر إليه فيعجبها إلى أن تمكن حبه منها.
فمرضت وهي تكتم أمرها وكانت امرأة عمها فطنة مجربة للأمور, فامتحنتها فوجدتها تغيب عن حسها أحياناً فإذا دخل الغلام أفاقت والتمست تأكل, فأخبرت أباه فقال: يا لها نعمة.
ثم زوجه بها فأوقع الله حبها في قلبه فأقاما على أحسن حال مدة وهو يأمرها أن تكون دائماً متزينة مطيبة ويقول لها: لا أحب أن أراك إلا كذا, فلم يزالا على ذلك فضعف الشاب فمات, فوجدت به وجداً شديداً, فكانت بأنواع زينتها كما كانت وتمضي, فتمكث على قبره باكية إلى الغروب. قال الأصمعي: مررت أنا وصاحب لي بالجبانة, فرأيتها على تلك الحالة فقلنا لها: علام ذا الحزن الطويل؟ فأنشأت:
فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيان
стр. 451
وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني
فعجبا منها ثم انحزنا فجلسنا بحيث لا ترانا لننظر ما تصنع فأنشأت:
يا صاحب القبر يا من كان يؤنسني ... وكان يكثر في الدنيا موالاتي
قد زرت قبرك في حلي وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات
لزمت ما كنت تهوى أن تراه وما ... قد كنت تألفه من كل هيآت
فمن رآني رأى عبري مولهة ... مشهورة الزي تبكي بين أموات
ثم انصرفت فتبعناها حتى عرفنا مكانها, فلما جئنا إلى الرشيد قال: حدثني بأعجب ما رأيته. فأخبرته بأمر لطيفة فكتب إلى عامله على البصرة أن يمهرها عشرة آلاف درهم, ففعل ووجه بها إليه, وقد أنهكها السقم, فتوفيت بالمدائن.
قال الأصمعي: فلم يذكرها الرشيد مرة إلا ذرفت عيناه.
لويزا ماري كارولين
"لويزا" كونتة "أليني" زوجة. آخر رجل من عائلة "ستورت". ولدت في "منس" من بلجيكا سنة ١٧٥٣ م, وتوفيت في فلورنسا سنة ١٨٢٤ م. وهي ابنة البرنس "غستاقوس أدولغوس". تزوجت سنة ١٧٧٢ م "بشارل أدورد ستورت" حفيد "جمس الثاني", وكان يدعي بحق الجلوس على تخت ملك بريطانيا, ويعرف بكونت "أليني".
وكان أكبر منها بثلاثين سنة, ويقال: إنه تزوجها أملاً أن يولد له منها وارث شرعي لبيت "ستورت" الذي كان مناظرا لملك إنكلترا إلا أنهما لم يتفقا فإنها كانت جميلة فتينة, مهذبة عاقلة. وكان هو هرماً خشن الطباع سيء الخلق, فعاش في "فلورنسا" وهناك تعرفت ب" الغيارى" الشاعر فحصل لها عنده اعتبار عظيم ويقال: إنه عشقها عشقاً مفرطاً وإنها هي التي حركته إلى تأليف تراجيدياته, ولم تتهم قط بخيانة زوجها إلا أن شدة فظاظته حملتها أخيراً على تركه فالتجأت إلى دير في فلورنسا, ثم انتقلت إلى دير في روميه.
وسنة ١٧٨٣ م تمكنت من فسخ زواجها بتوسط "غستاقوس الثالث" ملك أسوج "وسعى لها "غستاقوس" _المذكور_ بمرتب عينته لها الحكومة الفرنساوية, غير أنه قطع عنها عند حدوث الثورة. ويقال: إنها بعد نحو سنتين من وفاة زوجها سنة ١٧٨٨ م تزوجت "الغيارى" سراً وكان لها في فلورنسا سطوة عظيمة جداً في المصالح السياسية ونفوذ بين أكابر رجال الدولة فكان "نابوليون" يخافها وبعد وفاة "الغيارى" _المذكور_ كانت تصرف معظم وقتها في فلورنسا ويقال: إنها جرى لها هنا مع "فرنسوا كرافيه فاقر" وهو مصور فرنسوي علائق ودادية متينة, ولما توفيت دفنت في كنيسة "سنتا كروتشا" في فلورنسا في نفس القبر الذي دفن فيه الغيارى وأقام لها "كانوقا" فوقه قبة جميلة.
