Полный текст (2 149 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وهذا الذي قال خطأ فاحش في مثل هذا المكان، لأن ذكر أهل الكتاب
قد جرى في هذه القصة بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللَّه، ويقتلون الأنبياءَ بغير
حق، فأعلمَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ أن منهم المؤْمنين الذين هم أمَّة قائمة، فما الحاجة
إلى أن يقال غير قائمة وإنما المبدوءُ به ههنا ما كان من فعل أكثرهم من الكفر
والمشاقة للنبي ﷺ فذكر من كان مبايناً هُؤلاءِ وذكر في التفسير أن هذا يعني به عبد اللَّه بن سلام وأصحابه:
* * *
(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)
ومعنى (ويأمرون بالمعروف) ههنا أي يأمرون باتباع النبي ﷺ
(وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): عن الِإقامة على مشاقته ﷺ .
* * *
وقوله : (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
قرئت بالياءِ والتاءِ وكلاهما صواب - كما قال اللَّه : (فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره) - فالخطاب لسائر الخلق
ومن قال (فلن تُكْفَروه) فهو لهُؤلاءِ المذكورين وسائر الخلق داخل معهم في ذلك.
وموضع (يفعلوا) جزم بالشرط، وهو (ما) والجواب (فلن يكفروه).
* * *
قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)
أي لا تمنعهم أولادهم مما هو نازل بهم، لأنهم مالوا إلى الأموال في
معاندتهم النبي ﷺ لأن الرياسة إنما قامت لهم - أعني - رؤَساءَ إليهود - بمعاندتهم النبي ﷺ .
стр. 422
والدليل على أنهم كسبوا بذلك قوله جلَّ وعزَّ: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩).
ثم أعلم اللَّه أن مثل ما ينفقونه في تظاهرهم على النبي ﷺ في الضرر لهم:
(كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
والصر البرد الشديد.
(أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ) - أي زرع قوم ظلموا أنفسهم.
فعاقبهم اللَّه بإذهاب زرعهم - فأهلكته.
فأعلم أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح في هذا الزرع وقيل إنَّه يعني
به أهل مكة حين تعاونوا وأنفقوا الأموال على التظاهر على النبي ﷺ
وقال بعضهم: (مثل ما ينفقون)، أي مثل أعمالهم في شِرْكِهِم كمثل هذه الريح.
وجعل فيها صر أي صوت، وهذا يخرج في اللغة.
وإنما جعل فيها صوتاً لأنه جعل فيها ناراً كأنَّها نار أحرقت الزرع - فالصر
على هذا القول صوت لهيب النار، وهذا كله غير مُمْتَنع.
وجملته أن ما أنفق في التظاهر على عداوة الدِّين مضر مهلك أهله في العاجل والأجل.
* * *
قوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)
" البطانة " الدخلاءِ الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بِطانة
لفلان أي مداخل له ومُؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمِروا ألا يداخلوا
المنافقين ولا إليهود، وذلك أنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على
стр. 423
المؤمنين. فأمروا بألا يداخلوهم لئلا يفسدوا عليهم دينهم.
وأخبر اللَّهُ المؤْمنين بأنهم لا يألونهم خبالا، أي لا يُبْقُون غاية في إلقائهم فيما يضرهم.
وأصل الخبال في اللغة ذَهاب الشيءِ
قال الشاعر:.
ابني سليمي لستم ليد. . . إلايدا مخبولة العضد
أي قد ذهبت عضدها.
(وَدُّوا مَا عَنِتمْ).
أي ودوا عَنَتْكُمْ، ومعنى العنت إدخال المشقة على الإنسان، يقال فلان
متعنت فلاناً، أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، ويقال قد عِنتَ العظم
يَعْنَتُ عَنَتَا إذا أصابه شيء بعد الجبر، وأصل هذا كله مرق قولهم: (اكَمَة
عُنُوت) إذا كانْت طويلة شاقة المسلك، فتأويل أعنتُّ فلاناً، حَمَلْتُه على
المشَقًةِ.
* * *
قوله : (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)
خطاب للمؤمنين، أعلموا فيه أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم وأنهم
هم يصحبون هؤُلاءِ المنافقين بالبر والنصيحة التي يفعلها المحب وأن
المنافقين على ضد ذلك.
فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ المؤْمنين ما يُسِرُّه المنافقون وهذا من آيات
النبي ﷺ .
قال بعض التحويين: العرب إذا جاءَت إلى اسم مكنى قد وصف
(بهذا) جعلته بين (ها) و (ذا)، فيقول القائل أين أنت فيقول المجيب: هأنذا،
стр. 424
قال وذلك إذا أرادوا جهة التقريب، قال فإنما فعلوا ذلك ليفصلوا بين التقريب وغيره.
ومعنى التقريب عنده أنك لا تقصد الخبر عن هذا الاسم فتقول هذا
زيد.
والقول في هذا عندنا أن الاستعمال في المضمر أكثر فقط، أعني أن
يفصل بين " ها " و " ذا" لأن التنبيه أنْ يَليَ المضْمَرَ أبْيَنُ.
فإن قال قائل: ها زيد ذا، وهذا زيد، جاز، لا اختلاَفَ بين الناس في ذلك، وهذا عندنا على ضربين: - جائز أن يكون " أولا " في معنى الذين كأنه قيل: هأنتم الذين تحبونهم ولا يحبونكم، وجائز أن يكون (تحبونهم) منصوبة على الحال و (أنتم) ابتداء، و (أولاءِ) الخبر.
المعنى: انظروا إلى أنفسكم محبين لهم.
نهوا في حال محبتهم إياهم.
ولم يشرحوا لم كسرت (أولاءِ)، وألاءِ أصلها السكون لأنها للإشارة.
ولكن الهمزة كسرت لسكونها وسكون الألف
(وتؤمنون) عطف على تحبون.
ومعنى (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ).
أي تصدقون بكتب الله كلها. -
(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا). أي نافقوكم.
(وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ).
فأنبأ اللَّه بنفقاتهم ههنا كما أنبأ به في قوله تعالى:
стр. 425
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ).
ويقال عَضَضْتُ أعَضُّ، ويقال رجل عِضٌِ إذا كان ملازم خصم، أي
يُصِر على المخاصمة، والفعل منه عَضَضْتُ. والعُضُّ علف الأمصار الذي.
تعلفه الإبل نحو النوى والقت والكسب، وإنما قيل له عض لأنه أكثر لبثاً في
المال وأبقى شحماً.
والأنامل واحدها أنمُلَة وهي أطراف الأصابع ولم يأت
على هذا المثال بغير هاء ما يعني غَيْرَ الواحد إلا قولهم قد بلغ أشدهُ.
أما الجمع فكثير فيه أو نحو أكعب وأفلس وأيمن وأشمل.
* * *
قوله : (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
أي إِن تظفروا وَتُخْصِبُوا ساءَهم ذلك.
(وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).
أي: إِن نالكم ضد ذلك فرحوا، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا).
ضمن اللَّه - جلَّ وعزَّ - للمؤمنيِن النصر إِن صبروا وأعلمهم أن عدوانهم
وكيدهم غير ضار لهم.
و (لَا يَضُرُّكُمْ) الأجود فيه الضم لالتقاءِ الساكنين
الأصل لا يضرركم، ولكن كثيراً من القراءِ والعرب يدغم في موضع الجزم.
وأهل الحجاز يظهرون التضعيف
وهذه الآية جاءَت فيها اللغتان جميعاً -
فقوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ) على لغة أهل الحجاز، وقوله: (لَا يَضُرُّكُمْ)
стр. 426
على لغة غيرهم من العرب وكلا الوجهين حسن، ويجوز (لَا يَضُرُّكُمْ) (ولا يُضِركُمْ) فمن فتح فلأن الفتح خفيف مستعمل فى التقاءِ السَّاكنين في
التضعيف، ومن كسر فعلى أصل التقاءِ السَّاكنين، وقد شرحنا هذا فيما سلف من الكتاب.
وقرئت: لا يَضِرْكُمْ من الضيْرِ، والضيْرُ والضُّر جميعاً بمعنى واحد.
وكذلك الضر - وقد جاءَ في القرآن: (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠).
وَجَاءَ: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ).
وقدْ ذكرَ الفراءُ أن الكسائي سمع بعض أهل العالية يقول:
(ما تضُورُّنِي) فلو قرئت على هذا لا يضُركُم جاز.
