Полный текст (532 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ألف ليرة إنكليزية, وكان زوجها رأس الحزب البروتستانتي في ألمانيا, ولما عرض عليه عصاة بوهيميا سنة ١٦١٩ م أن يتملك عليهم ألحت عليه بإجابتهم إلى ذلك, وقالت له: إن كنت تخشى أن تصير ملكا فلماذا تزوجت ابنة ملك؟ ثم دخلت "براغ" وجلست على تخت الملك بأبهة, غير أن مدة ملكها لم تطل لأن جنود الإمبراطورية تقدمت إلى أملاك "فرديريك" الأصلية وأغارت على بوهيميا أيضا.
وبعد موقعة "براغ" سنة ١٦٢٠ م اضطر الأمر كلا من "فردريك" وزوجته الملكة إلى الفرار فأمنهما عنه "موريس دوناسوفي هاغ" وولدت هناك أكثر أولادها, ومن جملتهم البرنس "روبرت" المشهور في تاريخ الحروب الأهلية الإنكليزية أما صغرى أولادها فصارت أميرة منتخبة ل "هانوفر" وهي جدة البيت الملكي الإنكليزي الحالي, ولدت سنة ١٦٣٠ م بعد ولادة "شارل الثاني" ابن أخيها ورجعت "أليصابات" على إنكلترا سنة ١٦٦٠ م, فأقامت نحو ستة أشهر في بيت اللورد "كرافن", وتوفيت به بعد وفاة زوجها سنة ١٦٣٨ م, وكان بينهما مودة عظيمة وقد تغزل السير "هنري وتون" بمحاسنها في بعض أشعاره.
أليصابات دو فالوا أو إيزابلا دو فالوا ملكة إسبانيا
ولدت في "فونتينيلو" في ١٣ نيسان (أفريل) سنة ١٥٤٥ م, وتوفيت في مدريد في ٣ تشرين الأول (أكتوبر) سنة ١٥٦٨ م, وهي ابنة "هنري الثاني" ملك فرنسا من زوجته "كاترينا دو مديشيط, خطبت بموجب معاهدة عقدت في "أنجلس" سنة ١٥٥١ م ل "إدورد السادس" ملك إنكلتر إلا أن "إدورد" المذكور توفي قبل قيام عقد الزواج ثم خطبت بموجب مقدمات معاهدة الصلح التي أبرمت في "كاتو كمبريسيس" للدون "كارلوس" ابن ملك إسبانيا وفي ٣ نيسان (أبريل) سنة ١٥٥٩ م قررت المعاهدة ولكن إذ كانت زوجة "فيليب الثاني" والد الدون "كارلوس" قد توفيت اتخذها له عوض ابنه. وسنة ١٥٦٠ م أقيم في "توليدو" احتفال عظيم للعرس.
ألينورا رغويانه
هي ابنة "وليم العاشر" آخر دوقات "أكونيانيا" ووارثتهو ولدت سنة ١١٢٢ م, وفي سنة ١٥ من عمرها تزوجت "لويس الثامن" ملك فرنسا فجعلت دوقية "غويانه" و"غسكونيا" و"سنتونج" و"بوانو" و"بيارن" مهرا لها إلا أن طيشها وميلها إلى الخلاعة والملاهي ساء "لويس" زوجها واشتد الختلاف بينهما في أثناء الحرب الثانية الصليبية وكانت قد صحبته فيها سنة ١١٤٧ م فاستأذن مجمع "بوجنسي" في طلاقها فسمح له بذلك فطلقها سنة ١١٥٢ م وبعد ذلك بستة أسابيع تزوجت "هنري نلانتاجنت" كونت "آنجو" و"روف بورمنديا" الذي صار بعد ذلك ملكا لإنكلترا وسمي "هنري الثاني" سنة ١١٥٤ م, فانتقلت بذلك ولايات "أكوتيانيا" إلى إنكلتر إلا أن زواجها هذا لم يكن خبرا من الأول لأن نساء البلاط الملكي حسدنها كثيرا وقتلت "روزمندا" إحداهن وألقت الرعب في قلوب أهل البيت الملكي وحركت البنين على آبائهم فمل "هنري" بأعمالها فسجنها في دير سنة ١١٧٣ م, فلم تخرج من سجنها إلا عندما جلس ابنها "رتشرد" الملقب بلقب الأسد على تخت الملك وذلك سنة ١١٨٩ م, وعهدت إليها إدارة المملكة مدة غياب "رتشرد" المذكور في الحرب الثالثة الصليبية وبعد رجوعه إلى إنكلترا بمدة وجيزة دخلت دير "فونتفرو" وبقيت فيه إلى أن ماتت سنة ١٢٠٣ م.
ألينورا روغوزمان
امرأة إسبانيولية كانت تعتبر في زمانها أجمل نساء إسبانيا, عشقها "ألفونس الحادي عشر" ملك "قسطيلة" الملقلب بالمنتقم, واستعرت في قلبه نيران الغرام, فغاب عن الهدى وافتضح فيها افتضاح العاشقين, وخلع
стр. 37
العذار, وتصامم عن كلام العاذلين, وكان يعاملها معاملة زوجة فلا يستحي في هواها ولا يخشى لوم لائم ولولا أسباب سياسة مهمة جدا لطلق زوجته البرتوغالية, واتخذها له زوجة بدلا منها, غير أن "ألينورا" لم تكن دون الملكة إلا في اللقب فقط واستمرت ٢٠ سنة مالكة قلب "ألفونس" وولد لها منه توأمان أحدهما "هنري روترتستامار" الذي جلس على تخت الملك والآخر "فرديريك" رئيس "كافليريه مار يوحنا" ولما توفي الملك سنة ١٣٥٠ م أرادات الملكة أن تنتقم من عشيقته فألقت عليها القبض في "إشبيلية" سنة ١٣٥١ م, ولم يتمكن ولداها من إنقاذها مع أنهما بذلا في ذلك السبيل ما في وسعهما فقتلت خنقا في قصر الملكة على مرأى منها ومن ولدها "بطرس" الملقب بالعاس.
ألينورا زوجة دون جوان دواكنبها
كانت بديعة الجمال وكان زوجها غنيا إلا أنه كان دونها في الشرف وأكبر منها سنا, سار بها إلى بلاط "ليسبون", ولما رآها "فردينندو الأول" أسره حسنها ودلالها وحرمه حبها لذيذ المنام, فأخذ يلاطفها ويغازلها ويؤلنسها, وطلب إليها أن تكون له عشيقة فأبت, فحمل زوجها على أن يطلقها واتخذها له زوجة بعد أن قطع ما كان بينه وبين بنت ملك "قسطيلة" من العلائق, فنشأ عن ذلك ثورة في "ليسبون", ولكنها أخمدت في الحال, وجعلت "ألينورا" ملكة سنة ١٣٧١ م.
وكانت على جانب عظيم من الكبرياء والطمع فوجهت إلى ذوي قرابتها أسمى المناصب وخشيت أن يقع بينها وبين أختها زوجة "ألانفنك دون جوان" منازعة على تخت الملك فحملت "دون جوان" المذكور على قتلها وقتلت أيضا باقي أعدائها وغمرت المتحزبين لها بالعطايا والأموال, ثم جعلت "الدون جوان أنديرو" من أعيان "قسطيلة" رئيسا للوزارة ووجهت إليه لقب كونت "أورين" وذلك لأنها كانت تحبه أكثر من زوجها وجعلها "فيردنند" قبل وفاته وكيلة للملكفأشركت حبيبها المذكور في غدارة المملكة إلا أن الوقت لم يصف لهما لأن ال "دون جوان" أراد أن ينزع الوكالة من يدها فدخل قصرها وقتل "أنديرو" في حضنها سنة ١٣٨٣ م, وتفاقم غيظ الشعب من سلوكها فخافت على نفسها وخرجت من "ليسبون" ولم تزل سائرة إلى أن وصلت إلى "شنترين" فاستطعت صهرها "فردينندو" ملك "قسطيله" وتخلت له عن الملك وكانت تؤمل أن يأخذ بثأرها من سكان "لبستون" فإنها كانت تبغضهم جدا إلا أنه هو أيضا خشي عواقب خبثها وطمعها فحبسها في دير "تورديز بلاس" قرب بلاد الوليد فتوفيت فيه سنة ١٤٠٥ م بعد أن مزق الحزن فؤادها.
أمستريس زوجة دارا ملك فارس
اشتهرت بشدة انتقامها من امرأة شقيق زوجها "أردانيت" وكان زوجها قد عشقها وكان من عادة ملوك فارس أن يمنحوا زوجاتهم في بعض الاحتفالات أي شيء طلبنه فانتهزت " امستريس" تلك الفرصة وطلبت أن تدفع إليها "أردانيت" فأجابها إلى ذلك فقطعت أنفها وأذنيها وحاجبيها ولسانها, وثدييها وطرحت شلوها للكلاب فتحرك الغيظ في قلب زوجها "ماسستس" وعزم على أن يأخذ بثأرها فلم تمهله "أمستريس" بل أنفذت إليه من قتله ولكي تؤدي للآلهة شكرها على ما أولتها من نجاح مقاصدها الفظيعة قربت لها ١٤ شابا من أشراف فارس أمرت بإحراقهم أحياء. انظر إلى هذه العظمة والكبرياء التي كانت أول خراب ملك "دارا" حتى صار كما اراناه التاريخ.
أمستريس ابنة أخي داريوس
وامرأة "ديوينسيوس" طاغية هرقلية النبطش يظن أنها أسست مدينة "أمستريس" المسماة الآن أمصترا
стр. 38
أو حسنتها. ويقال: إنها ابنة الملك "داريوس" لا ابنة أخيه كانت ذات جمال فائق وعقل رائق سلبت عقول اليونان بحسن سياستها وتدبير أعمالها حالة كونها ابنة ألد أعدائهم, وتوفيت وهم راضون عنها حتى إن بعضهم كان يعظمها مثل المعبودات.
أليصابات كارمن سيلفا ملكة رومانيا
هو الاسم الذي انتخبته لنفسها وأصل اسمها "أليصابات أوتيلي لويز رونويد" ولدت هذه الملكة في ٢٩ خلت من ديسمبر سنة ١٨٤٣ م ببلدة "موتربو" بقرب "تويد" اقترن بها في الخامس عشر من شهر نوفمبر سنة ١٨٦٩ م البرنس "شارل دي هوهترلون" الذي ألقيت إليه فيما بعد مقاليد الحكم برومانيا فقبل, وجعل هذه الإمارة من عداد الممالك المشهورة وذلك بعد حرب الترك والروس سنة ١٨٧٧ م, وقد رزقه الله في بادئ الأمر ببنت يسحر جمالها الألباب وتأخذ نباهتها وذكاؤها بالقلوب, ولكن لم يكن لها من طول الحياة نصيب حيث قصمت المنية عود شبابها, وقد سبب موتها لوالدتها من الآلام المرة ما لا يمكن الفهم وصفه ومحا من مخيلتها ما هي فيه من العز والجاه والفخار, ولها الحق في أن تقدم نفسها ضحية على مذبح الهموم والأكدار لأن ابنتها وقطعة كبدها حلت من الأدب والعلم إلى درجة قل أن يدرك شأوها من كان أكبر منها سنا من الذكور والإناث.
وكان للملكة ميل غريزي للسفر كامن فيها, فلما توفيت ابنتها برز هذا الميل وقالت من الشعر الرقيق, واللفظ الرشيق حتى إنها حازت بين قومها شهرة لم يسبقها إليها من انتهى إليه علم الشعر وكانت لها المشاركة الكلية في علم الأدب والوقوف التام على كلام الفصحاء.
وأما خصالها الحميدة وأفعالها المحمودة فحدث ولا حرج فإنها هي التي استحوذت على قلوب قومها, واستولت على عقول عشيرتها بما لها من لهجة الجانب ووداعة الأخلاق, والشفقة على المساكين من الرعايا واللطف بهم. وشاهدنا على ذلك لما كان زوجها يحارب تحت أسوار مدنية بلغتا بشجاعته المشهورة وشهامته التي لا تنكر كانت هي من جهة أخرى تواسي من أصيب بالجروح من العساكر وتسليه بالألفاظ التي لو كان به مهما كان لقام على قدم الصحة وشاركها في طريق العافية والشفاء.
ولما عمل عقد السلم وانقشعت سحب الحرب عادت إلى مقر وحدتها ومركز عزلتها وهو قصر السمائية نفسها في مخالب الحزن والهم على بنتها وتقطع حبل الوقت بمواصلة الليل بالنهار في المطالعة.
وإليها تنسب الآن نهضة أهل رومانيا في العلوم الأدبية لاسيما في الشعر منها وطالما شدت أذن الشاعر المشهور "إسكندر باشيلي" الذي هو الآن معتمد رومانيا في باريس ومدت إليه يد المساعدة في الأعمال الفكرية والمؤاثرة الشعرية, والمؤلفات المترجمة عديدة كثيرة التباين والاختلاف, فمنها ما هو نثر ومنها ما هو شعر وقد اشتهر فضلها في البلاد الفرنساوية فأخذ علماء هذه الديار في ترجمة مؤلفاتها النفيسة فقد ترجم الكاتب الشهير "لويز أولياك" كتابا لها عنوانه: "خطرات أفكار ملكة" وترجم الكاتب "سال" مؤلفاتها الشعرية والحوادثية.
وممن تصدى إلى كتابة تاريخ حياة هذه الملكة باللغة النمساوية جناب البارون "هكلرج" وقد طبع تاريخ حياتها جملة مرات, وكانت الطبعة الخامسة بمدينة "هردلبرق" سنة ١٨٨٩ م وجناب الموسيو "ميت كرمنتر" طبعه بمدينة "يرسلو" سنة ١٨٨٢ م, ومفصل ترجمة حياتها أيضا بقلم الموسيو "سرجي" طبع في باريس سنة ١٨٩٠ , ولم تشتهر ترجمة ملكة مثل ترجمة هذه الملكة .
أم السعد ابنة عصام الحميري
وتعرف بسعدونة من أهل قرطبة روت عن أبيها وجدها وغيرهما, وأنشدت لنفسها في تمثال نعل النبي ﷺ تكملة لقول غيرها هذا البيت:
стр. 39
سألثم التمثال إن لم أجد ... للثم نعل المصطفى من سبيل
وهي قولها:
لعلي أن أحظى بتقبيله ... في جنة الفردوس أسنى مقيل
في ظل طوبى ساكنا آمنا ... أسقى بأكواب من السلسبيل
وأمسح القلب به عله ... يسكن ما جاش به من غليل
فطالما استشفى بأطلال من ... يهواه أهل الحب في كل جيل
أم العلاء بنت يوسف الحجاريه
كانت شاعرة, لبيبة, أديبة, ذات حسن, وجمال, وأدب وكمال, لها قصائد طنانة وموشحات رنانة ذكرها صاحب المغرب وقال: إنها من أهل المائة الخامسة. فمن شعرها قولها:
كل ما يصدر منكم حسن ... وبعلياكم يحلى الزمن
تعطف العين على منظركم ... وبذكراكم تلذ الأذن
من يعش دونكم في عمره ... فهو في نيل الأماني يغبن
وعشقها رجل أشيب فكتبت إليه:
الشيب لا ينجع فيه الصبا ... بحيلة فاسمع إلى نصحي
فلا تكن أجهل من في الورى ... يبيت في الحب كما يضحي
ولها أيضا:
افهم مطارح أحوالي وما حكمت ... به الشواهد واعذرني ولا تلم
ولا تلكني على عذر أبينه ... شر المعاذير ما يحتاج للكلم
وكل ما جئته من زلة فبما ... أصبحت في متن من ذلك الكرم
وتوفيت في بلدها وادي الحجارة بالأندلس.
أم الكرام
هي ابنة المعتصم بن حماد ملك المرية كانت تنظم الشعر وتقول العروض, ولها الباع الطويل بالموشحات الأندلسية وقد افتخرت بها نساء العرب.
