← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الدماء لبعث اللَّه ملائكتَه فأجْلَتْهم من الأرض، وقيل إن هُؤلاء الملائكة صاروا سكان الأرض بعد الجان، فقالوا يارب (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). وتأويل استخبارهم هذا على جِهَةِْ الاسْتِعْلام وجهة الحكمة، لا على الإنكار، فكأنهم قالوا يا اللَّه: إن كان هذا ظننا فَعَرفنا وجه الحق فيه. وقال قوم: المعنى فيه غير هذا وهو أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وأن من الخليقة فرقةً تسفك الدماءَ وهي فرقة مِنْ بَنِي آدَم، وأذن اللَّه للملائكةِ أنْ يسْألوه عن ذلك وكان إعلامُه إياهم هذا زِيادةً في التثبيت في نفوسهم أنَّه يعلم الغيب، فكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوماً يسفكون الدماءَ ويَعصونَك؛ وإنَّما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسُوا كما نقدس، ولَمْ يَقُولُوا هَذَا إلا وقد أذن لهم. ولا يجوز على الملائكة أن تقول شيئاً تتظنى فيه، لأن اللَّه تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون. * * * وقوله : (إِنَىِ أعْلمُ ما لا تَعْلَمُونَ). أي أبْتَلِي من تَظُنُون أنَّه يطيع فيهديه الابتلاءُ، فالألف ههنا إِنَّمَا هي على إِيجاب الجعل في هذا القول، كما قال جرير:

стр. 72

ألسْتُمْ خَيْرَ مَنْ ركب المطايا. . . وأنْدَى العالَمينَ بطون راحِ ومعنى (يَسفِكُ) يصُب، يقال سفك الشيءَ إذا صبَّه ومعنى (نُسَبح بحمدك) نُبَرئُك من السوءِ، وكل مَنْ عمل عَمَلاً قَصدَ به اللَّه فقد سبح، يقال فرغت من تسبيحي أي من صلاتي، وقال سيبويه وغيره من النحويين: إن معنى سُبْحَان الله: براءة اللَّه من السوءِ وتنزيهه من السوءِ، وقال الأعشى: أقول لما جاءَني فخرُهُ. . . سبحانَ من علقمةَ الفاخر. المعنى البراءَة مِنْه ومِنْ فخْرِه. . ومعنى (نُقَدِّسُ لَكَ) أي نطهر أنْفُسَنا لك، وكذلك منْ أطاعك نقدسُه أي نطهّره، ومن هذا بيت المقدس، أي البيت المُطهرُ أو المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب. * * * وقوله : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قال أهل اللغة علم آدم أسماءَ الأجناس، وعرض أصحاب الأسماءِ من

стр. 73

الناس وغيرهم على الملائكة، فلذا قال: (ثم عرضهم) لأن فيهم من يعقل. وكل ما يعقل يقال لجماعتهم (هم). و (هم) يقال للناس ويقال للملائكة؛ ويقال للجن، - ويقال للجان ويقال للشياطين فكل مميز في الإضمار (هم) هذا مذهب أهل اللغة. وقد قال بعض أهل النظر: إن الفائدة في الِإتيان بالأسماءِ أبلغ منها هي الفائدة بأسماءِ معاني كل صنف من هذه، لأن الحجة في هذا أن الخيل إذا عرضت فقيل ما اسم هذه، قيل خيل، فأي اسم وضع على هذه أنبأ عنها. وإنما الفائدة أن تُنْبِئ باسم كل معنى في كل جنس، فيقال هذه تصلح لكذا. فهذه الفائدة البينة التي يتفق فيها أن تسمى الدابة والبعير بأي اسم شئتَ. والمعنى الذي فيها وهو خاصها معنى واحد وإن اختلفت عليه الأسماءُ واللَّه أعلم. * * * وقوله : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) قَرأتِ الْقُراءُ (للملائِكةِ اسْجُدُوا) بالكسر وقرأ أبو جعفر المدني وحده (للملائكةُ اسْجدوا) بالضم. وأبو جعفر من جِلَّةِ أهل المدينة

стр. 74

وأهلِ الثَّبتِ في القَراءَةِ إلا أنه غلط في هذا الحرف (١) لأن الملائكة في موضع خفض فلا يجوز أن يرفع المخفوض ولكنه شبَّه تاءَ التأنيث بكسر ألف الوصل لأنك إذا ابْتدأتَ قلت اسْجُدوا. وليس ينبغي أن يقرأ القرآن بتوهم غيرِ الصواب. (وإذ) في موضع نصب عطف على (إذ) التي قبلها والملائكة واحدهم مَلَك، والأصل فيه مَلأك أنشد سيبويه. فلست لِأنْسي ولكنِ لِمَلأك. . . تنزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصُوبُ ومعناه صاحب رسالة، ويقال مألُكة ومألَكَة ومألُك جمع مألُكة قال الشاعر: أبلغ النُعمانُ عني مالكاً. . . أنه قدْ طال حَبْسي وانتظاري وقوله: (لآدم) آدمُ في موضع جَر إلا أنه لا ينْصرِفُ لأنَّه على وزن أفعَل: يقول أهل اللغة إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خُلقَ مِنْ تُراب. وكذلك الأدمة إنما هي مشبهة بلون التراب. فإذا قلت مررت بآدم وآدم آخر، فإن النحويين يختلفون في أفعل الذي يسمى به وأصله الصفة، فسيبويه

стр. 75

والخليل ومن قال بقولهما يقولون إنه يَنْصرف في النكرة لأنك إِذا نكّرته رددته إلى حال قد كان فيها يَنْصَرِف وقال أبو الحسن الأخفش إذا سَمَّيْتَ به رجلًا فقد أخرجته من باب الصفة، فيجب إذا نكرته أن تصرفه فتقول: مررت بآدمٍ وآدمٍ آخر. ومعنى السجود لآدم عبادة الله لا عبادةُ آدم، لأن الله : (إنما خلق ما يعقل لعبادته. فإذا ابتدات قلت: اسْجُدوا فضممت الألفَ، والألفُ لا حظ لها في الحركة، أعني هذه الهمزة المبتدأ بها. وإنَّما أدخلت - للساكن الذي بعدها. لأنه لا يبتدأ بساكن، فكان حقها الكسرَ لأن بعدها ساكناً، وتقديرها السكون، فيجب أن تكسر لالتقاءِ السَّاكنين، ولكنها ضمت لاستثقال الضمة بعد الكسر، وكذلك كل ما كان ثالثُه مَضْمُوماً - في الفعل المستقبل نحو قوله (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، ونحو (اقْتُلُوا يُوسُفَ) لأنه من أنَظَر يَنْظُر وقَتَل يقْتُل، وإنما كرهت الضمة بعد الكسرة - لأنها لا تقع في كلام العرب - لثقلها - بعدها. فليس في الكلام مثل فِعُل ولا مثل إفْعُل. * * * وقوله : (فَسَجَدُوا إلا إبلِيسَ أبَى): قال قوم إن إبليس كان من الملائكة فَاسْتُثْنِيَ منهم في السجود وقال قوم من أهل اللغة: لم يكن إبليس من الملائكة، والدليل على ذلك قوله: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)، فقيل لهُؤلاءِ فكيف جاز أنْ يُستَثْنى منهم؛ فقالوا:

