← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وإنما سمى فتاه لأنه كان يخدِمُه، والدليل على ذلك قول موسى: (آتِنا غَدَاءَنَا). وقوله: (حُقباً). الحقبُ ثمانون سنةً، وكان مجمع البحرين الموضع الذي وعد فيه موسى بلقاء الخضِر ﵇. وأحب الله أن يُعْلمَ موسى - وإن كان قد أوتي التوراة أنه قد أُوتيَ غيره من العلم أيضاً ما ليس عنده، فَوعِدَ بلقاء الخضِر. * * * (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) يعنى به موسى ويوشَع. (نِسِيَا حُوتَهُمَا) وكانت فيما روي سمكة مملوحة، وكانت آية لموسى في الموضع الذي يلقى فيه الخَضِر. (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا). أحيا اللَّه السمكة حتى سربَت في البحر، و (سَرَبًا) منصوب على جهتين. على المفعول كقولك: اتخذت طريقي في الشرب، واتخذت طريقي مكان كذا وكذا، فيكون مفعولًا ثانياً كقولك اتخذت زيداً وَكِيلاً. ويجوز أن يكون " سَرَباً " مَصْدَراً يدل عليه (فاتخذَ سبِيلَه في البحر) فيكون المعنى نَسيَا حوتَهُمَا فجعل الحوتُ طريقَه في البحر ثم بين كيف ذلك، فكأنه قال: سَرَبَ الحُوتُ سَرباً، ومعنى نسيا حوتهما، كان النسيان مِنْ يُوشَع أن تقدمه، وكان النسيانُ من موسى أن يأمره فيه بشيء. * * * وقوله: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) والصخرة موضع المَوْعِد.

стр. 1227

قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ). وهذا قَوْلُ يُوشَع لِمُوسَى، حين قال موسى (آتنا غَدَاءَنَا). وكانت السمكة من عُدَّةِ غدائهما، فقال: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ). كَسْرُ الهاء وضمها جَائِزَان في (أَنْسَانِيهُ)، (أَنْ أذكره) بدلٌ من الهاء لاشتمال الذكر على الهاء في المعنى، والمعنى وما أنساني أن أذكره إلا الشيطانُ. (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا). (عَجَبًا) منصوب على وجهين، على قول يوشع: واتخذ الحوت سبيله في البحر عجباً، ويجوز أن يكون قال يوشع: اتخذ الحوت سبيله في البحر. فأجابه موسى فقال: (عَجَبًا)، كأنَّه قال: أعْجَبُ عَجَباً. ثم قال: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي). الأكثر في الوقف (نَبْغِ) على اتباع المصحف. وبعد " نبغ " آيةً ويجوز وهو أحسن في العربية (ذلك ما كنا نبغي) في الوقف. أما الوصل فالأحسن فيه نبغي بإثبات الياء، وهذا مذهب أبي عمرو، وهو أقوى في العربية. ومعنى قول موسى ﵇: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ)، أي ما كنا نريد. لأنه وعد بالخَضِر في ذلك المكان الذي تتسرب فيه السمكة. (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا). أي رجعا في الطريق الذي سلكاه يقصان الأثَر قَصَصاً، والقصص اتباع الأثر.

стр. 1228

(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) يعنى به الخضِرُ، وقيل إنما سمي الخَضِر لأنه كان إذا صلى في مكان اخضَّر ما حوله. وفيما فعله موسى - وهو من جلَّةِ الأنبياء، وقد أوتيَ التوراةَ، من طلبه العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحَدٍ أن يترك طلب العلم. وإن كان قد بلغ نهايته وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، وأنْ يتواضع لمن هو أعلم منه. * * * (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) ورَشَدًا، والفُعْلُ والفَعَل نحو الرُشْدُ والرشَدُ كثير في العربية نحو البُخْلُ والبَخَلُ، والعُجْمُ والعَجَمُ، والعُرْبُ والعَرَبُ. * * * (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) هدْا قول الخِضْرِ لمُوسَى، ثم أعلمه العلة في ترك الصبر فقال: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) أي وكيف تصبر على ما ظاهِرُه منكر، والأنبياء والصالحون لا يَصبِرُون على ما يرونه منكراً. * * * (قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) هذا قول موسى للخَضِر. وقوله: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) أي إنْ أنْكَرتَهُ فلا تعجل بالمسألة إلى أن أبيِّن لك الوجه فيه، ونصب

стр. 1229

(خُبْرًا) على المصدر لأن معنى لم تحط به لم تَخْبرْه خُبْرًا، ومثله قول امرئ القيس. وَصِرنَا إلى الحسنى ورق حدِيثُنَا. . . ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبةً أَيَّ إِذلالِ لأن معنى رُضْتُ أذلَلْتُ، وكذلك أحطت به في معنى خبرته. * * * وقوله: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) أي خرقها الخَضِرُ. (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا)، وليَغْرَقَ أهلُها، وكان خرقها مما يلي الماء، لأن التفسير جاء بأنه خرقها بأن قلع لوحين مما يلي الماء، فقال: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا). ومعنى (إِمْرًا) شيئاً عَظِيماً مِنَ المنْكَر. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) فلما رأى موسى أن الخَرْقَ لم يَدْخل مِنْة الماء، وأنَّه لمْ يُضِر مَن فِي السفينة: (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) ومعنى ترهقني تُغَشِّيني، أي عاملني باليسر لا بالعسر. وقوله: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) معناه فقتله الخَضِر، (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا).

стр. 1230

قالوا في زكيةٍ بريئة، أي لم يُرَ ما يُوجِبُ قتلَها، و (نُكْراً) أقل من قوله (إمْراً)، لأن تغريق من في السفينة كان عنده أنكر مِنْ قَتْلِ نفسٍ وَاحِدَةٍ وقد قيل إنَّ (نُكْراً) ههنا معناه لقد جئتَ شيئاً أَنْكَرَ من الأمر الأول. و (نُكْراً) منصوب على ضربين: أحدهما معناه أتيْتَ شيئاً نكراً، ويجوز أن - يكون معناه: جئْتُ بشَيءٍ نكرٍ، فلما حذف الباء أفضى الفعل فنصب. * * * (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) أي بعد هذه المسألة: (فَلَا تُصَاحِبْني). وُيقْرا فلا تصْحَبْني، وَقِرَاءة شَاذةٌ فَلاَ تُصْحِبْني. . فمن قرأ فلا تَصْحَبْني فإن معناه فَلَا تَكُونَنَّ صَاحِبِي، ومن قرأ فلا تصاحبني فمعناه إنْ طلبتُ صِحبتك فلا تتابعني على ذلك. ومن قرأ تُصْحِبْني، ففيها بأربعة أوجه، فأجْوَدها فلا تُتابعْنِي على ذلك، يقال قد أصحب المُهْرُ إذا انقاد، فيكون معناه فلا تتابعَني في شيء ألتمسه منك. ويجوز أن يكونَ معناه: فَلَا تُصْحِبْني أحَداً ولا أعرف لهذا معنى لأن موسى لم يكن سأل الخَضِرَ أن يصْحِبَهُ أحَداً. وقوله: (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا) (١). ويقرأ من لَدُنِي بتخفيف النُّونِ، لأن أصل لّدُنْ الِإسكان، فإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِك زدت نوناً ليَعْلَمَ سُكُونُ النونِ الأولى، تقول من لَدُنْ زَيْدٍ، فتسكِنَ النُونَ ثم تضيف إلى نفسك، فتقول من لَدُنِى كما تقول عن زَيْدٍ وَعَني. ومن قال مِنْ لَدْنِي لم يجز أن يقولَ عَنِي ومِنِي بحدف النونِ، لأن لدن اسم غير متمكن، ومن وعن حرفانِ جاءا لمعنًى. ولدُن مع ذلك أَثْقَلُ مِنْ " مِنْ " و " فَيْ ". والدليل على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قَدْنِي في

