← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

سُورَةُ الْبَلَدِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) يعنى بالبلد ههنا مكة، والمعنى أقسم بهذا البلد. و" لا " أدخلت توكيداً كما قال : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ). وقرئت (لأقْسِمُ بهذا البلد). تكون اللام لامَ القسَم والتوكيد، وهذه القراءة قليلة. وهي في العربية بعيدة لأن لام القسم لا تدخل على الفعل المستقبل إلا معه النون، تقول لأضربن زيداً، ولا يجوز لأضرِبُ تريد الحال. وزعم سيبويه والخليل أن هذه اللام تدخل مع أن فاستغنى بها في باب إن، تقول إني لأحِبُّكَ. * * * ومعنى: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) أُحِلَّتْ مَكًةُ للنبي ﵇ ساعة من النهار، ولم تحل لأحد قبله ولا لأحَدٍ بعده، ومعني أُحِلَّتْ له أُحِلَّ لَه صَيْدُهَا وأن يختلى خلالها وأن يعضد شجرها. يقال: رَجلْ حِلٌّ وَحَلال وَمُحَلٌّ، وكذلك رجل حرام وحِرْم وَمحْرِمٌ (١). * * * وقوله: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) جاء في التفسير أن معناه آدم وولده، وجاء معناه أيضاً كل والد وكل مولودٍ.

стр. 2102

ْوقوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) هذا جواب القسم، المعنى أقسم بهذه الأشياء (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)، أي يكابد أمره في الدنيا والآخرة. وقيل: (فِي كَبَدٍ) أي خلق منتصباً يمشي على رِجْلَيْه وسائر الأشياء والحيوان غير منتصبة. وقيل (فِي كَبَدٍ) خَلْقُ الإنسان في بَطْنِ أمَهِ ورأسه قِبَلَ رأسِها، فإذا أرادت الولادة انقلب الرأس إلى أسفل. * * * وقوله (أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) هذا جاء في التفسير أنه رجل كان شديداً جدًّا، وكان يبسط له الأديم العكاظِي فيقوم عليه فيهد فلا يخرج من تحت رجليه إلا قطعاً من شدتِه، وكان يقال له كلدة فقيل: أيحسب لشدته أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ وأنه لا يبعث. وقيل أن لن يَقْدِرَ عليه اللَّه لأنه كان لا يؤمن بالبعث. * * * (يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) وقرئت (أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا)، ويُقْرأَ لُبَّدًا). ومعنى " لُبَد " كثير بعضه قَدْ لُبِّدَ بِبَعْض، وفُعَل للكثرةِ، يقال: رجل حُطَم: إذا كان كثير الحطم. ومن قرأ لُبَّداً فَهو جمع لاَبِدٍ. * * * (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أي أيحسب أن لم يحص عليه ما أنفق، وفي الكلام دليل على أنه ادعَى أنه أنفق كثيراً لم ينفعهُ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) أي ألم نَفعل به ما يُسسْتَدلُّ به على أن اللَّه قَادرٌ على أن يبعثه وأن يحصِيَ عليه ما يعمله. * * * (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)

стр. 2103

الطريقين الْوَاضِحَيْن، النجد المرتفع من الأرْضِ، فالمعنى ألم نعرْفه طريق الخير وَطَرِيقَ الشرِّ بَيِّنَيْنِ كبيان الطريقين العَالِيَيْنِ. * * * وقوله (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) المعنى فلم يقتحم العقبة كما قال: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلًى). ولم يذكر " لا " إلا مَرةٍ وَاحِدَةً، وقلما يتكلم العرب في مثل هذا المكان إلا بلا مَرتين أو أكثر، لا تكاد تقول: لا حَيَّيتَني تريد مَا حَيَّيْتَنِي. فإن قلت: لاحَييْتَني ولا زُرْتَني صَلَح. ْوالمعنى في (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) موجود أن " لا " ثانية كأنَّها في الكلام لأن قوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) تدل على معنى فلا اقتحم العقبة ولا آمن. * * * وقرئت: (فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) وقرئت (فَكَّ رَقَبَةً)، (أو أَطْعَمَ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ). وكلاهما جائز، فمن قال (فَكُّ رَقَبَةٍ) فالمعنى اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام، ومن قرأ (فَكَّ رَقَبَةً) فهو محمول على المعنى (١). والمسغبة المجاعة. * * * ْوقوله: (يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) معناه ذا قرابة، تقول زيد ذو قرابتي وذو مقربتي، وزيد قرابتي قبيح لأن القرابة المصدر قال الشاعر:

стр. 2104

يَبْكِي عليه غَرِيبٌ ليس يَعْرِفُهُ. . . وذُو قَرَابَتهِ في الحَيِّ مَسْرُورُ وقوله: (ذَا مَتْرَبةً). يعنى أنه من فقره قد لصق بالتُّرَابِ. * * * وقوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) معناه إذا فعل ذلك وكان عقد الإيمان ثم أقام على إيمانِه. (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). أي على طاعة اللَّه، والصبر عن الدخول في معاصيه، ثم كان مع ذلك مِنَ الَّذِينَ يتواصون (بالمرحمة)، أولئك أصحاب اليمن على أنفسهم أي كانوا ميامين على أنفسهم غير مشائيم. * * * (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) أي هم المشائيم على أنفسهم، نعوذ باللَّهِ من النار. * * * وقوله: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) ويقرأ بغير هَمزٍ، ومعناه مطبقة. يقال آصَدْتُ البابَ وأوصدته إذا أطبقته.

