Полный текст (532 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
أرى أن الوالدة لا تقدر أن تربي ولدها على ما تريد إلا بعد ما تستولي على عقله وعواطفه, وتعرف طباعه. والذي يدلني على ذلك هو أن التربية لا تنمي في نفس الطفل ما ليس له أثر ولا وجود فيها بل ما هو موجود قد أودعه الباري تعالى فيها, ولا تقتصر على إنماء هذا الموجود بل تقدم النامي وتهذبه وتقويه وتشدده فمثل الوالدة في تربية ولدها مثل الغارس في تربية غرسه ألا ترين كيف يمهد له الأرض ويسويها ويسمدها ويرويها حتى يتأصل فيها كلما نما وطال يقومه إذا رآه معوجا ويقضبه ويهذبه حتى يقوى ويعلو ويتحسن منظره. هكذا تفعل الأم في ولدها بالتربية تنظر إلى جسده وتقويه بالطعام والرياضة والإتقان من الآفات وتنظر على عواطفه وقواه العقلية والأدبية فتوسعها وتقويها وتقوم اعوجاجها وتهذبها فإن لم تكن هذه بيدها وطوع أمرها فكيف تقدر عليها ولكن تكون خاضعة لها وطوع إرادتها.
يجب على الوالدة أن تنبه على تربية ولدها وهو طفل صغير ضعيف الإرادة وتتعهده منذ ذلك الحين تارة بالأمر والنهي كالسلطان المطلق وطورا بالحب والرفق كالصديق الحبيب حتى تكون مهيبة عنده مسموعة الكلمة ومحبوبة منه ومقبولة الأوامر, وهذا غاية عظمة الملوك والحكام, ومنتهى ما يبلغون إليه في سياستهم مع الرعية. وهو أن يكونوا مهيبين محبوبين مسموعي الكلمة معزوزي الجانب.
إذا راقبت الأم ولدها وجدت أنه لا يبلغ من العمر نصف سنة حتى تظهر عليه علامات الفهم وتبدو منه أفعال الإرادة فيغضب ويرضى ويبكي وقت الغيظ, ويتبسم وقت الرضا. وحينئذ يجب على الأم أن تتخذ ما عندها من الحكمة لتطبع إرادتها على لوح نفسه وتغرس محبتها في أعماق فؤاده وتنفذ كلمتها في أمرها ونهيها له متدرجة من الأمور الصغيرة إلى المبادئ الكلية على توالي الأيام فمتى صار يطلب شيئا لا يناسب إعطاؤه إياه تمنعه عنه ولا تطاوعه, ولو بكى وصرخ صراخا شديدا, حتى يرسخ في ذهنه أن البكاء والصراخ لا ينيلانه المطلوب إذا لم ترد الوالدة ذلك, ولو بكى وصرخ صراخا شديدا, حتى يرسخ في ذهنه أن البكاء والصراخ لا ينيلانه المطلوب إذا لم ترد الوالدة ذلك, وأن الطاعة خير من العناد. وإذا أصر الطفل على مسك ما لا يخصه بعدما منعته والدته من ذلك مرارا فلا تخفيه من أمامه خوفا من بكائه بل ترده عنه بكل لطف وحزم وتفهمه بقدر الطاقة أن ذلك الشيء لا يخصه, وأنه يجب أن يطيع والدته ويخضع إرادته لإرادتها ولا تزال تعلمه بمثل هذين المثلين حتى تتأصل الطاعة لوالدته في نفسه وتنمو فيه مع نماء قوى عقله ولكن ليس بالغضب والعنف بل بالرفق واللين واللطف.
ومن خطأ الوالدين والوالدات في التربية أنهم يحبون البشاشة في وجه الولد والملاطفة في معاملته تؤل إلى استخفافه بكلامهم وتمرده عليهم, فلذلك تراهم لا يكلمونه إلا زجرا ولا ينظرون غليه إلا شزرا, وإذا ارتكب أقل ذنب أو سعوه ضربا وتعنيفا, وإذا ضحك أو لعب في حضرتهم وبخوه وانتهروه كأنه قد جنى ذنبا زاعمين أن ذلك كله يزيد سطوتهم عليه ويمكن الطاعة في نفسهم لهم. وهذا صحيح ولكن إلى حد معين لأن هذه المعاملة تمكن سلطة الوالدين على أولادهم, ولكنها تكون ثقيلة عليهم مكروهة عندهم يترقبون الفرص لمخالفتها ويتحايلون للتخلص منها, ولذلك كثيرا ما تكون نتيجتها فيهم تربية الخوف والخيانة والبغض
стр. 492
والكراهة في نفوسهم ويتلو ذلك المكر والرياء أو العصيان والتمرد كما لا يخفى إذا القسوة والعنف في المتسلط يجعلانه مهيبا ولكن مكروها ومطاعا, ولكن مستثقلا والنفوس الأبية لا تذل إلا إلى حين ولا تصبر على الضيم إلا ريثما تجدبا بالدفعة.
فيجب على الوالدين والوالدات خصوصا أن يعاملوا أولادهم في التربية بالرفق وأن يقابلوهم بوجوه باشة إلا حيث لا تقبل البشاشة وأن يكون كلامهم في الإنذار والتوبيخ مقرونا بالتأني والهدو حتى يفهم الولد مؤداه ويقبله عن اقتناع لا عن خوف ورعدة كما يكون إذا أدبته أمه عن غضب وحنق إطفاء لنار غيظها والحزم والهدو والتأني في تربية الطفل وتأديبه تلقى لمربيته هيبة في فؤاده ليس فوقها هيبة فتبقى مقرونة بالطاعة له طول أيامه, ولاسيما لأنها تكون ممزوجة في نفسه بالحب والمودة.
والخلاصة أنه يجب على الأم أن تجعل لها في نفس ولدها طاعة مؤسسة على الحب تدوم إلى طويل لا طاعة مؤسسة على الخوف تدوم إلى قصير وكما يطلب من الوالدة أن تكون حاكمة متسلطة عل عقل ولدها وعواطفه يطلب منها أن تكون بمنزلة الصديق والرفيق له تخصص جانبا من وقتها لملاعبتها بالملاعب المختلفة وتسليه تارة بقص القصص المفيدة عليه وطورا بتعليمه ما ينير ذهنه وحثه على ما يميل إليه من طبعه حتى تتعلق نفسه بها تعلقا شديدا, ويفضل مجالستها واستماع أقوالها على مجالسة كل واحد سواها فيكتسب منها في أثناء ذلك ما تريد أن تلقيه في ذهنه من الأفكار والمبادئ, وينمو على ما تحب أن ينمو عليه وههنا مندوحة واسعة للكلام على الأتعاب التي يجب على الوالدة أن تهبها لأولادها حتى تدفع عنهم الملل والضجر, وما ينشأ عنهما من المساوئ الكثيرة التي تفسد التربية والأخلاق. وههنا محل الكلام على تدبير ما يلزم لتحسين ذوق الولد وتعويده على حسب ما هو جميل واعتبار ما هو نافع ومفيد وتربيته على مراقبة الأمور, وملاحظة ما حواليه من الكائنات وعجائب طبائعها, وغرائب أفعالها. وههنا محل الكلام أيضا على ترويضه وتقوية جسده ولكني لا أتعرض لشيء من ذلك كله لئلا يضيق المقام واعتمادا على ما هو شائع منه في كتبنا وجرائدنا.
وصدق الوالدة مع ولدها في كل مواعيدها أمر لا بد منه في التربية وكذبها عليه يربيه على الكذب لا محالة والدعاء عليه يحط قيمتها في عينه ويفسد آدابه. وتكثير الأوامر عليه والطلبات منه تلقيه في الحيرة والارتباك فيصير يطلب الابتعاد عنها ولا يصدق أن يتيسر له الفرار من وجهها حتى يغافلها ويسرع إلى أصدقائه وملاعبه.
قال بعض الحكماء: الصدق أهم ما يجب إتباعه في تربية الصغار وتهذيبهم, فمن كذب على ولده كذبة علمه الكذب.
وقال أيضا: إن تهذيب الولد يبتدئ بنظرة أمه والتفات أبيه وتبسم أخته أو أخيها أو أخيه.
ومن أغلاط التربية عندنا أنه إذا قامت الأم لتأديب ولدها فكثيرا ما يعارضها الأب ويحمى من التأديب كأن أمه عدو له تقصد الانتقام منه وإذا قام الأب لتأديب ولده عارضته الأم وكل ذلك مما يمنع فوائد التربية عن الولد ويحمله على الظن بأنها صادرة عن الغضب والانتقام لا عن حب الواجب وحسن
стр. 493
المقصد ومن أغلاطنا في التربية أيضا إننا لا نتحرى تعويد الأولاد على الاعتماد على أنفسهم والاستقلال عن سواهم بل إذا رأينا في ولدنا ميلا إلى شيء من ذلك أمتناه إجابة لدواعي الخوف والشفقة التي في غير محلها فإذا رأت الأم ابنها يميل إلى حز الخشب والنجارة بسكين أخذت السكين من يده خوفا من أن يجرح إصبعه جرحا طفيفا ولا يخطر لها أن توصي أباه ليبتاع له عدة صغيرة للنجارة ليتعود بها على عمل أعمال كثيرة تنفعه في أيامه وتبعد عنه الضجر والسآمة, والحال أن أكثر مخترعي الإفرنج يربون على حب الاختراع بأمور كهذه وهم أولاد صغار وإذا رأت الأم ولدها يركض في الشمس وراء الفراش والجنادب صاحت وولولت خوفا عليه من حر الشمس وكان الأولى بها أن تشتري له كتابا ذا صور وتربيه على مراقبة المخلوقات الطبيعية. قيل: إن لبنيوس المعدود من أعظم علماء النبات كان في صغره يحب الأزهار, فزرع له أبوه أرضا وقسمها على وفق ذوقه, فكان يتفقدها ويعتني بها, ولما شب ولع بدراسة علم النبات حتى طار صيته في الآفاق ويجب الحذر في التربية من أضعاف عزيمة الولد وإرادته فإن والدات كثيرات يذللن الولد حتى لا تبقى له إرادة فإذا شب كان ضعيفا, وكانت تربيته أعظم مصيبة عليه وكثيرون ينكرون فوائد التربية ويقولون: إن وجودها وعدمها سيان ويستشهدون على ذلك بقولهم: إن فلانا ربي في صغره أحسن تربية فكان أحسن الأولاد وكان يقدر له أعظم النجاح, فلما كبر أتى المنكرات ولم يجن إلا ثمار الذل والفشل, والآخر ربي في صغره أردأ تربية, ولما كبر فاق فضلا ونبلا وكرم أخلاق وخالف ظن الناس فيه.
أقول إن إنكار هؤلاء الناس لمنافع التربية مبني على وهم فاسد, وهو أن التربية إنماء الموجود وتحسينه كما مر في بدء الكلام, ولا توجد ما ليس موجودا فقد يخص البارئ بمواهب أناسا دون آخرين حتى إنهم مع قلة التربية يفوقون سواهم ممن ربي تربية حسنة, ولكن لو تساوت مواهب الفريقين لفاق المربي بالأخلاق ولذلك اشترط في المربى أن يكون قابلا للتربية من طبعه وقليل من لا يقبلها ومهما قوي في الفطرة حسك الشرور وغلطت أصول المساوئ والآثام, فإنها تضعف حتى تضجر وتزول بحسن التربية وجميل الاعتناء". اه.
ومن كلامها المقالة التي أدرجت في جريدة المقتطف العلمية ردا على الدكتور شبلي شميل ونصها بحروفها: "إن حضرة الفاضل الدكتور شبلي يعد من جملة الذين إذا أطعموا أشبعوا, وإذا ضربوا أوجعوا. فمقالته التي عنوانها "الرجل والمرأة وهل يتساويان" (المندرجة في الجزأين السادس والسابع من مقتطف هذه السنة) قد حوت من الشواهد والحقائق ما يشبع عقول القارئين ومن التحامل على المرأة والإجحاف بحقها ما يوجع نفوس القارئات وليس لنا وجه لدفع قوله بأنه خصم ذو غرض أو رجل قليل المعارف لا يعبأ بقوله لأنه قال: وأعاد القول مرارا إنه ليس قصده حط شأن المرأة بل تقرير الحق الواقع والذي نعهده فيه من الصدق في القول والإخلاص في القصد يكذبنا إن سميناه خصما أو نسبنا إليه الغرض وأقواله وكتاباته تشهد له بسعة الاطلاع وغزارة المعارف, فلا نصدق إذا حططنا في علمه ومعارفه ومع ذلك فلا ريب أنه لم ينصف في حكمه على المرأة ولم يعدل في ذكر مناقبها وأخلاقها, وما ذلك في حكمي إلا عن سهو إذ الإنسان عرضة للسهو
стр. 494
والنسيان. والظاهر أن اعتقاده في المرأة منقول أصلا عن ألسنة العامة, فلما تحرك في أقوال العلماء وغاص على أداتهم لم يلتقط منها إلا ما أيد ذلك الاعتقاد المتداولة خلفا عن سلف, وأغفل ما يؤيد خلافه وكم من مرة زل العلماء وضل الفقهاء من تأثير الأوهام المتوارثة والأغلاط السائرة, ولولا ذلك لكان من المحال أن يرضى حضرة الدكتور الفاضل بما في خطبته من الانحراف والإجحاف كما سنرى.
أولا: إن القسم الأول من المقالة المذكورة مقصور على إثبات أن الذكور من الحيوانات العالية أشد من الإناث وأن الرجل أضخم من المرأة جثة وأكبر جمجمة وأثخن عظما, وأقسى عضلا, وأنضر سحنة. ودمه أثقل نبضانا وأغلظ قوما وجسده أكثر فسادا وانحلالا إذ يفرز من الحامض الكربونيك أكثر مما تفرز هي وغير ذلك مما يدل على أن الرجل أشد من المرأة. وما لبث أن جعل هذه الأوصاف دليلا على الشدة حتى انتقل إلى جعلها امتيازا يمتاز بها الرجل ولم يؤيد هذا الامتياز بأن حضرة الدكتور يذكر مقابله امتياز المرأة على الرجل بالجمال واعتدال القوام ولطف التركيب والغضاضة والبضاضة ونحوها من الأوصاف التي تميزها عليه كما هو مسلم به إجماعا أيضا لأنه إن كانت ضخامة الجسم والقوة الوحشية تعدان امتيازا للرجل من وجه فلطف القد وحسن الخلق يعدان امتيازا للمرأة من أوجه, والإنصاف يقتضي ذكرهما عند ذكر غيرهما. لكن حضرة الدكتور أغفلهما تمام الإغفال.
ثم إنه ذكر تقوس القدم في الرجل وانبساطها في المرأة دليلا على ارتقائه في الخلق أكثر منها وكذلك يزرر ثيابه عن اليمين وهي تزررها عن اليسار وكذلك بطء نموه وسرعة نموها إلى غير ذلك من الأدلة التي لم يسلم بصحة مدلولها واحد حتى ينفيها آحاد وترك الأمر والإنصاف يقتضي ذكر الأمر المقرر قبل الشواهد التي لم تثبت صحتها ولا صحة ما يشتهد عليه بها.
ثانيا: إن فحوى القسم الثاني من مقالة حضرة الدكتور هي إثبات أن الرجل أعظم عقلا وإدراكا من المرأة. وقد عدد فيه القوى العقلية التي زعم أن الرجال يفوقون فيها النساء ولم يذكر للنساء قوة يفقن فيها والذي أعلم أن كل الباحثين (حتى الذين بحثوا قديما عما إذا كان للمرأة نفس) لم ينكروا أن المرأة تفوق الرجل في بعض القوى العاقلة مثل الإدراك عن طريق الحواس المعروف بالشعور وسلامة البداهة والذوق العقلي, ثم إن حضرته يبني حكمه بصغر عقل المرأة عن عقل الرجل بكون دماغه أثقل من دماغها.
ولما كان لا يحق لي الاعتراض في معرض مثل هذا فحسبي أن أسأل جنابه هل يعتبر ثقل الدماغ دليلا قاطعا على كبر العقل لأن الذي نعلمه (وهو مأخوذ عن أحدث مناقشة للعلماء في هذا الشأن) إن كبر العقل بمعزل عن ثقل الدماغ فقد يكون الإنسان من أعقل أهل زمانه ودماغه خفيف جدا أو متوسط في الثقل وقد يكون من أصغر الناس عقلا ودماغه ثقيل جدا, ولذلك لا تقنع عقولنا القاصرة بأن ثقل الدماغ دليل كبر العقل حتى يتبين لنا ذلك بالبرهان القاطع.
