← Тараджим

Тараджим · id 9229

الدر المنثور في طبقات ربات الخدور

زينب فواز

Полный текст (532 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولا سبيل إلى ذلك وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي, ولكن أنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به ولو مت كمدا, وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه, وقام وهو يبكي فبكى أبوه ومن حضر جزعا لما رأوا منه حب بثينة ثم أنشد: ألا من لقلب لا يمل فيذهل ... أفق فالتعزي عن بثينة أجمل سلا كل ذي ود علمت مكانه ... وأنت بها حتى الممات موكل فما هكذا أحببت من كان قبلها ... ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل فيا قلب دع ذكرى بثينة إنها ... وإن كنت تهواها تضن وتبخل وقد أيأست من نيلها وتجهمت ... ولليأس إن لم يقدر النيل أمثل وإلا فسلها نائلا قبل بينها ... وأبخل بها مسؤولة حين تسأل وكيف ترجى وصلها بعد وقد جد حبل الوصل ممن تؤمل وإن التي أحببت قد حيل دونها ... فكن حازما والحازم المتحول ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلة ... وفي الأرض عمن لا يواتيك معزل بدا كلف مني بها فتثاقلت ... وما لا يرى من غائب الوجد أفضل هبيني برئيا نلته بظلامة ... عفاها لكم أو مذنبا يتنصل فتاة من المران ما فوق حقوها ... وما تحته منها نقا يتهيل والتقى جميل بعمر بن أبي ربيعة فقال له: يا جميل, قم بنا نذهب على زيارة بثينة. قال: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها وهاتيك أبياتها فاذهب غليها, فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها فقال: يا جارية, أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني فأعلمتها فخرجت إليه في مباذلها وقالت: والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهن الوجد بك, فانكسر عمر وقال لها قول جميل: وهما قالتا لو أن جميلا ... عرض اليوم نظرة فرآنا بينما ذاك منهما وأتاني ... أعمل النص سيرة زفيانا نظرت نحو تربها ثم قالت ... قد أتانا وما علمنا منانا فقال إنه استملى منك فما أفلح, وقد اربط الحمار مع الفرس فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه فخجل من قولها وانصرف. ولما ضاقت بجميل الحيل وأراد الخروج إلى الشام هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة في الحي فقالت له: أهلكتني والله وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف؟ فقال لها: هذا وجهي إلى الشام وإنما جئتك مودعا فحادثها طويلا ثم ودعها وقال: يا بثينة ما أرانا نلتقي بعد هذا وبكى بكاء طويلا وبكت, ثم قال وهو يبكي: ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا ... لنا منك رأي يا بثين جميل وما لم تطيعي كاشحا أو تبدلي ... بنا بدلا أو كان منك ذهول وإني وتكراري الزيارة نحوكم ... بثين بذي هجر بثين يطول وإن صبابتي بكم لكثيرة ... بثين ونسيانيكم لقليل وخرج إلى الشام وطال غيابه فيها, ثم قدم وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه وواعدته لموضع يلتقيان فيه فسار غليها وحدثها وبث غليها أشواقه وأخبرها خبره بعدها وقد كان أهلها رصدوها فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما فوثب جميل, وانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب وناشدته بثينة الله ألا انصرف وقالت له: إن أقمت فضحتني

стр. 72

ولعل الحي أن يلحقوا بك. فأبى وقال: أنا مقيم, وامض أنت وليصنعوا بي ما أحبوا فلم تزل تنشده حتى انصرف وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة وفي ذلك يقول: ألم تسأل الربع الخلاء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق وقفت بها حتى تجلت عمايتي ... ومل الوقوف إلا رحبي المنوق تعزو إن كانت عليك كريمة ... لعلك من رق لبثينة تعتق لعمركم إن البعاد لشائقي ... وبعض بعاد البين والنأي أشوق لعلك محزون ومبد صبابة ... ومظهر شكوى من أناس تفرقوا وبيض غريرات تثني خصورها ... إذا قمن أعجاز ثقال وأسوق عزائز لم يلقين بؤس معيشة ... يجن بهن الناظر المتنوق وغلغلت من وجد إليهن بعدما ... سريت وأحشائي من الخوف تخفق معي صارم قد أخلص القين صقله ... له حين أغشيه الضريبة رونق فلولا احتيالي ضقن ذراعا بزائر ... به من صبابات إليهن أولق تسوق بقضبان الأراك مفلجا ... يشعشع فيه القارسي المروق أبثينة للوصل الذي كان بيننا ... نضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلف أبثينة ما تنأين إلا كأنني ... بنجم الثريا ما نأيت معلق وأقام مرة لا يلم بها ثم لقي ابني عمه روقا ومسعد فشكا غليهما ما به وأنشدهما قوله: زورا بثينة فالحبيب مزور ... إن الزيارة للمحب يسير إن الترحل أن تلبس أمرنا ... وإعتاقنا قدر أحم بكور إني عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة لصبور غراء مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور مخطوطة المتنين مضمرة الحشا ... ريا الروادف خلفها ممكور لا حسنها حسن ولا كدلالها ... دل ولا كوقارها توقير إن اللسان بذكرها لموكل ... والقلب صاد والخواطر صور ولئن جزيت الود مني مثله ... إني بذلك يا بثين جدير فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها وإنك منها بين فجور أرفعك عنه أو ذل لا أحبه لك, أو كمد يؤديك على التلف, أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعذرت لهم بعد إعذارهم إليك, وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم وتصير نفسك عليها طائعة له أو كارهة ألفت ذلك وسلوت. فبكى جميل وقال: يا أخي, لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا ولكني لا أملك لي اختيارا, ولا أنا كالأسير لا يملك لنفسه نفعا, وقد جئتك لأمر أسألك أن لا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم, وأن تحمل على نفسك في مساعدتي. فقال له: فإن كنت لا بد مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا فإنها تخرج مع بنات عم لها على ملعب لهن فأجيء معك حينئذ سرا ولي أخ من رهط بثينة من بني الأحب نأوي عنده نهارا فأسأله مساعدتك على هذا فتقيم عنده أياما نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك. فشكره ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم ويحك إن في هذا معاداتي الحي جميعا إن

стр. 73

فطن به فقال: أنا أتحرز في أمره من أن يظهر فواعده في ذلك ومضى إلى جميل فأخبره بالقصة فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده وأرسل على بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها فلما رأته عرفت فتبعهتا وجاءته فتحدثا ليلتهما وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودعها وقال لها: عن غير قلى والله ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك ولمني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه, وقد أقمت عنده ثلاثا ولا مزيد ذلك, ثم انصرف وقال في عذل روق له: لقد لامني فيها أخ ذو قرابة ... حبيب إليه في ملامته رشدي وقال أفق حتى متى أنت هائم ... ببثينة فيها قد تعيد وقد تبدي فقلت له فيها قضى الله ما ترى ... علي وهل فيما قضى الله من رد فإن يك رشدا حبها أو غواية ... فقد جئته ما كان مني على عمد لقد لج ميثاق من الله بيننا ... وليس لمن لم يوف لله من عهد فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها ... ولا لي علم بالذي فعلت بعدي وما زادها الواشون إلا كرامة ... علي وما زالت مودتها عندي أفي الناس أمثالي أحب فحالهم ... كحالي أم أحببت من بينهم وحدي وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما ... لقيت بها أم لم يجد أحد وجدي قيل: وقع بين بثينة وجميل هجر في غيرة كان غار عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها, فكان جميل يتحدث إلى غيرها, فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل, وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه, فدخل يوما وقد غلب عليه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة, فلما رأته جاءت إلى البيت ولم تبرز له, فجزع لذلك وجعل كل واحد منهما يطالع صاحبه وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ فأنشأ يقول: لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة ... وفي النفس حاجات غليك كما هيا وإني لتثنيني الحفيظة كلما ... لقيتك يوما أن أبثك ما بيا ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذ لم أسق ريقك صاديا فرقت له بثينة وقالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله. ثم اصطلحا فقالت له: أنشدني قولك: تظل وراء الستر ترنو بلحظها ... إذا مر من أترابها من يروقها فأنشدها إياها فبكت وقالت: كلا يا جميل ومن ترى أنه يروقني غيرك. وروى بعضهم عن عجوز من بني عذرة قالت: كنا على ماء لنا بالجناب وقد تجنبنا الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثا فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون على جوار منهم فلم يبق غيري وغير بثينة إذا انحدر علينا منحدر من هضبة تلقانا فسلم ونحن مستوحشون وجلون فتأملته ورددت السلام فإذا جميل فقلت: أجميل؟ قال: أي والله, وإذا به لا يتماسك جوعا فقمت على قعب لنا فيه أقط مطحون وإلى عكة فيها سمن ورب, فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا فأصاب منه وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه, وتراجعت نفسه فقلت له لقد بلغت ولقيت شرا فما أمرك؟ قال: أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم, وأنا عامد إلى مصر فتحدثنا ساعة, ثم ودعنا وشخص فلم تطل غيبته أن جاء ناعيه. روي عن رجل كان شاهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر قال: إنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك؟ قال: فقلت: اللهم نعم, قال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا, ثم كل شيء سواها لك, وارحل على رهط بني الأحب من عذرة - وهم رهط بثينة- فإذا

стр. 74

صرت غليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ثم البس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم ثم أنشدني هذه الأبيات: صدع النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول ولقد أجر الذيل في وادي القرى ... نشوان بين مزارع ونخيل قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كل خليل قال: فلما قضى وواريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرني به جميل, فما استتمت الأبيات حتى برزت إلي امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا, وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز في دجنة وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني فقالت: يا هذا والله لئن كنت صادقا لقد قتلتني, ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني. قلت: والله ما أنا إلا صادق وأخرجت حلته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول: وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وقيل: إنها كررت هذين البيتين حتى ماتت بعد ثلاثة أيام من سماعها بموت جميل, وله فيها أشعار كثيرة ولو أنه لم يقل فيها سوى البيتين لكفاها شهرة وفخرا وهما قوله من قصيدة طويلة هي من ضمن أشعاره: هي البدر حسنا والنساء كواكب ... وشتان ما بين الكواكب والبدر لقد فضلت بثن على الناس مثل ما ... على ألف شهر فضلت ليلة القدر بثينة ابنة المعتمد بن عباد أمها الرميكية كانت بثينة هذه نحوا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر, ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت في جملة من سبي ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لا يعلمان ما آل إليه أمرها إلى أن كتبت إليهما وكان أحد تجار "إشبيلية" اشتراها على أنها جارية ووهبها لابنه فنظر في شأنها وهيئت له فأراد الدخول عليها فامتنعت وأظهرت نسبها, وقالت: لا أحل لك إلا بعقد وإن أذنت بمخاطبة والدي بذلك فعلت وإني أحب أن أكون قرينتك في سنة الله تعالى, فوقع عنده كلامها موقعا عظيما وداخله سرور زائد لكونه صاهر المعتمد بن عباد وإن كان في نكبته وأذن لها بما أرادت فكتبت لأبيها تستأذنه وكان الذي كتبته بخطها ما صورته: اسمع كلامي واستمع لمقالتي ... فهي السلوك بدت من الأجياد لا تنكروا أني سبيت وأنني ... بنت لملك من بني عباد ملك عظيم قد تولى عصره ... وكذا الزمان يؤل للإفساد لما أراد الله فرقة شملنا ... وأذاقنا طعم الأسى من زاد قام النفاق على أبي في ملكه ... فدنا الفراق ولم يكن بمرادي فخرجت هاربة فأعجزني امرؤ ... لم يأت في إعجازه بسداد إذ باعني بيع العبيد فضمني ... من صانني إلا من الأنكاد

стр. 75

وأرادني لنكاح نجل طاهر ... حسن الخلائق من بني الأنجاد ومضى غليك يسوم رأيك في الرضا ... ولأنت تنظر في طريق رشادي فعساك يا أبتي تعرفني به ... إن كان ممن يرتجى لوداد وعسى رميكية الملوك بفضلها ... تدعو لنا باليمن والإسعاد فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات سر هو وأمها بحياتها, ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها إذ علما ما آل إليه أمرها, وجبر كسرها, إذ ذاك أخف الضررين, وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب وأشهد على نفسه بعقد إنكاحها من الشاب المذكور وكتب إليها أثناء كتابه: بنيتي موني به برة ... فقد قضى الدهر بإسعافه وأخبار المعتمد بن عباد تذيب الأكباد وقد أضربنا عنها خوف الخروج عن الموضوع. بدور وقيل قدور الساحرة هي امرأة مصرية ساحرة كانت في زمان دلوكة, وكانت السحرة تعظمها وتقدمها ولما حل ما حل بفرعون والمصريين من الغرق في البحر الأحمر عند اتباعهم بني إسرائيل ولم يعد في مصر من الرجال المقدمين من يقدر على حفظ البلاد بعثت دلوكة على بدور تقول لها: إننا قد احتجنا على سحرك وفزعنا إليك ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك, فاعلمي لنا شيئا نغلب به من حولنا وقد كان فرعون يحتاج غليك فكيف وقد ذهب أكابرنا وبقي أقلنا. فبنت بدور بربي من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب على جهة القبلي والبحري والشرق والغرب, وصورت فيه صور الخيل والبغال والحمير, والسفن والرجال وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أرادكم من أي جهة تؤتون منها برا وبحرا وهذا يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البر على خيل, أو بغال, أو إبل, أو في سفن, أو رجالة تحركت هذه الصور فيصيبهم في أنفسهم قيل: ولم تزل تلك العجوز تدبر مصر نحو أربعمائة سنة وكلما انهدم من تلك البربي شيء لم يقدر على إصلاحه إلا هي أو ولدها أو ولد ولدها, ولما انقرض بيتها تهدمت البربي ولم يقدر أحد على إصلاحها -ذكر ذلك المقريزي. بديعة ابنة السيد سراج الدين الرفاعي كانت ذات عرفان ويقين وبكاء أخذت عن أبيها وسمع منها الإمام محمد الوتري وغيره, وحدثت ولها شعر عجيب ومنه قولها في مدح النبي ﷺ : رسول الهدى أدعوك والقلب خاشع ... هلوع فيا للغارة الأحمدية عليك تحياتي ولو أن همتي ... حطيطة حد عن مقام التحية فإنك مصباح الوجودات كلها ... وشمس أسارير الهدى للبرية ولها كرامات ومناقب وأحوال ظاهرة وكانت من الحياء والدين وعلم الشريعة بمنزلة رفيعة, وتوفيت ﵂ سنة ٨٩٠ هجرية.

стр. 76

بذل المغنية هي من مولدات المدينة ربيت بالبصرة وهي من المتقدمات الموصوفات بكثرة الرواية للأغاني. قيل: كانت تغني ثلاثين ألف صوت ولها كتاب في الأغاني يشتمل على ١٢ ألف صوت وكانت ظريفة الوجه لطيفة المحاضرة, وأخذت عن أبي سعيد مولى فائد ورحمانة وفليح وابن جامع وإبراهيم الموصلي وطبقتهم, وقرأت على جحظة البرمكي, واشتراها جعفر بن محمد الهادي فوصفت لمحمد الأمين بن الرشيد فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إياها فأبى, فزاره محمد على بيته فسمع شيئا لم يسمع مثله فقال لجعفر: يا أخي بعني هذه الجارية. فقال: يا سيدي, مثلي لا يبيع جارية. قال: فهبها لي. قال: هي مدبرة منزلي فاحتال عليه محمد حتى أسكره وأمر ببذل فحملت معه على الحراقة وانصرف بها فلما انتبه جعفر سأل عنها فأخبر بخبرها فسكت, فبعث إليه محمد من الغد فجاءه وبذل جالسة فلم يقل شيئا فلما أراد جعفر أن ينصرف قال محمد: أوقروا حراقة ابن عمي دراهم فأوقرت. قيل: كان مبلغ المال ألف ألف درهم وبقيت بذل في دار محمد إلى أن قتل, ثم خرجت, فكان ولد جعفر وولد محمد يدعون ولاءها, فلما ماتت ورثها عبد الله بن محمد الأمين. وقيل: وهب لها محمد من الجواهر شيئا لم يملك أحد مثله فكانت تخرج منه الشيء بهد الشيء فتبيعه بالمال العظيم فكان ذلك معتمدها مع ما يصل إليها من الخلفاء على أن ماتت وعندها منه بقية عظيمة, ولم تقبل أن تتزوج. وقد رغبت إليها وجوه القواد والكتاب والهاشميين, وكان يهواها علي بن هشام ويكتم ذلك وهجرته مدة فاسترضاها, وكان إبراهيم بن المهدي يعظمها ويتوافى لها ثم تغير بعد ذلك استغناء بنفسه عنها فسارت غليه فدعت بعود وغنت في طريقة واحدة وإيقاع واحد وأصبع واحدة مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها صوتا واحدا, ثم وضعت العود وانصرفت فلم تدخل داره بعد ذلك حتى طال طلبه لها وتضرعه إليها في الرجوع إليه. وقيل: إن إسحاق بن إبراهيم الموصلي خالف بذلا في نسبة صوت غنته بحضرة المأمون فأمسكت عنه ساعة ثم غنت ثلاثة أصوات وسألت إسحاق عن صانعها فلم يعرفه فقالت: والله يا أمير المؤمنين هي لأبيه أخذتها من فيه فإذا كان هذا لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره فاشتد ذلك على إسحاق حتى رؤي في وجهه. برقا جارية علاء الدين البصري قال الرياشي: اشترى علاء الدين البصري جارية على ارفع ما يكون من الجمال والفصاحة فكلف بها وكان مسرفا فأنفق ماله عليها ولم يبق شيئا, فأشارت عليه بأن يبيعها شفقة عليه, فلما حضر بها على السوق أخذت على ابن معمر وكان عاملا على البصرة فاشتراها بمائة ألف درهم فلما قبض المال وهم بالانصراف أنشدت: هنيئا لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفي غير التذكر أقول لنفسي رهن غم وكربة ... اقلي فقد بان الحبيب أو أكثري إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ... ولم تجدي شيئا سوى الصبر فاصبري فاشتد بكاء مولاها, وأنشد: فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاصبري

стр. 77

أروح بهم في الفؤاد مبرح ... أناجي به قلبا طويل التفكر عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر فقال ابن معمر: قد شئت خذها ولك المال فانصرفا راشدين فو الله لا كنت سببا لفرقة محبين (انظر إلى كرم هذا الأمير) وبقيت عند مولاها إلى أن ماتت وهما في نعمة وأمان, وقد أعاد الله لهما سعدهما وبقيا أحسن مما كانا عليه حين اشتراها. بربارة القديسة كانت عذراء ذات شهرة معتبرة في الكنيسة اليونانية والرومانية يقال: إنها نالت إكليل الشهادة في "إليوبوليس" سنة ١٣٠٦ للميلاد وفي "نيقومديا" من "بشينيا" سنة ١٢٣٥ م وإنها ولدت في "إليوبوليس" من مصر من أبوين وثنيين وإن أباها حبسها في برج خوفا من أن تؤخذ منه لجمالها البارع, فبينما كانت في الحبس سمعت بوعظ "أوريجانوس" فكتبت غليه طالبة منه أن يعلمها الديانة المسيحية فأرسل إليها أحد تلاميذه فعلمها الديانة المسيحية وعمدها. وقيل: إنه لما بلغ أباها ذلك سلمها على الوالي فعذبها عذابا مبرحا فتهيأ لها الهرب على أحد الجبال فجد في طلبها والدها إلى أن أدركها فاحتز بالسيف رأسها. ويقال: إنه أصيب وهو راجع بصاعقة مات بها قصاصا له, ومن ثم اتخذت محامية للملاحين في النوء وللطبجية وتصور غالبا وبجانبها برج ولها عيد يحتفل به في ٤ كانون الأول ومن عادة أهالي الشرق أن يتخذوا ليلة عيدها حلويات من قطائف وعوامات ونحوها وأن يطوفوا على البيوت مساخر مؤلفة من أولاد ورجال قد غيروا زيهم وصبغوا وجوههم بالسواد ولا يعلم بالتحقيق أصل هذه العادة وربما كانت تذكار سعي أبيها مع جماعة من الشرط في طلبها, وربما كان الشرط من السودان فيكون ذلك أصلا لصبغ الوجوه بالسواد. برنيقة ابنة لاغوس وأنتيفونه كانت من أجمل وأعقل نساء زمانها صاحبة رأي صائب, وفكر ثاقب. ولما تزوج "بطليموس الأول" ب "أورديفي" بنت ملك سوريا توجهت في موكبها "برنيقة" وكان لها احتفال عظيم, ومن جمالها ومهارتها وإتقانها تزوج بها "بطليموس" وصارت زوجة ثالثة له وأقنعته بأن يجعل ابنها "بطليموس فيلازلفوس" خليفة له دون ابن آخر له أكبر منه من "أورديفي" وقد شهر حكمتها وفضلها كل من "جلوترخوس" و"شيوكرأتوس" وبعد وفاتها قضى بها بإكرامات إلهية. برنيقة ابنة بطليموس الثاني الملقب "فيلازلفوس" وزوجته, "أنطيوخس الثاني", ملك سوريا الملقب ب "توس" فإن "أنطيوخس" عقد معاهدة سنة ٢٩٤ قبل الميلاد قيل بموجبها: أن يطلق زوجته "لبوديكة" ويتزوج "برنيقة", لكن عند موت "فيلازلفوس" بعد ذلك بسنتين أرجع "أنطيوخس" "لبوديكة" وطلق "برنيقة" في دورها ولكن "لبوديكة" لم تركن إلى "أنطيوخس" فدست إليه سما مات به, وهربت طبرنيقة" من وجه "لبوديكة" على دفنى فقتلها هناك مع ابنها وأتباعها قوم من حزب "لبوديكة".

стр. 78

برنيقة ابنة ماغاس ملك القيروان هي زوجة "بطليموس الثالث" ملك مصر الملقب "أفرجيتس" وعذبها أبوها "بطليموس" هذا ومات بعد ذلك بقليل وأما أمها فكانت راغبة جدا عن اتخاذ هذا القرين لابنتها ولكي تمنع تزويجها به عرضتها على "ديمتريوس بوليورستس", ولكن عند وصول "ديمتريوس" على القيروان ليتخذها زوجة علق قلب أمها به فغاظ "برنيقة" تفضيل "ديمتريوس" لأمها عليها فسعت في قتله وهو على ذراعي الملكة وحينئذ ذهبت إلى مصر وتزوجت ب "أفرجيتس" وعند رجوع زوجها من سفره على سوريا, فإيفاء لنذر كانت نذرته قدمت شعرها على الزهرة, ولما علم "بطليموس الرابع" الملقب ب "فيلوباتر" هذه التقدمة أمر بقتلها فقتلت وذلك عند جلوسه على سرير الملك. برنيقة ابنة بطليموس الثامن الملقب "لاسيروس" ملك مصر وتسمى أيضا "كليوباترة" وهي زوجة إسكندر الثاني أي "بطليموس العاشر" أجلسها أهل الإسكندرية على تخت الملك بعد وفاة أبيها سنة ٨١ قبل الميلاد, فقبل إسكندر الذي جعل ملكا ل "سلابان" بأن يتخذها زوجة ويشاركها في الملك إلا أنه بعد أن تزوج بها بتسعة عشر يوما سعي في قتلها ويقال: إن ذلك غاظ أهالي الإسكندرية جدا فخرجوا عليه وقتلوه. برنيقة ابنة بطليموس الحادي عشر المقلب ب "أفليتس" وهي أكبر أخت ل "كليوباترة" المشهورة نودي باسمها ملكة عند خلع أبيها سنة ٥٨ قبل الميلاد, وكانت تحب أن تتزوج بأمير من دم ملكي فأرسلت إلى سوريا في طلب "سلوقس كببوساكتس" الذي كان يدعي أنه من سلالة السلوقين الملكية, ولما وجدت ما كان عليه من الدناءة أمرت بخنقه بعد ذلك بأيام قليلة, ثم تزوجت ب "أرخيلاوس" من "كومونا" الذي كان يدعي أنه ابن "متريداتس أوباتور" وإن "افلوس غابينوس" الذي كان يحاول رد "أفليتس" على تخت الملك حاربها فكسرها هي وزوجها في ثلاث معارك متوالية سنة ٥٥ قبل الميلاد, وقتل "أرخيلاوس" وأول أعمال "افليتس" بعد جلوسه على تخت الملك أنه أمر بقتل ابنته المذكورة. برنيقة ابنة كوستوبارس وسالومي هي أخت "هيرودس" الكبير ملك اليهودية تزوجت بابن عمها "أرسطو بولس" فعيرها "أرسطو بولس" بدناءة أصلها فشكته إلى أمها فزاد بذلك العدوان على زوجها وبعد أن قتل سنة ٦ قبل المسيح تزوجت ب "ثوربون" خال "أنتيياتر" وهو اكبر ابن ل "هيرودس" وبعد وفاة "ثوربون" ذهبت مع أمها إلى رومية وبقيت هناك على أن أدركتها المنية وهي أم "أغريبال الأول". برنيقة ابنة أغريبال الأول تزوجت "هيرودس" ملك "كلخيدة" فرزقت منه ولدين وعند موته سنة ٤٧ بعد الميلاد بقيت مع أخيها "أغريبا" مدة, ثم تزوجت ب "وليمون" ملك "كليكية", ثم تركته وكانت مقيمة في بيت أخيها عندمااحتج "بولس" الرسول

стр. 79

أمامه في قيسريا وفي حصار أورشليم رآها "نيطس" فسباه حسنها، فأخذها معه إلى رومية، فرغب أن يتزوج بها ولكن اضطره الرأي العام في رومية إلى إرجاعها إلى اليهودية ضد إرادته وإرادتها وقد بنى "راسين" على فراقهما تراجيدية مشهورة. بريجيتا القديسة ولدت في "أسوج" سنة ١٣٠٢ للميلاد، وتوفيت في "رومية" في ٢٣ تموز سنة ١٣٧٣م، ويظن أنها ابنة "برجر" وهو برنس أسوجي من سلالة ملوك الغطيط، ولما كان عمرها ١٦ سنة تزوجت ب "أولغو" فكان لها منه ثمانية أولاد والكبيرة منهم جعلت في درج القديسين الروماني باسم القديسة "كاترينا" الأسوجية، ثم نظر الوالدان العفة وبنيا مستشفى خيرية كانا يخدمان فيه بنفسهما وسافرا لزيارة "سنتياغوري كومبستلا"، وبينماكانا راجعين عزم "أولغو" على دخول دير "الفستري"، وتوفي سنة ١٣٤٤م وحينئذ قسمت زوجته الأملاك بني أولادها وبنت ديرا كبيرا في "ورستينا" جعلت فيه ٢٥ راهبا وستين راهبة وذلك على قانون مار "أوغسطنيوس" فصرفت هناك سنتين منفردة لا تقابل أحدا، ثم ذهبت إلى رومبة فبنت هناك منزلا للمسافرين والطلبة من الأسوجيين وذهبت إلى أورشليم لزيارة الأماكن المقدسة، ثم رجعت إلى رومية فثبتها البابا "بونيفاشيوس التاسع" سنة ١٣٩١م، والكنيسة الرومانية تعيد لها في ٨ تشرين الأول، وكانت "بريجيتا" مشهورة في "رومية" على الأكثر بواسطة إعلاناتها وعلى الخصوص المتعلقة بآلام يسوع المسيح، والحوادث التي كانت مزمعة أن تجري في بعض الممالك وقد كتبت عن لسانها ولكن طعن "برسون" في تلك الأخبار بعبارات قاسية إلا أن مجمع باسل ثبتها بعد أن فحصها بالتدقيق "جون دوترا كريماتا" ومن جملة كتاباتها: خطاب في مدح مريم العذراء، وصلوات عن أم المسيح ومحبتها. بريرة مولاة عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ وكانت مولاة لبعض بني هلال. وقيل: كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش. وقيل: كانت مولاة أناس من الانصار فكاتبوها ثم باعوها من عائشة فأعتقها ولما أرادت عائشة أن تشتري بريرة اشترطوا عليها الولاء فقال النبي ﷺ ::الولاء لمن أعطى الثمن" أو "لمن ولي النعمة". وكان اسم زوجها مغيثا وكان مولى فخيرها رسول الله فاختارت فراقه، وكان يحبها فكان يمشي في طرق المدينة وهو يبكي واستشفع إليها برسول الله فقال لها فيه فقالت: أتأمر؟ قال: "بل أشفع"، قالت: فلا أريده، وكان عبدا وقد جعل النبي عدة بريرة حين فارقها زوجها عدة المطلقة. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة فكانت تقول لي: يا عبد الملك، إني أرى فيك خصالا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر فإن وليته فاحذر الدماء فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق". بركة خوند والدة السلطان الأشرف كانت أمة مولدة، فلما أقيم ابنها في مملكة مصر عظم شأنها وحجت سنة ٧٧٠م بتجمل كثير وبرج زائد وعلى محفتها العصائب السلطانية والكؤوسات تدق معها ومعها ما يجل وصفه من ذلك قطار جمال محملة

стр. 80

مخائر قد زرع فيه البقل والخضراوات وعند قدومها خرج السلطان بعساكره إلى لقائها، وسار إلى البويب حتى تقابل معها وسار بركابها حتى وصلت لى مصر، وكانت خيرة عفيفة لها بر كثير ومصروف تحدث النسا بحجتها عدة سنين لما كان لها من الأفعال الجميلة في تلك المشاهد الكريمة، وكان لها اعتقاد في أهل الخير ومحبة في الصالحين. ومن مآثرها المدرسة المشهورة بمدرسة أم السلطان خارج باب زويلة بقرب القلعة بمصر يعرف خطها الآن بخط التبانة وكان مضعها مقبرة أنشأتها سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وعملت بها درسا للشافعية ودرسا للحنفية، وعلى بابها حوض ماء للسبيل وهي من المدارس الجليلة وفيها دفن الملك الأشرف بعد قتله وبقيت مدة تجتمع فيها الطلبة والمدرسون يدرسون فيها جميع العلوم حتى صارت أخيرا جامعا بمعرفة أحد ولاة مصر مقام الشعائر لغاية الآن. وتوفيت الست المشار إليها سنة ٧٧٤ هجرية، ودفنت بمدرستها المذكورة واتفق حين ماتت أنه أنشد الأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى الأعرج هذين البيتين: في ثامن العشرين من ذي القعدة ... كانت صبيحة موت أم الأشرف فالله يرحمها ويعظم أجرها ... ويكون في عاشور موت اليوسفي فكان كما قال وغرق الحائل يوسف في شهر محرم سنة ٧٧٥هـ. برة ابنة عبد المطلب الهاشمية كانت من الشاعرات الأديبات ذوي المعاني الرائقة، والألفاظ الموزونة المتناسقة رثت أباها عبد المطلب في حال حياته مع أخواتها بناء على طلبه بقولها: أعيني جودا بدمع درر ... على طيب الخيم والمعتصر على ما جد الجد وارى الزناد ... جميل المحيا عظيم الخطر على شيبة الحمد ذي المكرمات ... وذي المجد والعز والمفتخر وذي الحلم والفضل في النائبات ... كثير المكارم جم الفخر له فضل مجد على قومه ... منير يلوح كضوء القمر أتته المنايا فلم تشوه ... بصرف الليالي وريب القدر بصيص جارية ابن نفيس كانت أعجوبة وقتها في الحسن والغناء ويتمنى كل من سمع بها رؤيتها ولو بذهاب نفسه ولشدة رغبة الناس في سماع صوتها قال بعضهم فيها هذه الأبيات: بصيص أنت الشمس مزدانة ... فإن تبدلت فأنا الهلال سبحانك اللهم ما هكذا ... فيما مضى كان يكون الجمال إذا دعت بالعود في مشهد ... وعاونت يمنى بيد الشمال غنت غناء يستفز الفتى ... حذقا وزان الحذق منها الدلال وتذاكروا بخل مزيد أبي إسحاق في مجلسها وما وكان من جملتهم ابن مصعب فقالت: أنا آخذ منه درهما فقال مولاها: إن فعلت جعلتك حرة وكسوتك ثوب وشي، وأولمت لك يوما فقالت: ارفع الغيرة، فقال: إن رفع رجليلك

стр. 81

لم أقل شيئا فخرج ابن مصعب فرأه في مسجد بالمدينة فقال له: يا أبا إسحاق أما تحب أن ترى "بصيص" جارية ابن نفيس؟ فقال: امرأتي طالق إن لم يكن الله ساخطا علي فيها، وإن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل. فقال له: اليوم إذا صليت العصر فوافني ههنا. قال: امرأتي طالق إن برحت من هنا حتى تجيء صلاة العصر. قال: فانصرفت في حوائجي حتى العصر فدخلت المسجد فوجدته فيه فأخذته بيده وأتيتهم به فأكلوا وشربوا وتساكر القوم وتناوموا، فأقبلت "بصيص" على مزيد فقالت له: يا أبا إسحاق كأن نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة: لقد حثا الجمال ليه ... ربوا منا فلم ينلوا فقال: امرأتي طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ. قال: فغنته، ثم سكتت ساعة وقالت: يا أبا إسحاق، كأن نفسك تشتهي أن تقوم فتجلس إلى جانبي وتقرصني قرصات وأغنيك: قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستر الست تبصر من حولي فقلت لها ... غطي هواك وما ألقى على بصري فقال: امرأتي طالق إن لمت كوني تعلمين ما في الأرحام وما تكسب الأنفس غدا وبأي أرض تموت، فغنته ثم قالت: برح الخفاء أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني وأغنيك هزجا: أنا أبصرت بالليل ... غلاما حسن الدل كغصن البان قد أصب ... ح مسقيا من الطل فقال: ا، ت نبية مرسلة فقبلها وغنته، ثم قالت: يا أبا إسحاق أرأيت أسقط من هؤلاء يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون ريحانا بدرهم؟ يا أبا إسحاق هلم درهما أشتري به ريحانا، فوثب وصاح: واحرباه، أي زانية أخطأت إستك الحفرة، انقطع والله عنك الوحي الذي كان يوحى إليك، وغطغط القوم وعلموا أن حيلتها لم تنفذ فيه، ثم خرج ولم يعد إليهم وأعاد لاقوم مجلسهم فكان أكثر شغلهم في حديث مزيد، والضحك منه وبقيت "بصيص" في عز وإقبال مدة حياتها وهي تتفنن في ضروب الألحان حتى فاقت أهل زمانها. بلقيس ملكة سبأ المشهورة قصتها مع النبي سليمان بن داود ورد ذكرها في الكتب المنزلة واشتهرت في كتب التواريخ وضرب بها المثل في المجد والسلطان والجمال، وقد شرح العلماء تفاصيل سيرتها وسبب ورودها إلى سليمان بأقوال متباينة مرجعها إلى ما يأتي: قال المؤرخون في نسب بلقيس: إنها يلقمة بنت يشرع بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقيل: أبوها يشرح بن تبع ذي الأذعار بنتبع ذي المنار بن تبع الرائش، ويلقب "هاددأ" و"هداد". وقيل: اسمه الحارث بن سبأ. وقيل: الشيبصان. وقيل: شراحيل. وقال كثير من الرواة إن أمها كانت جنية ابنة ملك الجن واسمها رواحة أو ريحانة بنت السكن. وقيل: يلقمة بنت عمرو بن عمير الجني، وسبب اتصال أبيها بالجن أنه كان ملكا عظيم الشأن آخر أربعين ملكا من ملوك اليمن وملك كل تلك الأقاليم ولم يكن في ملوك الأرض من هو كفؤ له فكان يقول لهم: ليس أحد منكم يدانيني. وأبى أن يتزوج من الإنسا لرفعه شأنه فكان يخرج إلى الصيد ويصطاد الجان بصورة الظباء فيخلي عنها فظهر له ملك الجن وشكره على صنيعهن فاغتنمها فرصة وخطب ابنته فأجابه. وقيل: بل خرج مرة فوجد حيتين