стр. 2105

سُورَةُ الشَّمْسِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) هذا قسم وجوابه: (قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا). ومعناه لَقَدْ أَفْلَحَ ولكن اللام حذفت لأن الكلامَ طَالَ فصار طوله عوضا منها ومعنى (وضحاها) وَضِيائِها. وقيل ضحاها النهار، وقرأ الأعمش وأصْحَابُهُ ضحاها وتلاها وطحاها بالفتح، وقرأوا باقي السُّورة بالكسر. وقرأ الكسائي السورة كلها بالإمالة. وقرأها أبو عمرو بن العلاء بين اللفظين. وهذا الذي يسميه الناس الكسر ليس بكسر صحيح، يسميه الخليل وأبو عمرو الِإمَالَةَ، وإنما كسر من هذه الحروف ما كان منها من ذوات الياء ليدلوا على أن الشيء من ذوات الياء. ومن فتح ضحاها وَتَلَاهَا وطحاها فلأنه من ذوات الواو، ومن كسر فلأن ذوات الواو كلها إذا رد الشيء إلى ما لم يسم فاعله انتقل إلى الياء، تقول قد تُلِيَ وَدُحِيَ وَطُحِيَ. * * * وقوله: (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) معناه حين تلاها، وقيل حين - استدار فكان يتلو الشمس في الضياء والنور. * * * وقوله: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣)

стр. 2106

قالوا معناه إذَا جَلَّى الظلمة، وإن لم يكن في الكلام ذكر الظلمة فالمعنى يدل عليها كما تقول: أصبحت باردة، تريد أصبحت غُداتنا بَارِدة وقيل: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا) إذا بين الشمس لأنها تبين إذا انبسط النهار. * * * وقوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) معناه والسماء وبنائها، وكذلك (وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا) معناه والأرض وطحوها. وكذلك: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) وقيل معنى " ما " ههنا معنى (مَنْ) المعنى والسماء والذي بناها. ويحكى عن أهل الحجاز " سُبْحَانَ مَا سَبَّحْتُ لَهُ " أي سبحان الذي سبحت، وَمَنْ سَبَّحْتُ له. فأقسم اللَّه بهذه الأشياء العظام من خلقه لأنها تدل على أَنه واحِدٌ والذي ليس كمثله شيء (١). * * * وقوله : (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قيل علمها طريق الفجور وطَرِيقَ الهدى. والكلام على أن أَلهَمَها التقوى، وفقَهَا للتقوى، وألْهَمَها فُجورَهَا خذلها، واللَّه أعلم. * * * وقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) أي قد أفلحت نفسٌ زَكاهَا اللَّهُ. * * * (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) خابت نَفْسٌ دَسَّاهَا اللَّه. ومعنى (دَسَّاهَا) جعلها قليلة خَسِيسَةً. والأصل دَسَّسَهَا، ولكن الحروف إذا اجتمعت من لفظٍ واحِدٍ أُبدَل من أحدها ياء. قال الشاعر: تَقَضِّيَ البَازِي إِذا البَازِي كَسَرْ

стр. 2107

قالوا معناه تقضض. وقيل: قد أفلح مَنْ زَكَّى نفْسَه بالعمل الصالح. * * * وقوله: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) أي بطغيانها، وأصل (طَغْواها) طَغْيَهَا وَفَعْلَى إذا كانت من ذوات الياء أبدلت في الاسم وَاواً ليفصُل بين الاسم والصفة، تقول: هي التقوى، وإنما هي مِنْ أيقنتُ، وهي التقوى وإنما هي من يقنت، وقالوا: امرأةٌ خَزْياً لأنها صفةٌ. * * * وقوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) (ناقةَ) مَنْصُوبٌ على معنى ذروا ناقة اللَّه، كما قال سبحانه: (هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ)، أي ذروا سقياها، وكان للناقَةِ يَوْمٌ وَلَهُمْ يَوْمٌ في الشِّرْبِ. * * * (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) (فَكَذَّبُوهُ) أي فلم يوقنوا أنهم يُعَذبُونَ حين قال لهم (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ). * * * (فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا). معناه دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ أطبق عليهم العَذَابَ، يقال: دَمْدَمْتُ على الشيء إذا أطبقت عليه، وكذلك [دَمَمْتُ] عليه القبرَ وما أشبهه، وكذلِكَ ناقة مَدْمُومَةٌ، أي قد ألْبَسَها الشحم، فإذا كررت الإطباق قُلْتَ دَمْدَمُتْ عليه (١). * * * وقوله: (وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) أكثر ما جاء في التفسير لا يخاف الله تعالى تبعةَ ما أَنزل بِهِمْ، وقيل لا يخاف رَسُولُ اللَّهِ صَالِحٌ ﵇ الذي أرسل إليهم عُقْبَاهَا. وقيل إذا انبعث أشقاها وهو لا يخاف عقباها.

