← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

سُورَةُ المؤْمِنون (مَكِيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن السورة التي يذكر فيها المؤمنون. قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) أي قد نَالُوا البَقاء الدائم في الخير، ومن قرأ قد أُفْلِحَ المؤمنونَ. كان معناه: قد أُصِيرُوا إلى الفلاح. ويروى عن كعب الحَبْر: أن الله لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء، خلق آدمَ ﷺ بِيَدِه وخلق جنَّةَ عَدْنٍ بيده، وكتب التوراة بيده، فقال لجنَّة عدنٍ تكلمي فقالت ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) لما رأت فيها من الكرامة لأهلها،

стр. 1367

و (الْمُؤْمِنُونَ) المصدِّقونَ بما أتى من عند اللَّه، وبأنه واحد لا شريك له. وأن محمداً ﷺ نبيُّه * * * وقوله : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) أصل الخشوع في اللغة الخضوع والتَوَاضع، ودليل ذلك قوله: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا). وقال الحسن وقتَادَةُ: خاشعون خائفون. وروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا وقف في صلاته رفع بصره نحو السماء، فلما نزلت (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) جَعَلَ نظره موضع سُجُودِه. . * * * (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) اللغو كل لَعِبٍ وهَزْلٍ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فمُطَّرحةٌ مُلْغَاة، وهم الذين قد شغلهم الجد فيما أمرهم اللَّه به عن اللغْوِ. * * * وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) معنى (فَاعِلُونَ) مُؤتُونَ. * * * (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) أي يحفظون فروجهم عن المعاصي. * * * (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) مَوْضِعُ " ما " خفَضٌ ودخلت " على " ههنا لأن المعنى أنهم يلامون في إطْلاقِ ما حُظِرَ عَلَيْهم، (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ فِإنَهُم لَا يُلَامون على ما أُحِلَّ لَهُمْ مِنْ تَزوج أرْبع، ومِنْ ملك اليَمِين، والمعنى أنهم يلامون على ما سِوى أَزْوَاجِهِمْ وملك أيمانِهِمْ.

стр. 1368

(فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) أي فمن طلب مَا بَعْدَ ذَلِكَ. (فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ). ومعنى (الْعَادُونَ) الجائرون الظالمونَ الذين قَدْ تَعدَّوا فِي الظلْمِ. * * * (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) ويقرأ لأمانتهم واحداً وَجَمْعاً. (وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ). أي يقومُون على حفظ أَمَانَتِهِمْ وَعَهْدِهم، يَرْعَوْنَ ذلك، وأصل الرَّعْيِ في اللغَةِ القيامُ على إصلاح ما يتولَّاه الراعي من كل شيءٍ تقول: الِإمام يَرْعَى رَعِيتَهُ، والقيِّمُ بالغنم يَرْعَى غَنَمه، وفلان يَرْعَى مَا بَيْنَه وبَيْنَ فُلانٍ، أي يقوم على إصْلاح ما بينه وبينه. * * * (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ). وَصَلَواتِهِم يقرأ أن جميعاً. (يُحَافِظُونَ). معناه يُصَلونَها لوقتها، والمحافظة على الصلَواتِ أَن تُصَلَّى في أَوْقَاتِها. فأمَّا الترك فَداخل في بَابِ الخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ. والذين وُصِفُوا بالمحافظة هم الذين يرْعَوْنَ أَوْقَاتَها. * * * (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) أيَ من وصف بما جرى من الِإيمَانِ والعَمَلِ بما يلزم المؤمِنَ أُولئِكَ هُم الْوَارِثُونَ. * * * (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)

стр. 1369

روي أن اللَّه - جل ثناؤه - جعل لكل امْرِئ بَيْتاً في الجَنَّةِ وَبَيْتاً في النَّارِ فمن عَمِلَ عَمَلَ أهلَ النَّارِ وَرِث بيتَه مِنَ الجَنَّةِ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ أهلِ الجَنَّةِ، ومن عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ الجنَّة ورث بيته من النار من عَمِلَ عَمَل أهل النَّارِ، والفِرْدَوْس: أصله رُومي أعرب وهو البسْتَان، كذلك جاء في التفسير. وقد قيل إنَّ الفِرْدَوْس يعرفه العَرَب، وسُمِّى الموضِع الذي فيه كرم فردوساً. قال أبو إسحاق: روينا عَنْ أَحْمَدَ بنِ حَنْبل ﵀ في كتابه " كتاب التفسير "، وهو ما أجازه لي عبد الله ابنه عنه أن اللَّه ، بنى جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ لَبِنةً من ذهب ولَبِنةً من فِضةٍ، وجَعَلَ جِبَالها المِسْكَ الأذْفَر. ورَوينَا عن غيره أن اللَّه - جَلَّ ثناؤه - كنس جَنّة الفردَوْسِ بِيدِه، وبناها لبنةً من ذهب مُصَفًّى ولبنةً مِنْ مِسْكٍ مذَرًّى، وغرس فيها مِنْ جَيِّدِ الفَاكِهَةِ وَجَيِّد الريْحَانِ. * * * قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) سُلَالَة: فعالة. فخلق اللَّه آدم ﵇ مِنْ طِينٍ. * * * وقوله : (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) على هذا القول يَعْنِي وَلَدَ آدم. وِقيل مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طينٍ، من مَنِيِّ آدم ﷺ وسُلَالَة: القليل فيما يَنْسَلُ. وكل مَبْنَى عَلَى فُعالة، يراد به القليل. فمن ذلك الفُضَالَة والنُّخَالة والقُلاَمَة. فَعَلَى هذَا قياسُه. * * * وقوله: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) وتقرأ على أرْبَعةِ أوْجهٍ: أحدها ما ذكرنا. وتقرأ: (فَخَلَقنا المضغة عَظْماً فكسونا العَظْمَ لحماً) ويقرأ: (فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العَظْمَ لحماً) ويقرأ: (فخلقنا المضغة عَظْماً فكسونا العظام لحماً). والتوحيد والجمع ههنا جائزان، لأنه يُعْلم أن الإنسانَ ذُو عظام، فإِذَا ذُكِرَ على التوحيد فِلأنه يَدلُّ على

стр. 1370

الجمع، ولأنَّهُ مَعه اللحْمَ، ولفظه لفظ الواحِدِ، فقد عُلِمَ أن العَظْمَ يُرَادُ به العِظَامُ. وقد يجوز من التوحيد إذا كان في الكلام دليل على الجمع مَا هُوَ أشَدُّ مِنْ هذا قال الشاعر: في حلقكم عظم وقد شجينا يريد في حلوقكم عِظامٌ. * * * وقوله : (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). فيه ثلاثة أقوال: قِيل جُعِلَ ذكراً أَوْ أنثى، وقيل نفخ فيه الروح. وقيلَ أنْبِتَ عليه الشًعْرُ. ويروى أَن عمَر كان عند رسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية، فقال عَمر: فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخَالِقِينَ، فقال ﷺ لعمر إن الله قد ختم بها الآية. * * * وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ويجوز لمائِتون، ويجوز لَميْتون. وأجْوَدها (لَمَيِّتُونَ)، وعليها القراءة. وجاءت مائتون لأنها لما يستقبل. * * * وقوله : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) يعنَى به سبع سموات، فكل واحدة طريقة. (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ)، أي لم نكن لنغفلَ عن حفظهنَّ، كما قال: (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفوظاً). وجائز أن يكون (وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) أي إنا لِحِفْظِنَا إيَّاهُمْ خلقنا هذا الخلق.

стр. 1371

(وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) ويروى أن أربعة أنهار من الجنة، دجلةُ والفراتُ وَسِيحانُ وجِيحانُ. ومعنى (فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ) جعلناه ثابتاً فيها لا يزول. * * * وقوله: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) (شَجَرَةً) منصوب، عطف على قوله: (فَأنْشَأنَا لَكُمْ به جَنَّاتٍ) أي، وأنشأنا لكم به شجرةً. ويقرأ (من طور سَيْنَاءَ) بفتحَ السين، وبكسر السين (١)، والطور الجبل، وقيل إن سيناء حجارةٌ، وهو - واللَّه أعلم - اسمٌ لِمكَانٍ. فمن قال سَيْناء، فهو على وصف صحراء، لا ينصرف، ومن قال سِينَاء - بكسر السين - فليس في الكلام على وزن فِعْلاَء على أن الألف للتأنيث، لأنه ليس في الكلام ما فيه ألف التأنيث على وزن فِعْلَاءَ، وفي الكلام نحو عِلْباءٍ مُنْصَرِفٌ. إلا أن سِيناء ههنا اسم للبقعة فلا ينصرف. قوله: (تَنْبًتُ بِالذُهْنِ). يقال نبت الشجر وأَنْبَتَ في مَعْنًى واحدٍ، قال زُهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم قطيناً لهم حتى إذا أنبت البَقْلُ ومعنى (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) أي تنبت وفيها دُهْنٌ وَمَعَها دُهْن كما تقول: جاءني زيد. بالسيف، تريد جاءني ومعه السيف. وقوله تعالى: (وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ).