وكانت عشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية المعروف بالسمسار وعملت فيه الموشحات ومن شعرها فيه:
يا معشر الناس ألا تعجبوا ... مما جنته لوعة الحب
لولاه لم ينزل بدر الدجى ... من أفقه العلوي للترب
حسبي بمن أهواه لو أنه ... فارقني تابعه قلبي
أم الهناء ابنة القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية
سمعت عن أبيها وكانت حاضرة النادرة, سريعة التمثل من أهل العلم والفهم والعقل, ولها تأليف في القبور ولي أبوها القضاء في المرية, دخل مرة وعيناه تذرفان وجدا لمفارقة وطنه فأنشدته تمثله:
يا عين صار الدمع عندك عادة ... تبكين في فرح وفي أحزان
وهذا البيت من جملة أبيات وهي:
جاء الكتاب من الحبيب بأنه ... سيزورني فاستعبرت أجفاني
стр. 40
غلب السرور علي حتى إنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني
وبعده البيت السابق وبعد هذا البيت الآتي:
فاستقبلي بالبشر يوم لقائه ... ودعي الدموع لليلة الهجران
أم بسطام بن قيس النصراني سيد بني شيبان
كانت من نساء العرب المتقدمات في الأدب ذات شعر رائق, ومعنى فائق, فمن قولها ترثي ولدها بسطام حين قتل يوم الشقيقة قتله بنو ضبة:
لبيك ابن ذي الجدين بكر بن وائل ... فقد بان فيها زينها وجمالها
إذا ما غدا فيها غدون كأنهم ... نجوم سماء بينهن هلالها
فيا لله عينا من رأى مثله فتى ... إذا الخيل يوم الروع هب نزالها
عزيز مكر لا يهد جناحه ... وليث إذا الفتيان زلت نعالها
وحمال أثقال وعائذ محجر ... وليث إذا الفتيان زلت نعالها
سيبكيك عان لم يجد من يفكه ... وتبكيك فرسان زلت رحالها
وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم ... وأرملة ضاعت وضاع عيالها
مفرج حومات الخطوب ومدرك ال ... حروب إذا صالت وعز صيالها
فغشى بها حيا كذاك ففجعت ... تميم بها أرماحها ونبالها
فقد ظفرت منا تميم بعثرة ... وتلك لعمري عثرة لا تقالها
أصيبت به شيبان والحي يشكر ... وطير يرى أرسالها وحبالها
أم حكيم ابنة عبد المطلب الهاشمية الملقبة بالبيضاء
كانت من النساء الحكيمات العاقلات في بني هاشم جمعت مع الحكمة وفرة الأدب, ومع البلاغة فصاحة العرب كانت مع أخواتها رثت أباها في حياته كطلبه بهذه الأبيات:
ألا يا عين جودي واستهلي ... وبكى ذا الندى والمكرمات
ألا يا عين ويحك أسعديني ... بدمعك من دموع هاطلات
وبكى خير من ركب المطايا ... أباك الخير تيار الفرات
طويل الباع شيبة ذا النعالي ... كريم الخيم محمود الهبات
وصولا للقرابة هبرزيا ... وغيثا في السنين الممحلات
وليثا حين تشتجر العوالي ... تروق له عيون الناظرات
عقيل بني كنانة والمرجي ... إذا ما الدهر أقبل بالهنات
ومفزعها إذا ما هاج هيج ... بداهية خصيم المعضلات
فبكيه ولا تسمي بحزن ... وبكى ما بقيت الباكيات
أم حكيم ابنة قارظ
هي حليلة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب كانت من فصحاء نساء العرب وأحسنهن أدبا وجملا, وأثبتهن جنانا, وكانت تقول الشعر وأكثر أشعارها رثاء على ولديها وكانا صغيرين, اسم أحدهما عبد الرحمن, والآخر
стр. 41
قثم. فلما فاز معاوية بعد تحكيم الحكمين بعث بالضحاك بن قيس, وبسر بن أرطأة بجيش وأمرهما أن يقتلا كل من كان من شيعة على بن أبي طالب حتى الأطفال والحرم فذهب بسر إلى اليمن وكان عبيد الله بن العباس عاملا هناك فلما لم يجده أغار على بيته فعثر بولديه المذكورين فذبحهما بشفرة كانت معه فجزعت أمهما عليهما جزعا شديدا, وخالط عقلها تطوف الأحياء وتقصد المنتديات في المواسم وحيثما رأت مجتمعا رفعت صوتا يقطعه البكاء وتنشد مراثي يرق لها الجلمود ومن مراثيها قولها:
يا من أحس بابني اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف
يا من أحس بابني اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف
يا من أحس بابني اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مختطف
نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الإفك يقترف
حتى لقيت رجالا من أرومته ... شم الأنوف لهم في قولهم شرف
فالآن ألعن بسرا حق لعنته ... هذا لعمر أبي بسر هو السرف
من دل والهة حرى مولهة ... على حبيبين ضلا إذ غدا السلف
فكان كل من يسمعها تنفجر منابع عينيه حزنا عليها وتنفطر صفاة قلبه رثوا إليها فسمعها يوما يماني ذو نفس أبية ونخوة جاهلية, فذهب إلى بسر وتلطف بالتزلف إليه حتى وثق به فخرج يوما بولديه إلى وادي أوطاس وقتلهما ثم فر وأنشد:
يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعت ... شمس النهار ولا غابت عن الناس
خير من الهاشميين اللذين هما ... عين الهدى وصمام إلا سوق القاسي
ماذا أردت إلى طفلي مولهة ... تبكي وتنشد من أثكلت في الناس
أما قتلتهما ظلما فقد شرفت ... من صاحبيك قناتي يوم أوطاس
فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربت ... أم الصبيين أو ذاق ابن عباس
ومن قولها أيضا:
ألا يا من سبى الأخوي ... ن أمهما هي الثكلى
تسائل من رأى ابنيها ... وتستسقي فما تسقى
فلما استيأست رجعت ... بعبرة واله حرى
تتابع بين ولولة ... وبين مدامع تترى
وقيل: إنه لما بلغ علي بن أبي طالب قتل "بسر" الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا ودعا على "بسر" بقوله: اللهم اسلبه دينه ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلب عقله. فأصابه ذلك, وفقد عقله وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب, ويجعل بين يديه زق منفوخ, فلا يزال يضربه حتى يسأم.
وقيل: دخل عبيد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان وعنده بسر بن أرطأة فقال له عبيد الله: أنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟ قال: نعم, أنا قاتلهما. فقال عبيد الله: لوددت أن الأرض كانت أثبتتني عنك.
قال: فقد أثبتتك الآن عندي فقاما فقال عبيد الله: ألا سيف. فقال له "بسر": هاك سيقي فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال ل "بسر" أخزاك الله شيخا, قد كبرت وذهب عقلك وذاك رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه تدفع إليه سيفك إنك لغافل عن قلوب بني هاشم والله لو تمكن منه لبدأ بي قبلك. قال عبيد الله: أجل والله, وكنت أثني به.
стр. 42
أم خالد النميرية
كانت من نساء العرب المشهورات بالعقل والذكاء والتدبير في قبيلتها بني نمير وهي مشهورة بأم خالد وشهرتها غلبت اسمها, ولذلك لم تأت الرواة عليه ولها أبيات في ولدها خالد وكان توفي في بعض الغزوات ودفن في الغربة وهي:
إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضه ... أتتنا برايات نصاب هبوبها
أتتنا بمسك خالط المسك عنبر ... وريح خزامى باكرتها جنوبها
أحن لذكراه إذا ما ذكرته ... وتنهل عبرات تفيض غروبها
حنين أسير نازح شد قيده ... وأعوال نفس غاب عنها حبيبها
وقالت وهو يروى لأم الضحاك المحاربة:
وكيف يساوي خالدا أو يناله ... خميص في التقوى بطين من الخمر
أم الخير ابنة الحريش بن سراقة البارقية
كانت من المتكلمات الخطيبات البليغات من نساء العرب وفدت على معاوية كما قال عبد الله بن عمر الغساني عن الشعبي أن معاوية كتب إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير ابنة الحريش ورحلها وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرا, وبالشر شرا بقولها فيه, فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه فقالت: وأما أنا فغير زائغة عن طاعته, ولا معتلة بكذب. ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بالخير خيرا, وبالشر شرا فما عندك؟ قالت: يا هذا, لا يطعمك برك بي أن أسرك بباطل ولا يؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية, فأنزلها مع الحرم.
ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته, قال لها: وعليك السلام يا أم الخير بحق ما دعوتني بهذا الاسم. قالت: يا أمير المؤمنين, لكل أجل كتاب. قال: صدقت, فكيف حالك يا خالة وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى سرت إليك فأنا في مجلس أنيق عند ملك رفيق, قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم. قالت: يا أمير المؤمنين, يعيذك الله من دحض المقال وما تخشى عاقبته. قال: ليس هذا أردنا, أخبريني كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن زورته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فإن أحببت أن أحدثك مقالا غير ذلك فعلت, فالتفت إلى جلسائه فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين. قال: هات. قال: كأني بها بين بردين زائرين كثيفي النسيج وهي على جمل أرمك, وبيدها سوط منتشر الضفيرة, وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: "يا أيها الناس, اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة في عمياء مدلهمة, فأين تريدون رحمكم الله إفرارا عن أمير المؤمنين أم فرارا من الزحف, أم رغبة عن الإسلام, لأم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله جل شأنه يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين ونبلوا أخباركم) (محمد: ٣١) .
ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرغبة وبيدك يا رب أزمة القلوب فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى وألف القلوب على الهدى واردد الحق إلى أهله هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل والرضي التقي, والصديق الأكبر إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية وسببها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس, ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان
стр. 43
لهم لعلهم ينتهون صبرا, يا معاشر المهاجرين والأنصار قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة لا تدري أيا يسلك بها من فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا, واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل ليصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة ولات حين مناص إن من ضل والله عن الحق وقع في الباطل, ألا إن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها واستطابوا الآخرة فسعوا لها, فالله الله أيها الناس قبل أن تبطل الحقوق, وتعطل الحدود, وتقوى كلمة الشيطان فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله ﷺ وصهره وأبي سبطيه خلق من طينته وترفع من نبعته وجعله باب دينه, وأبان ببغضه المنافقين, وها هو ذا مفلق الهام ومكسر الأصنام صلى والناس مشركون, وأطاع والناس كارهون فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزيه وأفنى أهل أحد وهزم الأحزاب وقتل الله به أهل خبير وفرق به جمع أهوائهم فيا لها من وقائع زرعت في القلوب نفاقا, وردة, وشقاقا, وزادت المؤمنين إيمانا. قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله.
فقال معاوية: يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي, ولو قتلتك ما حرجت في ذلك. قالت: والله ما يسوءني أن يجري قتلي على يد من يسعدني الله بشقائه. قال: هيهات, يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان ﵀؟ قالت: وما عساني أن أقول في عثمان, استخلفه الناس وهم به راضون, وقتلوه وهم له كارهون. قال معاوية: يا أم الخير, هذا ثناؤك الذي تثنين؟ قالت: لكن والله يشهد وكفى بالله شهيدا ما أردت بعثمان نقصا, ولكن كان سابقا إلى الخير وإنه لرفيع الدرجة غدا. قال: وما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة وأنا أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشا تحدثت أنك أحلمها أن تعافيني من هذه المسائل وتسألني عما شئت من غيرها قال: نعم ونعمة عين قد عفيتك منها.
ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردها مكرمة إلى الكوفة وبقيت في عز إلى أن توفاها الله.
أم سلمة زوجة السفاح
هي ابنة يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكانت ذات أدب وجمال ومال تزوج بها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فهلك عنها, ثم كانت عند هاشم فهلك عنها, وسبب زواجها بالسفاح هو أنها بينما كانت ذات يوم جالسة في منزلها إذ مر بها أبو العباس السفاح وكان جميلا وسيما فسألت عنه, فنسب لها, فأرسلت له مولاة لها تعرض عليه أن يتزوجها. وقالت لها: قولي له هذه سبعمائة دينار أوجه بها إليك وكان معها مال عظيم وجوهر وحشم فأتته المولاة فعرضت عليه ذلك فقال: أنا مملق لا مال عندي, فدفعت إليه المال فأنعم لها وأقبل إلى أخيها فسأله التزويج بها فزوجه إياها فأصدقها خمسمائة دينار وأهدى لها مائة دينار ودخل عليها من ليلته وإذا هي على منصة فصعد عليها فإذا كل عضو منها مكلل بالجوهر فلم يصل إليها فدفعت بعض الجواري فنزلت وغيرت لبسها ولبست ثيابا مصيفة وفرشت له فرشا على الأرض دون ذلك فلم يصل إليها فقالت: لا يغرك هذا كذلك كان غيرك يصيبه مثل ما أصابك فلم تزل به حتى وصل إليها من ليلته, وحظيت عنده وحلف أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فولدت له محمد وريطة, وغلبت على أمره غلبة شديدة حتى إنه كان لا يقطع أمرا إلا بمشورتها حتى آلت الخلافة إليه فلم يكن يدنو من غيرها لا حرة ولا أمة, ووفى لها بما حلف أن يغيرها فبينما كان ذات يوم في خلافته إذ خلا به خالد بن صفوان فقال: "يا أمير المؤمنين, إني فكرت في أمرك وسعة ملكك وقد ملكت نفسك امرأة واحدة فإن مرضت مرضت, وإن غابت غبت, وحرمت نفسك التلذذ واستطراف الجواري ومعرفة أخبارهن وحالاتهن والتمتع بما تشتهي
стр. 44
منهن فإن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء, والغضة البيضاء, والعقيقة الأدماء, والدقيقة السمراء, والبربرية العجزاء, من مولدات المدينة تفتتن بمحادثتهن وتلذ بخلوتهن, وأين أمير المؤمنين من بنات الأحرار والنظر إلى ما عندهن وحسن الحديث منهن, ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء, والسمراء اللعساء, والصفراء العجزاء, والمولدات من البصريات, والكوفيات ذات الألسن العذبة, والقدود المهفهفة والأوساط المخصرة, والأصداغ المظرفنة, والعيون المكحلة, والثدي المحققة, وحسن زيهن وزينتهن وشكلهن لرأيت شيئا حسنا".
وجعل خالد يجيد في الوصف ويجد في الإطناب بحلاوة لفظه, وجودة وصفه, فلما فرغ كلامه قال له أبو العباس: ويحك يا خالد ما حك مسامعي والله قط كلام أحسن مما سمعته منك فأعد علي كلامك فقد وقع مني.
فإعاد عليه خالد أحسن من الأول ثم انصرف وبقي أبو العباس مفكرا فيما سمع منه, فدخلت عليه أم سلمة امرأته, فلما رأته مفكرا مغموما قالت: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين فهل حدث أمر تكرهه أو أتاك خبر فارتعت منه؟ قال: لم يكن من ذلك شيء قالت: فما قصتك أخبرني عنها؟ فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال لها: سبحان الله ينصحني وتشتميه؟ فخرجت من عنده مغضبة وأرسلت إلى خالد عشرة من الخدم ومعهم العصي وأمرتهم أن لا يتركوا منه عضوا صحيحا. قال خالد: فانصرفت إلى منزلي وأنا في غاية السرور بما رأيت من أمير المؤمنين وإعجابه بما ألقيت إليه ولم أشك أن صلته ستأتيني فلم ألبث حتى صار أولئك الخدم وأنا قاعد على باب داري, فلما رأيتهم قد أقبلوا نحوي أيقنت بالجائزة واصلة حتى وقفوا علي فسألوا عني فقلت: ها أنا ذا خالد فبادر إلي أحدهم بهراوة كانت معه.
فلما أهوى بها إلي وثبت فدخلت منزلي وأغلقت الباب علي واستترت ومكثت أياما على تلك الحال لا أخرج من منزلي ووقع في خلدي أني أوتيت من قبل أم سلمة وطلبني أبو العباس طلبا شديدا فلم أشعر ذات يوم إلا بقوم قد هجموا علي وقالوا: أجب أمير المؤمنين, فأيقنت بالموت فركبت وليس علي لحم ولا دم, فلما وصلت إليه أومأ إلي بالجلوس ونظرت فإذا خلف ظهري باب عليه ستور قد أرخيت, وحركة خلفها فقال: يا خالد لم أرك منذ ثلاث! قلت: كنت عليلا يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك وصفت لي في آخر دخلة من أمر النساء والجواري ما لم يخرق سمعي قط كلام أحسن منه فأعده علي.
قلت: نعم يا أمير المؤمنين, أعلمتك أن العرب اشتقت اسم الضرة من الضر, وأن أحدهم ما تزوج من النساء أكثر من واحدة إلا كان في جهد فقال: ويحك لم يكن هذا في الحديث قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث من النساء كأنهن في قدر يغلي عليهن. قال أبو العباس برئت من قرابتي من رسول الله ﷺ إن كنت سمعت منك هذا في حديثك الأول. قال: وأخبرتك أن الأربعة من النساء شر صريح لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه ويسقمنه قال: ويلك, والله ما سمعت هذا الكلام منك ولا من غيرك قبل هذا الوقت! قال خالد: بلى والله. قال: ويلك أتكذبني؟ قال: أو تريد أن تقتلني؟ قال: مر في حديثك. قال: وأخبرتك أن أبكار الجواري رجال, ولكن لا خصي لهن قال خالد فسمعت الضحك من وراء الستر قلت: نعم وأخبرتك أيضا أن بني مخزوم ريحانة قريش وأنت عندك ريحانة من الرياحين وأنت تطمح بعينك إلى حرائر النساء وغيرهن من الإماء قال خالد فقيل لي من وراء الستر: صدقت, والله يا عماه بهذا حدثت أمير المؤمنين, ولكنه بدل وغير ونطق بما في ضميره عن لسانك فقال له أبو العباس: ما لك قا تلك الله وأخزاك وفعل بك وفعل. قال: فتركته وخرجت وهو يشتم وقد أيقنت بالحياة فلما وصلت منزلي أخذت راحتي وصرت أفكر فيما حصل فما أشعر إلا ورسل أم سلمة قد صاروا إلي ومعهم عشرة آلاف درهم وتخت وبرذون وغلام فأخذتها وانصرفوا وبقيت أم سلمة عند السفاح إلى أن توفاه الله وهي مالكة قلبه.
стр. 45
أم سنان ابنة جشمة
كانت من شاعرات العرب الموصوفات بالأدب اللائي لهن اليد الطولى بالنظم والنثر مع رقة المعنى ودقة المبنى والحماسة الزائدة التي تقصر عنها حماسة الرجال وناهيك ما قالته في مدح آل البيت وتحريض آل مذحج على نصرتهم, وقد وفدت على معاوية كما قال سعيد بن أبي حذافة قال: إن مروان بن الحكم وهو والي المدينة حبس غلاما ليس في جناية جناها فأتته جدة الغلام وهي أم سنان ابنة جمشة المذحجية فكلمته في الغلام فأغلظ لها مروان فخرجت إلى معاوية, فدخلت عليه, فانتسبت فعرفها فقال لها: مرحبا يا ابنة جشمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتمينا وتحضين علينا عدونا؟ قال: إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأحلاما وافرة لا يجهلون بعد علم, ولا يسفهون بعد حلم, ولا ينتقمون بعد عفو, وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤنا لأنت قال: صدقت نحن فكيف قولك:
عذب الرقاد فمقلتي لا ترقد ... والليل يصدر بالهموم ويورد
يا آل مذحج لا مقام فشمروا ... إن العدو لآل أحمد يقصد
هذا علي كالهلال تحفه ... وسط السماء من الكواكب أسعد
خير الخلائق وابن عم محمد ... إن يهدكم بالنور منه تهتدوا
مازال مذ شهر الحروب بمظفر ... والنظر فوق لوائه ما يفقد
قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين, وأرجو أن تكون لنا خلفا, فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة:
أما هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحق تعرف هاديا مهديا
فذهب عليك سلام ربك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفا كما ... أوصى إليك بنا فكنت وصيا
قالت: يا أمير المؤمنين, لسان صدق وقول حق ولئن تحقق ما ظننا فحظك الأوفر والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فأضحد مقالتهم وأبعد منزلتهم إنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا.
قال: وإنك تقولين ذلك قالت: سبحان الله والله ما مثلك مدح بباطل ولا أعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله علي أحب إلينا منك, وأنت أحب إلينا من غيرك.
قال: فمن قالت من مروان بن الحكم وسعيد بن العاص. قال: وبما استحققت ذلك عندك؟ قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك. قال: إنهما يطعمان في ذلك. قالت: هما والله من الرأي على غير ما كنت عليه لعثمان بن عفان ﵀. قال: والله لقد قاربت ما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إن إثارات المسلمين, ويكشف عورات المؤمنين حبس ابن ابني فأتيته. فقال: كنت وكنت, فأسمعته أخشن من الحجر, وألقمته أمر من الصبر, ثم رجعت إلى نفسي بالملامة, وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرا وعليه معديا.
قال: صدقت لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته اكتبوا بإطلاقه قالت: يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفد زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة وخمسة آلاف درهم وانصرفت إلى قومها.
