Полный текст (532 стр.). Показаны 526–532 · переход к 531.
стр. 526
فجمعت بنو عامر لبني نهد جميعاً فقالت هند لغلام يتيم فقير من بني عامر: لك خمس عشرة ناقة فتنذرهم قبل أن يأتيهم بنو عامر.
فقال: أفعل: فحملته على ناقة لزوجها ناجية وزودته تمراً ووطباً من لبن، فركب وجد في السير ففنى اللبن، فأتاهم والحي خلوف من غزو دميرة، لنزل بهم وقد يبس لسانه، فلما كلموه ولم يقدر أن يجيبهم وأومأ على لسانه، فأمر خراش بن عبد الله بلبن وسمن فاستحسى وساقه إياه، فابتل لسانه وتكلم وقال لهم: أتيتكم وأنا رسول هند إليكم تنذركم.
فاجتمع بنو نهد واستعدت ووافتهم بنو عامر لحوقهم على الخيل فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت بنو عامر فقال عبد الله بن عجلان في ذلك:
أعاود عيني نصبها وغرورها ... أهم عناها أم قذاها يعورها
أم الدار أمست قد تعفت كأنها ... زبور يمان رقشته سطورها
ذكرت بها هنداً وأترابها الأولى ... بها يكذب الواشي ويعصي أميرها
فما معول تبكي لفقد أليفها ... إذا ذكرته لا يكف زفيرها
بأغزر مني عبرة إذ رأيتها ... يحث بها قبل الصباح بعيرها
ألم يأت هنداً كيفما صنع قومها ... بنو عامر إذ جاء يسعى نذيرها
فقالوا لنا إنا نحب لقاءكم ... بصم القنا اللائي الدمار ثميرها
فلا غرو أن الخيل تخبط في القنا ... تمطر من تحت العوالي ذكورها
وأربابها صرعي ببرقة أخرم ... يجررهم ضبعانها ونسورها
فأبلغ أبا الحجاج عني رسالة ... مغلغلة لا يفلتنك بسورها
فأنت منعت السلم يوم لقيتنا ... بكفيك تسدي غبة وتثيرها
فذوقوا على ما كان من فرط إحنة ... حلائبنا إذ غاب عنا نصيرها
فلما اشتد ما بعبد الله بن العجلان من السقم خرج سراً من أبيه مخاطراً بنفسه حتى أتى أرض بني عامر لا يرهب ما بينهم من الشر والثارات حتى نزل ببني نمير وقصد خباء هند، فلما قارب دارها وهي جالسة على حوض وزوجها يسقي إبلاً له وتعارفا شد كل منهما على صاحبه ودنا منه حتى اعتنقا وسقطا إلى الأرض فجاء زوجها فوجدهما ميتين.
وقيل: إنه أراد المضي إلى بلادهم فمنعه أبوه وخوفه الثارات وقال: نجتمع معهم في الشهر الحرام بعكاظ أو بمكة، ولم يزل يدافعه بذلك حتى جاء الوقت فحج وحج أبوه معه فنظر إلى زوج هند وهو يطوف بالبيت واثر كفها في ثوبه بخلوق فرجع إلى أبيه في منزله وأخبره بما رأى، ثم سقط على وجهه فمات وقيل: إنه خرج في الجاهلية فقال:
ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
وأصبحت كالمغمود جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوساً وأسهما
ثم مد بها صوته فمات والقول الأول على هذا أصح، وله أشعار كثيرة فيها منها قوله:
ألا بلغا هنداً سلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف
أتت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف
يباكرن مرات جلياً وتارة ... زكياً وبالأيدي مذاب ومسوف
أشارت إلينا من خظاة ذراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعنف
وقال أيضاً:
خليلي زورا قبل شط النوى هنداً ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغياً يلاقي في التعجل أم رشدا
ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
هيلانة لويزا أليصابات
قرينة فردينند وابنة البرنس فريدريك لويس دومكلبرغ شورين ولدت في لددغسلت ٢٤ كانون الثاني (يناير) سنة ١٨١٤م، وتوفيت في ريتشمند من إنكلترا في ١٨ أيا مايو سنة ١٨٥٨م. كانت ذات أخلاق خسنة وذوق سليم مهذبة لطيفة بروستانتية اعتنت بعد وفاة زوجها بتهذيب وليدها "لويس فليب ألبرت" كونت باريس "ووروير فيليب لويس أوجين" و"زينند" دوق "شرتر"، ولما تنحى "لويس فيليب" عن تخت الملك في ٢٤ شباط سنة ١٨٤٨م وجعل مكانه حفيده كونت باريس قرر نظاماً لوكالة الملك حرمت بموجبه حقها في الوكالة.
ولما عرض النظام المذكور على مجلس الأمة سارت بولديها إلى مجلس النواب محفوفة بمخاطر جسيمة، وكان مجلس النواب قد عزم على تعيينها وكيلة إلا أن الناس اجتمعوا إليه ونادوا بالجمهورية، فقرت بولديها وصهرها دوق "وتيموز" إلى أوتيل "ريزانقاليد"، ثم هربت بهم من هناك إلى بلجيكا وأقامت في "ايسناخ" عند خالها "غراندوق ويمار"، ولما خاب أملها بنجاح "نابليون الثالث" من تولية ابنها تخت فرنسا أخذ اليأس منها كل مأخذ واعتلت صحتها وذهبت إلى انكلترا لزيارة عائلة زوجها، وتوفيت هناك.
هيلانة أم قسطنطين المظفر
وزوجة قسطس صاحب شرطة "دقليطانوس" وهو آخر من عبد الصنم من ملوك الروم، وقسطنطين هو الذي انتقل من رومية إلى بيزنطية فعمر سورها وسماها قسطنطينية وجمع الأساقفة، ووضع شرائع النصرانية وسارت أم هيلانة، وأخرجت من بيت المقدس خشبة الصليب وبنت عدة كنائس منها قمامة وكنيسة حمص وكنيسة الرها.
والحاصل أن هذه الملكة كانت أنموذج دهرها، وفاكهة عصرها. مهدت الملك لولدها، ثم ملكت أولاده الثلاثة بعده. وكانت هيلانة من أهل قرى مدينة الرها قد تنصرت على أيدي أسقف الرها، وتعلمت الكتب، فلما مر بقريتها قسطس رآها فأعجبته فتزوج بها وحملها إلى بيزطية مدينته فولدت فه قسطنطين وكان جميلاً، فأنذر "دقليطانوس" منجموه بأن هذا الغلام -قسطنطين- سيملك الروم وييدل دينهم فأراد قتله ففر منه إلى مدينة الرها، وتعلم بها الحكم اليونانية حتى مات "دقطيانوس" فعاد إلى بزنطية فسلمها إليه أبوه قسطس ومات، فقام بأمرها بعد أبيه.
هيئة بنت اوس بن حارثة بن لام الطائي
حليلة الحارث بن عون بن أبي حارثة. كان سيداً من سادات العرب خطبها من أبيها، فأجابه بعد امتناع وكان عنده ثلاث بنات فدخل على زوجته فقال لها: ادعي لي فلانة أكبر بناته. فأتت فقال لها: أي بنية هذا الحارث بن عون سيد من سادات العرب جاءني خاطباً، وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لا، في خلقي رداءة، وفي لساني حدة ولست بابنة عمه فيراعي رحمي، ولا هو بجار لك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي بذلك سبة.
قال لها: قومي بارك الله فيك. ثم دعا ابنته الأخرى فقال لها مثل قوله لأختها فأجابته مثل جوابها. فقال لها: قومي بارك الله فيك.
ثم دعا بالثالثة وكانت أصغرهن سناً فقال مثل ما قال لأختيها. فقالت: أنت وذلك. فقال لها: إني عرضت ذلك على أختيك فأبياه ولم يذكر لها مقالتهما فقالت له: والله أنا الجميلة وجهاً، الرقيقة خلقاً، الحسنة رأياً فإن طلقني فلا أخلف الله عليه. فقال لها: بارك الله فيك، ثم خرج إليه فقال: زوجتك يا حارث بابنتي هنيئة. قال: قبلت نكاحها. وأمر أمها أن تهيئها له، وتصلح شأنها.
ثم أمر ببيت فضربه له وأنزله إياه ثم بعثها إليه، فلما دخلت عليه ودنا منها، قالت: أعند أبي وإخوتي هذا والله لا يكون، ثم أمر بالرحيل فرحل بها، فلما كان بالطريق قرب منها فقالت: أتفعل بي كما يفعل بالأمة السبية الأخيذة لا والله حتى تنحر الجزر وتفخر وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل مثلك لمثلي قال: صدقت والله إني لأرى همة وعقلاً.
فلما ورد إلى بلاده أحضر الإبل والغنم ونحر وأولم ثم دخل عليها يريدها فقال لها: قد أحضرت من المال ما تريدين. قالت: والله لقد ذكرت من الشرف بما ليس فيك. قال: ولم ذاك؟ قالت: أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضاً، وكان ذلك في أيام حرب قيس وذبيان قال: فماذا تقولين؟ قالت: اخرج إلى القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد. فقال: والله إني لأرى عقلاً ورأياً سديداً.
قال ابن سنان: فخرج إلينا لاحارث، فقال: اخرج بنا عبد أن أخبرنا بواقعة الحال فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فأصطلحوا على أن يحسبوا القتلى.
ثم تؤخذ الديت، فحملنا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير فانصرفنا بأجمل ذكر، ثم دخل عليها.
فقالت له: أما الآن فنعم، فأقامت معه في ألذ عيش وأطيبه، وولدت له بنين وبنات. هكذا فلتكن النساء، فقد أصلحت بين قبيلتين عجز عن إصلاحهما فحول الرجال.
هيلانة بنت ملك إسبارتا
هي على ما ذكر "أوميروس" الشاعر اليوناني بنت بعض ملوك "إسبارتا" كانت أشهر نساء عصرها حسناً وأكثرهن رقة وظرفاً فزوجها أبوها "بميلاس" ملك "لاكونيا" و"مسينيا" فأتي إسبارتا عقب ذلك "باريس بن بريام" ملك "تروادة".
وكان ذلك في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فأكرن "منيلاس" وفادته، وأنزله في بلاطه فما كان من باريس إلا أن استهوى هيلانة وفر هارباً بها عبد أن سلب قسماً من مال بعلها فكان ذلك سبب حرب "تروادة" الشهيرة التي دامت فيما قيل عشر سنين وانتهت بخراب تروادة وقتل باريس.
هيفاء بنت صبيح القضاعية
كانت فصيحة اللسان ثبتة الجنان لها معرفة بالشعر وعروضه وتزوجت نوفل بن سمير بن عمر التغلبي، ومكثت عنده حتى قتل في بعض الغزوات وقد شقت عليه الجيوب وخمشت الخدود ورثته بجملة أبيات وقصائد منها:
أبكي وأبكي بأسفار وأظلام ... على فتى تغلبي الأصل ضرغام
لهفي عليه وما لهفي بنافعه ... إلا تكافح فرسان وأقوام
قل للحجيب لحاك الله من رجل ... حملت عار جميع الناس من سام
أيقتل ابنك بعلي يا ابن فاطمة ... ويشرب الماء ذا أضغات أحرم
والله لا زلت أبكيه وأندبه ... حتى تزوك أخوالي وأعمامي
بكل أسمر لدن الكعب معتدل ... وكل أبيض صافي الحد ققام
وقالت أيضاً في أبيها:
لم يبد فحشاً ولم يهدد لمعظمه ... ولك مكرمة تلقي يساميها
والمستشار لأمر القوم يحزبهم ... إذا الهنات أهم القوم وما فيها
لا يرهب الجار منه غدوة أبداً وإن ألمت أمور فهو كافيها
حرف الواو
وجيهة بنت أوس الضبية
كانت من النساء المشهورات بالأدب الموصوفات بحفظ أشعار العرب، ذات جمال بارع ومنطق عذب
стр. 527
تهوى إلهيا الأفئدة والقلوب ولها الطولى في نظم الغزل والنسيب فمن ذلك قولها:
وعاذلة تغدو علي تلومني ... على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طرفاء القصية من ذنب
فلو أن ريحاً بلغت وهي مرسل ... حفي لنا خبت الجنوب على النقب
فإني إذا هبت شمالاً سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب
وهيبة بنت عبد العزى بن عبد قيس
كانت من شاعرات العرب اللاتي لهن علم بالأدب، وكانت متزوجة بشخص من قومها يسمى زيد بن مية، وكان جاراً للزبرقان بن بدر فشد عليه رجل يقال له هزال بن بني عوف بن كعب بن سعد بن عبد مناة فقتله بجوار الزبرقان فقالت امرأته ترثيه وتوبخ الزبرقان على تركه ثأره:
متى ترد وأعكاظ توافقوها ... بأسماع مجادعها قصار
أجيران ابن مية خبروني ... أعين لابن مية أو ضمار
تجلل خزيها عوف بن كعب ... فليس لخلعها منه اعتذار
فإنكم وما تخفون منها ... كذات الشيب ليس لها خمار
فلما سمع الزبرقان ذلك الشعر منها حلف ليقتلنه وبعد ذلك سعت العرب بينهما صلحاً فاصطلحا، وفدى ابن مية بمال وتزوج هزال بخليدة أخت البزرقان وانصرف الأمر.
ولادة بنت المستكفي بالله
ولادة بنت المستكفي الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر ليدن الله الاموي. كانت واحدة زمانها المشار إليها في أوانها، حسنة المحاورة، مشكورة المذاكرة، مشهورة الصيانة والعفاف. أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر، وكانت تناضل الشعراء وتجادل الأدباء، وتفوق البرعاء، وعمرت عمراً طويلاً، ولم تتزوج قط.
وكانت نهاية في الأدب والظرف حضور شاهد، وحرارة آبد، وحكم منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر. وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها معلباً لجياد النظم والنثر، ويعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وعلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب وكرم أنساب وطهارة أثواب على أ، ها أوجدت للقول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاهرتها بلذاتها.
وقيل: إنها بالغرب كعلية ابنة المهدي العباسي بالشرق إلا أن ولادة تزيد بمزية الحسن الفائق وأما الأدب والشعر والنوادر وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها، وكان لها صنعة في الغناء ولها نوادر كثيرة مع الأدباء والشعراء.
ومن أخبارها مع أبي الوليد بن زيدون
стр. 528
-كما قاله الفتح بن خاقان في "القلائد"-: أن ابن زيدون كان يكلف بولادة ويهيم ويستضيء بنور محياها في الليل البهيم. وكانت من الأدب والظرف وتتميم السمع والطرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب إلى أخلاق الشباب.
فلما حل بذلك الضرب وانحل عقدة صبره بيد الكرب فر إلى الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونشر سوسنه وورده وأترع جداولها، وأنطق بلابلها، فارتاح ارتياح حميد لوادي القرى، وزاح من روضتها يانع وريحة طيبة الثرى، فتشوق إلى لقاء ولادة وحن، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه وضيق أمده إليها وطلقه، ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب الجمر، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً ... والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنما رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائي الفضي مبتسم ... كما حللت عن اللبات أطواقا
يوم كأيام لذات الهنا انصرفت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا
نلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأنه أعين إذا عاينت أرقى ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سر بنافحة نيلوفر عبق ... وسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تسوقنا ... إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لو كان في المنى في جمعنا بكم ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلباً عن تذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقى
يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى ... نفسي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا
كان التجاري بمحض الود من زمن ... ميدان أنس جرينا فيه أطلاقا
فالآن أحمد ما كنا لعهدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا
وكانت ولادة معجبة بنفسها مفتخرة على بنات جنسها حتى من زيادة إعجابها كتبت الذهب على الطراز الأيمن من عصابتها:
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وكتبت على الطراز الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطى قبلتي من يشتهيها
стр. 529
وكانت قد طالت مدة مقابلتها مع لبن زيدون فهاج بها الشوق والغرام, وتضاعف عندها الوجد والهيام وذلك بعد ما دلت عليه إدلالها وتسربلت من التمنع أعظم سربالها فكتبت إليه قائلة:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح ... وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر
فلما وصلت رقعتها إلى ابن زيدون أعلمها أنه لها بالانتظار, وفي فؤاده بتأجج لهيب نار ولا يطفئها إلا اللقاء وأعد لها مجلسا نضرا أوجد فيه من جميع الأزهار واللطائف, ومن كل فاكهة زوجين ولما آن الوقت المعين للحضور أقبلت ترفل بالدمقس وبالحرير كأنها من الحور العين فتقابلا وتصافحا ودار بينهما العتاب وقضيا مجلسهما يتعاطيان أكؤس الآداب إلى أن آن أوان الانصراف مالت غليه مودعة بانعطاف:
ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن علي أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنى ... حفظ الله زمانا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك
وانصرفت على أمل اللقاء ومكثت زمانا لم تحصل مقابلتهما لدواع سياسية أخرت لبن زيدون عن التمكن من الاجتماع به فكتبت إليه:
ألا هل لنا من بعد هذا التفرق ... سبيل فيشكو كل صب بما لقي
وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ... أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف وقد أمسيت في حال قطعه ... لقد عجل المقدور ما كنت أتقى
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ... ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا ... بكل سكوب هاطل الوبل مغدق
وكتبت بعد الشعر في أثناء الكتابة وكنت ربما حثثني على أن أنبهك على ما أجد فيه عليك نقدا وإني عليك قولك: سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا فإن ذا الرمة قد انتقد عليه قوله مع تقديم الدعاء بالسلامة:
ألا يا اسلمى يا درامي على البلي ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
إذ هو أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له وأما المستحسن فقول الآخر:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
فأجابها متشكرا لها على انتقادها وعلم أنها مصيبة بهذا الانتقاد وفي آخر رقعته قال:
لحى الله يوما فيه بملتقي ... محياك من أجل النوى المتفرق
стр. 530
وكيف يطيب العيش دون مسرة ... وأي سرور للكئيب المؤرق
وكانت لها جارية سوداء بديعة المعنى فظهر لولادة أن ابن زيدون مال إليها فكتبت إليه:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ... لم تهو جاريتي ولن تتخير
وتركت غصنا مثمرا بجماله ... وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما ... لكن ولعت لشقوتي بالمشتري
فخجل من ذلك وأرسل إليها يتنصل ويستسمحها فلم تسامحه, واستحكمت النفرة بينهما وكانت لقبته بالمسدس فقالت فيه مرة:
ولقبت المسدس وهو نعت ... تفارقك الحياة ولا يفارقك
فلوطي ومأبون وزان ... وديوث وقرنان وسارق
وقالت فيه أيضا:
إن ابن زيدون على فضله ... يغتابني ظلما ولا ذنب لي
يلحظني شزرا إذا جئته ... كأنني جئت لأخصي علي
وكان ابن عبدوس الوزير يهواها وهي تأبى مسامرته ودائما تتهكم عليه ومن تهكماتها مرت يوما به, وهو جالس أمام داره وبجانبه بركة تتولد عن كثرة الأمطار وربما اتحدت بشيء من الأقذار, وقد نشر أبو عامر الوزير كميه ونظر في عطفيه وحشد أعوانه إليه فقالت له:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
فتركته لا يحير حرفا ولا يرد طرفا: وبسبب تعلق ابن عبدوس بولادة أرسل ابن زيدون إليه بالرسالة المشهورة -التي شرحها غير واحد من أدباء الشرق كالجمال بن نباتة والصفدي وغيرهما- وفيها من التلميحات والتحذيرات ما لا مزيد عليه, وأرسل ابن زيدون لابن عبدوس أيضا رسالة لاشتراكه معه في هواها يقول في آخرها:
أثرت هزبر الثرى إذ ربض ... ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلا ... إليه يد البغي لما انقبض
وإن سكون الشجاع النهو ... ش ليس بمانعه أن يعض
عمدت لشعري ولم تتئد ... تعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القري ... ض أم قد عفار سمه فانقرض
لعمري فوقت سهم النضال ... وأرسلته لو أصبحت الغرض
ومنها:
وغرك من عهد ولادة ... سراب تراءى وبرق ومض
стр. 531
هي المايعز على قابض ... ويمنع زبدته من مخض
ومن كلام ابن زيدون فيها قصيدته المشهورة التي منها:
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
تكادحين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
وأخبارها مع ابن زيدون كثيرة: وكان لها مداعبات مع الأدباء ومنهم الأصبحي المشهور فقالت تهجوه يوما:
يا أصبحي اهنأفكم نعمة ... جاءتك من ذي العرش رب المنن
قد نلت بإست ابنك ما لم ينل ... بفرج بوران أبوها الحسن
وحكاية بوران مفصلة بترجمتها. ولولادة حكايات غير ما ذكر في جملة كتب متفرقة لم يمكن الحصول عليها لعزة وجودها وماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين. وقيل: أربعة وثمانين وأربعمائة رحمها الله تعالى.
حرف اللام ألف
لانيلسون المغنية الأسوجية
هي من أشهر مغنيات الإفرنج ولدت هذه الفتاة من أبوين فقيرين من الفلاحين في أسوج ولكنها اشتهرت شهرة عظيمة فأحرزت قصب السبق والتقدم على أقرانها ونالت الحظوة عند الملوك والعظماء فلم يبق أحد من رؤساء الحكومات إلا أتحفها بوسام أو شيء من علامات الشرف بحيث لو أرادت أن تتزين بكل ما عندها من النياشين لما وسعها صدرها وتزوجت الكنت دي ميراندا وعند ذهابها أخيرا إلى بلادها أسوج ونوج مع المسيو سترا كوف احتفل مواطنوها باستقبالها احتفالا عظيما, وأطلق لها مائة مدفع ومدفع إجلالا لشأنها, ولما سافرت سنة ١٨٧٠ م إلى أميركا بلغ مدخولها اليومي ثلاثين ألف فرنك جمعت في الشهور الستة الأول من إقامتها هناك ما ينيف عن ستة ملايين فرنك أو ثلثمائة ألف ليرة فليتأمل.
لادي رسل ابنة توماروتسلي وزير مالية إنكلترا
ولدت سنة ١٦٣٦ م وتزوجت بأمير إرلندي اسمه اللورد فوغان سنة ١٦٥٣ م, فتوفي عنها بعد أربع سنوات, ثم اقترن بها الشريف وليم رسل فأحبها وأحبيته حبا مفرطا, وكان رسل شهما مقداما نافذ الكلمة. فاستعان به بعض أهل الثورة الخارجين على الملك فمالأهم على قصدهم, ثم كشف الأمر فقبض عليه وألقي في السجن وهي تجهل السبب الذي سجن لأجله, ولما قيد إلى المحكمة وقفت بجانبه, وسمعت الحكم الذي صدر عليه بالموت, وعادت معه إلى السجن مظهرة الجلد الشديد لكي لا تكسر قلبه, وجعلت تشدد عزائمه وتذاكره في الوسائط التي يمكن استخدامها لتخفيف قصاصه ولتأجيله وكان يعلم أن السعي في ذلك
стр. 532
يذهب سدى ولكنه تركها تسعى لأنه قال في نفسه لو تركتني إلى التقادير بدون أن تستعمل كل الوسائط الممكنة لنجاتي لما وجدت إلى الصبر عني سبيلا, فانتجعت كل روض وألقت دلوها في كل حوض, ولكنها عادت "بخفي حنين" لأنها لم تجد للقضاء مردا وجعلت تشدد عزائم زوجها وكان لسان حالها يقول:
جانب السلطان واحذر بطشه ... لا تعاند من إذا قال فعل
ثم ودعته الوداع الأخير فودعها وهو يقول: إنني أودع الحياة طيب النفس قرير العين لأنني تركت أولادا لا يفقدون شيئا بفقدي وزوجة عفيفة فاضلة فيها الكفاية لأن تدبر أمورها وأمور أولادها على أتم المراد قد وعدتني أنها تقيني بنفسها من أجل أولادها, وهذا حسبي ولما قضى عليه أرسل الملك يخبرها أنه غير قاصد أن ينتفع بموت زوجها فيبقى لها لأولادها كل مقتنياته فرأت أن حبها لأولادها يدعو إلى شكره ولو مكرهة فأرسلت إليه كتابا تشكره به وكانت من فريدات عصرها في الكتابة والإنشاء.
ثم انتقلت بأولادها إلى الريف وأطلقت العنان للزفرات والعبرات التي كانت قد حجبتها مخافة شماتة الأعداء, وكتبت في ذلك الحين إلى أحد القسوس الفضلاء تقول له: أنت تعرفنا تماما فلا تلمني على الحزن ولو أفرط نعم أن كثيرات أصبن بما أصبت ولكن أين فقيدهن من فقيدي حتى يتجدد حزنهن كما يتجدد حزني, وكتبت بعد ذلك تقول: اللهم ارني مقاصد عنايتك فيما ابتليتني به لكي لا أسقط تحت قتل كأبتي إني أستحق هذا القصاص ولا أشكو منه ولكن قلبي جزين وقد عزت السلوى لأن رفيق الحياة وقسيم أفراحي وأحزاني ليس معي أواه أن نفسي تتوق إلى مسامرته ومساكنته ومواكلته, قد صارت الحياة علي حملا ثقيلا, ولكن لا بد من الصبر على مضض الأيام والترفع فوق أفراح الدهر وأحزانه.
ثم دالت تلك الدولة وصار الملك إلى الملك الذي كان زوجها من حزبه فغمر حماها وابنها بالأنعام تعويضا لهما عما فقداه بفقد زوجها ولكن ابنها لم يعش طويلا حتى يتمتع بهذا الإنعام لأن الجدري وافاه وهو في الثلاثين من عمره, وقصف غصن شبابه وعاشت بعد ذلك سنين كثيرة وماتت عن سبع وثمانين من العمر.
وقد اجتمع في هذه المرأة الفاضلة لطف النساء وصبرهن وفطنتهن وهمة الرجال وحكمتهم وإقدامهم, وعاشت وماتت طاهرة السيرة والسريرة. ولها رسائل كثيرة تحلها محلاً رفيعاً بين مشاهير الكتبة. انتهى.