وهذا غير جائز ولا يقرأ حرف من كتاب الله مخالف فيه الإجماع
على قول رجل من أهل العالية.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)
روى أن النبي ﷺ رأى في منامه كَانَ عليه درْعاً حصينةً. فأولها المدينةَ، فأمر ﷺ المسلمين - حين أقبل إليهم المشركون بالإقامة بها إلى أن يوافيهم المشركون فتكون الحرب بها فَذَلك تَبْوئُةُ المقاعدَ للقتال.
قال بعضهم معناه مَواطِنَ للقتال والمعنى واحد.
والعامل في " إِذْ " معنى اذكر - المعنى اذكر إذ غدوت.
والعامل في (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)
(تُبَوِّئُ) المعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت.
ومعنى (تَفَشلا) تَجْبُنَا وَتَخورا.
(وَاللَّهَ وليُّهُمَا): أي همت بذلك واللَّه ناصرهما.
стр. 427
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)
مَعْنى (أَذِلَّةٌ). عَدَدُكُمْ قليل، وكان المسلمون في تلك الحرب ثَلاثمَائة
وبضعة عشر وكانوا في يوم أحد سَبْعَمائةٍ، والكفارُ في يوم أحُدٍ ثلاثة آلاف.
وكانوا في يوم حنين اثني عشر ألفاً فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أنهم حينما ألزموا الطاعة أنه ينصرهم، وهم قليل وعدوهم أضعافُهم، وفي يوم أحد نزل بهم ما نزل لمخالفة أمر النبي ﷺ في أن جاوزوا ما أُمِرُوا به، فجعل الله ذلك لهم
عُقُوبة لئلا يَجْبُنُوا وجاءَ في بعض الخبر:
" الفِرارُ من الزحف كُفر).
ومعناه عندي واللَّه أعلم - من فعْل الكفار، لَا أنه يخرجُ الإنسانَ من الإيمان إلى الكفر.
وقد عفا الله فيه، فقال: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ).
وأذلَّة جميع ذَليل، والأصل في فعيل إِذا كان صفة أن يجمع على
فُعلاءِ، نحو ظريف وظُرفَاء، وشريك وشُرَكَاء، ولكن فعلاءَ أجتنب في
التضعيف. لو قيل جللاءَ وقللاءِ في جليل وقليل، لاجتمع حرفان من جنس
واحد، فعدل به إِلَى أفْعِلة من جمع الأسماءِ في فعيل، نحو جريب وأجْربة.
وقفيز وأقْفزة.
* * *
(بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا).
стр. 428
أي من وجههم، وأ هذا " نعت نفورهم، و (يُمْدِدْكُمْ) جواب
الجزاءِ يقال أمددت الجيش بعدد، وأمَد الجرح إذا صارت فيه المِدَّة، يُمِد
فهو مُمِدٌّ، ومدَّ النهر ومدَّه نهر آخر.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّْ: (مُسَوِّمِينَ) قرئت (مُسَوِّمِينَ) و (مُسَوَّمِينَ)
ومعنى (مُسَوِّمِينَ): أخذ من السَّومَة، وهي العلامة، كانوا يعلمون بصوفة أو بعمامة أو مَا أشبه ذَلك.
و (مُسَوَّمِينَ): معلَّمِينَ. وجائز أن يكون مُسَوّمينَ: قد سَوَّمُوا خيلُهم
وجعلوهَا سائمة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)
وما جعل ذكر المدد إلا بشرى لكم ولتمكنوا في حربكم
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)
أي لينقل قطعة منهم.
(أوْ يَكْبِتَهُمْ).
أي يهزمهم، قال أبو عبيدة: يقال كَبَتِهُ اللَّه لوجهه أي صرعه الله
لوجهه، والخائب الذي لم ينل مَا أمَّل.
* * *
وقوله : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)
أنزل عليه ذلك ﷺ لأنه في يوم أحُدٍ شُجَّ وكُسِرتْ رباعيته فقال وهو يمسح الدم عن وجهه: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم، فأعلمه اللَّه جلَّ وعزَّ - أن فلاحَهُم ليس إليْه وأنه ليس له من الأمر شيء
стр. 429
إلا أن يبلغ الرسالة ويجاهد حتى يظهر الدين، وأن ثوابه على اللَّه - جلَّ وعزَّ - في ذلك.