ليلى الأخيلية
هي ليلى بنت عبد الله بنت الرحال بن شداد بن كعب بن معاوية, وهو الأخيل من بني عامر بن صعصعة, وهي من النساء المتقدمات في الشعر من شعراء الإسلام وكان توبة بن الحمير بن عقيل الخفاجي يهواها ويقول فيها الشعر, فخطبها إلى أبيها, فأبى أن يزوجه إياها وزوجها في بني الأدلع فجاء يوماً كما يجيء لزيارتها فإذا هي سافرة ولم ير منها إليه بشاشة فعلم أن ذلك الأمر ما كان فرجع إلى راحلته فركبها ومضى وبلغ بني الأدلع أنه أتاها فتبعوه. فقال توبة في ذلك قصيدته المشهورة هي:
стр. 452
نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطت نواها واستمر مريرها
وخفت نواها من جنوب عفيرة ... كما خف من نبل المرامي جفيرها
يقول رجال لا يضيرك نأيها ... بلى كل ما شق النفوس يضيرها
أليس يضر العين أن تكثر البكى ... ويمنع منها نومها وسرورها
لكل لقاء نلتقيه بشاشة ... وإن كان يوماً كل حول نزورها
خليلي روحا راشدين فقد أبت ... ضرية من دون الحبيب وتيرها
يقر بعيني أن أرى العيس تعتلي ... بنا نحو ليلى وهي تجري صقورها
وما لحقت حتى تقلقل عرضها ... وسامح من بعد المرام عسيرها
وأشرف بالأرض اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
فناديت ليلى والحمول كأنها ... مواقير نخل زعزعتها دبورها
فقالت أرى أن لا تفيدك صحبتي ... لهيبة أعداء تلظى صدورها
فمدت لي الأسباب حتى بلغتها ... برفقي وقد كاد ارتفاقي يغيرها
فلما دخلت الخدر أطت نسوعه ... وأطراف عيدان شديد سيورها
فأرخت لنضاخ الذفار منصة ... وذوي سيرة قد كان قدماً يسيرها
وإني ليشفيني من الشوق أن أرى ... على الشرف النائي المخوف أزورها
وأن أترك العيس الحسير بأرضها ... يطيف بها عقبانها ونسورها
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعماً ... ولا زلت في خضراء دان بريرها
وقد تذهب الحاجات يسترها الفتى ... فتخفى وتهوى النفس ما لا يضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وقصورها
أترك حياض الموت ليلى وأفنا ... عيون نقيات الحواشي تديرها
ألا يا صفي النفس كيف بقولها ... لو أن طريداً خائفاً يستجرها
تجير وإن شطت بها غربة النوى ... ستنعم ليلى أو يفادى أسيرها
وقالت أراك اليوم أسود شاحباً ... وأنى بياض الوجه حر حرورها
وغيرني أن كنت لما تغيرت ... هو أجر لا أكتنها وأسيرها
إذا كان يوم ذو سموم أسيره ... وتقصر من دون السموم ستورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقل لعقيل ما حديث عصابة ... تكنفها الأعداء ناء نصيرها
فإن لا تناهوا يركب اللهو نحوها ... وخفت برجل أو جناح يطيرها
لعلك يا قيساً ترى في مريرة ... معذب ليلى إن رآني أزورها
وأدماء من حر الهجان كأنها ... مهاة صوار غير ما مس كورها
стр. 453
من الناعبات المشي نعباً كأنما ... نياط بجذع من أراك جريرها
من العركانيات حرف كأنها ... مريرة كيد شد شداً مغيرها