стр. 1372

يعنى بها الزَيْتُون. * * * قوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) (جِنَّةٌ) في معنى جُنُون، والجنَّةُ اسم للجِن. * * * وقوله: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) تقرأ مُنْزَلاً وَمَنْزِلاً جميعاً، فالمَنْزِل اسم لكل ما نزلتَ فيه، والمُنْزَلَ المصدر بمعنى الإنزال، يَقُول: أَنْزَلْتُه إنْزَالاً وَمُنْزَلاً ويجوز مَنْزَلاً، ولم يقرأ بها - فلا تقرأن بها -. على معنى نزلت نزولاً وَمَنْزَلاً. * * * وقوله : (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) وهذا جوابُ الملأ مِنْ قَوْمِ ثمودَ (١). فأمََّا " أَنَّكُمْ " الأولى، فموضعها نصب على معنى أيَعدُكم بأَنكُمْ إذا متم، وموضع " أَنَّ " الثانية عند قوم كموضع الأولى، وإنما ذُكِرَتْ تَوْكِيداً. فالمعنى على هذا القول: أَيَعِدُكم أَنكُمْ تُخرَجُونَ إِذَا مِتمْ، فلما بَعُدَ مَا بَيْنَ أن الأولى والثانية بقوله: (إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظَاما) أُعِيدَ ذِكر " أنَّ " كما قال : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) المعنى فله نار جهنم. هذا عَلَى مذهب سيبويه، وفيها قولان آخران أجودهما أن تكون أن الثانية وما عملت فيه في موضع رفع ويكون المعنى أَيَعدُكُمْ أنكم إخراجُكم إذا مُتم. فيكون أنكم مخرجون في معنى إخراجكم، كأنَّه قيل: أيعدكم أنكم إخراجكم وقت موتكم وبعد مَوْتكم، ويكون العامِلُ في " إذَا " إخراجكم، على أن " إذا " ظرف، والمعنى أنكم يكونُ إخراجكم إذا مِتم. الثالث أن يكون إذا العامِلُ فيها " مَتَمْ "، فيكون المعنى إنكمْ

стр. 1373

متى مُتمْ يقع إخْراجُكم، فيكون خبر إنّ مُضْمَراً، والقولَان الأولانَ جَيدانِ. ويجوز ُ: أيَعِدُكم أنكُمْ إِذا مِتُّم أنكم مُخْرجُونَ، ولم يُقْرأ بِهَا فلا تقرأنَّ بها. ويكونَ المعنى في يعدكم يقول لكم ولكنها لا تجوز في القراءة لِأنَّ القِرَاءَةَ سُنَةٌ. * * * وقوله: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) يقرأ بفتح التاء وبكسر التاء (١)، ويجوز هيهاتٍ هيهاتٍ - بالتنوين - ويجوز هيهاتاً هيهاتاً، فأما الفتح والكسر بغير تنوينٍ فكثيرتان في القراءة، وذكرهما القراء والنحويون، وقد قرئت بالكسر والتنوين، فأما التنوين والفتح فلا أعلَمُ أحَدَاً قَرأ بِهِمَا، فلا تقرأنَّ بِهَا. فأمَّا الفتح فالوقف فيه بالهاء. تقول هَيْهاهْ هَيْهاهْ - إذا فتحت ووقفت بَعْد الفتح، فإذا فتحتَ وَقَفْت على التاء سواء عليك كنت تنوِّن في الأصل أو كنت مِمنْ لا ينَوِّن. فمن فتحها - وموضعها الرفْع وتأويلها البعد لما توعدونَ - فلأنها بمنزلة الأصواتِ، وليْست مشتقَةً من فِعْلِ فَبنَيَتْ هيهاه كما بُنِيَتْ ذَيَّه وَذِيَّه. فإذَا كَسَرْتَ جَعْلَتها جَمْعاً وبَنيتها على الكسر. قال سيبويه: هي بمنزلة عَلقاه. يعني في تأنيثها. ومن جَعَلَها جَمْعاً فهي بمنزلة قول العرب: استأصل اللَّه عَرْقَاتِهمْ

стр. 1374

وَعَرقاتَهُمْ. فالذي يقول: عرقاتِهم - بالكسر، جعلها جمعاً، وواحدها كأنَّه عَرْقَة وَعَرْقٌ، وواحد هيهات على هذا اللفظ وأن لم يكن حاله واحِداً: هَيْهة. فإن هذا تقديره - وإن لم ننطق به. وأما عَرْقَاتٌ فقد تكلم بِوَاحِدِهَا. يقال عرق وعرقاة وَعَرْقَةٌ وَعَرْقَان. وإنما كُسِرَ في الجَمْعِ لأنَّ تاء الفتح في الجمع كسر تقول: مررت بالهنداتِ، وكذلك رأيتُ الهنداتِ. ويقال أَيْهَات في معنى هيهات. ويقال هيهات ما قلتَ وهيهات لما قُلْتَ، فمن قال هيهات ما قلت فمعناه البعد ما قلت، ومن قال: هيهات لما قلت فمعناهُ البعد لقولك، وأنشدوا: فأيهات أيهات العقيق ومن به. . . وأيهات خل بالعقيق نواصله فأمَّا مَنْ نَوَّنَ هيهات فجعلها نكرة، ويكون المعنى: بُعدٌ لِمَا تُوعَدون. * * * وقوله تعالى: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) معناهُ عَنْ قليل، و " مَا " زائدة بمعنى التوكيد، كأنَّ مَعْنَاه: عَنْ قَلِيل لَيُصْبِحُن نَادِمِينَ حَقًّا. * * * وقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) الغثاء الهالكُ والْبَالِي من وَرَق الشجرِ الذي إذا جرى السيلُ رأيته مُخَالِطاً زَبَدَهُ. * * * وقوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ويقرأ تَتْرًى، ويجوز تَتْرِي غير مُنَوَّية بالكسر، ولم يُقْرَأْ بِهِ فلا تَقْرأَنَّ بهِ.

стр. 1375

من قرأ بالتنوين فمعناه وَتْراً فاَبْدَل التاءَ من الواو كما قالوا تَوْلج وهو من وَلجَ، وأصله وَوْلج، وكما قالَ الشًاعِرُ. فإِن يكن أَمْسى البِلَى تَيْقورِي أَي: وَقاري، وهو فيعول من الوقار. وكما قالوا: تُجَاه وإنما هو وُجَاه من المُواجِهة، ومن قال تترى بغير تَنْوينِ فإنما جعلها على فَعْلَى بألف التأنيثِ فلم ينَون، ومعنى تَتْرَى من المواتَرةِ، وقال الأصمعي معنى واتَرْتُ الخبرَ اتبعت بعضَه بَعْضاً وبين الخبرين هُنيَّة. وقال غيره: الموَاتَرَةُ المتابعة، وأصل كل هذا من الوِتْر، وهو الفَرْدُ، وهو أَنْ جَعَلْتَ كل وَاحِدٍ بعد صاحبه فَرْداً فَرْداً (١). * * * وقوله: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) ولم يقل آيتين، لأن المعنى فيهما آيَة واحدة، ولو قيل آيَتَيْن لجاز لأنهما قد كان في كل واحد منهما ما لم يكن في ذَكَرٍ وَلَا أَنثى، مِنْ أَن مَرْيَمَ وَلَدَتْ من غير فَحْل، ولأن عيسى روح من اللَّه ألقاه إلى مَرْيَمَ ولم يكن هذا في ولدٍ قط. وقوله: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ). في ربوة ثلاث لغات رَبْوَة، ورِبْوَة، ورُبوة، وفيها وجهان آخران، رَبَاوَة. وَرِباوة. وهو عند أهل اللغة المكانُ المرتَفِع وجاء في التفسير أنه يعني بربوة هَنَا بيتُ المَقْدِس، وأَنه كَبِدُ الأرْضِ وأنه أقرب الأرض إلى السماء. وقيل يعني به دِمَشْق، وقيل فلسطينُ والرحْلَةُ. وكل ذلك قد جاء في التفسير. * * * وقوله : (ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ).