стр. 1231

معنى حَسبِي، ويقولون قد زَيدٍ فيدخلون النون لما ذكرناه إذا أضيفت. ويجوز قَدِي بحذف النون لأن قَدْ اسم غير متمكنِ. قال الشاعر (فجاء باللغتين). قَدْنِيَ مِنْ نَصْر الخُبَيْبَيْن قَدِي فأمَّا إسكانهم دال لَدْن فأسكنوها كما يقولون في عَضُد: عَضْدٍ. فيحذفون الصفةَ. وقوله: (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) زعم سيبويه أن معنى مثل هذا التوكيد، والمعنى هذا فراق بيننا أي هذا فراق اتصالنا، قال: ومثل هذا أمر الكلام: أخزى اللَّه الكاذب مِنِي وَمِنْكَ، فذكر بيني وبينك ثانيةً توْكيد، وهذا لا يكونُ إلا بالواو ولا يجوز: " هذا فراق بيْي فَبيْنِكَ " لأن معنى الواو الاجتماع، ومعنى الفاء أن يأتي الثاني في إثْر الأول. * * * وقوله: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) مَسَاكِينُ: لَا يَنْصَرِفُ لأنه جمع لا يكون على مثال الواحد، وكذلك كل جمع نحو مساجد ومفاتيح وطوامير، لَا يَنصرف كما ذكرنا. وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم في باب ما لا ينصرف.

стр. 1232

وقوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا). كان يأخذ كل سفينة لا عَيْبَ فيها غَصْباً، فإن كانت عائبة لم يعرض لها. ووَرَاءَهُم: خلفهم، هذا الأجود الوجهين. ويجوز أن يكون: كان رجوعهم في طريقهم عليه ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلمَ اللَّهُ الخَضِر خَبَرهُ. وقيل: (كانَ وَرَاءَهُمْ) معناه كان قدَّامَهُمْ. وهذا جاء في العربية، لأنه ما بين يَدَيْكَ وَمَا قدَّامَك إذا توارَى عنك فقد صار وراءك. قال الشاعر: أَليسَ وَرائي إِنْ تَراخَتْ مَنِيَّتي. . . لزُومُ العَصا تُثْنى عليها الأَصابِعُ * * * وقوله: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) (يُرْهِقَهُمَا) يحملهما على الرهق وهو الجهل. وقوله (فخشينا) من كلام الخَضِرِ، وقال قوم لا يجوز أن يكون فخشينا عن اللَّه، وقالوا دليلنا على أن فخشينا من كلام الخضِر قوله (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا) وهذا جائز أن يكونَ عن اللَّه : (فخشينا) لأن الخشية من اللَّه معناه الكَرَاهَةُ، ومعناها من الآدميين الخَوْفُ. وقوله: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) (فَأرَدْنَا). بمعنى أراد اللَّه - جلَّ وعزَّ - لأن لفظ الإخْبَارِ عن اللَّه كذا أكْثَرُ من أن يحصى. ومعنى:. (وَأقْرَبَ رُحْماً). أي أقرب عَطْفاً وأمَسُّ بِالقَرابَةِ، والرُّحْمُ والرَّحْمُ في اللغةِ العطف والرحمةُ قال الشاعر:

стр. 1233

وكيف بِظُلْمِ جَارِيةٍ. . . ومنها اللين والرُّحمُ * * * وقوله: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) وتقرأ أن يُضِيفُوهُمَا. يقَالُ: ضِفْتُ الرجلَ نزلت عليه، وأضَفْتُه وضَيَّفْتُه، إذا أنزلتُه وقَرَبْتُه وقوله (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ). أي فأقامه الخَضِرُ، ومعنى جِدَاراً يُريدُ - والِإرادة إنما تكون في الحيوانِ المبين، والجدار لا يُريد إرادة حقيقيةَ، إلَّا أن هيئته في التهيؤ للسقوط قد ظهرت كما تظهر أفعال المريدين القاصدين، فوصف بالِإرادة إذ الصورتان واحدة، وهذا كثير في الشعر واللغة. قال الراعي يصف الِإبِل: في مَهْمَةٍ قَلِقَتْ به هاماتُها قَلَقَ الفُؤُوسِ إِذا أَردنَ نُضولا وقال الآخر: يُريدُ الرمحُ صدرَ أَبي بَراء. . . ويَعدِلُ عن دِماءِ بَني عَقيل ويقرأ: أَنْ يَنْقَضَّ، وأَنْ يَنْقَاضَّ (١)، فينقض يسقط بسرعة. وينقاضَّ ينشق طولًا. يقال انقاضَّ سِنُّه إذا انشقَت طُولاً وقوله؛ (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا). وُيرْوَى: لَتَخِذْت، وذلك أنهما لما نزلا القرية لم يُضَيفْهُمَا أهْلُهَا، ولا

стр. 1234

أنزَلُوهُمَا فَقَالَ مُوسَى لو شِئتَ لأخَذْتَ أجرة إقامَتِكَ هذا الحائط، ويقرأ لتخذت عليه أجراً، يقال تَخِذَ يتْخَذُ في اتَّخَذَ يَتخذُ، وأصل تَخِذْ من أخَذْت وأصل اتَخَذت ائْتَخذْت (١). * * * وقوله: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢) (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا). قيل كان الكنز عِلْماً، وقيل كان الكنزِ مالًا، والمعروف في اللغة أن الكَنْزَ إذَا أفْرِدَ فمعناه المالُ المدْفُونَ والمدَّخَرُ فإذا لم يكن المال قيل: عنده عِلْمٍ وله كَنْزُ فَهْمٍ، والكنز ههنا بالمال أشبَهُ، لأن العلم لا يكاد يتعدم إلا بمعلِّمٍ، والمال لا يحتاج أن ينتفع فيه بغيره، وجائز أن يكون الكنْزُ كان مالاً مكتوباً فيه عِلم، لأنه قد رويَ أنه كان لوحاً مِن ذَهَب عليه مكتوب: " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، فهذا مال وَعِلْم عظيم، هو توحيد اللَّه وإعلام أن محمداً مبعوث. وقوله (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). (رَحْمَةً) منصوب على وجْهَيْن: أحدهما قوله (فَأَرَاد ربُك) وأردْنَا مَا ذَكَرْنَا رحمةً أي للرحمة، أي فعلنا ذلك رَحْمةً كما تقول: أنقَذْتكَ من الهلكة رحمة بك. ويجوز أن يكون (رَحْمَةً) منصوباً على المصدر. لأن معنى (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا) رحمهما الله بذلك. وجميع ما ذكر من قوله: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا). ومن قوله (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا)، معناه رحمهما اللَّهُ رحمة. وقوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي). يدل على أنه فعله بوحي الله . وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)

стр. 1235

كانت إليهود سألت عن قصة ذي القرنين على جنس الامتحان. (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) يقال إنه سمي ذا القرنين لأنه كانت، له ضَفِيرتان، وُيروَى عن علي عليه السلام أنه قال سمي ذا القرنين لأنه ضَرَبَ على جانب رَأسه الأيمن، وجانب رأسه الأيسر، أي ضرب على قرني رأسه. ويجوز أن يكون على مذهب أهل اللغة أن يكون سُمِّيَ ذا القرنين لأنه بلغ قطري الدنيا - مشرقِ الشمسِ ومَغْرِبها * * * وقوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) [فَاتَّبَعَ] سَبَبًا (٨٥) ويقرأ (فَأَتْبَعَ) أي آتيناه من كل شيء ما يَبْلُغُ بِهِ فِي التمَكُّنِ أقْطَارَ الأرْضِ. (سَبَبًا) أي عِلْمأ يوصلهُ إلى حَيْثُ يريد، كما سخر الله لسليمان الريحَ. ومعنى (فَأتبْعَ سَبَباً). - واللَّه أعلم - أي فاتبع سبَبَاً من الأسباب التي أوتيَ. * * * (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيةٍ) ويُقْرأ (حَمِئَةٍ) بالهمز فَمَن قرأ حَمِئةٍ أراد في عين ذَاتِ حمأةٍ، ويقال حَمأتُ البئر إذَا أخرجتُ حَمْأتَها، وأحْمأتها - إذا ألقيت فيها الحَمْأةَ، وحمِئَتْ هي تحمأ فهي حمئة إدَا صارت فيها الحمأة. ومن قرأ حَامِيَةً بغير همز أراد حارَّةً، وقد تكون حارَّةً ذات حَمْأةٍ. (وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا). أي عند العين. وقوله: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا).

стр. 1236

أباحه اللَّهُ هَذَيْن الحكمبن كما أباح محمداً ﷺ الحكم بين أهْلِ الكتاب أو الإِعراضَ عنهم. * * * (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) أي فسوفْ نعذِّبُه بالقتل وعَذَاب اللَّهِ إيَّاهُ بالنار أنْكَرُ من عذاب القتل. وقوله: (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) (وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ [جَزَاءُ] الْحُسْنَى) وتُقرأ (جَزَاءً الْحُسْنَى)، المعنى فله الحسنى جزاءً، وجزاء مصدر موضوع في موضع الحال. المعنى فله الحسنى مَجْزِيًّا بها جزاءً. ومن قرأ (جَزَاءُ الْحُسْنَى)، أضَافَ جزاء إلى الحسنى. وقد قرئ بهما جميعاً (١). (وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا). أي نقول له قولًا جميلاً (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) أي سببًا آخر مما يوصله إلى قُطْر من أقطار الأرض. * * * (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) أي: لم نجعل لهم شيئاً يُظلهُمْ من سقف ولا لباس. وقوله: (كَذَلِكَ) يجوز أن يكون وجدها تطلع على قوم كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس، وأن حكمهم حكم أولئك. وقولها (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) أي سبباً ثالِثاً مما يبلُغُهُ قُطراً من أقطَارِ الأرْض.

стр. 1237

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ) ويقرأ (بَيْنَ السَّدَّيْنِ). وقيل ما كان مسدوداً خلقة فهو سُدٌّ، وما كان من عمل الناس فهو سَدٌّ. وقوله: (وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا). ويقرأ يُفقَهون، فمعناه لا يكادون يُفْهِمُونَ. * * * (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) وتقرأ بالهمز في يأجوج ومأجوج، ويقرأ بغير همر، وهما اسْمان أعجَميًانِ لا ينصرفان لأنهما معرفة. وقال بَعضُ أهل اللغة: من هَمَزَ كأنَّه يجعله من أجَّةِ الحرِّ، ومن قوله مِلْحٌ أجَاجٌ. وأجَّةُ الحَر شدتُهُ وتَوَقُدُه. ومن هذا قولهم أجَّجْتُ النَّارَ ويكون التقدير في يأجُوج يفعُول، وفي مَأجُوج مفعول، وجائز أن يكون ترك الهمز على هذا المعنى، ويجوز أن يكون " مَاجوج " فاعول، وكذلك ياجوج، وهذا لو كان الاسمانِ عَرَبيينِ لكان هذا اشتقاقهما، فأما الأعجمية فلا تشتق من العربية. وقوله: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا). وَتُقْرأ (خَرَاجاً). فمن قرأ خَرْجاً، فالخَرْجُ الفَيْءُ -، والخَرَاجُ الضرِيبَة وقيل الجزْيَةُ، والخراج عند النحويين الاسم لما يُخْرَج من الفرائض في الأموال، والخَرْجُ المصْدَرُ (١). وقوله : (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا). أي تجعل بيننا وبين يأجُوج ومَاجُوجَ. (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) ويجوز. . ما مكَنَنِي بنونين، أي الذي مكنني فيه رَبِّي خَيرٌ لي مما

стр. 1238

يَجعَلونَ لي من الخراج. فمن قرأ (مَكَني) أدغم النون في النون لاجتماع النونين. ومن قرأ (مَكنَنِي) بنونَيْنِ أظهر النونين لأنهما مِنْ كلِمَتَيْنِ. الأولى من فعل والثانية تدخل مع الاسم المضمر. وقوله: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ). أي بعمل تعملونه معي لا بمال (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا) والردم في اللغة أكثر مِنَ السد، لأنَّ الردم ما جُعِلَ بعضه على بعْضٍ يقال: ثوبٌ مُرَدَّمٌ، إذا كان قد رُقِعَ رُقعة فوق رُقعَة. * * * وقوله: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) أي قطع الحديد، وواحد الزبَرِ زُبَرَة، وهى القطعة العظيمة. وقوله: (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ). وتقرأ الصُّدُفَيْنِ والصُّدْفَينِ، وهُما نَاحِيتَا الجَبَلِ. وقوله: (قَالَ انْفُخُوا). وهو أن أخذ قِطعَ الحديد العِظَامِ وجعل بينها الحطب والفَحْمَ ووضع عليها المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، وهو قوله: (حَتَّى إذَا جَعَلَهُ نَاراً). والحديد إذَا أُحْمِيَ بالفحم والمِنْفَاخِ صارَ كالنَّارِ. وقوله: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا). المعنى: أعطوني قِطْراً وهو النحاس. فصب النحاس المُذَابَ على

стр. 1239

الحديد الذي قد صار كالزيت فاختلط ولَصقَ بعْضُه ببعض حتى صار جبلاً صَلْداً من حديد ونحاسٍ. ويقال إنه بناحية أرْمِينية. * * * وقوله : (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) أي ما قَدَرُوا أن يعلو عليه لارتفاعه وامْلِسَاسِه وما استطاعوا أنْ يَنْقُبُوه. وقوله: (فما اسْطَاعُوا) (١) بغير تاء أصلها استطاعوا بالتاء، ولكن التاء والطاء من مخرج واحد، فحذفت التاء لاجْتِمَاعِهِمَا ويخف اللفظُ، ومِنَ العَرب من يقول: فما استاعوا بغير طَاء، ولا تجوز القراءة بها. ومنهم من يقول: فما أسْطَاعوا بقطع الألف، المعنى فما أطاعوا، فزادوا السين. قال الخليل وسيبويه: زَادُوهُمَا عِوَضاً من ذهاب حركة الواو، لأن الأصل في أطاع أطْوَعَ. فأمَّا من قرأ فما اسْطَاعوا - بإدغام السين في الطاء - فلاحِنٌ مخطئٌ. زعم ذلك النحويون، الخليل ويونُس وسيبويه، وجميع من قال بقولهم. وَحُجتُهُمْ فِي ذلك أن السين ساكنة فإذا أدغمت التاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين. ومن قال: اطرح حركة التاء على السين فأقول: فما اسَطاعُوا فخطأ أيضاً، لأن سين استفعل لم تحركْ قط. * * * وقوله: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) أي هذا التمكين الذي أدركتُ به السُّدَّ رحمةُ منْ ربي. (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ [دَكًّا] وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا). وتقرأ (دَكاءَ)، على فعلاء - يا هذا - والذكاء والذكاء، كل ما انسبط من الأرْض من مُرتَفع. يعنى أنه إذا كان يومُ القيامَةِ، أو في وقت خروجٍ يَأجْوج ومَأجُوجَ صار هذا الجبل دَكًّا. والدليل على أن هذا الجبل يصير دَكًّا قوله: (وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤).

стр. 1240

وقوله: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) ومعنى يموجون في الشيء يخوضون فيه ويكثرون القول. فجائز أن يكون يعنى ب " يومئذٍ " يوم القيامة، ويكون الدليل على ذلك (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا). ويجوز أن يكون (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) أي يوم انقضاء أمر السَّدِّ. وقوله (يَمُوجُ)، ماجوا متعجبين مِنَ السَّدِّ. ومعنى (نفِخَ فِي الصْورِ). قال أهل اللغة: الصور جمع صورة. والذي جاء في التفسير أن الصور قرن يَنْفُخ فيه إسرافيل - واللَّه أعلم - إلا إن حملته أنه عند ذلك النفِخْ يكون بعث العباد ونشرهم * * * وقوله : (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) تأويل عرضنا أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها ورأوها. * * * وقوله: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) جعل اللَّه على أبصارهم غشاوة بكفرهم. (وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا). كانوا لعداوتَهم للنبي ﷺ لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلى عليهم، كما تقول للكاره لقولك ما تقدر أن تسمع كلامي. * * * وقوله : (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)

стр. 1241

تأويله: أفحسبوا أن ينفعهم اتخاذهم عِبَادِي أولياء. وقرئت - وهي جَيِّدَةٌ - (أَفَحَسَبَ الَّذِينَ كَفَرُوا). تأويله أفيكْفيهم أن يتخذوا العبادَ - أولياء مِن دون اللَّه. ثم بين جزاءهم فقال: (إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا). يقال لكَل ما اتُّخِذَ ليمكث فِيه، أعتَدْت لفلان كذا وكذا، أي اتخَذْتُهُ عَتَاداً له، ونُزُلاً، بمعْنَى مَنْزِلًا. * * * وقوله : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) منصوب على التمييز لأنه إذْ قال: (بِالْأَخْسَرِينَ)، دلَّ على أنه كان منهم ما خسِروه، فبين ذلك الخَسْرَانَ فِي أيِّ نوعٍ وَقَع فأعلم - جلَّ وعزَّ - أنه لا ينفع عملٌ عُمل مع الكفر به شيئاً فقال: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) كما قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) و (الذين) يصلح أنْ يكونَ جرًّا ورَفْعأ، فالجرُّ نعت للأخسرين. والرفع على الاستئناف، والمعنى هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا. (وَهُمْ يَحْسَبُوَن). وتقرأ (يحْسِبُون) (أنَّهمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً). أي يظنون أنهم بصدهم عن النبي ﷺ أنهم يُحْسِنُونَ صُنْعاً. وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) اختلف الناس في تفسير الفردوس، فقال قوم: الفردوسُ الأوْدِيةُ التي

стр. 1242

تنبت ضروباً من النبت، وقالوا: الفردوس البستان وقالوا: هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، والفِرْدَوْسُ أيضاً - بالسريانية، كذا لفظة فردوس. ولم نجد في أشعار العرب إلا في بيت لحسان بن ثابت. وإنَ ثواب الله كُل موحدٍ. . . جنانٌ من الفرْدَوْسِ فيها يخلَّدُ وحقيقته أنه البُستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين لأنه عند أهل كل لغة كذلك، ولهذا قال حسان بن ثابت: " جِنان من الفردوس ". وقولهم: إنه البستان يحقق هذا. والجنة أيضاً في اللغة البُسْتَان، إلا أن الجنة التِي يَدْخُلُهَا المؤمنون فيها ما يكون في البساتين، ويدل عليه قوله (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ). وقوله: (خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) منصوب على الحال. (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا). أي لا يُريدُونَ عنها تَحَوُلاً، يقال: قد حال في مكانه حِوَلاً، كما قالوا في المصادر صَغُرَ صِغَراً، وعظُم عِظَماً، وعادني حبها عِوَداً. وقد قيل أيضاً: إنّ الحِوَالَ الحيلَةُ، فيكون على هذا المعنى، لا يحتالون منزلاً غيرها * * * وقوله : (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).

стр. 1243

(مَدَدًا) منصوب على التمييز، تقول: لي ملءُ هذا عسلاً، ومِثْلُ هذا ذهباً، أي مثله من الذهب. وقد فسرنا نصب التمييز فيما سلف من الكتاب. وقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ). فيها قولان: قال بعضهم معناه فمن كان يخاف لقاء رَبِّه. ومثله: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣). قالوا: معناه مَا لكم لا تخافون للَّهِ عظمةً. وقد قيل أيضاً فمن كان يرجو صلاح المنقلب عند ربِّه، فإذَا رَجَاهُ خَافَ أيضاً عذاب رَبِّه. (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا). وتجوز " فَلِيَعْمَلْ " بكسر اللام، وهو الأصل، ولكنه يَثْقلُ في اللفظ، ولا يكاد يقرأ به، ولو ابتُدِئ بغير الفاء لكانت اللام مكسورة. تقول: لِيَعْمَلْ زيد بخيرٍ، فلما خالطتها الفاء، وكان بعد اللام الياء ثقلت الكسرة مع الياء. وهي وحدها ثقيلة، ألا تراهم يقولون في فَخِذٍ فَخْذٍ.

стр. 1244

سورة مريم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (كهيعص (١) فيها في القراءة ثلاثة أوجه: فتح الهاء والياء، وكسرهما. وقرأ الحسن بضم الهاء كهُيعص، وهي أقل اللغات. فأمَّا الفتح فهو الأصل. تقول: هَا. با. تا. . . في حروف الهجاء، ومن العرب من يقول ها يا. بالكسر. ومنهم من ينحو نحو الضم فيقول هُا. يُا، يُشِم الضمَّ. وحكى الخليل وسيبويه أن من العَرب من يقول في الصلاة الصَّلُوة، فينحو نحو الضم، فأمَّا من روى ضمَّ الهاء مع الياء فشَاذ، لأن إجماع الرواة عن الحسن ضم الهاء وحدها. وفي الرواية ضم الياء قليل عنه. واختلف في تفسير (كهيعص) فقال أكثر أهل اللغة إنها حروف التَّهَجِّي تدل على الابتداء بالسورة نحو (الم، والر). وقيل إن تأويلها أنها حروف يَدُلُّ كُل وَاحِد منها على صفة من صفات اللَّه فكاف يدل على كريم، و " ها " يدل على هادٍ، و " يا " من حكيم، و " عين " يدل على عالم، و " صَادْ " يَدُلُّ على صادق. وهذا أحسن ما جاء في هذه الحروف، وقد استقصينا ذلك في أول سورة البقرة.

стр. 1245

والعين قالوا يدل على عليم. وروي أن (كهيعص) اسم من أسماء اللَّه تعالى. وروى أن عَلِيًّا - ﵇ أقسم بكهيعص، أو قال: " يا كهيعص). والدعاء لا يدل على أنه اسم واحد، لأن الداعي إذا عَلِمَ أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات اللَّه - جلَّ وعزَّ - فدعا بها. فكأنه قال: يا كافي يا هادي يا عَالِم يَا صَادِق، فكأنه دعا بكهيعص لذكرها في القرآن وهو يدل على هذه الصفات، فإذا أقسم فقال: وكهيعص، فكأنه قال والكافي والهادي والعالم والحكيم والصادق. وأسكنت هذه الحروف لأنها حروف تهجٍّ النَيَّةُ فيها الوقْفُ. * * * (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) (ذِكْرُ) مرتفع بالمضَمر، المعنى هذا الذي نتلوه عليك ذكر رحمة ربك عبده بالرحمة، لأن ذكر الرحمن إياه لا يكون إلا باللَّه . والمعنى ذكر ربك عبده بالرحمة. و (زكريا) يقرأ على وجهين، بالقصر والمد، فأَعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - على لسان نبيه ﵇ وصيةَ زكريا ويحيى ليَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أن محمداً ﵇ قد أوحي إليه، وأنزل عليه ذكر من مضى من الأنبياء وأنهم يجدون ذلك في كتُبِهِمْ على ما ذكر ﷺ وهو لم يتل كتاباً ولا خطَّه بيمينه، وأنه لم يَعْلَم ذلك إلا من قبل الله تعالى وكان إخْبَارُهُ بهذا وما أشبهه على هذه الصفة دليلاً على نبوته ﷺ . وقال بعض أهل اللغة إنَّ قوله: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) يرتفع بـ " كهيعص " وهذا محال لأنَّ " كهيعص " ليس هو فيما أنبأنا اللَّه به عن زكريا، وقد بَيَّن في السورة ما فَعَله به وبشَّرَهُ به. ولم يجئ في شيء من التفسير أن " كهيعص " هو قصة زكريا ولا يحيى ولا شيء منه، وقد أجمع