стр. 76

إن الملائكة - وإياه - أمروا بالسجود، قالوا ودليلنا على أنه أُمِرَ معهم قوله: (إِلا إبْلِيسَ أبى)، فلم يأب إلا وهو مأمور. وهذا القول هو الذي نختاره، لأن إبليس كان من الجن كما قال ، والقول الآخر غير ممتنع، ويكون (كَانَ مِنَ الْجِنَ) أي كان ضالًا كما أن الجن كانوا ضالين فجعل منهم كما قال في قصته وكان من الكافرين، فتأويلها أنه عمل عملهم فصار بعضَهم كما قال (المُنَافِقُونَ والمُنَافِقَاتُ بعضُهم مِنْ بَعْضٍ). وفي هذه الآية من الدلالة على تثبيت الرسالة للنبي ﷺ كما في الآية التي قبلها، والتي تليها؛ لأنه إخبار بما لَيْس من علم العرب ولا يعلمه إلا أهل الكتاب، أو نبي أوحِيَ إليه وإبليس لم يُصْرف - لأنه اسم أعجمي اجتمع فيه العجمة والمعرفة فمنع من الصرفِ. * * * وقوله : (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) الرغَدُ الكثيرُ الذي لا يُعَنيك. * * * وقوله : (وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)). أي إنْ عَمِلْتُمَا بأعمال الظالمين صِرْتُما منهم، ومعنى (لَأتَقْرَبا) ههنا - لا تأكلا، ودليل ذلك قوله (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي لا تقرباها في الأكل. (ولاتقربا) جزم بالنفي. * * * وقوله : (فَتَكُونَا ينَ الظالِمِين) نصب، لأن جواب النهي بالفاءِ نصب، ونصبه عند سيبويه - والخليل بإضمار أن، والمعنى لا يكن منكما قرب لهذه الشجرة فَكَوْنٌ مِنَ الظالمين، ويجوز أنْ يكونَ فتكونَا جزم على العطف على قوله وَلاَ تَقْرَبَا فَتَكُونَا.

стр. 77

وقوله : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) معناه أنهما أُزِلَّا بإغْوَاءِ الشيطان إياهُمَا، فصار كأنَّه أزلَّهْمَا، كما تقول للذي يعمل ما يكون وصلة إلى أن يزلك من حال جميلة إلى غيرها: أنت أزْلَلْتَنِي عَنْ هذا، أي قبولي منك أزلنِي، فصرت أنتَ المُزيلَ لِي، ومعنى الشيطان في اللغة الغالي في الكفر المتبعد فيه من الجن والإنس، والشطَنُ في لغة العرب الخَبْل، والأرض الشطون: البعيدةُ، وإنما الشيطان فَيْعال من هذا، (وقد قرئ: (فَأزَالهُمَ الشيطان) من زُلْتُ وأزَالَنِي غيْري. وأزلهما من زَلَلْتُ وأزَلني غيري، ولزَللت ههُنا وجهان: يَصْلح أن يكون فأزلهما الشيطان "أكسبهما الزلة والخَطِيئةَ، ويصلح أن يكون "فأزلهما نحَّاهما" وكلا القراءَتين صواب حسن). * * * وقوله : (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) جمع الله للنبي ﷺ قصة هبوطهم، وإنما كان إبليس اهبِطَ أولاً. والدليل على ذلك قوله (اخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وأهْبط آدمُ - وحواءُ بعد فجمع الخَبرُ للنبي ﷺ لأنهمْ قد اجتمعوا - في الهبوط وإن كانت أوْقَاتُهم متفرقة فيه. وقوله - (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) إبْليس عدو للمؤْمنين من ولد آدم. وعداوته لهم كفر، والمؤمنون أعداءُ إبليس، وعداوتهم له إيمان. * * * وقوله : (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي مُقَام وثبوت وقوله (إِلى حِينٍ).

стр. 78

قال قوم: معنى الحين ههنا إلى يوم القيامة، وقال قوم: إلى فناءِ الآجال أيْ كلُ مستقر إلى فناءِ أجله، والحين والزمان في اللغة منزلة واحدة، وبعض الناس يجعل الحين في غير هذا المَوْضِع ستة أشهر دليله قوله: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا). وإنما (كل حين) ههنا جُعِلَ لمدة معلومة والحين يصلح للأوقات كلها إلا أنه - في الاستعمال - في الكثير منها أكثر، يقال ما رأيتُكَ منذُ حين، تريد منذ حين طويل. والأصل على ما أخبرنا به. * * * وقوله : (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) الكلمات - واللَّه أعلم - اعتراف آدم ﵇ وحواء بالذنب لأنهما قالا: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣). اعترفا بذنبهما وتابا. وفي هذه الآية موعظة لولدهما، وتعريفهم كيف السبيل إلى التنَصُّلِ من الذُنُوب، وأنه لا ينفع إِلا الاعترافُ والتوبةُ، لأن ترك الاعتراف بما حرّم اللَّه حَرامٌ وكُفْرٌ باللَّه فلا بد من الاعتراف مع التوبة، فينبغي أن يفهم هذا المعنى فإِنه من أعظم ما يحتاج إِليه من الفوائد. وقرأ ابن كثير: (فتلقى آدمَ من ربِّه كَلمَاتٌ)، والاختيار ما عليه الإجماع (١)

стр. 79

وهو في العربية أقوى، لأن آدم تعلم هذه الكلمات فَقِيلَ تَلقَّى هذه الكلماتِ، والعرب تقول تلقيت هذا من فلان، المعنى فَهْمي قَبِلَهُ من لفْظِه. * * * وقوله : (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) الفائدة في ذكر الآية أنه أعلمهم أنه يبتليهم بالطاعة وأنه يُجَازِيهم بالجَنةِ عَلَيْها وبالنَّارِ على تَرْكِهَا، وأن هَذَا الابتلاءَ وقَع عندَ الهبُوط على الأرض. وإعراب (إِمَّا) في هذا الموضع إعراب حروف الشرط والجزاءِ، إلا أن الجزاءَ إذا جاءَ في الفعل معه النون الثقيلة أو الخفيفة لزمتها ما ومعنى لزومها إياها معنى التوكيد، وكذلك معنى دخول النون في الشرط التوكيد. والأبلغ فيما يؤمر العباد به التوكيد عليهم فيه. وفتح ما قبل النون في قوله: (يَأْتِيَنَّكُمْ) لسكون الياءِ وسكون النون الأولى، وجواب الشرط في الفاءِ مع الشرط الثاني وجوابه وهو (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ)

стр. 80

وجواب (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) (قوله) (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). و (هُدَايَ): الأكثر في القراءَة والرواية عن العرب (هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ) فالياء في (وهُدَايَ) فتحت لأنها أتت بعد ساكن وأصلها الحركة التي هي الفتح فالأصل أن تقول: هذا غلامِيَ قد جاءَ - بفتح الياءِ - لأنها حرف في موضع اسم مضمر منع الِإعراب فألزم الحركة كما الزمت " هُوَ " وحذف الحركة جائز لأن الياء من حروف المد واللين، فلما سكن ما قبلها لم يكن بد من تحريكها فجعل حظها ما كان لها في الأصل من الحركة وهو الفتح، ومن العرب من يقولون: " هُدَيً وعَصَى "، فمن قرأ بهذه القراءَة فإنما قلبت الألف إِلى - الياءِ، للْيَاءِ التي بعدها، إِلا أن شَأنَّ يَاءِ الإضافة أنْ يُكْسر ما قَبْلَها، فجعل بدلَ كَسْرِ ما قَبلها - إِذْ كانت الألف لا يكسر ما قبلها ولا تكسر هي - قَلْبَها ياءً. وطَىءٌ تقول في هُدًى وعَصاً وأفْعًى وما أشبهَ هذا في الوقفِ هُدَيْ وعَصَيْ (وأفعى)، بغير إِضافة. وأنشد أبو الحسن الأخفش وغيره من النحويين. تبَشري بالرفْهِ والماءِ الروَى. . . وفرج منك قريب قد أتَىْ وبعض العرب يجري ما يجريه في الوقف - في الأصل - مجراه في

