(وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا).
أصله مَرْضُوًّا، وهو جائز في اللغة غير جائز في القرآن لأنه مخالف
للمصحف، والخليل وسيبويه وجميع البصريين يقولون: فلان مَرْضُوُّ ومَرضِيٌّ
وأرض مَسْنُوة ومسنية إذا سقيت بالسواني أو بالمطر، والأصل الواو إلا أنها
قلبت عند الخليل لأنها طرف قبلها واو ساكنة ليس بحاجز حصين، وكأنها
مَفْعُل بضم العين، ومفعُل من أدوات الواو يقلب إلى مَفْعِل، لأن الواو لا
تكون طرفاً وقبلها متحرك في الأسماء، وأما غير سيبويه والبصريين فلهم فيه
قولان:
قال بعضهم: لما كان الفعل منه رضيتُ فانتقل من الواو إلى الياء.
صار مَرْضِيا. وقيل إن بعض العرب يقول في تثنية رضىً رِضيَان ورِضَوَانِ.
فمن قال رضيانِ لم يكن من قوله إلا مرضيٌّ، ومن قال رضوان في التثنية جاز
أن يقول فلان مَرْضوٌّ ومرضِيٌّ.
* * *
وقوله سبحانه: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)
جاء في التفسير أيضاً أنه رفع إلى السماء الرابعة، وجاء في التفسير
أيضاً أنه سأل ملك الموت حتى سأل الله - جلَّ وعزَّ - أنْ رَفَعَهُ فأُدْخِلَ النارَ ثم أُخرج فأُدخل الجنة فقيل له في الخروج فقال: قد قال اللَّه : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) وقال في أهل الجنة: (وَمَا هُمْ مِنْها بِمُخْرَجين) فأقَرَّه
اللَّه في الجنة.
وهذا الحِجَاج إنما هو في القرآن - واللَّه أعلم.
стр. 1262
وجائز أن يكون قد أعلم اللَّه إدريس ورُوُدَ الخلق النَّارَ وأنهم
مُخَلَّدون في الجِنَان قبل إنْزَاله القرآن، وجاء القرآن موافقاً ما عُلِّمَ إدْرِيسُ.
وجاء في التفسير أنه رُفِعَ كما رُفِعَ عيسى.
وجائز أن يكون - واللَّه أعلم - قوله: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانَاً عَلِيًّا) أي في
النبوة والعلم.
* * *
وقوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)
قد بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَه أن الأنْبِيَاءَ كانوا إذَا سَمِعُوا بآيات اللَّه
سَجَدُوا وبَكَوْا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
و (بُكِيًّا) جمع باكٍ، مثل شاهد وشُهود وقَاعِد وقُعُود.
و (سُجَّدًا) حال مُقَدَّرَة
المعنى: خَرُّوا مُقَدِّرينَ السجُودَ لأن الِإنسان في حال خرْورِهِ لا يكون سَاجِداً و (سُجَّدًا) منصوب على الحال.
ومن قال: (بُكِيًّا) ههنا مصدر فقد أخطأ لأن (سُجَّدًا) جمع سَاجد و (بُكِيًّا) عطف عليه، ويقال بَكَى بُكَاءً وبُكِيًّا.
* * *
وقوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)
يقال في الرداءة خَلْف - بإسكان اللام - تقول خَلْفُ سوءٍ وفي
الصلاحِ خلَفُ صِدْقٍ - بفتح اللام - وقد يقال في الرداءة أيضاً خَلَف - بفتح اللام - وفي الصلاح بإسكان اللام، والأجود القول الأول.
(أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ).
جاء في التفسير أنَّهمْ صَلُّوْهَا في غير وقتها، وقيل أضَاعُوهَا وتَرَكُوَهَا ألبتَّة
وهذا هو الأشبه، لأنه يدل على أنه يعْنَى بِهِ الكفَارُ.
ودليل ذلك قوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ).
وقوله: (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)
стр. 1263
أي فَسَوْفَ يلقون مُجازَاةَ الغَى كما قال : (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) أي مجازاة الأثَام.
وجاء في التفسير أن، (غيًّا) وادٍ في جهنم، وقيل نهر في جهنم.
وهذا جائز أن يكون نهراً أعد للغاوين فسمي (غيًّا).
* * *
وقوله : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)
" مَنْ " في موضع نصب أي فسوفَ يلْقَوْنَ العذابَ إلا التائبين.
وجائز أن يكون نصباً استثناء من غير الأول، ويكون المعنى لكن من تاب وآمن.
(فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ).
ويقرأ - يُدْخَلُونَ الجنةَ.
* * *
وقوله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)
يجوز الرفع والنصب، الرفع على معنى هي جنات عدن، والنصب على
معنى يدخلون في جنات عَدْنٍ.
وعدن في معنى إقامة، يقال: عَدَنَ بِالمَكانِ إذا أقام به.
* * *
وقوله : (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا).
ماتي: مفعول من الِإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه وكل ما
أتاك فقد أتيتَه، يقال: وصلت إلى خير فلان ووصل إليَّ خير فلانٍ وأتيت
خير فلان وأتاني خير فلانٍ فهذا على معنى أتَيت خيرَ فلانٍ.
стр. 1264
وقوله : (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)
اللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه، و (سلاماً) اسم جامع للخير
مُتَضَمِّنٌ للسلامة، فالمعنى أن أهل الجنة لا يسمعون إلا ما يُسَلِّمُهُمْ.
* * *
وقوله : (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا).
قيل: ليس ثَمَّ بكرةٌ ولا عَشِيٌّ، ولكنهم خوطِبوا بما يَعقِلونَ في الدنيا.
فالمعنى لهم رزقهم في مقدار ما بين الغداة والعشيِّ.
وقد جاء في التفسير أيضاً أن معناه: ولهم رزقهم فيها كل سَاعة.
وإذا قيل في مقدار الغداة والعَشِيِّ فالذي يقسم في ذلك الوقت يكون مقدار ما يريدون في كل ساعة إلى أن يأتي
الوقت الذي يتلوه.
* * *
وقوله تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)
يروى أن النبي ﷺ أبطَأ عَنْهُ جبريلُ ﵇ في الوحي، فقال ﵇ وقد أتاه جبريل: ما زُرْتَنَا حتى اشتقْت إليكَ، فقال: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ).
* * *
وقوله : (لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ).
ما بين أيدينا امرُ الآخرة والثواث والعقاب، وما خَلْفَنَا جَميعُ مَا مَضَى مِنْ
أمْرِ الدُّنْيا، وما بَيْن - ذَلِكَ ما يكون منا من هذا الوقت إلى يوم القيامة وجاء في التفسير وما بين ذلك قيل ما بين النفختين.
* * *
وقوله : (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًا).
أي قد علم اللَّه جلَّ وعلا ما كان وما يكون وما هو كائن، حَافِظ لذلك
. لا ينسى منه شيئاً.
وجائز أن يكون واللَّه أعلم: مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ وَإن تأخر عنك الوحي.
стр. 1265
وقوله : (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
أي هو مالك لهما وعالم بهما وبما فيهما.
* * *
وقوله : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).
جاء في التفسير: هل تعلم له مِثْلاً، وجاء أيضاً لم يسم بالرحمن إلا
اللَّه . وتأويله - واللَّه أعلم - (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) يستحق أن يقال له خالقٌ وقادر وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله تعالى.
* * *
وقوله: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)
يعنى بهذا الكافر الذي لا يؤمن بالغيب خاصة، ومُتُّ ومِتُّ.
* * *
وقوله : (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا
(٦٧)
وُيقْرأ أو لا يذكر بالتخفيف والتثْقِيل.
(أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).
أعلم اللَّه أن إعادة الخلق مثل ابتداء خَلقِهمْ، وهذا كما قال:
(وَضَرَب لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) الآية.
فكان الجواب (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ).
* * *
وقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)
أي فوربك لنبعثنهم ولنحشرنهم مع الشياطين الذين أغوَوْهم.
(ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا).
و (جُثِيًّا). - بالضم والكسر جميعاً، ومعنى جثيا على ركبهم، لا يستطيعون
القيام مما هم فيه وجُثي جمع جَاثٍ وجُثى، مثل قاعد وقعود وبارك وبروك.
стр. 1266
والأصل ضم الجيم وجائز كسرها، اتباعاً لكسرة اليَّاء.
و (جِثِيًّا). منصوب على الحال.
