← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ). معنى (مَوَاخِرَ فِيهِ) جواري تجري جرياً، وتشق الماء شَقا. * * * (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) (رواسيَ) جِبَالاً رواسي ثوابت، (أَنْ تَمِيدَ) معناهُ كَرَاهةَ أنْ تميد ومعنى تميد لا تستقر، يقال ماد الرجل يميد ميداً، إذَا دِيرَ به والمَيْدَى: الذين يدار بهم إذا ركبوا في البحر، و (أَنْ تَمِيدَ) في موضع نصب، مفعول لها. (وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا). المعنى وجعل فيها رَوَاسيَ وأنهاراً وسُبُلاً، لأن معنى ألقى في الأرض رواسي جعل فيها رواسي، ودليل ذلك قوله: (وَالجِبَالَ أوْتَاداً). * * * وقوله: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) النجم والنجوم في معنى واحدٍ، كما تقول: كثر الدرهَمُ في أيدي الناسِ وكثرت الدراهم، خلق اللَّه - جل ثناؤه - النجوم لأشياءَ منها أنها جُعِلَتْ زينةً للسماء الدنْيَا، ومنها أنها جعلت رُجُوماً للشياطين ومنها أنها يُهْتَدى بِهَا، ومنها أنها يعلم بها عدد السنين والحساب. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ويقرأ (تدعونَ من دون اللَّه) بالتاء والياء. (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ). يُعنَى به الأوثانُ التي كانت تَعْبُدُهَا العَربُ. * * * (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) أي وهم أموات غير أحياء. وقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). - أي ما يشعرون متى يبعثون، و (أَيَّانَ) في موضع نصْبٍ بقوله (يُبْعَثُونَ) ولكنه

стр. 1122

مَبني غيرُ منونٍ، لأنه بمعنى الاستفهام فلا يعرب كما لا تعرب كم ومتى وكيف وأين، إلَّا أن النون فتحت لالتقاء السَّاكنين. فإن قال قائل: فهَلَّا كُسِرتْ؟ قيل الاختيار إذا كان قبلَ الساكن الأخير ألف أن يفتح، لأن الفتح أشبه بالألف وأخفْ معها. وزعم سيبويه والخليل أنك إذا رَخَّمْتَ رجلًا اسمه أسْحَار، قلت يا أسْحَارَّ - بتشديد الراء - أقبل، ففتحت الراء لالتقاء السَّاكنين، - وكذلك تختار مع المفتوح الفتح، تقول إذا أمَرْت من غُضَّ: غضَّ يا هذا. . * * * وقوله: (لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) معنى (لَا جَرَمَ) حق أن اللَّه يعلم، ووجب، وقوله: " لا " رَد لفعلهم. قال الشاعر: ولقد طعنت أبا عيينة طَعْنَةً. . . جَرَمَتْ فَزَارةَ بَعدهَا أَن يغضبوا المعنى أحقت فزارة بالغضب. * * * وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) " ما " مبتدأ، و " ذا " في موضع الذي. المعنى ما الذي أنزل ربكم. وأساطير مرفوعة على الجواب، كأنهم قالوا: الَّذِي أنْزَلَ أساطير الأولين. أي أكاذيب الأولين، واحدها أسْطورة. * * * وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)

стр. 1123

هؤلاء كانوا يصدون مَنْ أرَادَ اتبَاع النبي ﷺ وإذا سُئِلُوا عما أتَى به - قالوا الذي جاء أساطير الأولين، فأَعلم اللَّه أنهم يحملون بذلك آثام الذين كفروا بقولهم. . ولا يُنْقِصُ ذلك من إثم التابع. وقوله: (ألَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). " ما " في موضع رفع، كما ترفع بنعم وبئس، المعنى ساء الشيء وِزْرُهم، هذا كما تقول: بئسِ الشيءِ. * * * وقوله: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) أي من أساطين البناء التي تعْمِده. (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ). يروى أن ذلك في قصة نَمْرُودَ بنِ كنعانَ، بنى صَرْحاً يَمْكُرُ بِهِ فخر سقفه عليه وَعَلى أصْحَابِه، وقال بعضهم: هذا مثل، جعلت أعمالهم التي عملوها بمنزلة الباني بناء يسقط عليه فمضرة عملهم عليهم كمضرَّةِ الباني إذا سقط عليه أبناؤه. * * * وقوله: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) و (تُشَاقُّونِ فِيهِمْ) بكسر النونِ، وقد فسرنا مثل هذا، وإنَّما. . . شركائي حكاية لقولهم، واللَّه - جل ثناؤه - لا شريك له. المعنى أين الذين في دعواكم أنهم شركائي * * * (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ). أي ألقوا الاستسلام، وذكر السَّلَمَ، والسَّلَمَ الصُّلحْ، - لذكره المُشَاقةَ. وبإزاء المشاقة والمعاداة الصلح.

стр. 1124

(مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ). أي قالوا: ما كنا نعمل من سوء. * * * (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) " ما " و "ذا " كالشيء الواحد، والمعنى أي شيء أنزل ربكم. (قَالُوا خَيْرًا). على جواب " ماذا " المعنى أنزل خَيْرًا. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ). جائز أن يكون هذا الكلام ذُكِرَ ليَدُل عَلَى أن الذي قالوه اكتسبوا به حسنة، وجائز أن يكونَ تفسيراً لقولهم خيراً، وحسنة، بالرفع القراءةُ. ويجوز " للذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَةً "، ولا تقرأنَّ بها، وَجَوازُهَا أن معناها أن " أنزل خيراً " - جعل للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةً، أي جَعَلَ لَهُمْ مكافأةً في الدنْيَا قَبْلَ الآخرة. وقوله: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ). المعنى، ولنعم دار المتقين دارُ الآخرة، ولكن المبيّنَ لقوله (دار المتقين) هو، قوله: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) وهى مرفوعة بإضمار " هي " كأنك لما قلت، ولنعم دار المتقين على جواب السائل أيْ دَارٌ هي هذه الممدوحة، فقلت: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا). وإن شئت رفعت على الابتداء، ويكون المعنى: جناتُ عَدْنٍ نعمَ دارُ المتقين. * * * وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) أي: لقبض أرواحهم، أو يأتي ما وَعَدَهُمُ اللَّهُ به من عذابه. وقوله: (كَذَلِكَ فَعَل الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُم اللَّهُ).

стр. 1125

أي كذلك فعلوا فأتاهم أمر اللَّه بالعذاب، (فَأصَابَهُمْ سَيئَاتُ مَا عَمِلُوا). * * * وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) هذه الآية وأشباهها فيه تنازع وينبغي أن يقف أهل القرآن والسنة على حقيقة تفسيرها لأن قوماً زعموا أن من قال هذا فقد كفر وأن من قال من العباد أن لا يفعل إلا ما شاء الله فقد كفر، وهذا تأويل رَديء، وإنما كفر أولئك وكذبوا، لأنهم كانوا يقولون: لو شاء اللَّه ما عبدنا من دونه من شيء علىِ جهة الهزؤ، والدليل على ذلك أنَّ قوْمَ شعيب قالوا لشعيب: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧). فلو قالوا له هذا معتقدين لكانوا مؤمنين، وإنما قالوه مستهزئين. وقد اتفقت الأمَّةُ على أن الله لو شاء ألا يُعْبَدَ غيرُه مَشِيئَةً اضطرار إلى ذلك لم يقدر أحد على غير ذلك، ولكن اللَّهَ جل ثناؤه تَعَبَّد العبادَ وَوَفَقَ من أحبَّ تَوْفيقه، وأضل من أحب إضْلَالَه، وهؤلاء قالوا هذه مُحقِّقِينَ ما قيل لهم أنهم مكذبون إذ كان الِإجماع على أن اللَّه يقدر على أن يجْبُرَ العبادَ على طاعته وأعلم اللَّه أنهم مكذبون كما كذبَ الذين من قبلهم فقال: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). أي الإبْلاغ. الذي يبَينُونَ مَعَهَ أنهم أنبياء. * * * وقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) فأَعلم اللَّه أنهُ بَعَثَ الرسلَ بالأمْر بالعِبَادةِ، وهو من وراء الإضلال والهداية، فقال:

стр. 1126

(فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ). فهذا يدل على أنهم لو قالوا ذلك معتقدين لكانوا صادقين، ثم أكدَ ذلك فقال: (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧) وقُرئت فإن اللَّه لا يُهدَى من يُضِل، كما قال: (من يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ له). وَفيها وجه ثالث في القراءة. . " لَا يُهْدِي مَنْ يَضل " وهو أقلُّ الثلاثة. * * * وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) (وَعْدًا) منصوب مُؤكد، المعنى بلى يبعثهم اللَّه وعداً عليه حقاً، (لِيُبَيْنَ لَهُمَ ائذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ). فهذا على ضربين، جائز أن يكون معلقاً بالبعث، ويكون المعنى: بلى يبعثهم الله لِيُبيَّنَ - لهم وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، وجائز أن يكون (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ) معلقاً بقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) لِيُبَيِّنَ لهم اختلافهم، وأنهم كانوا مِن قبله على ضلالة. * * * وقوله : (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠) القراءة الرفع، وقد قرئت بالنصب، فالرفع على فهو، ويكون على معنى ما أراد اللَّه فهو يكون، والنصب على ضربين أحدهما أن يكون قوله فَيَكونَ عَطْفاً على (أنْ نَقُولَ فيكونَ). ويجوز أن يكون نصباً على جواب (كن) فـ (قَوْلُنَا) رفع بالابتداء. وخبره (أن نقول)، المعنى إنما قولنا لكل مرادٍ قولنا كن، وهذا خوطب العباد فيه بِمَا يعْقِلُونَ وما أراد اللَّه فهو كائن على كل حال

стр. 1127

وعلى ما أراده من الإسراع ولو أراد خلق الدنيا - السَّمَاوَات والأرْض - في قدر لمح البصر لقدر عَلَى ذلك ولكنَّ العباد خوطبوا بما يعقلون، فأعلمهم الله سهولة خلق الأشياء عليه قبل أن تَكُونَ، فأعلم أنه متى أراد الشيء كان، وأنه إذا قال كن كان. ليس أن الشيء قبل أن يخلق كان موجوداً. إنما المعنى: إذا أردنا الشيء نقول من أجله " كن " أيها المُرادُ فيكون على قدر إرادة اللَّه، لأن القَوْمَ أعنِي المشركِين أنكروا البعث، (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ). وهو معنى قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) أي كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون. ولقد جاء في التفسير أن الحنثَ الشرْكُ لأن من اعْتَقَدَ هذا فضلاً أن يحلف عليه فهو مشرك. فقال جلَّ وعلا. (بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا). أي بلى يبعثهم وعداً عليه حقاً، و (حَقًّا) منصوب مصدر مؤكد لأنه إذا قال يبعثهم دل على " وعد بالبعث وعداً ". * * * وقوله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) هؤلاء قوم كان المشركون يعذبونهم على اعتقادهم الإيمان منهم صهيب وبلال، وذلك أن صُهَيباً قال لأهل مكة: أنا رجل كبير، إن كنت معكم لم أنفعكم، وإن كنت عليكم لم أضركم، خذوا مالي وَدَعُوني فأعطاهم ماله وهاجر إلى رسول اللَّهِ ﷺ فقال له أبو بكر الصديق: رَبِحَ البيع يا صُهيب، وقال عمر: نعم الرجل صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، تأويله لو أنه أمن

стр. 1128

عذابه وعقابه لما ترك الطاعة ولا جنح إلى المعصية لأمنه العذاب. ومعنى (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً). أي: لأنهم صاروا مع النبي ﷺ ودخلوا في الإسلام وسمعوا ثناء اللَّه عليهم. * * * وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) و (نوحِي إليهم)، وُيوحِي إليهم. أما القراءتان الأوليان فجيدتان والثالثة ضعيفة لذكره أرسلنا. فأنْ يكون اللفظ على نوحِي ويوحَى أحسن، لأن نوحي يوافق اللفظ والمعنى، ويوحى إنما هو محمول على المعنى، لأن المعنى: وما أرسل اللَّه إلا رجالًا يوحى إليهم. وإنما تجيل لهم لأنهم قالوا لولا أنزل عليه ملك أو جاء مع نذير، فأَعلم اللَّه - جل وعز - أن الرسل بشر إلا أنهم يوحى إليهم. ثم أعلم كيف يستدل على صحة نبُوتهِمْ فقال: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أي بالآيات والحجَج، والزبُرُ الكُتُب، واحدها زَبُورٌ، يقال زَبَرْتُ الكتابَ وذَبَرْتُه بمعنى واحد، قال أبو ذؤيب: عَرَفْتُ الدِّيَارَ كَرَقْمِ الدَّوَا. . . ةِ يَذْبُرُها الكاتِبُ الحِمْيَري وقَوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). فيها قولان، قيل فاسألوا أهل الكتب أهل التوراة والإِنجيل وأهل جميع

стр. 1129

الكتب يعترفون أن الأنبياء كلهم بشر. وقيل (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) أي فاسْألُوا مَنْ آمَنَ من أهل الكتاب. ويجوز واللَّه أعلم - أن يكون قيل لهم اسألوا كل من يُذْكَرُ بعلم وافق أهل هذه الملة أو خالفهم. والدليل على أن أهل الذكر أهل الكتب قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، وقوله: (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ). * * * وقوله: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أي أفأمنوا أنْ يَفْعَلَ بهم ما فَعَل بقوم لوط، والذين أهلكوا من الأمم السالفة بتعجيل العذاب في الدنيا. (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ). عطف على: (أَنْ يَخْسِفَ). (أوْيا٤ خُذَهُمْ في تَقَفبِهِمْ) أي فِي تَصَرفِهِم في أسفارهم، وَسَائِرِ مَا يَنْقَلِبُونَ فِيه. (أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أي أو يأخذهم بعد أن يخيفهم، بأن يهلكَ فرقة فَتخافَ التي تليها. وقيل على تخوف على تنقص، ومعنى التنقص أن ينتقصهم في أموالهم وَثمَارِهِمْ حتى يهلِكَهُمْ. ويروى عن عُمَرَ قَال: ما كنت أدري ما معنى أو يأخذهم على تخوف حتى سمعت قول الشاعر:

стр. 1130

تَخَوَّفَ السَّيْرُ منها تامِكاً قَرِداً. . . كما تَخَوَّفَ عودَ النَّبْعةِ السَّفَنُ يصف ناقة وأن السير تنقص سنامها بعد تمكنه واكتنازه. وقوله: (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أي من رحمته أن أمهل فجعل فسحةً للتوبةِ. * * * وقوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وتقرأ تتفيأ ظلاله. (سُجَّدًا) منصوب على الحال. (وَهُمْ دَاخِرُون). ومعنى (دَاخِرُونَ) صَاغِرُونَ، وهذه الآية فيها نظر، وتأويلها - واللَّه أعلم - أن كل ما خلق اللَّه مِنْ جِسْم وعظم ولحم ونجْم وشَجَرٍ خاضع لله ساجد، والكافر إن كَفر بقلبه ولسَانه وقصْدِه فنفس جسمه وعظمه ولحمه وجميع الشجر والحيوان خاضعة لِلَّهِ ساجدة. والدليل على ذلك قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ). روي عن ابن عباس أنه قال: الكافر يسجد لغير الله، وظلُّه يسجُدُ للَّهِ. وتأويل الظلِّ تأويل الجسم الذي عنه الظل. وقوله: (وَهُمْ دَاخِرُونَ). أي هذه الأشياء مجبولة على الطاعة. * * * وقوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) المعنى ولله يسجد ما في السَّمَاوَات من الملائكة وما في الأرض من دابة

стр. 1131

والملائكة، أي وتسجد ملائكة الأرض، والدليل على أن الملائكة في الأرض أيضاً قوله تعالي: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨). وقوله: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ). وقوله: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا). وقوله: (وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠) أي يخافون ربهم خوف مُخْلِدِين مُعظمين. (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). وصفهم بالطاعة وأنهم لا يجاوزون أمراً له ولا يتقدمونه. * * * وقوله: (وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا). قيل معناه دائماً، أي طاعة واجبة أبداً، ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون (وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) أي له الدين والطاعة، رضي العبد بما يؤمر به أو لم يَرْضَ، وسهل عليه أو لم يسهل، فله الدين وإن كان فيه الوَصَبُ. والوَصَبُ شدَّةُ التعب. ثم قال: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ). أي أَفَغَيْرَ اللَّهِ الذي قد بَانَ لكم أنَّه وحده، وأنه خالق كل شيء، وأن ما بكم من نِعمةٍ فمن عنده، وأنه لو أراد إهلاككم حين كفرتم وألَّا يُنْظِرَكم إلى يوم التوبة لقدَرَ، وأعْلَم أنه مع إقامته الحجج في أنه واحِد، وأنه أمر ألا يُتخَذَ معه إله عبدوا غيره، لأنهم قالوا عنْ الأصنام: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).

стр. 1132

فأَعلم اللَّه أن لا إله إلا هو، ولا يجوز أن يَعبد غيره، وَإن قَصَد التقِربَ بالعبادة لِلَّهِ وحده، فقال - جلَّ وعلا -: (وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ). فذكر اثنين توكيداً لقوله إلهَيْن، كما ذكر الواحد في قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ). * * * وقوله: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) دخلت الفاء، ولا فعل ههنا لأن الباء متصلة بالفعل، المعنى ما حل بكم من نعمةٍ فمن اللَّه، أي ما أعطاكم الله من صحة جسم أوسعة في رِزْقٍ، أو متاع بمال أو ولد فكل ذلك من اللَّه. وقوله: (ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ). أي إليه ترفعون أصواتكم بالاستغاثة، يقال: جأر الرَّجُل يَجأرُ جُؤاراً. والأصوات مبنية على فُعَال وفَعِيلٍ، فأمَّا فُعال فنحو الصُّراخ، والجُؤَارُ. والبُكاء. وأما الفَعِيل فنحو العويل والزئير، والفُعَالُ أكثر. * * * وقوله: (ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) هذا خاص فيمن كفر به. وقوله: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥) أي ليكفروا بأنا أنعمنا عليهم، أي جعلوا ما رزقناهم وأنعمنا به عليهم

стр. 1133

سبباً إلى الكفر كما قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ). ويجوز أن يكون (ليكفروا بما آتيناهم) أي ليَجْحَدُوا نعمة الله في ذلك، كما قال: (أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ). وَقَوله: (فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ). لم يأمُرْهُمْ الله جلَّ وعلا أن يتمتعوا أمْرَ تَعَبُّدٍ، إنما هو لفظ أمْرٍ ليهدِّدَ كما قال: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لَا تُؤمِنُوا) أي فَقَدْ وَعَد اللَّه وأوعَدَ وأنذر وبلَّغت الرسُلُ فمن اختار بعد ذلك الكفر والتمتع بما يباعد من اللَّه فسوف يعلم عاقبة أمره. وقد بين اللَّه عاقبة الكفر والمعصية بالحجج البالغة والآيات البينات. * * * وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) هو معنى قوله تعالى: (فقالوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لشُرَكَائِنا) فجعلوا نصيباً يتقربون به إلى الله تعالى، ونصيباً يتقربون به إلى الأصنام والحجارة. وقوله: (تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ). أي تاللَّه لَتُسْأَلُنَّ عنه سؤال توبيخ حتى تعترفوا به على أنْفُسِكُمْ. وتُلْزِمُوا أنفسَكُم الحجة. * * * وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) لأنهم زعموا أن الملائكة بنات اللَّه. (سُبْحَانَهُ) معناه تنزيه له من السُّوءِ. (وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ).

стр. 1134

(ما) في موضع رفع لا غير، المعنى سبحانه ولهم الشيءُ الذي يشتقون كما قال: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ). فإن قال قائل لم لا يكون المعنى (ويجْعَلُونَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ)؟ قيل العربُ تستعملُ في هذا الموضع: جعل لِنَفْسِهِ ما يشتهي، ولا يقولون جَعَل زيد له ما يَشْتَهِي، وهو يعني نفسه. ثم أعلم أنهمْ يَجْعَلُونَ للَّهِ البنات. فقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) فيجعلون لمن يعترفون بأنه خالقهم البنَاتِ اللاتِي مَحَلهُن منهم هذا المحل. ومعنى (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا)، مُتَغيَراً تَغَيُّرَ مَغْمُوم. ويقال لكل من لقِي مكروهاً: قد اسود وجهه غمًّا وحُزْناً. ومِنْ ذلك قولك سوَّدْت وجه فُلَانٍ. * * * وقوله: (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) قيل كان الرجل في الجاهلية إذا حزبَ امرأتَهُ المخاضُ توارى لكي يعلم ما يُوَلَدَ لَهُ، فإن كان ذَكراً سُرَّ به وابْتهج، وإن كانت أنثى اكْتَأبَ بها وحَزِنَ، فمنهم من يَئدُ ولَدَهُ يَدْفِنُها حَية، أو يمسكها على كراهة وهَوَانٍ. فقال اللَّه تعالى: (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). أى ألَا سَاءَ حُكْمُهُمْ في ذلك الفِعْلِ وفي جعلهم للَّهِ البناتِ وجعلهم لأنفسهمْ البنين، ونسْبِهم للَّهِ اتخاذ الوَلَد. * * * وقوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) معنى (عليها) على الأرض، ودل الِإضمار على الأرض لأن الدَوَابَّ إنما هي على الأرْض.

стр. 1135

وقوله: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى). جاء في التفسير أنه، قوله: لا إله إلا اللَّهُ، وتأويله أن اللَّه - جل ثناؤه - له التوحيد، ونفي كل إله سواه. * * * وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) أي يجعلون لِلَّهِ البنات اللاتي يكرهَونَهُن. وقوله: (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى). (أَنَّ) بدلٌ من (الكذب) المعنى وتصف أَلسنتهم أنَّ لهم الحُسْنَى، أي يصفون أن لهم - مع فعلهم هذا القبيح - من اللَّه جل ثناؤه - الجزاء الحسن. وقوله: (لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ). " لَا " رد لقولهم. المعنى - واللَّه أعلم - ليس ذلك كما وصفوا، جرم أن لهم النَّارَ، المعنى جَرَبمَ فعلُهم هذا أن لَهُم النارَ، أي كسب فعلهم أن لهم النارَ. وقيل إنَّ " أنَّ " في موضع رفع، ذكر ذلك قطرب، وقال المعنى أن لهم النار. (وَأنهُم مُفْرَطُونَ). فيها أربعة أوْجُهٍ: (مُفْرَطُونَ) بإسكان الفاء وفتح الراء، ومُفَرَّطُونَ بفتحِ الفاء وتشديد الراء وبفتحها، ومُفْرِطُونَ - بإسكان الفاء وكسر الراء، ومُفَرِّطُونَ بفتح الفاء وتشديد الراء وكسرها. فأمَّا تفسير (مُفْرَطُونَ) و (مُفَرَّطُونَ) فجاء عن ابن عباس، متروكون وقيل عنه: مُعْجَلُونَ. ومعنى الفَرْط في اللغة: التَقدم، وقد فرط إليَّ منه قولٌ أي

стр. 1136

تَقَدَّمَ، فمعنى مُفْرَطُونَ مُقَدمُونَ إلى النار، وكذلك مُفَرطُون، ومن فسَّرَ متروكون فهو كذلك، أي قد جُعِلُوا مُقَدَّمِين في العذاب أبداً متروكين فيه. ومن قرأ مُفَرِّطُونَ، فالمعنى أنه وَصْف لهم بأنهم فَرطُوا في الدنيا فلم يعملوا فيها للآخرة وتصديق هذه القراءة قوله: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ). وَمَنْ قَرأ مُفْرِطُونَ، فالمعنى على أنهم أفْرَطُوا في مَعْصِيةِ اللَّه، كَما تقول: قد أفرط فلان في مكروهي. وتأويله أنه آثر العجْزَ وقدَّمه (١). * * * وقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) بِنَصْب (رَحمَةً) المعنى: وما أنزلنا عليك الكتابَ إلا هُدى ورحمةً، أي ما أنزلنَاهُ عليك إلا للهداية والرحمة، فهو مفعول له. ويجوز: وهدى ورحَمْةً في هذا الموضع، المعنى: وما أنزلنا عليك الكتاب إِلًا لِلْبيَانِ رهو - مع ذلك - هدى ورحْمَةٌ. * * * (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وتقرأ (نَسْقِيكم) (٢) ويقال سَقيتُهُ وأسْقَيْتُهُ في مَعْنى وَاحد. قال سيبويه والخليل سقيته كما تقول نَاوَلْتُه فشرب. وأسقيتُهُ جعلت له سقياً، وكذلك قول الشاعر يحتمل المذهبين:

стр. 1137

سَقَى قوْمِي بني مَجْدٍ وأسْقى. . . نمَيراً والقبائل من هلال وهذا البيت وضعه النحويونَ على أنَّه سَقَى وأسْقَى بمعنى واحد، وهو يحتمل التفسير الثاني. والأنعام لفظه لفظ جمع، وهو اسم للجنس يذكر ويؤنث، يقال هو الأنعام وهي الأنعام. نسقيكم مما في بطونه. وفي موضع آخر (مما في بطونها). فأَعلم اللَّه أن في إخْراجه اللبَن (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ) دَلِيلًا على قدرةٍ لا يقدِر عليها إلا الله الذي ليس كمثله شيء (١). * * * وقوله : (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) أي فيما بيَّنَّا علامة تدل على توحيد اللَّه. وقالوا في تفسير قوله: (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) إنه الخمرُ من قبل أن تحرمَ. والرزق الحسَنُ يؤكل من الأعناب والتُموُرِ. وقيل إن معنى السكر الطعم وأنشدوا: جعلت أعراض الكرام سَكَراً أي جعلتَ دَمَهُم طُعماً لك. وهذا بالتفسير الأولِ أشبَهُ. المعنى جعلْتَ تتخمًرُ بأعراضِ الكرام، وهو أبين - فيما يقال: الذي يتبرك. في أعراض الناس.

стр. 1138

وقوله: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) وبِيوتاً. فمن قرأ بُيُوتاً بَالضم فهو القياس، مثل كعب وكُعُوب وقلْب وقُلُوبُ، ومن قرأ بِيُوتاً بالكسر فهذا لم يذكر مثله أحَد من البَصْريينَ لأنهم لا يجيزون مثله. ليس في الكلام مثل فِعُل ولَا فِعُول، والذين قرأوا به قلبوا الضمة إلى الكسرة من أجل الياء التي بعْدَها. ومعنى الوحي في اللغة على وجهين يرجعان إلى معنى الإِعْلامِ والإفهَام فمن الوحي وَحْيُ الله إلى أنبيائه بما سمعت الملائكة من كلامه، ومنه الإلهام كما قال اللَّه: (وَأخْرَجتِ الأرْضُ أثْقَالَهَا) إلى (بأن رَبَّكَ أوْحَى لَها) معناهُ ألْهمَهَا. فاللَّه أوحى إلى كل دابَّة وذِي رُوح في التماس منافعها واجتناب مضارهَا، فذكر من ذلك أمر النحل. وواحدُ النحْلِ نحلة، مثل نخل ونخلة - لأن فيها من لطيف الصنعة وبديع الخلق ما فيه أعظم معتبر بأنْ ألهمها اتخاذَ المنازل والمساكن، وأن تأكل من كل الثمرات على اختلاف طعومها. . ثم سهل عليها سبيل ذلك فقال جلَّ وعزَّ: (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) أي قد ذللها اللَّهُ لك وسهل عليك مَسَالكَها. ثم قال (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ). فهي تأكل الحامض والمرَّ وما لا يُوصَف طعمه فيُحِيلُ الله ذلك عَسَلاً يخرج من بطونها إلا أنها تلقيه من أفواهها ولكنه قال: (مِنْ بُطونهَا) لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطون فيخرج بعضها من الفم كالريق الدائم

стр. 1139

الذي يخرج من فم ابن آدم، فالنحل تخرج العسلَ من بطونها إلى أفوَاهِهَا. (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ). في هذا قولان، قيل إِن. الهاء يرجع على العَسَل، المعنى في العَسَلِ شفاء للناس. وقيل إن الهاء للقرآن، المعنى في القرآن شفاءٌ للناس وهذا القول إذا فسَّرَ علم أنه حَسَنٌ، المعنى فيما قصصنا عليكم من قصة النحل في القرآن وسائر القصص التي تدل على أن اللَّه واحد شفاء للناس. والتفسير في العَسَل حسن جدًا. فإن قال قائل: قد رأينا من ينفعهُ العسلُ ومن يضره العسل، فكيف يكون فيه شفاء للناس؟ فجواب هذا أن يقال له الماء حياة كل شيء فقد رأينا من يقتله الماء إذا أخذه على ما يصادف من علة في البدَنِ، وقد رأينا شفاء العسل في أكثر هذه الأشربة، لأن الجَلَّاب والسكنجيين، إِنما أصلهما العَسَلُ، وكذلك سائر المعجونات. وهذا الاعتراض في أمر العَسَلِ إنما هو اعتراض جهلة لا يعرفون قدرة في النفع، فأمَّا من عرف مقدار النفع فهو وإن كان من غير أهل هذه الملةِ فهو غير رافع أن في العَسَلِ شفاء. * * * وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) أي منكم من يكبر وُيسِن حتى يذهب عقله خَرَفاً فيصير بعدَ أنْ كَانَ عَالماً جاهلاً، والمعنى - واللَّه أعلم - (لكيلا يَعْلم بعد علم شيئاً) أي ليريكم من قدرته أنه كما قدر على إمَاتَتِه وإحْيَائِه أنه قادر على نقله من العلم إلى الجهْلِ. وأعلم أن الموتَ والحياةَ بيدِه، وأن الإنسان قد

стр. 1140

يَتَغَذًى بالأغذية التي يَتَعَمَّد فيها الغاية في الصلاح والبقاءِ، فلا يقدِرَ أن يزيدَ في مقدار مُدته شيئاً. * * * وقوله: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) أي قد فضل الله الملَّاكَ عَلَى مَمَالِيكِهِمْ، فجعل المملوك لا يقدر عَلَى مِلْكٍ مع مولَاه وأعلم أن المالك ليس يَرُدُّ على مملوكه من فضل ما في يده حتى يستوي حالهما في المُلكِ. وقيل لهم: إنكم كلكم من بني آدم، وأنتم لا تسوون بينكم فيما ملكت أيمانكم، وأنتم كلكم بَشرٌ. فكيف تجعلون بعض الرزق الذي رزقكم اللَّه له، وبعضَهُ لأصنامكم، فتشركون بينَ اللَّهِ وبين الأصْنَامِ، وأنتم لا تَرْضَوْنَ لأنفسكم فيمن هو مثلكم بالشركَة. وقوله: (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ). فيها وجهان: يجوز أن يكون "، أفَبِانْ أنْعَمَ الله عليكم اتًخَذْتُمْ النعم لتجحدوا وتشركوا به الأصنام. وجائز أن يكون (أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ) أفبما أنعم اللَّه عليكم بأن بَين لكم ما تحتاجون إليه تجحدون. * * * وقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) جاء في التفسير أن الله خلق حَواءَ مِنْ ضِلع من أضلاع آدم، فهو معنى جعَل لكُمْ من أنْفُسَكُمْ أزواجاً أي من جنسكم. وقوله: (وَجَعَلَ لكُمْ مِنْ أزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وحَفَدَة). اختلف الناس في تفسير الحَفَدَة، فقيل الأولاد، وقيل البنات وقيل الأختان، وقيل الأصْهَارُ، وقيل الأعْوَانُ. وحقيقة هذا أن اللَّه جعل

стр. 1141

من الأزواج بنين وَمَنْ يعاوِنُ على ما يحتاج إليه بِسُرْعَةٍ وطاعةٍ، يقال حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْداً وحَفَداً وحَفَدَاناً إذا أسْرع. قال الشاعر: حَفَدَ الولائدُ حولهن وأَسلمتْ. . . بأَكُفِّهِنَّ أَزمَّةَ الأَجْمالِ معناهُ أسْرَعُوا في الخِدْمة. * * * وقوله: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) أي لا تجعلوا لِلَّهِ مثلاً لأنه واحد لا مثل له، جلَّ وعزَّ، ولا إله إلَّا هُوَ . ثم ضرب لهم المثل فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) فأَعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مقتدراً على الإنفاق مالكاً والآخر عاجزاً لا يقدر على أنْ ينفق لا يستويان. فكيف بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تَعْقلُ وَبَيْنَ الله الذي هو على كل شيء قديرٍ، وهو رازقٌ جميع خلقه، فبين لهم أمْرَ ضلالتهم وبُعْدِهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان، ثم زاد في البيان فقال جلَّ وعزَّ: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) والأبكم المطبق الذي لا يسمع ولا يُبْصِر ولا يَعْقِل، ثم قال: (وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ). أي على وَليِّه (أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).

стр. 1142

أي هل يستوي القَادر التام التمييز والعاجز الذي لا يحس ولا يأتي بخير، فكيف يسوون بين اللَّه وبين الأحجار. * * * وقوله: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) ومعناه - واللَّه أعلم -: وَلِلَّهِ عِلْمُ غيبِ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ). والساعةُ اسم لإمَاتَةِ الخَلق وإحْيائِهِمْ. فأَعلم اللَّه أن البَعْثَ والإحْيَاءَ في قدرته ومشيئته (كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) ليس يريد أنَّ الساعةَ تأتي في أقربَ من لمح البصر، ولكنه يصف سرعة القدرة على الإتيان بها. * * * وقوله: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) و (إِمَّهَاتِكُمْ) - بالكسر -، والأصل في الأمَّهَاتٍ " أُمَّاتٌ، ولكن الهاء زيدت مُؤَكدةً كما زادوا هاء في قولهم أهْرَقْتُ الماءَ، وإنما أصله أرقت الماء. والأفئدة جمع فؤاد مثل غراب وأغربة. ولم يجمع فؤاد على أكثر العَدَدِ، لَمْ يُقَلْ فِئْدان، مثل غُرْابٍ، وَغِرْبَانٍ. ثم دلهم - سبحانه - على قُدْرَتِه عَلَى أمْرِ السَّاعَةِ بما شاهدوا من تدبيره فقال -: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) (جَوِّ السَّمَاءِ) الهَوَاءُ البعيدُ من الأرض، وأبعد منه من الأرض السُكاكُ. ومثل السُّكَاكِ اللوح، وواحد السُّكَاكِ سُكاكة. * * * وقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)

стр. 1143

أي مَوْضِعاً تسكُنُونَ فِيه. (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا). والأنعام اسم للإبل والبقر والغنم وقوله: (تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ). معنى تستخفونها، أي يخف عليكم حَمْلُها فيْ أسفاركم وإقَامَتِكُمْ. ويقرأ (يومَ ظعنِكُمْ)، وظَعَنِكُمْ. (وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ). الأوبار للِإبل، والأصواف للضأنِ، والأشعار للمعزِ. والأثَاثُ متاعُ البيتِ، ويقال لمتاع البيت أيضاً، الأهَرَة، ويقال: قد أثَّ يئيث أثًّا إذا صار ذا أثَاثٍ. * * * وقوله: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) أي جعل لكم من الشجر ما تَسْتَظِلونَ بِه (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا). واحد الأكنان كِن، على وَزْنِ حِمْل وأحْمَال، ولا يجوز أن يكونَ واحدها كناناً، لأن جمع الكنان أكنة. أي جعل لكم مَا يُكنِكمْ. (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ). كل ما لَبسْتَه فَهو سربالٌ. من قميص أو دِرْع أو جَوْشَنن أو غيرِه، قال الله : (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ)، وقال (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يقل تقيكم البردَ لأن ما وَقَى من الحر وَقى من البردِ.

стр. 1144

وقوله: (وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ). أي جعل لكم دُرُوعاً تَتقُون بها في الحروب مِنَ بأسِ الحَدِيد وَغيره. وقوله: (كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ). أكثر القراء تُسْلِمُونَ، ويقرأ لعلكم تَسْلَمُونَ، أيْ لعلكُم إذَا لبستم الدروع في الحرب سَلِمْتُمْ من الجِرَاحِ، ثم قالَ بَعْدَ أنْ - بيَّنَ لهم الآيات: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) أي عليك أن تبلغ الرِسالة وتأتي بالآيات الدالة على النبوة. * * * وقوله: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) أي يعرفون أن أمر النبي ﷺ حق ثم ينكرون ذلك. * * * وقوله: (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) أي لما رأى الذين أشركوا ما كانوا يشركون باللَّه غيْر نَافِعهِمْ وجحَدَتْهُمْ آلِهَتُهُمْ كما قال الله جلَّ وعزَّ: (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢). * * * وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) روِي في التفسير أن الَّذِي زيدوا عقاربُ لها أنيابٌ كالنَحْلِ الطِوَالِ. وقيل أيضاً: إنهم يخرجون من حَرِّ النار إلى الزَمْهَرِير، فَيُبَادِرونَ من شدة برده إلى النَّارِ. * * * وقوله: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) كل نبي شاهدٌ عَلَى أمَّتِه، وهوأعدل شاهِدٍ عليها. وقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ).

стр. 1145

تبيان: اسم في معنى البيان، ومثل التِّبْيَان التِّلْقَاء، وَلَوْ قُرِئَتْ تَبْياناً على وزنِ تَفْعَال لكانَ وجهاً، لأن التَبيانَ في معنى التَبْيِينَ، ولا تجوز القراءة به لأنه لم يَقْرا به أحَد من القُراء. * * * وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا). يقال: وكَدتُ الأمْر، وأكَّدْتُ الأمْرَ. لغتان جَيِّدَتَانِ، والأصل الوَاوُ. والهمزة بدل منها. * * * وقوله: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) (أنْكَاثاً) منصوب لأنه في معنى المصْدَرِ لأن معنى نكثت نقَضْتُ، ومعنى نقضت نكثت، وواحد الأنقاض نِكث وهو ما نُقِضَ بعْدَ أن غزل. قال الشاعر:. ترعيَّةً تعرفُ الأرباعَ ضجعَتُه. . . له نِكَاث مِنَ الأنجادِ والفضلِ وقوله: (تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ). أي غِشا بينكم وَغِلًّا. و (دَخَلًا) منصوب لأنه مفعول له. المعنى: تتخذون أيمانكم للغش والدَّخَل، وكل ما دَخلهُ عيبٌ قيل هو مَدْخول، وفيه دَخَل. وقوله: (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ). لتغتز إحْداهمَا بالأخرى، وأربى مأخوذَ من رَبَا الشيء يَرْبُو إذا كثر. * * * وقوله: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) يقال نفِد الشيء ينْفَدُ نفاداً ونَفَداً إذا فَنِيَ.

стр. 1146

وقوله: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً). قيل لَنَرْزُقنه حلَالاً، وقيل (حَيَاةً طيبةً) الجنةُ. وَمَوضع: (أرْبى) رَفْع. المعنى: أن تكون أمة هِيَ أكثرُ مِنْ أمةٍ. وزعم الفراء أن موضع (أرْبَى) نصب و " هِيَ " عمادٌ، وهذا خطأ، " هي " لا تدخل عماداً ولا فَصْلاً مع النِكرات. وشبههُ بقوله: (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا). و" تجدوه " الهاء فيه معرفة، و (أمَّة) نكرة. * * * وقوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) معناه إذَا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ باللَّهِ من الشَيطَان الرجيم، ليس معناه استعذ باللَّهِ بعد أن تقرأ، لأن الاستعاذة أمِرَ بها قبلَ الابتداء، وهو مستعمل في الكلام، مثله إذا أكلت فقل بسم اللَّه، ومثله في القرآن: (إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فالهيئة قبل الصلاة، والمعنى إذا أرَدْتُم ذلك فافعلوا. * * * وقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) أي: إذا نسخت آية بآيَةٍ أخرى عليها فيها مَشَقة. (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ). أي قالوا قد كذبتنا. * * * وقوله: (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)

стр. 1147

أي: إنما يفتري الكذب الذِين إذا رَأوُا الآيَاتِ التي لا يقدِرُ عليها إلا اللَّهُ كذبُوا بها، فَهؤلاء أكذَبُ الكَذَبَةِ. * * * قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) (مَنْ) في موضع رفع على البدل مِنَ الكاذِبينَ ومُفَسِّر عن الكاذبين. ولا يجوز أن يكون (مَنْ) رَفعاً بالابتداء، لأنه لا خبر ههنا للابتداء، لأنَّ قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ). ليس بكلام تام، وبعده: (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ). فقوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) خبَرُ (مَنْ) التي بعد (لكن). * * * وقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) أعلم اللَّه نبيَّه ﷺ ما يقولونه بينهِم. وقوله: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ). ويُقْرأ " يَلْحِدُونَ "، أي لِسَانُ الذي يميلُون القَوْلَ إليه أعجمي. وقيل هذا غُلَام كان لحُويطب اسمُهُ عَايِش، أسلم وحسن إسْلاَمُه.

стр. 1148

(وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ). يقال: عَرَبَ الِإنسان: يَعْرُبُ عُروبيَّةً وَعَرابةً وعُروبةً. وقوله: (مُبِينٌ). وصفه بالبيان كما وصفه بأنًه عَرَبِيٌّ، ومعنى عربيّ أن صاحبه يتكلم بالعَربية وَمَعْنَاهُ مُعْربٌ: (مُبِينٌ). * * * وقوله: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) " أنَّ " يصلح أن تكون في موضع رَفِع على أنَّ " لَا " رَدٌّ للكلام، والمعنى وجب أنَّهُمْ، ويجوز أن تكون " أن " في موضع نَصْبٍ على أن المعنى جَرَمَ فِعْلُهُمْ هذا أنهم في الآخرةِ همُ الخَاسِرُونَ. ومعنى جَرَمَ كَسَب، والمجرم الكاسِبُ، وأكثر ما يستعمل للذنوب. * * * وقوله: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) أي من بعد الفَعْلِةِ التي فعلوها. وهذه الآية في قصة عمَّا ربن ياسِر وأصحابه حين عذبَهُمْ أَهْلُ مَكًةَ فأَكْرَهُوهم على أن تركوا الإيمان، وكفروا بألسنتهم وفي قُلُوبهم ونيَّاتهم الإيمانُ، ثم هربوا منهم وهاجروا إلى النبي ﷺ فلحقهم جمع من أَهل مكة فقاتلوهم حتى نجَّاهم الله منهم، وصبروا على جهادهم. * * * وقوله: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)

стр. 1149

(يوم) منصوب على أحدِ شيئين، على معنى (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، يَوْمَ تأتي) ويجوز أن يكون بمعنى اذْكر لأن معنى القرآن العِظَة والِإنْذَارُ والتذكِير. أي اذكر يوم تأتي كل نفس أي كل إنسانٍ يُجَادِلُ عن نفسه. ويروى أنه إذا كان يومُ القيامة زَفَرَتْ جهنَّمُ زَفْرةً فلا يبقى ملك مقَرَّبٌ ولا نبى مُرْسَلٌ إلا جَثَا عَلَى رُكبَتَيه، وقال يا رب نَفْسِي نَفْسِي، وتصديق هذا قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥). . الآية. * * * وقوله: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) المعنى - واللَّه أعلم - وضرب الله مَثَلاً مثلَ قريةٍ كانت آمنَةً مطْمئنةً. (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ). أي وَاسِعاً من كل مكان. الذي جاء في التفسير أنه. يعني بها مكة، وذلك أنهم كانوا قد أمنوا الجُوعَ والخوفَ لأن اللَّه جل ثناؤه جَعَلَ أفْئِدَةً من الناس تهوي إليهم. فأرْزَاقُهُمْ تَأتيهم في بلدهم وكان حَرَماً آمِناً ويُتَخَطف الناس من حولهم. (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ). وقد جاعوا حتى بلغوا إلى أن أكلوا الوبر بالدَّم، وبلغ منهم الجوع الحال التي لا غَايَةَ بعْدَها. وأنْعُم جمع نعمة، وقالوا شِدَّة، وأشُدّ. وقال قطرب: جائز أن يكون جمع نُعْم وأنْعُم، مثل بُؤْس وأَبْؤُس. * * * وقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) عَذبهمُ اللَّهُ بالسيف والقَتْلِ.

стр. 1150

وقوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) في الكذب ثلاثة أوجه (١)، قُرئت الكَذِبَ، وقرئت الكُذُبُ، وقرِئَتِ الكذبِ، فمن قرأ - وهُوَ أكثرُ القِرَاءَةِ - الكذِبَ فالمعنى: ولا تقولوا لوصفَ ألسنتكم الكذِبَ: (هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ). ومن قرأ الكذبِ كان رَدًّا على مَا المعنى: ولا تقولوا لِوصْفِ ألسنَتِكُمُ الكذب. ومن قرأ الكُذُبُ فهو نعتُ للألسنة، يقال لِسَان كذُوبٌ وألْسِنَة كُذُوبٌ. وهذا إنما قيل لهم لِمَا كانوا حَرمُوه وأحَلوه، فقالوا: (مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا). وقد شرحنا ذلك في موضعه. * * * وقوله: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) المعنى مَتاعهم هذا الذي فعلوه متاعِ قليل. ولو كان في غير القرآن لجاز فيه النَّصْبُ: متاعاً قليلاً، على أن المعنى يَتمتعُونَ كذلك مَتَاعاً قليلاً. * * * وقوله: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) جاء في التفسير أنه كان آمَنَ وَحْدَهُ، وفي أكثر التفسير أنه كان مُعلِّماً للخير وإمَاماً حَنِيفاً قيل أخِذَ بالخِتَانَةِ. وحقيقته في اللغة أن الحنيف المائل إلى الشيء لا يزول عنه أبداً، فكان ﵇ مائلاً إلى الِإسلام غير زائل عنه. وقالوا في القانِتِ هو المطيع، والقانِتُ القائم بجميع أمر الله - جلَّ وعزَّ -. وقوله: (وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ). (لَمْ يَكُ) أصلها لم يكن، وإنما حُذفَتِ النونُ عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف، وذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، وأنها عبارة عن كل ما يَمْضي من الأفعال وما يُستَانَفُ، وأنها مع ذلك قد أشبهت

стр. 1151

حُرُوفَ اللين لأنها تكون عَلَامةً كما تكون حروف اللين عَلامةً، وأنها غُنة تخرج من الأنف. فلذلك احتملت الحذف. * * * وقوله: (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) الكلام يَدُل على أنهم ألزموا آيَة نبوة موسى ﵇. وجاء في التفسير أنه حرمَهُ بعضُهم وأحلَّه بَعضُهم. وهَذَا أدَلُّ ما جاء من الاختلاف في السبت، وقد جاء كثير في التفسير أنهم أُمِرُوا بأن يَتَّخِذُوا عِيداً فخالفوا وقالوا نريد يوم السبت لأنه آخر يوم فرغَ فيه من خَلْق السَّمَاوَات والأرض، وأن عِيسَى أمر النصارى أن يَتَخِذوا الجمعة عيداً فقالوا لا يكون عيدُنا إلا بَعْدَ عِيد إليهودِ فجعلوه الأحَدَ، واللَّه أعلم بحقيقة ذلك. * * * وقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) جاء في التفسير: (الْحِكْمَة) النبوة، و (الموعظة) القرآنُ. (وَجَادِلهُمْ بالتي هِي أحْسَنُ). أي جادلهم غير فَظ ولَا غَليظِ القَلْب في ذلك. ألِنْ لَهُم جَانِبَكَ. * * * (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) سُمِّيَ الأولُ عقوبةً، وإنما العقوبة الثاني - لازدواج الكلام لأن الجنسين في الفعل معنى واحد. ومثله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فالثاني ليس بِسيئَةٍ ولكنه سُمِّيَ به ليتفق اللفظ، لأن معنى القتل وَاحِد وقد بَيَّنَّا نظير هذا في سورة آل عمران في قوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ). وجاء في التفسير أن المسلمين هَمُّوا بأن يمثِّلوا بالمشركين، لأنهم كانوا

стр. 1152

قد مَثَّلوا بهمْ، فَهَمَّ المسلمون بأن يزيدوا في المُثْلَةِ، فأمروا بأن لا يزيدوا وجائز - واللَّه أعلم - أن يكون معنى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) أي من فُعِلَ به ما يَجِبُ فِيه القِصَاصُ فلا يُجَاوِز القِصَاصَ إلا بِمثلٍ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ). هو مثل قوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). * * * وقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) ضَيْق، في معنى ضَيِّق مخَفَف، مثل مَيْتَ وميِّتٍ. وجائز أن يكون بمعنى الضِّيقِ، فيكون مصدراً لقولك ضاق الشيء يضيق ضَيْقاً. * * * وقوله: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) أي إن اللَّهَ نَاصِرُهُمْ، كما قال: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). فقد وَعَدَ في هذه الآيَةِ بالنَّصرِ.

стр. 1153

سورة الإسْرَاءِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) (سبحان) منصوب على المصدر، المعنى: أسبح الله تسبيحاً. ومعنى سبحان اللَّه في اللغة تنزيه اللَّه عن السوء، وكذلك ما روي عن النبي ﷺ . وقوله: (أسْرَى بعَبْده لَيْلاً). معناه سَير عبدَه، يقال أسْرَيْتُ وسَرَيْتُ إذَا سِرْتُ ليْلاً، وقد جاءت اللغتان في القرآن، قال اللَّه جلَّ وعزَّ: (واللَّيْلِ إذَا يَسْرِ) هذا من سَرَيْتُ ومعنى يَسْرِي يمضي. أسرى اللَّهُ سبحانه بالنبي ﷺ من المسجد الحرام وهو مكة، والحرم كله مسجد، فأسرى الله به في ليلة واحدة من المسجد الحرام من مكة إلى بيت المقدس وهو قوله - جلَّ وعزَّ: (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ). أجرى اللَّه حول بيت المقدس الأنهار وأنبت الثمار، فذلك مَعْنَى باركنا حوله.

стр. 1154

(لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). أي لِنُرِيَ محمداً. فأراه الله في تلك الليلة من الأنبياء، وآياتهم ما أخْبَرَ بِه في غَدِ تلكَ الليلة أهلَ مكةَ فقالوا للنبي ﷺ إن لنا في طريق الشام إبلاً فأخبرنا خبرها، فَخَبَّرهُم بخبرها، فقالوا فمتى تقدم الإِبل علينا، فأخبرهم أنها تَقدُمُ في يوم سَمَّاهُ لهُمْ مع شروق الشمس، وأنه تقدمها جمل أورق، فخرجوا في ذلك اليوم، فقال قائل: هذه الشمس قد أشرقت، وقال آخر فهذه الِإبل قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ﷺ فلم يؤمنوا بعد ذلك. * * * وقوله: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) أي دللناهم به على الهدى. (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا). أي لا تتوكلوا على غيري ولا تتخذوا مِنْ دُونِي رَبًّا. * * * وقوله: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣) القراءة بنصب (ذُرِّيَّةَ). وقرأ بعضهم (ذِرِّيَّةَ) - بكسر الذال - والضم أكثر. وذُرِّية فُعْليَّة من الذر، وهي منصوبة على النداء، كذا أكثرُ الأقوالِ المعنى: يا ذُرِّيَّةَ من حملنا مع نوح. وإنما ذكروا بنعم اللَّه عندهم أنه أنجى أبناءهم من الغرق بأنهم حملوا مع نوح. ويجوز النصب على معنى ألا تتخِذُوا (ذُرِّيَّةً) من حملنا مع نوحٍ من دوني وكيلاً، فيكون الفعل، تعدى إلى الذريَّة وإلى الوكيل، تقول: اتخذت زيداً وكيلاً، ويجوز (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) على معنى: (وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ). ويجوز الرفعُ في (ذُرِّيَّة) على البدل من الواو، والمعنى (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) أي لا تتخذوا من دوني وَكيلًا (ذُرِّيَّةُ)، ولا تقرأنَّ بها إلا أن تثبت بها

стр. 1155

رواية صحيحة، فإن القراءة سنة لا يجوز أن ثخالف بما يجوز في العربية. * * * وقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) معناه أعلمناهم في الكتاب، وأوحينا إليهم، ومثل ذلك قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ). ومعناه وأوحينا إليه. وقوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) معناه خلقهن وفرغ منهن، ومثل هذا في الشعر قوله: وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع معناه عملهما. وجملة هذا الباب أن كل ما عُمِلَ عَمَلاً محكماً فقد قضِيَ، وإنما قيل للحاكم قاض لأنه إذا أمر أمراً لم يُرَدَّ أمْره، فالقضاء قَطْع الأشياء عن إحْكامٍ. والمعنى إنا أوحينا إليهم لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا،. معناه لَتَعْظٌمُنَ ولَتَبْغنَّ، لأنه يقال لكل متجبِّرٍ قَدْ عَلَا وتعظَّمَ. * * * وقوله: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) المعنى فإذا جاء وعد أُولى المرتين. (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ). يروى أنه بعث عليهم بختنصر. (فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ). أي فطافوا في خلالِ الديارِ ينظرون هل بقي أحد لَمْ يَقْتلوه، والجَوْس طلب الشيء باستقصاء.

стр. 1156

وقوله: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) أي رددنا لكم الدولة. (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا). أي جعلناكم أكثر منهم نُصَّاراً، ويجوز أن يكون نفيراً جمع نَفْرٍ كما يقال: العبيد والكليب والضّئين والمعيز. و (نَفِيرًا) منصوب على التَمييز. * * * وقوله: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ). وتقرأ (لِيَسُوءَ وجُوهَكُمْ) (١) المعنى فإن جاء وعد الآخرة ليسوء الوعدُ وجُوهَكم. ومن قرأ (لِيَسُوءُوا) فالمعنى ليسوء هؤلاء القومُ وجوهكم. وقد قرئت (لَنَسُوءً وُجُوهَكُمْ) - بالنون الخفيفة - ومعناه لَيَسُوء الوعدُ وجوهَكم، والوقف عليها لَيُسُوءًا. والأجود ليسوءَ بغير نونٍ، وليسُوءُوا. ويجوز: لِيَسُوءْ وجوهكم، ويكون الفعل للوَعْدِ على الأمر، ولا تقرأ به، ويجوز لِنَسوءَ بالنون في موضع الياء. وقوله: (وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا). معناه ليُدَمِّرُوا، ويقال لكل شيء منكسر من الزُّجَاجِ والحديد والذَّهَبِ تِبْرٌ، ومعنى (مَا عَلَوْا) أي ليُدَمِّرُوا في حَالِ عُلُوِّهِمْ عليكم. * * * وقوله: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨) (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) معناه حَبْساً، أخِذَ من قوله: حصرتُ الرَّجُلَ إذَا حَبَستُه فهو محصور وهذا حَصِيرُهُ أي مَحْبِسُهُ، والحصير المنسوج إنما سميَ حصيراً لأنه حصرت

стр. 1157

طاقاته بعضها مع بعفى. والجَنْبُ يقال له الحصير لأن بعض الأضلاع محصورٌ مع بعض. * * * وقوله: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) أي للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد اللَّه أي شهادة أن لَا إلهَ إلا اللَّه والإيمان بِرُسلِهِ، والعملُ بطاعتِه، وهذه صفة الحال التي هي أقوم الحالات. * * * وقوله: (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١) المعنى أن الإنسان رُبَّما دَعَا على نفسه وولده وأهله بالشرِ غَضَباً كما يدعو لنفسه بالخير، وهذا لم يُعَرَّ منه بشرٌ. ويروى أن النبي ﷺ رفع إلى سَوْدةَ بنت زَمْعَةَ أسيراً، فأقْبَلَ يئن باللَّيْلِ، فقالت له: ما بالُك تَئِن فشكا ألَمَ القَيدِ والأسْرِ. فأرْخَتْ مِن كِتَافه، فلما نامت أخرج يده وهرب، فلما أصبح النبي ﷺ دعا به فأعلم شأنه، فقال اللهم اقطع يديها، فرفعت سودة يديها تتوقع الاستجابة، وأن يقطع الله يديها، فقال النبي ﷺ وإني سألت الله أن يجعل دعائي ولعْنتي على من لا يستحق من أهلي رحمةً، فقولوا لها لأني بَشرٌ أغضب كما يغضب البشر لْتَردُدْ سودة يديها. فأَعلم اللَّه أن الإنسان خلق عجولاً، فهذا ضلق عليه جملةُ البشَرِ من آدم إلى آخر ولده. والإنسان ههنا في معنى الناس.

стр. 1158

وقوله: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢) أي علامتين يدلان على أن خالقهما واحد ليس كمثله شيء وتدلان على عدد السنين والحساب. (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ). أي جعلنا آية الليل دليلة عليه بظلمتِه. (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ). أي جعلناها تضيء لكم لتبْصِروا كيف تَصَرَّفًونَ في أعمالكم (وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ). وُيرْوَى أن القمر كان في ضياء الشمس فمحا اللَّه ضياءه بالسواد الذي جَعَلَ فيه. (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). أي بَيَّنَاهً تَبييناً لا يلتبس مَعَه بغيره، والاختيار النَّصْبُ في. " كلَّ ". المعنى في النصب: لِتَبْتَغُوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين، وفصلنا كل شيء تفصيلاً. و (كلَّ) منصوب بفعل مضمر الذي ظهر يفَسِّرهُ، وهو (فصلْنَاهُ) ويجوز (وَكلُّ شَيْءٍ فصلناه تفصيلاً). وكذلك النصْب والرفع في قوله: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) إلا إني لا أعلم أحداً قرأ بالرفع. وجاء في التفسير: طائره، أي خَيْرُه وشَرُّه، وهو - واللَّه أعلم - ما يُتَطيَّر من مثله من شيء عمله كما قَالَ (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، وكما يُقال للِإنسان إثْمِي في عُنُقِك، وإنما يقال للشيء اللازم له: هذا في عُنق الِإنْسَان، أي لُزُومه له كلزوم القلادة له من بين ما يُلبس في العنق. (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)

стр. 1159

وفي هذه أربعة أوجه: وتُخْرَجُ له، ويُخْرِجُ له، أي ويُخْرِجُ اللَّهُ لَه. ويُخْرُجُ له. أي ويُخْرُجُ عملهُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كتاباً، وكذلك يخْرَج له عمله يوم القيامة. (كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا) منصوب على الحال. وقوله: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) (بنفسك) في موضع رفع، وإن كان مجروراً بالباء، ولو كان في غير القرآن جاز. . كفى بنفسكَ اليوم حسيبة، والمعنى كفت نفسك حسيبة، أي إذا كنت تشهد على نفسك فكفاك بهذا. و (حَسِيبًا) منصوب على التمييز. * * * وقوله: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) يقال: وَزَرَ يَزِرُ فهو وَازر وَزْراً، وَوِزْراً، وزِرَة، ومعناه أثِمَ يَأثَمُ إثماً. وفي تأويل هذه الآية وجهان: أحدهما أن الآثِمَ والمُذْنِبَ، لا يؤخذ بذنبه غيرُهُ، والوجه الثاني أنه لا ينبغي للإنسان أن يعمل بالإثم لأن غيره عمله كما قالت الكفار: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ). وقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). أي حتى نبين ما به نُعَذبُ، وما من أجْله نُدْخِلُ الجنةَ. * * * وقوله: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) تقرأ أمَرْنَا مخففَةً على تقدير فعلنا (١)، وتقرأ آمرنا مترفيها على تقدير أفعلنا. ويقرأ أمَّرْنا - بتشديد الميم -، فأما من قرأ بالتخفيف فهو من الأمر، المعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا. فإن قال قائل: ألست تقول: أمرت زيداً فضرب عمراً، فالمعنى أنك أمرته أن يضرب عمرا فضربه، فهذا اللفظ لا يدل على

стр. 1160

غير الضرب، ومثل قوله: أمَرْنا مُتْرفيها ففسقوا فيها. من الكلام: أمرتك فعَصَيتني. فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر، وكذلك الفَسْقُ مُخَالَفَة أمْرِ اللَّه جل ثناؤه. وقد قيل: إنَّما معنى أمرنا مترفيها كَثَّرْنَا مترفيها، والدليل علي هذا قول النبي ﷺ " خير المال سِكَّةُ مأبورة ومُهْرة مَأمُورَة ". أي مُكَثرَة، والعرب تقول قَدْ أمِرَ بنو فلان إذَا كَثرُوا. قال الشاعر: إن يُغْبَطُو يَهْبطوا وَإن أمِروا. . . يوماً يصيروا للهلك والنَّفَد ويروى بالنقد - بالقاف - ومن قرأ آمرنا فتأويله أكْثَرنا، والكثرة ههنا يصلح أن يكون شيئين، أحدهما أن يكثر عدد المترفين، والآخر أن تكثر جِدَتُهم ويسَارُهُمْ. ومن قرأ أمَّرنا بالتشدِيد، فمعناه سَلَّطنَا مترفيها أي جعلنا لَهُمْ إمْرةً وسلطانا.
следующие страницы →