عَلَى أن يُفَارِقَة، أنه إذا أَدَّى إليه كذا وكذا من المال في كذا وكذا من النجوم
فالعبدُ حُر إذا أَدَّى جميع ما عليه، وَوَلاؤه لمولَاه الذي كاتبه، لأن مولاه جاد
عليه بالكسْب الذي هو في الأصل لمولاه.
وقوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ).
هذا - عند أكثر الفقهاء - على الندْبِ، للمولى أن يُعْطِيَهُ شَيْئاً مما يُفَارِقُه
عليه، أو من ماله ما يستعين به على قضاء نجومِهِ، وله ألَّا يفْعَلَ، وكذلك له
أَنْ يكاتِبَهُ إذا طلب المكاتبة وَلَه أَلَّا يكاتِبَهُ.
ومخرج هذا الأمر مخرجُ الِإبَاحَةِ، كما قال: (وإِذَا حَلَلْتُم فاصطادوا) لأنه حرَّم عليهم الصيدَ ما دَامَوا حُرُماً.
وكذلك قوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) هذا بَعْدَ أن حَظَر عليهم البيعَ في وقت النداء إلَى الصلَاة، فهذا أباحَهُ
فيهِ لأن العَبْدَ المملوك لا مال له، ولا يقدر على شيءٍ، فأباح اللَّه لَهُم أن
يُقْدِرُوه.
ويروى عن عُمَرَ أنه كَاتَبَ عَبْداً له يُكْنَى أَبَا أُمَيَّةَ، وهو أول عَبْدٍ كوتب
في الإسلام، فأتاه باول نجم فدفَعَهُ إلَيْهِ عُمر، وقال له: اسْتَعِنْ به عَلَى
مُكَاتَبَتِكَ، فقال: لَوْ أَخْرته إلى آخرِ نَجْم، فقال أَخَافُ أَلَّا أدرك ذلك.
وقوله: (أوْ نِسائِهِنَّ). .
وذلك أنه لا يَحِلُ أن ترى المشركاتُ ما يحِل أن تراه المؤمِنَاتُ من
стр. 1402
المُومِنَاتِ، يُعْنَى بِنِسائِهِن نساء المؤمنات، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
* * *
وقوله تَعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ).
" غير " صفة للتابعين دَليل على قوله: (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ)، معْنَاهُ أيْضاً غير أولي الإربَةِ من الرجَال.
والمعنى لا يبدين زينتهن لمماليكهنَّ ولا لِتُباعِهِنَّ إلا أن يكونُوا غير أُولي إربَة. والِإرْبَةُ الحاجَةُ، ومعناه هَهُنَا غير ذَوي الحاجات
إلى النِسَاءِ فَأمَّا خَفْضُ " غير " فصفة للتابعين، وإن كانت " غير " توصف بها
النَكِرَةُ، فَإنَّ التَابِعِينَ هَهُنَا ليس بمَقْصودٍ إلى قوم بأعْيانِهِمْ، إنما معناهُ لكل
تَابِع غير أولي إرْبةٍ.
ويجوز " غير " بنصب " غيرَ " على ضربين:
أَحَدهما الاستثناء، المعنى لا يبدين زينتهن إلا للتابعين إلا أُولي الإربة فلا يبدين
زينَتَهن لَهُمْ، ويجوز أن يكون منصوباً على الحال، فيكون المعنى، والتابعين
لا مُرِيدينَ النسَاء أي في هذه الحال.
* * *
وقوله : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ).
ويقرأ " عَوَرات " - بالفتح الواو - لأن فَعْلَة يجمع على فَعلات - بفتح
العين - نحو قَولكَ جَفنة وَجَفَنَات، وصَحْفَة وصَحَفَات، فإذا كان نحو قولكَ لَوْزَة وجَوْزَة وعَوْرَة، فالأكثر أَنْ تسكَن، وكذلك قوله بَيْضَات، لثقل الحركة مع الواو والياء، ومن العرب من يَلْزَمُ الأصلَ والقياسَ في هذا فيقول جَوَازات وبَيَضَات.
وعلى هذا قرئ عَوَراتٍ. ومعنى لَمْ يَظهرُوا على عورات النساء، لم يبلغوا أن يُطيقُوا النساء، كما تقول: قد ظهر فلانٌ على فلانٍ إذا قوي عليه. ويجوز أَنْ يَكُونَ (لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِسَاءِ) لم يَدْرُوا ما قباحَةُ عورات النساء من غيرها.
стр. 1403
وقوله: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)
يقرأ بالفتح والكسر - فمن قرأ مبيَّنَاب بالفتح فالمعنى أنه لَيْسَ فيها
لَبْسٌ، وَمَنْ قرأ بالكَسْرِ فالمعنى أنها تبيِّن لكم الحلال من الحرام.
ثم أَعلم أَنه قَدْ بيَّنَ جميع أَمر السماء، وأمر الأرض بَيَاناً نيِّراً لا غاية بَعْدَ نورِهِ فقال:
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
(٣٥)
(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (١)
أي مدَبِّر أَمْرِهِمَا بِحِكْمَةٍ بَالِغةٍ وحجًةٍ نيِّرَة.
ثم مثلَ مَثَلَ نورِه ذلك في القلوبِ بأبينِ النورِ الذي لم يُدرك بالأبْصَارِ فقال:
(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ).
فَنورُهُ يجوز أن يكون ما ذكرنا من تدبيره، وجائز أنْ يكونَ كتابُه الذي
بَيَّن بِهِ فقال: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) وجائز أن يكون النبي ﷺ هو النور الذي قال مثل نورِهِ، لأن النبي ﷺ هو المرشِدُ والمبيِّنُ والناقل عن الله ما هو نيِّرٌ، بَيِّنٌ.
وقال: (كَمِشْكَاةٍ)، وهي الكوَّة، وقيل إنها بلغة الحَبَشِ، والمشكاة من
كلام العرب، ومثلها - وإن كانت لغيرِ الكُوَّةِ - الشَكْوَةُ وَهِي مَعْروفَة، وهي الدقيق الصغير أو مَا يُعْمَل مِثْله.
(فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ).
والمصباح السَراج.
وقال: (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ) - لأن النور في الزُّجاج.
стр. 1404
وضوء النارِ أَبْيَنُ منه في كل شيءٍ، وضوؤه يزيدُ في الزُّجَاجِ.
ثم وصف الزجاجة فقال:
(كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ).
و (دُرِّيٌّ)، منسوب إلى أنه كالدُّرِ، في صَفَائِه وحُسْنِهِ، وَقُرِئَتْ دِرِّيٌّ وَدَرِّيٌّ
- بالكسر والفتح - وقَد رُوِيتْ بالهَمْزِ.
والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه فيه، لأنه ليس في كلام العَرَبِ شيء عَلَى فِعِّيل، ولكن الكسر جَيِّدٌ بِالهَمْز - يكون على وَزْنِ فِعِّيل، ويكون من النجوم الدَّرَارِي التي تَدَرُ.
أي يَنْحط وَيسِيرُ مُتَدافِعاً، ويجوز أن يكونَ دِرِّيٌّ بغير همزٍ مُخَفَفاً مِنْ
هذا.
قال أبو إسحاق: ولا يجوز أن يضم الدال وَيُهْمَزُ، لأنه ليس في الكلام
فُعِّيلٌ، ومثال " دُرِّيٌّ " فُعْلِيٌّ مَنْسُوبٌ إلى الدُّرِّ، وَمَنْ كَسَرَ الدالَ قَالَ دِرِّيٌّ - فكان له، أَنْ يهْمِزَ ولا يَهْمِزَ، فمن هَمَزَ أَخَذه من درأ يدرأ الكَوْكَبُ إذَا تَدافع مُنْقَضًّا، فتضاعف ضَوْءُه، يقال: تدارأ الرجُلَانِ إذَا تَدَافَعَا، ويكون وزنه على فِعِّيل.
ومن كسرها فإنما أَصْلُه الهَمْزُ فَخُفِفَ، وبقيتْ كسرة الدال عَلَى
أَصْلِهَا.
ووزنه أيضاً فعِّيل كما كان وهو مهموز (١).
* * *
وقوله: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ).
ويقرأ (تُوقَدُ) بالتاء، فمن قرأ بالياء عنى به المصباح، وهو مذكر.
ومن قرأ بالتاء عَنَى بِهِ الزُجَاجَةَ.
ويجوز " في زَجَاحَةٍ " بفتح الزاي وفيها وجهان آخران قُرِئ بِهِمَا - تَوَقَّدَ - بفتح الدالِ وضمها وتشديد القافِ فيهما جميعاً.
فمن قرأ تَوَقَّدُ، فالمعنى تَتَوَقدُ الزجاجةُ، ومن قرأ تَوَقَّدَ فتحه لأنه فِعْلٌ مَاضٍ.