قطعت بها موماة أرض مخوفة ... مخوف رداها حين يستن مورها
ترى ضعفاء القوم فيها كأنهم ... دعاميص ماء نش عنها غديرها
وقسورة الليل التي بين نصفه ... وبين العشا قد ريب منها أسيرها
أبت كثرة الأعداء أن يتجنبوا ... كلابي حتى يستشار عقورها
وما يشتكي جهلي ولكن غرتي ... تراها بأعدائي لبيثاً طرورها
أمخترمي ريب المنون ولم أزر ... جواري من همدان بيضاً نحورها
تنوء بإعجاز ثقال وأسواق ... خدال وإقدام لطاف خصورها
أظن بها خيراً وأعلم أنها ... ستنفك يوماً أو يفك أسيرها
أرى اليوم يأتي دون ليلى كأنما ... أتت حجة من دونها وشهورها
علي دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنباً غير إني أزورها
وأني إذا ما زرتها قلت يا اسلمي ... ويا بأبي قولي اسلمي ما يضيرها
قيل: وكان توبة إذا أتى ليلى الأخيلية خرجت إليه في برقع فلما شهر أمره شكوه إلى السلطان فأباحهم دمه إن أتاهم, فكمنوا له في الموضع الذي كان يلتقاها فيه, فلما علمت به خرجت سافرة حتى جلست في طريقه فلما رآها سافرة فطن لما أرادت, وعلم أنه قد رصد وأنها أسفرت لذلك تحذره, فركض فرسه, فنجا وذلك قوله: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت -البيت المتقدم ضمن القصيدة- وقيل أيضاً: إنه كان يكثر زيارتها, فعاتبه أخوها وقومها, فلم يعتب, وشكوه إلى قومه فلم يقلع. فتظلموا منه على السلطان فأهدر دمه إن أتاهم, وعلمت ليلى بذلك وجاءها زوجها -وكان غيوراً- فحلف لئن لم تعلمه بمجيئه ليقتلنها, ولئن أنذرته بذلك ليقتلنها. قالت ليلى: وكنت أعرف الوجه الذي يجيئني منه فرصدوه بموضع ورصدته بآخر, فلما أقبل لم أقدر على كلامه لليمين فسفرت وألقيت البرقع عن رأسي, فلما رأى ذلك أنكره فركب راحلته ومضى, ففاتهم.
وخرج يوماً شخص من بني كلاب, ثم من بني الصحمة يبتغي إبلاً له حتى أوحش وأرمل, ثم أمسى بأرض فنظر إلى بيت براز فأقبل حتى نزل حيث ينزل الضيف فأبصر امرأة وصبياناً يدورون بالخباء, فلم يكلمه أحد, فلما كان بعد هدأة من الليل سمع جرجرة إبل رائحة وسمع فيها صوت رجل حتى جاء بها فأناخها على البيت ثم تقدم فسمع الرجل يناجي المرأة ويقول: ما هذا السواد حذاءك. قالت: راكب أناخ بنا حين غابت الشمس ولم أكلمه.
فقال لها: كذبت ما هو إلا بعض خلانك. ونهض يضربها وهي تناشده. قال الرجل: فسمعته يقول: والله لا أترك ضربك حتى يأتي ضيفك هذا فيغيثك. فلما عيل صبرها قالت: يا صاحب البعير, يا رجل وأخذ الصحمي هراوته ثم أقبل يحضر حتى أتاها وهو يضربها فضربه ثلاث ضربات أو أربعاً, ثم أدركته المرأة فقالت: يا عبد الله ما لك, ولنا نح عنا نفسك.
فانصرف فجلس على راحلته وأدلج ليلته, كلها وقد ظن أنه قتل الرجل وهو لا يدري من الحي بعد حتى أصبح في أخبية من الناس, ورأى غنماً فيها أمة مولدة فسألها عن أشياء حتى بلغ بها الذكر فقال: أخبريني عن أناس وجدتهم بشعب كذا وكذا.