стр. 1246

القائل لهذا القول وغيره أن رَفْعهُ بالِإضمار هو الوجه. (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) دعا اللَّهُ سِرا، وبين ما الذي سأل الله ، فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) ومعنى (وَهَنَ) ضعف. (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا). قيل إن كان قد أتت له في ذَلك الوقتِ خَمسٌ وستون سَنَةً، وقيل ستونَ سنةً وقيل خمس وسبعون سنة. و" شَيْباً " منصوب على التمييز المعنى اشتعل الرأس من الشيب، يقال للشيب إذا كثر جِدا: قد اشتعل رأس فلان. (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). أي كنْتُ مستجاب الدعوة. ويجوز أن يكون أراد (لَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) أي من دعاك مخلصاً فقد وَحَّدك وعبدك، فلم أكن بعبادتك شَقِيًّا. * * * وقوله: : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) - بإسكان الياء من ورائي - معناه من بعدي، والموالي واحدهم مولى. وهم بنو العم وعصبة الرجل، ومعناه الذين يَلُونَه في النَسَبِ كما أن معنى القرابة الذين يقربون منه في النسب. وقوله: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا). أي قد بلغت هذه السِّنَ وامْراتِي عاقر، والعاقر من النساء التي بها علة تمنع الْوَلَدَ، فكذلك العاقِر من الرجال، فليس يكون لي ولد إلا " وَلِيًّا " فهبه لي، فإنك على كل شيء قدير.

стр. 1247

وقوله: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) ويقرأ بالجَزم (يَرِثْني ويرِثْ من آل يعقوب) على جواب الأمْرِ ومن قرأ (يَرِثُنِي وَيَرِثُ) فعلى صفة الولي، وقيل يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة. وقال قوم لا يجوز أن يقول زكريا: إنه يخاف أن يورث المال لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: " إنا معاشر الأنبياء لاَ نُورَث ما تركناه فهو صَدَقَة " فقالوا معناه يرثني ويرث من آل يعقوب النبوة. وقوله: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا). وقوله أيضاً " وليًّا " يدل على أنه سأل ولداً دَيناً، لأن غَيْرَ الدَّيِّنِ لا يكون ولياً للنبي ﵇. * * * وقوله: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) (إِنَّا نُبَشِّرُكَ). ونَبْشرُك (بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا). أي لم يسم أحد قبله بيحيى، كذا قال ابن عباس، وقيل سمي بيحيى لأنه حَيى بالعلم وبالحكمة التي أوتيها، وقيل لم نَجْعَلْ له من قبل سمياً، أي نظيراً ومِثْلاً. كل ذلك قد جاء في التفسير. * * * وقوله: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ [عُتِيًّا] (٨) وتقرأ (عِتِيًّا)، وقد رُوِيتْ عُسِيًّا - بالسين - ولكن لا يجوز في القراءة لأنه بخلاف المصحف، وكل شيء انتهى فقد عتا يعتو عِتِيًّا وعُتُوًّا وعُسُوًّا، وعُسِيًّا.

стр. 1248

فأحب أن يعلم من أيِّ جهة يكون له ولد، ومثلُ امرأته لَا تَلِدُ ومِثْلُهُ لا يُولَدُ له. (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) معناه - واللَّه أعلم. الأمر كما قيل لك. * * * وقوله : (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا). معناه ولم تك شيئاً موجوداً، أي أوجدتك بعد أن لَمْ تَكُنْ. أي فخلق الولد لك كخلق آدم ﵇، وخلقك من نُطْفة وعَلَقةٍ ومُضْغَةٍ ولَحْمٍ وعَظْمٍ. * * * (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) أي عَلَامَةً أعلم بها وقوع ما بشرتُ به. (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا). أي تمنع الكلام وأنت سَوِي، فتعلَمَ بذلك أن اللَّه - جل وعلا - قد وهب لك الولَدَ. و" سَوِيًّا " منصوب على الحال. * * * (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) قيل معنى أوْحى إليهم أوْمَأ إليهم ورَمَزَ، وقيل كتب لهم في الأرض بيده. و (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) - منصوبان على الوقت. * * * وقوله: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) المعنى: فَوَهَبْنَا لَه يحيى وقلنا له (يا يحيى خُذِ الكِتَابَ بقوَّةٍ)، أي بجِدٍ وعونٍ من اللَّه - جلَّ وعزَّ -. (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)

стр. 1249

أي وآتيناه حنَاناً، والحنان العطف والرحمة. قال الشاعر: فقالت حَنَان ما أتى بك ههنا. . . أذو نسب أم أنت بِالحَيِّ عَارِفُ أي أمرنا حنان، أو عطف ورحمة: وقال أيضاً: أَبا مُنْذِرٍ أَفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا. . . حَنانَيْكَ بعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بعضِ المعنى وآتيناه حناناً من لدنا وزكاةً، والزكاة التطهير. * * * (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) أي وجعلناه براً بوالديه. * * * وقوله : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) (انْتَبَذَتْ) تَنَحَّتْ. ويقال نَبَذْتُ الشيء إذَا رَمَيْت به. (مَكَانَاً شَرْقياً) أي نحو المشرق. * * * (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قيل إنها - قصدَتْ نَحو مطلَع الشمس، لأنها أرَادَتِ الغسْلَ مِن الحيضِ. (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا). يعنى به جِبرْيل ﷺ . وقيل الروُحُ عيسى، لأنه روح من اللَّه قال اللَّه : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).

стр. 1250

وقيل إن الروح دخل من في مَرْيَمَ. ويدل على أنَّ جبريل ﵇ هو الروح قوله: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا). * * * (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) أكثر القراءة (لأهَبَ)، ورُوَيتَ (لِيَهبَ لكَ) وكذلك قرأ أبو عمرو: لِنَهَبَ لكِ كُلاماً زَكيا. * * * (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) تأويله إنى أَعُوذُ باللَّهِ مِنكَ، فإن كنت تقياً فَستتعظُ بتعوذي باللَّهِ منك. أما من قرأ (ليهبَ) بالياء فالمعنى أرْسَلَني ليهب. ومن قرأ (لَأهَبَ) فهو على الحكاية وحمل الحكاية على المَعنى، على تأويل قال أُرسلت إليك لأهب لك. * * * وقوله: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) أي لم يَمسَسْني بشر على جهة تَزَويج - وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، أي ولا قرِبْت على غير حد التزويج. * * * (قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) (قَالَ كَذَلِكَ). أي الأمر على ما وصفت لكِ. (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا). أي وكانَ أمراً سَابقاً في علم اللَّهِ أنْ يقعَ. * * * وقوله: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) (انتَبَذَتْ به) تباعدت به. وقَصِيًّا وقَاصِياً في مَعْنًى وَاحِدٍ، معناه البُعْدُ.