стр. 1376

أي ذات مُسْتَقَر، و " مَعين " ماء جَارٍ من العُيُونِ. وَقَالَْ بَعْضهمْ يجوز أن يكون " فَعِيلا " من المَعْنِ، مشتقا من المَاعُونِ. وهذا بَعِيد لأن المَعْن في اللغة الشيء القليل، والماعونُ هُوَ الزكاةُ، وهو فاعول من المَعْنِ، " وإنما سُمِّيتِ الزَكَاةُ بالشيء القليل، لأنه يؤخَذُ مِنَ المالِ رُبْعَ عُشْرِهِ، فهو قليل من كثير. قال الراعي: قوْمٌ على التَّنْزيِلِ لَمَّا يَمْنَعُوا. . . ماعونَهم ويُبَدِّلُوا التَّنْزِيلا * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) أي كلوا من الحلال، وكل مأكول حَلَالٍ مُسْتَطَابِ فهو داخل في هذا. وإنَّمَا خُوطب بهذا رسولُ اللَّه ﷺ فقيل يَأَ أَيُّها الرسُلُ، َ وتَضَمَنَ هَذَا الخطابُ أن الرسُلُ جَمِيعاً كذا أُمِرُوا. وَرُوِيَ أن عيسى ﵇ كان يأكل مِنْ غَزْل أُمِّه، وأَطْيبُ الطيباتِ الغَنائمُ. * * * وقوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) أي فاتْقون لِهذَا. وقد فسرنا في سورةِ الأنْبياء كل ما يجوز في نظير هذه الآية. وجملة تأويلها أن دينَكمْ دِينٌ واحد، وهو الإسلام. وأعلم اللَّه أَنَ قَوماً جعلوا دينهم أَدْيَاناً فقال: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)

стр. 1377

ويقرأ زُبَراً، فمن قرأ زُبُراً فتأويله جعلوا دينهم كتُباً مُخْتَلِفة جمع زَبُورٍ وَزُبُرٍ، ومن قرأ زُبَراً أراد قِطَعاً. * * * وقوله : (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) ويجوز في غَمَراتِهِمْ، ومعناه في عَمايَتهِمْ وَحَيْرتِهِم. ومعنى: (حَتَّى حِينٍ). أي إلى حين يأتيهم ما وُعِدُوا به من العَذَابِ. * * * وقوله تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) (نُسَارِعُ) - بالنون - يُسَارَعُ - بالياء - ويُسَارَعُ على ما لم يُسَم فاعله. وتأويله أيحسبون أن إمْدَادَ اللَّهِ لَهُمْ بالمال والبنين مجازاة لَهُمْ؛ وإنَّما هو استدراج من اللَّه لهم، و " ما " في معنى الذي، المعنى أيحسبون أن الَّذِي نمدهم به من مال وبنين. والخبر معه محذوف المعنى نسارع لهم به في الخيرات، أي أيحسبون إمْدَادَ ما نُسارعُ لهم به. فأمَّا من قرأ يُسَارَعُ فعلى وَجْهَين، أَحَدُهُمَا لا يحتاج إلى إضمار، المعنى: أيحسبون أن إمدادنا لهم يسارع لهم في الخيرات، ويجوز أن يكون على معنى يسارع اللَّه لهم به في الخيرات، فيكون مثل نُسَارِعُ، ومن قرأ يسارَع لهم في الخيرات يكون على معنى يُسارَع الإمْدَادُ لهم في الخيرات وعلى معنى نسارَع لهم في الخيرات، فيكون تقوم مقام مَا لَمْ يُسَمَّ لهم، ويكون مضمراً معه به. كما قلنا (١). * * * وقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) ويقرأ يَأتُونَ مَا أَتَوْا - بالقَصْرِ - وكلاهما جيِّدٌ بَالغ، فمن قرأ

стр. 1378

(يؤتُونَ مَا آتَوْا) فإن معناه يعطون ما أَعْطَوْا وهم يخافون ألا يَتقبل منهم. قلوبُهم خائفة لأنهم إلى رَبِّهم رَاجِعُونَ، أي لأنهم يوقنون بأنهم راجعون إلى اللَّه . ومن قرأ (يأتون ما أَتَوْا) أي يعملون من الخيرات مَا يَعْمَلُونَ وقلوبُهم خَائِفة. يخافون أن يكونوا مع اجتهادهم مقصرين. * * * (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وجائز يُسْرِعُونَ في الخيرات، ومعناه معنى يسارعون. يقال أسْرَعت، وسَارَعْتُ في معنى واحدٍ، إلا أن سارعت أبلغ من أَسْرَعْتُ. وقوله: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ). فيهِ وجهانِ أحدهما معناه إليها سابقون، كما قال: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا) أي أَوحَى إليها. ويجوز: (وَهُمْ لها سابِقُونَ) أي من أجل اكتسابها، كما تقول: أَنَا أُكْرِمُ فُلَانَاً لك، أي مِنْ أَجْلِكَ. * * * وقوله: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) ويجوز: ولا يُكلِّفُ نفساً إلا وُسْعَها، ولم يقرأ بها ولو قرئ بها لكانت النون أجود - لقوله : (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ). * * * وقوله: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) يجوز أن يكون " هَذَا " إشارةً إلى ما وصف من أعمالِ البِرِّ في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) - إلى قوله (يُسَارِعُونَ في الخيرات). أي قُلُوبُ هؤلاء في عَمَايةٍ من هذا، ويجوز أن يكون " هذا " إشارةً إلى

стр. 1379

الكتاب، المعنى بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطِقْ بالحق. وأعمالهم مُحْصَاةٌ فيه. قوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ). أخبر اللَّه بما سيكون فيهمُ، فأعلم أنهم سيعملون أَعْمالًا تباعد من الله غير الأعمال التي ذكروا بها. * * * وقوله : (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) أي: يضجُّون، والعذاب الذي أُخِذُوا بِهِ السيْف، يقال جَأَر يجأر جُؤاراً، إذَا ضَجَّ. * * * وقوله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) (تَنْكِصُونَ) أي: تَرْجِعُونَ. * * * وقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) منصوب على الحال، وقوله " به " أي بالبيْتِ الحرام، يقولون: البَيْتُ لَنَا (١). وقوله: (سَامِرًا). بمعنى " سُمَّرا " ويجوز سُمَّارا، والسامِرُ الجَمَاعَةِ الذين يَتَحَدَّثونَ لَيْلاً. وإنما شمُّوا سُمَّارا مِنَ السَّمَرِ، وهو ظل القمر، وكذلِكَ السُّمْرَة مثشقة من هذا. وقوله: (تَهْجُرُونَ). أي تَهجْرونَ القرآن، ويجوز تَهْجِرُونَ: تَهذونَ. وَقرِئَتْ: تهْجِرُونَ أي تقولون الهُجْرَ، وقيل كانوا يسبُون النبي ﷺ . ويجوز أن تكون الهاء للكتاب. ويكون المعْنَى فكنتمْ على أَعْقَابَكمْ تَنكِصُون مستكبرين بالكتاب. أي يحدث

стр. 1380

لكم بتلاوته عَلَيكُمْ اسْتِكْبَار، ويجوز تنكصُون، وَلا أعْلَمُ أَحَداً قرأ بها. * * * وقوله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) جَاءَ في التفسير أن الحق هو اللَّه ويجوز أن يكون الحق الأول في قوله: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالحَق) التنزيل، أي بالتنزيل الذي هُوَ الحَق. ويكون تأويل: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) أي لو كان التنزيل بمَا يُحِبُّونَ لَفَسدتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ. وقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ). أي بما فيه فخرهم وشَرَفَهُمْ، ويجوز أن يكون بذكرهم، أي بالذكر الذي فيه حظ لهم لو اتَبَعُوهُ. * * * وقوله: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) أي (أَمْ تَسْأَلُهُمْ) على ما أتيتهم به أجراً. ويقرأ: (خِرَاجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ). ويجوز (خَرَاجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ). * * * وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) معناه لَعَادِلًونَ عن القَصْدِ. * * * وقوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) أي ما تواضعوا. والذي أخذوا به الجُوعُ. * * * (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) قيل السيف والقتل. (إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ).

стр. 1381

المبلس الساكن المتحيِّر. * * * (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) هذه (للَّهِ) لا اختلاف بَيْنَ القُرَّاء فيها، ولو قرئت اللَّهُ لَكَانَ جَيْداً. فأما اللَّتَانِ بعدها فالقراءة فيهما سيقولون (اللَّهُ) و (للَّهِ). فمن قرأ (سيقولون اللَّهُ) فهو على جواب السؤال، إذا قال: (من رب السَّمَاوَات السْبع)، فالجواب اللَّهُ، وهي قراءة أهل البَصْرَة، ومن قرأ (للَّهِ) فَجيْدٌ أيْضاً، لو قيل مَنْ صَاحِبُ هذه الدار فأجيب زيد لكان هذا جواباً على لفظ السؤال. وَلَوْ قلت في جواب من صاحب هذه الدار: لِزَيْدٍ، جاز. لأن معنى " من صاحب هذه الدار " - لمن هذه الدار. * * * وقوله: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) أي هُوَ يُجير من عَذَابِه ولا يجير عليه أَحَدٌ من عَذَابه. وكذلك هو يجير من خلقه ولا يجير عليه أَحَدٌ. * * * وقوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) معنى تُسْحَرُونَ، وتؤفَكُونَ: تصرفون عن القَصْدِ والحَق. * * * وقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي طلب بعضُهم مغالبَة بعْضٍ. (سُبْحَانَ اللَّهِ). معناه تنزيه اللَّه وتبرئته من السُوءِ، ومن أن يكون إله غَيرٌه تعالَى عَنْ ذَلِك عُلُوا كَبيراً. * * * وقوله: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)

стр. 1382

الفاء جَوَابُ الشرْطِ شرط الجزاء، وهو اعتراض بين الشرط والجزاء، المعنىِ إمَّا تُرِيَني مَا يُوعَدُونَ فلا تَجعلني يا ربِّ في القوم الظالمين، أي إنْ نزَلَتْ بِهِمُ النقمةَ يا ربِّ فاجعلني خارجاً عنهم. ويجوز " فَلَا تَجْعَلَنِّي " ولم يقرأ بها. * * * وقوله: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) واحد الهمزات هَمْزَة، وهو مَسُّ الشَيْطانِ، ويجوز أن يكون نَزَغَاتِ الشيطان، ونَزْغُ الشيطان وَسْوَسَتُه حتى يَشْغَل عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تعالَى. * * * وقوله: (وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) ويجوز " وَأَعُوذُ بِكَ رَبُّ أَنْ يَحْضُرُونِ " ولم يقرأ بها فلا تقرأنَّ بها. ويجوز وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّي أَنْ يَحْضُرُونِ، ويجوز رَبِّيْ. فهذه أربعة أَوْجُهٍ. ولا ينبغي أن يقرأ إلا بواحد، وهو الذي عليه الناس. . رَبِّ بِكسر الباء وحَذْفِ الياء، والياء حُذِفَتْ للبدَاء والمعنى وأعوذ بك يا رَبِّ. من قال ربُّ بالضمِ فعلى معنى يا أيها الربُّ ومن قال رَبِّي فعلى الأصل. كما قال يا عبادِي فاتَّقُونِ. * * * وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) يعني به الذين ذُكِرُوا قَبْلَ هذا المَوْضِع. ودَفَعُوا البَعْثَ فأعلم أنه إذا حضر أحَدَهُم الموتُ (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (١). وقوله: (ارْجِعُونِ) وهو يريد اللَّه وَحْدَه، فجاء الخطابُ في المسألة على لفظ الإخْبار لأن الله قال: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ).

стр. 1383

وهو وحْدَهُ يُحْييِ وُيمِيتُ. وهذا لفظ تعرفه العَرَبُ للجليل الشأن يخبر عن نفسه بما يخبر به الجماعةُ، فَكذلك جاء الخطاب في (ارْجِعُونِ). وقوله: (كَلَّا) ردع وتنبيه. * * * وقوله : (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) " يوم " مضاف إلى " يُبْعَثُونَ " لأن اسماء الزمان تضاف إلى الأفعال والبرزخ في اللغة الحاجز، وهو هَهُنا ما بَيْنَ موت الميت وبَعْثِه. * * * وقوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) قيل: هذا في النفخة الأولى ويجوز أن يكون بعد النفخة الثانية والصور، جاء في التفسير أنه قَرْن ينفخ فيه فيبعث الناس في النفخة الثانية، قال (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإذَا هُمْ قِيَامْ يَنْظُرُونَ). وقال أهل اللغة كثير منهم: الصور جَمْعُ صورة، والذي جاء في اللغَةِ جمع صورة صُوَر، وكذلك جاء في القرآن: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ)، ولم يقرأ أحد فأحسن صُورَكم، ولو كان أيضاً جمع صُورة لقال أيضاً: ثم نُفِخَ فِيهَا أُخْرَى، لأنك تقول: هذه صُور، ولا تقول هَذَا صُوَر إلا على ضَعْفٍ فهو عَلَى مَاجَاء في التفسير. فاَما قوله: (وَلَا يَتَسَاءَلُونَ). وقال في موضع - آخر: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) وقال في موضع آخر (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) فيقول القائل: كيف جاء " ولا يتساءلون " وجاء (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ). فإن يوم القيامةِ مقداره خمسون

стр. 1384

ألف سنة، ففيه أزمنة وأحوال. وإنما قيل يومَئِذٍ كما تقول: نحن اليوم بفعل كذا وكذا، وليس تريد به في يومك إنما تريد نحن في هذا الزمان، " فيومَ " تقع للقطعة من الزمان. وأمَّا (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ). فَلَا يسأل عن ذنْبِه ليستفهم، قد علم اللَّه ما سَلَفَ مِنْهُمْ. وَأَما قوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) فيسألون سؤال توبيخ لا سؤال اسْتِفْهَام كما قال: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩). وإنما تسأل لتوبيخ مَنْ قَتَلَهَا. وكذلك قوله: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ). فما يُسأل عنه يومَ القيامة تَقْرِير وتوبيخ، واللَّه قَدْ عَلِمَ ما كان، وأَحْصَى كبير ذلَك وصَغِيرَهُ. * * * وقوله: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) يلفح وينفح في مَعْنًى واحِدٍ، إلا أن اللفح أَعْظمُ تأثيراً. (وَهُمْ فِيها كَالِحُونَ). والكَالِحُ الذي قَد تَشَمَّرتْ شَفَتُه عَنْ أَسنانِه، نحو ما ترى من رُؤوسِ الغَنَم إذا مسَّتْهَا النار فبرزت الأسنان وتشمرت الشِفَاهُ * * * (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) وَتُقْرَأُ شَقَاوَتُنَا، والمعنى وَاحِد (١). (وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ). أَقَرُّوا بذلك.

стр. 1385

وقوله: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) معنى (اخْسَئُوا) تباعَدوا تَبَاعدَ سُخْطٍ. يقال خَسَأتُ الكلْبُ أَخْسُؤهُ إذا زجَرْته ليتباعَدَ. * * * وقوله: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) الأجود إدْغام الدال في التاء لِقُرْب المَخْرَجَيْن، وإن شئت أظهرت. لأن الدال من كلمة والتاءَ مِنْ كلمة، والدال بينها وبين التاء في المخرجِ شيء مِنَ التَبَاعِد، وليست الذال من التاء بمنزلة الدال من التاء. والتاءُ والطَاءُ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، وهي من أصُولِ الثنايَا العُلَا وطرف اللسَانِ. والذال من أطراف الثنايا العُلَا وَدُوينَ طَرَفِ اللسَانِ. وقوله: (سِخْرِيًّا). يقرأ بِالضم والكَسْر، وكلاهما جَيِّد، إلا أنهمْ قالوا إن بعض أهل اللغة قال: ما كان من الاستهزاء فهو بالكسر، وَمَا كان من جهة التسخير فهو بالضم، وكلاهما عند سيبويه والخليل وَاحِد، والكسر لإتباع الكسر أحسن (١). وقوله: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) الكسر أجود لأن الكسر على معنى إني جَزَيْتهمْ بِمَا صَبروا، ثم أَخْبَر فقال: إنهم همُ الفَائِزُونَ: والفتح جيِّدٌ بالغ، على معنى: (إني جَزَيتُهم لأنهم هم الفائزون، وفيه وجه آخر: يكون المعنى جزيتهم الفوز، لأن معنى (أنَّهُم هم الفَائِزُونَ). فوزُهُمْ، فيكون المعنى جزيتهم فَوزَهُمْ. * * * وقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)

стр. 1386

" كم " في موضع نَصْبٍ بقوله: (لَبِثْتُم)، و (عَدَدَ سِنينَ) منصوب بـ " كم " ويجوز كم لَبِثم في الأرض مُشَددَ التاءِ. وكذلك يجوز في الجَوابِ. * * * (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) (لَبِثْنَا) و (لُبِثْنَا) وقوله: (فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) (١). أي فاسأل الملائكة الذين يحفظون عَدَدَ مَا لَبِثْنا). * * * (قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) معناه ما لَبِثْتُمْ إلا قَليلاً. * * * وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) (تُرْجَعُونَ) وَ (تَرْجِعُونَ). * * * وقوله: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). التأويل حسابه عند رَبِّه فإنه لا يفلح الكافرون والمعنى الذي له عند رَبِّهِ أنه لا يفلح - وجائز أَنه لا يفلح الكافرونَ بفتح أَنَّ، ويجوز أن يكون (فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) فيجازيه عليه كما قال: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) (٢).