стр. 81

الوقف وليس هذا الوجهَ الجيدَ. وزعم سيبويه أن الذين أبدلوا من الألف الياء، أبدلوها في الوقف ليكون أبين لها. وحكى أيضاً أن قوماً يقولون في الوقف حُبْلَوْ، وأفْعَوْ. وإِنما يحكي أهل اللغة والعلم بها كل ما فيها، ليتميز الجيد المستقيم المطرد من غيره، ويجتنب غير الجَيِّد. فالباب في هذه الأشياء أن ئنْطق بها في الوصل والوقف بألفٍ، فليس إِليك أن تقلب الشيءَ لِعِلةٍ ثم تنطق به على أصله والعلة لمْ تزل، فالقراءَة التي ينبغي أن تُلْزم أهي، (هدَايَ فَلَا خَوْفٌ) إلا أن تثبت برواية صحيحة " هدَيّ " فيقرأ بها. ووجهه من القياس ما وصفنا. فأمَّا قوله: (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ). وقوله: (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) فلا يجوز أن يقرأ هذا صراط علاي، ولا ثمَّ إلاي مرجعكم، لأن الوصل كان في هذا: " إلآي " و " عَلَاي " ولكن الألف أبْدِلَتْ منها مع المضمرات الياءُ، ليفصل بين ما آخره مِما يَجب أن نعْرَبَ ويتَمَكن، ومَا آخره مما لا يجب أن يعرب، فَقلبَتْ هذه الألف ياءً لهذه العلة. * * * وقوله : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) نصب (بني إِسرائيل) لأنه نداء مضاف، وأصل النداءِ النصب لأن معناه معنى " ناديت " و " دعوت " وإسرائيل في موضع خفض إِلا إنَّه فتح آخره لأنه لا يَنْصَرف، وفيه شيئان يوجبان منعَ الصرف، وهما إنَّه أعجمي وهو معرفة - وإذا كان الاسم كذلك لم يَنْصَرف، إِذا جاوز ثلاثة أحرف عند

стр. 82

النحويين، وفي قوله: (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) وجْهان، أجودهما فتح الياءِ لأنَّ الذي بعدها ساكبن وهو لام المعرلْة فإستعمالها كثيرَ في الكلام فاختير فتح الياءِ معها لالتقاءِ " السَّاكنين، ولأن الياء لو لم يكن بعدها ساكن كانَ فتحها أقوى في اللغة، ويجوز ُأنْ تحذف الياءُ في اللفظ لالتقاءِ السَّاكنين فتقرأ - (نعمتِ التي) أنعمت بحذف الياءِ، والاختيار إثبات الياء وفتحها لأنه أقوى في العربية وأجزل في اللفظ وأتم للثواب، لأن القارئ يجازى على كل ما يقرؤُه من كتاب اللَّه بكل حرف حسنة، فإن إثباته، أوجَهُ في اللغة. فينبغي إثباته لما وصفنا. فأما قوله : (هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١). فلم يكثر القراءُ فتح هذه الياء، وقال أكثرُهُم بفتحها مع الألف واللام. ولعَمْري إن اللام المَعْرفَةَ أكثرُ في الاستعمال، ولكني أقول: الاختيار " أخِيَ اشْدُدْ " بفتح الياءِ لالتقاءِ السَّاكنين، كما فتحوا مع اللام، لأن اجتماع ساكنين مع اللام وغيرها معنى واحد وإن حذفت فالحذف جائز حَسَن إلا أن الأحْسَنَ ما وَصَفْنَا. وأمَّا معنى الآية في التذكير بالنعمة فإنهم ذُكرُوا بِمَا أنْعِمَ بِه على آبائهم من قبلهم، وأنعم به عليهم، والدليل على ذلك قوله: (إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً)، فالذين صادفهم النبي ﷺ لم يكونوا أنبياء وإنَّما ذُكِّروا بما أنعم به على آبائهم وعليهم في أنفسهم وفي آبائهم، وهذا المعنى موجود في كلام العرب معلوم عندها. يفاخر الرجلُ الرجُلَ فيقولُ هَزَمْناكُمْ يَوْمَ " ذي قار "،

стр. 83

ويقول قتلناكم يوم كذا، معناه قَتَل آباؤُنا آباءَكم. * * * وقوله : (وَأوْفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ). معناه - واللَّه أعلم - قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) فتمام تبيينه أن يخبروا بما فيه من ذكر نبوة محمد ﷺ وقد بيَّنَّا ما يدُل على ذكر العهد قبل هذا وفيه كفاية. * * * وقوله : (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). نصب بالأمر كأنه في المعنى " أرهبوني " ويكون الثاني تفسير هذا الفعل المضمر، ولو كان في غير القرآن لجاز: " وَأنَا فَارْهَبُونِ " ولكن الاختيار في الكلام والقرآن والشعر (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) حذفت الياء وأصله " فارهبونِي " - لأنها فاصلة، ومعنى فاصلة رأس آية ليكون النظم على لفظ مُتَسق، ويسمِّي أهلُ اللغة رؤوس الآي الفواصل، وأواخر الأبيات: القوافي. ويقال وَفيْت له بالعهد فأنا وافٍ به، وأوفيت له بالعهد فأنا موف به. والاختيار: - أوفيت، وعليه نزل القرآن كله قال الله :

стр. 84

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وقال: (وأوْفُوا بعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدتُمْ) وقال: (فَأوْفُوا الْكَيْلَ والمِيزَانَ) وكل ما في القرآن بالألف وقال الشاعر في " أوْفَيْتُ ": " ووفيتُ " فجمع بين اللغَتَينِ في بيت واحد: أما ابنُ عوف فقد أوْفى بذمته. . . كما وَفَى بقلاص النجم حاديها * * * وقوله : (وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) يعني القرآن، ويكون أيضاً، (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ) بِكِتَابِكم وبِالْقُرْآنِ إن شئت عادت الهاءُ على قوله (لما معكم)، وإنما قيل لهم (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ) لأن الخطاب وقع على حكمائهم فإذا كفروا كفر معهم الأتباع فلذلك قيل لهم: (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ) فإن قال قائل: كيف تكون الهاءُ لكتابهم؛ قيل له

стр. 85

إنههم إذا كتموا ذكر النبي ﷺ في كتابهم فقد كفروا به كما إنَّه من كتم آية من القرآن فقد كفر به ومعنى (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) - إذا كان بالقرآن - لا مؤنَةَ فيه. لأنهم يظهرون أنهم كافرون بالقرآن. . ومعنى (أَوَّلَ كَافِرٍ) أولَ الكافرين،. قال بعض البصريين في هذا قولين: قال الأخفش معناه أول منْ كفَر به، وقال البصريون أيضاً: معناه ولا تكونوا أول فريقٍ كافر به أي بالنبي ﷺ وكلا القولين صواب حسن. وقال بعض النحوين إن هذا إنما يجوز في فاعل ومفعول تقول الجيش منهزم، والجيش مهزوم، ولا يجوز فيما ذكر: الجيش رجل، والجيش فرس، وهذا في فاعل ومفعول أبين، لأنك إذا قلت الجيش منهزم فقد عُلِمَ أنك تريد هذا الجيش فنقطت في لفظه بفاعل لأن المعنى الذي وضع عليه الجيش معنى يدل على جمع، فهو فَعال. ومفعول يدل على ما يدل عليه الجيش، وإذا قلت الجيش رجل فإنما يكره في هذا أن يتوهم أنك تقلله فأمَّا إِذا عرف معناه فهو سائغ: جيد. تقول: جيشُهُمْ إِنَّما هو فرسٌ ورجُل، أي ليس بكثير، الاتباع فيدل المعنى على أنك تريد الجيش خيل ورجال، وهذا في فاعل ومفعول أبين كما وصفنا. * * * وقوله : (أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ). اللغة العليا والقُدْمَى الفتح في الكاف وهي لغة أهل الحِجَازِ، والإمالة في الكاف أيضاً جيّد بالغ في اللغة لأن فاعلا إذا سَلِم من حروف الإطباق