ونصب (أَوْ يَتُوبَ) على ضربين:
جائز أن يكون عطفاً على قوله: ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم.
والوجه الثاني على النصب بأو إذْ كانت في معنى إِلا أن.
فالمعنى: ليس لك من الأمر شيء أي: ليس يؤمنون إلا أن يتوب الله عليهم، أو حتى يتوب الله عليهم.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)
(الربا) قليلهُ وكثيرهُ قد حُرّم في قوله - جلَّ وعزَّ -
(وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).
وإِنما كان هذا لأن قوماً من أهل الطائف كانوا يُربون. فإذا بلغ
الأجل زادوا فيه وضاعفوا الربا.
وقال قوم معناه: لا تُضَاعِفُوا أموَالَكُمْ بالربَا.
ومعنى (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
أي لتكونوا على رجاءِ الفلاح، والمفلح هو الذيْ أدرك ما أمَّل من
الخير، واشتقاقه من فَلَحَ الحديد إِذا شقه، فإِنما هو مبالغة في إدراك ما
يوصل.
* * *
وقوله : (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)
أي اتَقوا أن تُحلُّوا ما حرم اللَّه، فإِن من أحلَّ شيئاً مما حرم الله فهو
كافر بإِجماع.
* * *
وقوله : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)
(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
أي لمن اتَّقى المحارم، وروي عن النبي ﷺ أنَّ بيْن مصراعي بَاب
стр. 430
الجنة مسيرةَ أربعين عاماً، وليأتين عليه يومٌ يزدحمُ عليه الناس؛ كما تزدحم
الإبل وردت خِمصاً. ظِماءً.
* * *
وقوله : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)
أي أعدت للذين جرى ذكرهم وللذين يكظمون الغيظ، ويروي عن
النبي ﷺ
" ما من جرْعةٍ يتجرعها الإنسان أعظمُ أجراً من جرعةِ غيظٍ في اللَّه ".
يُقال كَظَمْتُ الغيظ أكظمهُ كظْماً إذا أمْسكْتُ على ما في نفسي منه.
ويقال كظم البعير على جرته إذا ردها في حلقه، وكظم البعير والناقة كُظوماً إذَا لمْ يجتر.
قال الراعي:
فأفضْن بعد كُظُومهن بجرة. . . من ذي الأباطِح أذرَعين حقيلًا.
والْكِظَامة سير يشد بِهِ الوَتَر على سِيَة القوْس العربيةِ، والكظمية.
والكظَائمُ حفائر تحفَر من بئْر إلى بِئر ليجري الماءُ من بعضها إلى بعض
وكاظمة موضع بالبادية.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)
(وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
الرفع محمول على المعنى، والمعنى وأي أحدٍ يغْفِرُ الذنُوبَ؛ ما يغفرها
إلا اللَّه.
(وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا)، الإصرار الإقامة على الشيءِ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)
стр. 431
معنى قد خلت قد مضت، ومعنى سُنَن أهلُ سنن أي أهل طَرائق.
والسُّنَّةُ الطَّريقَةُ، وقول الناس: فلان على السُّنَّة معناه على الطريقة، ولم
يحتاجوا " أن يقولوا على السُّنَّة المستقيمة لأنَّ في الكلام دليلاً على ذلك، وهذا كقولنا " مؤمن " معناه مصدق وفي الكلام دليل على أنه مؤْمن بأمور الله
التي أمر بالإيمان بها، والمعنى إنكم إذا سِرْتُمْ في أسفاركم عرفتم أخبار قوم اهلكوا بتكذيبهم.
* * *
ْوقوله : (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)
أي لا تَضْعُفوا، يُقال وَهَنَ يَهِن إذا ضَعُفَْ فَضمنَ اللَّه النصْر
بقوله: (وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) و (قُرْحٌ) جميعاً يقرأان، وهما عند أهَل اللغة بمعنى واحد ومعناه الجراح وألمُها
يُقَالُ قَدْ قَرِحَ يَقْرَحُ قَرْحاً، وأصابه قَرْحٌ، قال بعضهم كأن القُرح
الجُرْح، وكأن القَرْح الألم.
(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).