ثالثا: إن معظم الإحجاف كان في كلام حضرة الدكتور عن آداب المرأة وفضائلها. وهنا لا أخشى أن أخالف
стр. 495
حضرته تمام إذا المحقق المشهور أن الفضائل نصيب المرأة فهي المعزية الحزين المفرجة الكروب الصابرة على مضض العيش ونغص الحياة الراضية بمشاركة الرجل في سرائه وضرائه المحافظة على ولائه الطالبة لمسرته الناسية نفسها في خدمته الباذلة حياتها لمسرته وتربية عائلته الممتازة بالوراعة والعفاف والطهارة إلى غير ذلك مما يعد منه ولا يقدر فحسبي ما ذكرت".
مريم بنت يعقوب الأنصاري
سكنت إشبيلية وأصلها على ما قيل من شلب, وكانت صدر نبهائها وأدبائها, وممن لهن قدر منجبيها ونجبائها, سردت البديع أحسن سرد, وافترست المعاني كالأسد الورد, وأبرزت درر المحاسن من صدفها, وحازت من أفخر الإجادة وشرفها, ومدحت ملوكا طوقتهم من مدائحها قلائد, وزرفت إليهم من معانيها خرائد, وجلتها عليهم كواعب بالألباب لواعب, فأسالت العوارف, وما تقلص لها من الحظوة ظل وارف وقد أثبت المقرى ما يعترف بحقها, ويعرف به مقدار سبقها, وكانت تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها وعمرت عمرا طويلا واشتهرت بأشبيلية بعد الأربعمائة وذكرها الحميدي وأنشد لها جوابها لما بعث المهدي لها بدنانير وكتب إليها:
ما لي بشكر الذي أوليت من قبل ... لو أنني حزت نطق اللسن في الحلل
يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا ... وحيدة العصر في الإخلاص والعمل
أشبهت مريماً العذراء في ورع ... وفقت خنساء في الأشعار والمثل
ونص الجواب منها:
من ذا يجاريك في قول وفي عمل ... وقد بدرت إلى فضل ولم تسل
ما لي بشكر الذي نظمت في عنقي ... من اللآلئ وما أوليت من قبل
حليتني بحلي أصبحت زاهية ... بها على كل أنثى من حلي عطل
لله أخلاقك الغر التي سقيت ... ماء الفرات فرقت رقة الغزل
أشبهت مروان من غارت بدائعه ... وأنجدت وغدت من أحسن المثل
من كان والده العضب المهند لم ... يلد من النسل غير البيض والأسل
ومن شعرها وقد كبرت:
وما يرتجى من بنت سبعين حجة ... وسبع كنسيج العنكبوت المهلهل
تدب دبيب الطفل تسعى على العصا ... وتمشي بها مشي الأسير المكبل
مريم صوفيا إمبراطورة الروسية
стр. 496
هي ابنة ملك الدانيمرك وشقيقة إمبراطورة "استوريا" والبرنسيس قرينة الدوق "أوف وليس" ولي عهد إنكلترا, أميرة نساء هذا الزمان وأديبتهن في هذا العصر والأوان, ربيت في بيت أبيها بهيئة بسيطة لا تعلو عن حالة المتوسطات بالغنى والثروة من نساء العالم, وقد طرحت كل كبرياء وتشامخ من صبوتها ولم تزل على ذلك حتى الآن وهي في مقام تنحي أمامها أعناق نحو مائة مليون من البشر وقد زادها الله عزا وكمالا بالمواهب الطبيعية فإنها على جانب كبير من اللطف والرقة ودماثه الأخلاق, ولين العريكة. وعلى جانب أعظم من غزارة العقل وحدة الذهن وصدق التصور وحسن البديهة. وقد استودع الله في هيكلها اللطيف من القوة والشجاعة ما يعزو وجوده في خير أشداء الرجال.
ومن شريف طباعها أنها شديدة الحب لجلالة الإمبراطور -قرينها- ميالة إلى عمل الحسنات, منشطة للمعارف, لا تحب التدخل في شؤون السياسة كثيرا, نزوعة إلى العمل, شديدة الكره للكسل والكسالى, مولعة بمطالعة الكتب المفيدة, تخيط أكثر ثيابها بيدها _الأمر الذي يكشف عن ضعة في نفسها الكريمة- لا تحب الإسراف والتبذير تقوم بنفسها مع مساعدة إحدى الفاضلات بتعليم بنيها الثلاثة وابنتها ولشدة ميلها للدروس والمطالعة, أصبحت تتكلم بعدد من اللغات وبالإجمال أن شريف خلالها تقوم واعظا ونذيرا في نساء العالم قاطبة يرد المتكبرات إلى الضعة واللين والواهنات القوى إلى النشاط والإقدام والمسرفات على الاقتصاد والمبتعدات عن عمل البر والإحسان إلى حبه والعمل به.
مزروعة بنت عملوق الحميرية
كاننت من فصحاء زمانها ومن اللواتي كن في فتوح الشام حضرت الحروب مع خالد بن الوليد بالشام ومصر وشهدت حرب النسوة في قوعة سحور مع خولة بنت الأزور, ولها شعر في رثاء ولدها وهو مأسور في وقعة أنطاكية وهو:
أيا ولدي قد زاد قلبي تلهبا ... وقد أحرقت منى الخدود الدوامع
وقد أضرمت نار المصيبة شعلة ... وقد حميت مني الحشا والأضالع
وأسأل عنك الركب كي يخبروني ... بمالك كيما تستكن المدامع
فلم يك فيهم مخبر عنك صادقا ... ولا منهم من قال إنك راجع
فيا ولدي مذ غبت كدرت عيشتي ... فقلبي مصدوع وطرفي دامع
وفكري مقسوم وعقلي موله ... ودمعي مسفوح وداري بلاقع
فإن كنت حيا صمت لله حجة ... وإن تكن الأخرى فما العبد صانع
فقالت لها: ولمن معها سليمى بنت سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل -وكانت من الزاهدات العابدات: أبهذا أمركن الله؟ أمركن بالصبر ووعدكن على ذلك الأجر! أما سمعتن ما قال الله : (الذين إذا أصبتهم مصيبة
стр. 497
قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (البقرة: ١٥٦-١٥٧) فاصبرن تؤجرن. فقالت لها مزروعة: إن كلامك هو الحق وأتيت بالصدق ثم سكتن عن البكاء.
مسكة جارية الناصر محمد بن قلاوون
قد نشأت في داره وصارت قهرمانة منزله, يقتدى برأيها في عمل الأعراس السلطانية والمهمات الجليلة التي تعمل في الأعياد والمواسم, وترتيب شؤون الحريم السلطاني, وتربية أولاد السلطان, وطال عمرها وصار لها من الأموال الكثيرة والسعادات العظيمة ما يجل وصفه, وصنعت برا ومعروفا كبيرا, واشتهرت وبعد صيتها وانتشر, وتقدمت عند السلطان وكانت مسموعة الكلمة عنده وعند حرمه, وذلك لحسن خدمتها وصنعتها وصيانتها لمنزله وقد صنعت مصانع كثيرة مثل مساجد وتكايا ومدارس غير ذلك جميعها تهدم.
ومن مآثرها الجامع الذي أنشأته بخط الحنفي بمصر قال فيه صاحب خطط مصر الجديدة التوفيقية إن سوق مسكة قرب جامع الشيخ صالح أبي حديد بخط الحنفي له بابان منقوش بأعلى أحدهما بالرخام: "بسم الله الرحمن الرحيم أمرت بإنشاء هذا المسجد المبارك الفقيرة إلى الله تعالى الحاجة إلى بيت الله الزائرة إلى قبر رسوله الله ﷺ الست الرفيعة مسكة سنة ست وأربعين وسبعمائة". ومنقوش بدائرة من الخارج بالحجر سورة يس وبه مكتوب عليه (إنما يعمر مسجد الله) (التوبة: ١٨) الآية.
وكان الفراغ من الجامع المبارك في شهور سنة ست وأربعين وسبعمائة إلى غير ذلك من الأوصاف الحميدة.
ولما توفيت الست "مسكة" دفنت فيه وقبرها ظاهر للآن وإنما الجامع معطل وغير مقام الشعائر لتخربه حالة وجود أحكار له في ديوان الأوقاف المصرية.
مفضلة الفزارية بنت عرفجة الفزاري
كانت تحت محمد بن عوف الطائي, وكانت بديعة الجمال, فصيحة المقال, عالمة بضروب الشعر وشعرها فيه بلاغة تستحسن. ومن قولها في زوجها محمد المذكور حين قتل في بعض غزواته:
ألا لا أرى لما تلبد بالثرى ... ولا ميتا حتى ذكرت محمدا
حرام على عيني بعد محمد ... طوال الليالي لا تمسان إثمدا
فكم من فتى موته لو تجردت ... له الحرب لم يفن الحمار المقيدا
وأحمر يدعو الله كل عشية ... ليبعده لا بل هو الآن أبعدا
ألم تر يا ما كان أحلى محمدا ... وأجمله إن راح في القوم أو غدا
ترى منكبيه ينفضان قميصه ... كنفض الرديني الرداء المنضدا
стр. 498
منفوسة بنت زيد بن أبي الغوار رضي الله تعالى عنها
كانت إذا مات ولدها تضع رأسه على حجرها وتقول: والله لتقدمك أمامي خير عندي من تأخرك بعدي ولصبري عليك أولى من جزعي عليك, ولئن كان فراقك حسرة, فإن في توقع أجرك لخيره. ثم تنشد قول عمرو بن معد يكرب ﵁:
وإنا لقوم لا تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهر
مهجة القرطبية صاحبة ولادة
كانت من أجمل النساء في زمانها وأخفهن, وعلقت بها ولادة ولازمت تأديبها, وكانت من أخف الناس روحا ووقع بينها وبين ولادة ما اقتضى أن تهجوها. ومن شعرها في ولادة حينما كانتا مصطلحتين.
لئن قد حمى عن ثغرها كل حائم ... فما زال يحمى عن مطالبه الثغر
فذلك تحميه القواضب والقنا ... وهذا حماه ممن لواحظها السحر
ولها أشعار كثيرة لم نشأ جمعها واقتصر منها على هذا المقدار.
مي ابنة طلابة بن قيس بن عاصم الغساني
كان جدها قيس من أجلاء ملوك العرب وأفاضلهم حتى ضربت به الأمثال لجلاله وسماحته, وحسن جواره ودماثته, وكانت مي قصيرة, عذبة الكلام, بليغة غزالة العينين زجاء الحاجبين مر عليها غيلان بن معدي الكناني المعروف بذي الرمة, وكان غيسانيا مليحا, وشاعرا فصيحا, فأدركه الظمأ فمال إلى سرداقعلا عروضه وأطنابه, وامتدت أوتاده وأسبابه, وإذا بمي تمشط رأسها وقد أسبلت شعرها كأنه عثاكيل النخل ووجهها يشف من خلاله فقال غيلان: هل من إداوة تنفي الأوام. وتشفي من السقام, فأسرعت إلى ماء شيب باللبن وسقته, ثم رحبت به وأنزلته فجلس يأكل مما هيأت, وعيونها تروي له عن الأيام ما خبأت فما انصرف آخر النهار إلا وفي قلبه لاعج وأوار, كأنهما مارج من نار, فعطف يعاودها على طول الشقة وفرط المشقة, وينشد:
وكنت إذا ما جئت ميا أزورها ... أرى اورض تطوى لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
وحدث يوما عقبة الفزاري فقال: ما معناه: أتاني يوما ذو الرمة. فقال: إن في مية خلوفا فهل لك أن تسعدني في الزيارة؟ فقلت: لبيك, ثم سرنا حتى إذا أتينا الربع نظرت النساء إلى غيلان فعرفنه فجئن يتهادين وبينهن مي حتى جلسن لائذات به فقال حسناء منهن: أسمعنا يا ذا الرمة ما قلت: فالتقت إلي وقال لي: أنشدها ما رويت
стр. 499
عني فاندفعت أقول قصيدته التي أولها:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
ولما بلغت قوله:
نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسلبت العيان والقلب كاتم ... بمغرورق نمت عليه سواكبه
بكى وامق حال الفراق ولم تحل ... حوائلها أسراره ومعاتبه
هو الألف قد حان الفراق ولم تحل ... محاولها أسراره ومقانبه
قالت الحسناء: لكن اليوم فلتحل, ثم مضت في الإنشاد, حتى انتهت إلى قوله:
وقد حلفت بالله مية ما الذي ... أحدثها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرض عدو أحاربه
قالت مي: ويحك يا ذا الرمة خف عواقب الله! ثم ما زلت في الإنشاد حتى بلغت قوله:
إذا رحت من حب لمي سوارح ... على القلب أمته جميعا عوازبه
قالت الحسناء: قتلته يا مي قتلك الله! فقالت مي: ما أصحه وهنيئا له, فأصعد ذو الرمة زفرة كاد حرها يحرق عارضيه أما أنا فداومت إنشادي حتى أنتهيت على قوله:
إذا راجعتك القول مية أوبدا ... لك الوجه منها أو نضى الدرع سالبه
فيالك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومرحوق تعلل شاربه
فقالت الحسناء باسمة: قدر وجع الآن القول وبدا الوجه فمن لنا بأن ينضى الدرع سالبه فضحكت مي ثم قالت الحسناء: إن لهذين شأنا ففرجوا عنهما. فقمت مع من قام وجلست بحيث أرهما فتعاتبا طويلا ولم يبرح غيلان من مكانه ولم يسمع حديثهما سوى قولها: كذبت والله ولا أدري بم كذبته. ثم جاءني ومعه نافجة طيب أهدته إياها فقال: شأنك وهده. ثم قال: وهذي قلادة أعطتنيها فو الله لأقلدنها بعيرا. ثم عقدها في سيفه كالحمائل وانصرفنا, ثم وقفنا على أطلال مي فأنشد:
ألا يا سلمى يا دار مي على البلي ... ولا زال منهلا يجر عائك القطر
وإن لم تكوني غير شام بقفرة ... تجر بها الأذيال صيفية كدر
وانضمت عيناه بالعبرة وقال: إني جلد صبور وإن كان مني ما ترى, ثم انصرفنا وكان آخر العهد به فو الله ما رأيت أشد منه صبابة ولا أحسن صبرا. ومن لطائف أشعاره قوله:
إذا هبت الأرياح من نحو جانب ... به آل مي زاد قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها
стр. 500
مية بنت ضرار الضبية
كانت ذات أدب وفصاحة وحماسة ولها شعر موزون ورثاء مستحسن في أخيها قبيصة وكان قتل في إحدى الغزوات. زمنه قولها:
لا تبعدن وكل شيء ذاهب ... زين المجالس والندى قبيصا
يطوي إذا ما الشيخ أبهم فضله ... بطنا من الزاد الخبيث خميصا
مية بنت عتبة
كانت صاحبة حسن وجمال في زمانها وكان أبوها أميرا في قومه مطاعا في عشيرته, وكانت هي لعلو منزلة أبيها مسموعة الكلمة أيضا, وكان رأيها حسنا يستشيرونها في أمورهم. وكان لها معرفة بمعاني الشعر. ولما مات أبوها رثته بأبيات منها ما عثرنا عليه وهو:
تروحنا من اللعباء عصرا ... وأعجلنا إلا لاهة أن تؤبا
على مثل ابن مية فانعياه ... يشق نواعم البشر الجيوبا
وكان أبي عتيبة شمريا ... ولا تلقاه يدخر النصيبا
ضروبا باليدين إذا اشمعلت ... عوان الحرب لا روعا هيوبا
مريم نحاس نوفل
هي ابنة جبرائيل نصر الله نحاس. ولدت في بيروت في ٦ كانون الثاني سنة ١٨٥٦ م (يناير) , وتهذبت في المدارس الإنكليزية السورية مدة ثمان سنوات بين خارجية وداخلية, فتعلمت اللغتين العربية والإنكليزية مع التاريخ والجغرافيا والحساب والبيانو, وجميع أشغال الإبرة واليد.
وفي ١٤ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٨٧٢ م اقترنت بنسيم أفندي نوفل, في المركز الصيفي في جبل لبنان إذ كان والدها وقرينها -المذكورين- من متوظفي الحكومة اللبنانية.