стр. 86

وحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغةً إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة بني تميم وغيرهم من العرب، ولسان الناس الذين هم بالعراق جارٍ على لفظ الِإمالة، فالعرب تقول: هذا عابد وهو عابد فيكسرون ما بعدها إلا أن تدخل حروف الِإطباقِ وهي الطاء والظاء والصاد والضاد، لا يجوز في قولك فلانٌ ظالم: ظالم ممال، ولا في طالب: طالب ممال، ولا في صابر صابر: ممال، ولا في ضابطٍ: ضابط ممال، وكذلك حروف الاستعلاءِ وهي: الخاءِ والغين، والقاف، لا يجوز في غافل: غافل ممال ولا في خادم: خادم ممال، ولا في قاهر قاهر: ممال. وباب الإمالة يطول شرحه إلا أن هذا في هذا الموضع هو المقصود وقدر الحاجة. * * * قوله : (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) يقال لبَسْت عليهم الأمرَ ألبِسُه، إذا أعَمَّيته عليهم، ولبِسْت الثوبَ ألبَسُه ومعنى الآية: (لَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ)، والحق ههنا أمر النبي ﷺ وما أتى به من كتاب الله ، وقوله بالباطل، أي بما يحرفون. * * * وقوله : (وأنتم تَعْلمُونَ) أي تأتون لبسكم الحق وكتمانه على علم منكم وبصيرةٍ. وإعراب (وَلَا تَلبِسُوا) الجزم بالنهي، وكلامة الجزم سقوط النون، أصله تَلْبِسُون وتَكْتمُونَ، يصلح أن يكون جزماً على معنى ولا تكتموا الحق، ويصلح أن يكون نصباً وعلامة النصب أيضاً سقوط النون، أما إذا نصبت فعلى معنى الجواب بالواو، ومذهب الخليلِ وسيبويه والأخفش وجماعة من البصريين أن

стр. 87

جميع ما انتصب في هذا الباب فبإضمار أن كأنك قلت لا يكن منكم إلباس الحق وكِتْمَانه، كأنَّه قال وإن تكتموه، ودلَّ تلبسوا على لبس كما تقول: من كذب كانَ شَرًّا، ودل ما في صدر كلامك على الكذب فحذفْتَه. * * * وقوله : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) فالألف ألف استفهام، ومعناه: التقرير والتوبيخ ههنا، كأنه قيل لهم: أنتم على هذه الطريقة. ومعنى هذا الكلام - واللَّه أعلم - أنهم كانوا يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم ويتركون هم التمسك به، لأن جحْدهم النبي ﷺ هو تركهم التمسك به - ويجوز واللَّه أعلم - أنهم كانوا يأمرون ببذْل الصدقةِ وكانوا يضنون بها، لأنهمَ وُصِفُوا بأنهم قست قلوبهم. وأكلوا الربَا والسُّحْتَ، وَكانوا قد نهوا عن الربا. فمنع الصدقة داخل فِي هذا الباب. * * * وقوله : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) إن قال قائل لم قيل لهم: استعينوا بالصبر وما الفائدة فيها فإن هذا الخطاب أصله خطاب أهل الكتاب، وكانت لهم رئاسة عند أتباعهم فقيل لهم: استعينوا على ما يُذْهِبُ عنكم شهوَة الرياسة بالصلاة لأن الصلاة يتلى فيها ما يُرغب فيما عند اللَّه، ويزهد في جميع أمر الدنيا، ودليل ذلك قوله: (إِنَّ الصَّلاةَ تنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمنكَرِ). * * * وقوله : (وَإِنهَا لَكَبِيرة إِلا عَلى الْخَاشِعِين). المعنى: إِن الصلاة التي معها الإِيمان بالنبي ﷺ كبيرة تكبر على الكفار وتعْظُمُ عليهم مع الإيمان بالنبي ﷺ . والخاشع المتواضع المطيع المجيب لأن

стр. 88

المتواضع لا يبالي برياسة كانت له مع كفرٍ إِذا انتقل إِلى الِإيمان. * * * وقوله : (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) الظن ههنا في معنى اليقين، والمعنى: الذين يوقنون بذلك ولو كانوا شاكين كانوا ضُلالاً كافرين، والظن: بمعنى اليقين موجود في اللغة، قال دريد بن الصمة: فقُلْت لهم ظُنوا بألْفيْ مُقاتِل. . . سَراتهُمُ في الفارِسيّ المُسَرَّدِ ومعناه أيقنوا. وقد قال: بعض أهل العلم من المتقدمين: إِن الظن يقع في معنى العلم الذي لم تشاهده، وإِن كان قام في نفسك حقيقتُه وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا. قال أبو إِسحاق: وهذا سمعته من إِسماعيل بن إِسحاق القاضي رحمه اللَّه رواه عن زيد بن أسلم. .

стр. 89

وقوله (أَنَّهُمْ) ههنا لا يصلح في موضعها إِنهم - بالكسر - لأن الظن واقع فلا بد مِن أن تكونَ تِليه. أنَّ إلا أن يكون في الخبر لام. ويصلح في (أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) الفتح والكسر، إِلا أن الفتح هو الوجه الذي عليه القراءَة، فإذا قلْت: وإنهُّم إِليه راجعون - في الكلام - حملت الكلام عَلَى المعنى كأنه " وهم إليه راجعون " ودخلت أنْ مَؤكْدة، ولولا ذلك لما جاز أبطالك الظن مع اللام إذا قلت ظننت إنك لعالم. ومعنى (مُلَاقُو رَبِّهِمْ) ملاقون ربهمْ لأن اسم الفاعل ههنا نكرة ولكن النون تحذف استخفافاً، ولا يجوز في القرآن إثباتها لأنه خلاف المصحف، ولا يجوز أن يقع شيء في المصحف مجمع عليه فيخالف، لأن اتباع المصحف أصل تباع السُنة. * * * وقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) أذكرهم الله نعمته عليهم في أسلافهم، والدليل على ذلك قوله : (وَإذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعوْن) والمخاطبون بالقرآن لم يروا فرعون ولا آله. ولكنه ذكَرهم أنه لم يزل منعماً عليهم لأن إنعامه على أسلافهم إِنعام عليهم، والدليل على ذلك: أن العرب وسائر الناس يقولون: أكرمْتُك

стр. 90

بإكرامي أخاك،. وإنما الأثرة وصلت إلى أخيه، والعربُ خاصة تجعل ما كان لآبائها فخراً لها، وما كان فيه ذم يعدونه عاراً عليها، وإن كان فيما قَدُم من آبائها وأسلافها. * * * وقوله : (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) يعني به يوم القيامة، وكانت إليهود تزعم أن آباءَها الأنبياء تشفع لها عند الله فأيئَسُهم اللَّه من ذلك. * * * وقوله : (وَلا يؤخَذُ منْهَا عَدْلٌ). العدل ههنا الفِدْية، ومعنى: (لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) أي لا تجزي فيه، وقيل: لا تجْزِيه، وحَذْفُ (فيه) ههنا سائغ، لأن (في) مع الظرف محذوفة: تقول أتيتك اليوم، وأتيتك في اليوم، فإذا أضمرت قلت أتيتك فيه، ويجوز أنْ تقول أتيْتُكه، قال الشاعر: ويوماً شهِدناه سليماً وعامراً. . . قلِيلاً سوى الطَّعنِ النِهال نوافلُه أراد شهدنا فيه، وقال بعض النحويين: إن المحذوف هنا الهاء لأن الظروف عنده لا يجوز حذفها - وهذا قول الكسائي والبَصريون وجماعةٌ من الكوفيين يقولون: إن المحذوف " فيه ". وفصَّل النحويون في الظروف، وفي الأسماءِ غير الظروف فقالوا: إن الحذف مع الظروف جائز كما كان في ظاهره، فكذلك الحذف في مضمره، لو

стр. 91

قلت الذي سرت اليوم، تريد الذي سرت فيه جائز، لأنك تقول سرت اليوم وسرت فيه، ولو قلت: الذي تكلمت فيه زيد: لم يجز الذي تكلمت زيد لأنك تقول تكلمت اليوم وتكلمت فيه، ولا يجوز في قولك تَكلمْتُ في زيد تكلمْتُ زيداً. * * * وقوله : (تُقْبَلُ مِنْهَا شفاعَةٌ). مرفوع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، والاسم إذا لم يُسَم من فعَل به رُفع لأن الفعل يصير حديثاً عنه كما كصير حديثاً عن الفاعل، وتقول: لا يُقْبَلُ منها شفاعةٌ، ولا تُقْبلُ، لأن معنى تأنيث ما لا يُنْتجُ غيرحقيقة، فلك في لفظه في الفعل التذكير والتأنيث، تقول: قبِل منك الشفاعة، وقدْ قُبلتْ منك الشفاعة، وكذلك (فمن جاءَه موعظةٌ) لأن معنى موعظة ووعظ، وشفاعة وشفع واحد. فلذلك جاء التذكير والتأنيث على اللفظِ والمعنى وأمَّا ما يعقل ويكون منه النسل والولادة نحو امراة ورجل،، وناقة وجمل فيَصِح في مؤَنثة لفظ التذكير، ولو قلت قام جارتك ونحر ناقتك كان قبيحاً - وهو جائز على قبحه لأن الناقة والجارة تدلان على معنى التأنيث، فاجتزئَ بلفظهما عن تأنِيثِ الفعل، فأمَّا الأسماء التي تقع للمذكرِين وأصحاب المؤنث فلا بد فيها من عَلمِ التأنيث لأن الكلام للفائدة، والقصد به الإبانة، فلو سُمَّيت أمراة بقاسم لم يجز أن يقال جاءَني قاسم، فلا يعلم أمذكراً عَنَيْت أم مؤَنثاً، وليس إلى حذف هذه التاء - إذا كانت فارقة بين معنيين - سبيل، كما إنَّه إذا جرى ذكر رجلين لم يجز أن تقول: قد قام،

стр. 92

ولا يجوز إلا أن تقول قاما، فعلامة التأنيث فيما فيه اللبس كعلامة التثنية ههنا. * * * وقوله : (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) موضع إذ نصب، كأنه قال: واذكروا إذ نجيناكم مِنْ آل فرعون، وآلُ فرعَون أتْبَاعُه ومن كان على دينه، وكذلك آلُ الأنبياءِ صلوات اللَّه عليهم من كان على دينهم، وكذلك قولنا: صلى اللَّه على محمد وآله: معنى آله من اتبعه من أهل بيته وغيرهم، ومعنى خِطابِهمْ هَهنَا تذكيرهم بالنعمة عليهم في أسلَافِهِمْ كما وصفنا. * * * وقوله : (يَسُومُونكُمْ سُوءَ العَذابِ). معنى (يَسُومُونكُمْ) في اللغة. يولونكم، ومعنى سوءَ العذابِ، شديد العذاب، وإن كان العذاب كله سوءًا، فإنما نُكرَ في هذا الموضع لأنه أبلغ ما يعامل به مَرْعِيٌّ. فلذلك قيل سوءَ العذاب، أي ما يبلغ في الإساءَة ما لا غاية بعده. وفسره بقوله: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) والقراءَة المجمع عليها - يُذَبِّحُونَ - بالتشديد - ورواية شاذة يَذْبَحُون أبناءَكم، والقراءَة المجمع عليها أبلغ، لأن (يُذَبِّحُونَ) للتكثير، ويَذْبَحُونَ يصلح أن يكون للقليل وللكثير فمعنى التكثير ههنا أبلغ، و (أبناءَكم) جمع ابن، والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو ويقال: ابن بيَّن البنوة، فهي تصلح أن تكون "فعَل" و " فِعْل" كأنه أصله بناية، والذين قالوا بنون كأنَّهم جمعوا "بَنا" وبنون، فأبناءُ جمع " فعَل وَفِعْل ". و"بِنْتٌ" يدل على أنه يَستقيم أن يكون فِعْلًا، ويجوز أن يكون " فَعَل " نقلت إلى " فِعْل " كما نقلت أخت من فَعَل إلى فُعْل، فأمَّا بنات فهو ليس بجمع بنت على لفظها، إنما ردت إلى أصلها فجمعت بنات على أن الأصل في بنت "فِعْله" كأنَّها مما حذفت لامه،

стр. 93

وَالأخفش: يختار أن يكون المحذوف من ابن الواو قال: لأن أكثر ما تحذف الواو بثقلها. والياءُ تحذف أيضاً للثقل. قال أبو إِسحاق: والدليل على ذلك أن يداً قد أجمعوا على أن المحذوف منه الياءُ ولهم دليل قاطع على الإِجماع قال: يديت إِليه يداً، ودم محذوف منه الياءُ، يقال دم ودميان. قال الشاعر: فلو أنَّا على حَجَر ذبِخنا. . . جَرى الدَّميَانِ بالخَبَر اليقينِ والبنوًة ليست بشاهد قاطع في الواو، لأنهم يقولون الفتوة والفتيان في التثنية - قال : (وَدَخَلَ مَعَهُ السِجْنَ فَتَيانِ). فابْن يجوز أن يكون المحذوف منه الواو أو الياءُ. وهما عندي متساويان. وقوله : (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ).

стр. 94

يعني: في النجاة من آل فرعون. والبلاءُ ههنا النعمة، يروي عن الأحنف أنه قال: البلاءُ ثم الثناءُ، أي الأنعام ثُمَّ الشكرُ. قال زهير: جزى اللَّهَ بالِإحْسَان مَا فعَلا بِنَا. . . وأبلاهما خير البلاءِ الذي يبلو وقال الله : (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا). * * * وقوله : (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) موضع (إِذْ) نصب كالتي قبلها، ومعنى (فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ): جاءَ تفسيره في آية أخرى، وهو قوله : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣). أي فانْفرق البحر فصار كالجبال العظام، وصَاروا في قَرَارِه - وكذلك قوله : (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧). معناه طريقاً ذا يبس. وقوله: (وَأغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ) فيه قولان (قالوا) وأنتم

стр. 95

ترونهم يغرقون ويجوز أن يكون: (وأنتم تنظرون) أي وأنتم مشاهدون تَعلمون ذلك، وإن شغلهم عن أن يروه في ذلك الوقت شاغل يقال مِنْ ذلك: دُور آل فلان تنظر إلى دور بني فلان، أي هي بإزائها والدُّور يعلم أنها لا تبصر شيئاً. * * * وقوله : (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ويقرأ: (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى) وكلاهما جائز (حسن) واختار جماعة من أهل اللغة، وإذ وعدنا بغير ألف: وقالوا: إنما اخترنا هذا لأن المواعدة إنما تكون لغير الآدميين، فاختاروا (وعدنا) وقالوا دليلنا قوله (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) وما أشبه هذا وهذا الذي ذكروه ليس مثل هذا وواعدنا هنا جيد بالغ، لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فهو من اللَّه وعدٌ ومن موسى قبول واتًبَاعٌ فجرى مجرى المواعدة. * * * وقوله : (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ). ذكرهم بكفر آبائهم مع هذه الآيات العظام، وأعْلمهم أن كفرهم بالنبي ي مع وضوح أمره وما وقفوا عليه من خبره في كتبهم ككفر آبائهمْ. وكان في ذكر هذه الأقاصيص دلالة على تثبيت نُبوة النبي ﷺ لأن هذه الأقاصيص ليست من علوم العرب، وإنما هى من علوم أهل الكتاب، فأنبأهم النبي ﷺ بما في كتبهم، وقد علموا أنه منْ العرب الذين لم يقرأوا كتبهم،

стр. 96

فعلموا إنَّه لمْ يُعَلمْ هذِه الأقاصيص إلا من جهة الوحي، ففي هذه الآيات. إذكارهُم بالنعمة عليهم في أسلافهم، وتثبيت أمر الرسالة كما وصفنا. * * * وقوله : (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) آتينا بمعنى أعطينا، و (الكتاب) مفعول به، (والفرقان) عطف عليه. وَيَجُوزُ أن يكون الفرقان الكتاب بعينه إلا إنَّه أعيد ذكره، وعَنى به أنه يفرق بين الحق والباطل. وقد قال بعض النحويين وهو قطرب: المعنى: وآتينا محمداً الفرقان، ودليله قوله (تَبَارَكَ الًذِي نَزَلَ الفُرُقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) يعني به القرآن. والقول الأول هو القول لأن الفرقان قد ذكر لموسى في غير هذا الموضع - قال الله : (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨). * * * وقوله : (لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ). " لعل " إنما ذكرت هنا - واللَّه يعلم أيهتدون أم لا يهتدون - على ما يفعل العباد ويتخاطبون به، أي إن هذا يرجى به الهداية، فخوطبوا على رجائهم. ومثله قوله: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى): إنما المعنى اذهبا على رجائكما، واللَّه عالم بما يكون وهو من ورائه. * * * وقوله : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إنَهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) والقراءَة (يَا قَوْمِ) بكسر الميم، وهو نداء مضاف، والاختيار فيه حذف الياءِ، لأن الياء حرف واحد، والنداءُ باب حذف، وهي شي آخر الاسم، كما

стр. 97

أنَّ التنوين في آخره، فحذفت الياءُ، وبقيت الكسرة تدل عليها، ويجوز في الكلام أربعة أوجه. فأمَّا في القرآن فالكسر وحذف الياءِ لأنه أجوَد الأوْجُهِ. وهو إجماع القراءِ، فالذي يجوز في الكلام أن تقول " يَا قَوْمِ إنكم " كما قرئ في القرآن، ويجوز يا قومِي بإثبات الياءِ وسكونها، ويجوز يا قوْمِيَ بتحريك الياءِ، فهذه ثلاثة أوجه في الإضافة، ويجوز ُ يا قومُ بضئم الميم على معنى يا أيها القوم. ومعنى قوله (ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ). يقال لكل من فعل فعلاً يعود عليه بمكروه إِنما أسأت إلى نفسك وظلمت نفسك، وأصل الظلم في اللغة وضع الشيءِ في غير موضعه، والعرب تقول: ومن أشبه أباه فما ظلم، معناه لم يقعْ لَهُ الشبه غيرَ مَوقعهِ، ويقال ظلم الرجل سقاءَه من اللبن إذا شرب " منه " وسقي منه قبل إدراكه، وأرض مظْلُومة إِذا حُفِرَ فيها ولم يكن حفر فيها قبل، أو جاءَ المطر بقربها وتخطاها. قال النابغة: إِلاَّ أَوارِيَّ لأَيَاً ما أُبَيِّنُهَا. . . والنُّؤْيُ كالحوضِ بالمظلومةِ الجَلَدِ ؛ ومعنى قوله (باتخاذُكمُ العِجْلَ) أي اتخذتموه إلهاً. ومعنى قوله (فتُوبوا إِلى بَارِئكُمْ) أي إلى خالقكم، يقال برأ اللَّه الخلق، فالبارئ الخالق، والبريَّة والخلق المخلوقون، إلا أن البريَّة وقعت في أكثر كلامهم غير مهموزة -

стр. 98

وأصلها (أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) وأكثر القراء؛ والكلاَمِ " الْبَرِيَّة " بغير همز. وقد قرأ قومٌ (البَرِيئَةُ) بالهمز، والاختيار ما عليه الجمهور، وروي عن أبي عمرو بن العلاءِ أنه قرأ (إلى بارِئْكمَ) بإسكان الهمز، وهذا رواه سيبويه باختلاس الكسرة، وأحسب أن الرواية الصحيحة ما روى سيبويه فإنه أضبط لمَا رَوَى عن أبي عمرو، والإعْراب أشبه بالرواية عن أبي عمرو لأن حذف الكَسرة في مثل هَذا وحذف الضم إنما يأتي باضطرار مِنَ الشعر، أنشد سيبويه - وزعم إنَّه مما يجُوز في الشعر خاصة. إذا اعْوجَجْنَ قلت صاحبْ قومِ بإسكان الباءِ، وأنشد أيضاً: فاليوم أثمربْ غَيْرَمستحقب. . . إثماً من اللَّه ولا واغل فالكلام الصحيح ان تقول " يا صاحبُ " أقبل، أو يا صاحب أقبل ولا وجْهَ للإسكان، وكذلك " فاليوم أشَرب "، يا هذا وروى غير سيبويه هذه الأبيات على الاستقامة وما ينبغي أن يكون في الكلام والشعر، رووا هذا البيت على ضربين: رووا. فاليوم فَاشْرَبْ غير مستحقب.

стр. 99

ورووا أيضاً: فاليوم أُسْقَى غيرَ مسْتَحْقب. ورووا أيضاً: إذا اعوججن قلت صَاح - قَوَم. ولم يكن سيبويه ليروي (إن شاءَ اللَّه) إلا ما سمع إلا أن الذي سمعه هُؤلاء هو الثابت في اللغة، وقد ذكر سيبويه أن القياس غير الذي رَوَى. ولا ينبغي أن يُقْرَأ إلا (إلى بارئِكُمْ) بالكسر، وكذلك (عند بَارِئِكُمْ). ومعنى (فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ) امتحنهم اللَّه بأن جعل توبتهم أن يقتل بعضُهم بعضاً، فيقال إنهم صُفًوا صَفَيْنِ يقتل بَعضهم بعضاً، فمن قُتِل كان شهيداً؛ ومن لم يقتل فتائب مغفور له ما تقدم من ذنبه، ويقال إن السبعين الذين اختارهم موسى ﷺ لم يكونوا ممن عبد العجل، وإنهم هم الذين كانوا يقتلون، والأول أشبه بالآية لأن قوله (فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ) يدل على أنها توبَة عبدة العجل، وإنما امتحنهم الله بهذه المحنة العظيمة لكفرهم بعد الدلالات والآيات العظام. * * * وقوله : (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) معنى (جهرة) غير مُسْتتِرٍ عَنَّا بشيءٍ، يقال فلان يجاهر بالمعاصي أيْ لا يسْتتِر من الناس منها بشيءٍ. وقوله: (فأخذتكم الصاعقة) معنى الصاعقة ما يُصْعقون منه، أيْ يموتون، فأخذتهم الصاعقة فماتوا. الدليل على أنهم ماتوا قوله : (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦).

стр. 100

وفي هذه الآية ذكر البعث بعد موت وقع في الدنيا. مثل قوله تعالى: (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ). ومثل قوله : (فَقَالَ لَهُم اللَّهُ مُوتوا ثم أحْيَأهُمْ) وذلك احتجاج على مشركي العرب الذين لمْ يكُونوا مُوقنين بالبعث، فأتى النبي ﷺ بالأخبار عمن بعث بعد الموت في الدنيَا مما توافقه عليه إليهود والنصارى، وأرباب الكتب فاحتج ﷺ بحجة اللَّه التي يوافقه عليها جميع من خالفه من أهلِ الكتب. وقوله (لعَلَّكُمْ تشْكُرُون) أي في أن بَعَثَكُم بعد الموت، وأعلمكم أن قدرته عليكم هذه القدرة، وأن الِإقالة بعد الموت لا شيءَ بَعدها، وهي كالمُضْطَرةِ إلى عبادة اللَّه. وقوله: (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) سخر اللَّه لهم السحاب يظللهم حين خرجوا إلى الأرض المقدسة. وأنزل عليهم المَنّ والسلوى. وجملة المَن ما يمن اللَّه به مما لا تعب فيه ولا نَصَبَ وأهل التفسير يقولون إن المنَّ شيء يسقط على الشجر حلو يشرب. ويقال إنَّه " التَرَنْجِين "،، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: الكمأة من المَنِّ وماؤها شفاء للعين، ومعنى المنّ على ما وَصفنا في اللغة ما يمن اللَّه به من غير تعب ولا نصب، والسلوى طائر كالسمَاني، وذكر إنَّه كان يأتيهم من هذين ما فيه كفايتُهم.

стр. 101

وقوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) قالوا إن معناه من هذه الطيبات، وقالوا أيضاً مما هو حلال لكم. * * * وقوله : (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) الرغد: الواسع الذي لا يُعَنِّي. وقوله: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أُمِرُوا بأن يدخلوا سَاجِدين. (وَقُولُوا حِطَّةٌ):، هناه وقولوا مسألتنا حطة، أي حط ذنوبنا عنا، وكذلك القراءَة، ولو قرئ حطةً كان وجهها في العربية كأنهم قيل لهم، قولوا احْطُطْ عَنَّا ذنوبنا حطة. فحرَّفوا هذا القول وقالوا لفظة غير هذه اللفظة التي أُمروا بها، وجملة ما قالوا أنه أمْرٌ عظيم سماهم الله به فاسقين. وقوله: (نغْفِرْ لَكُمْ) جزم جواب الأمر، المعنى أن تقولوا ما أمرتم به نغْفرْ لكم خطاياكم، وقرأ بعضهم " نغْفرْ لكم خطِيئَاتِكمْ " والقراءة الأولى أكثر، فمن قال خطيئاتكمْ، فهو جمع خَطِيئة بالألف والتاءِ، نحو سفينة وسفينات، وصحيفة وصحيفات، والقرَاءَة كما وصفنا (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ)، والأصل في خطايا - خطائِئ فتجمع همزتان تقلب الثانية ياء فتصير خطائي، فأعِلِّ - مثل " حظاعي " ثم يجب أن تقلب الياءُ والكسرة إلى الفتحة والألف - فتصير خطاءَاً، مثل حظاعاً، فيجب بأن تبدل الهمزة ياءً، لوقوعها بين ألفين، لأن الهمزة مجانسة للألفات فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، وهذا الذي ذكرناه مذهب سيبويه ولسيبويه مذهب آخر أصله للخليل، وهو أنه زعم أن

стр. 102

خطايا أصلها فعائل، فقلبت إلى فعَالى فكان الأصل عنده خطائى مثل خطائع - فاعلم - ثم قدمت الهمزة فصارت خطائي مثل خطاعي، ثم قلبت بعد ذلك على المذهب الأول - وهذا المذهب ينقص في الإعلال مرتبه واحدة، واللفظ يَؤول في اللفظين خطايا. * * * وقوله : (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩) العذاب وكذلك الرّجْس - قال الشاعر. كمْ رامنا من ذي عَديدٍ مُبْزى. . . حتى وقَمْنا كيده بالرجْز * * * وقوله : (بِمَا كَانُوا يَفسُقُون). أي تبْديلهم ما أمروا به من أن يقولوا حطة. ويُقال فَسَقَ يفْسُق ويفْسِقُ. ويفسُقُ على اللغتين وعليها القراء، ومعنى الفَسْق الخروج عن القصد والحق وكل ما خرج عن شيء فاقد فسق إلا أنَّهُ خص من خرج عن أمر اللَّه بأن قيل فاسق، ولم يحتج إلى أن يقال فسق عن كذا، كما أنه يقال لكل من صَدق بشيء هو مؤمن بكذا ويقال للمصدق بأمر اللَّه مؤمن فيكفي، والعَرب تقول فسَقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها. * * * وقوله : (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) موضع (إذْ) نصْبٌ على ما تقدمه، كأنَّه قيل واذكر إذ استسقى موسى لقومه إلا أن (إذْ) لايظهر فيها الإعراب. لأنَّها لا تتم إلا بأن توصل، وجَميع ما

стр. 103

لا يتم من هذة المهمة إلا بصلة لا يعرب لأنه بعض اسم ولا يعرب إلا الاسم التام، ولكن إذْ كُسِرت لالتقاء السَّاكنين، - ومعنى استسقى، استدعى أن يُسْقى قوْمُه، وكذلك استنْصرت استدعيْتُ النصْرة. * * * وقوله : (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا). . أكثر القراءَ (اثنتا عشْرَة) بإسكان الشين، ولغة أخرى (اثنتا عَشِرة) عينا - بكسر الشين - وقد قرأ بعض القراءِ عَشِرَةَ - على هذه اللغة، وكلاهما جيد بالغ - و (عيناً) - نصب على التمييز، وجمع ما نصب على - التمييز في العدد على معنى دخول التنوين، وإن لم يذكر في عشرة، لأن التنوين حذف هَهنا مع الإعراب ومعنى قول الناس عندي عشرون درهماً معناه عندي عشرون من الدراهم، فحُذف لفظ الجمع - و "مِنْ" هذه التي خَلَصَ بها جِنسٌ من جِنس وعبر الواحد عن معنى الجمع، فهذا جملة ما انتصب من العدد على التمييز. وفي التفسير أنهم فجَّرَ اللَّه لهم من حَجَرٍ اثنتيْ عَشْرَةَ عيناً لاثْنَي عَشَرَ فريقاً، لكل فريق عين يشربون منها، تتفجر إذا نزلوا فإذا ارتحلوا غارت العين وحَمَلوا الحجر غير متفجر منه ماءً. * * * وقوله : (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ). كان يتفجر لهم الماءُ من اثْنَيْ عشر موضعاً لا يختلف في كل منزل فيعلم كل أناس مشربهم. * * * وقوله : (وَلَا تعْثَوْا في الأرض مُفسِدِينَ).

стр. 104

يقال عثا يَعثا عَثْواً وعُثُوًّا. والعَثْوُ أشد الفساد. * * * وقوله : (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) يخرج مجزوم وفيه غير قول: قال بعض النحويين المعنى سَلْه وقل له أخرج لنا يخرج لنا هو وقال في قوله تعالى: (وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا التي هِيَ أحسَنُ) قالوا: المعنى قل لهم قولوا التي هي أحسن أن يقولوا. وقال قوم: معنى (يخرج لنا) معنى الدعاء كأنَّه قال: أخرج لنا. وكذلك (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) المعنى قل لعبادي أقيموا، ولكنه صار قبله (ادع) و (قل) فجعل بمنزلة جواب الأمر. وكلا القولين مذهب، ولكنه على الجواب أجود لأن ما في القرآن من لفظ الأمر الذي، ليس معه جَازم - مَرفوع قال اللَّه (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل اللَّه). ثم جَاءَ بعد تمام الآية (يَغفِرْلكُم) المعنى آمنوا باللَّه ورسوله وجاهدوا يَغفِرْ لكُم.

стр. 105

وقوله : (مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا). في القِثاء لغتان، يقال القُثاءُ والقِثاءُ (يا هذا) و (قد) قرأ بعضهم قُثائِها بالضم، والأجود الأكثر وقثائها بالكسر، وفومها: الفوم الحنطة، ويقال الحُبوب وقال بعض النحويين إِنه يجوز عنده الفُومُ ههنا الثوم، وهذا ما لا يعرف أن الفوم الثوم، وههنا ما يقطع هذا. محال أن يطلب القوم طعاماً لا بُرَّ فيه، والبرُّ أصل الغذاءِ كله، ويقال فوِّمُوا لنا، أي اخْبِزُوا لنا. ولا خلاف عند أهل اللغة أن الفُوم الحنطة، وسائر الحبوب التي تخبز يلحقها اسم الفوم. * * * وقوله : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ). يعني أن المنَّ والسلوى أرفع من الذي طلبتم، و (أدنى) القراءَة فيه بغير الهمز وقد قرأ بعضهم " أدْنأ " بالذي هو خير، وكلاهما له وجه في اللغة إلا أن ترك الهمزة أولى بالاتباع. أما (أدْنى) غير مهموز، فمعناه الذي هو أقرب

стр. 106

وأقل قيمة، كما تقول، هذا ثوب مقارب، فأما الخَسيس فاللغة فيه أنه مهموز، يقال: دنُوءَ، دَناءَةً، وهو دَنِيء بالهمزة، ويقال هذا أدْنا منه بالهمزة وقوله : (اهْبطُوا مِصْرًا) الأكثر في القراءَة إثبات الألف. وقد فرأ بعضهم " اهبطوا مصرَ فإن لكُمْ " بغير ألف، فمن - قرَأ مصرًا بالألف فله وجهان: جَائِز أنْ يراد بها مصراً من الأمصار لأنهم كانوا في تيه، وجائز أن يكون أراد مصر بعينها، فجعل مصراً اسماً للبلد. فصرف لأنه مذكر سمي مذكراً وجائز أن يكون مصر بغير ألف على أنه يريد مصرًا كما قال : (ادخُلوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِين) وإنما لم يصرف لأنه للمدينة فهو مذكر سمي به مؤَنث. وقوله : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ). (الذِّلَّةُ): الصغار، (الْمَسْكَنَةُ): الخضوع، واشتقاقه: من السكون. إِنما يقال مِسْكين للذي أسكنه الفقر، أي قللَ حركته. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)

стр. 107

يقال بْؤت بكذا وكذا أي احتملته. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (ذلك بأنهُمْ كانُوا يكفُروَن بآيَاتِ اللَّه). معنى ذلك واللَّهُ أعلم الغضب حل بهم بكفرهم. * * * وقوله : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ). القراءَة المجمع عليها في النبيين والأنبياءِ والبرِئة طرح لهمزة، وجماعة من أهل المدينة يهمزون جَمِيعَ ما في القرآن من هذا فيقرأون، " النبيئين بغير حق والأنبياء.). واشتقاقه من نبَّأ وأنْبَأ أي أخبر. والأجود ترك الهمْزة، لأن الاستعمال يُوجبُ أن ما كان مهموزاً من فعيل فجمعه فُعَلاء، مثل ظريف وظرفاء ونبيء ونُبَآءَ. فإذا كان من ذوات الياءِ فجمعه أفْعلاءِ، نحو غني وأغنياء، ونبي وأنْبياء. وقدجاءَ أفْعِلاء في الصحيح، وَهُو قليل، قالوا خميس وأخْمِسَاء وأخمس، ونصِيب وأنْصِبَاءَ، فيجوز أن يكون نبي مِن أنبأتُ مما ترك همزه لكثرة الاستعمال، ويجوز أن يكون من نبَأ ينْبُوءُ إذا ارْتفع، فيكون فعيلاً من الرفعة. ْوقوله فيّ وجل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)

стр. 108

لا يجوز أن يكون لأحد منهم إيمان إلا مع إيمانه بالنبي ﷺ ودليل ذلك قوله : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ). فتأْويله من آمن باللَّه واليوم الآخر وآمن بالنبي ﷺ فلهم - أَجرُهم. وجاز أَن يقال فلهم لأن مَنْ لفْظُها لفظُ الوَاحِدِ وتقع على الواحد والاثنين والجمْع والتأنيث والتذكير، فيحمل الكلام على لفظها فيُؤخد ويذكر، ويحمَل على معناها فيُثنَّى ويجْمَعُ ويؤنث. قال الشاعر: تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني. . . نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان وهادوا أصلِه في اللغة تابوا، وكذلك قوله : (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) أي: تبْنا إِليْك. وواحد النصارى قيل فيه قولان: قالوا يجوز أن يكون واحدُهمْ نصْران (كما ترى) فيكون نصران ونصارى على وزنِ ندْمَان وندامى - قال الشاعر:

стр. 109

فَكِلْتاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رأسُها. . . كما أَسْجَدَتْ نَصْرانَةٌ لم تَحَنَّفِ فنصرانة تأنيث نصرانٍ، ويجوز أن يكون النصارى وأحدهم نصْرى مثل بعير مَهْرِي، وإبل مَهارى. ومعنى الصابئين: الخارجين من دِين إلى دين. يقال صبأ فلان إذا خرج من دينه - يصبأ - يا هذا - ويقال صبأت النجوم إذا ظهرت وصبأ نابه إذا خرج. * * * وقوله : (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). القراءَة الجيدة الرفع، وكذلك إدْا كررت (لا) في الكلام قلت لا رجلٌ عندي ولا زيْد، و (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧). وإِن قرئ فلا خوفَ عليهم فهو جيد بالغ الجودة وقد قرئ به. * * * وقوله : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) المعنى، اذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، والطور ههنا الجبل ومعنى أخذنا ميثاقكم: يجوز أن يكون ما أخذه اللَّه حين أخرج الناس كالذر. ودليل هذا قوله: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) ثم قال من بعد تمامْ الآية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) فهذه الآية كالآية التي في البقرة. وهو أحسن المذاهب فيها، وقد قيل أن أخذ الميثاق هو ما أخذ. الله من الميثاق على الرسل ومن اتبعهم. ودليله قوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) فالأخذ على النبيين - صلى الله عليهم وسلم - الميثاق يدخل

стр. 110

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) فيه من اتبعهم، (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي جئناكم بآية عظيمة، وهي أن الطور -. وهو الجبلُ. رُفع فوقَهم حتى أظلهم وظنوا أنه واقع بهم، فأخبر اللَّه بعظم الآية التي أروها بعد أخذ الميثاق. وأخبر بالشيء الذي لو عذبهم بعده لكان عدلاً في ذلك، ولكنه جعل لهم التوبة بعد ذلك وقال (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ذلك أي من بعد الآيات العظام. (فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ). أي لولا أنْ منَّ اللَّه عليكم بالتوبة بعد أن كفرتم مع عظيم هذه الآيات (لكنتم من الخاسرين). * * * وقوله : (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ). موضع - ما نصب، و (ما آتيناكم) الكتاب الذي هو التوراة ومعنى خذوه بقوة، أي خذوه بجد واتركوا الريب والشك لما بأن لكم من عظيم الآيات. * * * وقوله : (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) معناه ادْرُسُوا ما فيه وجاز في اللغة أن تقول خذ وخذا، وأصله أوْخُذْ وكذلك " كل " أصله أوكل، ولكن خُذْ وكُلْ اجتمع فيهما كثرة الاستعمال والتقاء همزتين وضمة، فحذفت فاءُ الفعل وهي الهمزة التي كانت في أخذ وآكل فحذفت لما وصفنا من كثرة الاستعمال واجتماع ما يستقلون. * * * وقوله : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) معنى (علمتم) هناعرفتم، ومثله قوله (لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) ومعناه لا تعرفونهم اللَّه يعرفهم. ومعنى (اعتدوا) ظلموا وجاوزوا ما حُدَّ لهُم، كانوا أمرُوا ألا يصيدوا في السبت "، وكانت الحيتانُ تجْتمع لأمنها في
следующие страницы →