стр. 82

سوداء وبيضاء تقتتلان، وقد ظفرت السوداء على البيضاء، فأمر بقتل السوداء وحمل البيضاء وصب علها ماء حتى أفاقت، فأطلقها وعاد إلى داره فجلس منفردا، وإذا بجانبه شاب جميل فذعر منه فقال له: لا تخف أنا الحية التي أنجبتها وإني مكافئك بالمال أو علم الطب. فقال: أما المال فلا حاجة لي به وأما الطب: فقبيح بالملوك ولكني أختار إن كان لك ابنة أن أخطبها إليك فأجابه بشرط أن لا يغير عليها شيئا تعمله فإذا غير عليها فارقته وشرط أيضا أن تعطيه ساحل البحر ما بين يبرين إلى عدن فأذعن لذلك، ثم تزوج بالجنية فولدت له غلاما وألقته في النار فجزع لذلك، ولكنه سكت للشرط، ثم ولدت جارية فألقتها إلى كلبة فعظم عليه الأمر ولكنه صبر، ثم عصى عليه بعض أصحابه فجمع عسكره فسار ليقاتله وهي معه، فلما صاروا في مفازة رأى جميع مامعهم من الزاد يخلط بالتراب والماء ينصب من أفواه القرب فأيقن بالهلاك وعلم انه فعل الجن بأمر زوجه فضاق ذرعا عن حمل الجور فأتى وجلس أمامها وأومأ إلى الأرض وقال: يا أرض صبرت لك على إحراق ابني وإطعام ابنتي للكلب، ثم الآن قد فجعتنا بالزاد والماء حتى أشرفنا على الهلاك فقالت له: لو صبرت لكان خيرا لك فإن عدوك خدع وزيرك فجعل السم في الزاد والماء وتحقيق ذلك أنه يمتنع من شرب شيء من الماء الفاضل، فأمر وزيره بالشرب، فامتنع، فقتله، ثم دلته على نبع وميرة يمتارها ثم قال: وأما ابنك فقد سلمته إلى حاضنة تربيه وقد مات، وأما ابنتك فهي باقية وإذا بجويرية قد خرجت من الأرض وهي بلقيس وفارقته زوجته وسار إلى عدوه فظفر به وفوض إليها أبوها الملك فملكت بعده. وقيل: بل مات بلا وصية. فاختلف النسا بعد موته، وافترقوا فرقتين: فرقة بايعتها، وفرقة بايعت ابن أخ أبيها. فساء السيرة في الرعية وكان فاحشا خبيثا فاسقا لا يبلغه عن بنت جميلة إلا أحضرها وهتكها، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا، فلما رأت بلقيس ذلك أخذتها الغيرة وقد طلب منها الحضور غليه فقال له: بل احضر أنت عندي واعدت له رجلين يقتلانه إذا دخل قصرها، فلما حضر قتلاه فأحضرت وزراءه ووبختهم وقالت: أما كان فيكم من يأنف لكريمته وكرائم عشيرته، ثم أترهم إياه قتيلا وقالت: اختاروا رجلا تملكونه فقالوا لا نرضى بغيرك. وقيل: بل هي عرضت نفسها عليه فقال: ما منعني إلا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم ففعل فسألوها فقالت: قد أجبت فلما زفت إليه سقته الخمر حتى سكر، فحزت رأسه وانصرفت إلى منزلها، وأمرت أن تعلق رأسه على باب دارها، فلما رأى الناس ذلك علموا الحيلة فملكوها عليهم وقال قوم: إن أباها لم يكن ملكا بل وزير، وكان الملك قبيحا -يفعل ما تقدم ذكره- فقتلته بلقيس فملكوها عليهم فعظم شأنها وكثر جندها واتسع نطاق ملكها حتى قال بعضهم: إنه كان تحت يديها أربعمائة ملك، كل ملك منهم على كورة وله ٤٠٠٠٠ مقاتلا وكان لها ٣٠٠ وزير يدبرون ملكها، وكان لها ١٢ قائدا يقود كل واحد ١٢ ألف مقاتل وبالغ بعضهم في ذلك. وأما عرشها الوارد ذكره في القرآن الحكيم فقيل: كان سريرا ضخما من ذهب وفضة مرصعا بالجواهر النفيسة، وكان في جوف سبعة بيوت عليها سبعة أغلاق كل بيت داخل الآخر وهو في آخرها. وقيل: كان مقدمه من الذهب منضدا بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر ومؤخره من فضة مكللا بأنواع الجواهر واللالئ، وله أربع وقائم قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زبرجد أخضر، وقائمة من در أبيض، وصفائح السرير من ذهب، وقيل: أنفقت بلقيس على الكوة التي تدخل منها الشمس فتسجد لها ثلثمائة ألف أوقية من الذهب. قال ابن الأثير: فد تواطأت

стр. 83

على الكذب والتلاعب بعقول الجهال حتى يصدقوا المحال لأن أوصاف عرشها، وعدد جيوشها من الأمور التي لا يمكن تصديقها. وأما سبب مجيئها إلى سليمان وإسلامها على يده فروي أن سليمان رأي يوما رهجا قريبا منه ولم يكن يبدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فسأل عن ذلك الرهج فقالوا: هو عرش بلقيس. فقال: (يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين) (النمل: ٣٨-٣٩) قال: أريد أسرع من ذلك فقال آصف ابن برخيا: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) (النمل: ٤٠) ، وقيل: إن أحد بني إسرائيل قال لسليمان: أنت أقرب النسا إلى الله فلو طلت غليه لأحضره بأسرع ما يكون فصلى سليمان وإذا بالأرض انشقت وظهر العرش يتلألأ. وقيل: إن سليمان في بعض مغازيه احتاج إلى الماء من تحت الأرض فطلب الهدهد فلم يره. وقيل: بل أصابت الشمس سليمان فنظر ليرى من أين نفذت إليه لا، الطير كانت تظله فرأى موضع الهدهد فارغا فقال: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو لأتيني بسلطان مبين) (النمل: ٢١) . وكان الهدهد قد مر على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف القصر فمال إلى الخضرة فرأى هدهدا فقال له: أين أنت من سليمان؟ وما تصنع هنا؟ فقال له: ومن سليمان؟ فذكر له حاله. فقال: وأين أنت من هذه الدنيا الواسعة والحدائق الأنيقة، والقصور الشاهقة، والرياض البهجة؟ فقال: ولمن هذا كله؟ فقال: هو لبلقيس صاحبة العرش العظيم ووصف له عرشها فأتى الهدهد إلى سليمان وأخبره بخبره فكتب لها سليمان كتابا وقال له: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) (النمل: ٢٨) . فوافاها وهي في قصرها فرمى الكتاب في حجرها فقرأته وأرسلت أع لمت قومها بذلك وإذا بالكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي أتوني مسلمين) (النمل: ٣٠-٣١) فقال قومها: (نحن أولا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين) (النمل: ٣٣) قالت: إني مرسلة إليهم بهدية فإن قبلها فهو من ملوك الدنيا فنحن أعز منه وأقوى وإن لم يقبلها فهو نبي من الله وإني أمتحنه بها، ثم وجهت إليه الهدية وكانت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن وخمسمائة جارية على زي الغلمان كلهم على سروج الذهب والخيل الموسومة، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالياقوت والمسك والعنبر وحقا فيه درة يتيمة، وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، وأرسلتها مع أشراف رجالها المنذر بن عمرو وآخر ذي رأي عقل وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك غضبا فهو ملك فلا يهولنك أمره، وإن رأيت شيئا لطيفا فهو نبي، فأعلم الله سليمان بذلك فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشت في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا مشرفة شرفة من ذهب وشرفة من فضة وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر أن يربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن فأقيموا على اليمين واليسار ثم قعد على كرسيه والكراسي عن يمينه ويساره، واصطفت الشياطين والجن والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم منهم نظروا قرأوا الدواب تروث على الذهب فرموا بما معهم منها فلما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق، ثم قال: (أتمدونن بمال فما أتان الله خير مما أتاكم) (النمل: ٣٦) ثم قال: أين الحق الذي فيه كذا وكذا فقدموه بين يديه، فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأمر دودة بيضاء وقد جعل خيطا بفيها فمرت في ثقب الخرزة، ثم دعا بالماء وأمر الغلمان والجواري أن يغسلوا أيديهم ووجوههم فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله ف الأخرى وتضرب به وجهها والغلام كان يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية فرجع القوم وأخبروها بما شاهدوا فعلمت أنه نبي وأرادت الشخوص إليه في اثنى عشر ألف فيل. فلما قربت من مكانه قال حينئذ: من يأتيني بعرشها قبل أن

стр. 84

يأتوني مسلمين فأتى به - كما تقدم- وكان بين سليمان والعرش مسيرة شهرين للمجد فلما علم الجن أنها آتية وأن سليمان ربما تزوجها فتفشي له أخبار الجن لأنها تربت عندهم، وانها إذا ولدت ولدا انتقل الملكإليه فلا ينفكون من تسخير سليمان وولده أساءوا فيها القول وقبحوها له وقالوا: إنها غير عاقلة ولا تميز وإن رجليها كحافر الفرس وهي شعراء الساقين، فأراد سليمان أن يمتحن ذلك فنكر عرشها بأن جعل تبديلا في الجواهر حتى ينظر هل تعرفه وأمر أن يبنى له صرح من زجاج وأجرى تحته الماء وجعل فيه من دواب البحر حتى إذا رأته حسبته ماء فتكشف عن ساقيها فيتحقق الأمر. وقيل: بل بنى الصرح من قوارير زجاج وجعل له طريق من قوارير زجاج أبيض وتحت الطوابق صور دواب فصار كأنه البحر، وجلس سليمان على سرير في صدر المكان فلما وصلت بلقيس قيل لها: (أهكذا عرشك قالت كأنه هو) (النمل: ٤٢) . ولقد تركته في حصون وعنده جنود تحفظه فكيف جاء ههنا وقيل: إنها عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها فلم تقل نعم خوفا من الكذب ولا خوفا من التنكيت فعلم سليمان كمال عقلها ثم (قيل لها ادخلي الصرح فلما راتهحسبته لجة وكشفت عن ساقيها) (النمل: ٤٤) ، لتخوضها وقد قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون علي من هذا فلما رآها سليمان صرف نظره عنها (قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي) (النمل: ٤٤) ثم دعاها سليمان إلى الإسلام فأجابت فأراد أن يتزوجها وكره شعر ساقيها فسأل عن شيء يزيله ولا يضر الجسد فعلمت له الشياطين النورة وأشاروا بالحمام. قيل: فكان ذلك أول ظهور النورة فتزوجها وأحبها حبا شديدا وردها إلى ملكها باليمن وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام، فولدت له غلاما سماه داود ومات في حياة سليمان. وقيل: أمرها سليمان أن تتزوج برجل من قومها فأنفت من ذلك وفقال: لا يكون في الإسلام إلا ذلك فقالت: إن لم يكن بد فزوجني ذا تبع ملك همذان فزوجه بها ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها على الملك وأمر الجن من أهل اليمن بطاعته فاستعملتهم ذا تبع في بناء عدة قصور حصينة منها (صلخين) . وقيل: (سلجين) و (مرواح) و (قليون) و (هنيدة) و (بنون) وقصر (غمدان) أشهرها فلما مات سليمان لم يطع الجن ذا تبع فانقضى ملكه وملك بقليس بموت سليمان. وقيل: إن بلقيس ماتت قبل سليمان بالشام وإنه دفنها بتدمر وأخفى قبرها عن الناس. بكارة الهلالية كانت من نساء العرب الموصوفات بالشجاعة، والإقدام، والفصاحة، والشعر، والنثر والخطابة حضرت مع علي بن أبي طالب حرب صفين ولها هناك مقالات حماسية جعلت كل من سمعها يقدم على الهلاك بدون مبالاة بالعواقب وقد دخلت على معاوية يوما وهو يومئذ بالمدينة وكانت قد أسنت وغشي بصرها وضعفت قوتها ترتعش بين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال: كيف أنت يا خالة، قالت: بخير يا أمير المؤمنين قال: غيرك الدهر؟ قالت: كذلك هو ذو غير من عاش كبر، ومن مات فقد. فقال عمرو بن العاص هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: يا زيد دونك فاحتقر من دارنا ... سيفا حساما في التراب دفينا قد كنت أذخره ليوم كريهة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونا وقال مروان وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين:

стр. 85

أترى ابن هند للخلافة مالكا ... هيهات ذاك وإن أراد بعيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد وقال سعيد بن العاص وهي القائلة: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم للزمان خطيبهم ... بين الجميع لآل أحمد عائبا ثم سكتوا فقالت: يا معاوية، كلامك أغشى بصري وقصر حجتي أنا والله قائلة ما قالوا وما خفي عليك مني أكثر فضحك. وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك قالت: أما الآن فلا وانصرفت، فوجه إليها معاوية بجائزة سنية. بلنش ملكة فرنسا ولدت سنة ١١٨٧ م، وتوفيت سنة ١٢٥٢ م وهي ابنة ألفونس التاسع ملك قسطيلة من زوجته ألينورا الإنكليزية ابنة هنري الثاني وكانت مقتدرة في الأمور السياسية ولما دعا الأمراء المتحالفون زوجها سنة ١٢١٦ م للجلوس على تخت إنكلترا ألحت عليه بإجابة طلبهم وأرسلت إليه مالا ونجدات ولكن نشأ عن موت الملك يوحنا وجلوس ابنه على تخت الملك خضوع الأمراء للحكومة وعند وفاة فيليب أوغسطوس وجلوس زوجها على التخت باسم لويس الثامن، كانت تقوده بحكمتها وحسن إدارتها وقد رافقته في الحرب الصليبية التي أقيمت على الألبيجوا وعند وفاته جعلت نائبة للملك في مدة قصر ابنها لويس التاسع. وسنة ١٢٣٤ م زوجت ابنها وهو في سن ١٩ بمرغريتا البروفنسية وكان عمرها ١٢ سنة. وسنة ١٢٣٦ م تنازلت عن نيابتها لابنها المذكور وكانت المملكة في أيامها زاهرة زاهية وقد ألحق بها أرض كبيرة مهمة وكان ابنها يعتمد رأيها ولا يدعها تفارقه إلا أنه دخل ضد إرادتها فيا لحرب الصليبية لإنقاذ الأرض المقدسة، وفي مدة غيابه تسلمت نيابة الأحكام وقابلت بحكمتها وإقدارها المعتادين الصعوبات الجديدة التي حدثت في تلك الأيام وكانت على الدوام ترسل المال والنجدات إلى ابنها لتساعده في تلك الحركة المشؤومة ولما انكسر هو وإخوته وأسروا في مصر التزمت أن تقوم بدفع فدية بليغة لإنقاذهم فنشأ عن ذلك ضرائب جسيمة خسرت بها البلاد ثروتها، ومع ارتباكاتها وتقواها تقاوم تعديات خدمة الدين بنشاط عظيم، وقد حمت منهم بنجاح حقوق التاج الملكي. وقد ناحت البلاد عموما ولبست الحداد عند موتها وهي تحسب من أشهر من حكم فرنسا. بمبادور خليلة لويس الخامس عشر ولدت سنة ١٧٢١ م وفي باريس، توفيت في فرساليا سنة ١٧٩٤ م، وهي ابنة جزار قد ربتها أمها تربية حسنة وزوجها سنة ١٧٤١ م بملتزم أعشار، وبعد ذلك بقليل رآها الملك وهو يتصيد في غابة سنبرت فعلق قلبه بها ولكن لم يظهر ذلك إلا بعد وفاة مادام ده شانور. وسنة ١٧٤٤ م وقد رافقت لويس في حرب فونتنوا في أيار سنة ١٧٤٥ م وعند رجوعها عرفت بمركيزة بمبادور وكانت تعضد العلوم والصنائع وبمساعدة فولتر وبربي رتبت أعيادا زاهرة حتى أنها بعد أن ضعف حبا لملك لها حافظت على سطوتها بجعلها نفسها ضرورية لراحته ثم

стр. 86

بعد قليل أخذت تريحه من أتعاب الأحكام وكانت تتداخل في المالية وتعزل وتولي الوزراء وتقرب إليها الجنسينين والكوبتبين والكفار والمجلس كلا في دوره لكي يكون لها عضد من جميع الأحزاب، وقد تملقتها مريا تريزا بإرسالها لها كتابا بخط يدها، وغضبت من فردريك الثاني لطعنه في حكومتها فعقدت محالفة بين فرنسا والنمسا ضد بروسيا، نشأ عنها حرب السبع سنين المهلكة. وسنة ١٧٥٧ م حاول داميان قتل الملك فاضطرها الأمر أن تخرج من البلاط ولم يمض إلا قليل حتى دعيت إليه ثانية فسعت في معاقبة الوزراء الذين أشاروا بطردها وكانت سطوتها في تعيين المأمورين العسكريين من أعظم أسباب قتلا لعساكر في الحرب، فتوفيت مصحوبة ببعض الشعب وعدم أسف الملك، وكان لها زيادة على مرتبها السنوي الباهظ مداخيل جسيمة فيا لعقارات، وكانت تعطي الفقراء بسخاء وتساعد المخترعين والصناع، وأصحاب المعارف. وجمعت كمية عظيمة من أعمال الصناعة والتحف. وكانت ماهرة في التصوير والنقش وقد كتب كثيرون سيرة حياتها وينسب إليها ترجمات ورسائل ليست لها. بنلوبا زوجة عولس اليوناني هي أم تلبماك ابنة أبكاريوس وقد خطبها كثيرون ولكن أباها وعد بها من يغلب في سباق العدو فغلب عولس. ولما ألح عليها أبوها أن تبقى معه ولا ترافق زوجها إلى أنباكي سمح لها زوجها بأن تفعل كما تشاء فأظهرت عزمها على مرافقته بسترها وجهها بمنديل خجلا ولما كان عولس في حصار تروادة أحاط بها عشاق كثيرون ألحوا عليه بإجابة طلبهم فخدعتهم بقولها إنه يجب أن تكمل كفنا كانت تنسجه لعمها الشيخ قبل أن يقر رأيها إلا أنها كانت تحل ليلا كل ما كانت تنسجه نهارا فلما عرف عشاقها بمكيدتها كان عولس قد رجع بعد أن غاب ٢٠ سنة فقتلهم جميعا. وقد أشاع بعض المضادين لها ولدت بنتا من عشاقها فطلقها زوجها عند رجوعه من تروادة، فذهبت عند ذاك إلى إسبرطه ومنها إلى منتينا وقد استدل قوم على قبرها هناك بعد ذلك بزمان طويل. بهية ابنة عبد الله البكري من بكر بن وائل وفدت مع أبيها إلى النبي ﷺ فبايع الرجال وصافحهم وبايع النساء ولم يصافحهن قالت: فنظر إلي ودعاني ومسح رأسي ودعا لي ولولدي، ولما رجعت وتزوجت كثرت علي الأولاد وامتلأ المنزل، وخشيت الفقر من كثرة العيال وكان عدد أولادي ستين ولدا، وأربعون رجلا وعشرون امرأة، فاستشهد منهم عشرون في الجهاد بين يدي النبي ﷺ والصحابة، ولم يعلم بامرأة ولدت ستين ولدا غير هذه فسبحان الخالق الرازق. بوديسيا ملكة ألايسينه هي أم قبيلة بريطانيا كان موطنها ما يدعى الآن ببلاد كمبردج وسفولك ونورفولك وهردفرد، توفيت نحو سنة ٦٢ بعد المسيح ولما توفي زوجها بارسوتغوس ملك ألايسينه جعل ابنتيه مع الإمبراطور نيرون ورثة لثروته العظيمة لأنه كان يأمل أنه بذلك يحفظ عائلته ومملكته من تعديات الغزاة ولكن حالما مات أخذ قائد المائة الروماني مملكته وجلدت الملكة البريطانية جهارا لذنب حقيق أو وهمي، وتركت بناتها لشهوة العبيد

стр. 87

فاستغنمت بوديسيا فرصة غياب سويتونيوس باولينوس الحاكم الروماني من تلك الجهة من إنكلترا وجمعت كل القوة العسكرية من شيعتها البرابرة وثارت في مقدمتهم على مستعمرة لندن الرومانية وقتلت بالسيف في تلك المستعمرة والأماكن المجاورة لها سبعين ألفا على الأقل من الرومان والتجار والإيطاليان، وغيرهم من رعايا الملكة، فبادر سويتونيوس إلى محل تلك القطائع، وكان تحت قيادة ملكة ألايسينه ١٢٠ ألف جندي وكان عددهم يتزايد شيئا فشيئا حتى بلغوا ٢٣٠ ألفا حال كون سويتونيوس لم يكن قادرا أن يأتي إلى ميدان القتال بعشرة آلاف جندي فانتشبت نيران القتال، وأظهرت بوديسيا شجاعة عظيمة، ولما قهرت العساكر الرومانية المنتظمة عساكرها أخذت سما وابتلعته فماتت به، وأما الغالبون فلم يعفوا عن شيء فإنهم قطعوا الأولاد والدواب والكلاب جميعا إربا. ويقال: إنه ذبح في ذلك اليوم ثمانون ألف بريتوني وأما العساكر الرومانية فلم يقتل منها إلا ٤٠٠ شخص وجرح بقدرهم. بوران ابنة أبرويز بن هرمز كانت من أحسن نساء بني الترك والفرس وملكت الناس بعد شهريار بن أبرويز وأصلحت القناطر والجسور، وردت خشبة الصليب إلى ملك الروم، ولما جلست على السري قالت: ليس ببطش الرجل تدوخ البلاد، ولا بمكايدهم ينال الظفر وإنما ذلك بعون الله وقدرته وأقامت سبعة أشهر ويقال: إن فيروز بن رستم صاحب خراسان خطبها فقالت: لا ينبغي للملكة أن تتزوج علانية وواعدته أن يقدم عليها سرا في ليلة عينتها له فجاءها في تلك الليلة فقتلته، فسار إليها رستم فقتلها، وذلك بخبر طويل في تاريخ الفرس. بوران ابنة الحسن بن سهل كانت أحسن نساء زمانها وأجملهن وأكرمهن أخلاقا، وأفضلهن أدبا وأوفرهن عقلا، لها إلمام بصناعة الطرب. تربت في بيت أبيها أحسن تربية، وخالطت نساء الرشيد، واكتسبت من آدابهن. ولما ولي المأمون الخلافة افتتن بها وخطبها من أبيها الحسن، وكان وزيره بعد أخيه الفضل بن سهل، وقد زفت إليه بناحية فم الصلح (بلدة من العراق) في شهر رمضان سنة ٢١٠ هجرية. فلما دخل عليها كانت عنده حمدودة بنت الرشيد وزبيدة بنت جعفر وأم الفضل والحسن جدة بوران فنثرت عليه أم الفضل ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون فأمر بجمعها فجمعت فأعطاها لبوران وقال: هذه نحلتك وسلي حوائجك، فأمسكت فقالت لها جدتها: سلي سيدك، فقد أمرك أن تسأليه، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي فقال: قد فعلت وسألته الإذن لزبيدة في الحج فأذن لها وبنى بها في ليلته وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عبروا وزنها أربعين منا، وأنفق الحسن على المأمون مالا جزيلا قيل: إنه أقام عند الحسن تسعة عشر يوما يعد له في كل يوم ولجميع من كان معه ما يحتاجون إليه، فكان مبلغ النفقة عليه خمسين ألف ألف درهم، وأمر له المأمون عند منصرفه بعشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح - المذكورة - فجلس الحسن وفرق المال على قواده وحشمه وعسكره. وقيل: احتفل أبوها بأمرها وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصر فإنه نثر على الهاشميين والقواد والوجود بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وجوار ودواب وغير ذلك فكانت النبدقة إذا وقعت بيد رجل فتحها فيقرأ ما في الرقعة فإذا علم ما فيها ذهب إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويستلم ما فيها، ثم نثر على سائر الناس الدنانير والدراهم، ونوافج المسك، وبيض العنبر على

стр. 88

المأمون وقواده وجميع أصحابه وأجناده وأتباعه وكانوا خلقا لا يحصون وعلى الحمالين والمكارية والملاحين وكل من ضمه عسكره فلم يكن في العسكر من يشتري شيئا لنفسه أو لدابته وقد قالت الشعراء والخطباء في ذلك الزفاف أشياء كثيرة ومما يستطرف في ذلك قول محمد بن حازم الباهلي: بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من وبقيت "بوران" عند المأمون إلى أن توفي سنة ٢١٨هـ، وتوفيت هي سنة ٢٧١ هـ وعمرها ٨٠ سنة. بيلمون زوجة السلطان أوزبك قال ابن بطوطة في "رحلته": اسمها "بيلون" - وهي ابنة ملك القسطنطينية العظمى السلطان "تكفور"- قال: لما مررنا ببلاد السلطان "أوزبك" ودخلنا عليه التزمنا بعد خروجنا من عنده أن ندخل على الملكة "بيلون" زوجته حسب عادة تلك الديار أنه متى زار أحد الملك يلزم أن يزور أزواجه وعائلته، وأكابر مملكته، فدخلنا على هذه الخاتون وهي قاعدة على سرير مرصع قوائمه فضة وبين يديها نحو مائة جارية، روميات، وتركيات، ونوبيات منهن قائمات وقاعدات، والفتيات على رأسها، والحجاب بين يديها من رجال الروم. فسألت عن حالنا ومقدمنا وعن بعد أوطاننا وبكت ومسحت وجهها بمنديل كان في يدها رقة منها وشفقة، وأمرت بالطعام فأحضر وأكلنا بين يديها، ولما أردنا الانصراف قالت: لا تنقطعوا عنا وترددوا علينا، وطالبونا بحوائجكم وأظهرت مكارم الأخلاق وبعثت في أثرنا بطعام وخبز كثير وسمن وغنم ودراهم وكسوة جيدة وثلاث من جياد الخيل وعشرة من سواها -قال-: وبقيت هذه الخاتون عند السلطان "أوزبك" مدة طويلة وهي تتفقدنا بخيراتها ومبراتها حتى قصدت الذهاب إلى القسطنطينية فذهبت معها وكان ذهابها لأجل زيارة أهلها ومكثت ولم ترجع لزوجها إلى أن ماتت. حرف التاء تحفة الزاهدة هي جارية لبعض تجار بغداد كانت بارعة في الجمال تحسن صنعة العود وكان سيدها صرف عليها ماله وزاد في تعليمها وتهذيبها وكان شراؤها عليه بعشرين ألف درهم وغايته الربح فيها مثل ثمنها لحسن صنعتها وكمال أدبها واستقامتها فبينما هي يوما جالسة والعود في حجرها وهي تغني وتقول: وحقك لانقضت الدهر عهدا ... ولا كدرت بعد الصفو ودا ملأت جوانحي والقلب وجدا ... فكيف ألذ أو أسلو أو أهدأ فيا من ليس لي مولى سواه ... تراك تركتني في الناس عبدا ثم كسرت العود وقامت وبكت وانتحبت فاتهمها سيدها بمحبة إنسان فاستقصى عن ذلك فلم يجد له أثرا فحار سيدها في أمره ولم يجد لها سلوى عن الاكتئاب والهيام وقيام الليل ومناشدة الأشعار وطول التذكار وتشتت الأفكار فسألها عما أصابها فأنشدت تقول: خاطبني الحق من جناني ... فكان وعظي على لساني قربني منه بعد بعد ... وخصني الله واصطفاني

стр. 89

أجبت لما دعيت طوعا ... ملبيا للذي دعاني وخفت مما جنيت قدما ... فأوقع الحب بالأمان ولما أعيته الحيل ذهب بها المارستان راجيا أن تشفى مما أصابها ولما دخلت البيمارستان أودعوها في حجرة مغلولة اليدين مقيدة الرجلين فلما رأت ذلك بكت بكاء مرا وأنشدت تقول: أعيذك أن تغل يدي ... بغير جريمة سبقت تغل يدي إلى عنقي ... وما خانت وما سرقت وبين جوانحي كبد ... أحس بها قد أحترقت وحقك يا منى قلبي ... يمينا برة صدقت فلو قطعتها قطعا ... وحقك عنك ما رجعت ويروى عن السري السقطي أنه قال: دخلت يوما على تحفة في المارستان فوجدتها أنضر الناس وجها وعليها أطمار حسنة، فشممت منها رائحة عطرية وهي تفوح شذاها إلى خارج المارستان، فسألت القيم عنها فقال: هي جارية مملوكة قد اختل فحبسها مولاها لعلها تنصلح، فلما سمعت كلامه اغرورقت عيناها بالدموع، ثم أنشدت: معشر الناس ما جننت ولكن ... أنا سكرانة وقلبي صاحي أغللتم يدي ولم آت ذنبا ... غير جهدي في حبه وافتضاحي أنا مفتونة بحب حبيب ... لست أبغي عن بابه من براح فصلاحي الذي زعمتم فسادي ... وفسادي الذي زعمتم صلاحي ما على من أحب مولى الموالي ... وارتضاه لنفسه من جناح قال السري: فسمعت ما أقلقني وأشجاني، وأحرقني وأبكاني، فلما رأت دموعي قالت: يا سري، هذا بكاؤك من الصفة فكيف لو عرفته حق معرفته ثم أغمي عليها، فلما أفاقت جعلت تقول: ألبستني ثوب وصل طاب ملبسه ... فأنت مولى الورى حقا ومولائي كانت بقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي من غص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء قلبي حزين على ما فات من زللي ... والنفس في جسدي من أعظم الداء والشوق في خاطري مني وفي كبدي ... والحب مني مصون في سويداء إليك منك قصدت الباب معتذرا ... وأنت تعلم ما ضمته أحشائي فقال لها السري: يا جارية سمعتك تذكرين المحبة فلمن تحبين؟ قالت: لمن تعرف إلينا بنعمائه وجاد علينا بجزيل عطائه، فهو قريب إلى القلوب، مجيب لطلب المحبوب، سميع عليم، بديع حكيم، جواد كريم، غفور رحيم، ثم أنشأت تقول: قلبي أراه إلي الأحباب مرتاحا ... سكران من راح حب بالهوى باحا يا عين جودي بدمع خوف هجرهم ... فرب دمع أتى للخير مفتاحا ورب عين رآها الله باكية ... بالخوف منه تنال الروح والراحا

стр. 90

لله عبد جنى ذنبا فأحزنه ... فبات يبكي ويذري الدمع سفاحا مستوحش خائف مستيقن فطن ... كأن في قلبه للنور مصباحا قال السري: فبينما نحن كذلك إذا بسيدها أقبل فقال للقيم: أين تحفة؟ قال: هي في الداخل، وعندها السري السقطي ﵁ ففرح سيدها ودخل وسلم عليه وعظمه فقال له السري: هي أولى بالتعظيم مني فما الذي تكرهه منها حتى حبستها ههنا؟ فقال: أمور كثيرة، وجعل يعدد له خصالها فقال له السري: علي الثمن وأزيدك فصاح سيدها وا فقراه! من أين لك ثمن هذه الجارية وأنت رجل فقير؟ فقال له: لا تعجل دعها في المارستان حتى آتي بثمنها، ثم ذهب باكي العين رأفة على الجارية حتى طرق باب أحمد بن المثنى فأخبره بالخبر، فدفع له ثمنها ومثله معه، فلما كان الغد أقبل إلى المارستان فقال له: قد جئتك بثمن الجارية ومثله معه فقال: لا والله لو أعطيتني الدنيا ما قبلت بل هي حرة لوجه الله تعالى فلما سمعت ذلك بكيت بكاء مرا وأنشأت تقول: هربت منه إليه ... بكيت منه عليه وحقه هو مولى ... لا زلت بين يديه حتى أنال وأحظى ... بما رجوت لديه وتوجهت إلى مكة وهناك دخلت الكعبة وجعلت تقول: محب الله في الدنيا سقيم ... تطاول سقمه فدواه داه سقاه من محبته بكأس ... فأرواه المهيمن غذ سقاه فهام بحبه وسما إليه ... فليس يريد محبوبا سواه كذاك من ادعى شوقا إليه يهيم بحبه حتى يراه ثم مكثت على ذلك مدة وهي بين الخوف والرجاء إلى أن توفاها الله بمكة المكرمة وبعدما خرجت من المارستان سأل السري السقطي مولاها عن سبب عتقه لها وعدم قبوله ثمنها بعدما كان مشددا على لزوم استلام الثمن إن وجد من يدفعه إليه ولما عرض عليه ازدراه واستهزأ بقوله ظانا أنه لا يقدر على ثمنها فقال له مولى الجارية أنه بعدما حصل منه ذلك راجع صوابه وقال: إن السري السقطي مع ضيق ذات يديه وعدم اقتداره على ثمن جارية مثل هذه تعهد بأن يستحضر ثمنها ولا بد ذلك أن يكون من أهل الخير وليس هم بأكرم مني حالة كوني قادرا على عمل الخير بدون أن يحصل لي ضرر وغلب على الكرم ففعلت ما فعلت وأرجوك الدعاء فدعا له السري بإصلاح حاله، وبزيادة البركة في ماله، وتصدق بثمن الجارية الذي استحضره من أحمد بن المثنى المار ذكره. تذكارباي خاتون هي ابنة الظاهر "بيبرس" كانت تقية صالحة محبة للخير مقربة للفقراء، وأخصهن النساء الصالحات حتى إنها من محبتها لهن بنت لهن رباطا وسمته برباط البغدادية، وصفه المقريزي بقوله: إن هذا الرباط بداخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه "بيبرس" حيث كان المتجر ومن الناس من يقول: رواق البغدادية وهذا الرباط بنته الست الجليلة "تذكارباي خاتون" ابنة الملك الظاهر "بيبرس" في سنة ٦٨٤ هـ للشيخة الصالحة زينب ابنة أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية فأنزلتها به، ومعها النساء الخيرات وما برح إلى وقتنا هذا (أي وقت المقريزي)

стр. 91

يعرف سكانه من النساء بالخير وله دائما شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن، وآخر من أدركنا فهي الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها زينب بنت فاطمة بنت عباس البغدادية، توفيت سنة ٧١٤ هـ في ذي الحجة، وقد أنافت على الثمانين وكانت فقيهة، وافرة العلم، زاهدة، قانعة باليسير، عابدة، واعظة حريصة على النفع والتذكير ذات إخلاص وخشية وأمر بالمعروف. انتفع بها كثر من نساء دمشق ومصر وكان لها قبول زائد ووقع في النفوس وصار بعد كل من قام بمشيخة هذا الرباط من النساء يقال لها البغدادية أقامت به عدة سنين على أحسن طريقة إلى أن ماتت يوم السبت لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ، وأدركنا هذا الرباط وتودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن لما كان فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراز والمواظبة على وظائف العبادات. ثم لما فسدت الأحوال في عهد حدوث المحن بعد سنة ٨٠٦ هـ تلاشت أمور هذا الرباط ومنع مجاوروه من إقامة النساء المتعبدات فيه، وهذا الرباط قد زال بالكلية وبني في محله الآن الحوانيت المتسعة على باب الدرب الأصفر. تركان خاتون الجلالية ابنة طغفاج خان من نسل فراسياب التركي هي زوجة السلطان "ملكشاه" ووالدة السلطان "محمود بن ملكشاه" كانت من النساء العاقلات الدينات والحكيمات المدبرات. شهدت لها التواريخ وألسنة الأقلام بالحكمة والتدبير وعلو الهمة والإقدام، وكانت مطاعة في أوامرها، مسموعة الكلمة عند أمراء المملكة، محبوبة لديهم. وكانت تبذل لهم العطايا والإقطاعات وكان زوجها لا يرد لها طلبا وهي المالكة والمشاركة له في الملك، وكانت من حسن سياستها وتدبيرها، توصلت لأن تصاهر الخليفة المقتدي بأمر الله العباسي، وذلك من كثرة ترددها على حريم الخلافة ومعها ابنتها "خاتون" وهي كانت من الجمال على جانب عظيم وصفوها للمقتدي فأحبها على الوصف وأرد الاقتران بها، فأرسل الوزير فخر الدولة أبا نصر بن جهير إلى السلطان يخطب منه ابنته للخليفة فقال له: إن ذلك مما يزيدني شرفا، ولكن الأمر في ذلك إلى والدتها "تركان خاتونه" فيجب أن تذهب إليها. وأمر نظام الملك أن يمضي معه إلى "تركان خاتون" ويتكلم معها في هذا المعنى فمضيا إليها فخاطبها فقالت: إن ملك غزنة وملوك الخانية، وما وراء النهر طلبوها وخطبوها لأولادهم وبذلوا أربعمائة ألف دينار فلم أرض، فإن حمل الخليفة هذا المال فهو أحق منهم، فبلغ الخبر "أرسلان" والدة الخليفة فتأثرت من ذلك وأرسلت إلى "تركان خاتون" تقول: إن ما يحصل لها من الشرف والفخر بالاتصال بالخليفة لم يحصل لأحد غيرها وكلهم عبيده وخدمه، ومثل الخليفة لا يطلب منه مال فأجابت إلى ذلك وشرطت أن يكون الحمل المعجل خمسين ألف دينار وأنه لا يبقى له سرية ولا زوجة غيرها ولا يكون مبيته إلا عندها، فأجيبت إلى ذلك، فأعطى السلطان يده فعاد فخر الدولة إلى بغداد. وفي محرم نقل جهازها إلى دار الخليفة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي وكان أكثر الأحمال من الذهب والفضة وثلاث عماريات وعلى أربعة وستين بغلا مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة لا يقدر ما فيها من الجواهر والحلي، وبين يدي البغال ثلاث وثلاثون فرسا من الخيل الرائعة، عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجواهر ومن عظيم

стр. 92

إكسير الذهب، وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة "كوهرائين" والأمير "برسق" وغيرهما. ونثر أهل نهر معلى عليهم الدنانير والثياب وكان السلطان خرج من بغداد متصيدا، ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى "تركان خاتون" وبين يديه نحو الثلمائة موكبه ومثلها مشاعل ولم يبق في الحريم غرفة إلا وقد شعلت فيها الشمعة والاثنتان، وأكثر من ذلك، وأرسل الخليفة مع "ظفر" خادمه محفة لم ير مثلها. وقال الوزير لما وصل ل "تركان خاتون": إن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره، فأجابت بالسمع والطاعة، وحضر نظام الملك فمن دونه دولة السلطان، وكل منهم معه من الشمع والمشاعل شيء كثير، وجاء نساء الأمراء والكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجملها وبين أيديهن الشموع الموكبات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان، ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان بعد الجميع في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء وقد أحاط بالمحفة مائة جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة، وسارت إلى دار الخلافة وكانت ليلتهم مشهودة لم ير ببغداد مثلها، فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطنة وخلع عليهم كلهم وعلى كل من له ذكر في العسكر وأرسل الخلع مدة في دار الخليفة وولدت منه ولدا لم يطب لها المقام معه فأخبرت والدتها بذلك وهي أرسلت إلى الخليفة تطلب ابنتها طلبا لا بد منه، وسبب ذلك أن الخليفة أكثر الاطراح لها والإعراض عنها، فأذن لها في المسير، فسارت في ربيع الأول سنة ٤٨٢ هـ وسار معها ابنها من الخليفة أبو الفضل جعفر بن المقتدي بأمر الله ومعها سائر أرباب الدولة، ومشى مع محفتها سعد الدولة "كوهرائين" وخدم دار الخلافة الأكابر، وخرج الوزير وشيعهم إلى النهروان وعاد وسارت الخاتون إلى أصبهان فأقامت بها إلى ذي القعدة، وتوفيت، وجلس الوزير ببغداد للعزاء سبعة أيام وأكثر الشعراء مراثيها ببغداد وبعسكر السلطان. وسار "ملكشاه" بعد قتل نظام الملك إلى بغداد ودخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة ٤٨٥ م لقيه وزير الخليفة عميد الدولة بن جهير واتفق أن السلطان خرج إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضا وأنشب الموت أظفاره فيه، وكان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم وافتصد ولم يصر إخراج الدم فثقل مرضه، وكانت حمته محرقة فتوفي ليلة الجمعة في النصف من شوال سنة ٤٨٥هـ. ولما ثقل نقل أرباب الدولة أموالهم إلى حريم دار الخلافة، ولما توفي سترت زوجته "تركان خاتون" موته وكتمته وأعادت جعفر بن الخليفة من ابنة السلطان إلى أبيه المقتدي بأمر الله وسارت إلى بغداد والسلطان معها محمولا وبذلت الأموال للأمراء سرا، واستحلفتهم لابنها محمود، وكان تاج الملك يتولى ذلك لها، وأرسلت قوام الدولة "كربوقا" إلى أصبهان بخاتم السلطان، فاستنزل مستحفظ القلعة وتسلمها وأظهر أن السلطان أمره بذلك ولم يسمع بسلطان مثله ولم يصل عليه أحد ولم يلطم عليه وجه. وكان مولده سنة ٤٧٦ هـ، وكان من أحسن الناس صورة ومعنى وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام من أقصى بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن وحمل إليه ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل وعدل مطرد وما ذلك إلا باتحاده مع "تركان خاتون"، وعدم إتيانه أمرا إلا برأيها ومشورتها حتى دانت لهما العباد، وذلك لسلطانهما البلاد. ولما مات "ملكشاه" وفعلت زوجته كما ذكر أرسلت إلى الخليفة المقتدي في أمر الخطبة بأن يخطب لولدها محمود فأجابها بشرط أن يكون اسم السلطنة لولدها والخطبة له ويكون مدير زعامة الجيوش الأمير "أنز" يصدر عن رأي تاج الملك وهو الذي يدبر الأمر بين يدي "تركان خاتون" فلما جاءت رسالة

стр. 93

الخليفة إلى "خاتون" بذلك امتنعت من قبوله فقيل لها: إن ولدك صغير ولا يجيز الشرع ولايته، وكان مخاطبها الغراني، فأذعنت له وأجابته إليه ولقب ناصر الدنيا والدين وأرسلت "تركان خاتون" إلى أصبهان في القبض على "بركيارق" أكبر أولاد السلطان خيفة أن ينازع ولدها في السلطنة، فقبض عليه، فلما ظهر موت "ملكشاه" وثبت المماليك النظامية على سلاح كان لنظام الملك بأصبهان فأخذوه وساروا من البلد وأخرجوا "بركيارق" من الحبس وملكوه بأصبهان وكانت والدته زبيدة بنت ياقوتي بنت عم "ملكشاه" خائفة على ولدها من "تركان خاتون" أم محمود فأتاها الفرج بالمماليك النظامية وسارت "تركان خاتون" من بغداد إلى أصبهان فطالب العسكر تاج الملك بالأموال فوعدهم، لما وصلوا إلى قلعة برجين صعد إليها لينزل الأموال منها، فلما استقر فيها عصى على "تركان خاتون" ولم ينزل خوفا من العسكر فساروا عنه ونهبوا خزائنه فلم يجدوا شيء، ولما وصلت "تركان خاتون" إلى أصبهان لحقها تاج الملك واعتذر لها بأن مستحفظ القلعة حبسه وأنه هرب منه إليها، فقبلت عذره. واما "بركيارق" فإنه لما قاربت "تركان خاتون" وابنها محمود أصبهان خرج منها هو ومن معه من النظامية وساروا نحو الري فلقيهم "أرغش" النظامي في عساكره وصاروا يدا واحدة، فلما اجتمعوا حاصروا قلعة "طبرق" وأخذوها عنوة، وسيرت "تركان خاتون" العساكر إلى قتال "بركيارق" فالتقى العسكران بالقرب من "بروجرد"، فاجتاز جماعة من الأمراء والذين في عسكر "خاتون" إلى "بركيارق" منهم الأمير "يلبرد": و"كمشتكين الجاندار" وغيرهما فقوى بهم وجرى الحرب بينهم، وآخر ذي الحجة اشتد القتال فانهزم عسكر "خاتون" وعادوا إلى أصبهان وصار "بركيارق" في أثرهم فحصرها بأصبهان. وكان تاج الملك في عسكر "خاتون وشهد الوقعة، فهرب إلى نواحي "بروجرد" فأخذ وحمل إلى عسكر "بركيارق" وهو يحاصر أصبهان، وكان يعرف كفاءته، فأراد أن يستوزره، فشرع تاج الملك في إصلاح كبار النظامية وفرق فيهم مائتي ألف دينار سوى العروض فزال ما في قلوبهم، فلما بلغ عثمان نائب نظام الملك الخبر ساءه، فوضع الغلمان الأصاغر على الاستغاثة وأن لا يقنعوا إلا بقتل قاتل صاحبهم ففعلوا فانفسخ ما دبره تاج الملك وهجم النظامية عليه فقتلوه، وفصلوه أجزاء وكان كثير الفضائل جم المناقب، وإنما غطى جميع محاسنه ممالاته على قتل نظام الملك، وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعلم المدرسة التي إلى جانبها، ورتب بها الشيخ أبا بكر الشاشي، وكان عمره حين قتل سبعا وأربعين سنة. وفي شعبان سنة ٤٨٦ أرسلت "تركان خاتون" إلى إسماعيل بن ياقوتي بن داود خال "بركيارق" وابن عم "ملكشاه" تطمعه أن تتزوج به وتدعوه إلى محاربة "بركيارق"، فأجابها إلى ذلك وجمع خلقا كثيرا من التركمان وغيرهم أصحاب "سرهنك ساوتكين" في خيله، وأرسلت إليه "تركان خاتون" "كروبقا" وغيره من الأمراء في عسكر كثير، ممدا له، فجمع "بركيارق" عساكره وسار إلى حرب خاله إسماعيل، فالتقوا عند الكرج فانحاز الأمير "يلبرد" إلى "بركيارق" وصار معه فانهزم إسماعيل وعسكره وتوجه إلى أصبهان، فأكرمته "تركان خاتون" وخطبت باسمه وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود بن "ملكشاه" وكاد الأمر في الوصلة يتم بينهما، فامتنع الأمراء عند ذلك لاسيما الأمير "أنز" وهو مدبر الأمر ورئيس الجيش وآثروا خروج إسماعيل عنهم، وخافوه وخاف هو أيضا منهم، ففارقهم وأرسل يستأذن أخته "زبيدة" والدة "بركيارق" في اللحاق بهم فأذنت له في ذلك، فوصل إليهم وأقام عندهم أياما يسيرة، فخلا به "كمشتكين الجاندار" و"آقسنقر" و"بوزوان" وبسطوا له في القول فأطلعهم على سره وأنه يريد السلطنة وقتل "بركيارق" فوثبوا عليه فقتلوه وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه.

стр. 94

وفي سنة ٤٨٦ هـ أرسلت "تركان خاتون" جيشا مع الأمير "أنز" لقتال "توران شاه بن قاورت بيك" حاكم بلاد فارس فسار إليه وحاربه وأخذ أكثر بلاده وبقي حاكما عليها، ولما لم يحسن الأمير "أنز" تدبير بلاد فارس استوحش منه الأجناد واجتمعوا مع "توران شاه" وهزموا "أنز"، ومات "توران شاه" بعد الكسرة بشهر من سهم أصابه فيها. وبقيت "تركان خاتون" في عز ورفعة ومنعة لم يقدر عليها أحد من الملوك والسلاطين، وطالما حاول "بركيارق" إذلالها وأخذ السلطنة منها فلم يقدر عليها، وذلك من كثرة حكمتها وكرمها وحسن إدارتها فإن جميع الأمراء كانت تحبها وتسعى في خدمتها إلى أن توفيت في رمضان سنة ٤٨٧ هـ بأصبهان. وكانت قد برزت من أصبهان لتسير إلى تاج الدولة "تتش" لتتصل به فمرضت وعادت وماتت، وأوصت إلى الأمير "أنز" وإلى الأمير "سرمز" شحنة أصبهان بحفظ المملكة على ابنها محمود ولم يكن بقي بيدها سوى قصبة أصبهان ومعها عشرة آلاف فارس أتراك وكان لها جملة آثار مثل: بناء مساجد وأضرحة، ومدارس، وبيمارستانات وخلاف ذلك في جميع أنحاء المملكة، وأسف الناس عليها أسفا شديدا تغمدها الله برحمته. تقية ابنة أبي الفرج ذكرها الحافظ السلفي في تعليقه وأثنى عليها وأخذت عنه العلم بثغر الإسكندرية وفاقت الرجال فيه ولها زيادة على ذلك الباع الطولى في الشعر والأدب ولطائفها الأدبية مع الحافظ المذكور كثيرة منها أنه كان مارا بمنزله، فعثر فجرح قدمه فقطعت جارية من الدار قطعة من خمارها وعصبت بها قدمه فأنشأت تقية تقول: لو وجدت السبيل جدت بخدي ... عوضا عن خمار تلك الوليدة كيف لي أن أقبل اليوم رجلا سلكت دهرها الطريق الحميدة ومن غرائبها في الأدب أنها مدحت الملك المظفر بن أخي السلطان صلاح الدين بقصيدة خمرية، فقال ممازحا: أتعرف الشيخة هذه الأحوال من صباها؟ فبلغها ذلك فنظمت قصيدة أخرى حربية وصفت فيها الحرب وما تتعلق به أحسن وصف وبعثتها إليه وقالت: علمي بهذا كعلمي بذاك وهي في القرن السادس من الهجرة. تماضر الشهيرة بالخنساء هي ابنة عمرو بن الحارث ابن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة. وقيل تهبه بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر، وتكنى أم عمرو، وإنما الخنساء لقب غلب عليها وهي الظبية وكان دريد بن الصمة رآها يوما وهي تهنا جملا فعلق بها وقال فيها: حيوا تماضر وأربعوا صحبي ... وقفوا فإن وقوفكم حسبي أخناس قد هام الفؤاد بكم ... وأصابه تبل من الحب وخطبها بعد ذلك إلى أبيها فقال له أبوها: مرحبا يا أبا قرة إنك لكريم لا يطعن في حسبه واليد لا ترد عن حاجته ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها وإنما أذكرك لها ثم دخل عليها وقال: يا خسناء، أتاك فارس هوزان وسيد بني جشم دريد بن الصمة يخطبك وهو ممن تعلمين، ودريد يسمع قولها فقالت: يا أبت، أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحة بني جشم هاته اليوم أو غدا وأنشأت تقول: أتخطبني هبلت على دريد ... وتطرد سيدا من آل بدر

стр. 95

معاذ الله ينكحني خبر كي ... يقال أبوه من جشم بن بكر ولو أمسيت في جشم هديا ... لقد أمسيت في دنس وفقر فخرج إليه أبوها فقال: يا أبا قرة، قد امتنعت ولعلها أن تجيب فيما بعد فقال دريد: سمعت ما دار بينكما وانصرف غضبان وقال يهجو الخنساء: لمن طلل بذات الخمس أمس ... عفا بين العقيق فبطن خرس أشبهها غمامة يوم دجن ... تلألأ برقها أو ضوء شمس وهي طويلة اضربنا عنها فقيل للخنساء: ألا تجيبيه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه، ولما ردت دريدا خطبها رواحة بن عبد العزيز السلمي فولدت له عبد الله، ثم خلف عليها مرداس بن أبي عامر فولدت له يزيد ومعاوية وبنتا اسمها عمرة. حكى بعضهم أنه لما كانت ليلة زفاف عمرة كانت أمها جالسة ملتفة بكساء أحمر وقد هرمت وهي تلحظ ابنتها لحظا شديدا فقال القوم: يا عمرة، ألا تحرشت بأمك فإنها الآن تعرف بعض ما أنت فيه، فقامت عمرة تريد شيئا، فوطأت على قدمها وطأة أوجعتها فقالت لها وقد اغتاظت: حسن إليك يا حنفاء كأنما تطئين أمة ورهاء أنا كنت أكرم منك عرسا، وأطيب ورسا، وذلك زمان إذ كنت فتاة أعجب الفتيان، لا أذيب الشحم ولا أرعى البهم، كالمهرة الصنع لا مضاعة ولا عند مضيع، فضحك القوم من غيظها. وكانت الخنساء من شواعر العرب المعترف لهن بالتقدم وهي تعد من الطبقة الثانية في الشعراء، وأكثر شعرها في رثاء أخويها معاوية وصخر. وكان معاوية أخاها لأمها وأبيها، وكان صخر أخاها لأبيها وأحبهما إليها واستحق صخر ذلك منها لأنه كان موصوفا بالحلم مشهورا بالجود معروفا بالتقدم والشجاع، محظوظا في العشيرة وأجمل رجل في العرب، فلما قتل جلست الخنساء على قبره زمانا طويلا تبكيه وترثيه وفيه جل مراثيها، وكانت في أول أمرها تقول البيتين أو الثلاثة حتى قتل أخوها معاوية وصخر وقد أجمع الشعراء على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. وقيل لجرير: من أشعر الناس؟ فقال: أنا لولا هذه الخبثية -يعني الخنساء- قال بشار: لم تقل امرأة شعرا إلا تبين الضعف في شعرها. فقيل له: أو كذلك الخنساء؟ قال: تلك فوق الرجال. وكان الأصمعي يقدم ليلى الأخيلية عليها. قال المبرد: كانت الخنساء وليلى فائقتين في أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول، وكان النابغة الذبياني يجلس للشعراء في سوق عكاظ وتأتيه الشعراء فتنشده أشعارها فأنشدته الخنساء في بعض المواسم قصيدتها الرائية التي في أخيها صخر، فأعجبه شعرها وقال له: اذهبي فأنت أشعر من كانت ذات ثديين، ولولا هذا الأعمى أنشدني قبلك -يعني الأعشى- لفضلتك على شعراء هذا الموسم فإنك أشعر الإنس والجن وكان ممن عرض شعره في ذلك الموسم حسان بن ثابت فغضب وقال: أنا أشعر منك ومنها. فقال: ليس الأمر كما ظننت، ثم التفت إلى الخنساء. وقال: ياخناس خاطبيه، فالتفتت إليه الخنساء وقالت: ما أجود بيت في قصيدتك هذه التي عرضتها آنفا؟ قال قولي فيها: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فقالت: ضعفت افتخارك وأندرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا. قالت: قلت لنا: الجفنات والجفنات مادون الغر، ولو قلت: الجفان لكان أكثر، وقلت: الغر، والغرة: بياض في الجبهة، ولو قلت: البيض لكان أكثر اتساعا، وقلت: يلمعن، واللمع: شيء يأتي بعد شيء، ولو قلتك يشرقن لكان أكثر لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت بالضحى ولو قلت: بالدجى لكان أكثر إطراقا، وقلت: أسياف، والأسياف: ما دون العشرة، ولو قلت: سيوفا لكان أكثر،

стр. 96

وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن لكان أكثر، وقلت: دما، والدماء: أكثر من الدم. فسكت حسان ولم يرد جوابا وكان في أثناء ذلك ظهور الإسلام، فقدمت الخنساء على رسول الله ﷺ فأسلمت واستنشدها فأنشدته فأعجب بشعرها وهو يقول: "هيه يا خنساء". ثم انصرفت. وقيل: إن عمر بن الخطاب سألها ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر. قالك يا خنساء، إنهم في النار. قالت: ذاك أطول لعويلي عليهم إني كنت أبكي لهم من الثأر، وأنا اليوم أبكي لهم من النار. وقيل: إنها أقبلت في خلافته حاجة، فنزلت بالمدينة بزي الجاهلية فقام إليها عمر في أناس من الصحابة فدخل عليها فإذا هي كما وصفت له فعذلها ووعظها، وقال لها: إن الذي تصنعين ليس صنع الإسلام، وإن الذين تبكين هلكوا في الجاهلية وهم أعضاء اللهيب وحشو جهنم. فقالت: اسمع مني ما أقول في عذلك إياي ولومك لي فقال: هات: فأنشدته من شعرها في أخويها فتعجب من بلاغتها. وقال: دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا. وقيل: إنها أتت عائشة فنظرت إليها وعليها الصدار وهي محلوقة الرأس تدب من الكبر على عصي فقالت لها عائشة: أخناس؟ فقالت: لبيك يا أماه، قالت: أتلبسين الصدار وقد نهي عنه في الإسلام؟ فقالت: لم أعلم بنهيه. قالت: ما الذي بلغ بك ما أرى؟ قالت: موت أخي صخر. قالت عائشة: ما دعاك إلى هذا صنائع من جميله، فصفيها لي. قالت: نعم، إن لشعري سببا، وذلك أن زوجي كان رجلا متلافا للأموال يقامر بالقداح، فأتلف فيها ماله حتى بقينا على غير شيء فأراد أن يسافر فقلت له: أقم وأنا آتي أخي صخرا فأسأله، فأتيته، فشكوت إليه حالنا وقلة ذات أيدينا فشاطرن ماله، فانطلق زوجي فقامر به فقمر حتى لم يبق لنا شيء فعدت إليه في العام المقبل أشكو غليه حالته فصار لي بمثل ذلك فأتلفه زوجي، فلما كان في الثالثة أو في الرابعة خلت بصخر امرأته فعذلته ثم قالت: إن زوجها مقامر وهذا ما لا يقوم به شيء فإن كان ولا بد من صلتها فأعطها خمس مالك فإنما هو متلف والخير فيه والشر سيان، فأنشأ يقول لامرأته. والله لا أمنحها شرارها ... وهي حصان قد كفتني عارها ولو هلكت مزقت خمارها ... واتخذت من شعر صدارها ثم شطر ماله فأعطاني أفضل شطريه، فما هلك اتخذت هذا الصدار، والله لا اخلف ظنه ولا اكذب قوله ما حيت. وكان للخنساء أربعة بنين فلما ضرب البحث على المسلمين بفتح فارس صارت معهم وهم رجال، وحضرت وقعة القادسية سنة ١٦ هجرية وسنة ٦٣٨ ميلادية وأوصتهم من الليل بقولها: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما إنكم بنو امرأة واحدة ما هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وأعلموا إن الدار الآخرة خير من الدار الفانية (اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: ٢٠٠) ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها تظفروا بالغنم والكرامة في الدار الخلد والمقامة، فلما أضاء لهم الصبح باكروا إلى مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم حتى قتلوا عن آخرهم فبلغ الخبر إليها فقالت: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة، وكان عمر بن الخطاب يعطها أرزاق بنيها الأربعة، وكان لكل منهم مائة درهم حتى قبض. وأخبار الخنساء كثيرة وهي أشهر من أن تذكر، ومن شعرها قولها في أخويها معاوية وصخر وأبيها عمرو: أبكي أبي عمرا بعين غريرة ... قلل إذا نام الخلي هجودها

стр. 97

وصنوي لا أنسى معاوية الذي ... له من سراة الحرتين وفودها وصخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا ... بسلهبة الآطال قرم يقودها وقولها في أخويها: من حس بالأخوين كال ... غصنين أو من رآهما قرمين لا يتظالما ... ن ولا يرام حماهما ويلي على الأخوين وال ... قبر الذي واراهما رمحين خطيين في ... كبد السماء ثناهما ما خلفا إذ ودعا ... في سودد ثرواهما سارا بغر تكلف ... عفوا بفيض نداهما وقولها ترثي أخاها معاوية: ألا لا أرى في الناس مثل معاوية ... إذا طرقت إحدى الليالي بداهيه بداهية يصغي الكلاب حسيسها ... وتخرج من سر النجي علانيه ألا لا أرى كالفارس الورد فارسا ... إذا ما علته جهرة وعلانيه وكان لزاز الحرب عند شبوبها ... إذا شمرت عن ساقها وهي ذاكيه بلينا وما تبلى نضار وما ترى ... على حدث الأيام إلا كما هيه فأقسمت لا ينفك دمعي وعولتي ... عليك بحزن ما دعا الله داعيه وقولها أيضا فيه وكان مقتله في بني مرة: ألا ما لعينك أم مالها ... لقد أخضل الدمع سربالها أبعد ابن عمرو من آل الشري ... د حلت به الأرض أثقالها وأقسمت آسي على هالك ... وأسأل نائحة ما لها سأحمل نفسي على آلة ... فإما عليها وإما لها نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أبقى لها ورجراجة فوقها بيضها ... عليها المضاعف أقتالها ككر فئة الغيث ذات الصبي ... ر ترمي السحاب ويرمي لها وقافية مثل حد السنا ... ن تبقى ويهلك من قالها نطقت ابن عمرو فسهلتها ... ولم ينطق الناس أمثالها فإن تك مرة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها تزول الكواكب من فقده ... وجللت الشمس إجلالها وأما مراثيها في أخيها صخر فكثيرة جدا كما قلنا وأشهر ما قالت فيه قولها عندما مات: اذهب فلا يبعدنك الله من رجل ... دراك ضيم وطلاب بأوتار قد كنت تحمل قلبا غيره مؤتشب ... مركب في نصاب غير خوار فسوف أبكيك ما ناحت مطوقة ... وما أضاءت نجوم الليل للساري

стр. 98

شدوا المآزر حتى تستعاد لكم ... وشمروا إنها أيام تشمار وابكوا فتى الحي لاقته منيته ... وكل حي إلى وقت ومقدار وقولها: يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس ولولا كثرة الباكين حولي ... على موتاهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي وقولها: أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندا ألا تبكيان الجرئ الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا طويل النجاد رفيع العم ... د ساد عشيرته أمردا إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا فنال الذي فوق أيديهم ... إلى المجد ثم مضى مسعدا يحمله القوم ماعالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا ترى المجد يهدي إلى بيته ... يرى أفضل المجد أن يحمدا وإن ذكر المجد ألفيته ... تأزر بالمجد ثم ارتدى وقولها: قذى بعينيك أم بالعين أعور ... أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدار تبكي لصخر العبرى وقد ذرفت ... ودونه من جديد الترب أستار لا بد من موته في صرفها غير ... والدهر في صرفه حول وأطوار يا صخر وارد ماء قد تناذره ... أهل الموارد ما في ورده عار مشى السبنتي إلى هيجاء معضلة ... له سلاحان أنياب وأظفار فما عجول على بو تطيف به ... لها حنينان إصغار وإكبار ترعى إذا نسيت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار لا تسمن الدهر في أرض وإن رتعت ... فإنما هي تحنان وتسجار يوما بأوجد مني يوم فارقني ... صخر وللدهر إحلاء وإمرار فإن صخرا لوالينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار وإن صخرا التأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار لم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار ولا تراه وما في البيت يأكله ... لكنه بارز بالصحن مهمار مثل الرديني لم تنفذ شبيبته ... كأنه تحت طي البرد أسوار في جوف رمس مقيم قد تضمنه ... في رمسه مقمطرات وأحجار

стр. 99

طلق اليدين لفعل الخير ذو فخر ... ضخم الدسيعة بالخيرات أمار في رفقة حار حاديهم بمهلكه ... كأن ظلمتها في الطخية القار كان دمعي لذكراه إذا خطرت ... فيض يسيل على الخدين مدرار تبكي خناس على صخر وحق لها ... إذ رابها الدهر إن الدهر إن الدهر ضرار وتوفيت الخنساء في البادية في خلافة معاوية بن ابي سفيان ﵀ عليها. تماضر زوجة زهير كانت من بنات بني عبس الأكابر الذين ورثوا المجد كابرا عن كابر، تزوجت بالملك زهير العبسي على محبة ووفاق وزادت به شرفا ومقاما، وإجلالا وإكراما، وولدت له جملة أولاد نجباء، منهم: قيس، ومالك ابنا زهير، وزوجها زهير ملك بني عبس، ولها رثاء قليل في ولدها مالك قتله حذيفة بن بدر، ومن قولها: كأن العين خالطها قذاها ... لغيبتكم فلم تعط كراها على ولد وزين النسا طرا ... إذا ما النار لم تر من صلاها لئن حزنت بنو عبس عليه ... فقد فقدت بنو عبس فتاها فمن للضيف إن هبت شمال ... مزعزعة يجاوبها صداها أسيدكم وحاميكم تركتم ... على الغبراء منهدما رحاها نرى الشم الجحاجح من بغيض ... تبدد جمعها يوما رآها فيتركها إذا اضطربت بطعن وينهبها إذا اشتجرت قناها حذيفة لا سقيت من الغوادي ... ولا روتك هاطلة نداها كما أفجعتني بفتى كريم ... إذا وزنت بنو عبس وفاها فدمعي بعده أبدا هطول ... وعيني دائم أبدا بكاها تنوسة جارية علية بنت المهدي العباسي كانت ذات حسن وجمال، وبها وكمال، وأدب ما له مثال. تعلمت الغناء حتى صارت أحسن المغنين والمغنيات، وساعدها على ذلك صوتها وحدة ذهنها وشدة استحضارها. وكانت تختلف إلى الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر وترتاح لمنادمته، وهو يشتاق لسماع صوتها. وقيل: إن محمد بن عبد الله جلس يوما في مجلس أنسه وكان عنده صديقه الحسن بن محمد بن طالوت، وكان أخص الناس به فقال له: لا بد لنا في يومنا هذا من ثالث نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته حتى نسمع صوت "تنوسة" فمن ترى أن يكون طاهر الأعراق غير دنس الأخلاق، فأعمل فكره الحسن وأمعن نظره وقال: أيها الأمير قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفه قد خلا من إبرام المجالسة وبرئ من ثقل المؤانسة خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت. قال: ومن ذاك؟ قال: "مان الموسوس". قال: أحسنت والله فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما كان بأسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ فسار به إلى باب بالأمير فأدخل الحمام وأخذ من شعرهن وألبس ثيابا نظافا، ثم ادخل عليه فقال: السلام عليك يا أمير. فقال: عليك السلام يا "مان"، ألم يأن أن

стр. 100

تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة قلوبنا نحوك. فقال "مان": الشوق شديد، والمزار بعيد، والحجاب عتيد، والبواب فظ عنيد ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة. قال: لقد ألطفت في الاستئان، فلا تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار، ثم أذن له فجلس، ثما دعا له بالطعام فأكل، ثم غسل يديه وأخذ مجلسه. وكان محمد قد تشوق إلى السماع من "تنوسة" جارية ابنة المهدي، فأحضرت فكان أول ماغنت: ولست بناس إذا غدوا فتحملوا ... دموعي على الأحباب من شدة الوجد وقولي وقد زالت بليل حمولهم ... بواكر تخدى لا يكن آخر العهد فقال "مان": أحسنت والله، ألا زدت فيه: أقمت أناجي الفكر والدمع حائر ... بمقلة موقوف على الجهد ولم يعدني هذا الأمير بعزه ... على ظالم قد لج في الهجر والبعد فاندفعت تغنيه، فرق محمد بن عبد الله له وقال: أعشاق أنت يا "مان"؟ قال: فاستحيا وغمزه ابن طالوت أن لا يبوح له بشيء فيسقط من عينه فقال: بل هلع، وطرب اعز الله الأمير وشوق كان كامنا فظهر وهل بعد المشيب من صبوة، ثم اقترح محمد على "تنوسة" هذا الصوت من شعر أبي العتاهية: حجبوها عن الرياح لأني ... قلت يا ريح بلغيها السلاما لو رضوا بالحجاب هان ولكن ... منعوها يوم الرحيل الكلاما فغنته فطرب محمد، ثم دعا برطل فشربه فقال "مان": ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه: فتنفست ثم قلت لطيفي ... آه لو زرت طيفها إلماما خصها بالسلام سترا وإلا ... منعوها لشقوتي أن تناما فكان أبعث للصبابة بين الأحشاء وألطف تغلغلا على كبد الظمآن من زلال الماء مع حسن تأليف نظامه وانتهائه إلى غاية تمامه قال محمد: أحسنت والله يا "مان"، ثم أمر "تنوسة" بإلحاقها هذين البيتين بالأولين ففعلت ثم غنت هذين البيتين من شعر أبي نواس: يا خليلي ساعة لا تريما ... وعلى ذي صبابة فأقيما ما مررنا بدار زينب إلا ... فضح الدمع سرنا المكتوما فاستحسنه محمد فقال "مان": لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع ذي لب إلا صد استحسانه لهما. فقال محمد: الرغبة فيما تأتي به حائلة دون كل رهبة فهات ما عندك فقال: ظبية كالغزال لو تلحظ الصخ ... ر بطرف لغادرته هشيما وإذا ما تبسمت خلت ما تبدى ... من الثغر لؤلؤا منظوما قال محمد: أحسنت والله فأجز: لم تطب اللذات إلا لمن ... طابت له لذات تنوسة غنت بصوت أطلقت عبرة ... كانت بحسن الصبر محبوسة فقال "مان": وكيف صبر النفس عن غادة ... تظلمها إن قلت طاووسه وجرت إن شبهتها بانة ... في جنة الفردوس مغروسة

стр. 101

ثم سكت، فقال محمد، فأعد لي وصفك لها، فقال: وغير عدل إن قرنا بها ... جوهرة في التاج مغروسه جلت عن الوصف فما فكرة ... تلحقها بالنعت محسوسة فقالت "تنوسة": وجب علينا يا "مان" شكرك، فساعدك دهرك، وعطف عليك الفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله تعالى يديم لنا السرور ببقاء من ببقائه اجتمع شملنا فأنشأ يقول: ليس لي إلف فيقطعني ... فارقت نفسي الأباطيل أنا موصول بنعمة من ... حبلة بالحمد موصول أنا مشمول بمنة من ... منه في الخلق مبذول أنا مغبوط بزورة من ... ربعه بالمجد مأهول فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام فنهض وهو يقول: ملك عز النظير له ... زانه الغر بالبهاليل طاهري في مركبه ... عرفه للناس مبذول دم من يشقى بصارمه ... مع هبوب الريح مطلول فقال محمد: وجب جزاؤك لشكرك على غير نعمة سلفت منا إليك، ثم أقبل على ابن طالوت فقال: يا هذا، ليس خساسة ثوب المرء واتضاع المنظر ونبو العين بمذهب جوهر الأدب المركب فيه ولله در صالح بن عبد القدوس حيث يقول: لا يعجبنك من يصون ثيابه ... حذر الغبار وعرضه مبذول فلربما افتقر الفتى فرأيته ... دنس الثياب وعرضه مغسول ثم قال وهو واقف: مدمن التحقيق موصول ... ومطيل اللبث مملول فأنا أستودعكم الله، ثم انصرف فأمر له محمد بن عبد الله بصلة سنية قال ابن طالوت: فما رأيت أحدا أحضر ذهنا منه إذ تقول له الجارية عطف عليك الفك فينفيها بقوله: ليس لي إلف فيقطعني البيت. قال: ولم يزل محمد مجريا عليه رزقا سنيا إلى أن مات، وبقيت "تنوسة" معززة مكرمة في منزل علية ابنة المهدي إلى أن ماتت بعدما عمرت ولم يتغير شيء من صوتها وجمالها. حرف الثاء ثبيتة ابنة الضحاك بن خليفة الأنصارية الأشهلية ولدت على عهد رسول الله ﷺ وكانت على جانب عظيم من الجمال والكمال، واللطافة والأدب، وعزة النفس. وكان يضرب بها المثل في الجمال بين نساء العرب، وكانت كلما خرجت من منزلها تتمايل إليها الأنظار وتهوى إليها القلوب بالأبصار وكان مرة بن سهل بن أبي حثمة مارا فيا لطريق فرأى محمد بن مسلمة يطار ثبيتة بنظره فقال له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ . فقال: نعم، إني سمعت رسول الله

стр. 102

صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا ألقى الله في قلب رجل خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها) . ومن ذلك يتضح أن من أراد الخطبة فله أن ينظر مخطوبته قبل زواجه بها، وبقيت ثبيتة محط أنظار شبان الصحابة حتى تزوجت وهي في غاية العفة والصيانة ولم يمدد إليها أحد يده بسوء، ولها صحبة حسنة وأحاديث نبوية. ثبيتة ابنة مرداس بن قحفان العنبري كانت من شاعرات العرب وكرمائهن اللاتي يضرب بهن المثل، وكان زوجها كريما لم يوجد أكرم منه في زمانه. قيل: إنه أتاه أخو امرأته فأعطاه بعيرا من إبله وقال لامرأته: هاتي حبلا يقرن به ما أعطيناه إلى بعيره، ثم أعطاه بعيرا آخر، وقال: هاتي حبلا، ثم أعطاه ثالثا فقال: هاتي حبلا. فقالت ما بقي عند حبل. فقال: علي الجمال، وعليك الحبال. فرمت إليه خمارها وقالت اجعله حبلا لبعضها فأنشأ يقولل: لا تعذلينيفي العطاء ويسري ... لكل بعير جاء طالبه حبلا فإني لا تبكي علي إفالها ... إذ شبعت من روض أوطانها بقلا فلم أر مثل الإبل مالا لمقتن ... ولا مثل أيام الحقوق لها سبلا فأجابته فورا: حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي ... تكفل بالأرزاق في السهل والجبل تزال حبال المحصدات أعدها ... لها ما مشى منها على خفه جمل فأعط ولا تبخل لمن جاء طالبا ... فعندي لها خطم وقد زالت العلل ثبيتة ابنة يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصارية كانت من المهاجرات الوائل ومن فاضلات النساء الصحابيات وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وهي مولاة سالم مولى أبي حذيفة قتل سالم يوم اليمامة. وكانت ثبيتة من النساء الأديبات العابدات الزاهدات الصابرات على العبادة مشهورة بحسن صحبتها ولها رواية مثبوتة عند المحدثين. الثريا ابنة عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر كانت من شهيرات نساء قريش وأبرعهن جمالا وكمالا، وكان عمر بن أبي ربيعة مستهاما بها وكانت تصيف بالطائف، وكان عمر يغدو إليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه فيسائل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن أخبارها فلقى يوما بعضهم فسأل أحدهم عن أخبارهم فقال: ما استطرفنا خبرا إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم من السماء، وقد سقط علي اسمه فقال عمر: الثريا. قال: نعم، وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء وهي أحسن الطرق وأقربها حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي تتشوق له وتتشوف، فوجدها سليمة ومعها أختها رضيا وأم عثمان، فأخبرها الخبر، فضحكت وقالت: والله أنا أمرتهم لأختبر ما لي عندك في ذلك فقال هذا الشعر:

стр. 103

تشكي الكميت الجري لها جهدته ... وبين لو يستطيع أن يتكلما فقلت له أن ألق للعين قرة ... فهان علي أن تكل وتسأما لذلك أدني دون خيل رباطه ... وأوصي به أن لا يهان ويكرما عدمت إذا وفري وفارقت مهجتي ... لئن لم أقل قرنا إن الله سلما وسأل مسلمة بن إبراهيم أيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة فقال: وفوق الصفة، كانت والله كما قال عبد الله بن قيس: حبذا الحج والثريا ومن بال ... خفيف من أجلها وملقى الرحال يا سليمن إن تلاقي الثريا ... تلق عيش الخلود قبل الهلال درة من عقائد البحر بكر ... لم يشنها مثاقب اللآلي وحجت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية فقال فيها عمر: أصبح القلب فيا لحبال رهينا ... مقصدا يوم فارق الظغينا قلت من انتم فصدت وقالت ... أمبدي سؤالك العالمينا نحن من ساكني العراق وكنا ... قبله قاطنين مكة حينا قد صدقناك إذ سألت فمن أن ... ت عسى أن يجر شأن شؤونا وترى أننا عرفناك بالنع ... ت بظن وما قبلنا يقينا بسواد الثنيتين ونعت ... قد تراه لناظر مستبينا وبلغت الأبيات الثريا فبلغتها إياها أم نوفل فقالت: إنه لوقاح صنع بلسناه، ولئن سلمت له لأردن من شأوه ولأثنين من عنانه، ولأعرفنه نفسه، وهجرت عمر فلما هجرته قال في ذلك: من رسولي إلى الثريا فإني ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها ماذا أحل اغتصابي وهي مكنونة تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب أبرزوها مثل المهاة تهادي ... بين خمس كواعب أتراب ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد القطر والحصا والتراب فلما سمع ابن عتيق قوله: " من رسولي إلى الثريا فإني" قال: إياي أراد وبي نوه، لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما ونهض. قال بلال مولى ابن أبي عتيق: فركب وركبت معه فسار سيرا شديدا فقلت: أبق على نفسك فإن ما تريد ليس يفوتك. فقال: ويحك. أبادر حبل الود أن يتقضبا وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا، فقدما مكة ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه، فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته فقال له: اركب، وأصلح بينك وبين الثريا فأنا رسولك الذي سألت عنه، فركب معه وقدموا الطائف وقد كان عمر أرضى أم نوفل، فكانت تطلبت له الحيل لإصلاحها فلم يمكنها فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جمشني المسير من المدينة إليك، فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه معتذرا من إساءته إليك فدعيني من التعداد والترداد فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، ورجعوا إلى مكة فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل وزاد عمر في أبياته فقال:

стр. 104

أرهقت أم نوفل إذ دعتها ... مهجتي ما لقاتلي من متاب حين قالت لها أجيبي فقالت ... من دعاني قالت أبو الخطاب فاستجابت عند الدعاء كما ... لبى رجال يرجون حسن الثواب وكانت أم نوفل دعتها لابن أبي عتيق ولو دعتها لعمر ما أجابت: وأتى عمر الثريا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت فقال لها: إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئا واستلقى فضحك، وكان النساء إذا ذاك يتختمن في أصابعهن العشرة، فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها فأصابت الخواتم ثنيتيه العليين وكادت أن تقلعهما، فعالجهما، فشفيتا واسودتا، وكان يفتخر بهما ويعده أثرا عزيزا عنده، وواعدت الثريا عمر أن تزوره فجاءت في الوقت الذي ذكرته فصادفت أخاه الحارث قد طرقه، وأقام عنده ووجه به في حاجة له ونام مكانه وغطى وجهه بثوب فلم يشعر إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله فانتبه وجعل يقول: اغربي عني فلست بالفاسق، أخزاكما الله. فلما علمت بالقصة انصرفت ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها فاغتم لما فاته منها وقال: أما والله لا تمسك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك. فقال الحارث: عليك وعليها لعنة الله. وتزوجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان، وكان عمر بن أبي ربيعة أخرجه مسعدة بن عمر والي اليمن في أمر عرض له وتزوجت الثريا وهو غائب، فلما رجع وجدها نقلت في ذلك اليوم إلى الشام فأتى المنزل الذي كانت فيه وسأل عنها فأخبر أنها رحلت من يومئذ فخرج في أثرها فلحقها في مرحلتين وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه، فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكرا حتى مر بالخيمة، فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته فقالت لحاضنتها: كلميه، فسلمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه فاعتذر وبكى فبكت الثريا وقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل فحادثها إلى طلوع الفجر، ثم ودعها وبكيا طويلا، وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون ثم أتبعهم بصره حتى غابوا وانشأ يقول: يا صاحبي قفا نستخبر الطللا ... عن حال من حله بالأمس ما فعلا فقال بالأمس لما أن وقفت به ... إن الخليط أجدوا البين فاحتملا وخادعتك النوى لما رايتهم ... فيا لفجر يحتث حادي عيسهم رحلا لما وقفنا نحييهم وقد صرخت ... هواتف البين واستولت بهم أصلا صدت بعادا وقالت للتي معها ... بالله لوميه في بعض الذي فعلا وحدثيه بما حدثت واستمعي ... ماذا يقول ولا تعي به جدلا حتى ترى أن ما قال الوشاه له ... فينا لديه إلينا كله نقلا وعرفيه به كالهزل واحتفظي ... في بعض معتبة أن تخطئ الرجلا فإن عهدي به والله يحفظه ... وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا لو عندنا اعتيب أو نيلت نقيصته ... ما آب معتابه من عندنا جذلا قلت اسمعي فلقد أبلغت في لطف ... وليس يخفى على ذي اللب من هزلا هذا أرادت به بخلا لأعذرها ... وقد أرى أنها لن تعدم العللا ما سمي القلب إلا من تقلبه ... ولا الفؤاد فؤادا غير أن عقلا

стр. 105

أما الحديث الذي قالت أتيت به ... فما عتبت به إذ جاءني تبلا ما إن أطعت بها بالغيب قد علمت ... مقالة الكاشح الواشي إذا محلا إني لأرجعه فيها بسخطه ... وقد يرى أنه قد غر بي زللا وهي قصيدة طويلة وقال فيها أيضا: أيها الطارق الذي قد عناني ... بعدما نام سامر الركبان زار من نازح بغير دليل ... يتخطى إلي حتى أتاني أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان وكتب إليها يوما وقد غلبه الشوق: كتبت إليك من بلدي ... كتاب موله كمد كئيب وأكف العينين ... بالحسرات منفرد يؤرقه لهيب الشو ... ق بين السحر والكبد فيمسك قلبه بيد ... ويمسح عينه بيد وكتبه في قوهية وشنفه وحسنه وبعث به إليها فلما قرأته بكت بكاء شديدا ثم تمثلت: بنفسي من لا يستقل بنفسه ... ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع وكتبت إليه تقول: أتاني كتاب مل ير الناس مثله ... أمد بكافور ومسك وعنبر وقرطاسة قوهية ورباطة ... بعقد من الياقوت صاف وجوهر وفي صدره مني إليك تحية ... لقد طال تهيامي بكم وتكري وعنوانه من مستهام فؤاده ... إلى هائم صب من الحزن مسعر ولما مات عنها سهيل خرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة بدمشق في قضاء دين عليها فبينما هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إذ دخل عليها لوليد فقال: من هذه؟ فقالت: الثريا جاءتني أطلب ليك قضاء دين عليها وحوائج لها فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئا؟ قالت: نعم، يرحمه الله كان عفيفا أروي قوله: ما على الرسم بالبليين لو بي ... ن رجع السلام أو لو أجابا فإلى قصر ذي العشيرة فالطا ... ئف أمسى من الأنيس يبابا إذ فؤادي يهوى الرباب وإني ال ... دهر حتى الممات أنسى الربابا وبما قد أرى به حي صدق ... ظاهري العيش نعمة وشبابا وحسانا جواريا خفرات ... حافظات عند الهوى الأحسابا لا يكثرن في الحديث ولا يت ... بعن يبغين بابهام الظرابا فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت، فلما خلا الوليد بأم النبين قال لها: لله درك الثريا أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟ قالت: لا. قال: إني لما عرضت لها به عرضت لي بان أمي أعرابية وأم والوليد

стр. 106

وسليمان ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي، فلما ماتت الثريا أتى الغريض المغني إلى كثير بن كثير السهمي فقال له: قل لي أبيات شعر أنح بها على الثريا فقال له هذين البيتين: ألا يا عين ما لك تدمعينا ... أمن رمد بكيت فتكحلينا أم أنت حزينة تبكين شجوا ... فشحوك مثله أبكى العيونا ثيودورا زوجة الملك بوستينان هي ابنة أكساسيو القبرصي، حارس الأدباب في الملعب، فلما مات أبوها باتت مع أختيها كومينو وأنسطاسيا في حالة فقر يرثى لها وجميعهن صغيرات فيالسن لا يتجاوز عمر الكبرى سبع سنوات، وكانت ثيودروا جميلة حسناء فقيرة فلم تجد سبيلا للكسب إلا الانخراط في سلم الممثلات، فأعجبت الناس بمهارتها واتخذت خلانا وبدلت أحبة لتعيش في راحة وهناء. قيل: إنها كانت في بلاد بافلاغونيا فحلمت أنها ستصير امرأة ملك قوي فعادت إلى القسطنطينية مسرعة وتابت واتخذت لها بيتا عاشت به بالبر والطهارة والتقوى تشتغل الليل والنهار بأشغال يدوية لتعيش وتساعد المساكين فعلم بها بوستينان ونظرها فتيمه هواها وشغفه جمالها والباهر وأعجبه نشاطها وعفتها، فاقترن بها على رغم مضادة أمه ونسبائه والشرائع القديمة التي تحظر على الشريف أن يقترن بعبيده أو ممثلة أو غريبة وأغرى عمه بستين على إصدار أمر يخالف القانون ويبطله ويفتح سبيلا لتوبة بنات الهوى وأملهن بالارتقاء إلى أعلى الدرجات وذروة المجد والفخار ولما تولى بوستينان العرش شارك امرأته بالملك وأجلسها على عرشه ووضع التاج القيصري على هامته وهامة ثيودورا الممثلة بنت أكاسيوس حاري الأدباب ولم تنج هذه الملكة بتوبتها من هجو العالمين، فرشقتها ألسنة المبغضين المضادين بسهام الاحتقار والتنديد وجهدوا في تذكيرها حالتها الأولى ونكايتها بكل أوان فهجرت لذلك مدينة القسطنطينية وعاشت بقصورها وجناتها الواقعة على شاطئ البوسفور، واعتزلت الناس، وانتقمت منهم ما استطاعت وكان زوجها في ابتداء ملكها مريضا فبذلت جهدا في جمع الموال ليمكنها أن تعيش بها عزيزة بعده مكرمة. والحق يقال: إن ثيورودا كانت امرأة ذكية فاضلة أتت أعمالا عظيمة مبرورة مشكورة وساعدت زوجها في السياسة أشد المساعدة بآرائها وحكمتها ولكن الشعب اليوناني أبغضها لاتباعها مذهب أفتيس ومضادتها بعض الأساقفة. وفي حزيران سنة ٥٤٨ م ماتت بعلة رديئة كست جسمها بثورا فتكون مدة ملكها ٢٢ سنة. ومن أعمالها السديدة ما كان في وقت الثورة المشهورة التي حصلت في القسطنطينية في أيام ملك بوستينان وقد اجتمع الملك والوزراء والعظماء حائرين مضطرين يرجون بالهرب خلاصا فنهضت الملكة ثيودورا. وقالت: إنني أحتقر الفرار إلا من الراحة والسلام فإلى الموت مصير الإنسان وحياة الأمراء المالكين كالعدم بعد فقدهم العز والملك فأطلب إلى الله أن لا يجعلني يوما واحدا عارية من التاج وأدوات الزينة الملكية بل يميتني قبل خلعي وسقوطي عن منصة الفخر والمجد، وإذا اعتمدت أيها الملك على الهرب فجميع وسائله ميسورة لك فهذه خزائنك ملأى بالذهب والجواهر، وهذا البحر مغطى بالسفن المواخر ولكن خف من يوم تعيش به عيشة دنيئة محتقرة في المنفى. أما أنا فناهجة منهج القدماء القائلين: إن العرش