ويكون المعنى: المصباحِ في زُجَاجَةِ تَوَقَّدَ المِصْبَاحُ (٢).
وقوله: (مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ).
стр. 1405
وليس شيء في الشجَرِ يورِقُ غُصْنُه من أوله إلى آخره مثلُ الزيْتُونِ
والرمَّانِ
قَال الشاعِرُ:
بورِكَ الميتُ الغريبُ كما. . . بُورِكَ نَظْم الرُمان والزيْتونِ
قوله : (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ).
أكثر التفسير أنها ليست مما تطلع عليه الشمسُ في وقت شروقها فقط أو
عِنْدَ الغُروبِ، أي ليس يسترها في وقت من النهَارِ شيءٌ، أي فهي شرقية
غربيَّة، أي تصيبها الشمس بالغداة، والعَشِىِ، فهو أنضر لها وأجود لزيتها
وزَيْتونها.
وقال الحسن: إن تأويلَ قوله: (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) أنها ليست من
شجر الدُّنْيَا أي هي من شجر الجنَّةِ.
* * *
وقوله : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)
جاء في التفسير أَن تبْنَى، وقال الحسنُ: تأويل " أَنْ ترْفَعَ " أن تعظَّمَ.
و" في " من صِلَةِ قوله (كَمِشْكَاةٍ).
المعنى كَمِشْكاةٍ في بيوتٍ، أي فِي مَسَاجِدَ.
وقال الحسن يُعْنَى بِهِ بيتُ المقدِسِ.
ويجوز أن تكون " في " متصلة بـ (يُسَبِّحُ)
ويكون فيها تكريراً على التوكيد، فيكون المعنى يسبح لِلَّهِ رِجَالٌ في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ لأنْ تُرْفَع (١).
وتقرأ (يُسَبَّحُ) له فيها، فيكون رفع رجال هَهُنَا على تفسير
стр. 1406
ما لم يسم فَاعِلُه، فيكون المعنى على أنه لما قال: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) كأنَّه قيل: مَن يُسَبِّحُ الله فقيل يُسَبِّحُ رِجَال كما قال الشاعر:
لِيُبْكَ يزيدٌ ضارِعٌ لخُصُومةٍ. . . ومُخْتبِطٌ مما تُطِيحُ الطَّوائِحُ
(والآصال): واحدها أُصُل، وهي العَشَايَا (١).
* * *
(رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)
ومعنى: (لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ).
أي لا يشغلهم أَمر عن ذَلِكَ.
ويروى أن ابن مَسْعُودٍ رأى قوماً من أَهْل السوقِ، وقد نُودِيَ بالصَّلَاةِ
فتركوا بِيَاعاتِهِمْ ونَهضُوا إلَى الصَّلاةِ، فقال: هؤلاء من الذين قال اللَّه فيهم، (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ).
وقوله: (وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ)
الكلام أقمت الصلاة إقَامَةً، وأصلها أقَمْتُ إقْوامَاً، ولكن قُلِبَت الوَاوَ
أَيضاً فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما لالْتِقَاءِ السَّاكنين، فبقي أَقَمْتُ الصلاة إقامَةً وأدخِلَتِ الهاء عِوَضاً من المَحْذُوفِ، وقامت الإضافة ههنا في
التعويض مقام الهاء المحذوفة.
وهذا إجماع من النحويين.
وقوله: (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).
ويجوز تَقلَّبُ فيه القلوب والأبْصَارُ، في غير القرآنِ، ولا يجوز في
القران " تَقَلَّبُ، لأن القراءة سنة لا تخالَفُ وإن جاز في العربية ذَلِكَ.
стр. 1407
ومعنى تَتَقلًبُ أي تَرْجُفُ وَتَجفُ من الجَزَعِ والخَوْفِ، ومعناه أَن مَنْ
كَانَ قلبُه مُوقِناً بالبعث والقيامَةِ ازداد بَصِيرَةً، ورأى ما يحبُّه مما وُعِدَ بِهِ، ومن
كان قلبه على غير ذلك رأى ما يُوقِنُ مَعَهُ بِأمْرِ القِيامة والبعْثِ، فَعَلِمَ ذلك بقلبه وشاهده بِبَصَرِه، فذلك تَقَلبُ القلوب والأبْصَار.
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)
والقيعة جمع قاعٍ، مثل جَارٍ وَجِيرَةٍ، والقيعة والقاع ما انبسط من
الأرْض ولم يكن فيه نبات، فالذي يسير فيه يَرَى كأن فيه ماءً يَجْرِي.
وذَلِكَ هُوَ السَّرابُ، والآل مثلُ السرابِ إلا أنه يرتفع وقت الضحَى كالماء بين السماء والأرْضَ.
(يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً).
يجوز يَحْسِبُه وَيَحْسَبُه، ويجوز الظَّمآن والظَّمانُ، على تخفيف الهَمْزَةِ.
وهُوَ الشديدُ العَطَشِ يقال ظمئ الرجل يظمأ ظمأً فَهُو ظمآنُ، مثل عَطِشَ
يَعْطَشُ عطشاً فَهُوَ عطشانُ.
وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا).
أي حتى إذا جاء إلى السراب وإلى موضعه رأى أرضاً لا ماء فيها.
فأَعلم اللَّه أن الكافر يظن عَمَلَه قد نفعه عند اللَّه، ظَنه كَظَنِّ الذي يظن أن السرابَ ماء، وأن عمله قَدْ حَبِط وذَهبَ.
وضرب الله هذا المثلَ لِلكَافِر فقال: إن أعمال الكفار كهذا السرابِ.
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)
стр. 1408
لأنه وصف نوره الذي هو للمؤمنين، وأعلم أن قلوب المؤمنين
وأعمالهم بمنزلة النورِ الَّذي وصَفَهُ، وأنهم يجدونه عند اللَّه يجازيهم عليه
بالجنة، وأن أعمال الكافرين وإن مثلت بما يوجَدُ فمثله كمثل السرابِ، وإنْ
مثلت بِمَا يُرَى فهي كهذه الظلمات التي وَصَفَ في قوله: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) الآية.
وقوله: (إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا).
معناه لم يرها ولم يكد، وَقَالَ بَعضُهُم يراها من بَعْدِ أن كانَ لا يَراهَا
من شِدةِ الظلمة، والقولُ الأولُ أَشْبَهُ بهذَا المعنى، لأِن في دُونِ هذه
الظُّلُمَاتِ لا يُرَى الكف.
وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).
أي من لم يهده اللَّه إلى الإسلام لم يَهْتَدِ (١).
* * *
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)
ويجوز " والطيرَ " على معنى: " يسبح له الخلق مَعَ الطيْرِ " ولم يُقْرأْ بها.
وقوله: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ).
معاه كل قد علم اللَّهُ صَلاتَه وتسبيحَه، والصلاة للناس، والتسبيح لغير
الناس، ويجوز أن يكون (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) كل شيء قد علم
стр. 1409
صلاة نفسه وتسبيحَهَا، ويجوز أن يكون كل إنسان قَدْ عَلِمَ صلاة الله، وكل
شيء قد علم تسبيح اللَّه.
والأجود أن يكون كل قد علم اللَّه صلاته وتسبيحه.
ودليل ذلك قوله - (واللَّهُ عَليم بِمَا يَفْعَلُونَ).
* * *
وقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)
معنى: (يُزْجِي) يَسُوقُ، (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي يجعل القطع المُتَفَرِّقَةَ مِنَ
السحَابِ قطعةً وَاحِدةً (ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا)، أي يجعل بَعْضَ السحاب يركب
بعضاً.
(فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِه).
الودْقُ المطرُ، ويقرأ من خَلَلِه، وخِلَالِه أَعم وأجوَدُ في القراءة، وخِلَال
جمع خَلَلٍ وخِلَال، مثل جَبَل وجِبَالٍ، ويجوز أن يكون السحاب جمع
سحابة ويكون " بينَه " أي بينَ جميعه، ويجوز أن يكون السحاب وَاحِداً إلا أنه
قال بينه لكثرته، ولا يجوز أن تقول جلست بين زَيْدٍ حتى تقول وعَمْرٍو.
وتقول ما زلت أدور بين الكوفة، لأن الكوفة اسم يتضمَّن أَمْكِنَةً كثيرة، فكأنك تقول ما زلت أدور بين طرق الكوفة.
وقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ).
ويجوز وُينْزِل بالتخفيف، ومعنى (مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)
مِن جِبَالِ بَرَدٍ فيها كما تقول هذا خاتم في يدي مِنْ حَدِيد.
المعنى هذا خاتَم حَديدٍ في يَدِي.
ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون معنى " مِن جِبَال " مِنْ مِقْدار
جِبَال مِنْ بَرَدٍ كما تقول عِنْدَ فُلَانٍ جِبَالُ مَال تريد مقدار جبال مِنْ كَثْرَتِه.
قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ).
стр. 1410
وقرأ أبو جعفر المدني: يُذْهِبُ بالأبْصَارَ، ولم يقرأ بها غيرُه، ووجهها
في العربيَّةِ ضعيف، لأن كلام العَرَبِ: ذَهَبْتُ بِهِ وَأَذْهَبْتُه.
وتلك جائزة أيضاً - أعني الضم في الياءِ في يُذْهِبُ.
ومعنى (سَنَا بَرْقِهِ) ضَوء بَرْقِه، وقرئت (سَنَا بُرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)
على جَمْعِ بُرْقَةٍ وبُرْقٍ، والفرق بين بُرْقِهِ - بالضمِ -
وبَرْقِهِ بالفتح أن البرق المقدارُ من البرق، والبرقَةُ أن يبرق الشيء مَرةً واحِدةً، كما تقول: غَرفْتُ غَرفَةً وَاحِدةً تريد مَرة وَاحِدةً.
والغَرْفَةُ مقدار ما يُغْرَفُ، وكذَلِكَ اللَّقمة واللُّقْمَة.
* * *
وقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)
(وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)
ويقرأ، (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، فَدَابَّة اسم لكل حيوان مُمَيَنر وغيره:
فلما كان لما يعقل ولما لَا يعقِلُ قال (فمنهم)، ولوكان لما لَا يَعْقِل لقيلَ فمنها
أو مِنْهُنَّ.
ثم قال: (مَنْ يَمْشي عَلَى بَطْنِه).
فقال (مَنْ) - وأصل مَنْ لِمَا يَعْقِل -، لأنه لَمَّا خلَط الجماعةَ فقيل فمنهم
جعلت العِبَارَةُ بِمَنْ، وقيل يمشي على بطنه، لأن كل سائر كان له رِجْلان أو
أربع أوْ لَمْ تكن له قَوائِم، يقال له ماش وقَدْ مَشَى، ويقال لكل مُسْتَمِر مَاشٍ، وإن لم يكن من الحيوان حَتى يقال قد مشى. هذا الأمْرِ.
(مِنْ مَاءٍ)، وإِنَما قيل من ماء كما قال اللَّه سبحانه: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ).
وقوله جلَّ وعلا: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)
جاء في التفسير " مُسْرِعين "، والِإذْعَان في اللغةِ الإسْراعُ مَعَ الطاعَة.
تقول: قَدْ أذْعَنَ لي بِحَقِي، معناه قَدْ طَاوَعَنِي لِمَا كُنْتُ أَلْتَمِسُه مِنه، وصارَ
يُسْرِعُ إليْه.
стр. 1411
وقوله: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)
(قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ).
تأويلُهُ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمثلُ مِنْ قَسَمِكُمْ لِمَا لَا تَصْدُقُونَ فِيهِ.
والخبر مُضْمَر،. وهَوُ " أَمْثَلُ " - وَحُذِفَ لأن في الكلام دَلِيلاً عليه، لأنه قال: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ).
واللَّه وراء مَا فِي قلوبِهِم فقال: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
ويجوز: طاعةً معروفةً على مَعْنى أطِيعوا طَاعةً مَعروفَةً، لأنهم أقسَموا إن أمِروا أنْ يُطيعُوا فقيل أطيعوا طاعةً معروفةً، وَلَا أعْلَمُ أحَداً قَرأ بها، فإنْ لَم ترْوَ فلا
تقْرا بها، وهذا يُعْنَى به المنافقونَ.
* * *
وقوله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ)
وإنما جاءت اللام لأن " وَعَدْته بِكَذَا أَو كَذَا " و " وَعَدْتُه لأكْرِمَنَّه بمنزلة
قُلْت لأن الوَعْدَ لا ينعقِدُ إلا بقول.
ومعنى (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي ليجعلنَّهم يخلفون مَنْ بَعْدَهم من المؤمنين فَاستخلَفَ الذّين من قبلِهِمْ.
وقرئِت (كما اسْتُخْلِفَ الذين مِنْ قَبلِهِم).
(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ).
يعني به الإسلام.
(وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) وقرئت (وَلْيُبْدِلَنَّهُمْ).
وقوله: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)
يجوز أن يكن مستأنفاً، ويجوز أن يكون في موضع الحال، على معنى
وعد اللَّهُ المؤمنين في حالِ عبادتهم وإخلاصهم لِلَّهِ - عزَّ جل - ليفعَلَنَّ بهم.
وَيجُوز أَنْ يكونَ اسْتِئنَافاً على طريق الثناء عليهم وَتَثْبيتاً كأنَّه قال: يَعْبدُنِي
المؤْمِنونَ لَا يُشركون بي شيئاً.
стр. 1412
وقوله: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)
القراءة بالتاء على معنى: لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمًد الكَافِرِينَ مُعْجِزينَ، أي
قدرةُ اللَّهِ محيطة بِهِمْ وقرئت: لَا يُحْسَبَن عَلَى حَذْفِ المفعول الأول مِنْ
يحسَبَن على معنى لا يَحْسَبَن الذين كفروا إياهم معجزين في الأرض، كما
تَقُولُ زَيْد حَسِبهُ، فإنما تريد حَسِبَ نَفْسَه قَائِماً، وكأنه لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أَنْفُسَهم مُعْجِزين، وهذا في بَابِ ظَنَنْتُ، تطرح فيه النفس يُقَالُ ظننتُنِي أَفْعَلُ، ولا يقال ظننت نفسي أفعلُ، وَلَا يَجُوُز ضَرَبْتُنِي، استُغْني عنها بِضَرَبتُ نَفْسِي.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)
فأمر اللَّه بالاستئذان في الأوقات التي يُتَخَفى فيها
ويتكشفون، وَبيَّنَها فقال: (مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ).
يعنى به العَتَمة عشاء الآخرة، فأعلم أنها عورات فقال (ثَلَاثُ عَوْراتٍ
لَكُمْ)، على معنى هي ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، وقرئت " ثَلَاثَ عَوَرَاتٍ لَكُمْ "
والإِسكان أكثر لثقل الحركة والواو.
تقول طلحة وطَلَحات، وجمْرة وجمَرات.
ويجوز في لوزة لَوَزَات بحركة الواو، والأجْوَدُ لَوْزَات، ويجوز ثَلاثَ عَوَراتٍ
بالنصْبِ، على معنى ليستأذتوكم ثلاثَ عَوْرَاتٍ، أي في أَوْقَاتِ ثلاث عَوْراتٍ.
وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ).
أي ليس عليكم جناح ولا عليهم في أنْ لاَ يَسْتَأذِنُوا بعد أن يمضي كل
وَقْتٍ من هذه.
стр. 1413
وقوله تعالى: (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ).
على مَعنى هُم طَوافُونَ عَلَيْكُم.
وقوله: (بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) على معنى يَطُوف بَعْضُكُم على بعْض.
* * *
وقوله: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)
فالبالغ يستأذن في كل الأوقات، والطفل والمملوكُ يستأذن في الثلاث
العورات.
* * *
وقوله: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)
القواعد جمعِ قاعدة، وهي التي قعدت عن الزواج.
(اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا) أي لاَ يُرِدْنهُ، ولا يَرْجُونَه، وقيل أيضاً اللاتي قَدْ قَعدْنَ عَنِ الحيض.
(فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ).
قال ابن مسعود: أن يضعن المِلْحَفَةَ والرِّدَاء.
(وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ).
أي أنْ لَا يضَعْن الرداء والملحفة خير لهن من أن يَضَعْنَه.
* * *
وقوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)
الحرج في اللغة الضيق، ومَعْناهُ فِي الدِّين الإثمُ، وجاء في التفسير أن
أهل المدينة قبل أن يُبعثَ النبي ﷺ كانُوا لا يُؤَاكلونَ هؤلاءِ، فقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك خوفاً من تمكن الأصحاء في الطعام، وقِلَّةِ تمكنِ هؤلاء، فقيل
стр. 1414
لهم ليس في مُؤَاكَلِتِهْمْ حَرَج، وقيل إنهم كانوا يفعلون ذلك تقززاً، وقيل أيضاً إِنَّهُمْ كانوا إذا خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ خَلَّفوا هؤلاء فكانوا يتحوبون أن يأكلوا مما يحفظونه فَأعْلِمو أَنه ليس عَلَيهم خنَاحٌ، وقيل أيضاً إنه كان قوم يَدْعونَهم إلى طعامِهِم فربما صاروا إلى منازلهم فلم يجدوا فيها طعاماً، فيمضون بهم إلي آبائهم.
وجميع ما ذكروا جيِّدٌ بالغ إلا ما ذكروا من ترك المؤاكلة تَقَززاً، فإني
لا أدري كيف هو.
وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا).
معنى (أَشْتَاتًا) متفرقين متَوَحِّدِين.
ونصب " جميعاً " على الحال، ويروى أَن حَياً من العرب كان الرجل منهم لَا يَأْكل وحدَه، وهم حَيٌّ من كنانة، يمكث
الرجل يَوْمَهُ فإن لم يجد مَنْ يؤاكله لم يأكل شيئاً، وربما كانت مَعَهُ الإبل
الحُفَّل، وهي التي مِلْء أخلافها اللبَنُ فلا يَشْرَب من ألبانها حتى يَجِدَ من
يُشَارِبُه، فأَعلم اللَّه أَنَ الرجلَ منهم إن أكل وحده فلا إثم عليه.
وقوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ).
معناه فلْيُسَلِّمْ بَعْضكمْ عَلَى بَعض، فالسلام قد أمر الله به، وقيل أيضاً:
إذَا دَخَلْتم بيوتاً وكانت خَالِية فَلْيَقلِ الداخِل: السلامُ علينا وعلى عباد اللَّهِ
الصَّالِحِينَ.
* * *
وقوله : (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
стр. 1415
مَعْنَاهُ النصْبُ على المصدَرِ، لأن قوله فَسَلَمُوا، معناه تَحَيوْا، ويحيي
بعْضُكمْ بعْضاً، تَحِيَّةً من عند اللَّه.
فأعلم اللَّه أن السلام مُبَارَك طَيِّب.
* * *
وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)
قال بعضهم كان ذلك في الجمعة، فهو - واللَّه أعلم - أن اللَّه
أمر المؤمنين إذَا كانوا مع نبيِّه ﷺ فيما يُحتاج فيه إلى الجماعة، نحو الحرب لِلْعَدو، أَوْ مَا يَحضرونه مما يُحْتَاجُ إلى الجمع فِيه، لم يذهبوا حَتى يستاأذِنُوه.
وكذلك ينبغي أن يكونوا مَعَ أَئَمَّتِهِمْ لا يخالفونهم ولا يرجعون عنهم في جمع
من جموعهم إلا بِإذْنِهِمْ، وللإمام أن يأذن، وله أن لا يأذَنَ، على قدر ما يرى
من الحَظِّ فِي ذَلِكَ لقوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ).
فجعل المشيئة إليْه فِي الإذْنِ.
(وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ).
أي اسْتَغْفِرْ لَهُمْ بِخُروجِهِمْ عن الجماعة إذا رأيت أنَّ لهم عُذْراً.
* * *
وقوله: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)
أي لا تقولوا: يا محمد كما يَقُولُ أَحَدُكم لِصَاحِبِه، ولكن قولوا يا رسول
الله ويا نبي اللَّهِ بتبجيل وَتَوْقِيرٍ وَخَفْض صَوْتٍ.
أعلمهم اللَّه فضل النبِي ﵇ على سائر البريَّةْ في
المخاطبة.
стр. 1416
وقوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا).
أُظْهِرَتِ الوَاوُ في (لِوَاذًا) على معنى لاَوَذْتُ لِوَاذاً، ومعنى لِوَاذاً ههنا
الخلاف - أي، يُخَالِفُونَ خلافاً، ودليل ذلك قوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ).
فأمَّا مَصْدَرُ لُذْتُ فقولك: لُذْتُ بِهِ لِيَاذاً.
стр. 1417
سورة الفرقان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)
(تَبَارَكَ) معناه تفاعل من البَرَكَةِ، كذلك يقول أهلُ اللغة، وكذلك رُوِيَ عن
ابن عباس، ومعنى البركة الكثرة في كل ذي خيرٍ.
والفرقانُ القرآن، يُسمى فرقاناً لأنه فُرِّقَ به بين الحق والبَاطِل.
وقوله: (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).
" النذير " المخوف من عذاب الله، وكل من خوَّفَ فقد أَنْذَرَ.
قال الله (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١ ٤) .
* * *
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا).
خلق الله الحيوان وقدر له ما يُصْلحه ويقيمُه، وقَدَّرَ جميع ذلك لخلقه
بحكمة وتقديرٍ
* * *
وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)
" الِإفك " الكَذِبُ.
(وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ).
يعنونَ اليَهُودَ.
стр. 1418
(فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا).
والزُّورُ: الكَذبُ، ونصبُ (فَظُلْمًا وَزُورًا) على: فقد جاءوا بظلم وَزُورٍ، فَلَما سقطت الباء أفْضَى الفِعْلُ فَنَصَبَ.
* * *
(وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)
خبر ابتداء محذوف، المعنى وقالوا: الذي كتابه أساطير الأولين.
معناه مِما سَطَرَهُ الأولُونَ، وواحدُ الأساطير أُسْطُورَة، كما تقول أحْدُوثة
وأَحَادِيث.
* * *
وقوله : (فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا).
الأصيل العَشِيُّ.
* * *
وقوله: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)
(ما) منفصِلة من اللام، المعنى أي شيء لهذَا الرسُول في حال أكله
الطعَامَ وَمَشْيِهِ في الأسواق.
التمسوا أن يكون الرسول على غير بِنْيَةِ الآدَمِيينَ.
والواجب أن يكون الرسولُ إلى الآدَمِيينَ آدَمِيًّا ليكون أقرب إلى الفهم عنه.
وقوله: (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا).
طلبوا أن يكون في النبوةِ شَرِكة، وأن يكون الشريك مَلَكاً، واللَّه عز
وجل يقول: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعْلَنَاهُ رَجُلًا) أي لم يكن لِيُفْهِمهم حَتى
يكون رَجُلاً، وَمَعْنَى لَوْلَا: هَلَّا وتأويل هلَّا الاستفهامُ، وانتصبَ فيكونَ على
الجواب بالفاء للاستفهام.
стр. 1419
(أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)
(أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ) وإن شئت أو " يَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ "، ولا يجوز النَّصْبُ في (يكونَ له)، لأن يكون عطف على الاستفهام، المعنى: لولا أنزل إليه مَلك أو يُلْقَى إليه كَنْزٌ، أو تكون له جَنَّة، والجنة البستان فأعلم اللَّه أنه لو شاء ذلك وخيراً منه لَفَعَلَه، فقال:
(تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)
أي لو شاء لفعل أكثر مِمَّا قَالُوا، وقد عرض اللَّه على النبي ﷺ أمر الدنيا فَزَهِدَ وآثَرَ أَمْر الآخِرَةِ.
فَأما " يَجْعَلْ " فبالجزم، المعنى إن يشأ يَجْعَلْ لَكَ جَنَّاتٍ، ويجْعَلْ لك قُصُوراً ومن رفع فعلى الاستئناف، المعنى وسَيَجْعَلُ
لَكَ قُصُوراً، أي سيعطيك اللَّه في الآخرةِ أكْثَرَ مِمَّا قالوا.
وقوله: (أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلْ مِنْهَا) و (يَأْكُلُ مِنْهَا).
* * *
وقوله: (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)
أي سمعوا لها غليان تَغيظٍ.
* * *
وقوله: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)
(دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا).
في معنى " هلاكاً " ونصبه على المصدر كأنهم قالوا ثُبِرْنا ثبوراً.
* * *
(لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)
أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مَرةً واحِدَةً.
وقيل، ثُبُورًا كَثِيرًا، لأن ثبوراً مصدرٌ فهو للقليل والكثير على لفظ الوَاحِدِ، كما تَقُولُ: ضربته ضَرْباً
стр. 1420
كثيراً، وَضَرَبتُه واحِداً، تريد ضربته ضرباً وَاحِداً.
* * *
وقوله : (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)
إنْ قَالَ قَائِل: كيف يقال: الجنَّة خير من النَّارِ، وليسَ في النَّارِ خير
ألبتَّةَ، وإنما يقع التفضيل فيما دخل في صنف وَاحدٍ؟
فالجنة والنار قَدْ دُخَلَا في بَابِ المنازِلَِ في صنف واحِدٍ، فلذلك قيل (أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ)، كما قال اللَّه : (خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا).
* * *
وقوله : (لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)
مَسْؤولُ ذَلك قول الملائكة (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ).
* * *
وقوله: (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)
لما سُئِلَتْ المَلائكةُ فَقِيلَ: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ).
وجائز أن يكونَ الخِطَابُ لِعِيسَى والعُزَيْرِ.