стр. 1251

وقوله: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) معناه ألجأها، وهو من جئت وأجاءني غيري: وفي معناه أَشَاءَنِي غيري، وفي أمثال العرب: شَرٌ أجاءَك إلى مُخّةِ عُرْقُوبٍ وبعضهم يقول:. أشَاءَك. قال زُهَيْر: وجارٍ سارَ مُعْتَمِداً إليْكُم. . . أَجاءَتْهُ المخافةُ والرَّجاء واختلف في حمل عيسى ﵇، فقيل إنها حَمَلَت بِه وولدته في وقتها، وقيل إنه ولد في ثمانية أشهر، وتلك آية له لأنه لا يُعْرفُ أنه يعيش مولود وُلدَ لثمانية أشْهُر غيرُه. وقوله : (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ) - يدل على مكْثِ الحْملِ واللَّه أعلم. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا). معناه إني لَوْ خُيرْتُ قبلَ هَذِه الحالِ بين الموتِ أو الدفع إلى هذه الحال لاخترت الموت، وقد علمتْ - رضوان الله عليها - أنها لم يكن ينفعها أنْ تتمنى الموت قبل تلك الحال. وقوله: (وَكُنْتُ [نِسْيًا] مَنْسِيًّا). ويقرأ (نَسْيًا) - بفتح النون - وقيل معنى " نَسْيًا " حَيْضَةً ملْقَاةٍ وقيل نِسْيًا - بالكسر في معنى مَنْسِيةً لَا أعْرَف، والنِسْى في كلام العَرَبِ الشيء المطروح لا يؤبه له. قال الشنفري:

стр. 1252

كأَنَّ لها في الأَرْضِ نِسْياً تَقُصُّه على أَمِّها وإِنْ تُحَدِّثُكَ تَبْلِتِ * * * وقوله: (فَنَادَاهَا [مَنْ تَحْتَهَا] أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وتقرأ (مِنْ تَحْتِهَا)، وهى أكثر بالكسر في القراءة، وَمَنْ قَرَأ (مَن تَحْتهَا) عَنَى عيسى ﵇. ويكون المعنى في مناداة عيسى لها أن يبين الله لها الآية في عيسى، وأنَّه أعلمها أن اللَّه سيجعل لها في النخلة آية. ومن قرأ (مِنْ تَحْتِهَا) عَنَى بهِ المَلَكَ. (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا). رُوِيَ عن الحَسنِ أنه قال يعنى عيسى، وقال: كان واللَّه سَرِيًّا من الرجال، فعرف الحسنُ أن من العرب من يسمي النهر سرياً فرجع إلى هذا القول. ولا اختلاف بين أهل اللغة أنَّ السَّريَّ النهر بمنزلة الجدول. قال لبيد: فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا. . . مَسْجُورَةً مُتَجاوِراً قُلاَّمُها وقال ابن عباس: السري النهر وأنْشَدَ. سَلْمٌ تَرَى الدَّالِيَّ منه أَزْوَرا. . . إِذا يَعُبُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرَا * * * وقوله : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) يروى أنه كان جِذْعاً من نخلةٍ لا رَأْسَ عَليه، فجعل اللَّه - جلَّ وعزَّ - له رأساً وأنبت فيه رُطَباً، وكان ذلك في الشتاء. فأمَّا نصب رُطَباً فقال محمد بن يزيد هو مفعول به، المعنى وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ رُطَبًا تَسَّاقط عليكِ.

стр. 1253

ويجوز تَسَاقط عليك، ويجوز يُسَاقِطْ عَلَيْكِ، ويجوز نُسَاقط عَلَيْكِ. بالنون ويجوز يَسَّاقَطْ باليَاءِ، ويجوز يتساقط عليك. ويجوز تُساقطُ عَلَيْك ونساقطُ. وَيسَّاقَطُ بالرفع. وُيروَى عن البَراءِ بن عَازِب. فمنْ قرأ يساقَطُ عَلْيكِ فالمعنى يَتَسَاقطُ فأدغمت التاء في السِينِ ومن قرأ تسَّاقَطْ، فالمعنى تَتَساقَطُ أيضاً. فأدْغِمت الياء في السّين وأنِّثَ لأن لَفظَ النَخْلَةِ مُؤَنَثٌ. ومن قرأ تَسَاقَط بالتاء والتخفيف فإنه حذف التاء من - تتساقط لاجتماع التاءَيْن، ومن قرأ يُسَاقِطْ:.، إلى معنى يُسَاقِطُ الجذْعُ عَلَيْك. ومن قرأ نُسَاقِط بالنون فالمعنى إنا نحن نُسَاقِطُ عليك فنجعل لك بِذلك آيةً. والنحويون يقولون إن رُطباً مَنْصوُبٌ على التمييز، إذا قْلتَ يسًاقَطُ أو يتساقط فالمعنى يتساقط الجذعُ رُطبأ، ومن قرأ تَسَاقطُ فالمعنى تَتساقطُ النخلة رُطباً (١). * * * وقوله: (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) أي فكلي من الرطب، واشربي من السَّرِيِّ، (وَقَرِّي عَيْنًا) بعيسى. يقال: قرِرْت به عيناً أقَرُّ بفتح القاف في المستقبل. وقَرَرْتُ في المكان أقِر - بكسر القاف - في المستقبل. و (عَيْنًا) منصوب على التمييز (٢). (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا). بغير ألف في تَريِنَ، ويجوز " تَرأيِنَّ " بألف ولم يقرأ بالألف أَحَدٌ وهي جَيِّدَة بالغة لكنها لا يجوز في القراءة. وكذلك قوله : (إنني مَعَكُمَا أسَمَعَ وأرَى)، ويجوز وأرْأي بالألف، ولا تقرأ بها، لفظُها أرْأى، لأن

стр. 1254

القراءة سنة لا تخالف. والأجْودُ أرَى، وكذلك تَرَيِن الأجود بغير همز، والتاء علامة التأنيث، والأصل تَرْآيِّن، والياء حركت لالتقاء السَّاكنين. النون الأولى من النون الشديدة والياء. وكذلك تقول للمرأة اخْشَيِنَّ زيداً (١). * * * (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا). معنى (صوماً) صمتاً. يقال نَذَرتُ النًذْرَ أنذِرُهُ وَأنْذُرُه، ونَذِرتُ بالقَوْم أنْذَرُ إذا علمت بهم فاستعدَدْتَ لهم. * * * وقَوله: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) أي شيئاً عظيماً، يقال فلانٌ يَفْرِي الفَرِيَّ إذا كان يعمل عملًا يبالغ فيه. * * * وقوله : (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) اختلف في تفسير: " أُخْت هَارُونَ " في هذا الموضع. رَوْينَا في التفسير أنَّ أهْلَ الكتاب قالوا: كيف تقولون أنتم: مَرَيَمُ أخت هارون وبينهما ستَّمائةِ سنة، فقيل ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: إنهم كانوا يُسَمون بأسْماء الأنبياء والصالحين، أي فكان أخو مَرْيَمَ يسمَى هارون. وقيل إنهم عَنوْا بأخت هارون في الصلاح والدين، ويروى أن هارون هذا الدَّيِّنَ كان رجلاً من قومها صالحاً، وأنه حضر جنازَتَه أربعون ألفاً يسمى كل واحد منهم هارون. والذي في هذا عن النبي ﷺ بَيِّنٌ.

стр. 1255

وقوله : (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) أي لما خاطبوها أشارت إليه، بأنْ جَعَلُوا الكلامَ مَعَهُ، ودَل على أنها أشارت إليه في الكلام قولهم (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا). وفي هذا ثلاثة أوجهٍ: قال: أبو عبيدة إن معنى " كان " اللغو، المعنى كيف نكلم من في المهد صبياً، لأن كل رجل قد كان في المهْدِ صَبِيًّا، ولكن المعنى كيف نكلم من في المهد صَبيًّا لا يَفهمُ مِثْلهُ، ولا ينطق لسانه بالكلم. وقال قوم إنَّ " كان " في معنى وقع وحَدَثَ. المعنى على قول هؤلاء: كيف نكلم صَبِيًّا قد خلق في المهْدِ. وأجود الأقوال أن يكون " مَن " في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى: من يكن في المهد صَبِيًّا - ويكون (صَبِيًّا) حالاً - فكيف نكلمه. كما تقول من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه. وروى أنَّ عيسى ﵇ لما أومأت إليه اتكأ على يساره وأشار بسبَّابَتِه فقال: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) أي معلمأ للخير. (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) ومعنى الزكاةِ هَهُنا الطهَارَةُ، (مَا دُمْتُ حَيًّا) - دُمْتُ، ودِمْتُ جميعاً. (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)

стр. 1256

(وَبَرًّا) عطف على (مباركاً)، المعنى وجعلني مباركاً وَبَرًّا بِوَالِدَتي. * * * (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ) فيه أوجه، فالسلام مصدر سلَّمْتُ سلاماً، ومَعناهُ عموم العافية والسلامة، والسلام جمع سلامة، والسلام اسم من أسماء الله جل وعزَّ، وسلام مما ابتُدئ به في النكرة، لأنه اسم يكثر استعماله. تقول سلام عليك والسلام عليك. وأسماء الأجناس يبتدأ بها، لأن فائدة نكرتِها قريب من فائدة معرفتها. تقول: - لَبيْكَ وخَير بين يَدَيْكَ، وإن شئت قلت: والخير بين يديك، وتقول: السلام عليك أيها النبي، وسلام عليك أيها النبي، إلا أنه لمَّا جَرَى ذكر " سلام " قبل هذا الموضع بغير ألف ولام كان الأحسن أن يُرَدَّ ثانية بالألف واللام، تقول: سلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، هذا قسمٌ حسن، وإن شئت قلت سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين. * * * وقوله : (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) أي ذلك الذي (قال إني عبد اللَّه آتاني الكتاب وجعلنى نبياً) عيسى ابن مريم لا ما يقول النصارى من أنه ابن اللَّه وأنه إله - جل الله وعز. وقوله : (قَوْلُ الْحَقِّ) (١). بالرفع، ويجوز (قَوْلَ الْحَقِّ) بالنصب، فمن رفع فالمعنى هو قول الحق ومن نصب فالمعنى أقول قولَ الحق الذي فيه يمترون أي يشكون. * * * (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) (مِنْ وَلَدٍ) في موضع نصب، والمعنى أن يتخذ وَلداً، و (مِنْ) مؤكدة. تدل على الواحد والجماعة لأن للقَائِلِ أنْ يَقُولَ: ما اتخَذْتُ فَرساً يريد

стр. 1257

اتخذت أكثر من ذلك، وله أن يقول ما اتخَذْتُ فرسين ولا أكثر يريد اتخذت فرساً واحداً، فإذا قال ما اتخذت من فرس فقد دل على نَفْي الواحد والجَمِيعَ. (سُبْحَانَهُ). معناه تنزيهاً له من السوء. * * * وقوله: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) يعنى به يوم القِيَامة. * * * (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) المعنى مَا أسْمَعَهمْ وأبصَرَهمْ يوم القيامة لأنهم شَاهَدوا من البعث وأمْر اللَّه ما يسمع ويبصر بغير إعْمال فِكْرٍ وَتَرْوِيَةٍ. وما يُدعَوْنَ إليه من طاعة اللَّه ﷻ في الدنيا يحتاجون فيه إلى فكر ونظر فضلُّوا عن ذلك في الدنيا وآثروا اللهو والهوى، فقال الله تعالى: (لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). * * * وقوله : (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) (يَوْمَ الْحَسْرَةِ) يوم القيامة، روي في التفسير أنه إذا كان يوم القيامة واستقر أهلُ الجنة في الجنة، وأهْلُ النَّارِ في النار أُتيَ بالموتِ في صُورَة كَبْشٍ أملح فيعرض على أهل النار فيشرئبون إليه. فيقال: أتعرفون هذا، فيقولون: نعم، فيقال:

стр. 1258

هذا الموت فيذبح وينادى: يا أهلَ النَّارِ، خُلودٌ لا موت بعده، وكذلك ينادى يا أهلَ الجنَّةِ خُلودٌ لا موت بعده. (وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ). أي هم في الدنيا في غفلة. * * * (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) أي اذكر في الكتاب الذي أنزل عليك وهو القرآن قِصةَ إبْراهِيمَ وخَبَرهُ. الصِّديقُ اسم للمبالغة في الصِّدْقِ. ويقال لكل مَنْ صَدَّقَ بتوحيد اللَّه وأنبيائه وعمل بما يصدقُ به صِدِّيق، ومن ذلك سمي أبو بكر الصِّديقَ. * * * وقوله: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) الوقف عليه يا أبَه بالهاء، والعرب تقول في النداء يا أبَةِ، ويَا أمَّةِ ولا تقول قال أبتي كذَا ولا قالت أمَّتِي كذا، وزعم الخليل وسيبويه أنه بمنزلة قولهم يا عمة ويا خالَة، وأن أبَة للمذكر والمؤنث، كأنك تقود للمذكر أبة وللمؤنث. والدليل على أنَّ للأُمِّ حَظًّا في الأبُوةِ أنه يقال أبَوانِ، قال اللَّه : (وَوَرِثَهُ أبَوَاهُ). وزعم أنه بمنزلة قولهم رجل رَبْعة، وغلام يَفَعَةِ. وأن الهاء في أبَةِ، عوض من ياء الِإضافة من يا أبي ومن يَا أُمِّي ولم يقل يا أبتي ولا يا أُمَّتي، ولذلك لم تقع الهاء في غير النداء، لأن حذف الياء يقع في النداء كثيراً، تقول: يَا أبِ لا تفعل، ولا تقل قال أبِ كذا وكذا تريد قال أبي. والمؤنث قد يوصف بالمذكر كقولهم امرأة طالق وطاهر، ويقال ثَلَاثةُ

стр. 1259

أنْفسٍ، والنفس أنثى سُمِّيَ بها المذَكر وهذا تفسير مستقصى وقريب. * * * (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) فمن فتح حذف الألف التي أبْدِلَتْ مِنْ يَاءِ الِإضافة أرَادَ يَا أبَتَا فالألف بدَل من ياء الِإضافة إلاَّ أن الواجب حذفها، إذ كانت بدلاً من ياء تحذف. وقوله: (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا). يعني الصَنم. وقوله: (إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ). يدل أنه كان قَدْ أتَاهُ الوَحْيُ. ومعنى: (صِرَاطًا سَوِيًّا). أي طريقاً مستقيماً. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) معنى عبادة الشيطان - واللَّه أعلم - طاعته فيما يسول من الكفْرِ والمَعَاصِي. * * * وقوله: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) (لَأَرْجُمَنَّكَ). معناه لأشتمنَكَ، يقال: فلان يَرْمي فلاناً ويرْجُمُ فلاَناً معناه يشتمه. وكذلكْ قوله : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ) معناه يَشْتِمُونَهُنَّ، وجائز أن يكون (لَأَرْجُمَنَّكَ) لأقتلنك رَجْماً، والذي عليه التفسير أن الرجم ههنا الشتم. * * * وقوله: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)

стр. 1260

(إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) معناه لطيفاً، يقال: قد تَحَفَّى فلانٌ بفُلَانٍ، وحَفِي فُلَان بفُلانٍ حَفْوَهُ إذا بَرهُ وألْطَفَهُ * * * وقوله : (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) أي أبقينا لهم ثناء حسناً، وكذلك قوله: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤). * * * وقوله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) (مُخْلِصًا) و (مُخْلَصًا) يقرآان جميعاً. والمخلَص - بفتح اللام الذي أخلصه اللَّه جلَّ وعزَّ، أي جعله مختاراً خالصاً من الدنَس. والمخْلِصُ - بكسر اللام - الذي وَحَّدَ اللَّه وجَعَلَ نفسه خالصة في طاعة اللَّه غير دنِسَةٍ. * * * وقوله: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا). معناه مناجياً. وجاء في التفسير أن الله قربه حتى سمع صريف القلم الذي كتبتْ به التوْرَاةُ، ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكونَ، مثل: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تكليماً) أي قربه في المنزلة حتى سمع مناجاة اللَّه وهي كلامُ اللَّه. * * * وقوله : (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) هارون لا ينصرف في المعرفة لأنه اسم أعجمي وهو معرفة. * * * وقوله سبحانه: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) أهله جميعُ أمته، مَنْ كانت بينه وبينه قرابة أو من لم تكن، وكذلك أهل كُل نبي أُمَّتُهُ.

стр. 1261

(وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا). أصله مَرْضُوًّا، وهو جائز في اللغة غير جائز في القرآن لأنه مخالف للمصحف، والخليل وسيبويه وجميع البصريين يقولون: فلان مَرْضُوُّ ومَرضِيٌّ وأرض مَسْنُوة ومسنية إذا سقيت بالسواني أو بالمطر، والأصل الواو إلا أنها قلبت عند الخليل لأنها طرف قبلها واو ساكنة ليس بحاجز حصين، وكأنها مَفْعُل بضم العين، ومفعُل من أدوات الواو يقلب إلى مَفْعِل، لأن الواو لا تكون طرفاً وقبلها متحرك في الأسماء، وأما غير سيبويه والبصريين فلهم فيه قولان: قال بعضهم: لما كان الفعل منه رضيتُ فانتقل من الواو إلى الياء. صار مَرْضِيا. وقيل إن بعض العرب يقول في تثنية رضىً رِضيَان ورِضَوَانِ. فمن قال رضيانِ لم يكن من قوله إلا مرضيٌّ، ومن قال رضوان في التثنية جاز أن يقول فلان مَرْضوٌّ ومرضِيٌّ. * * * وقوله سبحانه: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) جاء في التفسير أيضاً أنه رفع إلى السماء الرابعة، وجاء في التفسير أيضاً أنه سأل ملك الموت حتى سأل الله - جلَّ وعزَّ - أنْ رَفَعَهُ فأُدْخِلَ النارَ ثم أُخرج فأُدخل الجنة فقيل له في الخروج فقال: قد قال اللَّه : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) وقال في أهل الجنة: (وَمَا هُمْ مِنْها بِمُخْرَجين) فأقَرَّه اللَّه في الجنة. وهذا الحِجَاج إنما هو في القرآن - واللَّه أعلم.

стр. 1262

وجائز أن يكون قد أعلم اللَّه إدريس ورُوُدَ الخلق النَّارَ وأنهم مُخَلَّدون في الجِنَان قبل إنْزَاله القرآن، وجاء القرآن موافقاً ما عُلِّمَ إدْرِيسُ. وجاء في التفسير أنه رُفِعَ كما رُفِعَ عيسى. وجائز أن يكون - واللَّه أعلم - قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانَاً عَلِيًّا) أي في النبوة والعلم. * * * وقوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) قد بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَه أن الأنْبِيَاءَ كانوا إذَا سَمِعُوا بآيات اللَّه سَجَدُوا وبَكَوْا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. و (بُكِيًّا) جمع باكٍ، مثل شاهد وشُهود وقَاعِد وقُعُود. و (سُجَّدًا) حال مُقَدَّرَة المعنى: خَرُّوا مُقَدِّرينَ السجُودَ لأن الِإنسان في حال خرْورِهِ لا يكون سَاجِداً و (سُجَّدًا) منصوب على الحال. ومن قال: (بُكِيًّا) ههنا مصدر فقد أخطأ لأن (سُجَّدًا) جمع سَاجد و (بُكِيًّا) عطف عليه، ويقال بَكَى بُكَاءً وبُكِيًّا. * * * وقوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) يقال في الرداءة خَلْف - بإسكان اللام - تقول خَلْفُ سوءٍ وفي الصلاحِ خلَفُ صِدْقٍ - بفتح اللام - وقد يقال في الرداءة أيضاً خَلَف - بفتح اللام - وفي الصلاح بإسكان اللام، والأجود القول الأول. (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ). جاء في التفسير أنَّهمْ صَلُّوْهَا في غير وقتها، وقيل أضَاعُوهَا وتَرَكُوَهَا ألبتَّة وهذا هو الأشبه، لأنه يدل على أنه يعْنَى بِهِ الكفَارُ. ودليل ذلك قوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ). وقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)

стр. 1263

أي فَسَوْفَ يلقون مُجازَاةَ الغَى كما قال : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) أي مجازاة الأثَام. وجاء في التفسير أن، (غيًّا) وادٍ في جهنم، وقيل نهر في جهنم. وهذا جائز أن يكون نهراً أعد للغاوين فسمي (غيًّا). * * * وقوله : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) " مَنْ " في موضع نصب أي فسوفَ يلْقَوْنَ العذابَ إلا التائبين. وجائز أن يكون نصباً استثناء من غير الأول، ويكون المعنى لكن من تاب وآمن. (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ). ويقرأ - يُدْخَلُونَ الجنةَ. * * * وقوله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) يجوز الرفع والنصب، الرفع على معنى هي جنات عدن، والنصب على معنى يدخلون في جنات عَدْنٍ. وعدن في معنى إقامة، يقال: عَدَنَ بِالمَكانِ إذا أقام به. * * * وقوله : (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا). ماتي: مفعول من الِإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه وكل ما أتاك فقد أتيتَه، يقال: وصلت إلى خير فلان ووصل إليَّ خير فلانٍ وأتيت خير فلان وأتاني خير فلانٍ فهذا على معنى أتَيت خيرَ فلانٍ.

стр. 1264

وقوله : (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، و (سلاماً) اسم جامع للخير مُتَضَمِّنٌ للسلامة، فالمعنى أن أهل الجنة لا يسمعون إلا ما يُسَلِّمُهُمْ. * * * وقوله : (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا). قيل: ليس ثَمَّ بكرةٌ ولا عَشِيٌّ، ولكنهم خوطِبوا بما يَعقِلونَ في الدنيا. فالمعنى لهم رزقهم في مقدار ما بين الغداة والعشيِّ. وقد جاء في التفسير أيضاً أن معناه: ولهم رزقهم فيها كل سَاعة. وإذا قيل في مقدار الغداة والعَشِيِّ فالذي يقسم في ذلك الوقت يكون مقدار ما يريدون في كل ساعة إلى أن يأتي الوقت الذي يتلوه. * * * وقوله تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) يروى أن النبي ﷺ أبطَأ عَنْهُ جبريلُ ﵇ في الوحي، فقال ﵇ وقد أتاه جبريل: ما زُرْتَنَا حتى اشتقْت إليكَ، فقال: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ). * * * وقوله : (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ). ما بين أيدينا امرُ الآخرة والثواث والعقاب، وما خَلْفَنَا جَميعُ مَا مَضَى مِنْ أمْرِ الدُّنْيا، وما بَيْن - ذَلِكَ ما يكون منا من هذا الوقت إلى يوم القيامة وجاء في التفسير وما بين ذلك قيل ما بين النفختين. * * * وقوله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًا). أي قد علم اللَّه جلَّ وعلا ما كان وما يكون وما هو كائن، حَافِظ لذلك . لا ينسى منه شيئاً. وجائز أن يكون واللَّه أعلم: مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ وَإن تأخر عنك الوحي.

стр. 1265

وقوله : (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) أي هو مالك لهما وعالم بهما وبما فيهما. * * * وقوله : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا). جاء في التفسير: هل تعلم له مِثْلاً، وجاء أيضاً لم يسم بالرحمن إلا اللَّه . وتأويله - واللَّه أعلم - (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) يستحق أن يقال له خالقٌ وقادر وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله تعالى. * * * وقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) يعنى بهذا الكافر الذي لا يؤمن بالغيب خاصة، ومُتُّ ومِتُّ. * * * وقوله : (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) وُيقْرأ أو لا يذكر بالتخفيف والتثْقِيل. (أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا). أعلم اللَّه أن إعادة الخلق مثل ابتداء خَلقِهمْ، وهذا كما قال: (وَضَرَب لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) الآية. فكان الجواب (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ). * * * وقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) أي فوربك لنبعثنهم ولنحشرنهم مع الشياطين الذين أغوَوْهم. (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا). و (جُثِيًّا). - بالضم والكسر جميعاً، ومعنى جثيا على ركبهم، لا يستطيعون القيام مما هم فيه وجُثي جمع جَاثٍ وجُثى، مثل قاعد وقعود وبارك وبروك.
следующие страницы →