وفي خلال سنة ١٨٧٣ م شرعت بتأليف كتاب عام لأحياء ذكر بنات جنسها اللطيف, وسمته بكتاب "معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء", وهو يتضمن تراجم شهيرات النساء من الأموات والأحياء مرتبا على نسق القواميس الإفرنجية, وقد أعلنت في أكثر الجرائد عن هذا المشروع المبتكر وصرفت باقي عزيمتها على الاشتغال به باذلة في سبيله كل ما أحرزته من الحلي والمجوهرات حتى لا يقال: إن للرجال العلم والأدب, وللنساء الجمال والذهب. وريثما أصبح القسم الأول منه على وشك النهاية رفعته إلى من اشتهرت بين بنات جنسها, مؤسسة المدرسة السيوفية في مصر القاهرة التي كان فيها نحو الثلثمائة تلميذة يغتذين من أبان معارفها وآدابها, حضرة الأميرة جشم آفت هانم أفندي ثالت حرم سمو إسماعيل باشا الخديوي السابق
стр. 501
فأفاضت عليها من نعم القبول ما حمل مقدمته إلى نشر جميل الشكر والامتنان في جريدة الأهرام الغراء ذاكرة ما وعدت به الأميرة من المكارم والأحسان.
وفي حزيران (يوليو) سنة ١٨٧٩ م طبع بأمر دولتها مثال للكتاب يتضمن المقدمة وترجمة حياة الأميرة -المشار إليها- وتراجم بعض النساء الشهيرات, وقد وزع في كثير من البلدان العربية غير أن سفر الجناب الخديوي السابق مع آل بيته الكرام إلى نابولي في تلك السنة أوقف السعي بإتمام القسم الثاني من تراجم الأحياء, ومن ثم فإن الحوادث الغريبة التي أضاعت قسما من المعدات والصور التي حضرت لتزيين الكتاب اضطرت المؤلفة أن تصبر على مضض الأيام وفي صدرها حزازات من حكم الزمان, ومن كساد بضائع الآداب في البلاد الشرقية.
وهذه الأسباب والمسببات التي قضت بتأجير هذا الكتاب إلى حين من الزمن ما برحت تتردد مع الأيام في فكر المؤلفة حتى توفاها الله في صباح يوم الإثنين من شهر نيسان (إبريل) سنة ١٨٨٨ م بعد أن أوصت بإتمام مشروعها الذي قضت بين محابرة ودفاتره مدة العمر.
وقد رثاها حضرة الشاعر الأديب إلياس أفندي نوفل بقصيدة رنانة فمن جملة ما قال فيها عن وصف الفقيدة:
كانت لها التقوى كأبهى حلة ... وصنيع أيديها أجل خضابها
وجمال عنوان أسر جمالها ... وبياض باطنها كلون ثيابها
وردت سماحة وجهها عن قلبها ... وبدت معافها بطيء كتابها
حرف النون
نائلة بنت الفرافصة بن الأخوض
ابن عمرو. وقيل: ابن عفر بن ثعلبة بن الحارث بن حصن بن ضمضم بن علي بن جناب الكلبية زوجة عثمان بن عفان, وكان سبب زواجه بها أن سعيد بن العاص تزوج هند بنت الفرافصة, فبلغ ذلك عثمان, فكتب إليه: "أما بعد, فإنه قد بلغني أنك تزوجت امرأة من كلب فاكتب إلي بنسبها وجمالها".
فكتب إليه: "أما بعد, فإن نسبها أنها بنت الفرافصة بن الأخوص, وجمالها أنها بيضاء مديدة.
فكتب: "إن كانت لها أخت فزوجنيها" فبعث سعيد إلى الفرافصة يخطب ابنته على عثمان, فأمر ابنه ضبا أن يزوجها إياه, وكان ضب مسلما, وكان الفرافصة نصرانيا, فلما أرادوا حملها إليه قال لها أبوها: يا بنية, إنك تقدمين على نساء قريش هن أقدر على الطيب منك فاحفظي عني خصلتين فتكحلي وتطيبي بالماء حتى يكون ريحك شن ريح أصابه مطر, فلما حملت كرهت الغربة وحزنت لفراق أهلها فأنشدت تقول:
ألست يا ضب بالله إنني ... مصاحبة نحو المدينة أركبا
إذا قطعوا حزنا تحث ركابهم ... كما زعزعت ريح يراعا مثقبا
стр. 502
لقد كان في أبناء حصن بن ضمضم ... لك الويل ما يغني الخباء المطنيا
فلما قدمت على عثمان قعد على سريره ووضع لها سريرا حياله فجلست عليه فوضع عثمان قلنسوته فبدا الصلع فقال: يا ابنة الفرافصة, لا يهولنك ما ترين من صلعي فإن وراءه ما تحبين, فسكتت, فقال: إما أن تقومي إلي وإما أن أقوم إليك. فقالت: أما ما ذكرت من الصلع فإني من نساء أحب بعولتهن إليهن السادة الصلع. وإما قولك: إما أن تقومي إلي وإما أن أقوم إليك فو الله ما تجشمته من جنبات السماوة أبعد مما بيني وبينك بل أقوم إليك. فقامت فجلست إلى جانبه فمسح رأسها ودعا لها بالبركة, ثم قال لها: اطرحي عنك رداءك. فطرحته, ثم قال لها: اطرحي خمارك. فطرحته, ثم قال لها: انزعي درعك. فنزعته, ثم قال لها: حلي إزارك. فقالت: ذاك إليك. فحل إزارها فكانت من أحظى نسائه عنده.
وروى عن أبي الجراح مولى أم حبيبة أنه قال: كنت مع عثمان في الدار فما شعرت إلا وقد خرج محمد بن أبي بكر ونائلة تقول: هم في الصلح. وإذا بالناس قد دخلوا من الخوخة ونزلوا برأس الحبال من سور الدار ومعهم السيوف فرميت بنفسي وجلست عليه, وسمعت صياحهم, فنشرت نائلة بنت الفرافصة شعرها فقال لها عثمان: خذي خمارك. فلعمري لدخولهم علي أعظم من حرمة شعرك, وأهوى رجل إليه بالسيف فاتقته بيدها فقطع إصبعين من أصابعها, ثم قتلوه وخرجوا يكبرون, ولما قتل عثمان قالت نائلة:
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد غيبت عنا فضول أبي عمرو
وكتبت نائلة إلى معاوية بن أبي سفيان وبعثت بقميص عثمان مع النعمان بن بشير وهذه صورة ما كتبت من نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد, فإني أذكركم بالله الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام وهداكم من الضلالة, وأنقذكم منم الكفر, ونصركم على عدوكم, وأسبغ عليكم نعمه, أنشدكم بالله وأذكركم حقه وحق خليفته الذي لم تنصروه وبعزمة الله عليكم فإنه قال: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله) (الحجرات: ٩) , وأن أمير المؤمنين بغى عليه ولو لم يكن له عليكم حق إلا حق الولاية ثم أتى لحق على كل مسلم يرجو أيام الله أن ينصره لقدمه في الإسلام وحسن بلائه, وأنه أجاب داعي الله وصدق رسوله والله أعلم, إنه إذا انتخبه فأعطاه شرف الدنيا والآخرة وإني أقص عليكم خبره لأني كنت شاهدة أمره كله حتى قضى الله عليه.
إن أهل المدينة حصروه في داره يحرسونه ليلهم ونهارهم قياما على أبوابه بسلاحهم يمنعونه كل شيء قدروا عليه حتى منعوه الماء, يحضرون فيقولون له: الإفك, فمكث هو ومن معه خمسين ليلة وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر, وكان علي مع الحضريين ممن أهل المدينة ولم يقاتل مع أمير المؤمنين ولم ينصره ولم يأمر بالعدل الذي أمر الله ﵎ به فظلت تقاتل خزاعة وسعد بن بكر, وهذيل, وطوائف من مزينة
стр. 503
وجهينة وأنباط يثرب, ولا أرى سائرهم ولكني سميت لكم الذين كانوا أشد الناس عليه في أول أمره وآخره.
ثم إنه رمي بالنبل والحجارة فنهاهم علي وأمرهم أن يردوا عليهم نبلهم فردوها إليهم فلم يزدهم ذلك على القتال إلا جراءة, وفي الأمر إلا غراء, ثم أحرقوا باب الدار فجاءهم ثلاثة نفر من أصحابه فقالوا: إن في المسجد أناسا يريدون أن يأخذوا أمر الناس بالعدل فاخرج إلى المسجد حتى يأتوك.
فانطلق فجلس فيه ساعة وأسلحة القوم مظلة عليه من كل ناحية, وما أرى أحدا يعادل فدخل الدار وقد كان نفر من قريش على عامتهم السلاح, فلبس درعه وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست درعاً فوثب عليه القوم فكلمهم الزبير وأخذ عليهم ميثاقاً في صحيفة, وبعث بها إلى عثمان: إن عليكم عهد الله وميثاقة أن لا تضروه بشيء فكلموا وتحرجوا فوضع السلاح فلم يكن إلا وضعه حتى دخل عليه القوم يقدمهم ابن أبي بكر حتى أخذوا بلحيته وذبحوه ودعوه باللقب فقال: أنا عبد الله خليفته فضربوه على رأسه ثلاث ضربات وطعنوه في صدره ثلاث طعنات وضربوه على مقدم الجبين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم فسقطت عليه وقد أثخنوه وبه حياة وهم يريدون قطع رأسه ليذهبوا بها فأتتني بنت شيبة بن ربيعة, فألقت نفسها معي عليه فتواطؤنا وطأ شديدا, وعرينا من ثيابنا, وحرمة أمير المؤمنين أعظم, فقتلوه -رحمة الله عليه- في بيته وعلى فراشه, وقد أرسلت غليكم بثوبه وعليه دمه, وإنه والله لئن كان سلم من قتله لم يسلم من خذله فانظروا أين أنتم من الله فإنا نشتكي ما مسنا إليه ونستنصر وليه وصالح عباده ورحمة الله على عثمان, ولعن من قتله وصرعهم في الدنيا مصارع الخزي والمذلة, وشفي منهم الصدور, فحلف رجال من أهل الشام أن لا يطؤا النساء حتى يقتلوا قتلته أو تذهب أرواحهم فكانت هذه الرسالة بسببها واقعة صفين.
ناجية بنت ضمضم المري
هي أخت هرم بن ضمضم كانت من شاعرات العرب الذين يحضرون الوقائع ويحرضون على القتال ولها أشعار قالتها في أختها هرم -المذكور- حين قتله ورد بن حابس العبسي في حرب داحس:
يا لهف قلبي لهفة المفجوع ... أن لا أرى هرما على مودوع
من أجل سيدنا ومصرع جنبه ... علق الفؤاد بحنظل مجدوع
وقالت فيه أيضا:
دعته المنايا دعوة فأجابها ... وجاور لحدا خارجا في الغماغم
عيشة راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه في التزاحم
فإن يك غالته المنايا ورببها ... فقد كان معطاء كثير التراحم
ولها أيضا:
الواهب المائة التلا ... دلنا ويكفينا العظيمة
стр. 504
والدافع الخصم الألد ... إذا تفوضح في الخصومة
بلسان لقمان بن عا ... د وفصل خطبته الحكيمة
ألجمتهم بعد التجا ... ذب والتدافع في الحكومة
نزهون الغرناطية
جوهرة لم يسمح الدهر, وفريدة فاقت على نساء العصر, فما الآداب إلا نقطة من بحرها الرائق, وما الجمال إلا من نور وجهها الشارق. لها ناد لم يؤمه إلا الأفاضل, ومجلس لم يجتمع فيه إلا كل عاقل, وكانت لطيفة المسامرة, حسنة المحاضرة, حافظة لأشعار العرب وأمثالها, ولم يكن بغرناطة إذ ذاك أحد من أمثالها, وهي من أهل المائة الخامسة ذكرها الحجازي في "المسهب" ووصفها بخفة الروح والانطباع الزائد والحلاوة وحفظ الشعر والمعرفة بضرب الأمثال, مع جمال فائق وحسن رائق, وكان الوزير أبو بكر بن سعيد أولع الناس بمحاضرتها ومذاكرتها ومراسلتها فكتب لها مرة:
يا من له ألف خل ... من عاشق وصديق
أراك خليت للنا ... س منزلا في الطريق
فأجابته:
حللت أبا بكر محلا منعته ... سواك وهل غير الحبيب له صدري
وإن كان لي كم من حبيب فإنما ... يقدم أهل الحق حب أبي بكر
ولما قال فيها المخزومي:
على وجه نزهون من الحسن مسحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا
قواصد نزهون توارك غيرها ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
قالت:
إن كان ما قلت حقا ... من بعد عهد كريم
وصرت أقبح شيء ... في صورة المخزوم
فصار ذكري ذميما ... يعزى على كل لوم
وقال لها بعض الثقلاء ما على من أكل معك خمسمائة سوط فقالت:
وذي شقوة لما رآني له ... تمنيه أن يصلي معي جاحم الضرب
فقلت له كلها هنيئا فإنما ... خلقت إلى لبس المطارف والشرب
وقد اجتمعت مرة مع ابن قزمان في دار الوزير أبي بكر فقالت له عقب ارتجال بديع -وكان يلبس جبة صفراء-: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل إلا أنك لا تسر الناظرين. فقال لها: إن لم أسر الناظرين فأنا أسر السامعين, وإنما
стр. 505
يطلب سرور الناظرين منك يا فاعلة يا صانعة. وتمكن السكر من ابن قزمان وآل الأمر إلى أن تدافعوا معه حتى رموه في البركة, فما خرج إلا وهو قد شرب كثيرا من الماء ثيابه تهطل.
فقال: اسمع يا وزير, وقال له أبياتاً, أضربنا عنها لعدم اللزوم وخروجها عن حد الآداب, فأمر له بما يليق من الثياب وأجزل له الصلة وكانت تقرأ على أبي بكر المخزومي الأعمى, فدخل عليها أبو بكر الكندي فقال يخاطب المخزومي: لو كنت تبصر من تجالسه فأفحم وأطال الفكر فما وجد شيئا فقالت نزهون: لغدوت أخرس من جلالته البدر يطلع من أزرته والغصن يمرح في غلالته ومن شعرها:
لله در الليالي ما أحيسنها ... وما أحيسن منها ليلة الأحد
لو كنت حاضرنا فيها وقد غفلت ... عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد
نعمى جارية ظريف بن نعيم
كانت أدبية ظريفة ذات جمال زاهر, ولطف باهر. وكان سيدها شغف بها شديدا, فلما كان يوم وهو جالس في داره إذا بشرطة الحجاج دخلت عليه فأخذوه حتى أدخلوه عليه فقال: علي بالجارية. فقال أصلح الله الأمير إنها روحي فلا تكن سبب هلاكي, فأمر بالقبض عليه وأرسل من جاء بالجارية, فلما رآها علم أنها لا تبقى له إن عرف الخليفة بأمرها فوجه بها إلى الشام من ليلتها إلى عبد الملك وحبس الشاب, فلما زال عقله أطلقه وأخذ ماله وتوجه الشاب إلى دمشق فأقام بها مدة متنغص الحياة, فأراد أن يحتال على الاجتماع بالجارية فلم يمكن فوقع في رقعة أن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته نعمى أن تغني لي ثلاثة أصوات اقترحتها, ثم يفعل ما يشاء أن يفعل, فلما قرأ القصة اشتد غضبه, ثم عاوده الحلم, فلما انصرف أحضر الشاب والجارية وقال: مرها بما شئت. فقال لها: غني قول قيس بن ذريح:
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا ... ولكنما الدنيا متاع غرور
سأبكي على نفسي بعين غزيرة ... بكاء حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعا قبل أن يظهر النوى ... بأنعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا ... بطون الهوى مقلوبة بظهور
فغنت فمزق أثوابه, ثم قال لها غني قول جميل:
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... كليلتنا حتى نرى ساطع الفجر
تجود علينا بالحديث وتارة ... تجود علينا بالرضاب من الثغر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة ... ويعلم ربي عند ذلك ما شكري
ولو سألت مني حياتي بذلتها ... وجدت بها أن كان ذلك من أمري
стр. 506
فغنت فغشي عليه ثم أفاق فقال: غني قول المجنون:
عرضت على نفسي العزاء فقيل لي ... من الآن فايأس لا أعزك من صبر
إذا بان من تهوى وأصبح نائيا ... فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
فلما غنت قام فألقى نفسه من شاهق فمات. فقال عبد الملك: لقد عجل على نفسه, أيظن أني أخرجت جارية وأعود فيها خذها يا غلام فأعطها لورثته. أو فتصدقوا بها عليه, فلما نزلوا بها نظرت إلى حفيرة معدة للسيل فجذبت يدها من الغلام وهي تقول:
من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت
وأقلت نفسها في الحفيرة فماتت.
السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي الطالب
قال المقريزي: إن أمها أم ولد تزوجها إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر فولدت له ولدين: القاسم وأم كلثوم ولم يعقبا وبعده تزوجت بالحسن بن زيد فولدت له نفيسة, وكانت نفيسة من الصلاح والزهد على الحد الذي لا مزيد عليه فيقال: إنها حجت ثلاثين حجة وكانت كثيرة البكاء تديم قيام الليل وصيام النهار فقيل لها: ألا ترفقين بنفسك؟ فقالت: كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلا الفائزون, وكانت تحفظ القرآن وتفسيره, وكانت لا تأكل إلا في كل ثلاث ليال أكلة واحدة وذكر أن الإمام الشافعي ﵁ زارها من وراء الحجاب وقال لها: ادعي لي وكان (ب) صحبته عبد الله بن عبد الحكم وماتت ﵂ بعد موت الإمام الشافعي بأربع سنين. وقيل: إنها كانت فيمن صلى على الإمام الشافعي ﵁ وقد توفيت في شهر رمضان سنة ثمان ومائتين للهجرة ودفنت في منزلها المعروف بخط درب السباع بمصر ويقال: إنها حفرت قبرها هذا وقرأت فيه مائة وسبعين ختمة وإنها لما احتضرت خرجت من الدنيا وقد انتهت في حزبها إلى قوله تعالى: (قل لمن ما في السموات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة) (الأنعام: ١٢) ففاضت نفسها مع قوله تعالى: (الرحمة) (الأنعام: ١٢) , وكان سبب دخولها إلى مصر كما قال ابن خلكان: إنها دخلت مصر مع زوجها إسحاق بن جعفر وقيل: مع أبيها الحسن, وإنها لما استقر بها المقام ودخل الشافعي إلى مصر حضر إليها وسمع عليها الحديث وكان للمصريين فيها اعتقاد عظيم وهو إلى الآن باق كما كان, ولما توفي الإمام الشافعي أدخلت جنازته إليها وصلت عليه في دارها. ولما ماتت عزم زوجها على حملها إلى المدينة فسأله المصريون بقاءها عندهم ودفنت في الموضع المعروف بها الآن.
وقال الشيخ محمد الصبان في كتابه إسعاف الراغبين إن السيدة نفيسة ﵂ ولدت بمكة سنة خمس وأربعين ومائة ونشأت بالمدينة في العبادة والزهد وكانت ذات مال ولما ورد الشافعي إلى مصر كانت
стр. 507
تحسن إليه وربما صلى بها في رمضان. ولما قدمت مصر كانت بها بنت عمها السيدة سكينة ولها بها الشهرة التامة فخلعت عليها الشهرة, فصار للسيدة نفيسة القبول التام بين الخاص والعام, وماتت وهي صائمة فألزموها الفطر فقالت: وا عجباه لي منذ ثلاثين سنة أسأل الله تعالى أن ألقاه وأنا صائمة أأفطر الآن هذا لا يكون؟! ثم قرأت سورة الأنعام. فلما وصلت إلى قوله تعالى: (لهم دار السلم عند ربهم) (الأنعام: ١٢٧) ماتت ودفنت بمدفنها المشهور الآن.
وقال السخاوي في كتاب المزارات إن سبب قدوم السيدة نفيسة إلى مصر أنها حجت ثلاثين حجة, وفي الحجة الأخيرة توجهت مع زوجها إلى بيت المقدس, فزارت قبر الخليل إبراهيم, وأتت مع زوجها مصر في رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائة وكان لقدومها إلى مصر أمر عظيم تلقاها الرجال والنساء من العريش, ونزلت أولا عند كبير التجار بمصر وهو جمال الديم عبد الله بن الجصاص وكان من أصحاب المعروف والبر, فأقامت عنده شهورا يأتي إليها الناس من سائر الآفاق للتبرك, ثم تحولت إلى مكانها المدفونة به وهبه لها أمير مصر السري بن الحكم وسبب ذلك أن بنتا يهودية زمنة تركتها أمها عندها وذهبت إلى الحمام فقدر الله شفاءها على يد السيدة ﵂ وعند ذلك أسلمت البنت وأبواها وجماعة من الجيران يبلغ عددهم نحو السبعين نفرا, ولما شاع ذلك لم يبق أحد في مصر, إلا قصد زيارتها وكثر الناس على بابها فطلبت الرحيل إلى بلاد الحجاز فشق على أهل مصر ذلك وسألوها الإقامة فأبت, فركب إليها السري بن الحكم وسألها الإقامة فقالت: إني امرأة ضعيفة وقد شغلوني عن عبادة ربي ومكاني قد ضاق بهذا الجمع الكثيف. فقال لها السري: أما ضيق المكان فإن لي دارا واسعة بدرب السباع فأشهد الله أني قد وهبتها لك وأسألك أن تقبليها مني, وأما الجموع الوافرة فقرري معهم أن يكون ذلك يومين في كل أسبوع وباقي أيامك في خدمة مولاك فجعلت لهم السبت ويوم الأربعاء إلى أن توفيت. وقد أقبل على زيارتها في الحياة وبعد الممات خلق كثير لا يحصون من العلماء والخلفاء والأولياء وغيرهم وقيل: إن الحنفي كان يقول عند زيارتها السلام والتحية والإكرام من العلي الرحمن على نفيسة الطاهرة المطهرة سلالة البررة وابنة علم العشرة الإمام حيدرة السلام عليك يا ابنة الحسن المسموم أخي الإمام الحسين سيد الشهداء المظلوم السلام عليك يا ابنة فاطمة الزهراء وسلالة خديجة الكبرى -رضي الله ﵎ عنك وعن جدك وأبيك- وحشرنا في زمرة والديك وزائريك. اللهم بما كان بينك وبين جدها ليلة المعراج اجعل لنا من همنا الذي نزل بنا انفراج, واقض حوائجنا في الدنيا والآخرة يا رب العالمين.
وكان بعض زائريها يقول عند مشهدها:
يا رب إني مؤمن بمحمد ... وبآل بيت محمد بتوال
فبحقهم كن شافعا لي منقذا ... من فتنة الدنيا وشر مآل
стр. 508
وكان بعضهم يقول أيضاً:
يا بني الزهراء والنور الذي ... ظن موسى أنه نار قبس
لا أوالي قط من عاداكم ... أنهم آخر سطر في عبس
وبعد وفاتها صارت أرباب الدولة تبني ضريحها الشريف تبركا بمقامها المنيف, فمنهم ذات الحجاب المنيع والقدر الرفيع, والدة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب أنشأت رباطا بجوارها والملك الناصر محمد بن قلاوون أمر بإنشاء جامع بخطبة وشيد بناءه, ولما توفي الخليفة أمير المؤمنين أبو العباس أحمد بن العباس المعروف بالأسمر في سنة إحدى وسبعمائة أمر السلطان الناصر أن يدفن بالمشهد النفيسي فدفن هناك وأقيمت عليه قبة.
ومن النوادر التي حصلت في مشهد السيدة نفيسة كما قال الجبرتي في تاريخه والأمير علي باشا مبارك في خططه أنه في سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف اجتمع الخدام في المشهد النفيسي بواسطة كبيرهم الشيخ وأظهروا عنزا صغيرا وزعموا أن جماعة أسرى من بلاد النصارى توسلوا بالسيدة نفيسة وأحضروا ذلك العنز لذبحه في الليلة التي يجتمعون فيها للذكر والدعاء ويتوسلون في خلاصهم من الأسر, فاطلع عليهم الكافر فزجرهم وسبهم ومنعهم من ذبح العنز فرأى في المنام رؤيا هائلة فاعتقهم وأعطاهم دراهم وصرفهم مكرمين فحضروا إلى مصر ومعهم العنز فذهبوا بها إلى المشهد النفيسي وكثرت فيه الخرافات وتقاويل الناس فمن قائل: إنهم أصبحوا وجدوها عند المقام. ومن قائل: فوق المنارة. ومن قائل: سمعناها تتكلم. ومنهم من يقول: السيدة أوصت عليها وأن الشيخ سمع كلامها من القبر, ثم بعد هذه الشهرة أبرزها الناس وجعلها بجانبه وجعل يقول من الخرافات التي يستجلب بها قلوب الناس ويجمع بها الدنيا وتسامع الناس بذلك وأقبلوا من كل فج رجالا ونساء لزيارتها, وأتوا للشيخ بالنذور والهدايا, وعرفهم أنها لا تأكل إلا قلب اللوز والفستق, ولا تشرب إلا ماء الورد والسكر المكرر, فأتوه من كل جانب بالقناطير من ذلك وعلموا للعنز القلائد والأطواق الذهبية, وافتتنوا بها وشاع ذلك الخبر عند الوزراء والأمراء وأكابر النساء فجعلن يرسلن كل على قدر مقامه من النذور, وازدحمن على زيارتها فأرسل الأمير عبد الرحمن كتخدا إلى الشيخ عبد اللطيف يتلمس منه الحضور إليه بالعنز ليتبرك بها هو وحريمه فركب الشيخ بغلته والعنز في حجره, وصحبته الطبول والبيارق والجم الغفير من الناس حتى دخلوا إلى بيت ذلك الأمير علىتلك الحالة, وصعد بها إلى المجلس وعنده كثير من الأمراء فتملس بها وأمر بإدخالها إلى الحريم للبركة, وكان قد أوصى بذبحها وطبخها, فلما ذبحوها وطبخوها أخرجوها مع الغداء فأكلوا منها وصار الشيخ يأكل والأمير يقول: كل يا شيخ من هذا التيس السمين. فيقول: والله إنه طيب ونفيس, وهو لا يعلم أنه عنزه وهم يتغامزون ويضحكون, فلما أكلوا وشربوا القهوة طلب الشيخ العنز فعرفه الأمير أن الذي كان بين يديه وأكل منه هو العنز, فبهت الشيخ عند ذلك ثم بكته الأمير ووبخه وأمر أن يوضع جلد العنز على عمامته, وأن يذهب به كما جاء بموكبه وبين يديه الطبول والأشائر ووكل به من
стр. 509
أوصله إلى محله على الصورة المذكورة وفي ذلك يقول الأديب الكامل والشاعر الناثر عبد الله بن سلامة الأدكاوي:
ببنت رسول الله طيبة الثنا ... نفيسة لذ تظفر بما شئت من عز
ورم من جداها كل خير فإنها ... لطلابها يا صاح أنفع من كنز
ومن أعجب الأشياء تيس أراد أن ... يضل الورى في حبها منه بالعنز
فعاجلها من نور الله قلبه ... بذبح وأضحى الشيخ من أجلها مخزي
نصرة إيلياس غريب
ولدت نصرة غريب بطرابلس الشام عام ١٨٦٢ م من عائلة غريب وأمها من فاضلات النساء, فورثت منها طيب الأخلاق وصفاء النية ورقة الجانب وكانت وحيدتها فاعتنت بتربيتها وأرضعتها لبان العلوم في أحسن مدارس طرابلس فتمكنت منها المناقب الحسنة بالقدوة والتربية وهذه القوى الثلاث أي الوراثة والقدرة مصدر الأخلاق ودعامتها, فقلما يطيب فرع أصله خبيث, وقلما يخبث فرع أصله طيب.
ولما بلغت السابعة عشرة اقترنت بجناب الوجيه "عزتلو ادوار بيك إيلياس" وسكنا في مدينة الإسكندرية مدة ثم انتقلا إلى مصر القاهرة واشتهرت بين معارفها وسيداتها بالذكاء وصفاء النية, وعزة النفس, وحب الإنسانية. وقيل: إنها كانت تتصدق على الأرامل والمحتاجين الصدقات الكثيرة مع ما كانت عليه من الاقتصاد في النفقات الابتعاد عن الإسراف في المعيشة.
وكانت تعين زوجها في جميع أشغاله وفي تدبير بيتها, ولها الرأي الصائب والقول السديد كما شهد هو نفسه ولما جاءت إلى القاهرة ورأت أن ليس فيها عند الطائفة الأرثوذكسية جمعية خيرية أخذت تحث وجهاء هذه الطائفة على إنشاء جمعية مثل جمعية الإسكندرية لمساعدة المساكين.
وكانت تحب جريدة المقتطف العلمية وتطالعها وتذاكر في بعض مواضيعها, وتلتذ بالمذاكرة العلمية فتصغي إليها بكليتها كمن يفهم دقائق الأمور وكانت كثيرة المالعة دقيقة الانتقاد, وإذا أعجبها كتاب أشارت على صديقاتها بمطالعته وإذا رأت في كتاب ما لا ستحسن ذمته ولامت واضعيه.
وكانت اجتمعت مع مريم مكاريوس وأخريات من الفاضلات يتذاكرن في حالة المرأة الشرقية ووددن أن يعم تعليم البنات وتهذيبهن على أسلوب يصرفهن عن الاكتفاء بقشور التمدن الأوربي ويرغبهن باقتباس الفضائل السامية التي ترفع شأن المرأة وتؤهلها لتربية النوع الإنساني.
ولما كانت على هذه الصفات الحسنة لم تكن طويلة العمر مديدة الحياة حتى كانت تنفع بنات جنسها ولكن اختطفتها المنية وهي في ريعان الشباب فتوفيت مأسوفا عليها من الجميع.
стр. 510
نوار بنت أعين بن صعصعة
ابن ناجية بن عقال المجاشعي كانت أحسن نساء زمانها وجها وأجملهن خلقا, وأفصحهن منطقا. وكانت ذات أدب زائد, ومعرفة تامة بالأوابد, مكرمة عند قومها مسموعة الكلمة فيهم تزوج بها الفرزدق -الشاعر المشهور- رغما عنها. قيل: إن سبب زواجها به أنه كان خطبها رجل من بني عبد الله بن دارم فرضيت به وكان الفرزدق وليها وهو ابن عمها, فأرسلت إليه أن زوجني من هذا الرجل. فقال لها: لا أفعل إلا أن تشهدي بأنك قد رضيت بمن أزوجك به ففعلت.
فلما توثق منها قال: أرسلي إلى القوم أن يأتوا, فجاء بنو عبد الله بن دارم فلما اجتمعوا في مسجد بني مجاشع وجاء الفرزدق فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن النوار قد ولتني أمرها وأشهدكم أني قد زوجتها نفسي على مائة ناقة حمراء سوداء الحدق فنفرت من ذلك وأرادت الشخوص إلى عبد الله بن الزبير حين أعياها أهل البصرة أن لا يطلقوها من الفرزدق حتى يشهد لها الشهود, وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتقاء الفرزدق وابن الزبير يومئذ أمير الحجاز والعراق يدعي له بالخلافة فلم تجد من يحملها إليه, وأتت فتية من بني عدي بن عبد مناة ويقال لهم: بنو أم النسير فسألتهم برحم تجمعهم وكانت بينها وبينهم قرابة فأقسمت عليهم ليحملنها, فحملوها فبلغ ذلك الفرزدق فاستنهض عدة من أهل البصرة فأنهضوه وأوقروا له عدة من الإبل وأعين بنفقة فتبع النوار. وقال:
لولا أن يقول بنو عدي ... ألم تك أم حنظلة النوار
أتتكم يا بني ملكان عني ... قواف لا تقسمها البحار
وقال فيهم أيضا:
لعمري لقد أردي النوار وساقها ... إلى اليوم أحلام خفاف عقولها
أطاعت بني أم النسير فأصبحت ... على قتب يعلو الفلاة دليلها
وقد سخطت مني النوار الذي ارتضى ... به قلبها الأزواج خاب رحيلها
وإن امرأ أمسى يخبب زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومن دون أبواب الأسود بسالة ... وبسطة أيد يمنع الضيم طولها
وإن أمير المؤمنين لعالم ... بتأويل ما أوصى العباد رسولها
فدونكها يا ابن الزبير فإنها ... مولعة يوهى الحجارة قيلها
وما جادل الأقوام من ذي خصومة ... كورها مشنوء إليها حليلها
فأدركها وقد قدمت مكة فاستجارت بخولة بنت منظور بن زبان الفزاري وكانت عند عبد الله بن الزبير, فلما قدم الفرزدق إلى مكة اشرأب الناس غليه ونزل على بني عبد الله بن الزبير فاستنشدوه واستحدثوه فكان مما أنشدهم قوله:
стр. 511
أمسيت قد نزلت بحمزة حاجتي ... إن المنوه باسمه الموثوق
بأبي عمارة من وطئ الحصى ... وجرت له في الصالحين عروق
بين الحواري الأغر وهاشم ... ثم الخليفة بعد والصديق
وقال أيضا:
يا حمز هل لك في ذي حاجة عرضت أنصاره بمكان غير ممطور
فأنت أحرى قريش أن تكون لها ... وأنت بين أبي بكر ومنظور
بين الحوراي والصديق في شعب ... صبتين في طلب الإسلام والخير
ثم شفعوه إلى أبيهم فجعل يقبل شفاعتهم في الظاهر حتى إذا جاء إلى خولة قلبته عن رأيه فمال إلى النوار فقال الفرزدق في ذلك:
أما بنوه فلم تقبل شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
فبلغ ذلك ابن الزبير فدعا بالنوار فقال: إن شئت فرقت بينكما أقتله فلا يهجونا أبدا, وإن شئت سيرته إلى بلاد العدو فيقتل فقالت: لا أريد واحدة منهما. فقال لها: إنه ابن عمك وهو فيك راغب فأزوجك إياه, فقالت -وقد فضلت عذابها على هلاكه-: نعم قد رضيت. فدعا بالفرزدق.