وقرأ أبو جَعْفَر المدني وَحْدَهُ: ((قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ [نُتَّخَذَ] مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ)، بِضَم النُّونِ على ما لم يسَمَّ فاعلُه وهذه القراءة عند أكثر النحويين خَطأ (١)، وإنما كانت خطأ لأن " مِنْ " إنَّما يدخل في هذا الباب في الأسماء إذا كانت مَفْعُولَة أولاً، ولا تَدْخُل على مفعول الحال، تقول ما اتخذت مِن أَحَدٍ وَليًّا، ولا يجوز ما اتخذت أَحَداً مِنْ وَليٍّ، لأن " مِن " إِنَّمَا دخلت لأنها تنفي واحداً في معنى
стр. 1421
جميع، تقول: - ما مِنْ أحَدٍ قَائماَ، وما من رَجُل مُحِبًّا لما يَضَره.
ولا يجوز " ما رجل من مُحِبٍّ مَا يَضُره ".
ولا وجه لهذه القِرَاءَةِ، إلا أَنَ الفرَّاء أجازها على ضَعْفٍ، وزعم أنه يجعل مِنْ أَوْلياءَ هو الاسم، ويجعل الخبر ما في تتخَذَ كَأنه يُجْعَلُ على القلب، ولا وجه عندنا لهذا ألبتَّةَ، لو جَاز هذا لجَازَ في (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ)
ما أحَد عَنْه مِنْ حَاجِزينَ. وهذا خطأ لا وَجْهَ له فاعْرِفه، فإن
مَعْرِفَةَ الخطأ فيه أَمْثل من القراءة، والقُراءُ كلهم يُخَالفون هذا منه.
ومن الغلط في قراءة الحسن: (وَما تَنَزَلَتْ بِهِ الشَيَاطُونَ).
* * *
وقوله تعالى: (وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا).
قيل في التفسير " هَلْكَى "
والبائِر في اللغة الفَاسِدُ، والذي لا خير فيه.
وكذلك أرض بائرة متروكة من أن يزرع فيها.
* * *
وقوله تعالى: (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)
(بِمَا تَقُولُونَ) وتقرأ (بِمَا يَقُولُونَ - بالياء والتاء - فمن قرأ بما تَقُولُونَ - بالتَاءِ - فالمعنى فقد كَذَبُوكُم بقولهم إنهم آلهة، ومن قرأ بالياء فالمعنى فقد كذَّبُوكُمْ بقولهم: (سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونكَ مِنْ أَوْليَاءَ).
* * *
وقوله : (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا).
أي ما تستطيعون أَنْ تَصْرِفُوا عن أَنْفُسِهم ما يحل بهم من العذاب.
ولا أن ينصروا أَنْفُسَهُمْ.
стр. 1422
وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)
هذا احتجاج عليهم في قولهم: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ).
فقيل لهم: كذلك كان مَنْ خَلَا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في
الأسواق، فكيف يكون محمدٌ ﷺ بدعاً من الرسُل. فأمَّا دخول " إِنَّهُمْ " بعد " إلا " فهو على تَأوِيلِ ما أَرْسَلْنَا رُسلاً إلا همْ يأكلون الطعام، وإلا أنهم لَيَأكلون الطعام، وحذِفَتْ زسًلاً لأن " من "
في قوله تعالى (مِنَ الْمُرْسَلِينَ) دليل على ما حذف منه، فأمَّا مثل اللامِ بعد " إلَّا " فَقَولُ الشَاعِر:
ما أَنطياني ولاَ سَاَلْتُهمَا. . . إلا وإني لَحاجز كرمي
يريد أعطياني، وزعم بعض النحويين أن " مَنْ " بعد إلا مَحْذُوفَة، كان
المعنى عِنْدَه إلا " مَنْ " ليأكلون الطعام.
وهذا خطأ بيَّنَ، لأنَّ " مَن " صِلَتها " أَنَّهم
ليأكون "، فلا يجوز حذف الموصول وتبقيةُ الصلَةِ (١).
* * *
وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً).
فيه قولان: قيل كان الرجل الشريف ربمَا أراد الإسلام فعلم أن مَنْ دُونَه
فِي الشَرَفِ قد أسْلم قبلَه فيمتنع من الإسلام لئلا يقال أسلم قبله من هو دونَهُ، وقيل كان الفقير يقول: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ بِمَنْزِلَةِ الغَنِيِّ، ويقول ذو البلاء: لِمَ لَمْ أُجعل بمنزلة المُعَافى، نحو الأعمى والزَّمِن ومن أشبه هُؤلاءِ.
وقوله تعالى: (أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا).
стр. 1423
أي أتصبرون على البلاء فقد عُرفْتُمْ مَا وُعِدَ الصابرون.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)
معنى " لولا " هَلَّا.
(أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا).
فأَعلم اللَّه أنَّ الذين لا يوقنون بالبعث، ولا يرجون الثواب
على الأعمال عند لقاء الله طلبوا من الآيات ما لم يأت أمةً من الأمَمِ.
فأعلم الله أنهم قد استكبروا في أنفُسِهم وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، ويجوز عتواً كثيراً بالثاء، والعتو في اللغة المجاوزة في القدر في الظلْمِ.
وأعلم الله أن الوقت الذي يَرَوْنَ فيه الملائكة هو يوم القيامَةِ، وأن الله قد حرمهم البُشْرى في ذلك الوقت فقال:
(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)
(يَوْمَ يَرَوْنَ) مَنْصُوبٌ على وَجْهَيْن:
أحدهما على معنى لا بُشْرى تكون للمجرمين يوم يَرَوْنِ الملائكة.
وَ " يَومَئِذٍ " هو مؤكد " لِيَوْمَ يَرَوْنَ المَلَائِكَةِ "، ولا يجوز أن يكون مَنْصُوباً بقوله " لاَ بُشْرى " لأن ما اتصل بلا لا يَعْمَلُ فيما قَبْلَهَا.
ولكن لَمَّا قيل لاَ بُشْرى للمُجْرِمين بُيِّنَ في أي يوم ذَلِكَ، فكأنه قيلَ يجمعون
البشرى يوم يرون الملائكةَ، وهو يوم القيامة.
(وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا).
وقرئت " حُجراً " بضم الحاء " والمعنى وتقول الملائكة حِجْرًا مَحْجُورًا.
أي حراماً مُحَرماً عَلَيْهم البُشْرى، وأصل الحجر في اللغة ما حَجَرْتَ عليه أي
ما مَنَعْتَ من أن يوصل إليه، وكل ما منعت منه فقد حَجَرت عليه، وكذلك
حَجَر القُضَاةُ على الأيْتَام إنما هو مَنعُ إياهُمْ عن التصرف في أَمْوَالِهِمْ.
وكذلك الحجرة التي ينزلها الناس هو ما حَوَّطوا عليه.
ويجوز أنْ يَكُونَ " يومَ "
стр. 1424
مَنْصُوباً على معنى اذْكرْ يَومَ يرونَ الملائكة.
ثم أخبر فقال: (لَا بُشْرى يَوْمَئِذٍ للمُجْرِمينَ).
والمجرمون الذين اجْتَرَمُوا الذُّنوبَ، وهم في هذا الموضع
الذين اجترموا الكفر باللَّه .
* * *
وقوله: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)
معنى قدمنا عمدنا وقصدنا كما تقول: قام فلان يشتم فلاناً، تريد قصد
إلى شتم فُلانٍ، ولا تريد قام من القيام على الرجْلين.
(فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).
" الهباء " ما يخرج من الكَوَّةِ مع ضوء الشمْسِ شبيهاً بالغبار.
وتأويله أن اللَّه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور.
ثم أعلم اللَّه فضل أهل الجنة على أهل النار فقال:
(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)
والمقيل المقامُ وَقْتَ القائِلة، وقيل هُوَ النَومُ نصفَ النهارِ، وجاء في
التفسير أن أهل الجنَّةِ يصيرون إلى أهليهم في الجنةِ وقت نصف النَّهارِ.
* * *
وقوله : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)
ويقرأ (تَشَّقَّقُ) بتشديد الشينِ والمعنى تَتَشقَّقُ.
(وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا).
جاء في التفسير أنه تتشقق سَماء سَماءً وتنزل الملائكة إلى الأرض وهو
قوله (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا).
стр. 1425
وقوله : (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)
(الْحَقُّ) صفة للمُلْكِ، ومعناه أن الملك الذي هو الملك حقًّا هو ملك
الرحمن يوم القيامة كما قال : (لِمَنِ المُلْكُ اليَوَمْ) لأن الملكَ
الزائل كأنَّه ليس بملك.
ويجوز " الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ [الْحَقَّ] لِلرَّحْمَنِ " ولم يقرأ بها فلا
تقرأنَّ بها، ويكون النصب عَلَى وجْهَيْن:
أحدهما على معنى الملك يومئذ للرحمن أَحُق ذَلِكَ الْحَقِّ، وعلى أَعْني الحق.