стр. 1387

سُورَةُ النُّور (مدنية) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) القراءة الرفعُ، وقرأ عيسى بنُ عُمَر (سُورَةً) بالنصْب (١). فأمَّا الرفع فَعلى إضمار هذه سُورَة أَنْزَلْنَاهَا، ورفعها بالابتداء قبيخ لأنها نَكِرَة و (أَنْزَلْناهَا) صفة لها. والنصْب على وَجْهَيْن، على معنى أنزلنا سُورَةً، كما تقول زيداً ضربته، وعلى معنى اتْلُ سُورَةً أنزلناها. (وَفَرَضْنَاهَا). بتخفيف الراء، ويقرأ بالتشديد في الراء، فمن قرأ بالتخفيف فَمَعْنَاهُ ألزمناكم العَمَل بما فُرِضَ فيها، ومن قرأ بالتشْدِيد فَعَلَى وجهين: أحدهما على معنى التكثير، على معنى أنا فَرَضْنَا فيها فُرُوضاً كثيرةً وعلى معنى بيَّنَّا وفضلنَا ما فيها من الحلال والحرام. * * * وقوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) القراءة الرفع، وقرأ عيسى بنُ عُمرَ بالنصب، (الزانيةَ والزانِي) بفتح التاء. وزعم الخليل وسيبويه أن النصب المختارُ وزعم سيبويه أن القراءة الرفع. وزعم غيرهم من البصريين والكوفيين أن الاختيار الرفعُ، وكذا هُو عِندي، لأن الرفع كالإجماع في القراءة، وهُوَ أَقْوَى فِي العربيَّةِ، لأن معناها معنى - من زَنَى

стр. 1388

فاجلدُوه، فتأويله الابتداء، وقال سيبويه والخليلُ إن الرفع على معنى: " وَفِيما فَرَضْنَا عَلَيكُمُ الزانيةُ والزاني " - بالرفع - أو الزانيةُ والزاني فيما فُرِضَ عَلَيْكم. والدليل على أن الاختيار الرفع قوله : (واللذَانِ يَأتِيانِها مِنْكُمْ فآذُوهُما). وإنَّما اختارَالخليل وسيبويه النَصْبَ لأنه أَمْر، وَأَنَّ الأمْرَ بالفعل أولى. والنصب جائز على مَعْنى اجلدوا الزانيةَ والزانيَ. والإجماع أن الجَلْدَ على غير المحصنين، يجلد غير المحصن وغير المُحْصَنَةِ مائة جلدة، وينفى مَعَ الجَلْدِ في قول كثير من الفقهاء، يجلد مَائةً ويُغرب عَاماً. فأمَّا أهل العراق فيجلدونه مِائةً. وقوله: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ). وتقرأ رَآفَةٌ في دين الله على وزن رَعَافَة، وتقرأ " يأخذكم بالياء ". ورآفة مثلُ السآمَةِ مثل قولك سئمت سآمَةً، ومثله كآبة ففعاله من أسْمَاءِ المَصَادِر، وسآمة على قياس كلَالَة. وَفَعَالَةٌ في الخِصَالِ مثل القَبَاحَةِ - والمَلَاحَة والفخامة. وهذا يكثر جداً. ومعنى (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ)، لَا تَرْحَمُوهُمَا فَتُسْقِطُوا عنهما مَا أمَر اللَّهُ بِهِ من الحَدِّ، وقيلَ يبالغ في جلدِهِمَا. وقوله تعالى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَة مِنَ المؤمِنِينَ). القراءةُ إسْكانُ اللام، ويجوز كسرها. واختلف الناس في الطائفة، فقال بعضم الواحد فما فوقه طائفة، وقال آخرون لا تكون الطائفة أقل من اثنين، وقال بعضهم ثلاثة، وقال بعضهم أَرْبَعِةٌ، وقال بعضهم عَشَرة، فأمَّا من قال واحِدٌ فهو على غير ما عندَ أَهْلِ

стр. 1389

اللغة، لأن الطائفة في معنى الجماعَةِ وأقل الجماعة اثنان، وأقل ما يجب في الطائفة عِنْدِي اثنان. والذي ينبغي أن يُتَحَرى في شَهَادَة عَذَاب الزانِي أَن يكونُوا جَمَاعةً لأن الأغلب على الطائفة الجَمَاعَةُ. * * * وقوله: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) ويجوز الزاني لا يُنْكَحُ إلَّا زانية، والزانِيَةُ لا يُنْكَحُهَا إلا زَانٍ ولم يقرأ بها. وتأويل (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً) على معنى لا يتزوَّجُ. وكذلك الزانية لا يتَزَوجها إلا زانٍ. وقَالَ قومٌ: إنَّ مَعْنَى النكاح ههنا الوَطْء، فالمعنى عندهم الزاني لَا يَطَأ إلَّا زانيةً والزانية لا يطؤها إلا زَانٍ. وهذا القول يَبْعُد، لأنه لا يعرف شيء من ذكر النكاح في كتاب اللَّه إلا على معنى التزويج، قال اللَّهُ سُبْحَانَه: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)، فهذا تزويج لَا شكَّ فيهِ. وقال اللَّه، : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ). فاعلم أن عقد التزويج يُسمَّى النكاح. وَأَكْثَرُ التفسير أَن هذه الآيةَ نزلت في قومٍ مِنَ الْمسلمين فقراء كانوا بِالمَدينة، فهمُّوا بأن يتزوجوا بِبَغايَا من بالمدينة - يزنين، ويأخُذْن الأجْرَةَ. فَأرَادُوا التزْوِيج بهِن لِيَعُلْنَهُمْ، فأنزل الله تَحرِيمَ ذَلِكَ، وقيل إنهم أرادوا أن يُسَامحوهُنَّ، فأُعلموا أن ذَلك حَرَام.

стр. 1390

ويروى أن الحَسَنَ قال: إن الزاني إذا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ لا يزوج إلا بامرأة أُقيمَ عليها الحَدُّ مِثْلُه، وكذلك المرأة إذا أقيم عليها الحدُّ عِنْدَهُ لا تزوج إلا برجل مثلها. وقال بَعْضُهم: الآية منسوخة نسخها قوله: (وأنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُم). وأكثر القول أن المعنى هَهُنَا على التزويج. ويجوز " وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ " بمعنى وحرَّمَ اللَّه ذلك على المُؤْمِنين، ولم يقرأ بها. وهذا لفظُه لفظ خَبَرٍ، ومعناه معنى الأمْرِ، ولو كان على ماقال مَنْ قَالَ إنه الوَطْءُ لما كان في الكلام فَائِدَةٌ، لأن القائل إذا قال الزانية لا تَزْني إلا بِزَانٍ. والزاني لا يزني إلا بزانيةٍ، فليس فيه فائدة إلا عَلَى جهة التغليظ في الأمر، كما تقول للرجل الذي قَدْ عَرفْتَهُ بالكذبِ: هذا كذاب، تريدُ تغليظ أَمْرِهِ. فعلى ما فيه الفائدة ومَا توجِبُه اللغَةُ أن المعنى مَعنى التزْوِيج. * * * وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) معنى (يَرْمُونَ المحصنَاتِ) أي، بالزِنا، لكنه لم يَقُلْ بالزنَا، لأن فيما تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْر الزانِيةِ والزاني دليلًا على أن المعنى ذَلِك. ومَوْضِعُ (الذين) رفع بالابتداء. وعلى قراءة عيسى بن عُمَر، يجب أن يكون مَوضَعُ (الذين يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ) نَصْباً على معْنى اجلدوا الذين يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء. وعلى ذلك اختيار سيبويه والخليل. والمحصنات ههنا: اللواتي أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ بالعِفَّةِ (١). وقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)

стр. 1391

اختلف الناس في قبول شهادة القاذف، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا تَابَ مِنْ قَذْفِهِ قُبِلَتْ شهادَتُه. ويروى أَنَ عُمَر بنَ الخَطَابِ قَبلَ شهادة قاذفيْن، وقال لأبي بكرة إنْ تُبْتَ قَبِلتُ شَهَادَتَك. وتوبتُه أَن يرْجَع عن القذف. وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وأما أَهْلُ العِرَاقِ فيقولون شهادَتُه غير مقبولة لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)، قالوا، وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). قالوا: هذا الاستثناء من قوله: (وأولئك هم الفاسقون)، فاسْتُثْنِيَ التائبُونَ مِنَ الفَاسِقين. وقال من زعم أن شهادته مَقْبُولَةٌ أن الاستثناء من قوله: (وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبداً. إِلا الَّذِينَ تَابُوا قالوا وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) صِفَةٌ لَهُمْ. وَأَجْمَعُوا أن من قذف وهوكافر ثم أسلم وتَابَ، وكان بَعْدَ إسْلاَمِه عَدْلاً قبلت شَهادَتُه وإن كان قاذفاً، والقياس قبول شهادة القاذف إن تاب واللَّه يقول في الشهادات: (مِمنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ) فليس القاذف بِأَشد جُرْماً مِنَ الكافِر، فحقه أنه إذا تاب وأصلح قُبِلَتْ شهادَتُه، كما أن الكافِرَ إذا أسلم وأصلح قبلت شَهادَتُه. فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله (أَبَدًا)؟ قيل الفَائِدَةُ أن الأبدَ لكل إنسان مقدار مُدتِهِ في حياته، ومقدار مدَّتِه فيما يتصل بقصَّتِهِ. فتقول: الكافر لا يُقْبَلُ منه شَيْء أَبَداً فمعناه، ما دام كافراً فلا يقْبَلُ منه شيء. وكذلك إذَا قُلْتَ: القَاذِفُ لا تُقْبَل منه شَهادَة أبداً، فمعناه ما دَامَ قَاذِفاً، فإذا زال عنه الكفر فقد زال أَبَدُه، وكذلك القاذفُ إذا زال عنه القذفُ فقد زال عنه أَبَدُه، ولا فرقَ بين هَذا وذَلكَ. - وتقرأ (ثم لم يأتوا بِأربَعَةٍ شهدَاءَ) - بالتنوين - (فَاجْلِدُوهًمْ)، فأرْبَعة

стр. 1392

مخفُوضَة مُنَؤَنةٌ، وَ (شَهداء) صفة للأربعة، في موضع جَرٍّ. ويَجَوْزُ أنْ يَكونَ فِي موضع نَصْبٍ مِنْ جهتين: إحداهما على معنى ثم لم يُحْضِرُوا أرْبَعةً شهداءَ، وعلى نصب الحال مع النكِرةِ ثم لم يأتوا حال الشهادة. فأمَّا (إلا الَّذِينَ تَابُوا) فيجوز أَنْ يَكُونَ في مَوْضِع جَر على البَدَلِ من الهاء والميم، على معنى ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً إلا الذين تابوا. ويجوز أن يكون في موضع نَصْبٍ على الاستثناء على قوله: (وأولئك هم الفَاسِقُونَ - إلا الَّذِينَ تَابُوا)، وإذا استُئنُوا من الفَاسِقينَ أيضاً. فقد وجب قبول شَهَادَتِهم لأنهم قد زال عنهم اسم الفِسْقِ (١). * * * وقوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) معناه والذين يرمون أزواجهم بالزِنَا. وقوله: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ باللَّهِ). ويقرأ أربعَ شهاداتٍ باللَّهِ بِالنَصْبِ، فمن قرأ أرْبَعُ بالرفْع فَعَلَى خبر الابتداء، المعنى فشهادة أحدهم التي تدرأ حَدَّ القَاذف أَربعٌ، والدليل على ذلك قوله : (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ). ومن نصب أَرْبعاً فالمعنى فَعَلَيْهم أن يَشْهَدَ أَحَدُهُم أرْبَعَ شهاداتٍ.

стр. 1393

وعلى معنى فالذي يَِدرَأُ عنها العَذَابَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهم أَرْبَعَ شهاداتٍ * * * (والخَامِسَةُ أَن لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ). ويجوز والخامِسَةَ أَن لَعْنَةَ اللَّه عليه، وكذلك والخَامِسَةُ أَنَ غضبَ اللَّهِ عليها، والخامِسَةَ جميعاً، فمن قال: والخامِسَةَ فعلى مَعْنَى وَيَشْهَدُ الخامِسَةَ. فإذا قَذَف القاذِفُ امرأَتَه، فشهادَتُه أَن يَقُولَ: أَشْهَدُ باللَّه إني لَمِنَ الصادِقِينَ فِيمَا قَذَفْتُها بِهِ، أو يقول: أحلف باللَّهِ إني لمن الصادِقينَ فِيما قَذَفْتُها به، أَرْبَعَ مَراتٍ، ويقول في الخامِسَةِ لعنة اللَّه عليه إن كان من الكَاذبين. وكذلك تقولُ المرأَةُ: أَشْهَدُ بِالله إئهُ لِمنَ الكاذبين فيما قذفني به، أربع مرات، وتقول في الخامِسَةِ: وعَلَيَّ غَضَبُ الله إن كان من الصادقين. وهذا هو اللِّعَانُ، فإذا تلاعنا فُرقَ بينهما، واعتدَّت عِدَّةَ المطلَّقَةِ من وقتها ذلك. فإذا فعلا ذلك لم يَتَزوجْهَا أبداً في قول أكثر الفقهاء من أهل الحجاز وبعضُ الكوفيين يُتابِعُهُمْ، وهو أبو يوسُفَ، والقياسُ ما عليه أهل الحجاز، لأن القاذفَ قَذَفَها بالزِّنَا، فهو لا ينبغي له أن يتزوَّج بزانيةٍ، وليس يظهر لهذا تَوْبَةٌ، واللِّعَانُ لا يكون إلا بحاكم من حكام المسلمين (١). * * * وقوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) ههنا جواب لولا متروك، والمعنى - واللَّهُ أعلم - ولولا فضلُ الله عليكم لنال الكاذب لما ذكرنا عَذابٌ عظيم، ويدل عليه: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤). * * * وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) معنى الِإفك ههنا الكذبُ. وقد سُمِّيَ بعضُهُمْ في الآثار، وَلَمْ يُسمَّوْا في

стр. 1394

ْالقرآن فمِمنْ سُمِّيَ حسانُ بنُ ثَابتٍ، ومِسْطَح بنُ أُثاثَةَ، وعبدُ اللَّه بنُ أُبَيٍّ. ومن النساء حِمْنة بِنت جَحش. (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). وقيل لكم والتي قُصِدَتْ عائشة رحمها اللَّه، فقيل لكم يعنى به هِيَ ومن بسببها من النبي ﷺ وأبي بكر ﵀. وقوله: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ). ويُقْرأ (كُبْرَهُ مِنْهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

стр. 1395

فمن قرأ (كِبْرَه) فمعناه من تَولَّى الإثْمَ في ذلك، ومن قرأ كُبْرَه أراد مُعْظَمَهُ. ويروى أن حسان بن ثابت دَخَل علَى عائشة، فقيل لها أَتُدْخِلين هذا الذي قال اللَّه فيه: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فقالت أَوَ لَيْسَ قَدْ ذهب بَصَرُه. ويروى أنَّه أنشدها قوله في بيته: حَصَانٌ رَازانٌ ما تُزَنُّ بِريبةٍ. . . وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحومِ الغَوافِل فقالت له: لكنك لست كذلك. وقوله تعالى: (والْخَامِسَةُ أَن غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهَا). بتخفيف أَن ورَفع غَضَبُ على معنَى أَنَه غَضَبُ الله عليها، ويجوز أَنْ غَضِبَ اللَّهِ عليها، وههنا " هاء " مُضْمرة، وأن مخففَة من الثقِيَلَةِ. المعنى أَنهُ غَضِبَ اللَّه عليها، وأنه غَضَبُ اللَّهِ عليها. قال الشاعر: في فتية كسيوف الهند قد علموا. . . أن هالك كل من يَحْفَى وَيَنْتَعلُ وجاء في التفسير في قوله: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) أنه يعنى به عَائِشةُ وصَفوانُ بنُ المعَطِّل، ويجوز " لكم " في معنى

стр. 1396

(لكما)، والذي فسَّرْنَاهُ أولاً يَتَضَمّنُ أمر عائشة وَصَفْوانُ والنبي ﷺ وكل من بينه وبين عائشةَ سَبَبٌ، ويجوز أَن يكون لكُلِ مَنْ رُمِيَ بِسَبَبٍ. * * * وقوله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) معناه هَلَّا إذْ سِمعتُموه، لِأن المعنى ظَن المؤمنُونَ بِأنْفُسِهِمْ، في موضع الكنايَةِ عَنْهُمْ وعن بَعْضِهِمْ، وكذلك يقال للقوم - الذين يَقْتُل بَعْضُهُمْ بعضاً أَنَّهُمْ يَقْتُلونَ أَنْفُسَهُمْ. (وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)، أي كذِبٌ بَيِّنٌ. * * * وقوله : (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) وَقُرِئَتْ: وَلاَ يَتَأَلَّ أُولُو الفَضْلِ مِنْكُمْ والسَّعَةِ (١). وَمَعْنَى تَأتَلِي تَحْلِفُ وكذلك يَتَأَلَّى يحلف. ومعنى (أَنْ يُؤْتُوا) أنْ لاَ يُؤتُوا (أُولِي الْقُرْبَى)، المعنى ولا يحلف أولو الفضل منكم والسَّعَةِ أنْ لَا يُعْطوا (أُولِي الْقُرْبَى والمَسَاكِينَ). ونزلت هذه الآية في أبي بكر الصِّدِّيقِ، وكان حلف أَنْ لاَ يُفْضِل على مِسْطًح بن أُثَاثَة، وكان ابنَ خَالَتِهِ بِسَبَبِ سَبِّهِ عَائِشَةَ ﵂ فَلَما نَزَلَتْ: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ). قال أبُو بكر: بَلَى، وَأَعَاد الإِفْضَالَ عَلَى مِسْطَح وعلى مَنْ حَلَفَ أن لاَ يُفْضِلَ عَليْه وَكَفَّرَ عن يمينه.

стр. 1397

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) قيل إنه يعنى به أزواج النبي ﷺ . وقيل إن الأصْلَ فيه أَمْر عائشة، ثم صار لكل مَنْ رَمَى المؤمِنَاتِ. ولم يَقل هَهنَا والمؤمنين استغناء بأنه إذا رَمَى المؤمِنَةَ فلا بد أَنْ يَرْمِيَ فعها مؤمِناً، فاستغنى عن ذكر المؤمنين لأنه قد جرى ذِكْرُ الْمؤمِنِينَ والمؤمِنَاتِ، وَدَل ذكرُه المؤْمِنَاتِ عَلَى المُؤْمِنِين، كما قال: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ) ولم يَقُلْ وَتَقِيكُمُ البرْدَ، لأن ما كان وقى الحرَّ وقى البَرْدَ، فاستَغْنَى عَنْ ذِكْرِ أَحدهما بالآخر. * * * وقوله: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) ويقرأ الحقُّ، فمن قرأ الحقُّ فالحقُّ من صِفَةِ اللَّهِ ، فالمعنى يوْمَئِذ يوفيهم اللَّهُ الحق دِينَهُمْ، ومن قرأ دينهم الحق، فالحق من صِفَةِ الذِينِ والدِّين ههنا الجزاء، المعنى يَوْمَئِذٍ يَوَفِّيهمُ اللَّه جزاءهم الحق، أي جزاءهم الواجب. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) فيها وَجْهَان، المعنى الكلمات الخَبيثَاتُ للخبيثين من الرجال، والرجال الخَبِيثونَ للكلمات الخبيثَاتِ، أي لا يَتَكلَّم بالخبيثات إلا الخبيثُ من الرجال والنساء، ولا يتكلَّمْ بالطيبَاتِ إلا الطيبُ من الرجال والنساء، ويجوز أن يكون معنى هذِهِ الكَلِمَاتِ الخبيثات إنما تلصق بالخَبِيثين من الرجال والخبيثات مِن النِّسَاءِ، فأما الطَاهِرَاتُ الطيبات فلا يلصق بِهِنَ شيء. وقيل الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجَالِ وكذلك الطيبات من النساء، للطيبين من الرجال.

стр. 1398

وقوله: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ). أَي عائِشة وَصَفْوانُ بنُ المُعَطِّل، وكذلك كل من قُذِفَ من المُؤْمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ مُبَرأُونَ ممَّا يَقُول أهل الخُبْث القَاذِفُونَ. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). أي للذين قُذِفوا ورُمُوا مَغْفِرَة وَرزْق كريم، وللقاذفين اللعْنَةُ في الدُنيَا والآخرة وَعَذَابٌ عَظِيئم. * * * وقوله: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) (١). معناه إذ يلقيه بعضكم إلى بَعْض، وقرأت عائشة رحمها اللَّه: إذْ تُلْيقُونَهُ بألسنَتِكُمْ، ومعناه إذْ تسْرِعُونَ بالكَذِبِ، يقال وَلَق يلِقُ إذَا أَسْرَع فِي الكَذِبِ وغيره. قال الشاعر: جاءتْ به عَنْسٌ من الشامِ تَلِق أي تسرع. * * * وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) يُقْرَأُ بِالضمِّ والكَسْرِ، ولكن الضم أَكثَرُ، فمن ضمَّ فَعَلَى أصل الجمع. يجمع بَيْتُ وبيوتُ مثل قَلْب وقُلوب وفَلْس وفلوس، وَمَنْ قرأ بِالكَسْرِ فإنما كَسَر للياء التي بعد الباء، وذلك عند البَصْرِيينَ رَدِيء جدًّا، لأنه ليس في كلام العرب فِعُول - بكسر الفاء -. وقوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا).

стр. 1399

معنى تستأنسوا في اللغة تَسْتَأذِنُوا، وكذلك هو في التفسير، والاستئذان الاستعلام، تقول آذَنتُه بكذا أي أعلَمْتُه، وكذلك آنست مِنْهُ كذا وكذا - عَلِمْتُ منه، وكذلك، (فَإِنْ آنَسْتُم منهم رُشْداً) أي علمتم. فمعنى حتى تَسْتَأنِسُوا حتى تستعلِمُوا أيريد أهلها أن يُدخلوا أَمْ لاَ، والدليل على أَنه الِإذْنُ قَوله: (فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤذَنَ لَكُمْ). * * * وقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) أي ليس عليكم جناح أنْ تَدْخُلوا هَذِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ. وجاء في التفسير أنه يعنى بها الخانات، ويقال للخَانِ فُنْدق وفُنْتُق. - بالدال والتاء - وإنما قيل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أن تدخُلُوا هَذِهِ البُيُوتَ لأنه حَظَرَ أن تُدْخَل البُيُوتُ الَّتي ليست لهم إلا بِإذْنٍ، فأُعْلِمُوا أَن دُخول هذه المواضعَ المُبَاحَةَ - نحو الخانات وحوانيت التجارة التي تباع فيها الأشْيَاءُ وُيبِيحُ أهلُها دُخُولَها - جائزٌ. وقيل إنه يُعْنَى بِهَا الخَرِبَاتُ التي يَدْخُلُها الرجُلُ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ. ويكون معنى: (فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) بمعنى إمْتاعِ، أي مُتفرَّجُون فيها مِما بكم. * * * وقوله تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا). أي لا يبدين زينَتَهُنَّ الباطِنَةَ، نحو المِخْنَقَةِ والْخلْخَال والدُّمْلُجُ والسِّوار. والتي تُظْهَرُ هي الثيابُ والوَجْهُ.

стр. 1400

وقوله تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ). كانت المرأة ربما اجتازت وفي رجلها الْخلخال، وربما كان فيها الخَلاَخِلُ فإذا ضَرَبتْ بِرِجْلِها عُلِمَ أنها ذاتُ خَلْخَال وزينةٍ، وهذا يحرك من الشهْوَةِ فنُهِيَ عنه، كما أُمِرْنَ ألا يُبْدِينَ، لأن استماعَ صَوْته بمنزلة إبْدَائِه. * * * وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) قُرِئَتْ من عَبِيدِكُمْ، وكلاهما جائز، وهذا لازِم في الأيَامَى، والمَعْنَى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُم إنْ أَرَدْن تَحَصُّناً. * * * (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) ومعنى (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا). أي لا تكرهوهن على البغاء ألْبتَّةَ، وليس المعنى: لا تكرهوهن إنْ أَرَدْن تَحَصُناً. وإن لم يرِدْن فَلَيْس لنا أَنْ نُكْرِهَهُنَّ. * * * وقوله: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). فحث اللَّه على النكاح وأعلم أنه سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْر. ويروى عن عمر ﵀ أنه قال: عَجَتُ لاِمْرِئ كيف لا يَرْغَبُ في البَاءَةِ واللَّه يَقُولُ (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). وقوله: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا). معنى (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) قيل إن علمتم أدَاءَ ما يفارق عليه، أي عَلِمْتُمْ أَنهم يَكتِبُونَ ما يُؤَدُّونَهُ. ومعنى المكاتبة أن يكاتب الرجل عبده أو أَمَتَهُ

стр. 1401

عَلَى أن يُفَارِقَة، أنه إذا أَدَّى إليه كذا وكذا من المال في كذا وكذا من النجوم فالعبدُ حُر إذا أَدَّى جميع ما عليه، وَوَلاؤه لمولَاه الذي كاتبه، لأن مولاه جاد عليه بالكسْب الذي هو في الأصل لمولاه. وقوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ). هذا - عند أكثر الفقهاء - على الندْبِ، للمولى أن يُعْطِيَهُ شَيْئاً مما يُفَارِقُه عليه، أو من ماله ما يستعين به على قضاء نجومِهِ، وله ألَّا يفْعَلَ، وكذلك له أَنْ يكاتِبَهُ إذا طلب المكاتبة وَلَه أَلَّا يكاتِبَهُ. ومخرج هذا الأمر مخرجُ الِإبَاحَةِ، كما قال: (وإِذَا حَلَلْتُم فاصطادوا) لأنه حرَّم عليهم الصيدَ ما دَامَوا حُرُماً. وكذلك قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) هذا بَعْدَ أن حَظَر عليهم البيعَ في وقت النداء إلَى الصلَاة، فهذا أباحَهُ فيهِ لأن العَبْدَ المملوك لا مال له، ولا يقدر على شيءٍ، فأباح اللَّه لَهُم أن يُقْدِرُوه. ويروى عن عُمَرَ أنه كَاتَبَ عَبْداً له يُكْنَى أَبَا أُمَيَّةَ، وهو أول عَبْدٍ كوتب في الإسلام، فأتاه باول نجم فدفَعَهُ إلَيْهِ عُمر، وقال له: اسْتَعِنْ به عَلَى مُكَاتَبَتِكَ، فقال: لَوْ أَخْرته إلى آخرِ نَجْم، فقال أَخَافُ أَلَّا أدرك ذلك. وقوله: (أوْ نِسائِهِنَّ). . وذلك أنه لا يَحِلُ أن ترى المشركاتُ ما يحِل أن تراه المؤمِنَاتُ من

стр. 1402

المُومِنَاتِ، يُعْنَى بِنِسائِهِن نساء المؤمنات، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). * * * وقوله تَعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ). " غير " صفة للتابعين دَليل على قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)، معْنَاهُ أيْضاً غير أولي الإربَةِ من الرجَال. والمعنى لا يبدين زينتهن لمماليكهنَّ ولا لِتُباعِهِنَّ إلا أن يكونُوا غير أُولي إربَة. والِإرْبَةُ الحاجَةُ، ومعناه هَهُنَا غير ذَوي الحاجات إلى النِسَاءِ فَأمَّا خَفْضُ " غير " فصفة للتابعين، وإن كانت " غير " توصف بها النَكِرَةُ، فَإنَّ التَابِعِينَ هَهُنَا ليس بمَقْصودٍ إلى قوم بأعْيانِهِمْ، إنما معناهُ لكل تَابِع غير أولي إرْبةٍ. ويجوز " غير " بنصب " غيرَ " على ضربين: أَحَدهما الاستثناء، المعنى لا يبدين زينتهن إلا للتابعين إلا أُولي الإربة فلا يبدين زينَتَهن لَهُمْ، ويجوز أن يكون منصوباً على الحال، فيكون المعنى، والتابعين لا مُرِيدينَ النسَاء أي في هذه الحال. * * * وقوله : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). ويقرأ " عَوَرات " - بالفتح الواو - لأن فَعْلَة يجمع على فَعلات - بفتح العين - نحو قَولكَ جَفنة وَجَفَنَات، وصَحْفَة وصَحَفَات، فإذا كان نحو قولكَ لَوْزَة وجَوْزَة وعَوْرَة، فالأكثر أَنْ تسكَن، وكذلك قوله بَيْضَات، لثقل الحركة مع الواو والياء، ومن العرب من يَلْزَمُ الأصلَ والقياسَ في هذا فيقول جَوَازات وبَيَضَات. وعلى هذا قرئ عَوَراتٍ. ومعنى لَمْ يَظهرُوا على عورات النساء، لم يبلغوا أن يُطيقُوا النساء، كما تقول: قد ظهر فلانٌ على فلانٍ إذا قوي عليه. ويجوز أَنْ يَكُونَ (لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِسَاءِ) لم يَدْرُوا ما قباحَةُ عورات النساء من غيرها.

стр. 1403

وقوله: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) يقرأ بالفتح والكسر - فمن قرأ مبيَّنَاب بالفتح فالمعنى أنه لَيْسَ فيها لَبْسٌ، وَمَنْ قرأ بالكَسْرِ فالمعنى أنها تبيِّن لكم الحلال من الحرام. ثم أَعلم أَنه قَدْ بيَّنَ جميع أَمر السماء، وأمر الأرض بَيَاناً نيِّراً لا غاية بَعْدَ نورِهِ فقال: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (١) أي مدَبِّر أَمْرِهِمَا بِحِكْمَةٍ بَالِغةٍ وحجًةٍ نيِّرَة. ثم مثلَ مَثَلَ نورِه ذلك في القلوبِ بأبينِ النورِ الذي لم يُدرك بالأبْصَارِ فقال: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ). فَنورُهُ يجوز أن يكون ما ذكرنا من تدبيره، وجائز أنْ يكونَ كتابُه الذي بَيَّن بِهِ فقال: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) وجائز أن يكون النبي ﷺ هو النور الذي قال مثل نورِهِ، لأن النبي ﷺ هو المرشِدُ والمبيِّنُ والناقل عن الله ما هو نيِّرٌ، بَيِّنٌ. وقال: (كَمِشْكَاةٍ)، وهي الكوَّة، وقيل إنها بلغة الحَبَشِ، والمشكاة من كلام العرب، ومثلها - وإن كانت لغيرِ الكُوَّةِ - الشَكْوَةُ وَهِي مَعْروفَة، وهي الدقيق الصغير أو مَا يُعْمَل مِثْله. (فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ). والمصباح السَراج. وقال: (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) - لأن النور في الزُّجاج.

стр. 1404

وضوء النارِ أَبْيَنُ منه في كل شيءٍ، وضوؤه يزيدُ في الزُّجَاجِ. ثم وصف الزجاجة فقال: (كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ). و (دُرِّيٌّ)، منسوب إلى أنه كالدُّرِ، في صَفَائِه وحُسْنِهِ، وَقُرِئَتْ دِرِّيٌّ وَدَرِّيٌّ - بالكسر والفتح - وقَد رُوِيتْ بالهَمْزِ. والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه فيه، لأنه ليس في كلام العَرَبِ شيء عَلَى فِعِّيل، ولكن الكسر جَيِّدٌ بِالهَمْز - يكون على وَزْنِ فِعِّيل، ويكون من النجوم الدَّرَارِي التي تَدَرُ. أي يَنْحط وَيسِيرُ مُتَدافِعاً، ويجوز أن يكونَ دِرِّيٌّ بغير همزٍ مُخَفَفاً مِنْ هذا. قال أبو إسحاق: ولا يجوز أن يضم الدال وَيُهْمَزُ، لأنه ليس في الكلام فُعِّيلٌ، ومثال " دُرِّيٌّ " فُعْلِيٌّ مَنْسُوبٌ إلى الدُّرِّ، وَمَنْ كَسَرَ الدالَ قَالَ دِرِّيٌّ - فكان له، أَنْ يهْمِزَ ولا يَهْمِزَ، فمن هَمَزَ أَخَذه من درأ يدرأ الكَوْكَبُ إذَا تَدافع مُنْقَضًّا، فتضاعف ضَوْءُه، يقال: تدارأ الرجُلَانِ إذَا تَدَافَعَا، ويكون وزنه على فِعِّيل. ومن كسرها فإنما أَصْلُه الهَمْزُ فَخُفِفَ، وبقيتْ كسرة الدال عَلَى أَصْلِهَا. ووزنه أيضاً فعِّيل كما كان وهو مهموز (١). * * * وقوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ). ويقرأ (تُوقَدُ) بالتاء، فمن قرأ بالياء عنى به المصباح، وهو مذكر. ومن قرأ بالتاء عَنَى بِهِ الزُجَاجَةَ. ويجوز " في زَجَاحَةٍ " بفتح الزاي وفيها وجهان آخران قُرِئ بِهِمَا - تَوَقَّدَ - بفتح الدالِ وضمها وتشديد القافِ فيهما جميعاً. فمن قرأ تَوَقَّدُ، فالمعنى تَتَوَقدُ الزجاجةُ، ومن قرأ تَوَقَّدَ فتحه لأنه فِعْلٌ مَاضٍ. ويكون المعنى: المصباحِ في زُجَاجَةِ تَوَقَّدَ المِصْبَاحُ (٢). وقوله: (مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ).

стр. 1405

وليس شيء في الشجَرِ يورِقُ غُصْنُه من أوله إلى آخره مثلُ الزيْتُونِ والرمَّانِ قَال الشاعِرُ: بورِكَ الميتُ الغريبُ كما. . . بُورِكَ نَظْم الرُمان والزيْتونِ قوله : (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ). أكثر التفسير أنها ليست مما تطلع عليه الشمسُ في وقت شروقها فقط أو عِنْدَ الغُروبِ، أي ليس يسترها في وقت من النهَارِ شيءٌ، أي فهي شرقية غربيَّة، أي تصيبها الشمس بالغداة، والعَشِىِ، فهو أنضر لها وأجود لزيتها وزَيْتونها. وقال الحسن: إن تأويلَ قوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) أنها ليست من شجر الدُّنْيَا أي هي من شجر الجنَّةِ. * * * وقوله : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) جاء في التفسير أَن تبْنَى، وقال الحسنُ: تأويل " أَنْ ترْفَعَ " أن تعظَّمَ. و" في " من صِلَةِ قوله (كَمِشْكَاةٍ). المعنى كَمِشْكاةٍ في بيوتٍ، أي فِي مَسَاجِدَ. وقال الحسن يُعْنَى بِهِ بيتُ المقدِسِ. ويجوز أن تكون " في " متصلة بـ (يُسَبِّحُ) ويكون فيها تكريراً على التوكيد، فيكون المعنى يسبح لِلَّهِ رِجَالٌ في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ لأنْ تُرْفَع (١). وتقرأ (يُسَبَّحُ) له فيها، فيكون رفع رجال هَهُنَا على تفسير
следующие страницы →