أم عقبة زوجة غسان بن جهضم
كانت ابنة عمه وكان مفتونا بها لأنها كانت من أجمل النساء وأحسنهن وأفضلهن خصالا وكان لما حضرته
стр. 46
الوفاة جعل ينظر إليها ويبكي, ثم قال لها: إني منشدك أبيات أسألك فيها عما تصنعين بعدي وأعزم عليك أن تصدقيني فقالت: قل فو الله لا أكذبك. فأنشد:
أخبري بالذي تريدين بعدي ... ما الذي تضمرين يا أم عقبه
تحفظين من بعد موتي لما قد ... كان مني من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومال ... وأنا في الترب رهن سجن وغربه
فأجابته:
قد سمعنا الذي تقول وما قد ... خفته يا خليل من أم عقبه
سوف أبكيك ما حييت شجوا ... ومراث أقولها وبندبه
فقال:
أنا والله واثق بك لكن ... ربما خفت منك غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عو ... شر فارعي حقي بحسن وفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العه ... د فكوني إن مت عند رجائي
فلما مات توافد عليها الخطاب فقالت:
سأحفظ غسانا على بعد داره ... وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفي شغل عن الناس كلهم ... فكفوا فما مثلي من الناس يغدر
سأبكي عليه ما حييت بعبرة ... تجري على الخدين مني فتكثر
فلما طالت الأيام وكثر إلحاح الناس أجابت الخاطب فلما كانت الليلة التي زفت فيها جاءها غسان في النوم فأنشد:
غدرت ولم ترعى لبعلك حرمة ... ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا
ولم تصبيري حولا حفاظا لصاحب ... حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه ... كذلك ينسى كل من سكن اللحدا
فانتبهت مرعوبة كأنما كان معها فقالت النساء لها: ما دهاك؟ قالت: ما ترك غسان لي في الحياة أربا ولا في السرور رغبة أتاني في المنام فأنشدني هذه الأبيات, ثم جعلت ترددها وتبكي فشاغلنها بالحديث فلما غفلن عنها أخذت شفرة فذبحت نفسها ووفت لزوجها.
أم عمران ابنة وقدان
كانت من النساء المتحمسات في الجاهلية وكلامها يغلب عليها الهيجان بين العرب, قيل: إنها حينما قتل بعض رجال قومها قالت تحرضهم على أخذ ثأره وتوبخهم على تغافلهم عنه:
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم ... فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا ... نقب النساء فبئس رهط المرهق
ألهاكم أن تطلبوا بأخيكم ... أكل الخزير ولعق أجرد أمحق
أم قيس الضبية
لها في ابن سعد زوجها مراث روى منها صاحب الحماسة قولها:
من للخصوم إذا الضجاج بهم ... بعد ابن سعد ومن للضمر القودومشهد قد كفيت الغائبين به
في مجمع من نواصي الناس مشهود
стр. 47
فرجته بلسان غير ملتبس ... عند الحفاظ وقلب غير مذؤد
إذا قناة امرئ أزرى بها خور ... هز ابن سعد قناة صلبة العود
أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب
أمها فاطمة ابنة رسول الله ﷺ ولدت قبل وفاة النبي خطبها عمر بن الخطاب إلى أبيها علي فقال: إنها صغيرة. فقال عمر: زوجنيها يا أبا الحسن فإني أرصد من كرامتها ما لم يرصده أحد. فقال له: علي أنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوجتكها فبعثها إليه ببرده فقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك عليه. فقالت: ذلك لعمر. فقال لها: قولي له: قد رضيت رضي الله عنك ووضع يده عليها. فقالت له: أتفعل هذا؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك, ثم جاءت أباها فأخبرته وقالت له: بعثتني إلى شيخ سوء. قال: يا بنية, إنه زوجك فجاء عمر فجلس إلى المهاجرين في الروضة وكان يجلس فيها المهاجرون الأولون. فقال: ارفئوني فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كل سبب ونسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري" وكان لي به ﷺ النسب والسبب فأردت أن أجمع غليه الصهر فرفأوه, فتزوجها على مهر أربعين ألفا فولدت له زيدا ورقية, وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في وقت واحد وكان زيد قد أصيب في حرب كانت بين بني عدي خرج ليصلح بينهم فضربه رجل منهم في الظلمة فشجه وصرعه, فعاش أياما ثم مات هو وأمه وصلى عليهما عبد الله بن عمر وقدمه الحسن بن علي وذلك بعد وفاة عمر بن الخطاب, ولما قتل عنها عمر تزوجها عون بن جعفر.
وقيل لما تأيمت أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب دخل عليها الحسن والحسين أخواها فقالا لها: إنك ممن قد عرفت سيدة نساء المسلمين وبنت سيدتهن وإنك والله إن أمكنت عليا من رمتك لنكحك بعض أيتامه, ولئن أردت أن تصيبي بنفسك مالا عظيما لا تصيبينه فو الله ما لبثا حتى طلع علي يتكئ على عصا فجلس فحمد الله وأثنى عليه وذكر منزلتهم من رسول الله ﷺ وقال: قد عرفتم عندي يا بني فاطمة, وآثرتكم على سائر ولدي لمكانكم من رسول الله ﷺ وقرابتكم منه. قالوا: صدقت رحمك الله فجزاك عنا خيرا. فقال: أي بنية, إن الله قد جعل أمرك بيدك, وأنا أحب أن تجعليه بيدي. فقالت: أي أبت إني امرأة أرغب فيما يرغب فيه النساء وأحب أن أصيب مما تصيب النساء من الدنيا, وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي. فقال لها: لا يا بنية ما هذا من رأيك وما هو إلا رأي هذين قام فقال: والله لا أكلم رجلا منهما أو تفعلين, فأخذا بثيابه فقالا: اجلس يا أبانا فو الله ما على هجرتك من صبر.
فقالا لها اجعلي أمرك بيده. فقالت: قد فعلت. قال: فإني قد زوجتك من عون بن جعفر وإنه لغلام. وبعث لها بأربعة آلاف درهم وأدخلها عليه وبقيت معه حتى ما عنها قتيلا في وقعة كربلاء وهي مع أخيها الحسين ورجعت مع السبايا من العراق إلى الشام ثم إلى المدينة وذلك في قصة مشهورة وتوفيت في المدينة.
أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط
أسلمت وهاجرت وبايعت الرسول ﷺ وكانت هجرتها سنة ٧ هجرية وتزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم مؤتة, ثم تزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب وطلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولد إبراهيم وأحمد وغيرهما. ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فماتت عنده وكانت أول مهاجرة من مكة إلى المدينة.
قيل: مشت على قدميها من مكة إلى المدينة ولما عزمت على المهاجرة أتى أخواها عمارة والوليد يطلبانها فنزلت الآية: (فإن علمتموهن مؤمنت فلا ترجهوهن إلى الكفار) (الممتحنة: ١٠) وكانت أم كلثوم أخت عثمان
стр. 48
ابن عفان لأمه وقد نزلت فيها (يأيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنت مهجرت فامتحنوهن الله أعلم بإيمنهن) (الممتحنة: ١٠) إلى آخرها.
أم كلثوم ابنة عبدود
كانت أحسن نساء زمانها جمالا, وأوفرهن عقلا وكمالا. ذات أدب وفصاحة, وكياسة, وملاحة. ولها باع طويل في الشعر. ولما قتل أخوها يوم الخندق وكان قد خرج في نفر من القرشيين إلى المسلمين وقال لهم: من يبارز فبرز له علي بن أبي طالب له: يا عمرو إنك آليت على نفسك أنه لا يدعوك أحد إلى ثلاث إلا أجبته وإني أدعوك إلى الإسلام. فقال: لا حاجة لي بذلك.
فقال: أدعوك إلى الانصراف فإن كان محمد صادقا تقربت عنده بذلك, وإن كان كاذبا فما عليك من كذبه شيء ويقع بيد غيرك. فقال: كيف تقول عني نساء قريش إن تركت النزال ورجعت. فقال له: إني أدعوك إلى النزال. فقال: هذه. ما كنت أظن أحدا من العرب يتجاسر أن يدعوني إليها, ولكن يا بن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك. فقال له علي: لكنني أحب أن أقتلك فحمى عمرو عند ذلك واقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه, ثم أقبل على علي فتنازلا وتجولا فقتله علي ٥ للهجرة أو ٦٢٧ للميلاد وذلك في خبر طويل.
ولما نعي عمرو إلى أخته أم كلثوم سألت من قاتله فقيل لها علي بن أبي طالب فقالت لم يأت يومه على يد كفء كريم وأنشدت:
أسدان في ضيق المكر تجاولا ... وكلاهما كفؤ كريم باسل
فتخالسا سلب النفوس كلاهما ... وسط المجال مجالد ومقاتل
وكلاهما حسر القناع حفيظه ... لم يثنيه عن ذاك شغل شاغل
فاذهب علي فما ظفرت بمثله ... قول سديد ليس فيه تحامل
وأنشدت أيضا:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكن قاتله من لا يعاب به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة ... إلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلا أن يكون لهم ... مكارم الدين والدنيا بلا لدد
يا أم كلثوم ابكيه ولا تدعي ... بكاء معولة حرى على ولد
ولما بلغت أبياتها إلى النبي ﷺ علم وفور عقلها وأنها مائلة إلى الإسلام فدعاها إلى ذلك فلبت طلبه وكان ذلك يوم فتح مكة وبقيت إلى أن توفيت في حياته.
أم موسى الهاشمية
هي امرأة أديبة عاقلة حكيمة ذات مكر ودهاء وفطنة قد جعلها المقتدر كهرمانة داره سنة ٢٩٨ هجرية فكانت تؤدي الرسائل من المقتدر وأمه إلى الوزير, وكان لها كلمة نافذة وهي التي تسببت في عزل علي بن عيسى عن وزارة المقتدر سنة ٣٠٤ هجرية, وذلك أنها أرادت الدخول عليه لتتفق معه على ما يحتاج حرم الدار والحاشية من الكسوات والنفقات, فوصلت إليه وهو نائم فقال لها صاحبه: إنه نائم فلا أحد يوقظه فاجلسي في الدار ساعة حتى يستيقظ فغضبت من هذا وعادت, فاستيقظ علي بن عيسى في الحال وأرسل إليها حاجبه وولده يعتذر لها فلم تقبل ودخلت على المقتدر وتحرشت على الوزير عنده وعند أمه, فعزله وأعيد
стр. 49
أبو الحسن علي بن الفرات ثم عزلها المقتدر سنة ٣١٠ هـ, وذلك لأنها زوجت ابنة أختها من أبي العباس أحمد بن محمد بن إسحاق بن المتوكل وأكثرت من النثار والدعوات وخسرت أموالا جليلة فسعى بها أعداؤها إلى المقتدر وقالوا: إنها قد سعت لأبي العباس في الخلافة وحلفت له القواد وكثر القول عليها فقبض عليها المقتدر وأخذ منها أموالا جسيمة وجواهر نفيسة.
أم ندبة زوجة بدر بن حذيفة
كانت عقيلة قومها كريمة بيتها مسموعة كلمتها وكان ولدها ندبة يكنى أبا قرافة قد قتله قيس بن زهير العبسي في حرب داحس والغبراء فقالت ترثيه وتلوم زوجها بقبول الدية:
حذيفة لا سلمت من الأعادي ... ولا وقيت شر النائبات
أيقتل ندبة قيس وترضى ... بأنعام ونوق سارحات
أما تخشى إذا قال الأعادي ... حذيفة قلبه قلب البنات
فخد ثأرا بأطراف العوالي ... أو البيض الحداد المرهفات
وإلا خلني أبكي نهاري ... وليلي بالدموع الجاريات
لعل منيتي تأتي سريعا ... وترميني سهام الحادثات
أحب إلي من بعل جبان ... تكون حياته أردى الحياة
فيا أسفي على المقتول ظلما ... وقد أمسى قتيلا في الفلاة
ترى طير الأراك ينوح مثلي ... على أعلى الغصون المائلات
وهل تجد الحمائم مثل وجدي ... إذا رميت بسهم من شتات
فيا يوم الرهان فجعت فيه ... بشخص جاز عن حد الصفات
ولا زال الصباح عليك ليلا ... ووجه البدر مسود الجهات
ويا خيل السباق سقيت سما ... مذابا في المياه الجاريات
ولا زالت ظهورك مثقلات ... بصمان الجبال الراسيات
لأن سباقكم ألقى علينا ... هموما لا تزال إلى الممات
أمالتونسا ابنة ثيودوريك
وأمها "اوديفليد" أخت "كلوفيس" ملك فرنسا, وكانت "امالتونسا" بيدها أزمة أحكام البلاد الإيطالية, وذلك لأنه لم يكن "لثيودوريك" ابن يرث ملكه من بعده, فزوج ابنته هذه بفتى, سليل أحد أعضاء العائلة الملكية, الذي فر هاربا إلى إسبانيا فرقاه الملك الفوثي إلى رتبة قنصلية وأمير, ولكن ذلك الفتى لم يتمتع زمانا طويلا بلذة ارتقائه واقترانه ب "أمالتونسا", بل مات مخلفا طفلا يدعى "أثالاريك" فتولت زوجته بعد وفاته وموت أبيها أحكام البلاد بالنيابة عن ابنها القاصر, واشتهرت هذه بجمالها البديع وحسنها الباهر وذكائها العظيم, وسعة معارفها, وكثرة عوارفها, وكان لها القدم الأولى في المباحث العلمية والفلسفية.
قيل: إنها درست اللغة اليونانية, واللاتينية, والفوثية, وتضلعت منها حتى أصبحت قادرة أن تتكلم بكل منها بفصاحة ورشاقة ولا ريب أنها كانت حسنة المبادئ كريمة النفس لأنها عاملت الرومانيين سكان روميا وإيطاليا الأصليين معاملة رعاياها وأشفقت عليهم خلافا للفوثيين الذين لم يزالوا يعتبرونهم أعداء وعبيدا.
وكان ابنها "أثالاريك" خملا يبغض العلوم والمعارف, ويتأوه من الدرس ومشقاته وإجهاد العقل في سبيل
стр. 50
التحصيل وينفر من والدته لإكراهها إياه على المواظبة والاجتهاد فحدث ذات يوم أن الفوثيين كانوا مجتمعين في قصر "رافنا" ففر هذا الأمير الفتى من غرفة أمه, وانتصب بين الجميع وهو يذرف عبرات الغضب والكبرياء وشكا إلى الحاضرين قساوة أمه وضربها إياه بسبب عصيانه وعناده فأثر هذا الكلام بأولئك المتوحشين وتوهموا أن الملكة راغبة في إهلاك ابنها واختلاس سرير ملكه وطلبوا خلاص الفتى وتربيته كأجداده ورجال أمته في ميادين القتال والعراك لينشأ بطلا, وقدروا بفظاظتهم وإلحاحهم أن يحرموا الغلام وسائل التمدن والتهذيب فتركوه وشأنه يقضي أوقاته في السكر والملاهي وارتكاب الفواحش ولما رأت الملكة عصيان ابنها وزيغه وإحاطة الأعداء بها من كل جانب خابرت "بوستنيان" بقصد السكن في بلاده, وأرسلت إلى مدينة "دار خيوم" في إقليم "أبيروس" ٤٠ ألف دينار غير أن حب التسلط على الناس كان متسلطا على فؤادها فأعارت صبوة الطمع أذنا صاغية وقلبا واعيا, وحينما أومعت على مبارحة إيطاليا نجحت بدسائسها وقدرت أن تهلك بعضا من كبار الرؤساء الثائرين عليها, وتمكنت بموت هؤلاء من الاستبداد بالأحكام والقبض على أزمة البلاد بالنيابة عن ابنها كما كانت أولا غير أن هذا الفتى الجاهل لم يعش زمانا طويلا لأن الفسق والفواحش واللذات أضنته, فمات يافعا لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر فاضطرت إذ ذاك إلى مشاركة ابن عمها "سيبودونس" الجبان البخيل فثار الفوثيون عليها ونفوها إلى جزيرة صغيرة في بحيرة "بوليسنا" وهناك قتلوها سنة ٥٣٨ ق. م بالحمام خنقا, وهكذا انتهت حياة هذه الملكة الفاضلة.
أمامة ابنة أبي العاص بن الربيع بن عبد
العزى بن عبد مناف القرشية الهاشمية
أمها زينب ابنة رسول الله ﷺ ولدت على عهد جدها ﷺ وكان يحبها وحملها في الصلاة وكان إذ ركع أو سجد تركها, وإذا قام حملها.
وروي عن عائشة أن رسول الله ﷺ أهديت له هدية فيها قلادة من جزع فقال: "لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي". فدعا أمامة ابنة زينب فعلقها في عنقها ولما كبرت أمامة تزوجها علي بن أبي طالب ﵁ بعد موت فاطمة ﵍ وكانت فاطمة أوصت عليا أن يتزوجها, فلما توفيت فاطمة تزوجها من الزبير بن العوام لأن أباها قد أوصاه بها, فلما جرح علي خاف أن يتزوجها معاوية فأمر المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أن يتزوجها بعده, فلما توفي علي وقضت العدة تزوجها المغيرة فولدت له يحيى وبه كان يكنى فهلكت عند المغيرة.
أمامة ابنة حمزة بن عبد المطلب
أمها سلمى بنت عميس وهي التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد ﵃ لما خرجت من مكة وسألت كل من مر بها من المسلمين أن يأخذها فلم يفعل, فاجتاز بها علي فأخذها فطلب جعفر أن تكون عنده لأن خالتها أسماء ابنة عميس عنده وطلبها زيد بن حارثة أن تكون عنده, لأنه كان قد آخى بينهما رسول الله ﷺ فقضى بها النبي ﷺ لجعفر لأن خالتها عنده, ثم زوجها رسول الله من سلمة ابن أم سلمة وسماها الواقدي عمارة وأخوها لأمها عبد الله وعبد الرحمن ابنا شداد وهي من الصحابيات المحدثات اللاتي أخذ عنهن جملة من مشاهير المحدثين.
أمامة المريدية
كانت شاعرة من شاعرات نساء العرب إلا أن شعرها قليل ولم يكن في وقتها من يجمع الشعر وكانت صحابية محدثة أخذ عنها جملة من المحدثين.
ومما يروى عنها أنها قالت: لما قتل سالم بن عمير أبا عتيك - أحد بني عمرو بن
стр. 51
عوفز وكان من المنافقين وظهر نفاقه فقال رسول الله ﷺ : " من لي من هذا الخبيث؟ " فخرج إليه سالم بن عمير فقتله- فقالت في ذلك"
تكذب دين الله والمرء أحمدا ... لعمري الذي أمناك أن بئس ما يمني
حباك حنيف آخر الدهر طعنة ... أبا عاتك خذها على كبر السن
أمامة ابنة ذي الأصبع
أبوها ذو الأصبع العدواني الشاعر الفارس المشهور. كانت أمامة شاعرة مشهورة يشار غليها بالبنان, أخذت العلم والشعر عن والدها وهي اصغر أولاده, وكان يحبها محبة عظيمة ولمحبته أحبها جميع قبيلتها ولها يقول ورأته قد نهض وسقط وتوكأ على العصا فبكت فقال:
جزعت أمامة إذ مشيت على العصا ... وتذكرت إذ نحن ملفتيان
فلقبلما رام الإله بكيده ... إرما وهذا الحي من عدوان
بعد الحكومة والفضيلة والنهى ... طاف الزمان عليهم بأوان
وتفرقوا وتقطعت أشلاؤهم ... وتبددوا فرقا بكل مكان
خربوا البلاد فأعقمت أرحامهم ... والدهر غيرهم مع الحدثان
حتى أبادهم على أخراهم ... صرعى بكل نقيرة ومكان
لا تعجبين أمام من حدث عرا ... فالدهر غيرنا مع الأزمان
ومن شعرها قولها ترثي قومها:
كم من فتى كانت له منعة ... أبلج مثل القمر الزاهر
قد مرت الخيل بحافاتهم ... مر غيث بجبل عاطر
قد لقيت فهم وعدوانها ... قتيلا وهلكا آخر الغابر
كانوا ملوكا سادة في الورى ... دهرا لها الفخر على الفاخر
حتى تساقوا كأسهم بينهم ... بغيا فيا للشارب الخاسر
بادوا فمن يحلل بأوطانهم ... يحلل برسم مقفر داثر
أمة العزيز ابنة دحية الأندلسية الشريفة الحسينة
كانت ذات قناع, تفرعت من دوحة سناء أصلها ثابت وفرعها في السماء, وتجردت من سلالة أكابر وأشراف رقاة أسرة منابر من بني عبد مناف. تصرفت في أثناء شبيبتها بين دراسة معارف وإفاضة عوارف لها أشعار رائقة معناها, بديعة مبناها, منها ما قاله الحافظ أبو الخطاب بن دحية في "المطرب من أشعار المغرب" قال: أنشدتني أخت جدي الشريفة الفاضلة أمة العزيز الحسنية لنفسها:
لحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود
جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود
قال العلامة المقري في كتابه "نفح الطيب": هذا السؤال يحتاج على جواب وقد رأيت للقاضي غلإمام الفاضل أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني -رحمه الله تعالى- جوابه والغالب أنه من نظمه وهو قوله:
أوجبه مني يا سيدي ... جرح بخد ليس فيه جحود
وأنت فيما قلته مدع ... فأين ماقت وأين الشهود
стр. 52
أمة ابنة خالد بن سعيد
أمة ابنة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية الأمكوية تكنى أم خالد مشهورة بكنيتها ولدت بأرض الحبشة مع أخيها سعيد بن خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس, وأمها أميمة بنت خلف تزوج أم خالد الزبير بن العوام وولدت له عمرو بن الزبير وخالد بن الزبير وبه كانت تكنى وهي من المحدثات المشهورات بالصدق وقد روى عنها جملة من التابعين منهم موسى وإبراهيم ابنا عقبة وكريب بن سليمان الكندي وغيرهم ويروى عنها أنها سمعت رسول الله ﷺ يتعوذ من عذاب القبر.
أميمة ابنة رقيقة
أميمة ابنة رقيقة ابنة خويلد بن أسد أخت خديجة بنت خويلد فأميمة ابنة خالة أولاد النبي من خديجة, وهي أميمة بنت عبد بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة وكانت من المبايعات المحدثات روى عنها محمد بن المنكدر وابنتها حكيمة بنت أميمة.
وروي عن محمد بن المنكدر أنه سمع أميمة بنت رقيقة تقول: بايعت النبي ﷺ في نسوة فقال لنا: "فيما استطعتن وأطقتن" قلت: الله ورسوله ارحم بنا منا بأنفسنا.
ومما روته حكيمة بنت أميمة عن أمها بنت رقيقة قالت: كان لرسول الله ﷺ قدح من عيدان يبول فيه يضعه تحت السرير, فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته فطلبه فلم يجده فقيل شربته بركة فقال: "لقد احتظرت من النار بحظار".
أميمة ابنة قيس بن أبي الصلت الغفارية
كانت عابدة زاهدة محبة للخير صانعة للمعروف ناهية عن المنكر لها صحبة حسنة, وروت أحاديث كثيرة وروى عنها جملة من التابعين, وكانت شفيقة على المجاهدين ودائما تحضر الوقائع وتداوي الجرحى وتدور بين القتلى وكانت تحث الناس على ذلك فقالت يوما لرسول الله ﷺ وقد جاءته في نسوة من غفار: إنا نريد أن نخرج معك في وجهك هذا فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال رسول الله ﷺ : "على بركة الله" وكان ذاهبا إلى خيبر فذهبن معه وصرن يداوين الجرحى ويوارين القتلى وهي تهديهن لما يلزم لذلك حتى انتهت الحرب ورجع المسلمون منصورين فنالت بذلك رضا ربها ومدح قومها.
أم جعفر ابنة عبد الله بن عرفطة
أم جعفر ابنة عبد الله بن عرفطة بن قتادة بن معد بن غياث بن نداح بن عامر بن عبد الله بن خطمة بن مالك بن جشم بن الأوس.
كانت ذات عقل وأدب وعفة وكان يشبب بها الأحوص ولم يرها قط فلما كثر تشبيبه وشاع ذكره توعده أخوها أيمن وهدده ولم ينته, فاستعدى عليه والي المدينة فربطهما في حبل ورفع إليهما سوطين, وقال لهما تجالدا, فتجالدا, فغلب أخوها الأحوص وأتبعه أيمن حتى فاته الأحوص هربا وقد كان الأحوص قال فيها:
لقد منعت معروفها أم جعفر ... وإني إلى معروفها لفقير
وقد أنكرت بعد اعتراف زيارتي ... وقد وغرت فيها علي صدور
أدور ولولا أن أرى أم جعفر ... بأبياتكم ما درت حيث أدور
أزور البيوت اللاصقات ببيتها ... وقلبي إلى بيت الحبيب يزور
وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لا بد أن سيزور
أزور على أن لست أنفك كلما ... أتيت عدوا بالبنان يشير
فقال السائب بن عمر يعارض الأحوص في هذه الأبيات ويعيره بفراره:
стр. 53
وقد منع المعروف من أم جعفر ... أخو ثقة عند الجلاد صبور
علاك بمتن السوط حتى اتقيته ... بأصفر من ماء الصفاق يفور
فقال الأحوص:
إذا أنا لم أغفر لأيمن ذنبه ... فمن ذا الذي يغفر له ذنبه بعدي
أريد انتقام الذنب ثم تردني يد لا يدين مباركة عندي
ولما اكثر الأحوص من ذكرها جاءت متنقبة عليه وهو في مجلس قومه ولا يعرفها فقالت له: اقض ثمن الغنم التي ابتعتها مني. قال: ما ابتعت منك شيئا فأظهرت كتابا قد وضعته عليه وبكت وشكت حاجة وفاقة وقالت: يا قوم كلموه, فلامه قومه وقالوا: اقض المرأة حقها فحلف أنه ما رآها قط ولا يعرفها, فكشفت عن وجهها وقالت: ويحك, أما تعرفني فجعل يحلف أنه ما يعرفها ولا رآها قط حتى إذا استفاض قولها وقوله واجتمع الناس وكثروا وسمعوا ما دار وكثر لغطهم وأقوالهم قامت, ثم قالت: أيها الناس, اسكتوا فسكت الناس, ثم أقبلت عليه وقالت: يا عدو الله صدقت والله ما لي عليك حق ولا تعرفني, وقد حلفت على ذلك وأنت صادق, وأنا أم جعفر وأنت تقول: قلت لأم جعفر, وقالت لي أم جعفر: فمن أين قلت لك وقلت لي وأنت لم ترني إلا هذه الساعة, فخجل الأحوص وانكسر عن ذلك وبرأت عندهم.
أميمة أم تأبط شرا
وهي من بين القين بطن من فهم ولدت خمسة نفرا تأبط شرا, وريش لغب, وريش نسر, وكعب جدر, والأتراكي. وقيل: إنها ولدت سادسا واسمه عمر, وتأبط شرا لقب به لأنه كان رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه, فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول, قالوا: لقد تأبطت شرا فسمي بذلك. وقيل: بل قالت له أمه كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك. فقال لها: سآتيك الليلة بشيء ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه ووضعهن في جراب وذهب متأبطا به فألقاه بين يديها ففتحته فتساعين في بيتها فوثبت وخرجت فقال لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟ فقالت: أتاني بأفاعي في جراب. قلن: كيف حملها؟ قالت: تأبطها. قلن: لقد تأبط شرا فلزمه هذا اللقب.
وكانت شاعرة من شاعرات العرب وقولها منسجم وله طلاوة وأغلبه مراث في ولدها تأبط شرا وخلافه ومن ذلك قولها فيه:
طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك
ليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك
أمريض لم تعد ... أم عدو ختلك
أم تولي مارد ... غال في الدهر السلك
والمنايا رصد ... للفتى لم يك لك
أي شيء حسن ... لفتى لم يك لك
كل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك
طالما قد فادحا ... غير كد أملك
إن أمرا فادحا ... عن جوابي شغلك
سأعزي النفس إذ ... لم تجد من سألك
стр. 54
ليت قلبي ساعة ... صبره عنك ملك
ليت نفسي قدمت ... بالمنايا بدلك
ولها فيه أيضا:
بثابت ابن جابر ابن سفيان ... نعم الفتى غادرته بئر خمان
يحدو ويروي ظمأ الندمان ... رواء من يحمي حمى الإخوان
ولها مراث وأشعار كثيرة غير ذلك.
أميمة ابنة خلف بن أسعد
أميمة ابنة خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة الخزاعية.
وهي عمة طلحة بن عبد الله بن خلف الملقب طلحة الطلحات وهي زوجة خالد بن سعيد بن العاص هاجرت معه إلى أرض الحبشة وكانت من السابقات إلى الإسلام.
وقيل: اسمها أمينة. قيل: همينة وولدت بالحبشة سعيد بن خالد وأمة بنت خالد ولها صحبة حسنة وعشرة لطيفة ورجعت مع من رجع من مهاجري الحبشة على المدينة.
أميمة ابنة عبد شمس الهاشمي بن عبد مناف القرشي
وأمها تفخر بنت عبيد بن دوس بن كلاب كانت ذات مجد أثيل وبيت أصيل وباع طويل. تزوجها حارثة بن الأوقص السلمي فولدت له أمية بن حارثة وقتل أبو سفيان بن أمية بن عبد شمس أخاها في يوم عكاظ من حرب الفجار وكان يعد أبو سفيان وإخوته من العنابس وهي الأسد فقالت أميمة ترثيه وترثي من قتل في حرب الفجار من قريش:
أبى ليلى أن يذهب ... ونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوا ... ل بين الدلو والعقرب
وهذا الصبح لا يأتي ... ولا يدنو ولا يقرب
يعقر عشيرة منا ... كرام الخيم والمنصب
أحال عليهم دهر ... حديد الباب والمخلب
فحل بهم وقد أمنوا ... ولم يقصر إذا يشطب
وما عنه إذا ما حل ... من منجى ولا مهرب
ألا يا عين فابكيهم ... بدمع منك مستغرب
فإن أبكي فهم عزي ... وهم ركني وهم منكب
وهم أصلي وهم فرعي ... وهم نسبي إذا أنسب
وهم مجدي وهم شرفي ... وهم حصني إذا أرهب
وهم رمحي وهم ترسي ... وهم سيفي إذا أعضب
فكم من قائل منهم ... إذا ما قال لم يكذب
وكم من ناطق فيهم ... خطيب مصقع معرب
وكم من فارس منهم ... كمي معلم مجرب
وكم من مدره فيهم ... أريب حوله مغلب
стр. 55
وكم من جحفل فيهم ... عظيم النار والموكب
وكم من خضرم فيهم ... نجيب ماجد منجب
أميمة ابنة عبد المطلب الهاشمية
كانت صاحبة جمال وجلال, وفصاحة وذكاء وبلاغة, وسخاء وشعر ونثر, ونسب وفخر. قال لها أبوها يوما مع إخوتها أسمعيني شعرك رثاء بي كأني ميت. فقالت له: أعيذك من ذلك: فقال: لا بد من أن تقولي فقالت:
ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد ... وساقي حجيج الله حامي عن المجد
ومن يألف الضيف الغريب بيوته ... إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد
كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى ... فلم تنفك تزداد يا شيبة الحمد
أبو الحارث الفياض خلى مكانه ... فلا تبعدن إذ كل حي إلى بعد
فإني لباك ما بقيت وموجع ... وكان له أهلا لما كان من وجد
سقاك ولي الناس في القبر ممطرا ... وسوف أبكيه وإن كنت في اللحد
وقد كان زينا للعشيرة كلها ... وكان حميدا حيثما كان من حمد
أم هارون ﵂
كانت من الخائفات العابدات وكانت تأكل الخبز وحده وكانت تقول: ما أنشرح إلا بدخول الليل فإذا طلع النهار اغتممت, وكانت تقوم الليل كله فتقول: إذا جاء السحر دخل قلبي الروع وصرخت مرة فسمعت قائلا يقول: خذوها فوقعت مغشيا عليها وما دهنت رأسها بدهن مدة عشرين سنة, وكانت إذا كشفت رأسها وجد شعرها أحسن من شعر النساء, وكانت إذا عرض لها الأسد في البرية قالت له: إن كان لك في شيء فكل فيولي راجعا عنها ﵂.
أمة الجليل ﵂
كانت من العابدات الزاهدات, واختلف مرة العابدون في تعريف الولاية على أقوال فقالوا: امضوا بنا إلى أمة الجليل. فقالوا لها: ما الذي عندك من تعريف الولاية؟ فقالت: ساعات الولي ساعات شغل عن الدنيا ليس لولي في الدنيا ساعة يتفرغ منها لشيء دون الله , ثم قالت لواحد منهم: من حدثكم أن أولياء الله تعالى لهم شغل بغير الله تعالى فكذبوه ﵂.
إنياس خليلة شارل السابع ملك فرنسا
ولدت في قرية "فرومنتو" من "تورين" نحو سنة ١٤٠٩ م, وتوفيت نحو سنة ١٤٥٠م وهي ابنة "سوريل دوسان جيرار" أحد أعوان الكونت" دوكليرمون". كانت في أول أمرها رفيقة ل "إيزابو دو سورينه" دوقة "أنجو".
وسنة ١٤٣١ م صبحت سيدتها إلى باريس وزارت بلاط "شارل الرابع", فلما رآها "شارل" المذكور فتن بجمالها وسحر بمحاسنها فأبقاها لديه وجعلها رفيقة للملكة, ثم اتخذها عشيقة بعد أن ماطلته وردت مطاليبه وبلته بهيام شديد. وثقال: إنها لم تستخدم ما كان لها عليه من السطوة إلا لإنهاض همته وإثارة الحمية في صدره لأنه كان قد استغرق في اللذات بينما كان الإنكليز يفتحون بلاده, وبذلك أنقذت فرنسا من وبال عظيم, وخطر جسيم فتمكن جبها من قلب "شارل" فأجزل لها العطاء وفتح لها كفه ضفة نهر ال "مرن" بقرب "سانمور" ولذلك لقبت بمدام "لوبوتي" ومعناه سيدة "بوتي" أو الجمال, وفي ذلك من التورية ما لا يخفى وكانت الملكة نفسها تحبها وتكرم مثواها
стр. 56
إلا أن غناها وتنعمها حملا رجال البلاط والأمة على كرهها. وسنة ١٤٤٥ م أساء إليها ابن الملك "شارل السابع" فتركت البلاط الملكي وأقامت في قصر كان قد بناه لها الملك في "لوس". وسنة ١٤٥٠ م سارت على "جومياك" لمقابلة عاشقها فتوفيت هناك فجأة وظن الناس أن ابنه دس إليها السم في بعض المشروبات وكان قد ولد لها من "شارل السابع" ثلاث بنات فاعترف بهن ورباهن وكن يعرفن ببنات فرنسا.
أولغا امرأة إيفور دور يكوفتش
ثالث غراندوق روسي وكانت تلقب بالقديسة "أولغا" ولدت من عائلة فقيرة في قرية قرب "بسكوف" وكانت ذات جمال بارع وذكاء سام, فتزوجها "إيفور" سنة ٩٠٣ م, وجلس معها على كرسي الملك سنة ٩١٢ م, ومات عنها سنة ٩٤٥ م, فحكمت بعده بالنيابة عن ابنها "سفياتوشيلاف" وقد انقسمت حياتها من ذلك الوقت إلى حين وفاتها إلى قسمين ممتازين خصص أحدهما بالسياسة والآخر بالدين والتعبد.
وسبب وفاة زوجها هو أنه جمع عسكرا وخرج به ليغزو قبيلة "الدريفليان" ويجمع منهم الضريبة السنوية وبعد أن جمعها رجع ظافرا وبينما هو على الطريق خطر له أن ما جمعه يسير فأمر عسكره بالرجوع ليجمع ضريبة أخرى, فأبت العسكر أن ترجع معه, فعاد بشرذمة يسيرة, فلما رأته تلك القبيلة سألته ماذا يطلب فأمرها بجمع الجلود والعسل والمال فلما سمعوا ذلك احتدوا غيظا وهجموا عليه وقتلوا من معه, وأما هو فمسكوه وأحنوا شجرتين وربطوه بطرفيهما وتركوهما فرجعتا إلى مكانهما فتمزق الأمير إربا إربا ومات شهيد الطمع فلما قتله "الدريفليان" انتخبوا منهم عشرين رجلا وأرسلوهم إلى امرأة "إيفور" يطلبون إليها أن تتزوج أميرهم, فلما أتى إليها الرسل سألتهم ماذا يطلبون فأجابوا: إننا قتلنا زوجك لأنه خرب أرضنا, والآن نطلب أن تقبلي أميرنا زوجا لك.
فقالت: حسنا تقولون أجيب طلبكم, وإنما أريد أن أعظمكم في أعين شعبي فارجعوا إلى سفينتكم وعندما يأتيكم رسلي اطلبوا إليهم أن يحملوكم على أكتافهم, وبعد انصراف الرسل أمرت "أولغا" أن يحفروا خندقا وراء قصرها, وأرسلت رسلها وأمرتهم أن يحملوهم ويطرحوهم في الحفرة, فلما أتى رسل "أولغا" إليهم قال لهم أولئك: لا نذهب مشاة, ولا نمتطي صهوات الجياد, ولا نركب العجلات احملونا على أكتافكم. فأجابوا طلبهم, وعندما أتوا القصر طرحوهم في الحفرة المعدة لهم وواروهم التراب وبعد ذلك أرسلت "أولغا" تقول لهم: إذا كنتم ترغبون حقيقة أن أكون امرأة لأميركم فأرسلوا رؤساء قومكم لأحضر معهم, فلما أتوا أمرتهم أن يغتسلوا في الحمام فلما دخلوه أمرت بإحراقه فماتوا عن بكرة أبيهم, وعند ذلك أرسلت تقول "للدريفليان" استعدوا لاستقبالي وهيئوا المشروبات على قبر زوجي فإني عازمة على أن أبكي هناك ومن ثم أتزوج بأميركم فأجابوا طلبها, ولما قدمت إليهم سألوها أين رجالنا فأجابتهم سيحضرون مع عسكر زوجي وبعد ذلك أولمت وليمة عظيمة, وعندما لعبت الخمر في رؤوس "الدريفليان" بطش بهم رجال "أولغا" وقتلوا منهم خمسة آلاف رجل ورجعت على الأعقاب إلى مدينتها, وبعد مضي سنة جمعت عسكرا وأخذت ابنها وغزت "الدريفليان" وحاصرت عاصمتهم, ولما لم تقدر أن تأخذها أرسلت تقول لهم: أعازمون أن تموتوا جوعا وعطشا؟ اجمعوا لي جزية وأنا أرحل عنكم, وأنا أطلب منكم جزية خفيفة وهي: ثلاث حمامات وثلاثة عصافير من كل بيت فسروا سرورا عظيما وحالا جمعوا المطلوب وأرسلوه على جناح السرعة فأمرت "أولغا" عساكرها بأن يربطوا بأذنابها خرقا ملوثة بمواد ملتهبة وعندما يبدو لهم الظلام يشعلون الخرق ويطلقون الحمام والعصافير ففعلوا ذلك ورجع كل طير إلى عشه فالتهمت النار البيوت وفرارا من الحريق هرب سكان المدينة فألقتهم "أولغا" بعسكرها وفرقتهم أيدي "سبأ", ونهبت أرضهم, ودوخت عدة قبائل, وضربت عليهم الضرائب الثقيلة ورجعت إلى "كييف" ثم سافرت إلى "نوفوغودود" فاستمالت بحكمتها كل القلوب.
وسنة ٦٥٥ م سلمت زمام
стр. 57
الملك لابنها المذكور وتفرغت لأمور العبادة فاعتنقت المذهب المسيحي وعمدها في القسطنطينية في السنة المذكورة البطريرك بحضور الإمبراطور "قسطنطين بورفيرو جينيتوس" وحاولت إقناع ابنها بالاقتداء بها فلم يغن اجتهادها شيئا وماتت سنة ٩٦٨ م فأسف عليها الناس جدا واحترمها الروس احترام قديسة. وفي أيامها ذاع اسم روسيا في الأقطار الأوربية الشاسعة.
أولمبياس ابنة نيو بتوليمس
أولمبياس ابنة نيو ليمس ملك أبيروس وامرأة فيلبس المكدوني وأم إسكندر الكبير. اشتهرت بكثرة قبائحها وتسليمها نفسها إلى شهواتها, فهجرها "فيلبس" فمضت إلى "أبيروس" ودست إلى زوجها من قتله وهو في "بوسانياس", ثم رجعت إلى "مكدونيا" وأعلنت فرحها بقتل زوجها.
واحتفلت بجنازة "بوسانياس" قاتله بلا وجل ولا خجل, ولما ملك أبنها الإسكندر حاولت أن تشاركه في الملك غير أن حكمته حالت دون مطامعها. ولما مات إسكندر طمعت في الستيلاء على المملكة غير أن ثبات "أنتيباتر" وزيره اضطرها إلى الرجوع إلى "أبيروس" فدعا بها "بوليسيرخون" الذي خلف "إنتيباتر" ولقبها نائبة الملك فلم تلبث أن قتلت "أدخيدوس" -وهو ابن "فيلبس" من امرأة أخرى- وعددا كثيرا من أعوانه فكانت مثالا لسفك دم عائلة الإسكندر, وقتلت: نيكانور" -أخي "كاسندروس"- فأتى إليها "كاسندروس" وحاصرها في "بدنا" وحصرت معها حفيدها "إسكندر أيفوس" ابن الإسكندر الأكبر أملا في معاونة الأمة لها إذا رأوه معها فلم يلتفت إليها أحد فاستسلمت فلم يجسر "كاسندروس" أن يقتلها بنفسه وهي أم سيده, فوكل بقتلها جماعة من الضابطة المكدونيين غير أن هيبتها وتذكرهم مجد ابنها منعاهم عن إتمام العمل فدعا "كاسندروس" الذين قتلت "أولمبياس" أبناءهم وأقرباءهم, فذبحوها بدون تردد وذلك سنة ٣١٧ قبل المسيح.
أوجين ملكة الفرنسيس
هي حليلة "شارل لويس" بن "لويس نابليون" الذي تولى سدة الملك باسم "نابليون الثالث" كانت في صباها المشار إليها بالبنان. والمثنى عليها بكل شفة ولسان, ولما أودعها الله من الحسن واللطف وحسن التربية مع الكياسة والرقة والظرف رقت في عصر زوجها مقاما تحسدها عليه السبع الطباق, وبلغت شأوا أطار ذكرها في الآفاق, وناهيك أنها تصدرت في مائدة جمعت ملوك الأرض, وكلهم يحسب احترامها كالسنة, وتعظيمها كالفرض. وحسبك أنها لما أتت مصر عام الاحتفال بفتح خليج السويس كان عزيز مصر في خدمتها ولفيف من أمراء الشرق والغرب في عداد حاشيتها.
ولما قدمت القسطنطينية استقبلها ساكن الجنان السلطان عبد العزيز حتى المرفأ وأبدى لها في أمره, وتقضي في حالتي خله وخمره, وخرج قائدا للجيش يصدم به العدو ولسان حالهما يقول:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وقتكي
فلا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
فإن الدهر بعد أن سقاها سلسبيلا, ودار عليها من الصفو أكوابا كان مزاجها زنجبيلا في سدر مخضود, وطلح منضود, وظل ممدود عاضها بالزقوم والغسلين, وهبط بها من أعلى عليين, إلى أسفل السافلين, فغادرها سموم وحميم, وظل من يحموم لا بارد ولا كريم, وذلك أن زوجها بعد أن كان حالفه النصر في معركة "سادبروك" وأمل العالم لأمة الفرنسيس بالفتح المبين, والفوز المكين, خالفه التوفيق في سائر المعارك فقهره أعداؤه أي قهر وكسره مساجلوه أي كسر حتى إذا زاغت الأبصار, وبلغت القلوب الحناجر
стр. 58
دخل إلى الاسئمان بعد واقعة "سيدان" التي حدثت في أربعة أيلول عام ١٨٧٠ م, فاخترط حسامه وسلمه إلى الملك "غليوم" عدوه الألد مكتفيا من النصر بالأسر مع ثمانين ألفا من جيشه, وما برح مأسورا في "فاستافاليا" من بلاد الألمان حتى حميت لظى الحرب بين الفريقين.
ثم لم يأت حين من الدهر ألم به داء في المثانة عياء ذهب به إلى دار الفناء بعد أن أذاقه صنوف الويل وأفانين البرحاء تاركا وراءه المسكينة "أوجين" على فراش من القتاد ووسادة من الرمضاء, ولم يكتف بهذا الدهر الظالم حتى نكلها في وحيدها وبقية آمالها البرنس "أميربال" شهيدا في بلاد "الفرولوس" الأفريقية مطعونا بأسنة أمة بربرية وهو يافع في نضارة العمر وريعان الشباب وبقيت بعده كالغزالة النافرة من زرود جزعا على خشفها العزيز تنثر لآلئ الدمع على يواقيت الخدود وتغرس عقيق الشفاه ببرد الثغر البرود, ولسان حالها يقول: لقد جئت يا دهر شيئا فريا يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. تحاول الاعتصام بالصبر على ما انتابتها به الأيام. وهو بعيد عنها بعد المسجد الأقصى عن المسجد الحرام وبقيت على ذلك إلى هذه الأيام.
أيريني إمبراطورة بيزنظة
ولدت في أثينا سنة ٧٥٣ م وتوفيت في جزيرة "لسيوس" سنة ٨٠٣ م واشتهرت بالعقل والجمال, فاختارها "قسطنطين كويردنيموش" زوجة لابنه المعروف ب "لاون" الرابع, فاستولت على قلبه كل الاستيلاء ولما مات عهد إليها وصاية ابنه "قسطنطين الخامس" سنة ٧٨٠ م فقامت بأعباء الملك حق القيام حتى إذا ساعدها القدر وخدمها السعد بطرت واستكبرت وداخلها الطمع فعقدت مع هاورن الرشيد صلحا غير موافق لانتفاعها به.
وسنة ٧٨٧ م عقدت مجمعا في "نيقية" أمرت فيه بعبادة الأيقونات وألغت انشقاق الكنيسة الشرقية فلما رشد ابنها سنة ٧٩٠ م نفاها وهجرها في قصر لكنها تخلصت بعد خمس عشرة سنة واتصل بها الأمر لكي تستبد بالمملكة إلى أن سلمت عيني ابنها بلا خوف ولا خجل ولكي تنسي الناس هذا العمل الفظيع شرعت بأعمال عظيمة فقيل: إنها عرضت نفسها على "شارلمان" ليتزوجها أو قبلت بالأقل أن تزوج إحدى بناتها بأحد أولاده لكن قبل أن يتم لها ذلك حجر عليها "نيقيفورس" خازنها الأكبر سنة ٨٠٢ م ونفاها إلى جزيرة "لسيوس" فحط بها الدهر هناك حتى احتاجت أن تأكل من غزل يدها وهناك ماتت سنة ٨٠٣ م فتأثر اليونان لمصائبها وجعلوها قديسة وأقاموا عيد تذكار لها في ١٥ آب من كل سنة. واسمها في بعض كتب العرب "أريني".
إيزابيلا الأولى الملقبة بالكاثوليكية ملكة قسطيلة ولاون
ولدت سنة ١٤٥٠ م, وتوفيت ١٥٠٤ م كانت بنت "يوحنا الثاني" ملك قسطيلة من "إيزابيلا" البرتوغالية زوجته الثانية وفي السنة الرابعة من عمرها توفي أبوها فخلفه في الملك ابنه "هنري" من "ماريا" الأراغونية زوجته الأولى واستمرت "إيزابيلا" مع أمها إلى سنة ١٢ من عمرها وكانتا منفردتين في بلدة "أريقالوا" فلما ولدت "جوانا" نقلها "هنري" إلى بلاطه محاولا بذلك أن يمنع تألف حزب يمكنها إرث الملك من بعده بدل البرنسيس "جوانا" المذكورة وكان حصولها على تاج الملك أمرا مستبعدا لأن أخاها البكري كان ملكا وله بنت وكان لها أيضا أخ أصغر منها في قيد الحياة غير أن أكابر ملوك أوروبا أتوها خاطبين أملا بمستقبلها.
قال "برسكوت": وكان "فردينندو" أول من خطبها وهو الذي تزوجها بعد أن حال دون ذلك مصاعب شتى فإنها خطبت في السنة الحادية عشرة من عمرها لأخيه "كارلوس" وكان قد بلغ الأربعين فدفع عنها ذلك المكروه بموت "كارلوس" بالسم. وسنة ١٤٦٤ م وعد بها أخوها "هنري ألفونس" ملك البرتوغال فعارضته في ذلك مدعية أن بنات ملوك "قسطيلة" لا يتزوجن إلا بموافقة أشراف المملكة ثم حدثت ثورة تحت رياسة مركيز "فلينا" وعمه رئيس أساقفة
стр. 59
"طليطلة" وكان من بواعثها اعتقاد كثيرين من الأشراف أن البرنسيس "جوانا" التي أقسم لها أكابر الدولة بالطاعة بناء على طلب الملك لم تكن من صلبه بل من صلب "بلتران دولا كوبيا" عشيق الملكة فأعلن الثائرون انتقال الملك من "هنري" إلى أخيه "ألفونس" وجمعوا جيشا لإجراء ذلك فحاول الملك إسكان رؤسائهم بتزوج "إيزابيلا" بالدون "بدرو جيرون" الفاسق أخي مركيز "فلينا".
أما هي فقالت لأخيها: إن زوجتني به أشق صدره بخنجر وأرفع عن نفسي العار. غير أن الدون المذكور مات في طريقه إلى العرس وبعد ذلك بسنتين أي سنة ١٤٦٨ م توفي "ألفونس" فعرض الثائرون تاج الملك على "إيزابيلا" فرفضته وآثرت أن تجعل وارثة لأخيها فعاهد العصاة "هنري" على أن يطلق الملكة ويعترف بأن "إيزابيلا" وارثة لمملكتي "قسطيلة" و"لاون" وأن لها حقا في اختيار بعل تتزوجه برضاها ولم يلبث المجلس العالي أن قرر حق "إيزابيلا" في الإرث.
أما "هنري" فلا يبالي بشروط المعاهدة وحاول إكراه أخته على الاقتران بملك البورتغال غير أن السياسة والحب استمالاها على "فردينندو" برنس "أرغون" فتهددها أخوها بالحبس فلم تعبأ به وعزمت على أن تباشر الأمر بنفسها فردت الرسول الأرغوني بجواب مرض ووقع "فردينندو" على عقد الزواج في "سرفيرا" وذلك سنة ١٤٦٩ م وضمن لعروسه جميع حقوقها الملكية الأصلية في "قسطيلة" و"لاون" فأنفذ" "هنري" في الحال فرقة من العساكر لإلقاء القبض على شقيقته, فهربت على بلاد الوليد وأرسلت إلى "فردينندو" تحثه على أن يوافيها بسرعة لإتمام الزواج فلم يتمكن "فردينندو" من يسير بخفر, لأن أباه كان يحارب عصاة "قطالونيا" وكان بيت المال فارغا فلبسس ثوب خادم وسار متنكرا مع ستة رفقاء استأمنهم فلم يعرفه العساكر الذين أقامهم "هنري" لمنعه المرور وخرج من تلك المدينة بزي لائق فأغذوا السير على بلاد الوليد وتزوج "إيزابيلا" سنة ١٤٦٩ م.
فأعلن "هنري" أن أخته أضاعت جميع الحقوق التي تقررت لها بموجب المعاهدة, وجعل "جوانا" ولية عهده, فانقسمت البلاد إلى قسمين كبيرين متحاربين, وعضدت فرنسا الملك غير أن "إيزابيلا" كانت بحكمتها وفضائلها تستميل إليها أهالي "قسطيلة" شيئا فشيئا وتكتسب طاعتهم وأمانتهم.
وفي سنة ١٤٧٤ م توفي "هنري" وبعد يومين من وفاته أقيمت "إيزابيلا" ملكة في "سيروفيا" فأقسم لها كثيرون من الأشراف بالطاعة إلا أن حزب "جوانا" كان قويا فلم تعترف البلاد كلها بالملكة إلا بعد حرب جرت لها مع "الفونس" ملك البرتوغال, وكان قد خطب "جوانا" ومن ثم شرعت في أعمال تحلى بها تاريخ إسبانيا فأصلحت قوانين البلاد وأدارت الملكة الشؤون الداخلية وعضدت الآداب والصنائع وبذلت جهدها في تغير تصرفات زوجها فإنها كانت قرينة القساوة والخداع ومع أنها كانت روح الحرب التي شهرت على العرب وكانت تحارب فيها بنفسها وتلبس درعا لم يزل محفوظا إلى الآن في مدريد كانت تقاوم القساوة التي اتخذها الإسبانيول في تلك الأيام سياسة نحو الأمة المذكورة ولم تأمر بطرد اليهود من "قسطيلة" ولا سلمت على ذلك وزادها شهرة مساعدتها "كرستوفورس" كولومبوس" فاتح أميركا على إنفاذ مقاصده فإن الأسطول الذي اكتشف به أميركا جهز على نفقتها وضادت استرقاق الهنود الأميركان.
فلما وصل الأسرى الذين أرسلهم إليها "كرستوفورس" المذكور أمرت بإرجاعهم إلى بلادهم وبمساعدة الكردينال "كسيمنس" أصلحت الراهبات وبذلك جعلت للكنيسة في إسبانيا نظاما ثابتا راهنا كالنظام الذي سنته للدولة ولم يكن المال ولا علو المرتبة يشفعان عندها بالمذنبين, بل كان سيف العدل يعلو رقاب المجرمين من الأكابر والأصاغر والإكليروس على حد سواء, وكانت "إيرابيلا" جامعة بين عقل الرجال ومحاسن النساء وفضائل ناضرة عديمة النظير فباتت موضوعا محبوبا للمؤرخين في الأعصر التالية والإسبانيول الآن يحبون ذكرها كما كان رعاياها منهم يحبون شخصها.
أما الموت الفجائي الذي أصاب كلا من الدون "كارلوس" والدون "بدروجيرون" وأخيها "ألفونس" فلم يوقع عليها أقل شبهة مع أنه نالها ربح عظيم وكانت تحب زوجها حبا شديدا لا يعتريه
стр. 60
فتور ألبتة غير أنه لم يكن يقابلها دائما بمثل ذلك, وكانت تقواها الطبيعية تزين كل أعمال حياتها, وكان جمال خلقها يعادل حسن خلقها, وكانت صافية اللون ذات عينين زرقاوين وشعر أسمر وولد لها خمسة أولاد وهم: "إيزابيلا" التي تزوجت "عمنوئيل" ملك البرتوغال و"جوان" وكان أميرا فاضلا. توفي سنة ١٤٩٧ م وله من العمر ٢٠ سنة و"جوانا" التي تزوجت "فيليب" أرشيدوق"أوستريا" وولد لها منه الإمبراطور "كارلوس الخامس" و"ماريا" التي تزوجت "عمنوئيل" بعد وفاة أختها, و"كاترينا" زوجة" هنري الثامن" ملك إنكليزا.
إيزابيلا الثانية ملكة إسبانيا
ولدت في مدينة "مدريد" سنة ١٨٣٠ م وهي بكر بنات "فردينندو" السابع" من "ماريا كرسنين" رابع زوجاته نشأ عن مسألة إرثها الملك بعد أبيها حرب أهلية شديدة لأنه لم يكن لأبيها ولد ذكر يخلفه. ففي ٢٩ آذار (مارس) سنة ١٨٣٠ م أبطل القانون الذي وضعه "فيليب الخامس" ومآله حرم الإناث تخت الملك وجعل بنته خليفة له وبذلك حرم أخاه الدون "كارلوس" ولي ما كان له من الحق المقرر بموجب القانون المذكور.
وفي سنة ١٨٣٣ م توفي "فردينندو" وكانت "إيزابيلا" في السنة الثالثة من عمرها فأقيمت ملكة فشهر الدون "كارلوس" السلاح وعضده حزب كبير سمي بالكارلوسي نسبة إليه ولم تلبث دائرة الخلاف أن اتسعت وصارت إلى حرب أهلية ردئية وانحاز الإكليروس إلى الدون "كارلوس" أما حزب الملكة فسمي بحزب الحرية أو بالحزب النظامي لأن أم الملكة التي استولت على زمام الملك بالنيابة عن ابنتها تعهدت بوضع قانون أساسي لإسبانيا وكان معظم الشعب من حزب إيزابيلا.
وفي سنة ١٨٣٤ م أجمع أكثر أعضاء المجلس العالي على حرمان الدون "كارلوس" ونسله الملك.
وفي سنة ١٨٣٩ م عقد الصلح بين الجنرال "ماروكي" الكارلوسي والجنرال "إسبرتيرو" النظامي وهرب الدون "كارلوس" على فرنسا وفي أثناء الحرب كانت الملكة النائبة تتردد بين حزب المحافظين أو المعتدلين وحزب الحرية أما وزارة "منديزابال" فغيرت النظام ووسعت دائرة قانون الانتخاب وقامت بإصلاحات أخرى غير أن ديوان المشورة الكبير لم يكتف بذلك وطلب إعادة النظام الذي تقرر سنة ١٨١٢ م فحصل عليه أخيرا حدثت في "مدريد" سنة ١٨٣٧ م.
وفي سنة ١٨٣٩ م حدثت ثورتان في "برشلونا" و"مدريد" فأكرهت أم الملكة على الفرار إلى فرنسا.
وفي سنة ١٨٤٠ م تولى "إسبرتيرو" زمام البلاد. وفي سنة ١٨٤١ م جعل وكيلا للملك غير أن أصدقاء "كرستينا" والمحافظين ثاروا عليه واضطروه إلى الاستعفاء وكانت الملكة قد ناهزت سن الرشاد ولم يبق إلا ١١ شهرا لبلوغها السن القانونية فضرب عنها المجلس العالي صفحا وأجلسها على تخت الملك في ١٠ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٨٤٣ م.
وفي سنة ١٨٤٤ م وجهت رياسة الوزارة إلى الجنرال "زفايز" الذي كان قد تولى رياسة الثائرين. وفي السنة التالية غير النظام تغييرا غير موافق لأهل الحرية.
وفي سنة ١٨٤٦ م تزوجت "إيزابيلا" بابن عمها الدون "فرنشسكوداواسبس" وفقا لمشورة الملك "لويس فيليب" وفي الوقت نفسه زوجت أختها "ماريا فردينند لويزا" بدوق "منينسيا" غير أن زواج الملكة أدى على تأويلات مستهجنة ووقع الخلاف بين الزوجين وكثرت الإشاعات فذهب قوم إلى أن الملك ليس كفؤا للملكة. وكان آخرون يتهمون الملكة بخيانة زوجها وعقدت "إيزابيلا" الصلح مع النمسا وبروسيا.
وفي سنة ١٨٤٩ م أنفذت جيشا لمساعدة البابا. وفي سنة ١٨٥٢ م حاول بعضهم قتلها فحملها الحزب المحافظ على فض المجلس العالي واتخاذ وسائل مشددة ونفي كثيرين من جنرالية الحزب النظامي.
وفي سنة ١٨٥٤ م قام الجنرال "لودونل" والجنرال" دلشي" بثورة عسكرية ومدنية في "مدريد" وتمكن من إقامة حكومة محلية فهربت أم الملكة ثانية إلى فرنسا أما "إيزابيلا" فصرحت بالعفو التام وفتحت مجلسا عاليا جديدا وأباحت بيع الأوقاف.
وفي سنة ١٨٥٦ م حاول "أودونل" أخذ القوة بالبطش وأخمدت الملكة ثورات حدثت في جنوب إسبانيا فتوطد سلطانها وأعادت النظام الذي تقرر سنة ١٨٤٥ م
стр. 61
فأدى إلى نهج سياسة مضادة لأهل الحرية.
وكانت نتيجة ذلك سقوط وزارة "ترفايز" في السنة التالية وقيام وزارة أخرى تميل على الحزب النظامي وذلك في سنة ١٨٥٧ م وتولى "اودونل" قيادة العساكر التي أنفذت لمحاربة مراكش فاستظهر على المراكشيين وانتهت الحرب سنة ١٨٦٠ م.
ثم تداخلت "إيزابيلا" مع فرنسا في أمور المكسيك وأرسلت إليها جيشا تحت قيادة الجنرال "بريم" سنة ١٨٦١ م, وسنة ١٨٦٢ م, إلا أن الجنرال المذكور لم يلبث أن قصر حبل المداخلة وحاولت الملكة الاستيلاء على "سنتود" و"منفو" و"بيرو" و"شيلي" ففشلت. وفي سنة ١٨٦٦ م استعفى وزراؤها فاضطر الأمر على تقرير قرار مبطل نظام سنة ١٨٦١ م الذي بموجبه ضمت جمهورية "دومينيكا" إلى الملكة وفي السنة نفسها أمرت ببيع جميع الأملاك المختصة بأفراد البيت المذكور وصرفت أثمانها في أمور نافعة للأمة.
وفي سنة ١٨٦٦ م حملها الإكليروس والوزارة الجديدة التي تألفت تحت رياسة "ترفايز" على إبطال حرية المطبوعات وجعل التعليم العمومي في إيدي خدمة الدين فحدثت ثورات تولى قيادة بعضها "بريم" وذلك في السنة نفسها والسنة التالية. وكان الثائرون منتشرين في جهات مختلفة من البلاد غير أن مساعيهم هبطت لعدم انتظامهم. وخلف "ترفايز" في رياسة الوزارة "غنزالز برافو" فضاد أهل الحرية أكثر من سلفه غير أنه سنة ١٨٦٨ م ابتدأت الثورة في قادس فانتشرت في الحال في إسبانيا كلها ونشأ عنها فرار الملكة على فرنسا مع أولادها وعشيقها "مرفوري" وقسيسها "كلاريت" فقدم لها "نابليون الثالث" قصر "بوفاه" صدرت منه إعلانا على الشعب الإسبانيولي فأقامت به الحجة على الثورة.
وفي سنة ١٨٦٨ م صرح في "مدريد" بخلعها فاستوطنت "باريس" غير أنها أقامت مدة في "جنيفا" في أثناء الحرب التي جرت بين فرنسا وجرمانيا.
وفي ٢٥ حزيران (جون) سنة ١٨٧٠ م, تنازلت عن تخت الملك لابنها "ألفونس" فسمى نفسه "ألفونس الثاني عشر" في إسبانيا.
إيزابيلا فيليب لوبل الملقبة بالفرنساوية ملكة إنكلترا
والدها "فليب ملك فرنسا, ولدت سنة ١٢٩٢ م, وتوفيت سنة ١٣٥٨ م, وتزوجت "إدورد الثاني" ملك إنكلترا سنة ١٣٠٧ م. غير أنه أهملها لأن ندماءه الأشرار كانوا قد ملكوا قلبه فكان يوافقهم في جميع آرائهم ومشوراتهم فصرحت بخلعه بمساعدة أخيها "شارل لوبل" واستولت على زمام الملك بالوكالة عن ابنها "إدورد الثالث" سنة ١٣٦٢ م إلا أن عشيقها "روجر مرتيمر" أهلك "إدورد الثاني" في السنة التالية بعد أن أذاقه أمر العذاب فاغتاظ ابنها وخلع نيرها وأمر بقتل "مرتيمر" سنة ١٣٣٠ م أما هي فحسبها في سجن ماتت فيه بعد ٢٨ سنة. وقد زعم "إدورد الثالث" وحلفاؤه أن لهم حقا في ملك فرنسا لأن "إيزابيلا" المذكورة كانت من البيت الملكي الفرنساوي. وقيل: إنها لما توجهت إلى فرنسا لتسوية الخلاف الذي وقع بين أخيها وزوجها رأت كثيرين من الإنكليز الهاربين وهم من أصحاب "أرل لنكستر" وكان أكثرهم إقداما ونشاطا شاب اسمه "روجر مرتيمر" فجمعتهم غليها وقر رأيهم على خلع "إدورد".
وفي شهر أيلول (سبتمبر) سنة ١٣٢٦ م وصلت الملكة إلى ساحل "سفلك" بعساكر أجنبية مؤلفة من ٣٠٠٠ مقاتل تحت قيادة "روجر مرتيمر" و"جون منهينو" فأسرع لملاقاتها أكابر الأشراف والقسوس واستنجد "إدورد" برعاياه فلم ينجده أحد ففر هاربا على تخوم "ولس" فاقتفت الملكة أثره وقبضت عليه في دير "نيت" من "كونتيه كلامرغان", وأرسلته إلى قلعة "كبتلورس". وفي تلك الأثناء ألقي القبض على "هدلود سنسر" وقتل خنقا واجتمع المجلس العالي بأمر "إيزابيلا" و"مرتيمر" فأصدر قرارا في شهر يونيو سنة ١٣٢٧ م يؤذن بسقوط "إدورد أف كرنارفون" ونقله على قلعة "بيركلي" وكان حرسه من الأوباش فبقي فيها إلى أن وجد في ٣١ أيلول عند الصباح ملقى ميتا على فراشه. وكان قد سمع صراخ وأنين من غرفته ولم تبق جثته على حالها الطبيعية فدل ذلك على أنه قتل قتلا ذريعا والمظنون أن أمعاءه أحرقت بحديد محمى
стр. 62
بالنار.
ولم بلغ "إدورد الثالث" من العمر اثنتي عشرة سنة أخذته والدته الملكة "إيزابيلا" المذكورة إلى فرنسا ولبثت ملكية "شارل الرابع" وفي ولا يتي "غينا" و"نبتيو" اللتين وهبه إياهما أبوه "إدورد الثاني" وهناك عقدت الملكة "إيزابيلا" بين "إدورد" وبين "فيليب" عقد زواج فتزوجها في ٢٤ يونيو سنة ١٣٢٨ م. ولما اسر "إدورد الثاني" وسمي "إدورد الثالث" ملكا لإنكلترا أمرت الملكة "إيزابيلا" بتعيين أربعة أساقفة وعشرة أشراف لكي يقرروا وكالة الملك وكان أكثرهم من حزبها فقرروا لها ول "مورتيمر" الذي صار آرل "مرنش" حق إدارة المملكة من تلك الأثناء فقضى "روبرت تروسل" شروط الهدنة التي كانت بينه وبين مملكة إنكلترا وأنفذ جيشا عظيما تحت قيادة "رندولف" و"زغلاس" فحملوا في كتيبة "كمبرلانه" وألقوا فيها الخراب والدمار فأرسلت "إيزابيلا" ولدها "إدورد" إلى "انشيمال" بجيش يزيد عن الأربعين ألف مقاتل وهناك حصل بينه وبين الأسكوتسيين وجرى له معهم موقعتان وهم في مراكز منيعة جدا فلم يتمكن من التغلب عليهم ويقال: إنه بكى لما رأى جماعة يسيرة قد استظهروا عليه وإنها تلك الحرب المشؤومة. فعقد معاهدة اعترف فيها باستقلال "أسكوتسيا" تماما وهذه الحالة ألقت المس ؤولية على "إيزابيلا" و"مرتيمر" وكانا قد غاظا الشعب بأفعالهما ضد "أرل أف مونت" فإنهما سعيا في قتله لخيانة كبرى اتهمته بها وذلك سنة ١٣٣٠ م.
وفي السنة نفسها استبد "إدورد" بالسلطة وتخلص من طاعة أمه ومحبيها وقتل " مرتيمر" لخيانة بدت منه وأما "إيزابيلا" فأمر بحبسها طول حياتها في قصر "رشتتغ" حتى توفيت كما تقدم.
إيزابيلا البافارية ملكة فرنسا
وهي ابنة دوق "بابريا" ولدت سنة ١٣٧١ م, وتوفيت سنة ١٤٣٥ م تزوجت "شارل السادس" سنة ١٣٨٥ م فلما جن سنة ١٣٩٢ م جعلت رئيسة لمجلس الوكالة الملكية وكان من أعضائه دوق "أوليان" أخو الملك و"جان" دوق "بورغونيا" الملقب بعديم الخوف فحصل بين هذين الأميرين منظرة شديدة نشأ عنها الخصام الذي جرى بين البورغونيين والأرمنياكيين, وكانت "إيزابيلا" تميل إلى دوق "أورليان".
ويقال: إنه كان بينهما علائق حبية فأضمر لها دوق "بورغونيا" الشر وقتل خصمه سنة ١٤٠٧ م رغبة في الانتقام منها فغمها الأمر جدا ولكنها رضيت بمعاهدة القاتل لتحفيظ لنفسها السلطان, ولما قتل دوق "بورغونيا" نفسه سنة ١٤١٩ م واطأت خلفه "فيليب لوبون" على تسليم فرنسا ليد أجنبية حارمة بذلك من الملك نفس ابنها "شارل السابع" ووقعت على معاهدة "تروا" التي بموجبها وجه تخت فرنسا إلى "هنري الخامس" ملك إنكلترا وذلك سنة ١٤٢٠ م وقلت أهميتها بعد وفاة "شارل السادس" و"هنري الخامس" سنة ١٤٢٢ م فلم تكن تتداخل في الأحكام وفي سنة ١٤٣٥ م, توفيت مصحوبة باحتقار الشعب غير مأسوف عليها.
ألمس
المغنية الشهيرة التي فاقت كافة أرباب الألحان وآلات الطرب, وحازب شهرة عظيمة لا مزيد عليها وقد جمعت أموالا كثيرة حتى قيل فيها إنها سلبت أموال القطر المصري برقة صنعتها وحلاوة صوتها الشاجي وكانت ابنة رجل فقير يتعاطى صنعة الصباغة, وكان ظهورها في أواخر أيام سعيد باشا وأوائل حكم إسماعيل باشا الخديوي وكانت في ذلك الوقت سائدة على مغنيات مصر لاسيما "ساكنة" المغنية الشهيرة وكانت قد أسنت وكانت "ألمس" صغيرة لا تتجاوز على مابلغني الثانية عشرة من سنيها وكان اسمها الحقيقي "سكينة" ولكنها في مبادئ ظهورها لقبت باسم "ألمس" وقد غلب على الاسم الأصلي فشهرت به, وفي أول ظهورها قد طلبت إحدى سيدات العائلة الخديوية جملة بنات من بنات الأهالي حسنات الأصوات لأجل نعليمهن الألحان فجاءتها إحدى أتباعها بما طلبت ومن جملتهن "ألمس", فاختبرت أصوات الجميع فلم يرق لها سوى صوت المترجمة
стр. 63
فطلبت إليها الإقامة عندها فامتنعت واعتذرت أنها لا تقدر على ترك والدها الفقير فقبلت عذرها بكل أسف وأنعمت عليها بشيء من النقود وانصرفت ثم بعد ذلك اشتهرت بين سيدات مصر وذواتها فكثر طلبها وتحدث بذكرها الرجال والنساء.
ولما رأت "ساكنة" المغنية ذلك خافت على مركزها وشهرتها أن تسترها "ألمس" بما منحها الله من حسن الصوت ورقة الصنعة فضمتها إليها وصارت "ساكنة" لا يعبأ بها فداخلها الحسد والحقد, فساءت معاملتها ولما رأت المترجمة ذلك انفصلت عنها وجعلت لها تختا خصوصيا وكبر شأنها وطلبها ولاة مصر وذواتها وتركت "ساكنة" ونسي أمرها فزاد الحقد والحسد لها من جميع مغنين ومغنيات مصر وكان عبده الحمولي المغني الشهير هو المشهور بين الرجال في ذلك الوقت فأخذه الخوف على شهرته وارتعب من إطفاء اسمه كما حصل ل "ساكنة" فأظهر ل "ألمس" في بادئ الأمر العداوة ووقع الخلاف حتى صار إذا أراد أن يزين أفراحه ويجعل لها رونقا جمع ما بينهما في سامر واحد فيظهر كل منهما ما عنده من حسن الصنعة ورقة الصوت فيطرب السامعين ويصح فيهم المثل السائر: "تشاحنت المراكبيه بسعد الركاب".
ولما رأى عبده الحمولي وأن الأهالي متجهة أفكارها إلى جهة "ألمس" وكثر مادحوها, وقل الالتفات إلى جهته عمد إلى الحيلة والمكر اللذين يتهم بهما النساء وأظهر لها الحب والود الذي لا يشك فيه, وطلب إليها الاقتران وبذل جهده في إتقان الحلية حتى قبلت اقترانها به وكانت من قبل تزوجت برجل إيراني وانفصلت منه لا أعلم إن كان بموت أو بالحياة.
ولما دخلت على عبده كان آخر العهد بها فمنعها عن الغناء وتقدم هو فرجعت له شهرته الأولى إذ لم يبق غيره في القطر المصري وأسف الأهالي جميعا من غياب سناء "ألمس" عن عيونهم وحزن الكثير من هذا الاقتران.
ولما صارت تحت حكمه سلمت له كل مالها وما تملكه ففتح محل تجارة وحيث إنه كان مسرفا في بذل الأموال لم تدم تجارته إلا قليلا فقفل محله التجاري.
وكانت المترجمة جملت منه ولم تلد, بل توفاها الله بحملها وهي في نضارة الشباب وعنفوان الصبا فأسف عليها المصريون مل الأسف وكان لها يوم مشهود جمع أكابر مصر وأصاغرها واحتفل بمشهدها تقله أعناق الرجال وتسقى الأرض بأنهر من الدمع المدرار.
وحزن عبده عليها الحزن الشديد وحاقه الندم على ما فرط منه في معاملتها بالقسوة حيث إنه كان يعاملها بكل فظاظة وهجر حتى قيل: إنه كان يقصد خسارة أموالها فيركب العربة تقلها الخيل الجياد من خليها فلا يحملانه أكثر من الأسبوع وخسرت التجارة وما ينوف عن الثلاثين ألف جنيه وغير ذلك من الخسائر الباهظة غير ما عاملها به من الهجر والإعراض فلحقها الغم وندمت من حيث لا ينفع الندم حتى قيل: إن ذلك سبب موتها لما لحقها من الكدر.
فأثر هذا الأمر في عبده بعد موتها وثابر على الحزن مدة من الزمن وغنى عليها بألحان محزنة نذكرها على سبيل الاستئناس وهو: مذهب:
شربت الصبر من بعد التصافي ... ومر الحال ما عرفتش أصافي
يغيب النوم وأفكاري توافي ... عدمت الوصل آه يا قلبي علي
دور:
يقضي لوم يكفاني ملامه ... وزاد بي الحال يا الله السلامه
مضت بهجة فؤادي يا ندامه ... عدمت الوصل آه يا وعدي علي
стр. 64
دور:
على عيني بعاد الحلو ساعه ... ولكن للقضا سمعا وطاعه
لأن الروح في الدنيا وداعه ... عدمت الوصل آه يا قلبي علي
دور:
زمان الأنس راح عني وودع ... وصرت اليوم من ولهي مولع
وبعد الهجر هو الصبر ينفع ... عدمت الوصل آه يا قلبي علي
هذا ما بلغني من ترجمة "ألمس" ولم أجد من يطلعني على شيء من نوادرها وملحها الكثيرة.
حرف الباء الموحدة
باقو الملقبة بالطاهرة زوجة السلطان مراد الثالث
هي امرأة من البندقية كانت ذات فكر ثاقب وجمال بارع أسرها لصوص البحر سنة ١٥٨٠ م وهي سائرة مع أبيها من البندقية على "كورفو" فسقيت إلى القسطنطينية وصارت فيها من جواري السلطان مراد الثالث ثم تزوجها وجعلها سلطانة وأخذ حبها بمجامع قلبه كلمتها وكانت لها سطوة عجيبة في أيام ابنها السلطان محمد الثالث فكان يستشيرها في مصالح السلطنة غير أن حفيدها السلطان أحمد تغير عليها سنة ١٦٠٣ للميلاد ووضعها في السرابة القديمة إلى أن ماتت.
بثينة حبيبة جميل بن معمر العذري
هي بثينة بنت حبا بن ثعلبة بن لهوذ بن عمر بن الأصب بن حر بن ربيعة, كذلك نسبها صاحب الأغاني وهي من بني عذرة هام بها وذكرها في شعره جميل بن عبد الله بن معمر فعرف بها حتى إنه لا يعرف إلا بجميل بثينة. تزوجها رجل يقال له: نبيه بن الأسود وبقي جميل يتردد عليها بلا ريبة وكانت بثينة من أحسن النساء وأكملهن أدبا وظرفا وأطيبهن حديثا ولها مع جميل نوادر وأشعار ومغازلات كثيرة كلها مستورة بالعفة والأدب فمنها أن سبب ما علق بها جميل أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له: بغيض فاضطجع وأرسل إبله ترعى وأهل بثينة يومئذ في جانب الوادي فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء, فمرتا على فصال له بروك فنفرتهن بثينة (أي انتهرتهن) فقال: قد نفرتهن وكانت إذ ذاك جويرية صغيرة فسبها جميل, فبادلته السب وشتمته هي أيضا فاستحسن سبابها وهام بها من ذاك الحين, وفي ذلك يقول:
وأول ما قاد المودة بيننا ... بوادي بغيض يا بثين سباب
وقلنا لها قولا فجاءت بمثله ... لكل كلام يا بثين جواب
وخرجت بثينة في يوم عيد وكانت النساء إذ ذاك يتزين ويجتمعن ويدنو بعضهن لبعض ويبدون للرجال في كل عيد فجاء جميل فوقف على بثينة وأختها أم الحسين في نساء من نبي الأحب فرأى منهن منظرا لطيفا فقعد معهن ثم انصرف وكان معه فتيان من بني الأحب فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه فراح وهو يقول:
عجل الفراق وليته لم يعجل ... وجرت بوادر دمعك المتهلل
طربا وشاقك ما لقيت ولم تخف ... بين الحبيب غداة برقة محول
وعرفت أنك حين رحت ولم يكن ... بعد اليقين وليس ذاك بمشكل
لن تستطيع إلى بثينة رجعة ... بعد التفرق دون عام مقبل
стр. 65
ولما سمعت بثينة أن جميلا شب بها حلفت بالله أن لا يأتيها على خلوة إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث معها ومع أخواتها حتى نمى إلى رجالها أنه يتحدث إليها, وكانوا أصلافا (أي غيارى) , فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف ب بثينة وأم الحسين وهما تحدثانه وهو ينشدهما قوله:
حلفت برب الراقصات إلى منى ... هوي القطا تجتزن بطن دفين
لقد ظن هذا القلب أن ليس لا قيا ... سليمى ولا أم الحسين لحين
فليت رجالا فيك قد ندروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقوني
فبينما هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فأطلق عنان الناقة, فخرجت من بينهم كالسهم ووعدت جميلا يوما أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها, وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم, فعرفوا أنه جميل وصاحباه فحرسوا ب بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده, فلما أسفر الصبح انصرف كئيبا سيئ الظن بها ورجع إلى أهله فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها كما أن غيرك يحظى بوصلها فقال في ذلك:
فلرب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل
فاجبتها في القول بعد تستر ... حبي ب بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في صدري كقدر قلامة ... فضلا وصلتك أو أتتك رسائلي
ويقلن إنك قد رضيت بباطل ... منها لك في اجتناب الباطل
ولباطل ممن أحب حديثه ... أشهى إلي من البغيض الباذل
ليزلن عنك هواي ثم يصلنني ... وإذا هويت فما هواي بزائل
أبثين إنك قد ملكت فاسحجي ... وخذي بحظك من كريم واصل
وفي وعدها بالتلاقي وتأخرها يقول أيضا قصيدته الرائبة التي أولها:
يا صاح عن بعض الملامة أقصر ... إن المنى للقاء أم المسور
ومنها:
وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهنا قد دنا لتغور
يستاف ريح مدامة معجونة ... بذكي مسك أو سحيق العنبر
ومنها:
إني لأحفظ غيبكم ويسرني ... إذ تذكرين بصالح أن تذكري
ويكون يوم لا أرى لك مرسلا ... أو نلتقي فيه علي كأشهر
يا ليتني ألقى المنية بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر
أو أستطيع تجلدا عن ذكركم ... فيفيق بعض صبابتي وتفكري
لو قد تجن كما أجن من الهوى ... لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري
والله ما للقلب من علم بها ... غير الظنون وغير قول المخبر
لا تحسبي أني هجرتك طائعا ... حدث لعمرك رائع أن تهجري
فلتبكني الباكيات وإن أبح ... يوما بسرك معلنا لم أعذر
يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت ... يتبع صداي صداك بين الأقبر
стр. 66
إني إليك بما وعدت لناظر ... نظر الفقير على الغني المكثر
يعد الديون وليس ينجز موعدا ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم يمطر
قلبي نصحت له فرد نصيحتي ... فمتى هجرتيه فمنه تكثري
والتفت بجميل بعد طول تهاجر كان بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا ثم قالت له: ويحك يا جميل أتزعم أنك تهواني وأنت القائل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح
فأطرق طويلا وهو يبكي وينتحب ثم رفع رأسه وقال: بل أنا القائل:
ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى علي كلامها
فقالت: ويحك, ما حملك على هذه المنى أوليس في سعة العافية ما كفانا جميعا؟ وسعت جارية من جواري بثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما: إن جميلا عندها الليلة فأتياها مشتملين سيفهما, فرأياه جالسا إليها يحدثها ويشكو إليها وجده بها وشوقه لها, ثم قال لها: يا بثينة, أرأيت ودي لك وشغفي بك ألا تجزينه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين. فقالت له: يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه, ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي بعدها أبدا فضحك من كلامها وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه, ولو علمت أنك تجيبيني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي أو هجرتك إن استطعت على الأبد أو ما سمعت قولي:
إني لأرضى من بثينة بالذي ... لو أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب أمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوئله
فقال أبوها لأخيها: قم بنا فما ينبغي بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما. وقال جميل يوما لأحد أترابه: هل لك في مساعدتي على لقاء بثينة, فمضى معه حتى كمن له في الوادي وأرسل معه خاتمه إلى راعي بثينة ودفعه غليه فمضى به غليها ثم عاد بموعد منها إليه فلما جن الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته وهي باركة قالت له بثينة ادن مني يا جميل فدنا منها وقال:
إن المنازل هيجت أطرابي ... واستعجمت آياتها بجوابي
فترى تلوح بذي اللجين كأنها ... أنضاء رسم أو سطور كتاب
لما وقفت بها القلوص تبادرت ... مني الدموع لفرقة الأحباب
وذكرت عصرا يا بثينة شاقني ... وذكرت أيامي وشرخ شبابي
وقال كثير: لقيني جميل مرة فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند ابي الحبيبة -أعني بثينة- فقال: وإلى أين تمضي؟ قلت: إلى الحبيبة -أعني عزة- فقال: لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعدا من بثينة. فقال: عهدي بها الساعة وأنا أستحي أن أرجع. فقال: لا بد من ذلك. فقلت: فمتى عهدك بها؟ قال: في أول العيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الردم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها, فلما أبصرتني أنكرتني وضربت بيدها إلى ثوب في الماء فالتحفت به تسترا, وعرفتني الجارية فأخبرتها, فتركت الثوب في الماء وتحدثنا حتى غابت الشمس, وسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون. وما وجدت أحدا غيرك يا كثير حتى أرسله غليها فقال له كثير: فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من الشعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها.
قال: ذلك الصواب: فأرسله إليها فذهب, وقال: انتظرني حتى أعود, ثم سار حتى أناخ بهم فقال له أبوها:
стр. 67
ما ردك يا كثير؟ قال: ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثير: فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الخدر:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولا والموكل مرسل
بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الروم والثوب يغسل
فضربت بثينة صدرها وقالت: اخسأ اخسأ، فقال أبوها: مهم يا بثينة؟ قال: كلب يأتينا إذا نام الناس من وراء هذه الرابية، ثم التفتت إلىالجارية وقالت: أبغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونسويها له. فقال كثير: أنا أعجل من ذلك وخرج وراح إلى جميل فأخبره. فقال له جميل: الموعد الدومات بعد أن تنام الناس. وكانت بثينة قد قالت لأختها أم الحسين، وليلى ونجيا بنات خالتها: إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جملا معه وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن وكاشفتهن بأسرارها فخرجن معها، وكان جميل وكثير خرجا حتى أتيا الدومات (اسم محل) وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح فكان كثير يقول: ما رأيت عمري مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ولم أدر أيهما كان أفهم. ولما ندر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد الليل كثيب رمل ويتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول:
أيا ريح الشمال أما تريني ... أهمي وإنني بادي النحول
هبي لي نسمة من ريح بثن ... ومني بالهبوب إلى جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسي ... قليلك أو أقل من القليل
فإذا ظهر الصبح انصرف وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن، إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران فيقلن لها: اتقي الله فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له، واجتمع كثير بجميل وما فقال له: يا جميل، أترى بثينة لم تسمع بقولك:
يقيك جميل كل سء أماله ... لديك حديث أو إليك رسول
وقد قلت في حبي لكم وصبابتي ... محاسن شعر ذكرهن يطول
فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي ... هبوب الصبا يا بثن كيف أقول
فما غاب عن عيني خيالك لحظة ... ولا زال عنها والخيال يزول
فقال جميل أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك:
يقول العدا ياعز قد حال دونكم ... شجاع على ظهر الطريق مصمم
فقلت لها والله لو كان دونكم ... جهنم ما راعت فؤادي جهنم
وكيف يروع القلب يا عز رائع ... ووجهك في الظلماء للسفر معلم
وما ظلمتك النفس ياعز في الهوى ... فلا تنقمي حبي فما فيه منقم
قال: فبكيا ليلتهما إلى أن بزغ الصباح، ثم انصرفا وخرج جيمل لزيارة بثينة ذات يوم فنزل قريبا من الماء يترصد أنه لبثينة، أو راعية ليتخذها واسطة لتبليغ رسالته، وإذا بأمة حبشية معها قربة واردة على الغدير لتملأها، فكانت عارفة به، ولما تبينها وتبينته سلمت عليه وجلست معه وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ويخبرها بما يعانيه من ألم الفراق، ويحملها رسائله إلى بثينة، ثم أعطاها خاتمه وسألها أن تدفعه لها وأخذ عليها موعدا ترجع إليه فيه، ومكث ينتظر رجوعها وذهبت الجارية إلى أهلها وقد أبطأت عليهم، فلقيها
стр. 68
أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها فالتوت عليهم ولم تخبرهم من شيء مما حصل لها مع جميل، فتعللت عليهم فضربوها ضربا مبرحا، ومن ألم الضرب أعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه، وصدف أنه مر بها في تلك الحالة فتيان من بني عذرة فسمعا القصة جميعها وعرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبا أن يدرآ عنه هذا الخطر فقالا للقوم إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه وكان أهل بثينة أعز بني عذرة فدعوا الأمة وأعطوها الخاتم وأمروها أن توصله إلى بثينة وحذروها من أن تخبرها بأنهم علموا القصة ففعلت، ولم تعلم بثينة بما جرى، ومضى الفتيان فأنذرا جميلا وقالا تقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب، ثم تبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما.
فقال: أما الآن فابعثا إليها من ينذرها فأتياه براعية لهما وقالا له: قل بحاجتك فقال: ادخلي إليها وقولي لها إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القناص ففاتني الليلة فمضت فأعلمتها ما قال لها فعرفت قصته وبحثت عنها ففهمتها تماما فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدها فلم تبرح من مكانها ومضوا يقتفون أثره فوجدوا ناقته فعرفوا أنه د فاتها وفي ذلك يقول جميل:
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما ... على عذبة الأنياب طيبة النشر
ألما بها ثم اشفعا لي وسلما ... عليها سقاها الله من سائغ القطر
وقال:
ابي القلب إلا حب بثنة لم يرد ... سواها وحب القلب بثنة لا يجدي
إذا ما دنت زدت اشتياقا وإن نأت ... جزعت لنأي الدار منها وللبعد
سلي الركب هل عجنا لمغناك مرة ... صدرو المطايا وهي موقرة تخدي
وهل فاضت العين لاشروق بمائها من أجلك حتى أخضل من دمعها بردي
وإني لأستجري لك الطير جاهدا ... لتجري بيمن من لقائك من سعدي
وإني لأستبكي إذا الركب غردوا ... بذكراك أن يحيا بك الركب إذا تحدي
فهل تجزيني أم عمرو بودها ... فإن الذي أخفى بها فوق ما أبدي
وكل محب لم يزد فوق جهده ... وقد زدتها في الحب مني على الجهد
ولما ضاقت برهط بثينة الحيل ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها: أم منظور فجاءها جميل وقال لها: أريني بثينة، فقالت: لا والله لا أفعل وقد ائتمنوني عليها فقال: أما والله لا أضرنك فقالت: المضرة والله في أن أريكها فخرج من عندها وهو يقول:
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور
ولا استلابها خرسا جبابرها ... إلي من ساقط الأوراق مستور
قال فما كان غلا قليل حتى انتهى إلهم هذان البيتان فتعلقوا بأم منظور فحلفت لهم بكل يمين فلم يقبلوا منها وعاقبوها على ذلك هكذا رواه صاحب الأغاني عن الأغاني عن الزبير بن بكار.
وفي رواية أخرى أن رجلا أنشد مصعب بن الزبير البيت الأول من البيتين المذكورين فقال مصعب: لوددت أني عرفت كيف جلتها فقيل له: إن أم منظور هذه حية فكتب في حملها غليه مكرمة فحملت إليه فقال لها: أخبريني عن قول جميل.
ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور
كيف كانت هذه الجلوة؟ قالت: ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح في وسطها تفاحة وضفرت شعرها، وجعلت في فرقها شيئا من الجلوة ومر بنا جميل راكبا على ناقته فجعل ينظر غليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا
стр. 69
فقال لها مصعب: فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ففعلت، وركب مصعب ناقته وجعل ينظر على عائشة بمؤخر عينه مثل ما فعل جميل ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع. وجاء جميل إلى بثينة ليلة وقد تزيا بزي راع لبعض الحي، فوجد عندها ضيفان لها فانتبذ ناحية وجلس فيها فسألته: من أنت؟ فقال: مسكين مكاتب فعشت ضيفانها وعشته وحده ثم جلست هي وجارية لها تجاه النار تصطليان واضطجع القوم منتحين فقال جميل:
هل البائس المقرور دان فمصطل ... من النار أو معطى لحافا فلابس
فقالت لجاريتها: صوت جميل والله اذهبي فانظري فذهبت ثم رجعت وقالت: هو والله جميل فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون، وقالو: ما لك فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت: احترق بردي، فرجع القوم وأرسلت جاريتها إلى جميل فجاءتها به فحبسته عندها ثلاث ليال ثم ودعها وخرج.