* * *
وقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)
يروى أن عقبة بن أبي مُعَيْط هو الظالم ههنا، وأنه يأكل يَدَهُ ندما ثم
يَعُودُ وأنه كان عزم على الإسلام فبلغ ذلك أُمَيَّةَ بن خَلَفٍ فقال له أُمَية:
وَجْهي من وجهك حرام إنْ أَسْلَمْتَ، إنْ كَلَّمتُك أبداً، فامتنع أمية من
الإسلام لقول أُمَيَّةَ فإذا كان يوم القيامَةِ أكل يَدَهُ نَدَماً وتمنى أن آمن واتخذ مع
النبي ﵇ طريقاً إلى الجَنةِ.
وهو قوله: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي).
وقد قيل أيضاً في (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا)، أي لم أتخذ الشيطان
خَلِيلًا، وتصديق هَذَا القول (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا).
ولا يمتنع أن يكون قبوله مِنْ أُميَّةَ من عمل الشيطانِ وأعوانه.
ويجوز (اتَّخَذْتُ) بتبيين الذال، وبإدغامها في التاء، والإدْغَام أكثر وأَجْوَدُ.
* * *
وقوله : (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)
стр. 1426
جَعَلوه بِمَنزِلة الهُجْرِ. والهُجْرُ ما لا ينتفعُ به من القولِ، وكانوا يقولون
إن النبي ﷺ يَهْجُر، ويجوز أن يكون مَهْجُوراً متروكاً، أي جعلوه مَهْجُوراً لاَ يَسْتَمِعُونَه ولايتفهَّمُونَهُ.
* * *
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)
(عَدُوًّا) لفظه لفظ وَاحِدٍ، ويجوز أن يكون في معنى الجماعة والوَاحِد كما
قال (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) فيجوز ُ أن يكون في معنى أعْدَاء، وقد
جاء في التفسير أن عدو النبي ﷺ أبُوجَهْل بن هشام.
وقوله: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا).
و (هَادِيًا وَنَصِيرًا) منصوبان على وجهين:
أحدهما الحال، المعنى وكفى ربُّك في حال الهداية والنَصْرِ.
والوجْهُ الثاني أن يكون منصوباً على التمييز على معنى كفى ربُّك من الهُدَاةِ والنُّصَّارِ.
* * *
وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)
معناه: هَلَّا نُزِلَ علَيْه القُرآنُ في وَقْتٍ واحِدٍ، وكان بَيْنَ أَولِ نُزُولِ
القرآن وآخره عِشْرُونَ سَنَةً، فقالوا: لِمَ لَمْ ينزل جَمْلَةً وَاحِدَةً كما أُنْزِلَتِ
التوراةُ: فأَعلم اللَّه أَنَ إنْزَاله مُتَفَرقاً ليثْبتَ في قَلْبِ النبي ﷺ فقال: (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)
أي أَنْزَلنَاهُ كَذَلِكَ مُتَفَرقاً، لأن معنى قولهم: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً) يدل على معنى لِمَ نُزِلَ عَلَيْهِ القرآنُ مُتَفَرقاً فأعلموا لم ذلك، أي للتثْبيت.
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا).
أي نَزَلْناه على التَّرْتِيل، وهو ضِدُّ العَجَلَةِ، وهو التَمَكُّث.
* * *
وقوله: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)
стр. 1427
معناه وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بالذي هو الحق وأحسن تفسيراً من
مَثَلِهِمْ، إلا أَن " مِنْ " حُذِفَتْ لأن في الكلام دَلِيلاً عليها.
لو قلْتَ: رَأَيت زَيداً وعَمْراً فكان عمرو أَحْسَنَ وَجْهاً، كان الكلام فيه دليل على أنك تريد: مِنْ زَيدٍ.
* * *
وقوله : (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)
(الذين) رَفْع بالابْتِدَاءِ، و (أولَئِكَ) رَفْعُ ابتداء ثَانٍ.
و (شَرٌّ) خبر (أولَئِكَ)، و (أولَئِكَ) مع (شَرٌّ) خبر (الَّذِينَ). وجاء في التفسير أن الناسَ
يُحْشَرُون يَوْمَ القِيَامَةِ على ثلاثَة أصنافٍ، صنفِ على الدوَاب وَصنْفٍ على
أرْجُلِهم وصنفٍ عَلَى وُجُوهِهِمْ.
قيل يا رسول اللَّه: كيف يمشون عَلَى وُجُوهِهِمْ.
فقال النبي ﷺ الذي مشاهم على أقدامهم قادرٌ أَن يُمشِيَهُم عَلَى وُجُوهِهِمْ.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)
الوزير في اللُّغَةِ الذي يُرْجَعُ إليه وُيتَحَصَّنُ برأْيِهِ، والوَزَرُ ما يلتجأ إليه
ويُعْتَصَمُ بِهِ، ومنه قوله: (كَلا لا وَزَرَ) أي لاَ مَلْجَأ يومَ القيامَةِ ولا مَنْجا إلا
لمن رحم اللَّه .
* * *
وقوله: (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)
يعني به فِرعونُ وقومُه، والذين مُسِخوا قردةً وخنازير.
* * *
وقوله: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)
يدل هذا اللفظ أن قوم نوح قد كذبُوا غير نوح أَيْضاً لقوله (الرسُل).
ويجوز أن يكون (الرُّسُل) يعنى به نوح وحدَهُ، لأن من كَذب بِنَبى فقد كذبَ
стр. 1428
بجميع الأنْبياء، لأنة مخالف للأنبياء، لأن الأنبياء يؤمنون باللَّه وبجميع رُسُلِه.
ويجوز أن يكون يُعْنَى بِهِ الواحدُ.
ويُذَكرُ لَفظُ الجِنْسِ كما يقول الرجل للرجُلِ ينفق الدرْهَمَ الواحد أنت مِمن يُنْفِقُ الدرَاهِمَ، أي ممن نَفَقَتُه مِنْ هَذَا الجِنْس.
وفلان يركبُ الدواب وإن لم يركب إلا واحِدةً.
* * *
وقوله: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)
قومَ نوح " مَنْصُوبون " على معنى - وأغرقنا قومَ نُوح، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ) نصب عطف على الهاء والميم، التي في قوله جعلناهمِ
للناسِ آيَةً.
ويجوز أن يكون معطوفاً على معنى (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا)
ويكونُ التأويل: وَعَدْنَا الظالمين بالعَذَابِ، ووعدنا عاداً وثمودا
وَأَصحابَ الرسِّ.
قال أبو إسحاق: والدليل على ذلك قوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا).
والرسُ: بِثْر، َ يروى أَنَهُمْ قَوم كذبوا بِنبيهِمْ وَرَموهُ في بِئرٍ، أي دَسُّوه فيها.
ويروى أن الرسَّ قرية باليمامة يقال لها مَلْح، ويروى أن الرسَّ ديار لطائفة من ثمود.
وقوله: (وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا).
يروى أن القرن مُدَّتُه سبعون سَنَةً.
* * *
وقوله: (وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)
(كُلًّا) منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره، المعنى وأنذرنا كُلًّا
ضربنا له الأمثالَ.
(وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا).
التتبير التدمير والهلاك، وَكُل شيء كسَّرْتَهُ وَفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ، ومن هذا
стр. 1429
قيل لمكسَّر الزجاج التِبْرُ، وكذلك تبر الذهَبِ.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)
(أتَوْا) أي مشركو مَكَّة، يعنى بِهِ قرية قوم لوط التي أمر اللَّه عليها
الحجارة، فأَعلم اللَّه أن الذي جرأهم على التكذيب، وأنهم لم يبالوا بما شاهدوا من التعذيب في الدنْيا أنهم كانوا لا يصدقون بالبعث فقال: (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا).
قيل لَا يَخافون مَا وُعِدُوا بِهِ منَ العَذَاب بَعْدَ البَعْثِ.
والذي عند أهل اللغة أن الرجَاء ليس على معنى الخوف، هذا مذهب من يرفع الأضداد، وهو عندي الحق، المعنى بل كانوا لا يرجون ثوابَ مَنْ عَمِل خيراً بعد البَعْثِ فركبوا المَعَاصِي.
* * *
وقوله: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا
(٤١)
المعنى يقولون: أهذا الذي بعث اللَّه إلينا رَسُولًا.
* * *
وقوله: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)
يروى أن الواحِدَ مِنْ أَهْل الجَاهِلية كان يعبد الحجر، فإذا مرَّ بحَجرٍ
أَحْسَن مِنْهُ ترك الأول وَعَبَدَ الثاني، وقيل أيضاً مَنِ اتَخَذ إِلهَه هَواهُ، أي أطاع
هَواهُ وركبه فلم يُبَالِ عَاقِبةَ ذلك.
وقوله: (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) أي حفيظاً.
* * *
وقوله : (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)
معناه ما هم إلا كالأنعام في قلة التمييز فيما جُعِلَ دَلِيلًا لهم من الآيَاتِ
والبرهان.