أي نجعل الدولة في وقت من الأوقات للكَافرينَ على المؤْمنين إذا
عصَوْا فيما يؤمَرُون به، من محَاربة الكفار، فأما إذا أطاعوا فهم مَنْصُورونَ
أبداً، كما قال اللَّه (أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢).
ومعنى (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ).
أي ليعلم اللَّه من يُقيم على الإيمَانِ بعد أن تناله الغلبة، أي يجعل لهم
الدولَة في وقت من الأوقات ليعلمَ المؤْمنين.
стр. 432
وتأويل (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) - واللَّه قد علمهم قبل ذلك:
معناه يعلم ذلك واقعاً منهم - كما قال (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ).
أي ليقع ما علمناه غيبأ مشاهدة للناس، ويقع - منكم. وإنما تقع المجازاة
على ما علمه اللَّه من الخلق وقوعاً على ما لم يقع وما لم يعلموه -
قال الله : (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وقال: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
* * *
وقوله : (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)
المعنى جعل اللَّه الأيام مداولة بين الناس ليمحص المؤْمنين بما يقع
عليهم من قتلَ في حربهم، أو ألم أو ذهابَ مال، ويمحق الكافرين:
ليستأصلهم.
وجائز أن يكون يمحقهم يحبط أعمالهم، وتأويل المحص في
اللغة التنْقِيَةُ والتخليص.
قال محمد بن يزيد ﵀ يقال مَحَصَ الحبل مَحْصاً، إذا ذَهَبَ منه الوَبرُ حتى يَمْلَصَ وحبل مَحِصٌ أو مَلِصٌ بمعنى واحد.
قال وتأويل قول الناس: مَحِّصْ عَنا ذُنُوبَنَا: أي أذهِب عنا ما تعلق بنا
من الذنوب.
وأخبرنا محمد بن يزيد أن حُنَيْفَ الحَنَاتِمِ ورَدَ ماءً يُقال له (طُويلِع)
فقال: " واللَّه إنك لَمَحِصُ الرشا بعيد المستقي مظل على الأعداء ولو سألتني
أعناق الإبل لأعطيتك "
أي لو تقطعت أعناق الِإبل إليك لقصدتك.
ومعنى مَحص الرشَاءِ أي هو طين خر، فالرشا تَتَمَلصُ من اليد.
فمعنى يمحِّص
стр. 433
الذين آمنوا: يخلِّصهم من الذنوب.
وقال محمد بن يزيد ﵀ أيضاً
وغيره من أهل اللغة مَحَصَ الظبي يَمْحَص إذا عَدا عدْواً شَديداً، وقال هو
وحده: تأويله أنه لا يخْلط حدتَه في العَدو وَنْياً ولا فُتُوراً.
وقال غيره مَحَص الظبْيُ يَمحص ومحِصَ بمعنى واحد: إذا عَدا عدواً
يكادُ أن يَنْفد فيه من شدته.
ويقال: ويُستَحَب من الفَرَس أن تُمحَّصَ قوائمه
أي تخلص من الرَّهَلِ.
قال أبو إسحاق: وقرأتُ عليه أيضاً عن الخليل: المَحصُ التخليص يقال
مَحَصت الشيءَ أمْحَصه محْصاً إذا خلصته
وقال بعض أهل اللغة: (وليمحص الله الذين آمنوا) أي وليمحص اللَّه ذنوب الذين آمنوا - ولم يُخْبَرُوا بحقيقة المحص ما هو.
* * *
وقوله : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)
وقرأها الحسن: (ويعلمِ الصَّابِرِينَ) بالكسر على العطف
ومن، قرأ (ويعلمَ الصابرين) فعلى النصب بالواو.
المعنى ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين، ولما يعلم اللَّه ذلك واقعاً منهم. لأنه - جلَّ وعزَّ -يعلمه غيباً، وإنما يجازيهم على عَملهم.
وتأويل (لَمَّا) أنَّها جواب لقَول القَائل قد فَعل فلان
فَجوابه لمَّا يفْعل وإذَا قال فَعَل فجوابه لَم يفعل، وإذَا قال: لقد فجوابه مَا
стр. 434
يفعل، كأنه قال " واللَّه هو يفْعل، يريد ما يُسْتقْبل فجوابه لَنْ يفعل ولا يفعل.