وقال له: جئني بصداق النوار وإلا فرقت بينكما فقال الفرزدق: أنا في بلاد غربة فكيف أصنع وأنك تحكم علي لتثب عليها وتصطفيها لنفسك, وكان ابن الزبير حديدا. فقال لها: هل أنت وقومك إلا جالية العرب. ثم أمر فأقيم الفرزدق من مجلسه وأقبل على من حضر فقال: إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة فاستلبوه فأجمعت العرب بما انتهكت منه ما لم ينتهكه أحد قط فأجلتها من أرض تهامة, ثم حتم على الفرزدق إن لم يحضر صداقها ليقتلنه شر قتله فبلغ ذلك الفرزدق فقال: إن ابن الزبير يعيرنا بالجلاء ثم قال:
فإن تغضب قريش ولتغضبي ... فإن الأرض توعبها تميم
هم عدد النجوم وكل حي ... سواهم لا تعد لهم نجوم
ولولا بيت مكة ما ثويتم ... بما صبح المنابت والأروم
بها كثر العديد وطاب منكم ... وغيركم أخيذ الريش هيم
فهلا عن تعلل من غدرتم ... بخونته وعذبه الحميم
فعبد الله مهلا عن أذاتي ... فإني لا الضعيف ولا السؤم
ولكني صفاة لم تدنس ... تزل الطير عنها والعصوم
أنا ابن العاقر الخور الصفايا ... يضنوا حين فتحت العلوم
فبلغ هذا الشعر ابن الزبير فأسره في نفسه وخرج يوما للصلاة فرأى الفرزدق في طريقه فعمد إلى عنقه
стр. 512
فكاد يدقها.
وقال له: لا بد أن تنفذ حكمي فتركه لا يعي ما يفعل, فقيل له: عليك بسلم بن زياد فإنه محبوس في السجن يطالبه ابن الزبير بمال فذهب إليه وقص عليه قصته.
فقال له: كم صداقها؟ قال: أربعة آلاف دينار فأمر له بها وبألفين للنفقة فقال الفرزدق في ذلك:
دعي مغلق الأبواب دون فعالهم ... ولكن تمشي بي هبلت إلى سلم
إلى من يرى المعروف سهلا سبيله ... ويفعل أفعال الرجال التي تمني
ولما ذهب إلى ابن الزبير ونقده المال سلمها له ومالها معها فقال الفرزدق: خرجنا ونحن متناغضان فعدنا ومحن متحابان وأنشد يقول لها:
هلمي لابن عمك لا تكوني ... كمختار على الفرس الحمارا
فجاء بها إلى البصرة فقال جرير:
ألا لا تلم عرس الفرزدق جامحا ... فلو رضيت رمح استه لاستقرت
فقال الفرزدق مجيبا له:
وأمك لو لاقيتها بي مرة ... وجاءت بها جرف إستها لاستقرت
وقيل: إنها لما كرهت الفرزدق حين زوجها نفسه لجأت إلى بني قيس بن عاصم فقال فيها:
بني عاصم لا تجنبوها فإنكم ... ملاجئ للسوءات دسم العمائم
بني عاصم لو كان حيا أبوكم ... للام بنيه اليوم قيس بن عاصم
فبلغهم ذلك الشعر وقالوا له: والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنك غيلة: وكانت النوادر دائما تتخاصم معه وتغضب منه وتنفر عنه ومكثت معه زمانا طويلا, وهي في نكد وعدم راحة.
وكانت عندما تغضب منه تقول: ويحك أنت تعلم إنك إنما تزوجتني ضغطة وخدعة علي ولم تزل في كل ذلك على مضض حتى حلفت اليمين الموثق, ثم حنثت بها وتجنبت فراشه فتزوج عليها امرأة يقال لها: جهيمة من بني النمر بن قاسط حلفاء لجرير بن عباد بن ضبيعة فجعل يأتي النوار وبه ردغ وعليه الأثر فقالت له النوار: هل تزوجها إلا هدادية؟ -تعني حيا من بني أزد بن عمان- فقال الفرزدق:
تريك نجوم الله والشمس حية ... كرام بنات الحارث بن عباد
أبوها الذي قاد النعامة بعدما ... أبت وائل في الحرب غير تمادي
نساء أبوهن الأغر ولم تكن ... من الأزد في جاراتها وهداد
ولم يك في الحي الغموض محلها ... ولا في العمانيين رهط زياد
عدلت بها مثل النوار فأصبحت ... وقد رضيت بالنصف بعد بعاد
ولم تزل النوار بالفرزدق ترفق به وتستعطفه حتى أجابها إلى طلاقها وأخذ عليها أن لا تفارقه ولا تبرح من منزله ولا تتزوج غيره بعده ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له.
وأخذت عليه أن يشهد الحسن
стр. 513
البصري على طلاقها فأجابها لذلك واستصحب معه رواية أبي شفقل وراوية أخرى وصحبت النوار رجالا كثيرة كانوا يلوذون بالسواري خوفا من الفرزدق أن يراهم, فساروا جميعا حتى أتوا الحسن البصري.
فقال له الفرزدق: يا أبا سعيد, اشهد أن النوار طالق ثلاثا. فقال الحسن: قد شهدنا فلما انصرفوا.
قال الفرزدق لأبي شفقل: قد ندمت. فقال له: والله إني لأظن أن دمك يترقرق, أتدري من أشهدت! -يعني بذلك الحسن البصري- والله لئن رجعت لترجمن بالأحجار ومضى وهو يقول:
ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار
ولو أني ملكت يدي وقلبي ... لكان علي للقدر الخيار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
وكنت كفاقئ عينيه عمدا ... فأصبح ما يضيء له النهار
وقيل: إن النوار أوصت الفرزدق قبل موتها أن يصلي عليها الحسن البصري فأخبره الفرزدق في ذلك.
فقال له: إن كانت وفاتها قبلنا فأخبرني بها فكان كذلك, وقد توفيت وأخرجت وجاء الحسن البصري وسبقهما الناس, فانتظروهما. فأقبلا والناس منتظرون, فقال الحسن: ما للناس؟ فقال الفرزدق: ينتظرون خير الناس وشر الناس. فقال الحسن: لست بخير الناس ولا شرها, ثم صلوا عليها ودفنوها.
وقال له الحسن: ما أعددت لهذا المضجع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة, ثم نظر إلى قبر النوار وأنشد:
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يقود الفرزدق
نيكتورسيس
هي ملكة فرعونية من ملوك مصر وهي من ملوك الدولة السادسة المصرية, كانت أكثر نساء عصرها لطفا وجمالا, وأشهر بنات مصرها فضلا وكمالا, وأغزر علماء زمانها عقلا ودهاء, وأوفر الناس حزما وذكاء قيل: إن المصريين أشربوا حبها وفتنوا بها, فأدخلوها بعد الممات في مصاف المعبودات.
ومما ذكر عن دهائها أن فريقا من رجال الدولة وثبوا على أخيها وقتلوه إذ كان ملكا قبلها وكان ذلك منهم بغيا وظلما ولما خلفته على العرش دعت الباغين لمأدبة أعدتها لهم في قصر عظيم جميل قائم على أخدود بجوار نهر النيل ولما مدت الأسمطة وابتدأوا بالطعام وآلات الطرب عازفة تبدد بألحانها كتائب الأشجان, وتغنيهم بأغاريد تغنيهم عن ارتشاف سلافة ألحان, أمرت إذ ذاك بماء نهر النيل فنساب عليهم حتى أغرقهم عن آخرهم وكانوا زهاء الخمسين فلقوا كنودهم الذميم, وأملت عليهم إن كيد عظيم:
وما من يد إلا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيبلى بأظلم
стр. 514
حرف الهاء
هاجر زوجة إبراهيم الخليل ﵇
كانت جارية مصرية ذات هيئة جميلة قد وهبها فرعون ملك مصر لسارة زوجة إبراهيم ﵇ حينما كانت عنده وقد وهبتها سارة لإبراهيم ﵇ وقالت له: إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله تعالى يرزقك منها ولدا فتزوجها إبراهيم وقد رزقه الله منها إسماعيل ﵇ وذهب بهما إلى مكة لسبب أن إسحاق بن سارة اقتتل مع إسماعيل ذات يوم كما تفعل الصبيان فغضبت سارة على هاجر وقالت: لا تساكنيني في بلد وأمرت إبراهيم بعزلهما عنها وقد أوحى الله إليه أن يأتي بهما مكة ففعل وأنزلهما موضع الحجر وأمرهما أن تتخذ عريشا ثم قال: (ربنا) (إبراهيم: ٣٧) (إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلوة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) (إبراهيم: ٣٧) ثم انصرف فاتبعته هاجر فقالت: إلى من تكلنا؟ فجعل لا يرد عليها شيئاً فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم, قالت: إذا لا يضيعنا. ثم انصرف راجعاً إلى الشام وكان مع هاجر قربة فيها ماء فنفد الماء فعطشت وعطش الصبي, فنظرت إلى الجبال التي أدنى من الأرض فصعدت إلى الصفا وتسمعت لعلها تسمع صوتا أو ترى أنيسا فلم تسمع شيئا ولم تر أحدا, ثم إنها سمعت أصوات سباع الوادي نحو إسماعيل فأقبلت إليه بسرعة لتؤنسه, ثم إنها سمعت صوتا نحو المروة فسعت وما تدري السعي كالإنسان المجهد فهي أول من سعى بين الصفا والمروة. ثم صعدت المروة فسمعت صوتا كالإنسان الذي يكذب سمعه منه حتى استيقنت وجعلت تدعو اسمع اييل -يعني يا الله- قد أسمعتني صوتا فأغثني فقد هلكت ومن معي فإذا هي بجبريل ﵇ فقال لها: من أنت؟ فقالت: سرية إبراهيم ﵇ تركني ههنا. قال: وإلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله تعالى. قال: فقد وكلكما إلى كاف ثم جاء بهما وقد نفد طعامهما وشرابهما حتى انتهى بهما إلى موضع "زمزم" فضرب بقدمه ففارت عين (فلذلك يقال: لزمزم ركضة جبريل ﵇ .
فلما نبع الماء أخذت هاجر قربة لها وجعلت تسقى فيها تدخره فقال لها جبريل ﵇: إنها روى. وجعلت أم إسماعيل تجعلها بئرا بحيث لا يخرج منها الماء إلى خارجها خوفا من نفادها. فقال لها جبريل: لا تخافي الظمأ على أهل هذه البلدة فإنها عين لشرب ضيفان الله تعالى. وقال لها: أما إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله تعالى بيتا هذا موضعه. قالوا: ومرت رفقة من "جرهم" تريد الشأم فرأوا الطير على الجبل فقالوا: إن هذا الطير لحائم على ماء فأشرفوا فإذا هم سكان مكة حتى شب إسماعيل وماتت هاجر قبل سيدتها سارة ودفنت في الحجز.
هجيمة أم الدرداء
كانت فقيهة عاقلة جليلة. وهي أم بلال بن أبي الدرداء. قيل: خطبها معاوية بعد أن توفي زوجها, فلم تجب وروى
стр. 515
عنها جماعة من التابعين الكبار, وكانت تقيم ببيت المقدس ستة أشهر.
وبدمشق ستة أشهر, وكانت تجلس للصلاة في صفوف الرجال, وكانت تحب مجالس العلماء. وكانت تقول: "أفضل العلم المعرفة". وتقول: "تعلموا الحكمة صغارا تعلموا بها كبارا".
وكانت لا تفتر عن الصلاة ملازمة للعبادة. وكانت معظمة عند بني أمية, وتوفيت بعد أبي الدرداء بدمشق ودفنت بباب الصغير.
هزيلة الجديسية
كانت بنو طسم بن لوز بن أزهر بن سام بن نوح وبنو جديس بن عامر بن أزهر بن سام بن نوح ساكنين في موضع اليمامة, وكان اسمها حينئذ "جوا", وكانت من أخصب البلاد وأكثرها خيرا وكان ملكهم أيام ملوك الطوائف عمليقا, وكان ظالما وقد تمادى في الظلم وإن هزيلة هذه طلقها زوجها وأراد أخذ ولدها منها فخاصمته إلى عمليق وقالت: أيها الملك, حملته تسعا ووضعته دفعا وأرضعته شفعا حتى إذا تمت أوصاله ودنا فصاله أراد أن يأخذه مني كرها.
ويتركني بعده ورها. فقال زوجها: أيها الملك, أعطيت مهرها كاملا ولم أصب منها طائلا إلا وليدا خاملا فافعل ما أنت فاعل. فأمر الملك بالغلام فصار في غلمانه وأن تباع المرأة فيعطى زوجها خمس ثمنها ويباع الرجل وتعطى المرأة عشر ثمن زوجها فقالت: هزيلة:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأنفذ حكما في هزيلة طالما
لعمري لقد حكمت لا متورعا ... ولا كنت فيمن يبرم الحكم عالما
ندمت ولم أندم وأني بعترتي ... وأصبح بعلي في الحكومة نادما
فلما سمع عمليق قولها أمر أن لا تزوج بكر من جديس وتهدى إلى زوجها حتى يفترعها, فلقوا من ذلك بلاء وجهدا وذلا ولم يزل يفعل ذلك حتى تزوجت الشموس وهي عفيرة بنت عفار وقيل: يعفر, وقيل عبار أخت الأسود, فلما أراد حملها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله ومعها الفتيان, فلما دخلت عليه افترعها وخلى سبيلها فخرجت إلى قومها تعتثر في دمائها وقد شقت درعها من قبل ومن دبر والدم يبين وهي في أقبح منظر تقول:
لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بذا يا قوم بعل حر ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
وقالت أيضا لتحريض قومها:
أيجمل ما يؤتى إلى فتيانكم ... وأنتم رجال فيكم عدد, النمل
وتصبح تمشي في الدماء عفيرة ... جهارا وزفت بالنساء إلى بعل
ولو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر لذا الفعل
فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم ... وذبو النار الحرب بالحطب الجزل
стр. 516
وإلا فخلوا بطنها وتحملوا ... إلى بلد قفر وموتوا من الهزل
فللبين خير من مقام على الأذى ... وللموت خير من مقام على الذل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تغيب عن الكحل
ودونكم طيب النساء فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللغسل
فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلما سمع أخوها الأسود قولها: وكان سيدا مطاعا. قال لقومه: يا معشر جديس, إن هؤلاء القوم ليسوا بأعز منكم في داركم لا يملك صاحبهم علينا وعليهم ولولا عجزنا لما كان له فضل علينا ولو امتنعنا لانتصفنا منه فأطيعوني فيما آمركم فإنه عز الدهر وقد حمى جديس لما سمعوا من قولها فقالوا: نطيعك ولكن القوم أكثر منا! قال: فإني أصنع للملك طعاما وأدعوه وأهله إليه فإذا جاءوا يرفلون في الحلل أخذنا سيوفنا وقتلناهم. فقالوا: افعل فصنع وجعله التلد ودفن وهو وقومه سيوفهم في الرمل, ودعا الملك وقومه فجاءوا يرفلون في حللهم, فلما أخذوا مجالسهم ومدوا أيديهم يأكلون أخذت جديس سيوفهم وقتلوهم وقتلوا ملكهم وقتلوا بعد ذلك السفلة منهم وقد نجى الله هذه القبيلة بسبب تلك الفتاة.
هند أم سلمة
بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومية وأمها عائلة بنت عامر بن ربيعة كانت امرأة لأبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد وهاجر بها إلى أرض الحبشة في الهجرتين, فولدت له هناك زينب ثم ولدت سلمة ودرة وعمر قيل: إنها لما هاجرت إلى المدينة.
قالت: حينما أجمع أبو سلمة الخروج رحل بعيرا له وحملني وحمل معي ابني سلمة, ثم خرج يقود بعيره, فلما رآه رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام تترك تسير بها في البلاد ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني وغضبت عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة وأهووا إلى سلمة, وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة وبذلك فرقوا بيني وبين زوجي وولدي, فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبها حتى مر بي رجل من بني عمي من بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة لزوجها؟ فرقتم بينها وبينه وبين ابنها! فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت.
ولما علم بنو عبد الأسد بذلك ردوا علي ابني فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري, ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله تعالى فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي إذ كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة أخا بني عبد الدار فقال: أين ابنة بني أمية؟ فقلت: أريد زوجي بالمدينة فقال: هل معك أحد؟ فقلت: لا والله, وابني هذا. فقال: والله ما لك من منزل.
فأخذ بخطام البعيرة فانطلق معي
стр. 517
يقودني فو الله ما صبحت رجلا من العرب كان أكرم منه إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله, ثم تأجر عني وقال: اركبي فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ننزل, فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة, فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية وكان أبو سلمة نازلا بها فدخلتها على بركة الله تعالى ثم انصرف راجعا إلى مكة.
وكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب بيت أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة وهي أول ظعينة هاجرت إلى المدينة وقيل: إنه لما انقضت عدتها بعث أبو بكر إليها يخطبها عليه فلم تزوجه, فبعث إليها النبي ﷺ عمر بن الخطاب يخطبها عليه فقالت: أخبر رسول الله ﷺ أني امرأة غيرى وأني امرأة مصبية وليس أحد من أوليائي شاهدا. فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له فقال: "ارجع إليها فقل لها: أما قولك إني امرأة مصبية فستكفين صبيانك وأما قولك ليس أحد من أوليائي شاهدا فليس أحد من أوليائك شاهدا أو عاثبا يكره ذلك. وقولك: إنك امرأة غيرى فسندعو الله يصرف عنك الغيرة". فلما بلغها ذلك قالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله ﷺ فزوجه.
وحكي عنها أنها قال: في بيتي نزلت: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (الأحزاب: ٣٣) وكانت من أجمل النساء وشهدت غزوة خيبر وتوفيت بعد قتل الحسين أي سنة ٦١ للهجرة وقيل: بل توفيت سنة ٥٩ (هـ) وسند الرأي الأول ما يروى من أن النبي ﷺ أعطى أم سلمة ترابا من تربة الحسين حمله إليه جبريل فقال لها: إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين, فحفظته في قارورة عندها, فلما قتل الحسين صار التراب دما, فأعلمت الناس بقتله.
وقد روت عن النبي ﷺ ثلثمائة حديث وثمانية وعشرين حديثا, وقد عاشت أربعا وثمانين سنة وصلى عليها أبو هريرة ودفنت بالبقيع من أرض الحجاز.
هند بنت النعمان بن بشير
كانت أحسن نساء زمانها خلقا وخلقا, وأدبا ولطفا, وفصاحة. ولها إلمام بالنثر والنظم فوصف للحجاج حسنها فخطبها وبذل لها مالا جزيلا, وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم, وأقام بها بالمعرة مدة طويلة, ثم إنه رحل بها إلى العراق فأقامت معه ما شاء الله ودخل عليها في بعض الأيام, فسمعها تقول وهي واقفة على المرآة:
وما هند إلا مهرة عربية ... سلالة أفراس تجللها بغل
فإن ولدت أنثى فلله درها ... وإن ولدت بغلا فجاء به البغل
فانصرف راجعا ولم تكن علمت به وأراد طلاقها فانفذ إليها عبد الله بن طاهر وأنفذ لها معه مائتي ألف درهم وهي التي كانت لها عليه وقال: يا ابن طاهر طلقها بلكلمتين ولا تزد عليهما فدخل عبد الله بن طاهر
стр. 518
فقال لها: يقول لك أبو محمد الحجاج كنت فبنت وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قبله.
فقالت: اعلم يا ابن طاهر أنا كنا فما حمدنا, وبنا فما ندمنا وهذه المائتا ألف درهم هي لك بشارة بخلاصي من كلب ثقيف, ثم بعد ذلك بلغ عبد الملك بن مروان خبرها ووصف له جمالها فأرسل إليها يخطبها لنفسه فكتبت إليه تقول: بعد الثناء عليه اعلم يا أمير المؤمنين إني لا أجري العقد إلا بشرط فإن قلت: ما الشرط أقول أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدك الذي أنت فيه ويكون ماشيا حافيا بحليته التي كان فيها أولا, فلما قرأ كتابها ضحك ضحكا شديدا.
وأرسل إلى الحجاج بذلك فأجاب ولم يخالف وامتثل الأمر وأرسل إلى هند يأمرها بالتجهيز وسار الحجاج في موكبه حتى وصل المعرة بلد هند فركبت هند في محمل وركب حولها جواريها وخدمها فترجل الحجاج ومشى حافيا, وأخذ بزمام البعير يقوده ويسير بها فأخذت هند تهزأ عليه وتضحك مع الهيفاء دايتها, ثم إنها قالت لدايتها اكشفي لي ستارة المحمل لنشم رائحة النسيم فكشفتها فوقع وجهها في وجهه فضحكت عليه, وأنشدت:
وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... بما فقدناه من مال ومن نشب
فالمال مكتسب والعز مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب
فلما سمع ذلك منها الحجاج قال مجيبا لها:
فإن تضحكي يا هند يا رب ليلة ... تركتك فيها تسهرين نواحا
ولم تزل تلعب وتضحك على أن قربت من بلد الخليفة فرمت من يدها دينارا على الأرض.
وقال: يا جمال, سقط منا درهم فرده إلينا فنظر الحجاج إلى الأرض فلم ير إلا دينارا.
فقال: إنما هو دينار. فقالت: بل درهم. فقال: بل دينار. فقالت: الحمد لله إذ سقط منا درهم فعوضنا الله دينارا فخجل وسكت ولم يرد جوابا, ودخلت على عبد الملك بن مروان فأعجب بها وبجمالها وسفه رأي الحجاج بتخليه عنها ونالت عنده حظوة زائدة.
هند جارية محمد بن عبد الله بن مسلم الشاطبي
كانت أديبة شاعرة كتب إليها أبو عامر بن سعيد يدعوها للحضور عنده بعودها وكانت تحسن ضرب العود بهذين البيتين:
يا هند هل لك في زيارة فتية ... نبذوا المحارم غير شرب السلسل
سمعوا البلابل قد شدت فتذكروا ... نغمات عودك في الثقيل الأول
فكتبت إليه في ظهر رقعته تقول:
يا سيدا حاز العلا عن سادة ... شم الأنوف من الطراز الأول
حسبي من الإسراع نحوك أنني ... كنت الجواب مع الرسول المقبل
سارت إليه كما ودعته وأتموا ليلة قلما يسمح بمثلها الدهر حتى عاجلهم نور الفجر فتفرقوا وكل منهما يسخط
стр. 519
على يوم الفراق ويتمنى أن يكون بعدها التلاق.
هند بنت النعمان
ابن المنذر بن امرئ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن عرو بن الحارث بن مسعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم.
كانت هند من أجمل نساء أهلها وزمانها وأمها مارية الكندية وكان يهواها عدي بن زيد بن حماد بن زيد بن أيوب الشاعر العبادي ولها يقول:
علق الأحشاء من هند علق ... مستسر فيه نصب وأرق
وهي قصيدة طويلة وفيها أيضا يقول:
من لقلب مدنف أو معتمد ... قد عصى كل نصوح ومعد
وهي طويلة أيضا وفيها يقول:
يا خليلي يسرا التعسيرا ... ثم روحا فهجرا تهجيرا
واعرجا بي على ديار لهند ... ليس إن عجتما المطي كثيرا
وقد تزوجها وكان سبب عشقه لها أنها خرجت في خميس الفصح تتقرب في البيعة, ولها حينئذ إحدى عشرة سنة, وذلك في ملك المنذر وقد قدم عدي حينئذ بهديته من كسرى إلى المنذر والنعمان يومئذ فتى شاب, فاتفق دخولها البيعة, وقد دخلها عدي ليتقرب.
وكانت مديدة القامة, عبلة الجسم, معتدلة القوام فرآها عدي وهي غافلة فلم تنتبه له حتى تأملها وقد كان جواريها رأين عديا وهو مقبل فلم يقلن لها وذلك كي يراها عدي وإنما فعلن هذا من أجل أمة لهند يقال لها مارية قد كانت أحبت عديا فلم تدر كيف تأتي له.
فلما رأت هند عديا ينظر إليها شق عليها ذلك وسبت جواريها ونالت بعضهن بضرب فوقعت هند في نفس عدي فلبث حولا لا يخبر بذلك أحدا.
فلما كان بعد حول وظنت مارية أن هندا قد أضربت عما جرى وصفت لها بيعة رومية ووصفت لها من فيها من الرواهب ومن يأتيها من جواري الحيرة وحسن بنائها وسرجها وقالت لها: سلي أمك الإذن لك في إتيانها فسألتها ذلك فأذنت لها وبادرت مارية إلى عدي فأخبرته الخبر فبادر فلبس قباء كان أهداه له فرخان "شاه مرد", وكان مذهبا لم ير مثله حسنا.
وكان عدي حسن الوجه مديد القامة حلو العينين حسن المبسم نقي الثغر وأخذ معه جماعة من فتيان الحيرة فدخل البيعة, فلما رأته مارية قالت لهند: انظري إلى هذا الفتى فهو والله أحسن من كل ما ترين من البرج وغيرها قالت: ومن هو؟ قالت: عدي بن زيد. قالت: أتخافين أن يعرفني إن دنوت منه لأراه من قريب؟ قالت: ومن أين يعرفك وما رآك قط فلا تخافي من حيث يعرفك؟ فدنت هند منه وهو يمازح الفتيان الذين معه وقد برع عليهم بجماله وحسن كلامه وفصاحته وما عليه من الثياب فذهلت لما رأته, وصارت تنظر إليه, وعرفت مارية ما بها وتبينته في وجهها
стр. 520
فقالت لها: كلميه, فكلمته وانصرفت وقد تبعته نفسها وهويته, وانصرف هو بمثل حالها, فلما كان الغد تعرضت له مارية.
فلما رآها هش لها وكان قبل ذلك لا يكلمها وقال لها: ما غدا بك؟ قالت: حاجة إليك. قال: اذكريها فو الله لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك إياه فعرفته أنها تهواه وأن حاجتها الخلوة به على أن تحتال له في هند وعاهدته على ذلك فأجاب طلبها, ثم أتت هندا فقالت: أما تشتهين أن تري عديا؟ قالت: وكيف لي به؟ قالت: أعده مكان كذا وكذا في ظهر القصر وتشرفين عليه. قالت: أفعل, فواعدته إلى ذلك المكان. فأتاه وأشرفت هند عليه فكادت أن تموت وقالت: إن لم تدخليه إلي هلكت. فبادرت مارية إلى النعمان فأخبرته خبرها وصدقته الخبر وذكرت أنها قد شغفت به وسبب ذلك رؤيتها إياه في يوم الفصح, وأنه لم يزوجها به افتضحت في أمره وماتت فقال لها: ويلك, وكيف أبدؤه بذلك؟ فقالت: هو أرغب من أن تبدأه أنت, وأنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره, وأتت عديا فأخبرته الخبر وقالت: ادعه فإذا أخذ الشراب منه فاخطب إليه هندا فإنه غير رادك.
قال: أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سبب العداوة بيننا. قالت: ما قلت لك هذا حتى فرغت منه معه. فصنع عدي طعاما واحتفل فيه, ثم أتى النعمان بعد الفصح بثلاثة أيام وذلك في يوم الاثنين فسأله أن يتغدى عنده هو وأصحابه ففعل, فلما أخذ منه الشراب خطبها إلى النعمان فأجابه وزوجه وضمها إليه بعد ثلاثة أيام فكانت معه حتى قتله النعمان فترهبت وحبست نفسها في الدير المعروف بدير هند في ظاهر الحيرة حتى ماتت.
وكانت وفاتها بعد الإسلام بزمان طويل في ولاية المغيرة بن شعبة على الكوفة وخطبها المغيرة، وقد مر بدير هند فنزل ودخل عليها بعد أن استأذن عليها، فأذنت له وبسطت له مسحا، فجلس عليه ثم قالت له: ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطباً قالت: والصليب لو علمت أن في خصلة من جمال أو شباب رغبتك في لأجبتك، ولكنك أردت أن تقول في المواسم ملكت مملكة النعمان بن المنذر ونكحت ابنته فبحق معبودك أما هذا أردت. قال إي والله. قالت: فلا سبيل إليه. قال لها: إذا سألتك عن أمور هل أنت مجيبة لي عنها؟. قالت: نعم، قل. فقال: أخبريني ما كان أبوك يقول في هذا الحي من ثقيف.
قالت: ينسبهم من أياد وقد افتخر عنده رجلان من ثقيف أحدهما من بني سالم والآخر من بني يسار، فسألهما عن أنسابهما، فانتسب أحدهما إلى هوزان والآخر إلى أياد. فقال أبي: ما لحي معه على أياد فضل. فخرجا وأبي يقول:
إن ثقيفا لم تكن هوازنا ... ولم تناسب عامر أو مازنا
إلا حديثا أثبت المحاسنا فقال المغيرة: أما نحن، فمن هوازن وأبوك أعلم، ثم قال: أخبريني أي العرب كان أحب إلى أبيك، قالت: أطوعهم له قال: ومن أولئك؟ قالت: بكر بن وائل. قال: فأين بنو تميم؟ قالت: مستفتهم في طاعة. قال فقيس. قالت: ما اقتربوا إليه بما يحب إلا استعقبوه بما يكره. قال: فكيف أطاع فارس؟ قالت: كانت طاعتهم إياه فيما يهوى فاكتفى المغيرة بذلك، ثم قام وانصرف، وقال فيها:
стр. 521
أدركت ما منيت نفسي خاليا ... لله درك يا ابنة النعمان
فلقد رددت على المغيرة ذهنه ... إن الملوك نقية الأذهان
يا هند حسبك قد صدقت فأمسكي ... فالصدق خير مقالة الإنسان
هند بنت أثاثة
كان أبوها من أمراء العرب المشهورين بالشجاعة والفروسية والكرم وكانت هي من ذوات الشهامة والمروءة والحكم، أديبة فاضلة، كاملة عاقلة، لها معرفة بالشعر والعروض ومما قالته رثاء في أبيها حين قتل هذه الأبيات:
لقد ضمت العفراء مجداً وسوددا ... وحلماً أصيلاً وافرا للب والعقل
عبيدة فابكيه لأضياف غربة ... وأرملة تهوي لأشعث كالجذل
وبكيه للأقوام في كل شتوة ... إذا احمر آفاق السماء من المحل
وبكيه للأيتام والريح زفزف ... وتشيب قدر طالما أزبدت تغلي
فإن تصبح النيران قد مات ضوءها ... فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل
لطارق الليل أو لملتمس القرى ... مستنبح أضحى على رسل
هند بنت زيد بنت مخرمة الأنصارية
كانت أحسن نساء زمانها جمالا, وأوفرهن عقلا وكمالا, وأفصحهن منطقا ومقالا, لها مقالات بليغة وأشعار بديعة، وكانت مع ما هي عليه من التنعم ثبتة الجنان قوية البنية جريئة على الحروب حضرت جملة وقائع مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأنها كانت من شيعته، وكانت لها غيرة شديدة على علي وأصحابه، وكان كل من قتل ترثيه بمراث جيدة وتحرض القوم على اتباع خطة علي وطالما أراد معاوية أن يوقع بها ولم يتيسر له ذلك.