стр. 1430
قال: (بَلْ هُمْ أَضَل سَبِيلاً).
لأن: الأنعام تسبح بحمد الله وتسجُدُ له وهم كما قال اللَّه :
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).
* * *
وقوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)
الظل: من وقت طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس.
(وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنً)، أَي ثابتاً دائِماً لاَ يَزُول.
(ثم جَعَلْنَا الشمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً).
فالشمس دَليلُ عَلَى الظِّلِ، وهي تنسخ الظلَّ.
* * *
(ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)
قيل خَفِيًّا، وقيل سَهْلًا، ومعنى أَلَمْ تر، ألم تَعْلَم، وهذا من رؤية
القلب.
ويجوز أن يكون ههنا من رؤية العَيْن، ويكون المعنى: ألم تر كيف
مَدَّ الظِلَّ رَبُّكَ!
والأجْودُ أَنْ يَكُونَ بمعنى ألم تَعْلَمْ.
* * *
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)
فيها ستة أَوْجُهٍ، نَشْراً بفتح النون، ونُشْراً بِضَمهَا، وُنُشُراً بضَم النونِ
والشِينِ، ويجوز بُشْرَى مؤنث بالباء على وزن فُعْلَى، وبُشْراً بالتنوين والباء.
وبُشُراً بين يدي رَحْمِتِه، فهذه سِتًةُ أَوْجُهٍ منها أربعة يقرأ بها.
فأمَّا نَشْراً فمعناه إحْيَاءٌ ينشر السحاب الذي به المطر، الذي فيه حياة كل شيءٍ.
ومن قرأ نشُراً فهو جمعِ نُشُور ونُشُر مثل رسول وَرُسُل، ومن قرأ بالإسكان أسْكَنَ الشِينَ اسْتِخفَافاً، فهذه ثلاثة أوجه فِي النُّونِ.
فأمَّا الباء فمن نَوَّنَ بالبَاءِ وَضَمِّها وَتَسْكِين الشِين، فإنما هو بِتَسْكين العَيْنِ من قولك بُشْراً، وإذا لم يُنَوِّنْها فألِفها
стр. 1431
للتأنِيثِ.
ومن قرأ بُشْراً بالتنوين فهو جمع: يقال: ريح بَشُورٌ، كما قال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ) أي تبشر بالغَيْثِ.
ومن قرأ بُشُراً - بِالضم " فهو على أصْلِ الجمع.
ومن قرأ بُشْرَى بغير تنوين فهو بمعنى بشارة.
* * *
وقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا).
كل ماء نزل من السماء أو خرج من بحر أو أُذِيبَ مِنْ ثَلْج أو بَردٍ فهو
طهور، قال ﵇ في البحر:
" هُو الطهُورُ مَاؤُه الحِلُّ مَيتَتُه ".
* * *
وقوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)
ولو كان ميتة لجاز وقيل: " مَيْتاً " ولفظ البلدة مؤنث، لأن معنى البلد
والبلدة وَاحِد.
وقوله: (وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا).
أَنَاسِى جمع إنْسِى مِثْلُ كُرْسِي وكَرَاسِي ويجوز أن يَكُونَ جَمعَ إنْسَان
وتكون الياء بَدَلاً من النون، الأصل أَنَاسِين بِالنُّون مثل سَرَاحِين.
* * *
وقوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)
أَيْ صَرفنَا المطَر بَيْنَهمْ لَيَذكَروا، أَيْ لِيَتَفكَروا في نِعَمِ اللَّه عَلَيْهِمْ فيه.
ويحْمَدُوهُ عَلَى دلِكَ. .
(فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا).
وهم الذين يقولون: مطِرْنَا بِنوءِ كَذَا، أي بسقوط كوكب كذا،، كما يَقُول المُنَجِّمونَ فجعلَهُم اللَّه بِذَلِكَ كَافِرينَ.
* * *
وقوله: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)
стр. 1432
ويجوز كَثِيراً، والقراءة بالباء، ومعنى (به) أي بِالحَق، أي بالقرآن الذي
أنزل اليك وهُوَ الحق.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)
معنى مَرَجَ خَلَّى بَيْنَهُمَا، تقول: مَرَجْتُ الدابةَ وَأَمْرَجْتُها إذا خليتها تَرْعَى
والمَرْجُ من هذا سُمِّيَ، ويقال مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ إذَا اَخْتَلَطَتْ. يروى ذلك عن النبي ﷺ .
وقوله: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ).
فراتٌ: صفةٌ لِعَذْبٍ، والفرات أَشَدُّ المياه عُذْوبةً، والمعنى هَذَا عَذْبٌ
أَشَدُّ الماء عُذُوبَة.
(وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ).
والأجَاجُ صفة لِلْمِلْح، المعنى وهذا ملح أَشَدُّ المُلُوحَةِ.
(وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً).
البرْزَخُ الحاجز فهما في مَرْأَى العين مُخْتلِطَان، وفي قدرة اللَّه - عز
وجل - مُنْفَصِلاَنَ لا يختلط أَحَدُهُمَا بالآخرِ.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)
فالأصهار من النسب من يجوز لهم التزْوِيجُ، والنسَبُ الذي ليس
يُصْهِر، من قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) إلى (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ).
وقوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)
стр. 1433
معنى الظَهِير: المُعينُ، لأنه يتابع الشيْطَانَ ويعاونه على مَعْصِية اللَّه، لأن
عِبَادَتَهم للأصْنَامِ معاونة لِلشَيْطَانِ.
* * *
وقوله : (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)
(الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا).
ويجوز " الرَّحْمَنِ فَاسْأَلْ "، فمن قال: (الرَّحْمَنُ) فهو رَفْع من جِهَتَيْن:
إحْدَاهما عَلَى البَدَلِ مِما في قوله: (ثم استوى)، ثم بَينَ بقوله الرحْمَنُ.
ويجوز أن يكون ابتداء و (فَاسْأَلْ به) الخبر.
والمعنى فاسأل عنه خبيراً.
ومن قالَ " الرحْمَنِ " فهو على معنى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ (الرحْمَنِ). صفة للْحَيِّ.
* * *
وقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)
(تَأْمُرُنَا) وتقرأ (يأمرنا) (١)، والرحمن اسم من أسماء الله مذكور في الكُتُبِ الأوَلِ ولم يكونوا يعرفُونَهُ من أسماء اللَّه فقيل لهم إنَه من أسماء الله، (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).
ومعناه عند أهل اللغة ذو الرحْمَة التي لا غاية بعدها في الرحْمَةِ، لأن
فَعْلَانَ بِنَاءٌ مِنْ أَبْنِيَةِ المُبَالَغَةِ، تقول: رَجُلْ عَطشان وَرَيَّان إذا كان في النهايَةِ
في الريِّ والعَطَشِ، وكذلك فَرْحَان وَجَذْلَان وخزيان، إذا كان في غَاية الفرح أو في نهاية الخِري.
* * *
وقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)
البروج: قيل هي الكواكب العظام، والبَرَج تباعد بين الحَاجِبَيْن، وكل
ظاهر مرتفع فقد بَرَجَ، وإنما قيل لها بُرُوج لظهورها وتباينها وارتفاعها.
стр. 1434
(وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا).
ويقرأ (سُرُجاً) ويجوز سُرْجاً بتسكين الراء مثل رُسُل ورُسْل، فمن قَرَأَ
سِراجاً عَنَى الشمْسَ كما قال تعالى: (وَجَعَلَ الشَمْسَ سِراجاً).
ومن قرأ (سُرُجاً) أراد الشمس والكَوَاكِبَ العِظَامَ مَعَها (١).
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)
ويقرأ (لمن أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ).
قال الحسن: من فاته عَمَلُه من التَذكرِ والشكْرِ كان له في الليل مُسْتَعْتبٌ، ومن فَاتَهُ بالليل كان له في النهار مُسْتَعْتَبٌ.
وقال أهلُ اللغة خِلفة يجيء هذا في أثر هذا، وأنشدوا قول زُهَيْرٍ:
بها العين والأرام يمشين خِلفة. . . وأطلاؤها يَنْهَضْنَ من كل مَجْثَمِ
وجاء أيضاً في التفسيرِ خلفة مختلفانِ كما قال اللَّه : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا) الآية.
* * *
وقوله: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)
أي يمشون بِسَكِينَةٍ وَوَقارٍ وَحِلْمٍ.
(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
أي نتسلم منكم سلاماً لا نُجَاهِلُكم، كأنَّهم قالوا تَسَلُّماً مِنْكُمْ (٢).
و" عبادُ "
стр. 1435
مَرْفُوعٌ بالابتداء، والأحسن أن يكون خبر الابتداء ههنا ما في آخر السورة من قوله: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا)، كأنَّه قال: وعباد الرحمن الذين هذه صِفَتُهُمْ كلها - إلى قوله - (وَاجْعَلْنَا للمتَقِينَ إمَاماً).