هذا مذهب النحويين.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)
أي كنتم تمنون القتال، هو سبب الموت، والمعنى ولقد كنتم تمنون
سبب الموت، وذلك أنهم كانوا يتمنونَ أنْ يُطْلَقَ لهم القتال - قال الله
: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً).
وقوله عزَّ " جل: (فَقَدْ رأيْتمُوهُ وأنتُمُ تَنظُرونَ)
قيل فيه غير قول.
قال الأخفش معناه التوكيد.
وقال بعضهم وأنتم تنظرون إلى محمد ﷺ .
والمعنى - واللَّه أعلم - فقد رأيتموه وأنتم بصراءُ كما تقول: قد رأيت
كذا وكذا، وليس في عينيك عَمَة - أي قد رأيته رؤية حقيقية.
وهو راجع إلى معنى التوكيد.
* * *
وقوله : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)
أي قد مضت من قبله الرسل، المعنى إنَّه يمُوت كما ماتَت الرسُل قبله.
(أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ).
أي ارتَددْتم عن دينكم - وروي أن بعض من كان في يوم أحُد ارتدَّ،
стр. 435
وبعضهم مضى مسافة ثلاثة أيام، فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن الرسُلَ ليْست باقية
في أممها أبداً وأنَّه يجب التمسك بما أتَتْ به، وإن فُقِدَ الرسُولُ بموت أو
قتل.
وألفْ الاستفهام دخلت على حرف الشرط ومعناها - الدخول على
الجزاءِ، المعنى أتنْقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قُتل، لأن الشرط
والجزاءَ معلق أحدهما بالآخر فدخلت ألف الاستفهام على الشرط وأنبأت عن
معنى الدخول على الجزاءِ، كما أنك إذا قلت هل زيد قائم فإنما تسْتفهم عن
قياعه لا من هو، وكذلك قولك ما زيد قائماً إنما نفيت القيام ولم تنف زيداً لكنك أدخلْت " ما " على زيد لتعلُم من الذي نُفى عنه القيامُ.
وكذلك قوله (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ).
* * *
ْوقوله : (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)
المعنى ما كانت نفس لتموت إلا بإذن اللَّه، وقوله :
(كِتَابًا مُؤَجَّلًا) على التوكيد، المعنى كتب اللَّه ذلك كتاباً مؤَجلاً أي كتاباً ذَا أجَل).
والأجلُ هو الوقْتٌ الممعلوم، ومثل هذا التوكيد قوله :
(كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) لأنه لما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ)
دل ذلك على أننة مفروض عليهم فكان قوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) توكيداً.
وكذلك قوله : (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) لأنه لما قال: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ).
стр. 436
دل ذلك على أنه خَلَق اللَّه وصُنعُه.
فقال: (صُنْعَ اللَّهِ) وهذا في القرآن في غير موضع -
وهذا مجراه عند جميع النحويين.
* * *
وقوله : (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا).
أي من كان إنما يقصد بعمله الدنيا أعطي منها، وكل نعمة فيها العبد
فهي تفضل من اللَّه إعطاء منه.
ومن كان قصده بعمله الآخرة آتاه اللَّه منها.
وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا، لأنه لم يقل ومن يرد ثواب الآخرة
لم نؤته إلا منها، واللَّه ذو الفضل العظيم.
* * *
وقوله : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)
تفسيرها " كم من نبي "، وفيها لغتان جيدتان بالغتان يقرأ بهما جميعاً.
يقرأ. (وَكَأَيِّنْ) بتشديد (وكائن) على وزن فاعل.
وأكثر ما جاءَ الشعر على هذه اللغة
قال جرير:
وكائن بالأباطح من صديق. . . يراني لو أصَبْتُ هو المصابا
وقال الشاعر أيضاً:
стр. 437
وكائن رَدَدْنا عنكمو من مدجج. . . يجيء أمام الألف يُردَى مقنعا
ومثل التشديد قوله:
كَائن في المعاشر من أناس. . . أخوهم فوقَهم وهُمُ كرام
أعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن كثيراً من الأنبياءِ قاتَل معه جماعة فلم يهنوا - فقال
الله : (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا).
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)
معنى (فَمَا وَهَنُوا) فما فَتَروا، (وما ضعفُوا): وما جَبُنُوا عن قتال عدوهم.