* * *
وقوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا
(٦٩)
وَ (عُتيا) - بألكسر والضَم، ومعناه لننزعن مِنْ كل أمَّةٍ ومِنْ كُلً فرقةٍ الأعتى
فَالْأعْتَى منهم، كأنَّهم يُبْدَأ بتعذيب أشدهم عُتِيا ثم الذي يليه.
فأما رفع (أَيُّهُمْ) فهو القراءة، ويجوز (أَيَّهُمْ) بالنصب حكاها سيبويه، وذكر سيبويه أنَّ هارون الأعوَرَ القارئ قرأ بها.
وفي رفعها ثلاثة أقوال:
قال سيبويه عن يونس إن قوله جلَّ وعزَّ (لَنَنْزِعَنَّ) معقلة لم تعمل شيئاً.
فكأنَّ قولَ يونس: (ثم لننزعن من كل شيعة) ثم استأنف فقال (أيهم أشد على
الرحمن عتياً).
وأما الخليل فَحكى عنه سيبويه أنه على معنى الذين يقال (أيهم أشد على
الرحمن عتياً)، ومثله عنده قول الشاعر:
ولقد أَبِيتُ من الفَتاة بمَنْزِلِ. . . فأَبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم
المعنى فأبيتُ بمنزلة الذي يقال له لا هو حرجٌ ولا هو محرومٌ.
стр. 1267
وقال سيبويه إن " أَيُّهُمْ " مَبْنية على الضم لأنها خالفت أخواتها، واستعمل
معها حرف الابتداء، تقول اضرب لأيُّهُم أفْضَل يريد أيهم هو أفضل، فيحسُنُ الاستعمال، كذلك يحذف هو، ولا يَحْسُنُ. " اضْرِبْ من أفضلً " حتى تقول من هو أفضل، ولا يحسن " كُلْ مَا أطْيَبُا حتى تقول: كل ما هو أطيب.
فلما خالفت من وما والذي - لأنك لا تقول أيضاً: " خُذِ الذي أفضَلُ " حتى تقول هو أفضل، قال فلما خالفت هذا الخلاف بنيت على الضم في الإِضافة، والنَّصْبُ حَسَن، وإن كنت قد حذفت " هُوَ " لأن " هو " قد يجوز حذفها، وقد قرئت (تَمَامًا عَلَى الَّذِي [أَحْسَنُ] وَتَفْصِيلًا)
على معنى الذي هو أحسن.
قال أبو إسحاق: والذي أعتقده أن القولَ في هذا قولُ الخليل، وهو
موافق للتفسير، لأن الخليل كان مذهبهُ أوْ تَأويله في قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) الذي مِنْ أجل عُتُوهِ يقال: أي هؤلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا.
فيستعمل ذلك في الأشدِّ فالأشد، واللَّه أعلم (١).
* * *
وقوله : (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)
وصُلِيَّا - بالضم والكسر - على ما فسرنا، وصليا منصوب على الحال.
أي: أي ثم لنحن أعلم بالذين هم أشد على الرحمن عِتِيا فهم أولى
بها صِليًّا.
* * *
(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)
هذه آية كثير اختلاف التفسير فيها في التفسير فقال كثير من الناس إنَّ
الخلق جميعاً يَرِدُون النَّارَ فَينْجو المتَقِي وُيتْرَكُ الظالِمُ - وكلهم يَدْخُلُهَا، " فقال بعضهم: قد علمنا الوُرودَ ولم نَعْلَمْ الصُّدُورَ.
стр. 1268
وحجة من قال بهذا القول أنه جرى ذكر الكافرين، فقال: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) ثم قال بعد: (وإنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُها)
فكأنَّه على نظم ذلك الكلام عام.
ودليل من قال بهذا القول أيضاً قوله (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ)
ولم يقل وندخل الظالمين، وكان (نَذَرُ) و (نترك) للشيء الذي قد
حصل في مكانه.
وقال قوم إن هَذَا إنما يُعْنَى به المشرِكُونَ خاصةً، واحتجوا في هذا بأن
بعضهم قرأ: " وإن منهم إلا وَارِدُهَا "، ويكون على مذهب هؤلاء
(ثم ننجي الذين اتقَوْا) أي نخرج المتقين من جملة من ندخله النار.
وقال قوم: إن الخلق يَردونها فتكون على المْؤمِنِ بَرْداً وَسَلاماً، ثم
يُخْرَجُ مِنها فيدْخُلُ الجنة فيعلمَ فضلَ النعمةِ لما يُشاهِدُ فيه أهلَ العذاب وما
رأى فيه أهل النار.
وقال ابن مسعود والحسَنُ وقَتَادَةُ: إن ورودها ليس دخولها، وحجتهم في
ذلك جيدة جدا من جهات: إحداهن أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولَمْ
تدخله، وقال اللَّه : (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وتقول إذا بلغت البلد ولم تدخله: قد وردت بلد كذا وكذا.
قال أبو إسحاق: والحجة القاطعة في هذا القول ما قال اللَّه :
(إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا). . فهذا - واللَّه أعلم - دليل أن أهل الحسنى لا يدخلون النار (١)
стр. 1269
وفي اللغة وردت بلد كذا وكذا إذا أشرفت عليه، دخلته أو لم تدخله، قال
زهير:
فلمّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمامُه وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضرِ المُتَخَيِّم
المعنى بلغن إلى الماء، أي أقمن عليه، فالورود ههنا بالإجماع ليس
بدخول، فهذه الروايات في هذه الآية، واللَّه أعلم.
* * *
وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)
(وَأَحْسَنُ نَدِيًّا).
معناه مجلساً
* * *
وقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)
(أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) (١).
فيها أربعة أوجُهٍ رِئْياً بهمزة قبل الياء، والراء غير معجمة، وَرِيًّا بتشديد
بياء مشددَةٍ، وزِيًّا - بالزاي مُعجَمة، وقد قرئ بهذه الثلاثة الأوجه.
ويجوز وجه رابع لم يقرأ به - بياء وبعدها همزة - وريئا:.
فأمَّا رِئْياً - بهمزة قبل الياء - فالمعنى فيه هم أحسن أثاثاً أي متاعاً، ورئياً
منظراً، من رأيت، ومن قرأ بغَيْرِ هَمْز فله تَفْسِيرَانِ: عَلَى مَعْنى الأول بِطَرْحِ
الهمزة وعلى معنى أن منظَرَهم مُرْتوٍ من النعمةِ، كأن النعيمَ بَيِّنٌ فيهم، ومن
قرأ زِيًّا فمعناه أن زيَّهم حسن يعني هيئتهم.
قال الشاعر:
أَشاقَتْكَ الظَّعائِنُ يومَ بانُوا بذي الرِّئْيِ الجمِيلِ منَ الأَثاثِ
ونصب (أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) على نية التفسير.
المعنى وكم أهلكنا قبلهم من
стр. 1270
قَرْنٍ هم أحسن أثاثاً منهم وأحسن زِياً منهم. ومن قرأ رِيُئاً فهو بمعنى رئياً مقلوب لأن من العرب من يقول قد رَاءَني زَيْد وتقول قَدْ رَآني.
في هذا المعنى قال الشاعر كثير:
وكل خليلِ رَاءني فهو قائل. . . من أجلك هذا هامة اليوم أوْ غَدِ
* * *
وقوله عزَّ. وجل: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)
هذا لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله أن اللَّه جعل جزاء
ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال - جلَّ وعزَّ -:
(مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦).
إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزاماً، كأنَّه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي به، فإذا قال القائل: من رآني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمُه، كأنَّه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك.
وقوله: (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ).
العذاب والساعة منصوبان على البدل من (ما يُوعدُون) المعنى حتى إذا
رأوا العداب أو رأوا الساعة، فالعذاب ههنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين
عليهم فإنهم يعذبونهم قتلاً وأسْراً.
والساعة يعنى بها يوم القيامة وبما وعدوا به فيها من الخلود في النار.
(فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا).
أي فسيعلمون بالنصر، والقتل أنهم أضعف جنداً من جند النبي ﷺ والمسلمين ويعلمون بمكانهم من جهنم، ومكان المؤمنين من الجنة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا.
стр. 1271
وقوله : (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)
قيل بالناسِخ والمنسوخ نحو ما كان من صوم رمضان من أنه كان يجوز
لمن يقدر على الصوم أن يطعم مسكيناً ويفطر، فنسخ ذلك بإلزام الصوم.
وجائز أن يكون -: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) يجعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم هُدى كما أضل اللَّهُ الفاسقَ بفسقه.
* * *
وقوله : (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا).
معناه الأعمال الصالحة، وأولها توحيد اللَّه، وهو شهادة أن لَا إلَه إلا اللَّهُ.
* * *
وقوله: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)
ويقرأ: وُوُلْداً، فمن قرأ وُلْداً بالضَّمِ فهو على وجهين على جمع وَلدٍ.
يُقَالُ وَلَد وَوُلد مثل أسَدٍ وأُسْدٍ، وجائز أن يكون الوُلْدُ في معنى الوَلَدِ، والوَلَدُ يصلح للواحد والجمع، والوُلْدُ والوَلَدُ بمعنىً واحد، مثل العُرْب والعَرَب، والعَجَمُ والعُجْمُ.
وقد جاء في التفسير أنه يعنى به العاص بن وائل. ويروى أن خَبَّاباً
قال: كنت قَيْناً في الجاهلية. والقَيْن، هو الذي يصلح الأسِنَّة، والحَدَّادُ يقال له قَيْن، قال وكان لي على العاصِ بِنِ وائل دين، فدفعني بقضائه وقال لا أدفعه إليك حتى تكفر بمحمد ﷺ فقال خبَّاب: لا أكفر بمحمد حتى تموت وتُبْعثَ.
فقال: إذَا مِتُّ ثم بعثتُ أعْطِيتُ مالاً وولداً وقضيتك مما أعطى، يقول ذلك
مستهزئاً فقال اللَّه سبحانه:
стр. 1272
(أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)
أي علم ذلك غيباً أم أعطي عهداً، وهو مثل الذي قال: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦).
* * *
(كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)
(كَلَّا).
رَدْعٌ وتنبيه، أي هَذَا مما يَرْتَدَعُ منه، ويُنَبه على وَجْه الضلالة فيه.
(سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ).
أي سنحفظ عليه.
* * *
(وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)
أي نجعل المال والولد لِغَيْرهِ ونسلبه ذلك ويأتينا فرداً.
* * *
وقوله : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)
أي أعوانا
* * *
وقوله: (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
أي يصيرون عليهم أعوانا.
* * *
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)
في قوله (أرْسَلْنَا) وجهان:
أحدهما أنا خلينا الشياطين وإياهم، فلم نعصمهم من القبول منهم -
قال أبو إسحاق: والوجِه الثاني - وهو المختار -
أنهم أرْسِلوا عليهم وقُيِّضُوا لهم بكفرهم كما قال : (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦).
ومعنى (تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) تُزْعِجُهُمْ حتى يركبوا المعاصي إزعاجاً فهو يَدُل
على صحة الإرْسَالِ والتًقْييض، ومعنى الإرسال ههنا التسليط، يقال قد
стр. 1273
أرسلت فلانا على فلانٍ إذا سلطته عليه، كما قال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ).
فأَعلم اللَّه : (أن من اتبعه هو مسلط عليه.
* * *
وقوله : (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)
معنى الوفد الركبان المكرمون.
(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)
مشاة عطاشاً.
* * *
وقوله: (لَلَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)
" مَنْ " جائز أن تكون في موضع رفع، وفي موضع نصب.
فأمَّا الرفع فعلى البدل من الواو والنون، والمعنى لا يملكون الشفاعة إلا من اتخد عند الرحمن عهداً.
والعهد ههنا توحيه اللَّهِ جلً ثناؤه والإيمان به.
والنصب على الاستثناء ليس من الأول على: لَا يَمْلكُ الشفاعةَ
المجرمون، ثم قال: (إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً)، على معنى لكن من
اتخذ عند الرحمن عهداً فإنه يملك الشفاعة.
* * *
وقوله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)
وتقرأ (أَدًّا) - بالفتح - ومعناه شيئاً عظيماً من الكفر، وفيها لغة أخرى لا
أعلم أنه قرئ بها، وهي: " شَيْء آدًّا على وزن رَادٍ ومادٍ، ومعناه كله: جئتم شيئاً عظيماً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)
أي محبة في قلوب المؤمنين.
стр. 1274
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)
(قَوْمًا لُدًّا).
جمع ألَدّ مثل أصمْ وَصُمّ، والألَدُّ الشدِيدُ الخُصُومَةِ.
* * *
وقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)
(هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ).
يقال: هل أحْسَسْتَ صَاحِبَك أي هل رأيته، وتقول: قد حَسَّسهمْ - بغير ألف - إذا قتلهم.
وقوله: (أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا).
الركزُ الصوت الخفي.
стр. 1275
سورة طه
(مَكِّيَّة)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)
يقرأ طَهَ - بفتح الطاء والهاء، وتقرأ طِهِ - بكسرهما - ويقرأ طهْ - بفتح
الطاء وإسكان الهاء، وطَهِ بفتح الطاء وكسر الهاء.
واختلف في تفسيرها
فقال أهلُ اللغَةِ هي من فواتح السُّورِ نحو حم والم، ويروى أن النبي ﷺ كان إذا صلى رفع رِجْلًا ووضع أخرى فأنزل اللَّه : (طاها) أيْ طَأ الأرضَ بِقَدمَيْكَ جَميعاً.
* * *
وقوله : (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)
أي لتُصَلِّيَ على إحْدَى رِجْلَيْك فتشتد عليك، وقيل طه لغة بالعجمية
معناها يا رجل، فأمَّا من فتح الطاء والهاء فلأن ما قبل الألف مفتوح، ومن
كسر الطاء والهاء، أمال إلى الكسر لأن الحرفَ مقصورٌ، والمقصور تغلب عليه الإمالة إلى الكسر ومن قرأ طَِهْ بإسكان الهاء ففيها وجهان أحدهما أن يكون أصله " طَا " بالهمزة فأبدلت منها الهاء كما قالوا في إياك هياك وكما قالوا في أرَقَت الماء هَرَقْتُ وجائز أن يكون من " وَطِي " عَلَى تَرْكِ الهمزةِ.
فيكونُ " طَ "
стр. 1276
يا رَجُل - ثم أثبت فيها الهاء للوقف فقِيل طهْ.
* * *
وقوله : (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)
المعنى أنزلناه تنزيلًا، والعُلَى جمع العليا، يقال: سماء عُلْيَا وسمواتٌ
عُلًى، مثل الكبرى والكُبَر.
* * *
وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)
الاختيار الرفعُ، ويجوز الخفض على البدل من " منْ " المعنى تنزيلاً
من خالق الأرض والسَّمَاوَات الرحمن، ثم أخبر بعد ذلك فقال: على العرش
استوى، وقالوا معنى (استوى) استولى - واللَّه أعلم. والذي يدل عليه استوى في اللغة على ما فعله من معنى الاستواء.
قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى
(٦)
الثرى في اللغة الندى، وما تحت الأرض ندى، وجاء في التفسير وما
تحت الثرى ما تحت الأرض.
* * *
وقوله: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)
فَالسِّر ما أكننْتَهُ في نفسك، و " أخفى " ما يكون من الغيب الذي لا يعلمه
إلا اللَّه.
* * *
وقوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)
يروى عن النبي ﷺ أنه قال:
" للَّهِ تسعة وتسعونَ اسْماً من أحْصَاهَا دخل الجنة ".
وتأويل من أحصاها دخل الجنة، من وحَّدَ اللَّهَ وذكر هذه الأسماء
الحسنى يريد بها توحيدَ اللَّه وإعْظَامَهُ دَخَل الجنةَ.
وقَدْ جاءَ أنه من قال
стр. 1277
لا إله إلا اللَّه دخل الجنة، فهذا لِمَنْ ذَكَرَ اسْمَ الله مُوَحِّداً لَهُ بِهِ فكيف بمن ذَكر أسْماءَهُ كلَّها يُريدُ بها توحيدَهُ والثناءَْ عليْهِ.
* * *
وقوله : (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)
القَبَسُ ما أخَذْتَه في رأس. عُودٍ من النَّارِ أو رَأسِ فِتيلةٍ.
(أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) جاء في التفسير أنه ﷺ ضل الطريق وجاء أنه ضل عن الماءِ فرجا أن يجد عند النار من يهديه الطريق أو يَدُلَّه عَلَى الماء.
* * *
(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)
ويقرأ أَنَّي أنَا - بالفَتح والكسر، فمن قرأ " أَنِي " فالمعنى نودي بأني أنا
ربُّك، وموضع " أَنَّي " نصبٌ.
وَمَنْ قَرأ (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) بالكسر فالمعنى نودي يا موسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ.
(فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى).
روي أنه أمِرَ بخَلْعِهمَا لأنهما كانتا من جِلْد حمارٍ مَيِّت، وروي أنه أمر
بخلعهما ليطأ بقدميه الوادي المقدس، وروي أنه قُدسَ مَرتَين.
وقوله: (طُوًى).
اسم الوادي، ويجوز فيه أربعة أوجه:
طُوَى - بضم أوله، بغير تنوين وتنوينٍ وبكسر أوله - بتنوين وبغير تنوين. فمن نوَّنَه فهو اسم الوادي، وهو مذكر سُمِّيَ بمذكرعلى فُعَل نحو حُطَم وصُرَد. ومن لم ينونه ترك صرفه من جهتين:
إحداهما أن يكون معدولًا عن " طَاءٍ " فيصير مثل عُمَر المعدول عن عامر.
والجهة الأخرى أن يكون اسماً للبقعة كما قال الله :
стр. 1278
(في البُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ). وإذا كُسِرَ وَنوِّنَ طِوًى فهو - مثل مِعًى وَضِلعٍ - مَصْرُوفَ.
ومَنْ لم ينوِّن جعله اسماً للبقعةِ.
* * *
وقوله (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)
ويقرأ (وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ)، فمن قرأ: (وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ) فالمعنى يؤدي بـ (وَأَنَّا اخْتَرْنَاكَ) ويجوز (وَإِنَّا اخْتَرْنَاكَ) على وجهين:
على الاستئناف وعلى معنى الحكاية لأنَّه معنى يُؤدىَ قيل له إِنَّا اخْتَرْنَاكَ.
* * *
وقوله: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)
(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي).
هذا على معنيين أحدهما أقم الصلاة لأن تَذْكُرَني لأن الصلَاةَ لا تكونُ
إلا بذكر اللَّه، والمعنى الثاني هو الذي عليه الناس ومعناه أقم الصلاة متى
ذَكَرْتَ أنَّ عليك صلاةً كنتَ في وقتها أو لم تكن، لأن اللَّه لا يؤاخذُنا إن تسينا ما لم نَتعمَّدْ الأشياء التي تَشْغَلُ وتُلْهِي عن الصلاة، ولو ذَكَرَ ذَاكِر أنَّ عليه صلاةً في وقت طُلُوع الشمس أوعندَ مَغيبَها وَجَب أن يصفيَها.
وقرئت لِلذِكْرَى - معناه في وقت ذكرك.
* * *
وقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)
بضم الألِفِ، وجاء في التفسير: أكاد أخفيها من نفسي، فالله أعلم
بحقيقة هذا التفسير، وقرئت: أكاد أَخْفِيهَا - بفتح الألف - معناه أكاد أُظْهِرها (١)
قال امرؤ القيس:
стр. 1279
فإنْ تَدْفِنوا الداءَ لا نَخْفِهِ. . . وإنْ تُوْقِدُوْا الحربَ لا نَقْعُدِ
أي أن ندفنوا الداء لا نظهره.
وهذه القراءة الثانية أبين في المعنى، لأن معنى أكاد أظهرها، أي قَدْ
أخفيتها وَكِدتُ أظْهِرُهَا. .
وقوله: (لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى).
معنى (بِما تسعى) بما تعمل، و (لِتُجْزَى) متعلق بقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ)
لتجزَى كل نَفْس بما تسعى.
ويجوز أن يكون على أقِمِ الصلاة لذكري لتجزى كل نفس بما تسعى.
* * *
وقوله: (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)
معناه واللَّه أعلم فلا يصدنك عن التصديق بها من لا يؤمن بها، أي من
لا يؤمن بأنها تكون، وخطابُ النبي ﷺ هو خطابُ سائر أمتِه.
ومعنى لا يَصُدَّنَّكَ عنها: لا يَصُدَّنَّكُمْ، قال اللَّه : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ). فَنبَّه النبي ﷺ بالخطاب وخوطب هو وأمته بقوله (إِذَا طَلَّقْتُمُ).
وقوله: (فَتَرْدَى).
معناه فتهلك، يقال رَدِيَ يَرْدَى ردًى، إذا هلك، وكذلك تَرَدَّى إذَا هلَكَ
في قوله : (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١).
* * *
قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)
تلك اسم مبهم يَجري مجرى التي، ويوصل كما توصل التي، المعنى
стр. 1280
ما التي بيمينك يا موسى.
وهذا الكلام لفظه لفظ الاستفهام ومجراه في الكلام
مجرى ما يسأل عنه، ويجيب المخاطب بالِإقرار به لتثبت عليه الحجة بعدما
قد اعترف مستغنًى بإقراره عن أن يجحد بعد وقوع الحجة، ومثله من الكلام
أنْ تُرِيَ المخاطب ماءً فتقول له ما هذا فيقول ماء، ثم تحيله بشيء من الضِبْغ
فإن قال إنه لم يزل هكذا قلت له: ألست قد اعترفت بأنه ماء؟
* * *
وقوله: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)
وقرئ هي عَصَى بغير ألف، وأجْوَدُهُمَا عَصَايَ. وَعَصَى لغَةُ هُذَيل.
والأصل في يا الإضافة أن يكسر ما قبلها، تقول هذا حَجَرِي فتكسر الراء وهي في موضع ضم وكذلك رأيت حجرِي، فإذا جَاءتْ بَعْدَ الألف المقصورة لم تكسرها؛ لأن الألف لا تُحرَّكُ، وكذلك إذا جاءت بعد ألف التثنية في الرفع في قولك هما غلاماي، وبعد ياء النصب في قولك: رأيت غلامَيَّ، وبعد كل ياء قبلها - كسرة نحو هذا قاضِى ورأيت مُسْلِمِيَّ، فجعلت هُذَيْلٌ بدلًا من كسرةِ الألف تغييرها إلى الياء، وليس أحَدٌ من النحويين إلا وقد حكى هذه اللغة.
قال أبو ذؤيب.
سَبَقوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَواهُم. . . فتُخُرِّمُوا ولكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
* * *
قوله: (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي).
- جاء في التفسير أخْبِطُ بها الشجرَ، واشتقاقه من أني أحيلُ الشيءَ إلى
الهشاشة والإمكان.
- وقوله: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى).
جاء في التفسير حاجات أخَر، وكذلك هُوَ في اللغة، وواحد المآرب
стр. 1281
مَأرُبَة ومارَبة. وجاء (أُخْرَى) على لفظ صفة الواحدة، لأن مآرب في معنى
جماعة فكأنَّها جماعات من الحاجات الأخرى، فلو جاءت أخَرُ كان صواباً.
* * *
قوله: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)
معنى (سِيرَتَهَا) طريقتها يعنى - هيئتها، تقول إذا كان القوم مشتبهين: هم
على سيرة واحدة وطريقة - وَاحِدةٍ، تريد أن هيئتهم واحدة وشبههم واحِد، وإن كان أصل السيرة والطريقة أكثر ما يقع بالفعل، تقول: فلان على طريقة فلانٍ وعلى سيرته أي أفعاله تشبه أفعال فلانٍ، والمعنى: سنعيدها عَصاً كما كانت.
و (سِيرَتَهَا) منصوب على إسقاط الخافض، وأفْضى الفعل إليها، المعنى - والله أعلم - سنعيدها إلى سيرتها الأولى، فلما حُذِفَتْ " إلى " أفْضى الفعل - وهو سنعيدها - فَنَصَب.
* * *
وقوله: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)
جناح الإنسان عَضُدُه إلى أصل " إبطه.
وقوله: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى).
(آيةً) مَنْصوبة لأنها في موضع الحال، وهي اسم في موضع الحال.
المعنى - واللَّه أعلم - تخرج بيضاء مُبيِّنة آيَةً أُخْرَى.
ويجوز أن يكون (آيَةً أُخْرَى) منصوبةً على معنى آتيناك آية - أخرى أو سنؤتينك آيَةً أُخْرَى، لأنه لما قال: (تَخْرُج بَيْضَاءَ) كان في ذلك دَليل أنَّه يعطى آيةً أخرى، فلم يحتج إلى ذكر آتَينَاكَ لأن في الكلام دليلًا عليه.
ويجوز آية أخرى بالرفع على إضمار هذه آية أخْرَى.
* * *
وقوله: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)
جاء في التفسير أنه كان في لسانه رُتَّة، لأن امْرأةَْ فِرْعَوْنَ جَعَلَتْ عَلَى
لِسَانه حجرةً لأنه كان أخذ وهو صبي بِلِحْيةِ فرعَوْنَ فهَمَّ به، وقال هذا عدو
стр. 1282
فأعلمته أنه صبي لا يعقل وأن دليلها على ذلك أنه التقم جمرة فدرأت عنه ما
هَمَّ به فِرْعَوْنَ فيه.
* * *
وقوله: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)
يجوز أن يكون نصب هارون من جهتين:
إحداهما أن يكون (اجْعَلْ) لا يَتَعدى إلى مفعولين فيكون المعنى اجعل هارون أخي وزيري فتنصب " وَزِيرًا " على أنه مفعول ثانٍ.
ويجوز أن يكون هارون بدلاً من قوله " وَزِيرًا "
ويكون المعنى اجعل لي وَزِيرًا من أهلي ثم أبدل هارون من وَزِير.
والقول الأول أجودُ و (أخي) نعت لهارون.
* * *
وقوله: (اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)
يقرأ على ضربين:
على مَعْنى اجعل أخي وزيراً، فإنك إن فعلت ذلك
أشْدُدْ به أزْري. " أشْدُدْ " على الإِخْبَارِ عن النفس وأظهرت التضعيف لأنه
جواب الأمر وأشْرِكُه في أمْرِي، فيقرأ على هذا: هارون أخي أشْددْ به أزري
وأشرِكُهُ في أمري بقَطْع ألِفِ أشْدُدْ وضم الألف من وأُشْرِكْهُ.
ومن قرأ هارون أخي اشدد به أزري وأشْرِكه فعلى الدعاء.
المعنى: اللهم أشدد به أزري وأشْرِكْهُ في أمري.
* * *
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)
قد بين المرة على ما هي وهي قوله:
(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)
لأنه نَجَّاهُ بهذَا من القتل، لأنَّ فرعونَ كَان يَذْبَحُ الأبناءَ.
* * *
وقوله : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي).
قالوا معناه ولتُغْذَى.
ومعنى أزرِي، يقال آزَرْتُ فُلاناً على فلان إذَا أعنْتَه عَليْه وقوَّيتَه، ومِثلُه:
стр. 1283
(فآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ).
فتأويله أقوى بهِ واستُعين به على أمري.
فأما الوزير في اللغة فاشتقاقه من الوَزَرِ، والوَزَرُ الجَبلُ الذي يُعْتَصَم به
ليُنْجِيَ مِنَ الهكلَةِ، وكذلك وزير الخليفة معناه الذي يَعْتمد عليه في أمُورِه
وَيلْتَجِئ إلى رأيه وقوله: (كَلَّا لاَ وَزَرَ) معناه لا شيءَ يُعْتَصَمُ بِه من أمر
الله .
* * *
وقوله: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠)
(وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا).
معناه اختبرناك اختباراً.
وقوله: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى).
قيل في التفسير: على مَوْعِدٍ، وقيل على قَدَرٍ من تَكلِيمي إياك.
(اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)
معناه ولا تضعُفَا، يقال: وَنَى يني وَنْياً ووُنيًّا إذاضَعُفَ، وقولك قد توانى
فلان في هذا الأمر أي قد فتر فِيه وضَعُفَ.
وقوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)
لعل في اللغة ترجٍّ وطمع، تقول: لَعلي أصير إلَى خيرٍ، فمعناه أرجو
وأطمع أن أصير إلى خير، واللَّه خاطب العبادَ بما يعقلون
والمعنى عند سيبويه فيه: اذْهَبَا عَلَى رَجَائكما وَطَمَعَكُمَا.
والعلم من الله قد أتى من وراء ما يكون. وقد علم الله أنه لا يتذكر ولا يخشى، إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالإبانة، وإقامتها عليه، والبرهان.
стр. 1284
ْوإنما تبعَثُ الرسُل وهي لا تعلم الغيب ولا تدري أيقبل منها أم لا، وهم
يرجون ويطمعون أن يقبل مِنهم، ومعنى " لعل " متصور في أنفسهم، وعلى
تصور ذلك تقوم الحجة، وليس علم الله بما سيكون تجب به الحجة علم.
الآدميين، ولو كان كذلك لم يكن في الرسل فائدة.
فمعنى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).
هو الذي عليه بُعثَ حميعُ - الرُّسُلِ.
* * *
وقوله : (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)
معنى يَفْرطَ علينا يُبَادر بعقوبتنا، يقال: قد فرط منه أمر أي قَدْ بَدَرَ منه
أمر، وقد أفرط في الشيء إذا سَقَط فيه، وقد فرط في الشيء أي قَصَّرَ ومعناه كله التقدم في الشيْءِ، لأن الفرط في اللغة المتقدم.
ومنه قوله ﷺ " أنا فَرَطُكُمْ على الحوض ".
* * *
وقوله: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)
(وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى).
ليس يعنى به التحية، وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب
اللَّه وسخطه والدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس ابتداء لقاء وخطاب.
ومعنى (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ).
ولم يقل فَأتَيَاهُ فقَالاَ لَه إنا رَسُولا ربِّكَ، لأن الكلام قدْ دل على ذلك
فاستغنى عنه أن يقال فيه فأتَياهُ فَقَالاَ، لأن قوله: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩).
فيه دليل على أنهما أتَياهُ فَقَالَا لَهُ:
* * *
وقوله : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
(٥٠)
معناه خلق كل شيء على الهيئة التي بها ينْتَفِعُ، والتي هي أصلح
الخلق له، ثم هَدَاهُ لمعِيشتِه، وقد قيل ثم هداه لموضع مَا يكون منه الولد.
стр. 1285
والأول أبين في التفسير، وهذا جائز، لأنا نرى الذَّكرَ مِنَ الحيوان يأتي
الأنثى ولم ير ذكراً قد أتى أنثى قبله فألْهَمه اللَّه ذلك وهداه إلى المَأتي.
والقول الأول ينتظم هذا المعنى، لأنَّه إذا هَداه لمصْلَحَتِه فهذا دَاخِلٌ
في المصْلحةِ، واللَّه أعلم.
* * *
وقوله تَعَالَى: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)
قال له موسى ﵇:
(قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)
معناه لا يُضِلها ولا ينساها، ولا يضله ربي ولا ينساه، يعنى به الكتاب.
ومعنى ضَلَلْتُ الشيءَ وضَلِلْتُ بكسر اللام وفتحِهَا أضِلُّه وَأضَلُّه، إذا جعلته في مكان لم تدر أين هو، وُيضِل من أضلَلْتُه، ومعنى أضْلَلْتُه أضَعْتُه.
قال أبو إسحاق من قرأ بالفتح فمعناه لا يَضَل أيْ لا يَضَل عن رَبِّي. .
وإذا ضممت الياء فمعناه لا يوجد ربي ضَالًّا عنها.
* * *
وقوله : (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى)
معناه لذوي العقول، واحد لنهى نُهْيَة.
يقال: فلان ذو نُهيةٍ ومعناه ذو عقل ينتهي به عن المقابح ويدخل به في المحاسِنِ.
وقال بعض أهل اللغة: ذو النهْيِةِ الذي يُنْتهَى إلى رأيه وعقله.
وهَذَا حسن أيضاً
* * *
وقوله : (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)
يعنى به الأرض، لأن اللَّه خلق آدم من تراب، وَجَرَى
الإضْمَارُ على قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لكُمْ فِيهَا سُبُلًا).
وقوله: (تَارَةً أُخْرَى).
стр. 1286
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)
متعلق بقوله (مِنْهَا نُخْرِجُكُمْ)، لأن المعنى كمعنى الأول.
لأن معنى (وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ) بمنزلة منها خلقناكم، فكأنَّه قال - واللَّه أعلم -: ومنها نخلقكم تارة أخْرَى، لأن إخراجَهُم وهم تراب بمنزلة خلق آدم من تراب.
* * *
وقوله: (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)
(مَكَانًا سِوًى)
وتقرأ سُوًى بِالضمِ ومَعْنَاهُ مَنْصَفاً، أي مكاناً يكون النصفَ فيما بيننا
وبينك، وقد جاء في اللغةَ " سَواء " في هذا المعنى، تقول: هذا مكانٌ سَوَاء
أي مُتَوسط بين المكانين، ولكن لم يقرأ إلا بالْقَصْرِ سِوًى وسُوًى.
* * *
وقوله تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)
وتقرأ (يومَ الزينة)، فالرفع على خبر الابتداء، والمعنى وقت موعدكم يوم
الزينة ومن قرأ (يومَ) فمنصوبٌ على الظرف، المعنى يقع يوم الزينة.
وقوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى).
موضع (أن) رفع، المعنى مَوعِدُكم حَشرُ الناسِ ضُحًى، وتأويله إذا رأيتم
الناس قد حُشِروا ضُحًى.
وقيل يوم الزينة يومُ عيدٍ كان لهم، وقيل إنه كان يوم عاشوراء.
ويجوز أن يكون في موضع خَفْض عطفاً على الزينة.
المعنى موعدكم يوم الزينة ويوم حشْرِ الناس.
* * *
وقوله : (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)
(وَيْلَكُمْ) منصوبٌ على أن ألزمهم اللَّه ويلًا، ويجوز أن يكون منصوباًْ
عَلَى النداءِ كما قال تعالى: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ)
و (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا).
стр. 1287
وقوله: (فَيَسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ).
ويقرأ (فَيُسْحِتَكُمْ) - بضم الياء وكسر الحاء، يقال سَحَتَهُ، وأسْحَتَهُ إذا
استَأصَلَهُ وأهْلكُه، قال الفرزدق:
وعَضّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ. . . من المالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أَو مُجَلَّفُ
معنى لم يدع لم يستقر - من الدعة من المال، وأكثر الرواية إِلاَّ مُسْحَتاً.
فهذا على أسْحَت فهو مُسْحَت.
* * *
وقوله : (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢)
يعنى به السحرة، قالوا بينهم: إِنْ غَلَبَنَا موسى آمنا به، وكان الأمْر لَهُ.
* * *
وقوله : (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)
(إن هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) (١).
يَعْنُونَ موسى وهارون. وهذا الحرف من كتاب اللَّه مُشْكِل على
أهل اللغة، وقد كثر اختلافهم في تفسيره، ونحن نذكر جميع ما قاله النحويون ونخبر بما نظن أنه الصواب واللَّه أعلم، وقبل شرح إعرابه نخبر بقراءة القُراءِ
أما قراءة أهل المدينة والأكْمَهِ في القراءة فبتشديد (إنَّ) والرفع في
(هذان) وكذلك قرأ أهْلُ العِراق حمزةُ وعاصم - في رواية أبي بكر بن عياش والمدنيونَ.
ورُويِ عَنْ عاصم: إِنْ هذان بتخفيف (إنْ)، ويُصَدِّق ما قرأه عاصم
في هذه القراءة ما يُرْوى عَنْ أُبَيٍّ فَإنهُ قرأ: ما هذان إِلَّا سَاحِرَانِ، ورُوِيَ أيضاً
عنه أنه قرأ: إنْ هَذَان إِلا سَاحِرانِ، ورويت عن الخليل أيضاً: إنْ هذانْ
لَسَاحِرَان - بالتخفيف -.
والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل.
وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمَر: إنَّ هَذَيْن لَسَاحرانِ، بتشديد " إِنَّ " ونصب هذين.
стр. 1288
فهذه الرواية فيه.
فأمااحتجاج النحويين فاحتجاج أبي عمرو في مخالفته المصحف في
هذا أنهُ رُوِيَ أنه من غَلطِ الكاتب، وأن في الكتاب غَلَطاً سَتُقِيمُه العربُ
بألْسِنَتِها، يروى ذلك عَنْ عُثْمَانَ بنِ عفَانِ وَعَنْ عائشة - رحمهما اللَّه -.
وأما الاحتجاج في أنَّ هذان بتشديد أن ورفع هذانِ فحكى أبُو عُبَيْدَة عن
أبي الخطاب وهو رأس من رؤساء الرواة، أنها لغة لِكنَانَة، يجعلون ألف
الاثنين في الرفع والنَصْبِ والخفض على لفظ واحدٍ، يقولون أتاني الزيدان.
ورأيت الزيْدَانِ، ومررت بالزَيْدَانِ، وهؤلاء ينشدون:
فأَطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولو رَأَى. . . مَساغاً لِنابَاه الشُّجاعُ لَصَمَّما
وهؤلاء أيضاً يقولون: ضَرَبتُه بين أذُناه، ومن يشتري مني الخُفَّانِ
وكذلك روى أهل الكوفة أنها لغة لبني الحرث بن كعْبٍ.
قال النحويون القُدَمَاء: ههنا هاء مضمرة، المعنى إنهُ هذانِ لَسَاحِرَانِ،
стр. 1289
وقالوا أيضاً أن معنى (إن) معنى (نَعَمْ)، المعنى نعم هَذان لساحِرَانِ.
وينشدون:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قدْ علَّا. . . كَ وقد كَبِرْتَ فقلتُ إنَّهْ
ويَحتحون بأن هذه اللامَ - أصْلُهَا - أن تقع في الابتداء، وأن وُقُوعَها في
الخبر جائز، وينشدون في ذلك:
خالي لأَنتَ ومَن جَريرٌ خالُه. . . يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الأَخْوالا
وأنشدوا أيضاً:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ. . . تَرْضى من الشاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَهْ
قالوا: المعنى لأنت خالي، والمعنى لأم الحليس عجوز.
وقال الفراء فى هذا: إنهم زادوا فيها النون في التثنية وتركوا الألف على حالها في الرفع والنصب والجر كما فعلوا في الذي، فقالوا الَّذِينَ في الرفع والنصب والجر.
فهذا جميع ما احتج به النحويون.
والذي عندي - واللَّه أعلم - وكنت عرضته على عالِمَيْنَا - محمد بن يزيد
وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد القاضي فقبلاه وذكرا أنَّه أجود ما
سمعاه في هذا، وهو " أنَّ) قد وقعت موقع " نعم "، وأن اللام وقعت مَوْقِعَهَا، وأن المعنى هذان لَهما ساحِرَانِ.
стр. 1290
والذي يلي هذه في الجودة مذهب بني كنانة في ترك ألف التثنية على
هيئة واحدة، لأن حق الألف أنْ تَدُل على الاثنين، وكان حقها ألا تتغيَّر كما لم تتغير ألف رحى وعضى، ولكن كان نقلها إلى الياء في النصْبِ والخفض
أبين وأفْضَلُ للتمييز بين المرفوع والمنصوب والمجرور.
فأمَّا قراءةَ عيسى بن عمر وأبي ععرو بن العلاء فلا أجيزها لأنها خلاف المصحف، وكل ما وجدته إلى موافقة المصحف أقرب لم أجِزْ مخَالفَتَه، لأن اتباعه سنة.
وما عليه أكثر القراء، ولكني أسْتَحسِنُ (إنْ هذان لساحران) بتخفيف (إنْ) وفيه إمامان: عاصمٌ والخليلُ، وموافقة أُبيٍّ في المعْنَى وأن خالفه اللفظ، ويستحسن أيضاً (إنَّ هذان) بالتشديد، لأنه مذهب أكثر القراء، وبه يقرأ وهو قوي في العربية.
* * *
قوله تعالى: (وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى).
معناه في قول النحويين بجماعتكم الأشراف. والمثلى تأنيث الأمثل.
ومعنى الأمثل والمثلى معنى " ذوُ الفضل " الذي يستحق أن يقال فيه هذا
أمثل قَوْمِه.
وفي التفسير: (بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى) بأشْرَافكم، والعرب تقول للرجل
الفاضل هذا طَرِيقةُ قوْمِه، وَنَظِيرَة قومِه، ونَظُورَة قومه.
كل هذا للرجل الفاضِل.
وإنما تأويله هذا الذي ينبغي أن يجعلَهُ قومُه قدوةً ويسْلكوا طريقته.
والذي قال أيضاً: هذا نظورة قومه ونظيرة قومه، معناه هذا الذي ينبغي أن يَنْظُر إليه قومُه وأن يتبعوه.
والذي عندي - واللَّه أعلم - أن في الكلام محذوفاً يدل عليه ما بقي.
إنما المعنى يذهبا بأهل طَرِيقتكم المثلى، كما قال اللَّه :
стр. 1291
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا)، معناه وَاسأل أهل القرية، وكذلك قول العرب: هذا طريقة قومه معناه هذا صاحب طريقة قومه.
* * *
وقوله : (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسي).
. تأويله اخترتك لإقَامَةِ حُجتِي، وجَعَلْتكَ بَيْني وبين خَلْقِي حتى صرت
في الخطاب عني والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون بها لو خاطبتهم واحتججت
عليهم.
* * *
وقوله : (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)
وقرئتْ (فاجمعوا كيدكم)، فمن قرأ فأجمِعُوا بقطع الألف، فمعناه ليكن
عزمكم - كلكم على الكيد مُجْمَعاً عليه أي لا تَختلِفُوا فتخْتَلوا.
ومن قرأ (فاجمعوا) فمعناه جيئوا بكل كيد تقدرون عليه، ولا تبقوا مِنْهُ شيئاً.
وقوله: (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا).
معناه ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لِعيدِكم وصَلَاتِكِم، يقال: أتَيتَ
صَفًّا بمعنى أتيت المُصَلَّى، ويجوز أن يكون (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) ثم ائتوا مصطفين
مجتمعين ليكون أنظمَ لأموركم، وأشد لهيئتكم.
(وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى).
ومعنى (مَنْ اسْتَعْلَى) من علا بالغلبة.
* * *
وقوله : (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)
ولم يَقُل ههنا " فَأَلْقَوْا " فإذا حبالهم، لأنه قد جاء في موضع آخر، (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ).
ويجوز في عِصِيٍّ عُصِيٍّ، والكسر أكثر، والأصْلُ
стр. 1292
الضم إلا أن الكسر يثقل بعد الضم فلذلك اختير كسر العين.
ويروى في التفسير أنَّ السَّحرةَ كانوا يومئذٍ سبعين ألف ساحِرٍ معهم
سبعون ألف حَبْل وَسَبْعون ألف عصا (١)، فأوحى الله إلى موسى حين خُيِّلَ إليه من سِحرهم أنها تسعى أن يُلْقِيَ عَصَاة فإذا هي ثعبان مُبين فَاغِر فَاه فابتلع جَمِيعَ تلك الحبال، وقرئت (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى).
وموضع أن على هذه القراءة رفع، المعنى يخيل إليه سَعْيُها، ويقرأ
" تُخَيَّلُ " بالتاء، وموضع أن عَلَى هذه القراءة يجوز أن يكون نصباً، ويجوز أن يكون رفعا، فأمَّا النصب فعلى معنى يخيل إليه أنها ذات سَعْي ويجوز أن
يكون مرفوعاً على البدل على معنى يخيل إليه سِعَايتُها، وأبدل أنها تسعى من
المضمر في يخيل لاشتماله على المعنى، ويكون إليه الخبر على هذا
التقدير.
ومثل ذلك ما حكاه سيبويه يقال: مالي بِهِمْ عِلْم أمْرُهُم، أي مالي علم
بِأمرِهم، ومثل ذلك من الشعر:
تَذَكَّرَتْ تَقْتَدَ بَرْدَ مائها
المعنى تَذَكَّرَتْ بَرْدَ مَاء تَقْتد (١).
стр. 1293
وقوله : (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)
(إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ)
ويقرأ (كَيْدُ سِحْرٍ)، ويجوز إنما صنعوا كيدُ سَاحِرٍ، ويجوز ُكَيْدَ ساحِرٍ
بنصب الدال. فمن قرأ " أنما: نصب " أنَّمَا " على معنى تلقَفْ مَا صَنَعُوا لِأنَّ ما صنعوا كيد ساحِر، ولا أعلم أحداً قرأها هنا " أنَّمَا "، والقراءة بالكسر، وَهُوَ أبْلَغُ في المَعْنَى.
فأمَّا رفع كيد فعلى معنى أن الذي صَنَعُوه كَيدُ سَاحِرٍ على خبر إنَّ
وَ " مَا " اسم، ومن قرأ كيدَ ساحِرٍ جعل " ما " تمنع " إِنَّ " العَمَل، وتسَوِّغُ للفِعْلِ أن يكون بعدها، وينتصبُ " كيْد ساحر " بـ صَنعوا، كما تقول: إنما ضَرَبْتُ زيداً.
* * *
وقوله : (وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى).
قالوا معناه حيث كان، وقيل معناه حيث كان الساحر يجبُ أن يُقَتَلَ.
وكذلك مذهب أهل الفقه في السحرة.
* * *
وقوله : (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)
وأصلها خِوْفَة، ولكن الواو قلبت ياء لانكسار ما قبلها.
(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا).
و" تَلْقَفُ " القراءة بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال.
كأنه قال ألقها مُتَلَقِّفَةً، على حال مَتَوقِّعَةٍ، ولم يقرأ بها، ولا ينبغي أن يقرأ بما
لم تتقدم به قراءة (١).
وقوله تعالى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)
(سُجَّدًا) منصوب على الحال، وهي أيضاً حال مقدرة، لأنهم خروا
وليسوا ساجدين، إنما خروا مقدرين السجود.
стр. 1294
وقوله: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)
(وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ)
معناه على جذوع النَخِل، ولكنه جاز أن تقع " في " هَهُنَا لأنه في الجذع
على جهة الطول، والجذع مُشْتَمِل عليه فقد صار فيه.
قال الشاعر:
وهم صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ. . . فلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إِلا بأَجْدَعا
قوله: (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى).
" أيُّ " رفعت لأنها وضعت موضع الاستفهام، ولا يعمل ما قبل " أيُّ " فيهَا
لأن ما قبلها خبر وهي استفهام، فلو عمل فيها لجاز أن يعمل فيما بعد الألف
في قولك: قد عَلِمْتُ أزَيد في الدار أم عمرو.
* * *
وقوله: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)
موضع الذي خفض، المعنى لن نؤثرك على اللَّه، ويجوز أن يكون
" الّذي " خَفْضاً على القسم، ويكون المعنى لن نؤثرك على ما جاءنا من
البَيِّناتِ وَاللَّهِ، أي نحلف باللَّه.
قوله: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ).
أي: اصنع ما أنت صانع، قال أبو ذؤيب:
стр. 1295
وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع
* * *
وقوله : (إِنَّمَا تَقْضِي هَذه الحَياةَ الدُّنْيَا).
القراءةُ بالنصب - الحيَاةَ الدُّنيا - ويجوز إنما تقضي هذه الحياة الدنيا
بالرفع، تأويله أن الذي تقضيه متاع الحياة الدنيا، ولا أعلم أحداً قرأها
بالرفع.
وقوله: (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)
(وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ)
موضع " ما " نصب، المعنى لتغفر لنا خطايانا وإكراهك إيانا على السحر.
ويروى أن فرعون أكرههم على تعلم السحر.
ومعنى: (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأبْقَى).
أي الله خير لنا منك وأبقى عذاباً لأنهم قالوا هذا لَهُ جَوابَ قوله:
(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى).
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)
(فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا).
ويجوز يابِساً وَيَبْساً، بتسكين الباء، فمن قال يابساً جعله نعتاً للطريق.
ومن قال يبَساً فإنه نعته بالمصدر المعنى طريقاً ذا يَبَسٍ، يقال يبس الشيء
وَييْبِسُ يَبَساً، ويُبْساً وَيبْساً، ثلاث لغات في المصدر.
وقوله: (لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى).
ويجوز: لا تَخَفْ دَرَكاً وَلَا تَخْشى، فمن قرأ (لا تخاف) فالمعنى لست
стр. 1296
تخاف دَرَكاً، ومن قال لا تخفْ دَرَكاً فهو نهي عن أن يخاف، ومعناه لا تخف
أن يدركك فرعونُ ولا تخشىْ الغرقَ.
* * *
(فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)
ويقرأ فاتبَعَهُمْ فرعَونُ بجنوده، فمن قرأ (فَأَتْبَعَهُمْ) ففيه دليل أنه أتبَعَهُم
ومعه الجنود، ومن قرأ (فاتَّبَعَهُمْ) فرعون بجنوده فمعناه ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِم. وجائز أن يكون معهم على ذا اللفظ وجائز ألا يكون إلَّا أنه قد كان معهم.
(فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ).
اليم: البحر، والمعنى فغشيهم من اليم ما غَرقَهُمْ.
* * *
وقوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)
ويقرأ (فيحُلَّ عليكم غضبي، وَمَن يَحْلُلْ عليه غضبي.
فمن قرأ (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ) فمعناه فيجب عليكم، ومن قرأ (فيحُلَّ عليكم) فمعناه فينزل عليكم.
والقراءة: ومن يَحْلِلْ بكسر اللام أكثر.
(فَقَد هَوَى)
أي هَلكَ وصار إلى الهاوِيةِ، وهي قَعْرُ نار جَهنَّمَ.
* * *
وقوله : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى
(٨٢)
أي تاب من ذنبه، وآمن بربِّه وعمل بطاعتِه، ثم اهْتَدى، أي ثم أقام
على إيمانه.
* * *
وقوله : (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى
(٨٤)
(أُولَاءِ) مبني على الكسر، (عَلَى أَثَرِي) من صلة (أُولَاءِ)، ويجوز أن يكون
стр. 1297
خَبراً بَعْدَ خَبرٍ، كأنَّه قال: هم على أثري هؤلاء، والأجود أن يكون صلة.
ورويت أولَايَ على أثري ولا وجه لها، لأن الياء لا تكون بعد الألف آخرةَ إلا للإضافة نحو هداي، ولا أعلم أحداً من القراء المشهورين قرأ بها وذكرها
الفراء، ولا وجه لها.
* * *
قوله: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)
أي ألقينَاهُمْ في فتنة ومِحْنَةٍ، واختَبرْنَاهُمْ.
(وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ).
قال بعض أهل التفسير: السَّامِرِيُّ عِلْجٌ مِن أهْلِ كِرْمَانَ، والأكثر في
التفسير أنَّه كان عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسَّامِرَةِ. وهم إلى هذه الغاية في الشام يعرفون بالسامريين.
* * *
وقوله : (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)
(غَضْبَانَ أَسِفًا).
أسِف: شَدِيد الحُزْنِ مع غَضَبِه.
وقوله: (أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
القراءة فيها بالكسر في حاء يَحِل، على معنَى أنه يجب عليكم، فالضم
يجوز فيها على معنى أن ينزل عليكم غضب من ربكم.
* * *
(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)
يجوز الضم والكسر والفتح في الميم. بمُلْكِنَا، وبِمَلْكِنَا، وبِمِلْكِنَا.
فأصل الملك السلطان والقدرة، والمِلْك ما حَوَتْهُ اليَدُ، والمَلْك المصدَرُ.
تقول: ملكت الشيء أملِكه مَلْكاً.
وقيل في بعض التفسير: ما أخلَفْنَا مَوْعِدَك بأنْ مَلَكْنَا الصوابَ.
وجائز أن يكون ما أخلفنا موعدك بسلطانٍ كان لنا ولا
قدرة، ثم أخبَروا سبب تأخرهم عنه فقالوا:
(وَلَكِنَّا [حَمَلْنَا] أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ).
стр. 1298
ويقرأ (حُمِّلْنَا أَوْزَارًا)، بتشديد الميم وكسرها، يعنون بالأوزار حُلِيًا كانوا
أخذوها من آل فرعون حينَ قذفهم البحرُ فألْقَاهُمْ عَلَى سَاحِلهِ، فأخذوا الذهب والفضة، وسميت أوزاراً لأن معناهأ الأثام، وجائز أن يكون سُمِّيَتْ أوزَاراً يعنون بها أثْقَالًا، لأن الوِزْرَ في اللغة الحِمْلُ، وسُمِّيَ الإثمُ وِزْراً لأن صاحبه قد حُمِّلَ بها ثقلاً، قال اللَّه تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣).
فقالوا: حملنا حُلِيًّا فقذفناها في النار، وكذلك فعل السامِريُّ، أي ألقى حلْيًّا
كان معه (١).
(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ
(٨٨)
واختلف في تفسير خوارِه، فقيل إنه كان يَخُورُ كما يَخورُ الثورُ من
الحيوان، فإذا خار سجدوا له، وإذا عاد الخوارُ رَفَعُوا من السجود، وقال
بعضهم: إنما خَارَ خَوْرَةً واحدةً، وَدَلِيله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا).
وقال مجاهد: خُوارُه حَفِيفُ الريح إذَا دَخَلَتْ جَوْفَهُ.
وُيرْوى أن هارون ﵇ مَر بالسَّامِرِيِّ وهو يصنع العجل
فقال له: ما تصنع؟
قال أصنع ما لا ينفع ولا يَضُر، وقال: أدْعُ، فقال هارون اللَّهُمَّ أعْطِه ما يَسألُ كما يُحِبُّ.
فسأل اللَّه أن يجعل للعِجْل خُواراً، والذي قاله مجاهِد من أن خُوارَهُ
حفيفُ الريح فيه، أسرع إلى القبول لأنه شيء ممكن.
والتفسير الآخر وهو أنه خوار ممكن في محنة اللَّه أن امْتَحَنَ القَوْمَ بذلك، وليس في خُوارِ صُفْرٍ ما يوجب عبادته لأنهم قد رأوه معمولاً مصنوعاً، فعبادتهم إياه لو خارَ وتكلَّم كما يتكلَّم الآدمي لم تجب به عبادته.
فقالوا: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).
قيل إن السَّامِرِيَّ نسيَ ما كان عليه من الإيمان، لأنه نافق لما عبر
стр. 1299
البحر، المعنى فترك ما كان عليه من الإيمان، وقيل إن السَّامِريَّ قال لهم إن
موسى ﵇ أراد هذا العجل فنسِيَ وترك الطريق الذي يصل إليه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)
كما قال: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا).
ويجوز أنْ لا يَرْجعَ بنصب بأن، والاختيارُ مع رأيت وعلمتَ وَظَنَنْتُ أن لا يفعلُ، في معنَى قد علمت أنه لايفعَلُ.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)
(يا ابنَ أمَّ) بفتح الميم، وإن شئت (يا ابن أمِّ) - بكسر الميم - وفتحت أم
والموضع موضع جر لأن (ابن) و (أم) جُعلا اسماً واحداً فبنى ابن وأم على
الفتح، ومن قال (يا ابن أمِّ) أضافه إلى نفسه.
وفيها وجه ثالث " يا ابْنَ أُمِّي لَا تَأخُذْ "
ولكنه لا يقرأ بها. ليست ثابتة الياء في المصحف.
ومثل هذا من الشعر:
يا ابنَ أُمّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي. . . أَنتَ خَلَّيْتَني لأمْرٍ شَدِيد
ولم يجئ هذا إلا في ابن أم، وابن عم، وذلك أنه يقال لمن ليس بأخ
لأمٍّ. ولا بأخ ألبتَّةَ: يا ابن أم، وكذلك يقال للأجنبي: يا ابن عم، فلما أزيل عن بابه بني على الفتح، وإن كان قد يقول القائل لأخيه من أمه أيضاً يا ابن أمَّ، فإنما أدخل أخاه في جملة من يقول له يا ابن أمَّ.
وقد قيل في هارون إنَّه لم يَكُنْ أخَا موسى لأمِّه - واللَّه أعلم -.
стр. 1300
قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥)
معنى ما خطبك ما أمرك الذي تخاطب به.
* * *
(قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)
يقال: قَدْ بَصُر الرجلَ يَبْصُرُ إذا كان عليما بالشيء، وأبْصَرَ يُبْصِرُ إذا نظر.
والتأويل علمتُ بما لم يعلموا به، وكان رأى فرس جبريل ﵇ فقبض
فبضة من تراب حافر الفرَسِ، يقال: قبضت قبضةً، وقَبَصْتُ قَبْصَةً - بالصاد غير معجمةٍ - فالقبضة بجملة الكف، والقبصة بأطراف الأصَابع. ويقرأ بالصاد والضاد، وفيه وجه آخر لم يقرأ به فيما علمت، يجوز فقبصتُ قَبْصَةً وقُبْصَةً، ولكن لا يجوز القراءة بها - إن كان لم يقرأ بها - فالقبضة قبض الشيء مرةً واحدةً، والقُبْصَةُ مقْدَارُ مَا يقبصُ، ونظير هذا قوله : (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)، و (غَرْفَةً بِيَدِه) (١).
(فَنَبَذْتُهَا).
ألْقَيْتُها في العِجْل لتَخُورَ.
(وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
أي زيَّنَتْ لي نَفْسِي، ومثله: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).
* * *
(قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)
وأنَّ لك، ويجوز لا مَسَاس، ِ وأنَّ لك - بفتح الميم وكَسْرِ السين الآخرةِ
على وزن دَرَاكِ وتَراكِ، والتأويل أن موسى ﵇ حرَّم مُخَالَطةِ
السامِرِيِّ، فالمعنى إنك في الدنيا لا تخالط جزاءً لفعلك.