ويجوز أن يكون قوله (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ) رفعاً بالابتداء، وخبره (الذين يمشون على الأرض هوناً).
* * *
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)
الغَرَامُ في اللغَةِ أَشَد العَذَابِ.
قال الشاعر:
ويومَ النِّسَارِ ويوم الجفار. . . كانا عذاباً وكانا غَرَاماً
* * *
وقوله : (إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)
(مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) منصوبان على التمييز، المعنى أنها ساءت في المستقر
والمقام.
* * *
وَقَوله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)
كل من أدْركه الليل فقد باتَ يَبِيتُ، نَامَ أَوْ لَمْ يَنَمْ، بَاتَ فلانٌ البَارِحَةَ
قَلِقاً، إنما المبيتُ إدْراكُ اللَّيْل.
* * *
وقوله تبالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)
(يُقْتِرُوا) بضم الياء وكسر التاء، وبفتح الياء وضم التاء (١)، (ولم يُقَتِّرُوا) ولا
أعلم أحداً قرأ بها، أعني بتشديد التاء.
والذي جاء في التفسير أن الاسرافَ النًفَقَةُ في مَعْصِية الله، وأنه لاَ إسْرَافَ في الإنْفَاقِ فيما قَربَ إلى الله .
وكل ما أنفق في مَعْصِيَةِ اللَّه فإسْرافٌ، لأن الِإسراف مجاوزة الحدِّ
стр. 1436
والقَصْدِ.
وجاء في التفسيبر أَيْضاً أن الإسراف ما يقول الناسُ فيه فلان مُسْرِفٌ.
والحق في هذا ما أدَّب اللَّه به نبيَّهُ ﷺ فقال: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩).
* * *
وقوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا).
" يَلْقَ " جزم على الجزاء، وتأويل الأثام تأويلُ المُجَازَاةِ على الشَيْءِ.
قال أبو عمرو الشيباني: يقال قد لَقِيَ أثامَ ذلك أي جزاء ذلك.
وسيبويه والخليل يذهبان إلى أن معناه يلقى جزاء الأثام، قال سيبويه جُزِمَتْ. (يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ)، لأن مضاعفة العذاب لُقِيَ الأثام
كما قال الشاعر:
مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنا في دِيارِنا. . . تَجِدْ حَطَباً جزْلاً وناراً تَأجَّجَا
لأن الِإتيان هو الِإلمام، فجزم تلْمم لأنه بمعنى تأتي.
وقرأ الحَسَنُ وَحْدَهُ " يُضَعَّفْ " له العذاب، وهو جيّدٌ بالغٌ، تقول ضاعفت الشيء وَضَعَّفَتُه.
وقرأ عَاصِمٌ: (يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ) بالرفع (١). على تأويل تفسير يلق أَثَاماً، كأنَّ قائلًا قال مَا لُقيُّ الأثام، فقيل يضاعف للآثم العَذَابُ (٢).
* * *
وقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)
ليس أن السيئَةَ بعينها تصير حَسَنةً، ولكن التأويل أن السيئَة تمحى
بالتوْبَةِ وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَه ويثبت اللَّه عليه
السَّيِئَات.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)
стр. 1437
قيل الزُور الشِركُ باللَّهِ، وجاء أَيْضاً أَنَّهُمْ لاَ يَشْهَدُونَ أَعْيَادَ النَصَارَى.
والذي جاء في الزور أَنه الشِركُ باللَّهِ، فأمَّا النهي عن شهادة الزور في كِتَاب
الله فقوله: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦).
* * *
وقوله : (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)
تأويله أعرضوا عنه، كَما قال الله :
(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)
وتأويل (مَرُّوا بِاللَّغْوِ) مَروا بجميع ما ينبغي أَن يُلْغَى.
ومعنى " يُلْغَى " يطرح.
وجاء في التفسير أَنَّهمْ إذا أرادوا ذكر النِكَاح كَنَوْا عَنْهُ.
وقال بعضهُم: هو ذكر الرفث، والمعنى واحد.
وجاء أيضاً أنهم لا يجالسون أَهْلَ اللغْوِ وهم أهْلُ المعاصي، ولا يمالئونَهمْ عَلَيْها، أَيْ يُعَاوِنُونَهُمْ عليها.
وجاء أَيضاً في (لَا يَشْهَدُونَ الزُورَ) مَجَالِسَ الغِنَاءِ.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)
تأويله: إذَا تلِيَتْ عَلَيْهِم خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا، سَامِعينَ مُبْصِرِينَ لما أُمِرُوا
بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ.
ودليل ذَلك قوله: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا).
ومثل هذا من الشعر قوله:
بأَيْدِي رِجالٍ لم يَشِيمُوا سُيوفَهُمْ. . . ولم تَكْثُر القَتْلَى بها حِينَ سُلَّتِ
стр. 1438
تأويله: بأيدي رِجَال شَامُوا سُيُوفَهُمْ وقد كثرت القَتْلَى، ومعنى يشيموا
سُيُوفَهُمْ يَغْمِدوا سُيُوفَهُمْ.
فالتأويل: والَّذِينَ إذَا ذُكِرُوا بآيات رَبِّهِمْ خرُّوا سَاجدِينَ مُطِيعِينَ.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)
(وَذُرِّيَّتِنَا)
ويقرأ (وَذُرِّيَّاتِنَا) - سألوا أن يُلْحقَ اللَّهُ بهم ذُريَتَهُمْ في الجنةِ، وأن يَجعَلَ
أَهلَهُمْ تِقر بِهِمْ أَعْيُنَهُم.
(واجْعَلْنَا لِلْمتقِينَ إمَاماً).
أي واجْعلنا ممن يَهتَدِي به المتقُون، وَيهْتدِي بِالمتَقِينَ.
* * *
وقوله: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)
أي لولا توحيدكم إياهُ.
وجاء في التفسير (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ) مَا يَفْعَل بِكُمْ
وتأويل (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ) أي: أيُّ وَزْنٍ يكون لكم عنده، كما تقول: ما عبأتُ بفلانٍ أي ما كان له عندي وزْن ولا قَدْرٌ.
وأصل العِبْء في اللغَةِ الثقْلُ، ومن ذلك عَبأتُ المتاعَ جَعَلتُ بعضَه على بعض.
وقوله: (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا).
جاء في التفسير عن الجماعة أَنه يُعْنَى به يومُ بَدْرٍ، وجاء أنه لُوزِمَ بين
القَتْلَى لزاماً.
وقُرِئَتْ (لَزَاماً)، وتأويله - واللَّه أعلم - فسوف يكون تَكْذِيبكمْ
لزاماً، يلزمكم فلا تعطون التوْبَةُ وتلزمكم العُقُوبَةُ، فيدخل في هذا يوم بدْرٍ.
وغيرُه مما يَلْزَمُهم من العذاب.
وقال أبو عبيدة: لزاماً فَيْصَلاً، وهو قريب مِما قُلْنَا، إِلا أن القول أشرَحُ.
وأنشد أبو عبيدة لصَخْرٍ أخي الهُذَلِي.
стр. 1439
فإِمَّا يَنْجُوَا من حَتْفِ أَرْضٍ. . . فقد لَقِيا حُتوفَهما لِزاماً
وتأويل هذا أن الحتفَ إذا كان مَقَدراً فهو لازم، وإن نجا من حَتْفِ مكان
لحِقَهُ في مَكَانٍ آخر لَازِماً له لزاماً.
ومَنْ قرأ (لَزاماً) بفتح اللام، فهو على مَصْدَر لَزِمَ لَزاماً (١).
стр. 1440
سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: (طسم (١)
قُرِئَتْ بإدغام - النون في الميم ووصل بعض الحروف ببعض، وقُرِئَتْ
طَسِينْ مِيمِ بتبيين النونِ، والوقف على النونِ.
ويجوز - ولا أعلم أَحَداً، قرأه - طَسِميماً - على أن يُجْعَلَ طسم اسما للسورَةِ بمنزلة قوله: خَمْسَةَ عَشَرَ، ولا تجوز القراءة به.
* * *
وقوله : (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)
فيه وجهان أَحَدُهُمَا على معنى أَنهم وُعِدُوا بالقرآن على لِسَانِ مُوسَى
فكان المعنى هذه آيات الكتاب الذي وُعِدْتُم به على لسان مُوسَى، وعلى
معنى هذه آيات الكتاب المبين.
وقد فَسَّرنا ذلك فِي أَول سُورةِ البَقَرةِ في قوله: (الم ذلك الكتاب).
* * *
وقوله: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)
قال أبُو عبيدةَ: معناه مُهْلِك نفسك، وقيل قاتل نَفْسَك، وهذا كقوله:
(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦).