← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

عنك أي ما استتر عنك، وليس من الأضداد كما يقول بعض أهل اللغة، قال النابغة: حَلَفْت فلمْ أترك لنفسك ريبةً. . . وليس وراءَ الله للمرء مَذْهَبُ أي ليس بعد مذاهب الله للمرء مذهب. (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ). أي مما يسيل من أهل النَّار من الدَّم والقيح. * * * (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧) أي لا يقدر على ابتلاعه، يقال ساغ لي الشراب وَأسَغْتُه. (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ). أي من بعد ذلك. * * * وقوله : (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) فهو مرفوع على معنى وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا بِرَبِّهم، أو مَثَل الذين كفروا بربهم - فيما يتلى عليكم، وجائز أن يكون - واللَّهُ أعلم - مثل الذين كفروا بربهم صفة الذين كفروا بربهم أعمالهم، كأنك قلت: " الذين كفروا بربهم أعمالهم "، كما تقول صفة زيد أسمر، المعنَى زيدٌ أسمَرُ وتأويله أن كل ما يتقرب به الذين كفروا إلى اللَّه فمُحْبَطٌ. قال الله : (حَبِطَتْ أَعْمَالُهُم فِي الدُّنْيَا والآخِرَة). ومثله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).

стр. 1087

وقوله: (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) أي جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع. (فَقَالَ الضُعَفَاءُ)، وهمُ الأتباعُ. (للذين استكبروا) وَهم المَتْبوعونَ. (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا). أي اتبَعناكم فيما دعوتمونا إليه، وتَبَعاً جمع تَابع، يقال تابع وتَبَعُ، مثل غائب وغَيَبٌ، وجائز أن يكون تبع مَصْدَراً سمِّيَ به، أي كنا ذوي تبع. * * * وقوله : (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا). (سَوَاءٌ) رفع بالابتا اء، و (أَجَزِعْنَا) في موضع الخبر. (مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ). أي ما لنا من مهرب ولا مَعْدِل عن العذابِ، يقال حاص عن الشيء يَحِيص، وَجَاصَ عنه يَجِيصُ في معنى واحدٍ. وهذه اللغة لا تجوز في القرآن ويقال: وقع في حَيْصَ بيْصَ، وَحَاصَ باصَ وحَاصٍ بَاصٍ، إذا وقع فيما لا يقدرُ أن يتخلص منه. * * * (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) روي أنه إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النَّارِ قام إبليس عليه لعنة الله خطيباً، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ)، أي وَعَدَ من أطاعه الجنة ووعد مَن عَصاه النَّارَ، (وَوَعَدْتُكُمْ) خلاف ذلك وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ. أي ما أظهرت لكم مِنْ حُجةٍ. (إلا أن دَعَوْتُكمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي). أي أغويتكم وأضللتُكمْ، فاتبعتموني. ذكر اللَّه أن إبليس

стр. 1088

وما يقوله في القيامة تحذيراً من إضلاله وإغوائه. (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ). أي ما أنا بمُغيثكم، ولا أنتم بمُغِيثي، قُرِئَتْ بِمُصْرخِيَّ - بفتح الياء. كذا قرأه الناس، وقرأ حمزة والأعشى بمُصْرِخِىِّ بكسر الياء، وهذه القراءة عند جميع النحويين رديئة مرذولة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف ذكره بعض النحويين (١)، وذلك أن ياء الِإضافة إذَا لم يكن قبلها ساكن حُرِّكَتْ إلى الفتح: تقول: هذا غلامِيَ قد جاءَ، وذلك أن الاسم المضمَرَ لمَّا كان على حرف واحدٍ وقد منع الإعراب حرك بأخف الحركات، كما تقول: هو قائم فتفتح الواو، وتقول: أنا قمْتُ فتفتح النون، ويجوز إسكانُ الياء لِثِقَلِ الياء التي قبلها كسرة، فإذا كان قبل الياء سَاكِن خرِّكَتْ إلى الفتح لا غير، لأن أصلها أن تحرك ولا ساكن قبلها، وإذا كان قبلها ساكن صارت حركتها لازمَةً لالتقاء السَّاكنين،. ومن أجاز بمصْرخيِّ بالكسر لَزِمَهُ أن يقول: هذه عَصَاي أتوكأ عليها، وأجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر لأن أصل التقاء السَّاكنين الكسرُ، وأنشد: قال لها هل لك يا ثافيِّ. . . قالت له مَا أنتَ بالمَرْضِيِّ

стр. 1089

وهذْا الشعر مما لا يلتفت إليه، وعَمَل مثلِ هذا سهلٌ، وليس يعرف قائل هذا الشِعرِ من العرب، ولا هو مما يحتج به في كتاب الله . (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ). إني كفرت بشرككم - أيهَا التُّبَاعُ - إياي باللَّهِ، كما قال : (ويومَ القيامةِ يَكْفُرُون بِشِرْكِكُمْ). وقوله تعالى: (عَذَابٌ ألِيمٌ) معناه وجيعٌ مؤلمٌ. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) ضرب اللَّه للإيمان به مثلًا، وللكفر به مَثَلاً، فجعل مَثل المؤمِنِ في نطقه بتوحيده والإيمان بنبيه واتباع شريعته، كالشجرَة الطيبة. فجعل نفع الِإقامة على توحيده كنفع الشجرة الطيبة التي لا ينقطعَ نفعُها وثمرها، وجاء في التفسير أن الشجرة الطيبة النخلة، والدليل على أن هذا المثل يراد به توحيد اللَّه، والِإيمانُ بنَبِيِّهِ وشرِيعَتِه قوله : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ). * * * وقوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) اختلف الناس بتفسير الحين، فقال بعضهم كل سَنَةٍ، وقال بعضهم: كل

стр. 1090

ستةِ أشْهُر، وقال بعضهم: غُدْوة وعشية. وقال بعضهم: الحين شهران. وجميع من شاهدنا من أهل اللغة يذهب إلى أنَّ الحينَ اسم كالوقت. يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت. فالمعنى في قوله تعالى (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ) أنهاينتفع بها في كل وقتٍ، لا ينقطع نفعها ألبتَّةَ، والدَّليل على أن الحين بمنزلة الوقت قول النابغة، أنشده الأصمعي في صفة الحيَّةِ والملدوغ. تناذرها الراقون منَ سوء سمها. . . تطلقه حيناً وحيناً ترَاجعُ فالمعنى أَن السم يَخِفُّ أَلَمُه في وقت ويعود وقتاً. * * * (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) قيل إن الشجرة الخبيثة الحنظل وَقيلَ الكوث. (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ). معنى (اجْتُثَّتْ) استؤصلت من فوق الأرض، ومعنى اجْتُثَّتْ في اللغةِ أخِذتْ جُثَّتَهُ بكمالها: (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ). فالمعنى أنَّ ذكرَ اللَّه بالتَّوْحِيدِ يَبْقَى أبداً ويَبْقَى نَفْعه أبداً، وأن الكفْرَ والضلاَلَ لَا ثبوتَ لَه.