стр. 2108

سُورَةُ وَاللَّيْل (مَكِّيَّة) ْبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) هذا قسم جوابه (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، أي إن سَعْيَ المْؤمِنِ والكَافِرِ لمخْتَلِف بينهما بُعْدٌ. ومعنى إذَا يَغْشَى الليل الأرْضَ توارى الأفُقَ وجميع ما بين السماء والأرض، والنهار إذَا تَجَلَى إذا بأن وظهر. * * * (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) كما فسَرناها في قوله: (والسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا). * * * وقوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) في التفسير أنها نزلت في أَبِي بَكْرٍ الصديقِ ﵀ وكان اشترى جماعة كان يعذبهم المشركون ليرتدُّوا عن الإسلام فيهم بلال فوصَفَهُ اللَّه على أنه أعْطى تقوى، وصدَّق بالحسنى، لأنه يجازى عليه. وقيل صَدَّقَ لأنه يخلف عليه لقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ). * * * وقاك: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) أي للأمر السهل الذي لا يقدر عليه أَحَدٌ إلَّا المؤمنين. * * * وقوله: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)

стр. 2109

نزلت في رجل أكْرَة ذِكْرَهُ، وهي جامعة لكل مَنْ بَخِلَ وَكَذَّبَ لأن الله جلَّ وعزَّ يجازيه أو يخلف عليه. * * * (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) العذاب والأمرُ العَسِيرُ. * * * (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) قِيلَ إذا مات وقيل إِذَا تَرَدَّى في النارِ. * * * (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلاَل. * * * وقوله : (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) (تَلَظَّى) معناه تتوهج وَتَتَوقَّدُ. وَهذه الآية هيَ التي مِنْ أَجْلِهَا قال أهل الإرجاء بالإرجاء، فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر لقوله: (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦). وليس كما ظنوا، هذه نَارٌ مَوْصوفة بعينها لا يصلى هذه النارَ إلا الأشقى الَّذي كذَّبَ وَتَوَلَّى، ولأهل النار منازل فمنها قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ). واللَّه كل ما وَعَد عليه بجنس من العذاب فَجَائز أن يُعَذِبَ به. وقال : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فلو كان كل من لم يشرك باللَّه لا يعذب، لم يكن في قوله تعالى.: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) فائدة، وكان يغفر ما دون ذلك. * * * وقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) أي يطلب أن يكون عند الله زاكياً، لا يطلب بذلك رياءً، ولا سمعةً. ونزلت في أبي بكر ﵁. * * * (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) أي لم يفعل ذلك مجازاة لِيَدٍ أُسْدِيَتْ إليه.

стр. 2110

(إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) أي إلا طلب ثوابه. * * * وقوله: (وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١) أي سوف يدخل الجنة كما قال: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠).

стр. 2111

سُورَةُ الضُّحَى (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) هذا قسم وجوابه (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى). والضحى: النهار، وقيل ساعة من ساعات النهار. * * * (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) وقوله إذا سجا معناه إذا سكن. قال الشاعر: يا حبَّذا القمراءُ والليلُ الساجْ. . . وطُرُقٌ مثلُ مُلاء النَّسَّاجْ * * * ومعنى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) أي لم يقطع الوحي عنك وَلَا أَبْغَضَكَ، وذلك أنه تأخر الوحي عن رسول اللَّه ﷺ خمسة عشر يوماً، فقال ناس من الناس: إن محمداً قد ودعه صاحبه وقلاه، فأنزل الله (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) المعنى ما قلاك، كما قال: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) المعنى والذاكراته (١). * * * وقوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وكان النبي ﵇ يكفله عمُّه أَبُو طَالبٍ. * * * وقوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) معناه - واللَّه أعلم - أنه لم يكن يدري القرآن ولا الشرائِع فهداه اللَّه

стр. 2112

إلى القرآن وشرائع الإسلام، ودليل ذلك قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) وقال قوم: كان على أَمْرِ قَوْمِهِ أربعين سنة (١). * * * وقوله: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) أي لا تقهره على ماله. * * * (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) أي لا تنهرهُ، إما أعطيته، وإما رددته ردًّا لَيِّناً. * * * (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) أي بلِّغ ما أرسلت به وحَدِّثْ بالنبوة التي آتاك الله وهي أجَلُّ النِّعمِ.

стр. 2113

سُورَةُ الشَّرْحِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) أي شرحناه للإسلام. * * * (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) أي وضعنا عنك إثمك أن غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. * * * (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) جعل ذكر رسول اللَّه ﷺ مقروناً بذكر توحيد اللَّه في الأذان وفي كثير مما يذكر الله جلَّ وعزَّ، يقول فيه: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمداً رسول اللَّه. * * * وقوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) فذكر العسر مع الألف واللام ثم ثَنَّى ذكره، فصار المعنى إنَّ مع العُسْرِ يُسْريْنِ، وقال النبي ﵇: لا يغلب عسر يُسْرَين. وقيل: لو دخل العسر جحراً لدخل اليسر عليه، وذلك أن أصحاب النبي ﷺ كانوا في ضيقٍ شديدٍ. فأعلمهم الله أنهم سَيُوسِرونَ وأن سَيُفْتَح عَلَيْهِمْ. وَأَبْدَلَهمْ بالعُسْرِ اليُسْرَ (١). * * * وقوله: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) أي اجْعَل رغبتك إلى الله وحده.

стр. 2114

سُورَةُ التِّينِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) قيل التين دمشق والزيتون بيت المقدس. وقيل: التين جبل عليه دمشق، والزيتون جبل عليه بيت المقدس. وقيل والتين والزيتون جَبَلانِ. وقيل التين والزيتون هذا التين الذي نعرفه، وهذا الزيتون الذي نعرفُه. * * * (وَطُورِ سِينِينَ (٢) جبل، وقرأ بعضهم و " طورِ سيناء "، وهذا القول - والله أعلم - أشبه لقوله: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ). * * * (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) يعني مكة. * * * (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) أي في أَحْسَنِ صُورَةٍ. * * * (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلى أرذل العُمُر، وقيل إلى الضلال كما قال : (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ). وهو - واللَّه أعلم - أنْ خلق الخلق على الفطرة فمن كفر وضل فهو المردود إلَى أَسْفَلِ السَّافِلِين.

стр. 2115

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) أي إلَّا هُؤلَاءِ فَلم يردوا إلى أسفل سافلين. * * * وقوله: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). أي لا يُمَنَّ عَلَيْهِمْ، وقيل غير ممنون غير مقطوع. وجواب القسم في قوله: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) قوله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ).

стр. 2116

سُورَةُ العَلَقِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) جاء في التفسير أن أول آية نزلت من القرآن (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). * * * وقوله: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) أي الذي علم الكتابة. * * * وقوله: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) هذه نزلت في أَبي جَهْلٍ بنِ هِشَام، وكذلك: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠). لأن أبا جهل قال: إنْ رَأَيْتُ مُحمداً يُصَلِّي تَوَطَّأْتُ عنقه. * * * وقوله: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) أي لنُجَرنَّ ناصيته إلى النار، يقال: سَفَعْتُ بالشيء إذَا اقْبَضْتُ عليه وجذبته جَذْباً شديداً (١). * * * وقوله: (نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) وتأويله بناصيةٍ صَاحِبُها كاذبٌ خاطئ، كما يقال فلان نهارُه صائم وليلُه قائم، المعنى هو صائم فِي نهاره وقائم في ليله. * * * (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧)

стр. 2117

معناه فليدع أهل ناديه، وهم أهل مجلسه، وَكَانُوا عَشِيرَتَه أي فليستنصر بهم. * * * (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) الزبانية الغلاظ الشداد، وَاحِدُهم زِبْنية، وهم ههنا الملائكة، قال اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ) وَهُمُ الزَبَانِيَةُ. * * * (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) (كَلَّا) أي ليس الأمر على ما عليه أبوجهل. (لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) أي وتقرَّب إلى ربِّك بالطاعة.

стр. 2118

سُورَةُ الْقَدْرِ مدنية وقيل الصحيح (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) الهاء ضمير القرآن ولم يجر له ذكَر في أول السورة ولكنه جرى ذكره فيما قبلها، وهو قوله؛ (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، وهي لَيْلة القَدْرِ. ومعنى ليلَة القدر ليلة الحكم قال الله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). نزل القرآن كله إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْرِ، ثم نزل به جبريل عليه السلام على النبي ﷺ في عشرين سنة. * * * وقوله: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) من ألف شهر ليس فيه لَيلة القَدْرِ. * * * وقوله: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) تنزل الملائكة بما يقضي الله في ليلَة القدرَ للسنة إلَى أن تأتيَ ليلةُ القَدْرِ. وقُرِئَتْ (مِنْ كُلِّ امْرِئٍ) (١)، وهذه القراءة تخالف المصحف، إلا أنها قد رويت عن ابن عباس. * * * وقوله: (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)

стр. 2119

أي لا داء فيها، ولا يستطيع الشيطانُ أن يصنع فيها سَيِّئاً، والروح جبريل عليه السلابم. وقرئت (مَطْلَعَ الفَجْرِ)، وَمَطْلِعَ الفَجْرِ - بفتح اللام والكسر - فمن فتح فَهوَ المصدَرُ بمعنى الطلع. تَقُول: طلع الفجر طلوعاً وَمَطْلَعاً. ومن قال مَطْلِع فهو اسم لوقت الطلوع وكذلك لمكان الطلوع، الاسم مَطْلِع بكسر اللام.

стр. 2120

سُورَةُ القَيِّمَة (مَدَنية) وقيل الصحيح (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) (المشركين) في موضع جر عطف على أهل الكتاب، المعنى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين. وقوله: (مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ). أي لم يكونوا منفكين من كفرهم، ومعنى منفكين منتهين عن كفرهم. * * * وقوله (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو) يرتفع على ضربين: أَحَدهُما على البَدَلَ مِنَ (الْبَيِّنَةُ). المعنى حتى يأتيهم رسول من اللَّه. والضرب الثاني على تفسير (الْبَيِّنَةُ)، و (الْبَيِّنَةُ) (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً). أي مطهرة من الأدناس والباطل، قال الله : (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١ ٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤). * * * وقوله: (فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)

стр. 2121

أي كتب غير ذات عوج مستقيمة تُبَيِّنُ الحقَّ من الباطل على الاستواء والبرهان. * * * قوله.: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) أي ما تفرقوا في ملكهم وكفرهم بالنبي ﵇ إلا من بعد أن تبينُوا أنه الذي وعدوا به في التوراة والإنجيل. * * * (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) أي يعبدونه مُوحِّدين له لا يعبدون معه غيره (حُنَفَاءَ) على دين إبراهيم ودين محمد ﵇. (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ). أي يؤمنوا مع التوحيد بالنبي ﷺ ويقيموا شرائعه. (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ). أي وذلِكَ دين الأمة الْقَيِّمَةِ بالحق فيكون ذلك دين الملَّةِ المستقيمة. * * * وقوله: (أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) القراءة (الْبَرِيَّةِ) بترك الهمزة. وقد قرأ نافع (البريئة) بالهمز، والقُرَّاء غيرُهُ مجمعُونَ على ترك الهمز، كما أجمعوا في النبي، والأصل البريئة، إلا أن الهمزة خففت لكثرة الاستعمال. يقولون: هذا خيرُ البريِّةِ وشرُّ البريَّةِ وما في البريَّة مِثْلُه، واشتقاقهُ من برأ اللَّه الخلق. وقال بعضهم: جائز أن يكون اشتقاقها من البَرَا وهو التراب، ولو كان كذلك لما قرأوا البريئة بالهمز. والكلام برأ اللَّه الخلق يبرؤهم، ولم يحك أحد براهم يبريهم، فيكون اشتقاقه من البَرَا وهو التراب (١). * * * وقوله: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) (جَنَّاتُ عَدْنٍ) أي جَنَّاتُ إقامة.

стр. 2122

سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ مدنية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) إذا حركت حركة شديدة، والقراءة (زِلْزَالَها) بكسر الزاي، ويجوز في الكلام زَلْزَالَها، وقرئت (زَلْزَالَها)، وليس في الكلام فَعْلَال بفتح الفَاء إلا في المضاعف نحو الزلزال والصلْصَال. والاختيارُ كَسرِ الزاي، والفتح جائز. * * * (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) أخرجت كُنوزها وموتاها * * * (وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) هذا قول الكافِرِ لأنه لم يكن يؤمن بالبعث، فقال: مَا لَها، أي لأي شيء زلزالها. * * * (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) (يَوْمَئِذٍ) منصوب بقوله: (إِذَا زُلْزِلَت)، وأخرجت، في ذلك اليوم ومعنى (تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا)، [تخبرُ] بما عُمِلَ عَليها. * * * (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) أي يَصْدُرون متفرقينَ منهم من عمْل صالحاً ومنهم من عمل شَرًّا

стр. 2123

والقراءة (لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) وُيرْوَى (لِيَرَوْا أَعْمَالَهُمْ)، ولا أعلم أَحَداً قرأ بها. ولا يجوز أن يقرأ بما يجوز في العربية إذا لم يقرأ به من أُخِذَت عَنْهُ القراءة. * * * ومعنى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) تأويله أن اللَّه جلَّ وعزَّ قد أحصى أعمال العباد من خَيرٍ، وكل يرى عمله، فمن أَحَبَّ اللَّه أن يغفر له غَفَر له. ومن أحب أَنْ يُجَازِيَه جَازَاهُ. وقيل مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ في الدنيا. وكذلك شَرُّا يره في الدنيا (١). واللَّه أعلم.

стр. 2124

سُورَةُ وَالْعَادِيَاتِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) يعنى بالعاديات ههنا الخيل، وهذَا قسم جوابه: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ). وقوله: (ضَبْحًا). معناه والعاديات تضبح ضبحاً، وضبحها صوت أجوافها إذا عَدَتْ. * * * (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) إذا عدت الخيل بالليل وأصابت حوافرها الحجارة انقدح منها النيران. * * * (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) يعنى الخيل. وجاء في التفسير أنها سَريَّة كانت لرسول الله ﷺ إلى كندة. * * * (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) النقع الغبارُ، فقال " بِهِ " ولم يتقدم ذكر المكان، ولكن في الكلام دَليلٌ عليه، المعنى فَأَثَرْنَ بمكان عَدْوِهَا نَقْعًا أَيْ غباراً. * * * (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) القراءة (فَوَسَّطْنَ) أي فتوسطْنَ المكان. ولو قال (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا) لجازَتْ، إلا أنِّي لَا أعْلَمُ أحَداً قَرأ بها (١).

стр. 2125

وقوله : (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) معناه لكفورٌ، يعنى بذلك الكافِرُ. * * * (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) معنى (لَشَدِيدٌ) لَبخيل، أي وإنه من أَجْل حُبِّ المال لبخيل. قال طرفة: أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَام ويَصْطَفي. . . عَقِيلَةَ مَالِ البَاخِلِ المُتَشدِّدِ * * * وقوله: (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) بعثر وبحثر بمعنى وَاحِدٍ، والمعنى أفلا يعلم إذا بعث الموتى. * * * وقوله: (إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) الله خبير بَهَم في ذلك اليوم وَفي غيره، ولكن المعنى إن اللَّه يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، وليس يجازيهم إلا بِعِلْمِهِ أعمالهم. ومثله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوِبهِمْ) @ فمعناه أولئك الذين لايتركُ مجازاتِهُمْ.

стр. 2126

سُورَةُ الْقَارِعَةِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) القارعة والواقعة والحاقَّة مِن صفات ساعة القيامَةِ. والقارعة التي تقرع بالأهوال. وقد فسرنا إعراب (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) ومِثلها (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ). * * * وقوله: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) (يَوْمَ) منصوب على الظرف، المعنى يكون يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، والفراش ما تراه كصغار البق يتهافت في النار، وشبه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، والفراش المبثوث لأنهم إذا بعثوا يموج بعضهم في بعض كالجراد الذي يموج بعضه في بعض. * * * وقوله: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) (العِهْن) الصوف، واحدته عِهنة، يقالُ عِهْنة وعِهْن، مثل صوفة وصوف. * * * وقوله: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) ذات رِضًى، معناه من ثقلت موازينه بالحسنات، كما تقول: لفلان عندي وزن ثقيلٌ، تأويله له وزن في الخير ثقيل. ومعنى (فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) ذات رضى يرضاها من يعيش فيها. وقال قوم: معناه مرْضِيةٍ، وهو يعود إلى هذا المعنى في التفسير.

стр. 2127

وقوله: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) أي فَمَسْكَنَه النار. وقيل (أُمُّهُ) لَمَسْكِنِه لأن الأصل في السكونِ إلى الأُمَّهاتِ فَأُبْدَلَ فِيمَا يَسْكُنُ إلَيْه (نَارٌ حَامِيَةٌ). * * * وقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) الوقف " هِيَه "، والوصل هي نار حَامِيةٌ إلا أن الهاء دخلت في الوقف تبين فتحة الياء، والذي يجب اتباع المصحف فيوقف عليها ولا توصل. فيقرأ (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)). لأن السنة اتباع المصحف، والهاء ثابتة فيه.

стр. 2128

سُورَةُ التَّكَاثُر (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) أي شَغَلكم التكَاثُر بالأموال والأولاد عن طاعة اللَّهِ. * * * (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) أي حتى أَدْرَككم الموت على تلك الحال. وجاء في التفسير أن حَيينِ من العرب، وهم بنو عبد مناف وبنو سهم تَفاخروا وتكاثروا، ففخرت بنو عبد مناف على بني سهم بأن عدوا الأحياء، فقالت بنو سهم: فاذكروا الموتى. وَكَثرَتْهُم بَنُو سهم بعد أن كان بنو عبد مناف قد كَثرُوا بني سَهْمٍ. * * * وقوله: (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) (كَلَّا) ردع وتنبيه، المعنى ليس الأمر الذي ينبغي أن يكونوا عليه التكَاثُرَ، والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة اللَّه والإيمانُ بنبيه ﷺ . * * * وقوله : (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) المعنى لو علمتم الشيء حق علمه، وصرفتُم التفهم إليه، لارْتَدَعْتُم. ثم قال: * * * (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)

стр. 2129

كما قال: (وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا). والقراءة لتروُن - بضم الواو غير مهموزة - فضمت الواو لسكونها وسكون النون - وقد همزها بعضهم - لَتَرؤن - والنحويونْ يكرهون همزة الواو، لأن ضمتها غير لازمة لأنها حركت لالتقاء السَّاكنين، ويهمزون الواو التي ضمتها لازمة نحو أَدْؤرٍ جمع دار، فيجوز أدؤر بالهمز وادور بغير الهمز، وأنت مخير فيهما، فأمَّا " لَتَرؤنَّ " ثم لَتَرَوُنَها فلا يختار النحويون إلا ترك الهمزة، وقرئت: " لتُرَؤُنَّ " الجحيم، على ما لم يُسَم فاعِلُه. * * * (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) أي يوم القيامة، عن كل ما يتنعَم به في الدنيا، وجاء في الحديث أن النبي ﵇ أكل هو وجماعة من أصحابه تمراً - وروي بُسْراً - وشربوا عليه ماء فقال: الحمد للَّهِ الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. وجاء أن مما لا يسأل العبد عنه لباساً يواري سوْأَتَه وطعاماً يقيم به صلبه، ومكاناً يكنه مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ.

стр. 2130

سُورَةُ والْعَصْرِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) الإنسان ههنا في معنى الناس، كما تقول: قد كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، تريد قد كثر الدراهم. وقوله: (لَفِي خُسْرٍ) الخسرُ والخسْرانُ في معنى وَاحِدٍ. المعنى إن الناس الكفارَ والعاملين بغير طاعة الله لفي خُسرٍ. * * * (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) تواصوا بالِإقامة على تَوْحِيدِ اللَّه والإيمان بنبيه ﵇. (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) على طاعة اللَّه والجهاد في سبيله والقيام بشرائع نبيه. والعصر هو الدهر، والعصران اليوم، والعصرُ الليلة. قال الشاعر: ولن يَلْبَثَ العَصْرَانِ يومٌ وليلة. . . إِذا طَلَبَا أَن يُدْرِكا ما تَيَمَّما

стр. 2131

(وَالعَصْرِ) قسم وجوابه (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ). وقال بعضهم: معناه ورَبِّ العَصْرِ كما قال جل ثناؤه: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). (١)

стр. 2132

سُورَةُ الهُمَزَة (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) (وَيْلٌ) مرفوع بالابتداء والخبر (لِكُلِّ هُمَزَةٍ) ولو كان في غير القرآن جاز النصب، ولا يجوز في القرآن لمخالفة المصحف. فمن قال: وْيلاً للكافرين. فالمعنى جعل الله له ويلاً، ومن قال: (وَيْلٌ) فهو أجود فى العربية لأنه قد ثبت له الويل، والويل كلمة تقال لكل من وقع في هلكة. والهُمَزَةُ اللُمَزَةُ الذي يغتاب النَّاسَ ويَغُضُّهم قال الشاعر: إذا لَقِيتُكَ عَنْ كُرْهٍ تُكَاشِرُني. . . وإن تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهَامِزَ اللُّمَزَهْ * * * (الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) وقرئت: (الذي جَمَّعَ مَالًا)، وقرئت (جَمَعَ مَالًا)، بالتخفيف. وقرئت (وَعَدَّدَهُ) بالتشديد، وقرئت (وَعَدَدَهُ) - بالتخفيف. فمن قرأ (وَعَدَّدَهُ) فمعناه، وَعَدَّدَهُ للدهُور. ومن قرأ (وَعَدَدَهُ) فمعناه جمع مالاً وَعَدَداً، أي وقوماً أعَدَّهم نُصَّاراً (١).

стр. 2133

وقوله: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) أي يعمل عمل من لا يظن مع يساره أنه يَمُوتَ. * * * وقوله: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) أي يرمى به في النار. والحُطَمَةُ اسم من أسماء النار. وقرئت (لَيُنْبَذَانِّ فِي الْحُطَمَةِ). ورويت - عن الحسن، على أن المعنى لينبذنَّ هو وماله في الحُطَمَةِ. وقرئت (لَتَنْبُذُنَ) فِي الْحُطَمَةِ، فمعناه أنه لينبذ هو وجمعُه في الحطمة. والقراءة المعروفة (لَيُنْبَذَنَّ). * * * قوله: (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) هذه نار معدة لهؤلاء الكفار ومن كان مثلهم. ومعنى (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) يبلغ ألمها وإحْرَاقُها إلى الأفئدة. * * * وقوله: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) قرئت بالِهمز وبغير همز. وقرئت مُوصَدَة، والعرب تقول أَوْصَدْتُه فعلى هذا مُوصَدَة. وتقول آصَدْتُه فعلى هذا مؤصَدَة. بالهمزة. ومعنى " مُوصَدَةٌ " مطبقة، أي العَذَابُ مطبَق عليهم. * * * وقوله: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) وقرئت (فِي عُمُدٍ) وهو جمع عمَادٍ وَعُمَد وَعُمُد، كما قالوا: إِهابٌ وأَهَبٌ وَأُهُبٌ. ومعناه أنها في عُمَد مِنَ النَّارِ (١).

стр. 2134

سُورَةُ الْفِيلِ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) (كَيْفَ) في موضع نصب ب (فَعَلَ رَبُّكَ) لا بِقَوْله: (أَلَمْ تَرَ)، لأن كيف من حروف الاستفهام. ومعنى (أَلَمْ تَرَ) ألم تعلم، فأَعلم اللَّه رسوله ما كان مما سَلَفَ من الأقاصيص وما فيه دَالٌّ على توحيد اللَّه وتعظيمه أمر كعبته، وكان من قصة أصحاب الفيل أنَّ قوماً من العرب - وكانوا ببلاد النجاشي - وكانوا بحضرة بيت هو مصَلَّى للنَّصَارَى وأصحاب النجاشي. فأججوا ناراً استعملوها لبعض ما احتاجوا إليه، ثم رحلوا ولم يطفئوها فحملتها الريح حتى أَحْرَقَتِ البَيْتَ الذي كان مصلاهم وَمَثَابة للنجاشي وَأَصْحَابِه، فقصد مكة مقَدِّراً أَن يَحرقَ بيت الحَرَامَ ويستبيح أهل مكة. فلما قربوا من الحرم لَمْ تَسِرْ بهم دَوَابهم نحو البيتِ فإذا عطفوها راجعين سَارَتْ. فوعظهم اللَّهُ بأَبْلَغ مَوْعظةٍ، فأقاموا على قصد البيت وعلى أن يحرقوه، فأرسل الله عليهم طَيراً أَبابيل، فجعل كيدهم في تضليل، أي في ذهاب وهلاك، وكان مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحَجران في رجليه، يقع الحجر منها على رأس الرجل فيخرج من دبره على كل حجر اسم الرجل الذي وقع عليه، فقال اللَّه جل ثناؤه: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) جماعات من ههنا وجماعات من ههنا والمعنى أرسل اللَّه عليهم هذا الطير بهذه الحجارة من كل جانب.

стр. 2135

ومعنى (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) وصف اللَّه في كل من عَذَبه بالحجارة أَنَها مِنْ سِجِّيلٍ، فقال في قوم لُوطٍ: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ). فالمعنى وأرْسَل عليهم ما يرميهم بحجارة مِنْ سِجِّيلٍ، أي من شديد عَذَابه، والعرب إذا وصفت المكروه بسِجِيلٍ كأنها تعني به الشدَّةَ ولا يوصف بهء غير المكروه. قال الشاعر. وَرَجْلَةً يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُضٍ. . . ضرباً تواصَتْ به الأبطالُ سِجِّيلَا أَيْ ضَرْباً. شَدِيداً. وأما (أبابيل) قال أبو عُبَيدَةَ: لا واحد لها، وقال غيره: إبَّالةُ وَأَبابيل. و (إبَّالَة) كأنَّها جماعة، وقَالَ بَعْضُهم واحدها " إبَّوْل " وأبابيل، مثل عجول وعجاجيل. * * * (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) أي جعلهم كَوَرَقِ الزَّرْعِ الذي جَفَّ وأُكل: أي: وقع فيه الأُكال. وجاء في التفسير أن الله تعالى أرسل عليهم سيلًا فحملهم إلى البحر.

стр. 2136

سُورَةُ قُرَيْشٍ (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) فيه ثلاثة أوجه: (لإِلافِ قُرَيْشٍ)، و (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ)، ووجه ثالث " لِإِلْفِ قُرَيْش). وقد قرئ بالوجهين الأولين (١). * * * وقوله: (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) يجوز فيه ما جاز في " لِايلَافِ " إلا أَنه قد قرئ في هذها إلْفِهِمْ " و" إيلافهم " ويجوز إلَافِهم. وهذه اللام قال النحويون فيها ثلاثة أوجه، قيل هي موصولة بما قبلها، المعنى فجعلهم كعصف مأكول لإلف قريش. أي أهلك اللَّه أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قَد ألفُوا من رحلة الشتاء والصيف. وقال قوم: هذه لام التعجب فكان المعنى اعجبوا لإيلاف قريش. وقال النحويون الذين ترتضى عربيتهم: هذه اللام معناها متصل بما بعد فليعبدوا، والمعنى فليعبد هؤلاء ربَّ هذا البيت لِإِلْفِهِمْ رحلة الشتاء والصيف. والتأويل أن قريشاً كانوا يرحلون في الشتاء إلى الشام وفي الصيف إلى

стр. 2137

اليمن فيمتارون، وكانوا في الرحلتين آمنين والناس يتخطفون، وكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا نحن أهل حرم الله فلا يتعرض لهم. فأعلم اللَّه سبحانه أن من الدلالة على وحدانيته ما فعل بهؤلاء لأنهم ببلد لا زرع فيه وأنهم فيه آمنون. قال اللَّه - جل ثناؤه - (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧). أي يؤمنون بالأصنام ويكفرون باللَّه الذي أنعم عليهم بهذه النِّعْمَةِ، فأمرهم بعبادته وحده لأِنْ آلَفَهُم هاتين الرحلتين. * * * (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) وكانوا قد أصابتهم شدة حتى أكلوا الميتة والجيف. (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ). آمنهم من أن يخافوا في الحرم، ومِن أَنْ يخافوا في رحلتهم يقال: أَلِفْت المكان آلفه إلفاً، وآلفت المكان بمعنى ألفت، أولفهُ إيلافاً.

стр. 2138

سُورَةُ الْمَاعُون (الدِّين) (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) وقرئت " أَرَيْتَ " والاختيارُ أرأيت بإثبات الهمزة الثانية لأن الهمزة إنَّمَا طرحت للمستقبل في ترى ويرى وأرى. والأصل ترأى وَيرأى. فأمَّا رأيت فليس يصح عن العرب فيها ريت. ولكن ألف الاستفهام لما كانت في أول الكلام سَهَّلَت إلقاء الهمزة، والاختيار إثباتها. * * * وقوله: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) معنى يدُع في اللغة يدفع، وكذلك قوله: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا). أي يدفعون إليها دفعاً بعنف، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ عن حَقِه. ويقرأ (فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُ الْيَتِيمَ). تأويله فذلك الذي لا يعبأ باليتيم ويتركه مهملاً * * * وقوله: (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) أي لا يطعم المسكين ولا يأمر بإطْعَامِه. * * * وقوله: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦). يُعْنَى بهذا المنافقون، لأنهم كانوا إنما يراءون بالصلاة إذَا هُمْ رآهم المؤمنون صلوا معهم، وإذا لم يروهم لم يصلوا، وقيل هم عن صلاتهم

стр. 2139

ساهون يؤخرونها عن وقتها، ومن تعمَّد تأخيرها عن وقتها حتى يدخل وقت غيرها فالويل له أيضاً كما قال اللَّه . * * * وقوله : (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) أي يمنعون ما فيه منفعة. والماعون في الجاهلية ما فيه منفعة حتى الفأس والدلو والقدر والقَدُّاحَة وكل ما انتفع به من قليل أو كثير. قال الأعشى: بأَجْوَدَ منه بماعُونِه. . . إذا ما سَمَاؤهم لم تَغِمْ والماعون في الإسلام قيل هو الزكاة والطاعة. قال الراعي. قَوْمي على الإِسْلام لمَّا يَمْنَعُوا. . . ماعُونَهُمْ ويُضَيِّعُوا التَّهْلِيلا

стр. 2140

سُورَةُ الْكَوْثَر (مَكِّيَّة) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) جاء في التفسير أن الكوثر نهر في الجنة أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حافَّتَاه قباب الدر، مجوف، وجاء في التفسير أيضاً أن الكوثر الإسلام والنبوةُ. وقال أهل اللغة: الكوثر فوعل من الكثرة، ومعناه الخير الكثير. وجميع ما جاء في تفسير هذا قد أعطيه النبي ﵇. قد أعطي الإسلام والنبوة وإظهار الدين الذي أتى به على كل دين والنصر على عدوه والشفاعة. وما لا يحصى مما أعطيه، وقد أعطي من الجنة على قدر فضله على أهل الجنة. * * * ومعنى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) أي وانحر أيضاً لربك، وقيل يعنى به صلاة الغداة في يوم النحر، أي وانحر بعد صلاة الفجر، والأكثر فيما جاء " فَصَلِّ لِرَبك وانْحَرْ " صلاة يوم الأضْحَى ثم النحر بعد الصلاة. وقيل (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أي اجعل يمينك على شمالك إذا وقفت في الصلاة وضمهما إلى صدرك.
следующие страницы →