ولما قتل معاوية حجر بن عدي بن حاتم الطائي أقامت له مآتم ورثته بقصائد طويلة وأشعار غزيرة منها قولها:
ترفع أيها القمر المنير ... تبصر هل ترى حجرا يسير
يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير
تجبرت الجبائر بعد حجر ... وطاب لها الخورنق والسدير
وأصبحت البلاد لها محولا ... كأن لم يحييها مزن مطير
ألا يا حجر حجر بني عدي ... تلقتك السلامة والسرور
أخاف عليك وما أردى عدياً ... وشيخاً في دمشق له زئير
стр. 522
يرى قتل الخيار عليه حقاً ... له من شر أمته وزير
ألا يا ليت حجراً مات موتاً ... ولم ينحر كما نحر البعير
فإن يهلك فكل زعيم قوم ... من الدنيا إلى هلك يصير
ومنها قولها:
دموع عيني ديمة تقطر ... تبكي على حجر ولا تفتر
لو كانت القوس على أسرة ... ما حمل السيف له الأعور
ومنها قولها:
لقد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زيناً للكواكب والشهب
يلوذ به الجاني مخافة ما جنى ... كما لاذت العصماء بالشاهق الصعب
تظل بنات العم والخال حوله ... صوادي لا يرون بالبارد العزب
وماتت في خلافة معاوية بعدما وفدت عليه وأكرمها إكراماً زائداً.
هند بن عتبة بن ربيعة بن عبد
شمس بن عبد مناف القرشية
كانت تحت الفاكهة بن المغيرة المخزومي وتزوجت بعده بأبي سفيان ابن حرب وهي أم معاوية.
أسلمت في الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان وأقرها النبي ﷺ على نكاحها وكان بينهما في الإسلام ليلة واحدة وكانت امرأة نفس وأنفة ورأي وعقل.
وشهدت أحداً كافرة، وكانت تحرض النسا على القتال وترتجز:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
مشي القطا البارق
والمسك في المفارق ... والدر في المخانق
إن تقبلوا نعانق
ونفرش النمارق ... وتدبروا نفارق
فراق غير وامق
وتقول أيضاً:
ويها بني عبد الدار ... ويها حماة الأدبار
ضرباً بكل بتار
وكان أبو الدجانة الأنصاري أخذ سيفاً من رسول الله ﷺ وهجم على المشركين وألي بلاء حسناً حتى وصل على هند وهي ترتجز وخلفها النساء يضربن الدفوف خلف فالرجال، فأراد أن يعلوها بالسيف ثم امتنع خشية العار.
ثم أنه لما قتل حمزة مثلت به وشقت به واستخرجت كبده فلاكتها، فلم تطق إساغتها، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فدعى عليها وأصابه حزن شديد على ذلك.
ولما بويع رسول الله ﷺ كان من ضمن كلامه للنساء -وهند معهن-: "تبايعنني على أن لا تشركن بالله شيئاً".
قالت هند: إنك والله لتأخذ علينا م لا تأخذه على الرجال فسنأتيكه. وقال: "ولا تسرقن".
قالت: والله إني كنت لأصيب من مال
стр. 523
أبي سفيان الهنة والهنة فقال أبو سفيان -وكان حاضراً: أما ما مضى فأنت منه في حل. فقال رسول الله ﷺ : "أهند؟ " قالت: أنا هند، فاعف عما سلف عفا الله عنك. قال: "ولا تزنين". قالت: وهل تزني الحرة؟ قال: "ولا تقتلن أولادكن" قالت: ربيناهم صغاراً وقتلتهم يوم بدر كبار فأت وهم أعلم. فضحك عمر بن الخطاب فقال النبي ﷺ : "ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن" قال: والله إن إتيان البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. قال: "ولا تعصينني في معروف". قالت: ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك. فقال النبي لعمر: "بايعهن واستغفر لهن" فبايعهن ثم قالت هند للنبي ﷺ : إن أبا سفيان لا يعطيها من الطعام ما يكفيها وولدها. فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك". وبعد ذلك شهدت اليرموك مع زوجها وتوفيت في خلافة عمر سنة ثلاث عشرة للهجرة.
وكانت شاعرة أديبة فصيحة. ولها أشعار كثيرة منها ما قالته في أبيها عتبة حين قتل يوم بدر:
أعينني جود بدمع سرب ... على خير خندف إذ ينقلب
تداعى له رهطة غدوة ... بنو هاشم وبنو المطلب
يذوقونه حد أسيافهم ... يفلونه بعد ما قد عطب
يجرون منه عفير التراب ... على وجهه عارياً قد صلب
وكان لنا جبلاً راسياً ... جميل المراح كثير العشب
وأما بري فلم أعنه ... فأوتى من خير ما يحتسب
وقالت أيضاً:
يريب علينا دهنا فيسوءنا ... ويأبى فما نأت بشيء نغالبه
أبعد قتيل من لؤي بن غالب ... يراع امرؤ إن مات أو مات صاحبه
ألا رب يوم قد رزئت مرزأ ... تروح وتغدو بالجزيل مواهبه
فأبلغ أبا سفيان عني مألكاً ... فإن ألقه يوماً فسوف أعاتبه
فقد كان حرب يسعر الحرب إنه ... لكل امرئ في الناس مولى يطالبه
وقالت أيضاً:
لله عينا من رأى ... هلكا كهلك رجاليه
يا رب باك لي غدا ... في النائبات وباكيه
كم غادروا يوم القلي ... ب غداة تلك الداعيه
من كل غيث في السني ... ن إذا الكواكب خاويه
قد كنت أحذر ما أرى ... فاليوم حق خداريه
قد كنت أحذر ما أرى ... فأنا الغداة مراميه
стр. 524
يا رب قائلة غداً ... يا ويح أم معاويه
وقالت أيضاً:
يا عين بكي عتبة ... شيخاً شديد الرقبه
يطعم يوم المسغبة ... يدفع يوم الغلبه
إني عليه حربه ... ملهوفة مستلبه
ليهبطن يثربه ... بغارة منشعبه
فيه الخيول مقربة ... كل سواء سلهبه
هند بنت خالد بن نافلة
كانت أشعر نساء زمنها وأحسنهن أدباً، وأكملهن رأياً، وأجملهن وجهاً. قيل: إنها لما قتل ابن أخيها خالد بن حبيب بن خالد ندبته واتبعتها نساء العرب حتى لم ير امرأة من قبيلتها إلا وكانت باكية ورثته بقصائد وأبيات منها قالته يوم مأتمه:
أمسى بواكيك مللن البكى ... وشر عهد الناس عهد النسا
فابن حبيب فأبكيا خالداً ... لجفنة ملأى وزق روى
وبان حبيب فابكيا خالداً ... لطعنة يقصر عنها الأسى
إن تبكيا لا تبكيا هيناً ... وما بما مسكما من خفا
إذ تخرج الكعاب من خدرها ... يومك لا تذكر فيه الحيا
وقالت ترثي أباها خالداً:
أأميم هيهات الصبا ذهب الصبا ... وأطار عني الحلم جهل غراب
أين الأولى بالأمس كانوا جيرة ... لأخذت صرف الموت عن أحبابي
ما حيلتي إلا البكاء عليهم ... إن البكاء سلاح كل مصاب
هند بنت كعب بن عمرو بن ليث الهندي
زوجة عبد الله بن عجلان يتصل نسبها مع نسبه كانت ذات حسن وجمال، وقد واعتدال، وبهاء وكمال.
وسبب زواجها إلى عبد الله بن عجلان أنه خرج يوماً إلى شعب من نجد ينشد ضالة فشارف ماء يقال له: نهر غسان وكانت بنات العرب تقصده فتخلع ثيابها وتغتسل فيه، فلما علا ربوة تشرف على النهر المذكور رآهن على تلك الحالة فمكث ينظر إليهن مستخفياً، فصعدن حتى بقيت هند.
وكانت طويلة الشعر، فأخذت
стр. 525
تمشطه وتسبله على بدنها وهو يتأمل شفوف بياض جسمها في خلال سواد الشعر.
ونهض ليركب راحلته فلم يقدر وقعد ساعة. وكان يقال عنه قبل ذلك أن العرب كانت تصف له ثلاثة رواحل قائمة فيحلقها ويركب الرابعة، فعند ذلك داخله من الحب ما أعجزه وعطل حركاته فأنشد فوراً:
لقد كنت ذا باس شديد وهمة ... إذا شئت لمساً للثريا لمستها
أتتني سهام من لحاظ فارشقت ... بقلبي ولو أسطيع رداً رددتها
ثم عاد وقد تمكن الهوى منه فأخبر صديقاً له فقال: اكتم ما بك، واخطبها إلى أبيها فإنه يزوجكما وإن أشهرت عشقها حرمتها.
ففعل وخطبها فأجيب وتزوج بها وأقاما على أحسن حال، وأنعم بال لا يزداد فيها إلا غراماً فمضى عليهما ثمان سنين ولم تحمل.
وكان أبوه ذا ثروة وليس له غيره، فأقسم عليه أن يتزوج غيرها ليولد له ولد لحفظ النسب والمال.
فعرض عليها ذلك، فأبت أن تكون مع أخرى فعاود أباه فأمره بطلاقها، فأبى فألح عليه وهو لم يجب إلى أن بلغه يوماً أن عبد الله قد تمكن السكر منه، فعدها فرصة وأرسل إليه يدعوه وقد جلس مع أكابر الحي فمنعته هند، وقالت: والله لا يدعوك لخير وما أظنه إلا عرف أنك سكران فيريد أن يعرض عليك الطلاق ولئن فعلت لتموتن وأظن أنك فاعل. فأبى عبد الله إلا الخروج، فجاذبته ويدها مخلقة بالزعفران فأثرت في ثوبه، فلما جلس مع أبيه وقد عرف أكابر العرب حاله فأقبلوا يعنفونه ويتناوشونه من كل مكان حتى استحى فطلقها، فلما سمعت بذلك احتجبت عنه فوجد وجداً كاد أن يقضي معه وأنشد:
طلقت هنداً طائعاً ... فندمت بعد فارقها
فالعين تذرف دمعها ... كالدر من آماقها
متحلباً فوق الردا ... فتجول في رقراقها
خود رداح طفلة ... ما الفحش من أخلاقها
ولق ألذ حديثها ... فأسر عند عناقها
إن كنت ساقية ببز ... ل الأدم أوبحقاقها
فاسقي بني نهد إذا ... شربوا خيار زقاقها
فالخيل تعلم كيف تل ... حقها غداة لحاقها
بأسنة زرق صبح ... نا القوم حد رقاقها
حتى ترى قصد القنا ... والبيض في أعناقها
فلما رجعت هند إلى أبيها خطبها رجل من بني نمير فزوجها أبوها منه، فبنى بها عندهم وأخرجها إلى بلده فلم يزل عبد الله بن عجلان دنفاً سقيماً يقول فيها الشعر ويبكيها حتى مات أسفاً عليها، وعرضوا عليه بناته الحي جميعا، فلمي قبل واحدة منهن.
وقيل: إن بني عامر الذي تزوجت هند منهم كان بينهم وبين نهد مغاورات
стр. 526
فجمعت بنو عامر لبني نهد جميعاً فقالت هند لغلام يتيم فقير من بني عامر: لك خمس عشرة ناقة فتنذرهم قبل أن يأتيهم بنو عامر.
فقال: أفعل: فحملته على ناقة لزوجها ناجية وزودته تمراً ووطباً من لبن، فركب وجد في السير ففنى اللبن، فأتاهم والحي خلوف من غزو دميرة، لنزل بهم وقد يبس لسانه، فلما كلموه ولم يقدر أن يجيبهم وأومأ على لسانه، فأمر خراش بن عبد الله بلبن وسمن فاستحسى وساقه إياه، فابتل لسانه وتكلم وقال لهم: أتيتكم وأنا رسول هند إليكم تنذركم.
فاجتمع بنو نهد واستعدت ووافتهم بنو عامر لحوقهم على الخيل فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزمت بنو عامر فقال عبد الله بن عجلان في ذلك:
أعاود عيني نصبها وغرورها ... أهم عناها أم قذاها يعورها
أم الدار أمست قد تعفت كأنها ... زبور يمان رقشته سطورها
ذكرت بها هنداً وأترابها الأولى ... بها يكذب الواشي ويعصي أميرها
فما معول تبكي لفقد أليفها ... إذا ذكرته لا يكف زفيرها
بأغزر مني عبرة إذ رأيتها ... يحث بها قبل الصباح بعيرها
ألم يأت هنداً كيفما صنع قومها ... بنو عامر إذ جاء يسعى نذيرها
فقالوا لنا إنا نحب لقاءكم ... بصم القنا اللائي الدمار ثميرها
فلا غرو أن الخيل تخبط في القنا ... تمطر من تحت العوالي ذكورها
وأربابها صرعي ببرقة أخرم ... يجررهم ضبعانها ونسورها
فأبلغ أبا الحجاج عني رسالة ... مغلغلة لا يفلتنك بسورها
فأنت منعت السلم يوم لقيتنا ... بكفيك تسدي غبة وتثيرها
فذوقوا على ما كان من فرط إحنة ... حلائبنا إذ غاب عنا نصيرها
فلما اشتد ما بعبد الله بن العجلان من السقم خرج سراً من أبيه مخاطراً بنفسه حتى أتى أرض بني عامر لا يرهب ما بينهم من الشر والثارات حتى نزل ببني نمير وقصد خباء هند، فلما قارب دارها وهي جالسة على حوض وزوجها يسقي إبلاً له وتعارفا شد كل منهما على صاحبه ودنا منه حتى اعتنقا وسقطا إلى الأرض فجاء زوجها فوجدهما ميتين.
وقيل: إنه أراد المضي إلى بلادهم فمنعه أبوه وخوفه الثارات وقال: نجتمع معهم في الشهر الحرام بعكاظ أو بمكة، ولم يزل يدافعه بذلك حتى جاء الوقت فحج وحج أبوه معه فنظر إلى زوج هند وهو يطوف بالبيت واثر كفها في ثوبه بخلوق فرجع إلى أبيه في منزله وأخبره بما رأى، ثم سقط على وجهه فمات وقيل: إنه خرج في الجاهلية فقال:
ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
وأصبحت كالمغمود جفن سلاحه ... يقلب بالكفين قوساً وأسهما
ثم مد بها صوته فمات والقول الأول على هذا أصح، وله أشعار كثيرة فيها منها قوله:
ألا بلغا هنداً سلامي فإن نأت ... فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعة ... بأنعم في أهل الديار تطوف
أتت بين أتراب تمايس إذ مشت ... دبيب القطا أو هن منهن أقطف
يباكرن مرات جلياً وتارة ... زكياً وبالأيدي مذاب ومسوف
أشارت إلينا من خظاة ذراعها ... سراة الضحى مني على الحي موقف
وقالت تباعد يا ابن عمي فإنني ... منيت بذي صول يغار ويعنف
وقال أيضاً:
خليلي زورا قبل شط النوى هنداً ... ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجة ... أغياً يلاقي في التعجل أم رشدا
ومرا عليها بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لوجهكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
هيلانة لويزا أليصابات
قرينة فردينند وابنة البرنس فريدريك لويس دومكلبرغ شورين ولدت في لددغسلت ٢٤ كانون الثاني (يناير) سنة ١٨١٤م، وتوفيت في ريتشمند من إنكلترا في ١٨ أيا مايو سنة ١٨٥٨م. كانت ذات أخلاق خسنة وذوق سليم مهذبة لطيفة بروستانتية اعتنت بعد وفاة زوجها بتهذيب وليدها "لويس فليب ألبرت" كونت باريس "ووروير فيليب لويس أوجين" و"زينند" دوق "شرتر"، ولما تنحى "لويس فيليب" عن تخت الملك في ٢٤ شباط سنة ١٨٤٨م وجعل مكانه حفيده كونت باريس قرر نظاماً لوكالة الملك حرمت بموجبه حقها في الوكالة.
ولما عرض النظام المذكور على مجلس الأمة سارت بولديها إلى مجلس النواب محفوفة بمخاطر جسيمة، وكان مجلس النواب قد عزم على تعيينها وكيلة إلا أن الناس اجتمعوا إليه ونادوا بالجمهورية، فقرت بولديها وصهرها دوق "وتيموز" إلى أوتيل "ريزانقاليد"، ثم هربت بهم من هناك إلى بلجيكا وأقامت في "ايسناخ" عند خالها "غراندوق ويمار"، ولما خاب أملها بنجاح "نابليون الثالث" من تولية ابنها تخت فرنسا أخذ اليأس منها كل مأخذ واعتلت صحتها وذهبت إلى انكلترا لزيارة عائلة زوجها، وتوفيت هناك.
هيلانة أم قسطنطين المظفر
وزوجة قسطس صاحب شرطة "دقليطانوس" وهو آخر من عبد الصنم من ملوك الروم، وقسطنطين هو الذي انتقل من رومية إلى بيزنطية فعمر سورها وسماها قسطنطينية وجمع الأساقفة، ووضع شرائع النصرانية وسارت أم هيلانة، وأخرجت من بيت المقدس خشبة الصليب وبنت عدة كنائس منها قمامة وكنيسة حمص وكنيسة الرها.
والحاصل أن هذه الملكة كانت أنموذج دهرها، وفاكهة عصرها. مهدت الملك لولدها، ثم ملكت أولاده الثلاثة بعده. وكانت هيلانة من أهل قرى مدينة الرها قد تنصرت على أيدي أسقف الرها، وتعلمت الكتب، فلما مر بقريتها قسطس رآها فأعجبته فتزوج بها وحملها إلى بيزطية مدينته فولدت فه قسطنطين وكان جميلاً، فأنذر "دقليطانوس" منجموه بأن هذا الغلام -قسطنطين- سيملك الروم وييدل دينهم فأراد قتله ففر منه إلى مدينة الرها، وتعلم بها الحكم اليونانية حتى مات "دقطيانوس" فعاد إلى بزنطية فسلمها إليه أبوه قسطس ومات، فقام بأمرها بعد أبيه.
هيئة بنت اوس بن حارثة بن لام الطائي
حليلة الحارث بن عون بن أبي حارثة. كان سيداً من سادات العرب خطبها من أبيها، فأجابه بعد امتناع وكان عنده ثلاث بنات فدخل على زوجته فقال لها: ادعي لي فلانة أكبر بناته. فأتت فقال لها: أي بنية هذا الحارث بن عون سيد من سادات العرب جاءني خاطباً، وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لا، في خلقي رداءة، وفي لساني حدة ولست بابنة عمه فيراعي رحمي، ولا هو بجار لك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي بذلك سبة.
قال لها: قومي بارك الله فيك. ثم دعا ابنته الأخرى فقال لها مثل قوله لأختها فأجابته مثل جوابها. فقال لها: قومي بارك الله فيك.
ثم دعا بالثالثة وكانت أصغرهن سناً فقال مثل ما قال لأختيها. فقالت: أنت وذلك. فقال لها: إني عرضت ذلك على أختيك فأبياه ولم يذكر لها مقالتهما فقالت له: والله أنا الجميلة وجهاً، الرقيقة خلقاً، الحسنة رأياً فإن طلقني فلا أخلف الله عليه. فقال لها: بارك الله فيك، ثم خرج إليه فقال: زوجتك يا حارث بابنتي هنيئة. قال: قبلت نكاحها. وأمر أمها أن تهيئها له، وتصلح شأنها.
ثم أمر ببيت فضربه له وأنزله إياه ثم بعثها إليه، فلما دخلت عليه ودنا منها، قالت: أعند أبي وإخوتي هذا والله لا يكون، ثم أمر بالرحيل فرحل بها، فلما كان بالطريق قرب منها فقالت: أتفعل بي كما يفعل بالأمة السبية الأخيذة لا والله حتى تنحر الجزر وتفخر وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل مثلك لمثلي قال: صدقت والله إني لأرى همة وعقلاً.
فلما ورد إلى بلاده أحضر الإبل والغنم ونحر وأولم ثم دخل عليها يريدها فقال لها: قد أحضرت من المال ما تريدين. قالت: والله لقد ذكرت من الشرف بما ليس فيك. قال: ولم ذاك؟ قالت: أتستفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضاً، وكان ذلك في أيام حرب قيس وذبيان قال: فماذا تقولين؟ قالت: اخرج إلى القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك ما تريد. فقال: والله إني لأرى عقلاً ورأياً سديداً.
قال ابن سنان: فخرج إلينا لاحارث، فقال: اخرج بنا عبد أن أخبرنا بواقعة الحال فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فأصطلحوا على أن يحسبوا القتلى.
ثم تؤخذ الديت، فحملنا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير فانصرفنا بأجمل ذكر، ثم دخل عليها.
فقالت له: أما الآن فنعم، فأقامت معه في ألذ عيش وأطيبه، وولدت له بنين وبنات. هكذا فلتكن النساء، فقد أصلحت بين قبيلتين عجز عن إصلاحهما فحول الرجال.
هيلانة بنت ملك إسبارتا
هي على ما ذكر "أوميروس" الشاعر اليوناني بنت بعض ملوك "إسبارتا" كانت أشهر نساء عصرها حسناً وأكثرهن رقة وظرفاً فزوجها أبوها "بميلاس" ملك "لاكونيا" و"مسينيا" فأتي إسبارتا عقب ذلك "باريس بن بريام" ملك "تروادة".
وكان ذلك في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فأكرن "منيلاس" وفادته، وأنزله في بلاطه فما كان من باريس إلا أن استهوى هيلانة وفر هارباً بها عبد أن سلب قسماً من مال بعلها فكان ذلك سبب حرب "تروادة" الشهيرة التي دامت فيما قيل عشر سنين وانتهت بخراب تروادة وقتل باريس.
هيفاء بنت صبيح القضاعية
كانت فصيحة اللسان ثبتة الجنان لها معرفة بالشعر وعروضه وتزوجت نوفل بن سمير بن عمر التغلبي، ومكثت عنده حتى قتل في بعض الغزوات وقد شقت عليه الجيوب وخمشت الخدود ورثته بجملة أبيات وقصائد منها:
أبكي وأبكي بأسفار وأظلام ... على فتى تغلبي الأصل ضرغام
لهفي عليه وما لهفي بنافعه ... إلا تكافح فرسان وأقوام
قل للحجيب لحاك الله من رجل ... حملت عار جميع الناس من سام
أيقتل ابنك بعلي يا ابن فاطمة ... ويشرب الماء ذا أضغات أحرم
والله لا زلت أبكيه وأندبه ... حتى تزوك أخوالي وأعمامي
بكل أسمر لدن الكعب معتدل ... وكل أبيض صافي الحد ققام
وقالت أيضاً في أبيها:
لم يبد فحشاً ولم يهدد لمعظمه ... ولك مكرمة تلقي يساميها
والمستشار لأمر القوم يحزبهم ... إذا الهنات أهم القوم وما فيها
لا يرهب الجار منه غدوة أبداً وإن ألمت أمور فهو كافيها
حرف الواو
وجيهة بنت أوس الضبية
كانت من النساء المشهورات بالأدب الموصوفات بحفظ أشعار العرب، ذات جمال بارع ومنطق عذب
стр. 527
تهوى إلهيا الأفئدة والقلوب ولها الطولى في نظم الغزل والنسيب فمن ذلك قولها:
وعاذلة تغدو علي تلومني ... على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طرفاء القصية من ذنب
فلو أن ريحاً بلغت وهي مرسل ... حفي لنا خبت الجنوب على النقب
فإني إذا هبت شمالاً سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب
وهيبة بنت عبد العزى بن عبد قيس
كانت من شاعرات العرب اللاتي لهن علم بالأدب، وكانت متزوجة بشخص من قومها يسمى زيد بن مية، وكان جاراً للزبرقان بن بدر فشد عليه رجل يقال له هزال بن بني عوف بن كعب بن سعد بن عبد مناة فقتله بجوار الزبرقان فقالت امرأته ترثيه وتوبخ الزبرقان على تركه ثأره:
متى ترد وأعكاظ توافقوها ... بأسماع مجادعها قصار
أجيران ابن مية خبروني ... أعين لابن مية أو ضمار
تجلل خزيها عوف بن كعب ... فليس لخلعها منه اعتذار
فإنكم وما تخفون منها ... كذات الشيب ليس لها خمار
فلما سمع الزبرقان ذلك الشعر منها حلف ليقتلنه وبعد ذلك سعت العرب بينهما صلحاً فاصطلحا، وفدى ابن مية بمال وتزوج هزال بخليدة أخت البزرقان وانصرف الأمر.
ولادة بنت المستكفي بالله
ولادة بنت المستكفي الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الناصر ليدن الله الاموي. كانت واحدة زمانها المشار إليها في أوانها، حسنة المحاورة، مشكورة المذاكرة، مشهورة الصيانة والعفاف. أديبة شاعرة جزلة القول حسنة الشعر، وكانت تناضل الشعراء وتجادل الأدباء، وتفوق البرعاء، وعمرت عمراً طويلاً، ولم تتزوج قط.
وكانت نهاية في الأدب والظرف حضور شاهد، وحرارة آبد، وحكم منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر. وكان مجلسها بقرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها معلباً لجياد النظم والنثر، ويعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، وعلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب وكرم أنساب وطهارة أثواب على أ، ها أوجدت للقول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاهرتها بلذاتها.
وقيل: إنها بالغرب كعلية ابنة المهدي العباسي بالشرق إلا أن ولادة تزيد بمزية الحسن الفائق وأما الأدب والشعر والنوادر وخفة الروح فلم تكن تقصر عنها، وكان لها صنعة في الغناء ولها نوادر كثيرة مع الأدباء والشعراء.
ومن أخبارها مع أبي الوليد بن زيدون
стр. 528
-كما قاله الفتح بن خاقان في "القلائد"-: أن ابن زيدون كان يكلف بولادة ويهيم ويستضيء بنور محياها في الليل البهيم. وكانت من الأدب والظرف وتتميم السمع والطرف بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب إلى أخلاق الشباب.
فلما حل بذلك الضرب وانحل عقدة صبره بيد الكرب فر إلى الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونشر سوسنه وورده وأترع جداولها، وأنطق بلابلها، فارتاح ارتياح حميد لوادي القرى، وزاح من روضتها يانع وريحة طيبة الثرى، فتشوق إلى لقاء ولادة وحن، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه وضيق أمده إليها وطلقه، ويعلمها أنه ما سلا عنها بخمر ولا خبا ما في ضلوعه من ملتهب الجمر، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً ... والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنما رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائي الفضي مبتسم ... كما حللت عن اللبات أطواقا
يوم كأيام لذات الهنا انصرفت ... بتنا لها حين نام الدهر سراقا
نلهو بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأنه أعين إذا عاينت أرقى ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سر بنافحة نيلوفر عبق ... وسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تسوقنا ... إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا
لو كان في المنى في جمعنا بكم ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا
لا سكن الله قلباً عن تذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا
لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقى
يا علقي الأخطر الأسنى الحبيب إلى ... نفسي إذا ما اقتنى الأحباب أعلاقا
كان التجاري بمحض الود من زمن ... ميدان أنس جرينا فيه أطلاقا
فالآن أحمد ما كنا لعهدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا
وكانت ولادة معجبة بنفسها مفتخرة على بنات جنسها حتى من زيادة إعجابها كتبت الذهب على الطراز الأيمن من عصابتها:
أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وكتبت على الطراز الأيسر:
وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطى قبلتي من يشتهيها
стр. 529
وكانت قد طالت مدة مقابلتها مع لبن زيدون فهاج بها الشوق والغرام, وتضاعف عندها الوجد والهيام وذلك بعد ما دلت عليه إدلالها وتسربلت من التمنع أعظم سربالها فكتبت إليه قائلة:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح ... وبالبدر لم يطلع وبالنجم لم يسر
فلما وصلت رقعتها إلى ابن زيدون أعلمها أنه لها بالانتظار, وفي فؤاده بتأجج لهيب نار ولا يطفئها إلا اللقاء وأعد لها مجلسا نضرا أوجد فيه من جميع الأزهار واللطائف, ومن كل فاكهة زوجين ولما آن الوقت المعين للحضور أقبلت ترفل بالدمقس وبالحرير كأنها من الحور العين فتقابلا وتصافحا ودار بينهما العتاب وقضيا مجلسهما يتعاطيان أكؤس الآداب إلى أن آن أوان الانصراف مالت غليه مودعة بانعطاف:
ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك
يقرع السن علي أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسنى ... حفظ الله زمانا أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك
وانصرفت على أمل اللقاء ومكثت زمانا لم تحصل مقابلتهما لدواع سياسية أخرت لبن زيدون عن التمكن من الاجتماع به فكتبت إليه:
ألا هل لنا من بعد هذا التفرق ... سبيل فيشكو كل صب بما لقي
وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ... أبيت على جمر من الشوق محرق
فكيف وقد أمسيت في حال قطعه ... لقد عجل المقدور ما كنت أتقى
تمر الليالي لا أرى البين ينقضي ... ولا الصبر من رق التشوق معتقي
سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا ... بكل سكوب هاطل الوبل مغدق
وكتبت بعد الشعر في أثناء الكتابة وكنت ربما حثثني على أن أنبهك على ما أجد فيه عليك نقدا وإني عليك قولك: سقى الله أرضا قد غدت لك منزلا فإن ذا الرمة قد انتقد عليه قوله مع تقديم الدعاء بالسلامة:
ألا يا اسلمى يا درامي على البلي ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
إذ هو أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له وأما المستحسن فقول الآخر:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
فأجابها متشكرا لها على انتقادها وعلم أنها مصيبة بهذا الانتقاد وفي آخر رقعته قال:
لحى الله يوما فيه بملتقي ... محياك من أجل النوى المتفرق
стр. 530
وكيف يطيب العيش دون مسرة ... وأي سرور للكئيب المؤرق
وكانت لها جارية سوداء بديعة المعنى فظهر لولادة أن ابن زيدون مال إليها فكتبت إليه:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا ... لم تهو جاريتي ولن تتخير
وتركت غصنا مثمرا بجماله ... وجنحت للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنني بدر السما ... لكن ولعت لشقوتي بالمشتري
فخجل من ذلك وأرسل إليها يتنصل ويستسمحها فلم تسامحه, واستحكمت النفرة بينهما وكانت لقبته بالمسدس فقالت فيه مرة:
ولقبت المسدس وهو نعت ... تفارقك الحياة ولا يفارقك
فلوطي ومأبون وزان ... وديوث وقرنان وسارق
وقالت فيه أيضا:
إن ابن زيدون على فضله ... يغتابني ظلما ولا ذنب لي
يلحظني شزرا إذا جئته ... كأنني جئت لأخصي علي
وكان ابن عبدوس الوزير يهواها وهي تأبى مسامرته ودائما تتهكم عليه ومن تهكماتها مرت يوما به, وهو جالس أمام داره وبجانبه بركة تتولد عن كثرة الأمطار وربما اتحدت بشيء من الأقذار, وقد نشر أبو عامر الوزير كميه ونظر في عطفيه وحشد أعوانه إليه فقالت له:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
فتركته لا يحير حرفا ولا يرد طرفا: وبسبب تعلق ابن عبدوس بولادة أرسل ابن زيدون إليه بالرسالة المشهورة -التي شرحها غير واحد من أدباء الشرق كالجمال بن نباتة والصفدي وغيرهما- وفيها من التلميحات والتحذيرات ما لا مزيد عليه, وأرسل ابن زيدون لابن عبدوس أيضا رسالة لاشتراكه معه في هواها يقول في آخرها:
أثرت هزبر الثرى إذ ربض ... ونبهته إذ هدا فاغتمض
وما زلت تبسط مسترسلا ... إليه يد البغي لما انقبض
وإن سكون الشجاع النهو ... ش ليس بمانعه أن يعض
عمدت لشعري ولم تتئد ... تعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القري ... ض أم قد عفار سمه فانقرض
لعمري فوقت سهم النضال ... وأرسلته لو أصبحت الغرض
ومنها:
وغرك من عهد ولادة ... سراب تراءى وبرق ومض
следующие страницы →