стр. 1091

وقوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧) روي أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر، فإذا مات المَيِّت قيل له: مَنْ ربُّك وما دِينُكَ ومن نبيُكَ، فإذا قال: اللَّه ربي ومحمدٌ نبى والإسلام ديني. فقد ثبَّته الله بالقول الثابت في الآخرة لأن هذا بَعْدَ وفاته، وتثبيته في - الدنيا، لأنه لا يلفقه في الآخرة إلا أن يكون ذلك عقدة في الدنيا. * * * وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) والبوإر الهلاك والاستئصال. * * * (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) (جَهَنَّمَ) بدل من قوله (دَارَ البَوَار) ومُفَسَّرة. . . وجهنم لم تُصْرَفْ لأنها مؤنثة وهي معرفة. * * * وقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) النِّدُّ: المِثْل، بيَّن وجه كفرهم. (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ)، وليَضِلوا، قرئ بهما جميعاً. * * * وقوله: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١) إن شئت حركتَ الياء، وإنْ شِئْتَ أسكَنْتَها. و (يقيموا) (١) جزم على جواب الأمر، وفيه غير وجه، أجودها أن يكون مبنياً، لأنه في موضع الأمر. وجائز أن يكون مجزوماً بمعنى اللام إلا أنها اسْقِطَتْ، لأن الأمر قد دل على الغائب بِقُلْ، تقول: قل لزيد لِيَضْربْ عمراً، وَإنْ شئت قلت: قل لزيْدِ

стр. 1092

يَضْرِبْ عَمرا، ولا يجوز قل يضرب زَيْد عمرا ههنا بالجزم حتى تقول ليضرب، لأن لام الغائب ليس ههنا منها عوض إذا حذفتها. وفيها وجه ثالث على جواب الأمر على معنى قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة، لأنهم إذا آمَنُوَا وَصَدَّقوا، فإن تصديقهم بقبولهم أمر اللَّه . * * * وقوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ). إن شئتَ رفعتَ البيعَ والخلالَ جميعاً، وإن شئت نصبتهُما جميعاً بغير تنوين وإن شئت نصبت أحدهما ورفعتْ الآخر، فالنصب على النفي بلا، وقد شرحنا ذلك فيما سلف من الكتاب، والخلال والخلة في معنى الصداقة. * * * وقوله : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) معناه: دائبين في إصلاح ما يصلحانه من الناس والنبات لا يَفْتُرَانِ. * * * (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) وتقرأ (مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) بتنوين (كُلٍّ)، فموضع " ما " خفض بالإضافة والمعنى من كل الذي سألتموه. ومن قرأ (مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) فموضع " ما " نَصْبٌ. والمعنى وآتاكم من كل الأشياء التي سألتموه. فإن قال قائل: فقد أعطى العباد مَا لَمْ يَسألوا؟ قيل له ذلك غير ناقض هذه الآية، إذَا قال: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُل الذِي سَالتُموه) لم يوجب هذا أن يكون لم يعطهم غير ما سألوه، ويجوز أن يكون " ما " نفياً، ويكون المعنى وآتاكم من كل ما لم تسألوه، أي آتاكم كل الشيء الذي لم تسألوه.

стр. 1093

وقوله : (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ). هذا اسم للجنس يقصد به الكافر خاصَّة، كما قال: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). والإِنسان غير المؤمن ظلومٌ كفَارٌ. * * * (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) يعني مكة (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ). وتَقرأ (وأجْنِبْني وبَني) عَلى أجْنَبْتُة كذا وكذا إذا جعلته ناحية منه، وكذلك جنبتُه كذا وكذا. ومعنى الدعاء من إبراهيم ﵇ أن يُجَنَبَ عبادة الأصنام، وهو غير عابد لها على معنى ثَبِّتْنِي على اجتناب عبادتها كما قال: (وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) أي ثبِّتنا على الإِسلام. * * * (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) أي ضلِّلُوا بسببها، لأن الأصنام لا تعقل ولا تَفْعَل شيئاً، كما تقول قد فتنتني هذه الدارُ.، أي أنا أحْبَبْتها واسْتَحْسَنْتُها، وافتتنت بها. (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). أي فإنك غفور رحيم له إن تاب وإن آمن، لا أنه يقول إن من كفر فإن اللَّه غفور رحيم، فإن اللَّه لا يغفر له، ألا ترى قوله في أبيه: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ).

стр. 1094

(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ). أي اجعل أفئِدَةً جماعةًْ مِن الناس تنزع إلَيْهِمْ، ويجوز تَهَوَى إليْهِمْ. فمن قرأ تهوي إليهم فَهُوَ على هَوَى يَهْوِي إذا ارتفع (١)، ومن قرأ تَهَوى إليهم فعلى هَوِيَ يَهْوَى إذا أحب، والقراءة الأولى هي المختارة. * * * وقوله : (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) أي واجعل مِنْ ذُرِّيَّتِي من يقيم الصلاة. (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ). القراءة بغير " ياء " في دعائي، إذا وقفت، فإذا وصلت فأنت بالخيار إن شئت قلت دعاءِ بغير ياء، وكانت الكسرة في الهمزة تنوب عن الياء، والأجود إثبات الياء، وإن شئت أسْكَنتَها، وإن شئت فتحتها. * * * وقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١) هذا قبل أن يتبين لِإبراهيم أن أبَاهُ عَدُوٌّ للَّهِ، فلما تبيَّنَ لَهُ ذلك تبرأ منه. وقيل إنه يَعْنِي بوالديه هنا آدمَ وحواء وقيل أيْضاً ولوَلَدَيَّ، يعني به إسماعيل وإسحاق، وهذه القراءة ليست بشيء لأنها خلاف ما عليه أهل الأمصار من أهل القراءات. (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ). يعني يوم القيامة، و " يَوْمَ " منصوب بـ (اغْفِرْ لِي). * * * وقوله: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) (مُهْطِعِينَ) منصوب على الحال، المعنى إنما يؤخرهم ليوم تَشخص فيه

стр. 1095

أبصارُهُمْ مُهْطعِينَ أي مُسْرعين. قال الشاعر: بدجلة أهلها ولقد أرأهُمْ. . . بدجلة مهطعين إلى السماع أي مسرعين. و (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) رافعيها ملتصقة بأعناقِهِمْ، والمقنع الرافع. والمقْنَع المرتفع قال الشاعر:. يُبادِرْنَ العِضاهَ بمُقْنعاتٍ. . . نواجذُهُنَّ كالحِدَإِ الوَقيعِ يصف إبلأ ترعى الشجر وأن أسنانها مرتفعة كالفؤوس. وقوله: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ). أي منحرفة لا تَعي شيئاً من الخوف، وقيل نزعت أفئدتهم من أجوافهم قال الشاعر: كأَنّ الرَّحل مِنها فَوْق صَعْلٍ. . . من الظِّلْمانِ جُؤْجُؤه هَواه. * * * وقوله : (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) القراءة بكسر اللام الأولى، من " لِتَزُولَ " وفتح اللام الأخيرة، هي قراءة حسنة جيدة (١)، والمعنى وما كان مكرهم لتزول منه الجبال، أي ما كان

стр. 1096

مكرهمِ ليزول به أمر النبي ﷺ وأمر دين الإسلام وثبوته كثبوت الجبال الراسية، لأن اللَه وَعَدَ نبيَّه ﵇ إظْهَارَ دِينِه عْلى كل الأديان فقال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) ودليل هذا قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) أي لا يخلفهم ما وعدهم من نصرهم وإظهار نبوتهم وكلمتهم، ويقرأ (وَإنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ) على الرفع وفتح اللام الأولى. ومعناه معنىً حَسَن " صحيح. والمعنى: وعند الله مكرُهم وإن كان مكرُهم يبلغ في الكيد إلى إزالة الجبال، فإنَ الله ينصُرُ دينه، ومَكْرهم عنده لا يخفى عليه. فإِنْ قَالَ قَائِل: فهل زالت الجبال لمكرهم؛ فقد روي في بعض التفسير قصةُ التابوت والنُّسُورِ، وأن الجبال ظنت أن ذلك أمر من أمر اللَّه عظيم فزالت، وقيل هذا في قصة النمرود ابن كنعان؛ ولا أرى لنمرودَ ههنا ذكراً، ولكنه إذا صحت الأحاديث به فمعناه أن مَكْرَ هؤلاء لو بلغ مكر ذاك لم ينتفعوا به، وأمَّا مَا تُوحِيه اللغَة وخطابُ العَرَبِ فأن يكون المعنى وإن لم يكن جبل قط، زال لمكرِ المبالغة في وصَف الشيء أن يقال: لو بلغ ما لا يُظَن أنه يبلُغُ ما انتفع به. قال الأعشى:

стр. 1097

لئن كنتَ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً. . . ورُقِّيتَ أَسبابَ السماءِ بسُلَّمِ لَيَسْتَدْرِجَنْكَ الأَمرُ حتى تَهُرَّه. . . وتَعْلَمَ أَني لستُ عنكَ بمُحْرِمِ فإنما بالغ في الوصف وهو يعلم أنه لا يُرَقَّى أسباب السماء، ولا يَكُونُ في جُبٍّ ثمانينَ قامةً فيستَدْرِجَهُ القَوْلُ. فالمعنى على هذا: لو أزال مكرهم الجبَالَ لما زال أمْرُ الإسلام وما أتى به النبي ﷺ . * * * (فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) وقُرئت مخلص وَعْدَه رُسُلِهُ، وهذه القراءة التي بَنَصْب الوَعْدِ وخَفْض الرسُل شاذَّة رديئة، لا يجوز أن يفرق بين المضَافَ والمضاف إليه. وأنشدوا في مثل هذا.

стр. 1098

فزجَّجتها بمزجَّةٍ. . . زَجَّ القَلُوصَ أبي مَزَاده المعنى فزجْجتها بمزجَّةٍ زَجَّ أبي مزادة القَلُوص. والقراءة: (مُخْلِفَ وَعْدِه رُسُلَه)، كما تقول: هذا مُعْطِي دِرْهَمٍ زيداً (١) * * * (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) إنْ شئت نَصَبْتَ اليوم عَلَى النَعْت لقوله: يَوْمَ يَقومُ الحسَابُ يَوْمَ تبدل الأرْضُ. وإن شئت أن يكون منصوباً بقوله ذُو انْتِقَام، المعنى أن الله ذو انتقام أي بَيَنهُمْ يوم تبدل الأرض غير الأرض، والأرض مرفوعة على اسم ما لم يسمَّ فاعله، وغَير منصوبة على مفعول ها لم يسم فاعله، تقول: بُدِّلَ الخاتَمُ خاتَماً آخَر إذا كسر وَصِيغَ صيغة أخرى، وقد تقول بُدِّلَ زَيْدٌ إذا تغيرت حاله، فمعنى تبدل الأرض غير الأرض تسيير جبالها وتفجير بحارها وكونها مستوية لا يرى فيها عِوَجٌ وَلاَ أمْت، فهذا - والله أعلم - تبديلها. (والسَّمَاوَاتُ). " أي وتبدل السَّمَاوَاتُ غير السَّمَاوَات، وتبديل السَّمَاوَات انتثار كواكبها وانفطارها وانشقاقها وتكوير شمسها وخسوف قمرها. (وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). أي خرجوا من قبًورهم بَارزينَ. * * * (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)

стр. 1099

والأصفاد الأغلال، واحدها صَفَدٌ، يفال صَفَدتُه بالحديد، وَأصْفَدته. وصفدت في الحديد أكثر، وأصفدته إذَا أعطيته، وصفدته إذا أعطيته أيضاً إلا أن الاختيار في العطية أصفدته وفي الحديد صفدته. قال الشاعر: وإن جئْتُه يوماً فقرَّب مَجْلِسِي. . . وأصْفدني على الزَّمانَةِ قائدا معناه أعطاني قائداً. * * * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) السربال كل ما لبس. وجعلت سرابيلهم من قطران - واللَّه أعلم - لأن القطران يبالغ في اشتعال النار في الجلود، ولو أراد الله المبالغة في إحراقهم بغير نار وغير قطران لقدر على ذلك، لكن عذب بما يعقل العباد العذاب من جهته وحذرهم ما يعرفون حقيقته، وقرئت (مِنْ قِطْرٍ آنٍ)، قرأ بها جماعة. والقِطْر النحاس، وآنٍ قد انتهى حَرُّه.

стр. 1100

سورة الحجر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) قرئت (رُبَّمَا) يود بتشديد الباء وتخفيفها، والعرب تقول: رُبَّ رجلٍ جاءني، ويخففون فيقولون رُبَ رَجُل، قال الحادرة فَسُمَيَّ ما يدريك أن رُبَ فِتْيَةٍ. . . باكرتُ لَذَّتَهُمْ بِأدْكَنَ مُتْرعِ يريد سُمَيَّة، فَرَخَّمَ.

стр. 1101

ويسكنون في التخفيف فيقولون: رُبْ رَجُلٍ قد جاءني. وأنشدوا بيت الهذلي: أَزُهَيرُ إِنْ يَشِبِ القَذالُ فإِنَّني. . . رُبْ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لفَفْت بِهَيْضَلِ ويقولون ربَتَّا رجل، وربَّتْ رَجل، ويقولون رَبَّ رَجْل، فيفتحون الراء ورُبَمَا رَجل جاءني - بفتح الراء، وَرَبَّتَمَا رجل فيفتحون. حكى ذلك قطرب. فأما تفسير الآية ففيه غير قول، قيل إنه إذا كان يوم القيامة وعاين الكافِرُ القيامة وَدَّ لو كان مسلماً، وقيل إنه إذا عاين الموت وَدَّ لَوْ أنه مسْلِم. وقيل إذا كان يوم القيامة أخرج المسلمون من النار فوَدَّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين. وقيل يعَيِّر أهْل النار الكفَرَة المُسْلِمينَ قائلين: ما نفعكم إيمَانُكُمْ، فيغضب اللَّهُ لذلك، فيخرجهم من النَّارِ فيود الذين كفروا لو كانوا مسلمين. والذي أراه - واللَّه أعلم - أن الكافر كلما رأى حالاً من أحوال العذاب ورأى حالًا عليها أحوال المسْلِم وَدَّ لوكان مُسْلِماً. فهذه الأحوال كلها تحتملها الآية. فإن قال قائل: فلم كانت، (رُبَّ) ههنا، ورُبَّ للتقليل؟ فالجواب في هذا أن العرب خوطبت بما تعقله في التهدُّدِ، والرجل يتهدَّدُ الرجلَ فيقول له: لَعلك سَتَنْدَمُ على فعلك، وهو لَا يَشك في أنه يَنْدَم، وتقول له: ربما نَدِم الِإنْسَانُ من مثل ما صنعتَ، وهو يعلم أن الِإنسان يندم كثيراً، ولكن مجازه أن

стр. 1102

هذا أو كان مما يُوَدُّ في حَالٍ وَاحِدَةٍ من أحوال العذاب، أو كان الِإنسانَ يخافُ أنْ يندمَ على الشيء لوجَبَ عَليه اجْتِنَابُه. والدليل على أنه عَلَى مَعْنَى التهدُّدِ. * * * قوله : (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وجائز أن يكون - واللَّه أعلم - أن أهوال يوم القيامة تسكرهم وتَشْغَلُهم عن التَمني، فإذا أفاقوا مِنْ سَكْرةٍ من سَكَرات العَذَابِ ودوا لو كانوا مسلمين. فأمَّا من قال إن رُبَّ يُعْنِيَ بها الكثير فهذا ضِدُّ مَا يَعْرفُه أهلُ اللغةِ، لأن الحروف التي جاءت لمعنىً تكون على ما وضعت العَربُ. فربَّ موضوعة للتقليل، وكم موضوعة للتكثير، وإنما خوطبوا بما يعقلون ويستفيدون. وإنما زيدت ما مع رُبَّ ليليها الفعُلُ، تقول رُبَّ رَجُلٍ جَاءَنِي وربما جاءني رَجُل. * * * وقوله : (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) أي إلا ولها أجل لا تتقدمه ولا تتأخُرَ عَنه. * * * وقوله (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) معناه هَلَّا تأتينا بالملائكة، روى ذلك. قالوا للنبي ﵇: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ). * * * فقال: (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) أي إِنما تنزل بآجال أو بوحي من اللَّه. (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ). أي لو نزلت الملائكة لم ينظروا، وانقطعت التوبات، كما قال:

стр. 1103

(وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ). وتقرأ (ما تَنَزلُ الملائِكَةُ إلا بِالحقِّ)، وما تُنَزِّلُ الملائِكةَ، وما تُنَزَّلُ الملائكةُ، وَمَا تَنْزِلُ الملائِكَةُ. * * * وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) أي نَحْفَظُهُ من أن يقع فيه زيادة أو نقصان، كما قال: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)). * * * وقوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) أي في فرق الأولين * * * (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) فأَعلم اللَّه أن سفهاء كل أُمَّةٍ يستهزئون برُسُلها. * * * (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) وتقرأ نُسْلِكه، أي كذلك نسلك الضلال في قلوب المجرمين، أي كما فُعِلَ بالمجرمين الذين استهزأوا بمن تقدَّم مِنَ الرُّسُلِ كذلك نسلك الِإضلال في قلوب المجرمين. ثم بين ذلك فقال: (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) أي وقد مضَت سنة الأولين بمثل ما فعله هؤلاء، فهم يقتفون آثارهم في الكفر، ثم أعلمم تعالى أنهم إذا وردت عليهم الآية المعجزة قالوا سِحْرٌ وقالوا: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) كماقالوا حين انشق القمر: (هذا سِحْرٌ مُسْتَمر)، فقال : (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) ويقرأ يَعْرِجُونَ، أي يصعدون ويذهبون - ويَجِيئُونَ ويصلح أن يكون

стр. 1104

(يَعْرُجُونَ) للملائكة والناس، وقد جاء بهما التفسير. ْ (لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وسُكِرَت، ويجوز سَكَرت بفتح السين، ولا تَقْرأنَّ بها إلا أن ثبتت بها رواية صحيحة. وفسروا سُكَرَتْ أُغْشيَتْ، وسَكِرتْ تَحَيَّرَتْ وسكنت عن أن تَنظُر. والعرب تقول: سَكِرتِ الريح تسكرُ إذا سَكنت وكذلك سكر الحر يسْكَرُ، قال الشاعر: جاء الشِّتاءُ واجْثَأَلَّ القُبَّرُ. . . وجَعَلَتْ عينُ الحَرُورِ تَسْكُرُ * * * وقوله : (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) جاء في التفسير نجوماً وكواكب، وقيل منازل الشمس والقمر. وهذه البُروجُ التي يُسمِّيهَا الحُسَّابُ: الجَمَل، والثوْر، وما أشبهَهَا، هي كواكب أيضاً، صُوَرُها على صُورِ أسْماء أصحابها. فالبروج نجوم كما جَاءَ في التفسير. (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)

стр. 1105

معنى رَجِيم قيل مَلعُون، وجائز أن يكون رَجم مرجوماً بالكواكب، كما قال : (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ). * * * وقوله : (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) مَوْضِع " مَنْ " نَصْبْ، بمعنى لكن من استرق السمع، وجائز أن يكون في موضع خفض، على معنى (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ). والشُهُبُ الكواكب المنقضةُ من آيات اللَّه للنبي ﵇، والدلِيلُ على أنها كانت انْقَضَّتْ بعد مولد النبي ﷺ أن شعراء العرب الذين كانوا يمثلون في السرعة بالبرق وبالسيل وبالأشياء المسرعة لم يوجد في أشعارها بيتٌ واحدٌ فيه ذكر الكواكب المنْقَضَّة، فلما حدثت بعد مولد النبي ﵇ استعملت الشعراء ذكرها قال ذو الرمة. كأَنّه كَوْكَبٌ في إِثْرِ عِفْرِية. . . مُسَوّمٌ في سوادِ الليل مُنْقَضِب * * * (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) كانت الأرض طينة فمدت، وقيل مُدَّتْ من تَحْتِ البيتِ الحرام والرواسِي الجبال الثوابت. ومعنى (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي من كل شيء مقدور جرى على وزنٍ مِنْ قَدَرِ اللَّه لا يُجَاوِزُ ما قَدره الله عليه، لا يستطيع خلقَ زيادة فيه ولا نقصاناً. وقيل (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)، أي من كل شيءٍ يُوزَن نحو الحديد والرصاص والنحاس والزرنيخ.

стр. 1106

(وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) موضع " منْ " نصبٌ من جهتين إحداهما العطف على معايش، المعنى وجعلناكم من لستم له برازقين، وجائزٌ أن يكون عطفاً على تأويل لكم. المعنى (في جعلنا لكم فيها معايش) أعشناكم ومن لستم له برازقين. وفي التفسير أن من لستم له برازقين الدوابُّ والأنْعَام. وقيل في بعض التفسير الوُحُوش. والنحويون يذهبون إلى أن " مَنْ " لَا يكادُ أن يكونَ لِغَيْرِ مَا يعْقل، وقد قال : (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)، فجاءت " من " لغير الناس إذ وُصِفَ غيْرُ الناس بصفاتهم، كما جاءت الواو لغير الناس في قوله (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). والأجود واللَّه أعلم أن يكون " مَنْ " ههنا أعني (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) يراد بها العبيد والأنعام والدواب فيكون المعنى جعلناكم فيها معايش وجعلنا لكم العبيد والدواب والأنعام وكفِيتُمْ مؤونة أرزاقها. * * * وقوله : (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) (لَوَاقِحَ) تأتي بالسحاب، ولواقح تُلْقح السحاب وتُلْقِحَ الشَجر، وجاز أن يقال للريح لقحَت إذا أتت بالخير، كما قيل لها عقيم إذا لم تأت بخير، وأتت بعذاب، كما - قال : (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١). ويجوز أن يقال لها لواقح وإن لقحت غيرها لأن معناها النسب. * * * وقوله : (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)

стр. 1107

قيل فيها غير قول، قيل المستقدمين ممن خلق والمستأخرين ممن يحدُث من الخلق إلى يوم القيامة ثم قال: (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) أي الذي أنشأهم وعَلَّمَهُمْ هو يحشرهم مبعوثين كما بدأهم أول خلق: (إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ). أي تدبيره يجري بحكمة وعلم، وقيل: ولقد علمنا المستقدمين منكم في طاعة الله والمستأخرين فيها، وقيل إنه كانت امرأةٌ حسناءُ تصلي خلفَ رَسولِ اللَّه ﷺ فيمن يُصَلِّي من النسَاءِ، وكان بعض من يصلي، يتأخر في آخر الصفوف، فإذا سَجَدَ اطلع إليها من تحت إبطه، والذين لا يقصدون هذا المقصِدَ إِنَّمَا يَطلُبُونَ التقدم في الصفوف لما فيه من الفضل. * * * (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) فمن قرأ (صراط عَلِيٌّ مستقيمٌ)، فالمعنى هذا صراط مستقيمٌ عَلى أي على إرَادَتِي وأمري، ومن قرأ " عَلِيٌّ " أرَادَ: طريق رفيعٌ في الدِّين والحق. وقوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) الصَّلَصَال الطين اليابس الذي يَصِل ليبسه، ومعنى يَصِل يُصَوِّتُ قال الشاعر: رَجَعْتُ إِلى صَدْرٍ كجَرَّةِ حَنْتَمٍ إِذا قُرِعَتْ صِفْراً من الماء صَلَّتِ

стр. 1108

و (مَسْنُونٍ). قيل فيه مُتَغَيَر. وإنما أخذ من أنه. على سُنَّةِ الطريق لأنه إنما تغيُرَ إذا قام بغير ماء جارٍ. * * * (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) (الْجَانَّ) منصوب بفعل مُضَمَر، المعنى وخلقنا الجانَّ خلقناه، وخلق اللَّه الملائكة من نور العزَّةِ، وخلق آدم من تراب وخَلَق الجَانَّ مِنْ نَارِ السَّمُومِ. * * * وقوله : (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) قال سيبويه والخليل: (أَجْمَعُونَ) توكيد بعدَ تَوْكيدٍ، وقال محمدُ بن يزيد: (أجمعون) يَدُل على اجتماعهم في السجود، المعنى فسجدوا كلُهم في حالٍ واحدة. وقول سيبويه والخليل أجود، لأن أجمعين معرفة، فلا يكون حالًا. * * * (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) (إِبْلِيسَ) مستثنى ولَيْسَ مِنَ الملائكة إنما هو من الجن كما قال : (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ). وهو منصوب استثناء ليس من الأول، كما قال: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧). المعنى لكن إبليس أبى أنْ يكونَ. * * * وقوله : (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) موضع أن نصب بإسْقَاطِ في، وإفضاء الناصِبِ إلى أن المعنى أيُّ شيءٍ يقع لك في أن لا تكون مع السَّاجِدينَ. * * * وقوله: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)

стр. 1109

معناه مَرْجُوم مَلْعُون. * * * وقوله : (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) لجهنم سَبْعَةُ منازلَ لكل مَنْزِلَةٍ صِنفْ ممًن يُعذَبُ على قدر منزلته في الذَنْبِ * * * وقوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) الغِل الحِقدُ، وُيرْوَى أنَّه يخلص المؤمنونَ من النار فيحبسون على قنطرةٍ بين الجنة والنَّارِ، فيقتص لبَعْضِهم من بَعْض، ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نُقُوا وهذبُوا فخلصت نياتهم من الأحقاد. (إِخْوَانًا). منصوب على الحال. (عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ). في التفسير لا ينظر بعضهم في قَفَا بعض. * * * (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) أي لا ينالهم تعب * * * (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) يروى في التفسير أن العبد لو علم قدرَ عَفو اللَّه - لما أمْسَكَ عن ذنبٍ. ولو علم مقدار عقوبة لبَخَعَ نفسه في العبادة، ولما قَدِمَ عَلَى ذَنْبٍ. * * * (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) (فَقَالُوا سَلَامًا) قَالَ سَلَامْ. (سَلَامًا) منصوب على المصدركأنهم قَالوا سَلَّمنَا سَلَامًا. وقوله: (قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ). أي خائفون، فإنما وجِلَ لما قدَّم إليهم العجلَ فرآهم لا يَاكُلُونَ منه وَجِلَ.

стр. 1110

(قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) يقال وَجلَ يَوْجَل، وياجَلُ يِيْجَلُ وَيجَلُ، إذا خاف. * * * (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ). بفتح النون وهو أجود في القراءة، وقرئت: فَبِمَ تُبَشِّرُونِ - بكسر النون - فرأ بها نافع، والأصل (فبم تبشرونَنِ فاستثْقِلَ النونانِ، فحذفت إحداهما وقيل الحذف من الإدغام، كأنَّها فبم تُبَشَرنَ، بتشديد النون، فحذفت إحدى النونين لثقل التضعيف، كما قالوا رُبَما، ورُبَّمَا. قال الشاعر في حذف النون: رأته كالنعام يُعَلُّ مِسْكاً. . . يسوءُ الغاليات إِذا فَلَينِي يريد فلينني. * * * وقوله : (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) يقال قَنَط يقنِطُ، وقَنِطَ يقنَط، وهما جميعاً جائزتان، والقنوط بمعنى اليأس. * * * (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) أي فما أمركم. * * * وقوله: (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) استثناء ليس من الأول، المعنى: (قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩). المعنى إنا أرْسِلْنَا بالعذاب إلى قوم لوط. * * * وقوله: (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) المعنى علمنا أنَّها لمن الغابرين، وقيل دبرنا إنها لمن الغابرين، وقدرنا ههنا لا يحتاج إلى تفسير، المعنى إلا امرأته قدرنا أنها لمن الباقين في

стр. 1111

العذاب، والغابر الباقي، قال الشاعر: فما وَنَى محمدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ. . . له الإِلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ المعنى وما بقي * * * وقوله: (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) أي جئناك بالعذاب الذي كانوا يَشْكونَ في نزوله. * * * وقوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وتقول: فَأسْرٍ بأهْلِكَ - بقطع الألِفِ ووصلِها. وسَيْرُ الليل يقال فيه أسْرى وسَرَى ومعنى بِقطْع مِنَ اللَّيْلِ، أي بعدما يمضي شيء صَالح من اللًيْلِ (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) أمِرَ ﷺ بترك الالتفات لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم من العذاب - واللَّهُ أعلم -. * * * وقوله : (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) موضعُ (أن) نَصْبٌ. وهو بدل من قوله: (وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ) ثم فسرَ ما الأمْر، فالمعنى وقضينا إليه (أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ). (مُصْبحينِ) منصوب على الحال. * * * وقوله: (إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) الضيف يوحَّدُ وإنْ وُصِفَتْ به الجماعة، تقول: هذا ضيف، وهَذَان ضيف وهُؤلَاءِ ضيف. كما تقول: هؤلاء عَدْل، وإنْ شِئْتَ قلت أضياف. وضِيفَان. فمَنْ وحَّد فلأنه مصدر وصف به الاسم، فلذلك وَحِّدَ، وإنما وُحِّدَ المصدَرُ في قولك: ضربتُ القوْمَ ضَرْباً، لأن الضرب صنف وَاحِد. وإذا كانَ

стр. 1112

أصنافاً وجَمعْتَ، فقلت ضربتهم ضربَنْ، وضربتهم ضروباً، أي أجناساً من الضرب، والضيفُ مصدر ضِفْتُ الرجُلَ أضِيفُه ضَيْفاً. فأنا ضائف، والرجُلُ مَضِيف إذَا كانَ مفعُولًا، وأضَفْتُه إذا أنزلتُه. * * * (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) معناه: ألم ننهك عن ضيافة العالمين. * * * (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) فالجواب محمول على المعنى، لأنَّهم أرَادُوا الضيفَانَ للفَسَادِ، فقال لهم لوط: هؤلاء بناتي لأن نساء أمة كل نَبِيٍّ بمنزلة بَنَاتِه وأزْواجُه بمنزلة أمَّهاتِهِمْ، المعنى النساء على جهة التزويج أطْهَرَ لَكُمْ. ومعنى (إنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ). أي إن كنتم مُريدين لهذا الشأنِ فعليكم بالتزويج ببناتي. * * * (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) هذه الآية آية عظيمة في تفضيل النبي ﵇ أعني قوله سبحانه (لَعَمْرُكَ)، جاء في التفسير أنه قسم بحياة محمد ﷺ كذلك أكثر التفسير، وقد جاء في بعض التفسير: (لَعَمْرُكَ) كلِمَة من كلام العَرَبِ، ولسْت أحِبُّ هذا التفسير، لأن قوله: كلمة من كلام العرب لا فائدة فيه، لأن القرآن كله عربي مبين، وَكَلِمُهُ من كَلَامِ العَرَب، فلا بد من أن يقال ما مَعْنَاهَا. وقال سيبويه والخليلُ وجَميعُ أهْل اللغَةِ: العَمْرُ والعُمْرُ بمعنًى واحدٍ. فإذا استعمل في القَسِمَ فتح أوله لا غير، لا تقول العربُ إلا لعَمْرُكَ، وإنما آثروا الفتح في القَسِم لأن الفتح أخف عَليْهِمْ وهم يكثرون القَسَمَ بِلَعَمْرِي. ولعَمْرُكَ، فلما كثر استعمالهم إياهُ لزموا الأخَفَّ عليْهِمْ.

стр. 1113

وقال النحويون ارتفع لعمرك بالابتداء والخَبَر محذوف، المعنى لعَمْركَ قَسَمِي، ولعَمْرُكَ ما أقسِمَ به. وحذف الخبَرِ لِأنَّ في الكلام دليلًا عليه. المعنى أقسم إنهم لفي سكرتهم يعمَهُونَ، ومعنى يعمهون يتحيَّرون. وباب القسم قد يحذْف معه الفعل، تقول: واللَّه لأفعَلَنَّ وتاللَّه لأفعَلَنَّ، والمعنى أحلف باللَّه، وأحلف واللَّه، فيحذف أحلف لعلم المخاطب بأنك حالف، وكذلك يحذف خبر الابتداء كما ذكرنا. * * * وقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) أي أخذت قومَ لوط الصيحة بالعذاب مشرقين، يقال أشرقنا فنحن مشرقون، إذا صادفوا شُروقَ الشمس، وهو طلوعها، كما تقول أصبحنا إذا صادفوا الصبح. يقال شَرَقَتِ الشمس إذا طلعت وأشرقت بمعنى واحدٍ، إلا أن معنى " مُشْرِقِينَ " في معنى مصادفين لطلوع الشمس. * * * وقوله: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) معنى (مِنْ سِجِّيلٍ) من طين عليه كتاب. واشتقاق ذلك من السجل. ودليل هذا التفسير قوله: (حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ). فأعلم أنها مِن طين وأنها مسومة أيْ مُعلَّمَةٌ لعلامات الكتاب. * * * (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) قيل المتوَسِّمونَ المتفَرسُونَ، وقيل المتفكرون. وحقيقته في اللغة المتوسمون النظَّارُ المتثَبِّتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء تقول توَسَّمْت في فلان كذا وكذا، أي عرفت وسم ذلك فيه.

стр. 1114

(وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) أي لبطريق واضح بَيِّن. * * * (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) أي لعلامة بَيِّنَة للمصدقين. * * * (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) أي أصحاب الشجر، والأيك الشجر وهؤلا أهل موضع كان ذا شجر. فانتقم اللَّه منهم بكفرهم، قيل إنهُ أخذهم الحر أياماً ثم اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا عن آخرهم. ومعنى " إِنْ واللام " التوكيد. * * * (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) أي لبطريق يؤتمُّ أي يُقْصَدُ فيبيَّنَ، وأصحاب الحجر أصحاب واد يقال له الحِجْرُ. * * * وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) قيل: السبعِ من المثاني هي فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، وإنما قيل لها المثاني لأنها يُثَنَّى بِها في كل ركعة من ركعات الصلاة، ويثنى بها مع مَا يُقْرأ من القرآن. ويجوز - واللَّه - أعلم - أن يكون من المثاني أي مما أثْنِيَ به على اللَّه، لأن فيها حَمْدَ اللَّه، وتَوْحِيدَه وذكر مَلَائكته وملكه يوم الدِّينِ. وروي في التفسير أنه مَا أعْطِيَتْ أمَّة كما أعْطِيَتْ أمَّةُ محمد ﷺ من سورة الحمد. فأما دُخُول " مِنْ " فهي ههنا تكون على ضربين، تكون للتبعيض من القرآن، أي ولقد آتيناك سبع آياتٍ من جملة الآيات التي يُثْنَى بها على اللَّه وآتيناك القرآن العظيم، ويجوز ُ أن يكون السبع هي المثاني، وتكون " من " الصفة كما قال : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ). المعنى اجتنبوا الأوْثَانَ، لا أنَّ بعضَها رِجْسٌ.

стр. 1115

ويجوز أن يكون المعنى سبعاَ مثانيَ على هذا القياس، ويدل على القول الأول قوله : (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ). . وقيل سبعاً من المثاني: السبع الطوال، من البقرة إلى الأعراف سِتٌّ، واختلفوا في السابعة، فقال بعضهم: سورة يونُس، وقيل الأنفال وبراءة، وإنَّما سميت مثاني لذكر الأقاصيص فيها مثناةً. ويجوز (والقُرْآنِ العظيمِ) بالخفض، ولكن لا تقرأنَّ بِهِ إلا أَنْ تثبُتَ به رواية صَحيحةٌ. * * * (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) (أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) أي أمثالاً في النِّعَم. (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ). أي ألِنْ جانبك للمؤمنين، أي لمن آمنَ بِكَ وَبمَا أتَيْت بِهِ. * * * (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) يُروَى أنَّ المشركينَ قالوا أساطير الأولين، وقالوا سحرٌ، وقالوا شاعِرٌ. وقالوا كاهِنٌ. فقسَّمُوه هذه الأقسام، وَعَضَوْهُ أعضاء. ويروى أن أهل الكتاب همُ المقتسمُونَ، آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقالوا نحواً مما روي عن المشركين. * * * (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) قيل في التفسير اجهرْ بالقرآن، ويكون - واللَّه أعلم - فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ. أي أبِنْ ما تؤمر به، وأظهره، وأُخِذَ ذلك منَ الصَّدِيع وهو الصبح. قال الشاعر: كأنَّ بياضَ غُرَّته الصديعُ

стр. 1116

وتأويل الصَّدْع في الزُّجاج، أو في الحائط، أن يبين بعضُ الشيء عن بَعْض. * * * (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) قيل هؤلاء جماعة من المشركين، خمسَةُ نفَرٍ كانوا يستهزئون برسول اللَّه يكيَن فنزلت بهم آفاتٌ مات أكثرهم منها، وَعَمِيَ واحِدٌ مِنْهُمْ. والخمسة سُمُّوا في التفسير منهم الوليدُ بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن المطلِب، والأسود بن عبد يَغُوثَ. أعلم اللَّه أنهم من المشركين بقوله: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ). * * * وقوله : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) أي: حَتَّى يأتيك الموت، كما قال عيسى ابن مريم: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا). فإن قال قائل كيف تكون عبادة لغيْرِ الحي، أي كيف يَعْبُدُ الإنسانُ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ فَإنَّ مجاز هذا الكلام مجاز " أبَداً "، المعنى اعبد ربك أبَداً، واعبده إلى الممات، لأنه لو قيل: اعْبُدْ ربك - بغير التوقيت - لجاز إذَا عبدَ الإنسانُ مَرةً أن يكون مُطِيعاً، فإذا قال حتى يأتيك اليقين، أي أبَداً وما دمت حَيًّا، فقد أُمِرْتَ بالِإقامة على العبادة.

стр. 1117

سورة النَّحل (مَكِّيَّة) ما سوى ثلاث آيات من آخرها فإنهنَّ نزلنَ بين مكة والمدينة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) (أَمْرُ اللَّهِ) ما وَعَدهم الله به من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، والدليل على ذلك قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) أي جاء ما وعدناهم به، وكذلك قوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا) وذلك أنهم استعجلوا العذاب واستبطأوا أَمْرَ الساعة، فأعلم اللَّهُ أن ذلك في قُرْبهِ بمنزلة ما قد أتى، كما قال: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) وكما قال: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ). وقوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). معناه تنزيهه من السوء، كذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ وكذلك

стр. 1118

فسَّره أهل اللغة، قالوا: معناه تنزيه اللَّه م@ت السو@و، وبراءة الله من السوء. قال الشاعر: أقول لما جاء في فخره. . . سبحان من علقمة الفاجر أي براءة منه. * * * وقوله: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) ويقرأ: تُنَزَّلُ الملائكةُ، ويجوز فيها أوجه لا أعلمه قرئ بها: ينَزِّل الملائكة، وُينْزِلُ الملائكةَ، وتَنَزَّلُ الملائكةُ بالروح - والروح - واللَّه أعلم - كان فيه من أمر الله حياة للنفوس والِإرشاد إلى أمر اللَّه، والدليل على ذلك قوله: (أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ). المعنى أنْذِرُوا أهلَ الكفْر والمعَاصي بأنَّه لا إله إلاَّ أنا، أي مروهم بتوحيدي، وألَّا يشركوا بي شيئاً. ثم أعلم ما يَدُل على توحيده مما خلق فقال: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) ارتفع عن الذين أشركوهم به، لأنهم لاَ يَخْلُقُون شيئاً وهما يُخْلَقون. * * * وقوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) اختصر ههنا، وذكر تقلبَ أحْوال الِإنْسانِ في غير مكان من القرآن. * * * وقوله: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) نصب الأنعام على فعل مضمر، المعنى خلق الأنعام خلقها، مفسِّر للمضمر، والدفء ما يُدْفِئُهمْ من أوبَارِهَا وأصْوَافِهَا. وأكْثَرُ ما تستعمل الأنعام في الِإبل خاصة، وتكون للِإبل والغَنَم والبقر، فأخبر اللَّه أن في الأنعام ما يدفئنا، ولم يقل لكم فيها مَا يُكِنُّكُمْ ويدفئكم من البرد، لأن ما ستر

стр. 1119

من الحرِ سَتَر مِنَ البَرْدِ، وما ستر من البردِ ستر من الحرِّ، قال اللَّه في موضع آخر: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) فعلم أنها تقي البرد أيضاً، وكذلك إذا قيل: (لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ) علم أنها تستر من البرْدِ، وتسَترٌ من الحرِّ. وقوله: (وَمَنَافِعُ). أي ومنافعها ألبانها وأبوالها وغير ذلك. (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) الإراحة أن تروح الإبل من مراعيها إلى الموضع الذي تقيم فيه (وَحِينَ تَسْرَحُونَ)، أي حين تُخَلونها للرعْي، وفيما ملكه الإنسان جمال " وزينة - كما قال : (المَالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا)، والمال ليس يخص الوَرِق والعينَ دونَ الأمْلَاك، وأكثر مال العرب الِإبل، كما أن أكثر أمْوال أهل البصرة النخَلُ. إنما يقولون مال فلان بموضع كذا وكذا يعنون النخل. * * * وقوله: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) (أَثْقَالَكُمْ) (إِثْقَالَكُمْ) تقرأ بالفتح والكسر، أي لو تكلفتم بلوغه على غير الِإبَل لشَقَّ عَليكم ذلك. وقوله: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) أي وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب، وكثير من الناس يقولون إنَّ لحومَ الخيلِ والبِغَالِ والحَمِيرَ دَلَّتْ عليه هذه الآية أنها حرام، لأنه قال في الإبل (وَمِنْهَا تأكُلُونَ. . . . وَلتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجةً في صدُورِكم) وقال في الخيل (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) ولم يذكر فيها الأكل. وقال قوم لو

стр. 1120

كانت حرمت بهذه الآية لم يحرم النبي ﷺ لحومَ الحُمرُ الأهلية، ولكفاه ما دَلَّ عليه القرآن. وهذا غلط لأن " القرآن قد دَلَّ على أن الخَمْرَ حرام، وقال النبي ﷺ حَرمَتْ الخمرَ بعينها. فذكر النبي ﷺ ما حُرِّمَ في الكتاب بأنه حرام. توكيداً لَهُ وزيادةً في البيان. ونصب (وزينةً) مفعول لها، المعنى وخَلَقَها زِينَةً. * * * وقوله: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) أي على الله تبيين الطريق المستقيم إليه بالحججَ والبراهين وقوله: (وَمِنْهَا جَائِرٌ). جائر أي من السبل طرق غير قَاصِدَةٍ للحق. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ). أي لو شاء اللَّه لأنزل آيةً تَضْطَرُ الخلْقَ إلى الإيمان به، ولكنه : يهدي من يشاء ويدْعو إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. * * * وقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) المعنى أنه ينبت الشجرَ التي تَرْعَاهَا الإبِلُ، وكلُ ما أنْبِتَ على الأرْ ض فهو شجر. قال الشاعر يصف الخيل: نعْلُفُها اللحمَ إذا عزَّ الشَجر. . . والخيل في إطْعَامِها اللحمَ ضَرَر يعني أنهم يسقون الخيل اللبن إذا أجْدَبَتِ الأرض. وقوله: (فيهِ تُسِيمُونَ). أي تَرْعَوْنَ، يقال: أسَمْتُ الإبلَ إذا رعيتها، وقد سَامَت تسوم وهي سائمة إذَا رعَتْ، وإنما أخدْ ذلك من السُّومَةِ، وَهِي العَلَامَةُ وتأويلها أنها تؤثر في الأرض برَعْيِها علامات.

стр. 1121

وقوله: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ). معنى (مَوَاخِرَ فِيهِ) جواري تجري جرياً، وتشق الماء شَقا. * * * (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) (رواسيَ) جِبَالاً رواسي ثوابت، (أَنْ تَمِيدَ) معناهُ كَرَاهةَ أنْ تميد ومعنى تميد لا تستقر، يقال ماد الرجل يميد ميداً، إذَا دِيرَ به والمَيْدَى: الذين يدار بهم إذا ركبوا في البحر، و (أَنْ تَمِيدَ) في موضع نصب، مفعول لها. (وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا). المعنى وجعل فيها رَوَاسيَ وأنهاراً وسُبُلاً، لأن معنى ألقى في الأرض رواسي جعل فيها رواسي، ودليل ذلك قوله: (وَالجِبَالَ أوْتَاداً). * * * وقوله: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) النجم والنجوم في معنى واحدٍ، كما تقول: كثر الدرهَمُ في أيدي الناسِ وكثرت الدراهم، خلق اللَّه - جل ثناؤه - النجوم لأشياءَ منها أنها جُعِلَتْ زينةً للسماء الدنْيَا، ومنها أنها جعلت رُجُوماً للشياطين ومنها أنها يُهْتَدى بِهَا، ومنها أنها يعلم بها عدد السنين والحساب. * * * وقوله : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) ويقرأ (تدعونَ من دون اللَّه) بالتاء والياء. (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ). يُعنَى به الأوثانُ التي كانت تَعْبُدُهَا العَربُ. * * * (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) أي وهم أموات غير أحياء. وقوله: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). - أي ما يشعرون متى يبعثون، و (أَيَّانَ) في موضع نصْبٍ بقوله (يُبْعَثُونَ) ولكنه

стр. 1122

مَبني غيرُ منونٍ، لأنه بمعنى الاستفهام فلا يعرب كما لا تعرب كم ومتى وكيف وأين، إلَّا أن النون فتحت لالتقاء السَّاكنين. فإن قال قائل: فهَلَّا كُسِرتْ؟ قيل الاختيار إذا كان قبلَ الساكن الأخير ألف أن يفتح، لأن الفتح أشبه بالألف وأخفْ معها. وزعم سيبويه والخليل أنك إذا رَخَّمْتَ رجلًا اسمه أسْحَار، قلت يا أسْحَارَّ - بتشديد الراء - أقبل، ففتحت الراء لالتقاء السَّاكنين، - وكذلك تختار مع المفتوح الفتح، تقول إذا أمَرْت من غُضَّ: غضَّ يا هذا. . * * * وقوله: (لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) معنى (لَا جَرَمَ) حق أن اللَّه يعلم، ووجب، وقوله: " لا " رَد لفعلهم. قال الشاعر: ولقد طعنت أبا عيينة طَعْنَةً. . . جَرَمَتْ فَزَارةَ بَعدهَا أَن يغضبوا المعنى أحقت فزارة بالغضب. * * * وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) " ما " مبتدأ، و " ذا " في موضع الذي. المعنى ما الذي أنزل ربكم. وأساطير مرفوعة على الجواب، كأنهم قالوا: الَّذِي أنْزَلَ أساطير الأولين. أي أكاذيب الأولين، واحدها أسْطورة. * * * وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)

стр. 1123

هؤلاء كانوا يصدون مَنْ أرَادَ اتبَاع النبي ﷺ وإذا سُئِلُوا عما أتَى به - قالوا الذي جاء أساطير الأولين، فأَعلم اللَّه أنهم يحملون بذلك آثام الذين كفروا بقولهم. . ولا يُنْقِصُ ذلك من إثم التابع. وقوله: (ألَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). " ما " في موضع رفع، كما ترفع بنعم وبئس، المعنى ساء الشيء وِزْرُهم، هذا كما تقول: بئسِ الشيءِ. * * * وقوله: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) أي من أساطين البناء التي تعْمِده. (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ). يروى أن ذلك في قصة نَمْرُودَ بنِ كنعانَ، بنى صَرْحاً يَمْكُرُ بِهِ فخر سقفه عليه وَعَلى أصْحَابِه، وقال بعضهم: هذا مثل، جعلت أعمالهم التي عملوها بمنزلة الباني بناء يسقط عليه فمضرة عملهم عليهم كمضرَّةِ الباني إذا سقط عليه أبناؤه. * * * وقوله: (ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) و (تُشَاقُّونِ فِيهِمْ) بكسر النونِ، وقد فسرنا مثل هذا، وإنَّما. . . شركائي حكاية لقولهم، واللَّه - جل ثناؤه - لا شريك له. المعنى أين الذين في دعواكم أنهم شركائي * * * (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) (فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ). أي ألقوا الاستسلام، وذكر السَّلَمَ، والسَّلَمَ الصُّلحْ، - لذكره المُشَاقةَ. وبإزاء المشاقة والمعاداة الصلح.

стр. 1124

(مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ). أي قالوا: ما كنا نعمل من سوء. * * * (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) " ما " و "ذا " كالشيء الواحد، والمعنى أي شيء أنزل ربكم. (قَالُوا خَيْرًا). على جواب " ماذا " المعنى أنزل خَيْرًا. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ). جائز أن يكون هذا الكلام ذُكِرَ ليَدُل عَلَى أن الذي قالوه اكتسبوا به حسنة، وجائز أن يكونَ تفسيراً لقولهم خيراً، وحسنة، بالرفع القراءةُ. ويجوز " للذِينَ أحْسَنُوا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَةً "، ولا تقرأنَّ بها، وَجَوازُهَا أن معناها أن " أنزل خيراً " - جعل للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنةً، أي جَعَلَ لَهُمْ مكافأةً في الدنْيَا قَبْلَ الآخرة. وقوله: (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ). المعنى، ولنعم دار المتقين دارُ الآخرة، ولكن المبيّنَ لقوله (دار المتقين) هو، قوله: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) وهى مرفوعة بإضمار " هي " كأنك لما قلت، ولنعم دار المتقين على جواب السائل أيْ دَارٌ هي هذه الممدوحة، فقلت: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا). وإن شئت رفعت على الابتداء، ويكون المعنى: جناتُ عَدْنٍ نعمَ دارُ المتقين. * * * وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) أي: لقبض أرواحهم، أو يأتي ما وَعَدَهُمُ اللَّهُ به من عذابه. وقوله: (كَذَلِكَ فَعَل الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُم اللَّهُ).

стр. 1125

أي كذلك فعلوا فأتاهم أمر اللَّه بالعذاب، (فَأصَابَهُمْ سَيئَاتُ مَا عَمِلُوا). * * * وقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) هذه الآية وأشباهها فيه تنازع وينبغي أن يقف أهل القرآن والسنة على حقيقة تفسيرها لأن قوماً زعموا أن من قال هذا فقد كفر وأن من قال من العباد أن لا يفعل إلا ما شاء الله فقد كفر، وهذا تأويل رَديء، وإنما كفر أولئك وكذبوا، لأنهم كانوا يقولون: لو شاء اللَّه ما عبدنا من دونه من شيء علىِ جهة الهزؤ، والدليل على ذلك أنَّ قوْمَ شعيب قالوا لشعيب: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧). فلو قالوا له هذا معتقدين لكانوا مؤمنين، وإنما قالوه مستهزئين. وقد اتفقت الأمَّةُ على أن الله لو شاء ألا يُعْبَدَ غيرُه مَشِيئَةً اضطرار إلى ذلك لم يقدر أحد على غير ذلك، ولكن اللَّهَ جل ثناؤه تَعَبَّد العبادَ وَوَفَقَ من أحبَّ تَوْفيقه، وأضل من أحب إضْلَالَه، وهؤلاء قالوا هذه مُحقِّقِينَ ما قيل لهم أنهم مكذبون إذ كان الِإجماع على أن اللَّه يقدر على أن يجْبُرَ العبادَ على طاعته وأعلم اللَّه أنهم مكذبون كما كذبَ الذين من قبلهم فقال: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). أي الإبْلاغ. الذي يبَينُونَ مَعَهَ أنهم أنبياء. * * * وقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) فأَعلم اللَّه أنهُ بَعَثَ الرسلَ بالأمْر بالعِبَادةِ، وهو من وراء الإضلال والهداية، فقال:
следующие страницы →