فضحكت وقالت: إنك تسألني عن شيء وأنت به عالم. فقال: وما ذاك لله بلادك فو الله ما أنا به عالم. قالت: ذاك ليلى الأخيلية وهي
стр. 454
أحسن الناس وجهاً وزوجها رجل غيور فهو يعزب بها عن الناس فلا يحل بها معهم والله ما يقربها أحد ولا يضيفها فكيف نزلت أنت بها قال: إنما مررت فنظرت إلى الخباء ولم أقربه وكتمها الأمر وتحدث الناس عن رجل نزل بها فضربها زوجها فضربه الرجل ولم يدر من هو, فلما أخبر باسم المرأة وأقر على نفسه تغنى بشعر دل فيه على نفسه فقال:
ألا يا ليلى أخت بني عقيل ... أنا الصحمي إن لم تعرفيني
دعتني دعوة فجزعت عنها ... بصكات رفعت بها يميني
فإن تك غيرة أبريك منها ... وإن تك قد جننت فذا جنوني
وكان الحجاج يقول لليلى الأخيلية: إن شبابك قد ذهب واضمحل أمرك وأمر توبة فأقسم عليك ألا صدقتني هل كانت بينكما ريبة قط؟ أو خاطبك في ذلك قط فقالت: لا والله أيها الأمير إلا أنه قال لي ليلة وقد خلونا كلمة ظننت أنه قد خضع فيها لبعض الأمر فقلت له:
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل
فلا والله ما سمعت منه ريبة بعدها حتى فرق بيننا الموت قال لها الحجاج فما كان منه بعد ذلك قالت: وجه صاحباً له إلى حضرنا. فقال: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل فاعل شرفاً ثم اهتف بهذا البيت:
عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسرى إلي خيالها
فلما فعل الرجل ذلك عرفت المعنى فقلت له:
وعنه عفا ربي وأحسن حفظه ... عزيز علينا حاجة لا ينالها
ولم يزل على ذلك حتى فرق بينهما الموت ومات توبة في بعض الغزوات قتله بنو عوف بن عقيل في خبر يطول شرحه. وكان ذلك سنة ٨٥ هجرية و٦٩٥ مسيحية, فلما بلغ خبر قتله ليلى الأخيلية رثته بمراث كثيرة منها:
نظرت وركن من دنانين دونه ... مفاوز حوضي أي نظرة ناظر
لآنس إن لم يقصر الطرف عنهم ... فلم تقصر الأخبار والطرف قاصري
فوارس أجلى شأوها عن عقيرة ... لعاقرها فيها عقيرة عاقر
فآنست خيلاً بالرقي مغيرة ... سوابقها مثل القطا المتواتر
قتيل بني عوف ويثبر دونه ... قتيل بني عوف قتيل لجابر
توارده أسيافهم فكأنما ... تصادرن عن اقطاع أبيض باتر
من الهند وانيات في كل قطعة ... دم زل عن أثر من السيف ظاهر
أتته المنايا دون زغف حصينة ... وأسمر خطى وخوصاء ضامر
على كل جرداء السراة وسابح ... لهن بشباك الحديد وزافر
عوابس تعد والثعلبية ضمراً ... وهن شواج بالشكيم السواجر
فلا يبعدنك الله توبة إنما ... لقاء المنايا دارعاً مثل حاسر
فإن لا تك القتلى بواء فإنكم ... ستلقون يوماً ورده غير صادر
стр. 455
وإن السليل إذ يباري قتيلكم ... كمرجومة من عركها غير طاهر
فإن تكن القتلى بواء فإنكم ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر
فتى لا تخطاه الرفاق ولا يرى ... لقدر عيالاً دون جار مجاور
ولا تأخذ الكوم الجلاد رماحها ... لتوبة في نحس الشتا الصنابر
إذا ما رأته قائماً بسلاحه ... اتقته الخفاف بالثقال البهازر
قرى سيفه منهن شاسا وضيفه ... سنام البهاديس البساط المشافر
وتوبة أحي من فتاة حيية ... وأجرأ من ليث يخفان خادر
ونعم فتى الدنيا وإن كان فاجراً ... وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
فتى ينهل الحاجات ثم يعلها ... فيطلعها عنه ثنايا المصادر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولكم يبن إيراد إعتاقاً لفتية ... كرام ويرحل قبلهم في الهواجر
ولم يتجل الصبح عنه وبطنه ... لطيف كطي السب ليس بحاذر
فتى كان للمولى سناء ورفعة ... وللطارق الساري قرى غير ياسر
ولم يدع يوماً للحفاظ وللعدا ... وللحرب ترمي نارها بالشرائر
وللبازل الكوماء يرغو خوارها ... وللخيل تعدو بالكماة المساعر
كأن لم تكن تقطع فلاة ولم تنخ ... قلاص لذي بأومن الأرض غابر
ويصبح بموماة كأن صريفها ... صريف خطاطيف المدى في المحافر
طوت نفعها عنا كلاب وأثرت ... بنا أجهلوها بين غلو وشاعر
وقد كان حقاً أن تقول سراتهم ... لما لأخينا عائشاً غير عاثر
ودوية قفر يحاربها القطا ... تخطيتها بالناعجات الضوامر
فتالله تبني بيتها أم عاصم ... على مثله إحدى الليالي الغوابر
فليس شهاب الحرب توبة بعدها ... بغاز ولا غاد بركب مماقر
وقد كان طلاع النجاد وبين ... اللسان ومدلاج السرى غير فاتر
وقد كان قبل الحادثات إذا انتحى ... وسائق أو مغبوطة لم يغادر
وكنت إذا مولاك خاف ظلامة ... دعاك ولم يعدل سواك بناصر
فإن يك عبد الله آسى ابن أمه ... وآب بأسلاب الكمي المغاور
فكان كذات البو تضرب عنده ... سباعاً وقد ألقيته في الحواجر
فإن تك قد فارقته لك غادرا ... وأنى لحي غدر من في المقابر
فأقسمت أبكي بعد توبة هالكاً ... وأحفل من نالت صروف المقادر
على مثل همام ولابن مطرف ... لتبكي البواكي أو لبشر بن عامر
стр. 456
غلامان كان استوردا كل سورة ... من المجد ثم استوثقا في المصادر
ربيعي حياً كانا يفيض نداهما ... على كل مغمور تراه وغامر
كأن سنا باريهما كل شتوة ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر
وقالت ترثيه أيضاً:
أيا عين بكي توبة بن الحمير ... بسح كفيض الجدول المتفجر
لتبك عليه من خفاجة نسوة ... بماء شؤن العبرة المتحدر
سمعت بهيجاً أرهقت فذكرنه ... ولا يبعث الأحزان مثل التذكر
كأن فتى الفتيان توبة لم يسر ... بنجد ولم يطلع من المتغور
ولم يرد الماء الدام إذا بدا ... سنا الصبح في بادي الحواشي منور
ولم يغلب الخصم الضحاح ويملأ ال ... جفان سديفاً يوم نكباء صرصر
ولم يعل بالجرد الجياد يقودها ... بسبرة بين الأشمسات قياصر
وصحراء موماة يحاربها القطا ... قطعت على هول الجنان بمنسر
يقودون قباً كالسراحين لاحها ... سراهم وسيراً لراكب المتهجر
فلما بدت أرض العدو سقيتها ... مجاج بقيات المزاد المقبر
ولما أهابوا بالنهاب حويتها ... بخاطي البضيع كرة غير أعسر
يمر ككر الأندري مثابر ... إذا ما ونين مهلب الشد محضر
فألوت عناق طوال وراعها ... صلاصل بيض سابغ وسنور
ألم تر أن العبد يقتل ربه ... فيظهر جد العبد من غير مظهر
قتلتم فتى لا يسقط الروع رمحه ... إذا الخيل جالت في قنا متكسر
فيا توب للهيجا ويا توب للندا ... ويا توب للمستنج المتنور
ألا رب مكروب أجبت ونائل ... بذلت ومعروف لديك ومنكر
وقالت ترثيه:
أقسمت ارثي بعد توبة هالكا ... أحفل لمن دارت عليه الدوائر
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير
وما أحد حي وإن عاش سالما ... بأخلد ممن غيبته المقابر
ومن كان مما يحدث الدهر جازعا ... بلا بد يوماً أن يرى وهو صابر
وليس لذي عيش عن الموت مقصر ... وليس على الأيام والدهر غابر
ولا الحي مما يحدث الدهر معتب ... ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر
وكل شباب أو جديد إلى بلى ... وكل امرئ يوماً إلى الله صائر
وكل قرينى ألفة لتفرق ... شتاتاً وإن ضنا وطال التعاشر
فلا يبعدنك الله حياً وميتا ... أخا الحرب إن دارت عليك الدوائر
ويروى:
стр. 457
فلا يبعدنك الله يا توب هالكا ... أخا الحرب إن دارت عليك الدوائر
فآليت لا أنفك أبكيك ما دعت ... على فنن ورقاء أو طار طائر
قتيل بني عوف فيا لهفتا له ... وما كنت إياهم عليه أحاذر
ولكنما أخشى عليه قبيلة ... لها بدروب الروم باد وحاضر
وقالت ترثيه:
كم هاتف بك من باك وباكية ... يا توب للضيف إذ تدعى وللجار
وتوب للخصم إن جاروا وإن عندوا ... وبدلوا الأمر نقصاً بعد إمرار
إن يصدروا الأمر تطلعه موارده ... أو يوردوا الأمر تحلله بإصدار
وقالت ترثيه:
هراقت بنو عوف دماً غير واحد ... له نبأ نجد به سيغور
تداعت له أفناء عوف ولم يكن ... له يوم هضب الرهدتين نصير
وقالت ترثيه:
يا عين بكي بدمع دائم السجم ... وابكي لتوبة عند الروع واليهم
على فتى من بني سعد فجعت به ... ماذا أجن به في الحفرة الرجم
من كل صافية صرف وقافية ... مثل السنان وأمر غير مقتسم
ومصدر حين يعي القوم مصدرهم ... وجفنة عند نحس الكوكب الشئم
وقالت لقابض وتعذي عبد الله أخا توبة:
دعا قابضاً والموت يخفق ظله ... وما قابض إذا لم يجب بنجيب
وآسى عبيد الله ثم ابن أمه ... ولو شاء نجى يوم ذاك حبيبي
وسأل معاوية بن أبي سفيان يوماً ليلى الأخيلية عن توبة بن الحمير فقال: ويحك يا ليلى أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين, ليس كل ما يقول الناس حقاً, والناس شجرة بغي يحسدون أهل النعم حيث كانت وعلى من كانت, ولقد كان يا أمير المؤمنين سبط البنان حديد اللسان شجا للأقران, كريم المختبر, عفيف المئزر, جميل المنظر وهو يا أمير المؤمنين كما قلت له. قال: وما قلت له؟ قالت: قلت ولم أتعد الحق وعلمي فيه:
بعيد الثرى لا يبلغ القوم قفزه ... ألد ملد يغلب الحق باطله
إذا حل ركب في ذاره وظله ... ليمنعهم مما تخاف نوازله
حماهم بنصل السيف من كل فادح ... يخافون حتى تموت خصائله
فقال لها معاوية: ويحك, يزعم الناس أنه كان عاهراً خارباً. فقالت من ساعتها ارتجالاً:
معاذ إلهي كان والله سيداً ... جواداً على العلات جماً نوافله
أغر خفاجياً يرى البخل سبة ... تحلب كفاه الندى وأنامله
عفيفاً بعيد الهم صلباً قناته ... جميلاً محياه قليلاً غوائله
وقد علم الجوع الذي بات سارياً ... على الضيف والجيران أنك قاتله
стр. 458
وأنك رحب الباع يا توب بالقرى ... إذا ما لئيم القوم ضاقت منازله
يبيت قرير العين من بات جاره ... ويضحى بخير ضيفة ومنازله
فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى, لقد جزت بتوبة قدره. فقالت: والله يا أمير المؤمنين لو رأيته وخبرته لعرفت أني مقصرة في نعته وأني لا أبلغ كنه ما هو أهله. فقال لها معاوية: من أي الرجال: كان؟ فقالت:
أتته المنايا حين تم تمامه ... وأقصر عنه كل قرن يصاوله
وكان كليث الغاب يحمي عرينه ... وترضى به أشباله وحلائله
غضوب حليم حين يطلب حلمه ... وسم زعاف لا تصاب مقاتله
فأمر لها بجائزة عظيمة وقال لها: خبريني بأجود ما قلت فيه من الشعر. قالت: يا أمير المؤمنين ما قلت فيه شيئاً إلا والذي فيه من خصال الخير أكثر منه ولقد أجدت حين قلت:
جزى الله خيراً والجزاء بكفه ... فتى من عقيل ساد غير مكلف
فتى كانت الدنيا تهون بأسرها ... عليه ولا ينفك جم التصرف
ينال الذوب بل أسدي الخلايا شبيهة ... بدرياقة من خمر بيسان قرقف
فيا توب ما في العيش خير ولا ندى ... يعد وقد أمسيت في ترب نفنف
وما نلت منك النصف حتى ارتمت بك ال ... منايا بسهم صائب الوقع أعجف
فيا ألف إلف كنت حياً مسلماً ... لا لقاك مثل القسور المتطرف
كما كنت إذ كنت المرجى من الردى ... إذا الخيل جالت بالقنا المتقصف
وكم من لهيف محجر قد أجبته ... بأبيض قطاع الضريبة مرهف
فأنقذته والموت يحرق نابه ... عليه ولم يطعن ولم يتنسف
قيل: وكان الحجاج جالساً إذ استؤذن لليلى فقال الحجاج: وأي ليلى؟ قيل: الأخيلية. قال: أدخلوها. فدخلت امرأة طويلة, دعجاء العينين, حسنة المشية, فسلمت. فرد الحجاج عليها ورحب بها وأمر الغلام فوضع لها وسادة فجلست فقال: ما أقدمك. قالت: السلام على الأمير والقضاء لحقه والتعرض لمعروفه. قال: وكيف خلفت قومك؟ قالت: تركتهم في حال خصب وأمن ودعة. أما الخصب ففي الأموال وأما الأمن فقد أمنهم الله بك, وأما الدعة فقد خامرهم من خوفك ما أصلح بينهم. ثم قالت: ألا أنشدك؟ قال: إن شئت. فقالت:
أحجاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكف الله حيث تراها
إذا هبط الحجاج أرضاً مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذ هز القناة سقاها
سقاها دماء المارقين وعلها ... إذا جمحت يوماً وخيف أذاها
إذا سمع الحجاج صوت كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها
أعد لها مصقولة فارسية ... بأيدي رجال يحسنون غذاها
أحجاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها
ولا كل حلاف تقلد بيعة ... فأعظم عهد الله ثم شراها
стр. 459
فقال الحجاج ليحيى بن منقذ لله بلادها: ما أشعرها. ثم أقبل على جلسائه فقال لهم: أتدرون من هذه. قالوا: لا والله ما رأينا امرأة أفصح ولا أبلغ منها, ولا أحسن إنشاداً. قال: هذه ليلى صاحبة توبة, ثم قال لها: أي النساء تختارين أن تنزلي عندها؟ قالت: سمهن لي. فسماهن, فاختارت هند بنت أسماء, فدخلت عليها فصبت هند حليها عليها حتى أثقلتها لاختيارها إياها ودخولها عليها دون سواها, ولما كان الصباح قال الحجاج لعبيد بن موهب -حاجبه-: مر لها بخمسمائة درهم واكسها خمسة أثواب أحدها خز, ثم قالت: أصلح الله الأمير قد أضر بنا العريف في الصدقة, وقد خربت بلادنا وانكسرت قلوبنا فأخذ خيار المال فقال الحجاج: اكتبوا إلى صاحب اليمامة بعزل العريف الذي شكته.
وقيل: إن ليلى لما دخلت على الحجاج فلما قالت: (غلام إذا هز القناة سقاها) قال لها: لا تقولي غلام وقولي همام, فأمر لها بمائتين فقالت: زدني. فقال: اجعلوها ثلثمائة. فقال بعض جلسائه: إنها غنم. قالت الأمير أكرم من ذلك, وأعظم قدراً من أن يأمر لي إلا بالإبل. قال: فاستح وأمر لها بثلثمائة بعير وإنما كان أمر لها بغنم لا إبل.
وبينما الحجاج بن يوسف جالس يوماً دخل عليه الآذن فقال: أصلح الله الأمير بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير. قال: أدخلها فلما دخلت استنسبها فانتسبت له فقال: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم وكلب البرد, وشدة الجهد, وكنت لنا بعد الله المرد. قال: فأخبريني عن الأرض. قال: الأرض مقشعرة, والفجاج مغبرة, وذو الغنى مختل, وذو الحد منفل. قال: وما سبب ذلك؟ قالت: أصابتنا سنون مجحفة مظلمة لم تدع لنا فصيلاً ولا ربعاً, ولم تبق عافطة ولا نافطة, فقد أهلكت الرجال ومزقت العيال, وأفسدت الأموال ثم أنشدته الأبيات التي ذكرناها متقدماً. وقال في الخبر, قال الحجاج: هذه التي يقال فيها:
نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدب على العصا مشهوراً
تبكي الرماح إذا فقدن أكفنا ... جزعاً وتعرفنا الرفاق بحوراً
ثم قال لها: يا ليلى, أنشدينا بعض شعرك في توبة, فأنشدته قولها: لعمرك بالموت عار على الفتى -القصيدة- فقال: الحجاج لحاجبه: اذهب فاقطع لسانه. فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها فقالت: ويلك إنما قال لك الأمير: اقطع لسانها بالصلة والعطاء, فارجع إليه واستأذنه, فرجع إليه فاستأمره فاستشاط عليه وهم بقطع لسانه, ثم أمر بها فدخلت عليه فقالت: كاد وعهد الله يقطع مقولي وأنشدته:
حجاج أنت الذي لا فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت سنان الحرب إن بهجت ... وأنت للناس في الداجي لنا نقد
ودخل عبد الملك بن مروان على زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية فرأى عندها امرأة بدوية أنكرها فقال لها: من أنت؟ قالت له: أنا الوالهة الحري ليلة الأخيلية. قال: أنت التي تقولين:
أريقت جفان ابن الخليع فأصبحت ... حياض الندى زلت بهن المراتب
فلهى وعفى بطن قودي وحوله ... كما انقض عرش البئر والورد عاصب
قالت: أنا التي أقول ذلك. قال: فما أبقيت لنا. قالت: الذي أبقاه الله لك. قال: وما ذاك؟ قالت: نسباً قرشياً وعيشاً رخياً وامرأةً مطاعةً قال: أفردته بالكرم. قالت: أفردته بما أفرده الله به.
قالت عاتكة: إنما جاءت تستعين بنا عليك في عين تسقيها وتحميها لها, ولست ليزيد إن شفعتها في شتى من حاجاتها لتقديمها أعرابياً جلفاً على أمير المؤمنين فوثبت ليلى على رجلها واندفعت تقول:
стр. 460
ستحملني ورحلي ذات رحل ... عليها بنت آباء كرام
إذا جعلت سواد الشام جيشاً ... وغلق دونها باب اللئام
فليس بعائد أبداً إليهم ... ذوو الحاجات في غلس الظلام
أعاتك لو رأيت غداة بنا ... عزاء النفس عنكم واعتزامي
إذا لعلمت واستيقنت أني ... مشيعة ولم ترعى ذمامي
أأجعل مثل توبة في نداه ... أبا الذبان فوه الدهر دامي
معاذ الله ما عسفت برحلي ... تغد السير للبلد التهامي
أقلت خليفة فسواه أحجى ... بامرته وأولى باللثام
لثام الملك حين تعد بكر ... ذوو الأخطار والخطى الحسام
فقيل لها: أي الكعبين عنيت؟ قالت: ما إخال كعباً ككعبي.
وقيل: إن ليلى الأخيلية دخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنت وعجزت فقال لها: ما أرى توبة فيك حين هويك؟ قالت: ما رآه الناس فيك حين ولوك. فضحك عبد اللمك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها. وكانت دخلت على مروان بن الحكم يوماً فقال لها: ويحك يا ليلى بالغت في نعت توبة! فقالت: أصلح الله الأمير والله ما قلت إلا حقاً, ولقد قصرت وما رأيت رجلاً قط كان أربط منه على الموت جأشاً, ولا أقل إيحاشاً يحتدم حين يرى الحرب ويحمى الوطيس بالضرب, فكان وعهد الله كما قلت:
فتى لم يزل يزداد خيراً لمذنب ... على أن علاه الشيب فوق المسائح
تراه إذا ما الموت حل بورده ... ضروباً على أقرانه بالصفائح
شجاع لدى الهيجاء بيت مشابح ... إذا انحار عن أقرانه كل سائح
فعاش حميداً لا ذميماً فعاله ... وصولاً لقرباه يرى غير كالح
فقال لها مروان: كيف يكون توبة على ما تقولين وقد كان خارباً والخارب سارق الإبل خاصة فقالت: والله ما كان خارباً, ولا للموت هائباً, ولكنه فتى له جاهلية ولو طال عمره وأنسأه لا رعوى قلبه ولقضى في حب الله نحبه وأقصر عن لهوه ولكنه كما قال عمه مسلم بن الوليد:
فلله قوم غادروا ابن حمير ... قتيلاً صريعاً للسيوف البواتر
لقد غادروا جزماً وعزماً ونائلاً ... وصبراً على اليوم العبوس القماطر
إذا هاب ورد الموت كل غضنفر ... عظيم الحوايا ليته غير حاضر
مضى قدماً حتى تلاقي بورده ... وجاد بسيب في السنين القواشر
فقال لها مروان: يا ليلى, أعوذ بالله من درك الشقاء, وسوء القضاء, وشماتة الأعداء. فو الله لقد مات توبة وإن كان لمن فتيان العرب وأشدائهم ولكنه أدركه الشقاء. فهلك على أحوال الجاهلية. وكان بينها وبين الجعدي مهاجاة وذلك أن رجلاً من قشير يقال له: ابن الحيا وهي أمه واسمه سوار بن أوفى بن سبرة هجاه وسب أخواله من أزد في أمر كان بين قشير وبين بني جعده وهم بأصبهان فأجابه النابغة بقصيدته التي يقال لها الفاضحة (سميت بذلك لأنه ذكر فيها مساوئ قشير وعقيل وكل ما كانوا يسبون به وفخر بمآثر قومه وبما كان من بطون بني عامر سوى هذين الحيين من قشير وعقيل) فقال:
следующие страницы →