стр. 107

ضريح مجد، وأحيت هذه المرأة بكلامها وشجاعتها شجاعة زوجها فرفض الفرار وعاد إلى التفكير والتدبير، فتيسرت له وسائل إقناع الأقوام بخطئهم فأذعنوا إليه خاضعين وبخضوعهم ذل الآخرون فتمكنت الحكومة من قهرهم وراق الوقت للملك بوستينان بسبب مشورة هذه الفاضلة وحسن آرائها. حرف الجيم جان دارك وتسمى "لابوسل" وتعرف بالسيدة "أوريان" هي فتاة فرنساوية كانت نقية البشرة، مهفهفة القوام، دعجاء العينين، ذات شعر فاحم مسترسل على كتفيها، يلوح على محياها الصبيح سيما الحياء واللطف والدعة، وتبدو من مخايلها أمارات مضاء العزيمة، وبعد الهمة، وثبات الجأش، ولطالما امتطت الفرس فسابقت عليه وهو غير مسرج ولا مشكوم جراءة وفروسية، وكانت ذات كلام بالغ بين الرشد وأفعال دائرة على محور الاستقامة والصلاح. ولدت في "دومرمي" من مقاطعة "لورس" سنة ١٤١١ للميلاد من راع يدعى "جان" وكان قد رباه الفقر وهذبه الدين، فنشأت كثيرة الهواجس الدينية، ولما بلغت الخمس سنوات أخذت ترى في هجعتها رؤيا علوية زاعمة أن الملائكة والأولياء تتجلى عليها بمظهر نوراني، فلما أنس أبوها منها ذلك أراها من القسوة والعنف ما حداها إلى الفرار والانطواء إلى أرملة من ربات الفنادق، فأقامت في خدمتها زمناً تبذل عندها من الإخلاص في السعي والإقدام في العمل والعفاف في المسلك ما تذكر به فتشكر، ثم عادت إلى أبيها زمان إذ كان فرنسا على شفا حفرة من النار والإنكليز يذيقونها من حروبهم ضريع الويل الممزوج بالشنار. وكان قد مر بقريتها فريق من الأعداء فاكتسحوها واستافوا أموالها فاقتسموها وتركوها خاوية على عروشها يندبها لسان الخراب، ويأوي إلى أطلالها البوم والغراب، فصدع فؤادها الشفاف ذل قومها وبوارهم وانكسارهم للعدو المفضي إلى دمارهم، فعاودتها الأحلام والرؤيا وزعمت أنها مأمورة بالإلهام بإنقاذهم وبلادهم من الهلكة والمعرة، وانتشال قومها من هوة الحيف والمضرة. وبعد تردد وإعمال روية سارت إلى "شارل" ملك فرنسا، وذلك في شهر شباط سنة ١٤٢٩ ميلادية وكان عليها أن تقطع مسافة ١٥٠ فرسخاً في أقطار مشحونة بدبابة الإنكليز ومحفوفة بالمكاره والأهوال حتى تبلغ مدينة "لوزين" حيث يقيم الملك فتزيت بزي فارس وعلت جوادها بعد أن تقلدت حساماً بتاراً، واخترقت تلك المهامة حتى إذا أشرفت على مقر الملك بعثت تنبئه بقدومها وتخبره بأنها ستكون منقذة العرش ورافعة الحصار عن "أوليان" وأنها ستمهد سبيل تتويجه في "رام"، فلما قدم عليه البشير بذلك النبأ ابتسم ذرياً عن قلب مشحون بالغيظ، ثم استمر مع وزرائه في شأنها ثلاثة أيام، فكان فريق يسخر منها ويضحك عليها، وفريق يذود عنها ويرى إلقاء المقاليد إليها والملك بين ذلك من حزب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء حتى أسفر الرأي عن لقائها فلبس الملك ثياب أحد أتباعه وألبسه ثوبه الملكي اختباراً لأمرها، ثم أذن لها فجاءت تخترق صفوف الحشم والحاشية حتى وقفت بإزائه فانحنت جاثية لديه قائلة له: بلسان ذرب حييت وحبيت أيها الملك الحليم؟ فقال لها: أخطأت فإن الملك هو ذاك مشيراً إلى من ألبسه ثوبه فقالت: ما الملك إلا أنت وما أنت إلا الملك وإني لمأمورة أنا العذراء المسكينة من الروح الأمين بشد أزرك والدأب لأسباب نصرك وما على الرسول إلا البلاغ، فخلا بها الملك حيناً من الدهر ثم ناجى وزراءه فقال لهم: لقد أحاطت لعمر الله بما في سرائري وأدركت مما لا يدركه بعد الله إلا ضمائري وإني

стр. 108

لا أشك أن أكون من أمرها على ثقة ولكن لا بأس من التأني ريثما تمتحن. ثم أتاها برهط من مهرة الأطباء وأساطنة العلماء وحاولوا أن يفقروها بمسائل مشكلات وغوامض حتى إذا أعيتهم الحيل وعادوا بالخيبة والفشل عززها الملك بكتيبة من خواص فرسانه فبرزت أمام الجيش شاكة السلاح، معتقلة بيدها رمحاً وبالأخرى راية وأخذت تعدو على جوادها متفننة في أنواعالفروسية حتى سحرت الناظرين فهتفوا ترحيباً بها واستحساناً لها وتعجباً منها. ثم صارت بجيشها تنهب الأرض هملجة وخبباً حتى بلغت العسكر في "أورليان" وإذا بأرواح القوم تكاد تبلغ التراقي والعدو محيط بالمدينة إحاطة الهالة بالبدر وأهلها في شدة من ضيق الخناق، فأمرت بادئ بدأة بتطهير العسكر من عواهر النساء، وحضت الرجال على الاستمساك بالتقوى والاعتصام بالرجاء، ثم زحفت على البلد، فاستول ىالرعب على قلوب الإنكليز وقالوا: ما هذه بشر إن هي إلا ملك كريم، أو ساحر أثيم، وكانت ترتدي بحلة بيضاء وتركب جواداً أشهب وتنشر فوقها راية بيضاء فإذا بصر بها الإنكليز وهي في هذا الهندام فروا من أمامها كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة. وما برحت تصدق الحملة وتتابعها وتبلي بالعدو البلاء الحسن وهي تتجرع من انحراف جيشها عنها وعدم انقياده لها أنواع الغصص واضروب الإحن حتى استتب لها الفوز فضعف الإنكليز واستكانوا وضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا فألجأوا إلى الجلاء على "أورليان" فكفوا عن حصارها في ١٨ أيار سنة ١٤٢٩م، وانهزموا لا يلوون على شيء فسارت "جان دارك" إلى "بلوا" لتهنئ الملك بما أوتيه على يدها من النصر، وكان القرويون في تلك الأصقاع يتسابقون لمرآها، ويتزاحمون على لثم أقدامها وملس ثراها، فأكرم رجال البلاد وفادتها، ودعاها الملك إلى وليمة فأبت قائلة: إن الوقت وقت جهد وثبات لا وقت قصف ولذات، وإن الروح أنبأني بأن الموت قد دنا فتدلى حتى صار على قاب قوسين، وإنه لم يبق بيني وبينه أكثر من عامين فاذهب بحقك إلى "رام" حيثما أتوجك بيدي وبعد ذلك يفعل الله ما يشاء، وصارت أمامه بفصيلة من الجيش حتى إذا بلغت "جارجوا" اعترضها العدو فهاجمته، ورقت سلماً نصب لها على السور فرميت من أعلاه بما جند لها من الخندق، فصرعت، ولكنها أفاقت بعد قليل، وجعلت قائد الجيش يستثير حمية العساكر بكلام أرق من السحر وأفعل في الرؤوس من نشوة الخمر، وهي تعاني آلاماً مبرحة فدبت النخوة في صدور الرجال وحملوا حملة صادقة أذاقت العدو الأزرق بلاء أسود، وأرته من بريق النصل الأبيض موتاً أحمر، فاستولت على البلد عنوة بعد أن أسرت، ولما طار الخبر إلى الأمير "تلبوت" قائد الإنكليز العام أخلى سائر المدن وكر قافلاً إلى باريس وما برحت "جان دارك" آخذة في سيرها، وكلما عثرت بشرذمة فتكت بها حتى بلغت مدينة "رام"، وهناك تم تتويج "شارل" في ١٧ تموز سنة ١٤٢٩م، وكانت "جان دارك" ممسكة بسيفه وعليها أثواب الكماة. وبعد انقضاء الحفلة جثت عند قدميه وعانقتهما باكية ثم قالت: اليوم أكملت لكم نصركم وأنجزت كل ما وعدتكم فأطلقوا سراحي فأعود إلى أبي قريرة العين حيثما أرعى الماشية وأغزل الصوف جرياً على سنة بيت ربيت فيه، ونشأت عليه فامتنع الملك قائلاً: كيف أغادر من بها نجاة الزة وإليها يرجع أمر استتبات راحتها، وعليها يتوقف استكمال سعادتها، ذلك لأن الناس كانوا قد ازدادوا بها اعتقاداً وعلقوا على بسالتها وإقدامها آمالاً طوالاً حتى كانوا يرون حول رايتها أرواحاً من الفراش البراق، فساءها امتناع الملك وعرتها من تلك الساعة الكآبة والحزن وفارقها ذلك الرشد والنشاط، وذهبت عنها تلك الحمية والبسالة، وانقطعت عنها أحلامها الروحانية حتى أصبحت أعمالها رهينة الحيرة والفشل وأقوالها قرينة الوهم والركاك، وكانت تُرى أبداً حائرة النفس

стр. 109

دائمة البكاء. ولما لم يُجدها الإلحاح نفعاً استعادت من معبد "رام" سلاحها وبرزت ثانية في زي الأبطال غير أن كبراء القادة وأمراء الجيش كانوا قد أشربوا بغضها وأضمروا لها الحسد والضغينة فصاروا يشنعون عليها ويسيئون معاملتها، ويغرون العساكر على نبذ طاعتها، ويلقبونها بالألقاب المستهجنة، ويتهمونها بهتك حجابها، ويفضحونها أمام العموم، فكانت تردهم أقبح الرد ولا تجالس إلا حرائر النساء ومصونات الأبكار، ولا تنام إلا مع امرأة تخفرها، فلم يجد أحد فيها محلاً للوم والقذف، ومع أنها جرحت جراحات لم يثبت كونها سفكت بيدها دم أحد، ثم أشارت على الملك بالشخوص إلى باريس ليستخلصها من يد الإنكليز فساروا و"جان دارك" سائرة في ركابه حتى إذا بلغها بعد شق الأنفس أمرها بالهجوم على "قويورسنت" أو ترى حيث يقيم الأعداء فأثخنت في تلك الواقعة جرحاً، وصرعت صرعات، ولما استعادت رشدها قامت فعلقت درعها وسألت الملك الانصراف فأبى ووعدها بإعفاء قريتها من الضرائب ومنحها رتبة جليلة، فعاودت الخدمة مرغمة. وفي سنة ١٤٣٠م انتدبها الملك إلى إجلاء الإنكليز عن "كوبيين" فسارت متدرعة بالإقدام بيد أنها لما أرادت الإيقاع بالحاضرين خذلها أتباعها فرميت بسهم، فصرعت واستسلمت إلى الأمير "فندوم". وذلك في ٢٤ أيار سنة ١٤٣٠م، فذاع خبر أسرها في تلك الأصقاع، وأقبل الناس لرؤيتها ثم بويعت للإنكليز وخذلها الملك "شارل" جاحداً جميلها، كافراً نعمتها، لؤماً منه وخسة أصل، وخاض الناس في حديثها، وكان أهل باريس يشدون عليها النكير، ويغرون الإنكليز على إتلافها، فلبثت مسجونة في قعلة "جان دولكسنبرغ" حتى أقيمت عليها الدعوى في ١٣ شباط سنة ١٤٣١م تحت رياسة "كوشون مترنه بوفه"من صنائع "هنري السادس" عامل الإنكليز فسيقت إلى المحكمة ست عشرة مرة أبدت في خلالها ثباتاً عجيباً، ودفاعاً مفحماً على أنهم حكموا أخيراً بأنها مبتدعة ساحرة وبأن تجازى بالحبس الأبدي مقصوراً قوتها على الخبز والماء، ثم أرغموها على الحلف بأن لا ترتدي بعد ذلك بلباس الرجال، ثم نصبوا لها شركاً بأن بدلوا ثيابها ليلاً بثياب رجل. فلما أرادت ترك فراشها لم تجد سوى تلك الثياب، فلبستها مضطرة، فهوجمت وسيقت إلى الحاكم بهذا الزي فحكم بأنها حانثة تستحق الإحراق فقالت بثبات وجلال: إنني أستأنف حكمك إلى عرش الحكيم العظيم، ولكنها لما أخرجت إلى حيث استوقدت النار خارت قواها فأتت متأوهة، ولما حمي الوطيس ولعلع اللهيب فيه جعلت تدعو وتبتهل بلسان أبكى أعداءها، وحير الكردينال "بوفور" فحول وجهه عنها تألماً والدموع تنهدر من مآقيه كالسواقي وقد تم هذا المشهد الأثيم في ٢١ أيار ١٤٣٠م في ساحة تسمى "موضع البكر"، وذرى رمادها بالهواء فوق نهر السين، ثم بعد عشرين عاماً نقض مطران باريس ومطران "رام" هذا الحكم وأثبتا براءتها. وفي سنة ١٨٢٠م أقيم لها تمثال في موطنها "دومرمي" وآخر في محل إحراقها "دون" ثم آخر في باريس وهو أجمل تماثيلها. وفي سنة ١٨٥١م نصب لها أهل "أورليان" تمثالاً في مدينتهم وهم يعيدون تذكارها في ٨ أيار في كل عام وقد عاب الرأي العام "فوليت" بقصيدته التي أودعها ذم "جان دارك" وتسويد صحيفتها بأنواع السب الظالم والقذف الغادر، ولكنه لا يستغرب ذلك ممن أوقف حياته على تقويض عمد الديانات، وتزييف أوليائها، وقد ألف كتبة الإفرنج بموضوع قصتها عدة روايات محزنة من النوع المعروف "بالتراجيدي" أي الفاجعة وهي مما يذيب تمثيلها القلوب ويشق المرائر فيا قاتل الله الإنسان إنه لكافر. ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا إن السباع لتهدا عن فرائسها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا

стр. 110

جليلة بنت مرة الشيباني هي أخت "جساس" قاتل كليب بن ربيعة أخي المهلهل. وكانت جليلة تزوجت ب"كليب"، فلما قتل "جساس" أخوها "كليباً" زوجها، اجتمع نساء الحي للمأتم فقلن لأخت "كليب": اخرجي جليلة عن مأتمك فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب. فقالت لها: يا هذه، اخرجي عن مأتمنا فأنت أخت واترنا، وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها فلقيها أبوها مُرّة فقال لها: ما وراءك يا جليلة، فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد، وفقد حليل وقتل أخي عن قليل، وبين ذلك غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد فقال لها: أوَ كيف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات؟ فقالت جليلة: أمنية مخدوع ورب الكعبة أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها! قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت "كليب": رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويلٌ غداً لآل مُرّة من الكرة بعد الكرة، فبلغ جليلة قولها فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها، وترقب وترها أسعد الله خيراً أختي أفلا قالت نفرة الحياة وخوف الاعتداء، ثم أنشدت تقول: يا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شغف منها عليه فافعلي جل عندي فعل جساس فيا ... حسرتي عما انجلى أو ينجلي فعل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي لو بعين فديت عيناً سوى ... أختها فأنفقأت لم أحفل تحمل العين أذى العين كما ... تحمل الأم أذى ما تفتلي يا قتيلاً قوّض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من علِ هدم البيت الذي استحدثه ... وانثنى في هدم بيتي الأول ورماني قتله من كثب ... رمية المصمى به المستأصل يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصني الدهر برزء معضل خصني قتل كليب بلظى ... وأراني ولظى من أسفل ليس من يبكي ليومين كمن ... دائماً يبكي ليوم ينجلي يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي الثأر لثكل المثكل ليته كان رمى فاحتلبوا ... درراً منه برمي بالحلي إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي جميلة الخزرجية هي مولاة بني سليم التي قيل فيها: إن الدلال وحسن الغناء ... وسط بيوت بني الخزرج وتلك الجميلة زين النساء ... إذا هي تزدان للمخرج
следующие страницы →