ورصدها ليلة في نجع لبني عذرة حتى إذا صادف منها فرصة وهي مارة مع أترابها في ليلة ظلماء ذات رعود وأمطار فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها ففزعت وقالت: والله ما حذفني في مثل هذا الوقت إلا الجن فقالت لها بثينة -وقد فطنت-: انصرفي على منزلك حتى نذهب إلى النوم، فانصرفت وبقي مع بثينة أم الحسين وأم منظور فقامت إلى جميل فأخذته إلى الخباء معها وتحدثا طويلا ثم اضطجع واضطجعت إلى جانبه فذهب بهما النوم حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها زوجها (يظهر من تواريخ العرب أنهم كانوا على الطريقة التي اتخذها الإفرنج في وقتنا هذا بأن الزوج لا يرقد وزوجته في محل واحد بل كل منهما في محل) فلما رآها نائمة مع جميل مضى لوجهه حتى يخبر سيده فرأته ليلى والصبوح معه وكانت قد عرفت خبر بثينة وجميل فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارتها لها وقالت: حذري بثينة وجميلا، فجاءت الجارية فنبهتهما، فلما تبنيت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين أرتاعت وقالت: يا جميل نفسك نفسك فقد جاءني غلام زوجي بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين فقال لها وهو غير مكترث لما خوفته منه:
لعمرك ما خوفتني من مخافة ... بثين ولا حذرتني موضع الحذر
فأقسم لا يلفي لي اليوم غرة ... وفي الكف مني صارم قاطع ذكر
فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد وقالت: إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك, ففعل ما أمرته به ونامت كما كانت, وأضجعت أم الحسين إلى جانبها, وذهبت خادمة ليلى وأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده فمضى والصبوح معه وقال: إني رأيت جميلا مع بثينة في فراش واحد مضطجعا إلى جانبها فمضى إلى أخيها وأبيها وأخبرهم الخبر وأخذهما وأتى بهما إلى خباء بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الحسين إلى جانبها نائمة, فخجل زوجها وسب عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها: قبحكما الله أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح قبحه الله, وقبحكما معه. وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح وأقام جميل عند بثينة حتى جن الليل ثم ودعها وانصرف وخافت بثينة مما جرى فتحامت منه مدة فقال في ذلك:
أإن هتفت ورقاء ظلت سفاهة ... تبكي على جمل لورقاء تهتف
فلو كان لي بطرم يا صاح طاقة ... صرمت ولكني عن الصرم أضعف
لها في سواد القلب بالحب منعة ... هي الموت أو كادت على الموت تشرف
وما ذكرتك النفس يا بثن مرة ... من الدهر إلا كادت النفس تتلف
وإلا اعترتني زفرة واستكانة ... وجادلها سجل من الدمع يذرف
وما استطرفت نفسي حديثا لخلة ... أسر به إلا حديثك أطرف
стр. 70
وهي قصيدة طويلة منها قوله:
ولست بناس أهلها حين أقبلوا ... وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا
وقالوا جميل بات في الحي عندها ... وقد جردوا أسيافهم ثم وقفوا
ولما اشتهرت بثينة بحب جميل إياها اعترضه عبيد الله بن قطنة بني الأحب وهو من رهطها الأقربين فهجاه وبلغ ذلك جميلا فأجابه وتطاولا فغلبه جميل وكف عنه ابن قطنة واعترضه عمير بن رمل رجل من بني الأحب أيضا وإياه عنى جميل بقوله:
إذا الناس هابوا خزية ذهبت بها ... أحب المخازي كهلها ووليدها
لعمر عجوز طرقت بك إنني ... عمير بن رمل لابن حرب أقودها
بنفسي فلا تقطع فؤادك ضلة ... كذلك حزني وعثها وصعودها
قال: فاستعدوا عليه عامر بن ربعي وكان الحاكم على بلاده عذرة وقالوا: يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا فأباحهم دمه وطلب فهرب, وغضبت عليه بثينة لهجائه أهلها جميعا فقال جميل:
وما صائب من نائل قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق
له من خوافي النسر جم تطاير ... ونصل كنصل الزاعبي فتيق
على نبعة زوراء أما خطامها ... فمثن وأما عودها فعتيق
بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم تظهر لهن خروق
تفرق أهلانا بثين فمنهم ... فريق أقاموا واستمر فريق
فلو كنت خوارا لقد باح مضمري ... ولكنني صلب القناة عريق
كان لم يحارب يا بثين لو أنه ... تكشف غماها وأنت صديق
وبعد ذلك بمدة وقع الصلح بينه وبينها وأخذ منها موعدا للقائه فوجدوه عندها فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا قتله خوفا من أن ينشب بينهم وبين قومه حرب بدمه وكان قومه أشد بأسا من قوم بثينة فأعادوا شكواه إلى السلطان فطلبه طلبا شديدا فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة. ومن شعره وهو في اليمن:
ألو خيال من بثينة طارق ... على النأي مشتاق إلي وشائق
سرت من تلاع الحجر حتى تخلصت إلي ودوني الأشعرون وعافق
كأن فتيت المسك خالط نشرها ... تقل به أردافها والمرافق
تقوم إذا قامت به عن فراشها ... ويغدو به من حضنها من تعانق
ولم يزل في اليمن على أن عزل ذلك الوالي وانتقل أهل بثينة إلى ناحية الشام فرجع إليهم فشكا أكابر الحي إلى أبيه وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله فناشدوه الله والرحم وسألوه كف ابنه عن فتاتهم وعن تشببه بها وما يفضحهم به بين الناس فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع ثم انصرفوا فدعا به وقال له: يا بني حتى متى أنت أعمى في ضلالك ألا تأنف من أن تتعلق في ذات بعل يخلو بها وأنت عنها بمعزل تغرك بأقوالها وخداعها, وتريك الصفاء والمودة, وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها فيكون قولها لك تعليلا وغرورا فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة إن هذا لذل وضيم وما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك فأنشدك الله ألا كففت وتأملت في أمرك فإنك تعلم أن ما قلته حق ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها, ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له وفي النساء عوض؟ ! فقال له جميل: الرأي ما رأيت والقول كما قلت, ولكن هل رأيت قبلي أحد قدر أن يدفع هواه عن قلبه أو ملك أن يسلي نفسه أو استطاع أن يدفع ما قضى عليه والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي, أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت
стр. 71
ولا سبيل إلى ذلك وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي, ولكن أنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به ولو مت كمدا, وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه, وقام وهو يبكي فبكى أبوه ومن حضر جزعا لما رأوا منه حب بثينة ثم أنشد:
ألا من لقلب لا يمل فيذهل ... أفق فالتعزي عن بثينة أجمل
سلا كل ذي ود علمت مكانه ... وأنت بها حتى الممات موكل
فما هكذا أحببت من كان قبلها ... ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل
فيا قلب دع ذكرى بثينة إنها ... وإن كنت تهواها تضن وتبخل
وقد أيأست من نيلها وتجهمت ... ولليأس إن لم يقدر النيل أمثل
وإلا فسلها نائلا قبل بينها ... وأبخل بها مسؤولة حين تسأل
وكيف ترجى وصلها بعد وقد جد حبل الوصل ممن تؤمل
وإن التي أحببت قد حيل دونها ... فكن حازما والحازم المتحول
ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلة ... وفي الأرض عمن لا يواتيك معزل
بدا كلف مني بها فتثاقلت ... وما لا يرى من غائب الوجد أفضل
هبيني برئيا نلته بظلامة ... عفاها لكم أو مذنبا يتنصل
فتاة من المران ما فوق حقوها ... وما تحته منها نقا يتهيل
والتقى جميل بعمر بن أبي ربيعة فقال له: يا جميل, قم بنا نذهب على زيارة بثينة. قال: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها وهاتيك أبياتها فاذهب غليها, فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها فقال: يا جارية, أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني فأعلمتها فخرجت إليه في مباذلها وقالت: والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهن الوجد بك, فانكسر عمر وقال لها قول جميل:
وهما قالتا لو أن جميلا ... عرض اليوم نظرة فرآنا
بينما ذاك منهما وأتاني ... أعمل النص سيرة زفيانا
نظرت نحو تربها ثم قالت ... قد أتانا وما علمنا منانا
فقال إنه استملى منك فما أفلح, وقد اربط الحمار مع الفرس فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه فخجل من قولها وانصرف.
ولما ضاقت بجميل الحيل وأراد الخروج إلى الشام هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة في الحي فقالت له: أهلكتني والله وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف؟ فقال لها: هذا وجهي إلى الشام وإنما جئتك مودعا فحادثها طويلا ثم ودعها وقال: يا بثينة ما أرانا نلتقي بعد هذا وبكى بكاء طويلا وبكت, ثم قال وهو يبكي:
ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا ... لنا منك رأي يا بثين جميل
وما لم تطيعي كاشحا أو تبدلي ... بنا بدلا أو كان منك ذهول
وإني وتكراري الزيارة نحوكم ... بثين بذي هجر بثين يطول
وإن صبابتي بكم لكثيرة ... بثين ونسيانيكم لقليل
وخرج إلى الشام وطال غيابه فيها, ثم قدم وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه وواعدته لموضع يلتقيان فيه فسار غليها وحدثها وبث غليها أشواقه وأخبرها خبره بعدها وقد كان أهلها رصدوها فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما فوثب جميل, وانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب وناشدته بثينة الله ألا انصرف وقالت له: إن أقمت فضحتني
стр. 72
ولعل الحي أن يلحقوا بك. فأبى وقال: أنا مقيم, وامض أنت وليصنعوا بي ما أحبوا فلم تزل تنشده حتى انصرف وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة وفي ذلك يقول:
ألم تسأل الربع الخلاء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف إلا رحبي المنوق
تعزو إن كانت عليك كريمة ... لعلك من رق لبثينة تعتق
لعمركم إن البعاد لشائقي ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق
لعلك محزون ومبد صبابة ... ومظهر شكوى من أناس تفرقوا
وبيض غريرات تثني خصورها ... إذا قمن أعجاز ثقال وأسوق
عزائز لم يلقين بؤس معيشة ... يجن بهن الناظر المتنوق
وغلغلت من وجد إليهن بعدما ... سريت وأحشائي من الخوف تخفق
معي صارم قد أخلص القين صقله ... له حين أغشيه الضريبة رونق
فلولا احتيالي ضقن ذراعا بزائر ... به من صبابات إليهن أولق
تسوق بقضبان الأراك مفلجا ... يشعشع فيه القارسي المروق
أبثينة للوصل الذي كان بيننا ... نضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلف
أبثينة ما تنأين إلا كأنني ... بنجم الثريا ما نأيت معلق
وأقام مرة لا يلم بها ثم لقي ابني عمه روقا ومسعد فشكا غليهما ما به وأنشدهما قوله:
زورا بثينة فالحبيب مزور ... إن الزيارة للمحب يسير
إن الترحل أن تلبس أمرنا ... وإعتاقنا قدر أحم بكور
إني عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة لصبور
غراء مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور
مخطوطة المتنين مضمرة الحشا ... ريا الروادف خلفها ممكور
لا حسنها حسن ولا كدلالها ... دل ولا كوقارها توقير
إن اللسان بذكرها لموكل ... والقلب صاد والخواطر صور
ولئن جزيت الود مني مثله ... إني بذلك يا بثين جدير
فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها وإنك منها بين فجور أرفعك عنه أو ذل لا أحبه لك, أو كمد يؤديك على التلف, أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعذرت لهم بعد إعذارهم إليك, وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم وتصير نفسك عليها طائعة له أو كارهة ألفت ذلك وسلوت.
فبكى جميل وقال: يا أخي, لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا ولكني لا أملك لي اختيارا, ولا أنا كالأسير لا يملك لنفسه نفعا, وقد جئتك لأمر أسألك أن لا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم, وأن تحمل على نفسك في مساعدتي.
فقال له: فإن كنت لا بد مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا فإنها تخرج مع بنات عم لها على ملعب لهن فأجيء معك حينئذ سرا ولي أخ من رهط بثينة من بني الأحب نأوي عنده نهارا فأسأله مساعدتك على هذا فتقيم عنده أياما نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك. فشكره ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم ويحك إن في هذا معاداتي الحي جميعا إن
стр. 73
فطن به فقال: أنا أتحرز في أمره من أن يظهر فواعده في ذلك ومضى إلى جميل فأخبره بالقصة فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده وأرسل على بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها فلما رأته عرفت فتبعهتا وجاءته فتحدثا ليلتهما وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودعها وقال لها: عن غير قلى والله ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك ولمني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه, وقد أقمت عنده ثلاثا ولا مزيد ذلك, ثم انصرف وقال في عذل روق له:
لقد لامني فيها أخ ذو قرابة ... حبيب إليه في ملامته رشدي
وقال أفق حتى متى أنت هائم ... ببثينة فيها قد تعيد وقد تبدي
فقلت له فيها قضى الله ما ترى ... علي وهل فيما قضى الله من رد
فإن يك رشدا حبها أو غواية ... فقد جئته ما كان مني على عمد
لقد لج ميثاق من الله بيننا ... وليس لمن لم يوف لله من عهد
فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها ... ولا لي علم بالذي فعلت بعدي
وما زادها الواشون إلا كرامة ... علي وما زالت مودتها عندي
أفي الناس أمثالي أحب فحالهم ... كحالي أم أحببت من بينهم وحدي
وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما ... لقيت بها أم لم يجد أحد وجدي
قيل: وقع بين بثينة وجميل هجر في غيرة كان غار عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها, فكان جميل يتحدث إلى غيرها, فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل, وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه, فدخل يوما وقد غلب عليه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة, فلما رأته جاءت إلى البيت ولم تبرز له, فجزع لذلك وجعل كل واحد منهما يطالع صاحبه وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ فأنشأ يقول:
لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة ... وفي النفس حاجات غليك كما هيا
وإني لتثنيني الحفيظة كلما ... لقيتك يوما أن أبثك ما بيا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذ لم أسق ريقك صاديا
فرقت له بثينة وقالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله. ثم اصطلحا فقالت له: أنشدني قولك:
تظل وراء الستر ترنو بلحظها ... إذا مر من أترابها من يروقها
فأنشدها إياها فبكت وقالت: كلا يا جميل ومن ترى أنه يروقني غيرك.
وروى بعضهم عن عجوز من بني عذرة قالت: كنا على ماء لنا بالجناب وقد تجنبنا الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثا فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون على جوار منهم فلم يبق غيري وغير بثينة إذا انحدر علينا منحدر من هضبة تلقانا فسلم ونحن مستوحشون وجلون فتأملته ورددت السلام فإذا جميل فقلت: أجميل؟ قال: أي والله, وإذا به لا يتماسك جوعا فقمت على قعب لنا فيه أقط مطحون وإلى عكة فيها سمن ورب, فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا فأصاب منه وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه, وتراجعت نفسه فقلت له لقد بلغت ولقيت شرا فما أمرك؟ قال: أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم, وأنا عامد إلى مصر فتحدثنا ساعة, ثم ودعنا وشخص فلم تطل غيبته أن جاء ناعيه.
روي عن رجل كان شاهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر قال: إنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك؟ قال: فقلت: اللهم نعم, قال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا, ثم كل شيء سواها لك, وارحل على رهط بني الأحب من عذرة - وهم رهط بثينة- فإذا
стр. 74
صرت غليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ثم البس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم ثم أنشدني هذه الأبيات:
صدع النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر الذيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كل خليل
قال: فلما قضى وواريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرني به جميل, فما استتمت الأبيات حتى برزت إلي امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا, وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز في دجنة وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني فقالت: يا هذا والله لئن كنت صادقا لقد قتلتني, ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني. قلت: والله ما أنا إلا صادق وأخرجت حلته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها
وقيل: إنها كررت هذين البيتين حتى ماتت بعد ثلاثة أيام من سماعها بموت جميل, وله فيها أشعار كثيرة ولو أنه لم يقل فيها سوى البيتين لكفاها شهرة وفخرا وهما قوله من قصيدة طويلة هي من ضمن أشعاره:
هي البدر حسنا والنساء كواكب ... وشتان ما بين الكواكب والبدر
لقد فضلت بثن على الناس مثل ما ... على ألف شهر فضلت ليلة القدر
بثينة ابنة المعتمد بن عباد
أمها الرميكية كانت بثينة هذه نحوا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر, ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت في جملة من سبي ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لا يعلمان ما آل إليه أمرها إلى أن كتبت إليهما وكان أحد تجار "إشبيلية" اشتراها على أنها جارية ووهبها لابنه فنظر في شأنها وهيئت له فأراد الدخول عليها فامتنعت وأظهرت نسبها, وقالت: لا أحل لك إلا بعقد وإن أذنت بمخاطبة والدي بذلك فعلت وإني أحب أن أكون قرينتك في سنة الله تعالى, فوقع عنده كلامها موقعا عظيما وداخله سرور زائد لكونه صاهر المعتمد بن عباد وإن كان في نكبته وأذن لها بما أرادت فكتبت لأبيها تستأذنه وكان الذي كتبته بخطها ما صورته:
اسمع كلامي واستمع لمقالتي ... فهي السلوك بدت من الأجياد
لا تنكروا أني سبيت وأنني ... بنت لملك من بني عباد
ملك عظيم قد تولى عصره ... وكذا الزمان يؤل للإفساد
لما أراد الله فرقة شملنا ... وأذاقنا طعم الأسى من زاد
قام النفاق على أبي في ملكه ... فدنا الفراق ولم يكن بمرادي
فخرجت هاربة فأعجزني امرؤ ... لم يأت في إعجازه بسداد
إذ باعني بيع العبيد فضمني ... من صانني إلا من الأنكاد
стр. 75
وأرادني لنكاح نجل طاهر ... حسن الخلائق من بني الأنجاد
ومضى غليك يسوم رأيك في الرضا ... ولأنت تنظر في طريق رشادي
فعساك يا أبتي تعرفني به ... إن كان ممن يرتجى لوداد
وعسى رميكية الملوك بفضلها ... تدعو لنا باليمن والإسعاد
فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات سر هو وأمها بحياتها, ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها إذ علما ما آل إليه أمرها, وجبر كسرها, إذ ذاك أخف الضررين, وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب وأشهد على نفسه بعقد إنكاحها من الشاب المذكور وكتب إليها أثناء كتابه:
بنيتي موني به برة ... فقد قضى الدهر بإسعافه
وأخبار المعتمد بن عباد تذيب الأكباد وقد أضربنا عنها خوف الخروج عن الموضوع.
بدور وقيل قدور الساحرة
هي امرأة مصرية ساحرة كانت في زمان دلوكة, وكانت السحرة تعظمها وتقدمها ولما حل ما حل بفرعون والمصريين من الغرق في البحر الأحمر عند اتباعهم بني إسرائيل ولم يعد في مصر من الرجال المقدمين من يقدر على حفظ البلاد بعثت دلوكة على بدور تقول لها: إننا قد احتجنا على سحرك وفزعنا إليك ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك, فاعلمي لنا شيئا نغلب به من حولنا وقد كان فرعون يحتاج غليك فكيف وقد ذهب أكابرنا وبقي أقلنا.
فبنت بدور بربي من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب على جهة القبلي والبحري والشرق والغرب, وصورت فيه صور الخيل والبغال والحمير, والسفن والرجال وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أرادكم من أي جهة تؤتون منها برا وبحرا وهذا يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البر على خيل, أو بغال, أو إبل, أو في سفن, أو رجالة تحركت هذه الصور فيصيبهم في أنفسهم قيل: ولم تزل تلك العجوز تدبر مصر نحو أربعمائة سنة وكلما انهدم من تلك البربي شيء لم يقدر على إصلاحه إلا هي أو ولدها أو ولد ولدها, ولما انقرض بيتها تهدمت البربي ولم يقدر أحد على إصلاحها -ذكر ذلك المقريزي.
بديعة ابنة السيد سراج الدين الرفاعي
كانت ذات عرفان ويقين وبكاء أخذت عن أبيها وسمع منها الإمام محمد الوتري وغيره, وحدثت ولها شعر عجيب ومنه قولها في مدح النبي ﷺ :
رسول الهدى أدعوك والقلب خاشع ... هلوع فيا للغارة الأحمدية
عليك تحياتي ولو أن همتي ... حطيطة حد عن مقام التحية
فإنك مصباح الوجودات كلها ... وشمس أسارير الهدى للبرية
ولها كرامات ومناقب وأحوال ظاهرة وكانت من الحياء والدين وعلم الشريعة بمنزلة رفيعة, وتوفيت ﵂ سنة ٨٩٠ هجرية.
следующие страницы →