ومعنى (ما استكانوا): ما خضعوا لعدوهم وتقرأ - وهو الأكثر (رِبِّيُّونَ) بكسر الراءِ، وبعضهم يقرأ (رُبِّيُّونَ) - بضَم الراءِ.
وقيل في تفسير (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) أنهم الجماعات الكثيرةُ.
وقال بعضُهم الربوة عشَرةُ آلاف وقيل الربيون العلماءُ الأتقياءُ:
الصُّبُر على ما يُصيبُهُم في الله وكلا القولين حَسن جميل، وتقرأ: (قُتِلَ معه)، (وقَاتَل معه).
فمن قرا قاتل المعنى إنهم قاتلوا وما وهنوا في قتالهم، ومن قرأ قُتِل، فالأجود أن يكون (قُتِلَ) للنبي ﵇ المعنى. . وكأين من نبي قتل ومعه ربيون فما وهنوا بعد قتله، لأن هولاءِ الذين وهنوا كانوا توهموا أَن النبي ﷺ قتل، فأعلم الله أن الربانيين بعد قتل نبيهم ما وهنوا.
وجائز أن يكون (قُتِلَ) للربانيين، ويكون (فما وهنوا) أي ما وهن من بقي منهم.
стр. 438
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)
تقرأ (قَوْلَهُمْ) بالنصب ويكون الاسم: (إلا أن قالوا) فيكون المعنى ما كان
قَوْلهمْ إلا استغفارُهم، أي قولهم اغفر لنا - ومن قرأها بالرفع جعل خبر كان ما بعد إلا، والأكثر في الكلام أن يكون الاسمُ هو ما بعد إلا - قال اللَّه (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا) (مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا).
ومعنى: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) أي ثبتنا على دينك. وإذا ثَبتهُمْ على دينهم ثبتوا
في حربهم - قال اللَّه (فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا)
المعنى تزلَّ عن الدين.
* * *
وقوله : (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
أي ظفَّرهم وغَنمهُم. (وَحُسْنُ ثَوَابِ الآخِرَةِ).
المغفرة وما أعد لهم من النعيم الدائم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)
أي هو وليكم، وإذَا كان وليهم فهو ناصرهم (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)
يروى عن النبي ﷺ أنه قال: " نُصرت بالرعْبِ ".
وقال: "يُرْعَب مني عَدوي من مسيرةِ شهر ".
وقال اللَّه : (في سورة الحشر: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ).
стр. 439
وقوله : (بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا).
أي أشركوا به مَا لم يُنَزل به حُجةً، والسلطان في اللغة الحجة ومثله
(مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩).
أي ذهبت عني حجيته.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)
(إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ).
معناه تستأصلونهم قتلا، يقال حسهم القائد يحُسهم حسًّا إذَا قتلهم.
ويقال هل حَسَسْتَ كذا وكذا أي هل رَأيتَه أو علمته.
ويقال ما حَسَسْتَ فلاناً، وهل حَسَسْتَ له - والكسر أكثر - أي ما رفُقْت عليه ولا رحمته ويقال جيءَ به من حِسَّك وبَسَّك، أي من حيث ما كان ولم يكن، كذلك لفظ الأصمعي.
وتأويله جيءَ به من حيث تدركه حاسَّة - من حواسِّك، أو يدركه تصَرف من تَصرفك، ومعنى. (بِإِذْنِهِ) بعلمه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (حتى إذَا فَشِلْتُم).
أي جَبُنتم عن عدوكم، (وتنازعتم) اختلَفْتم
(مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ)
لأنهم أعطوا النصر فخالفوا فيما قيل لهم في حربهم فعوقبوا بأن ديل منهم ".
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (مِنكمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا).
أي منكم من قصده الغَنيمة في حربه
(وَمنكُم مَنْ يُريدُ الآخِرَةَ).
أي يقصد بحربه إلى ما عند اللَّه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢)
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)
(تُصْعِدُونَ) و (تَصْعَدون) جميعاً، قد قريءَ بهما، فمن قال (تُصْعِدُونَ) فهو لكل من
стр. 440
ابتدأ مسيراً من مكان فقد أصعد، والصعود إنما يكون من أسفل إلى فوق.
ومن قرأ (تَصْعَدون) فالمعنى إذ تَصْعدون في الجبل ولا تَلْوُونَ على أحَدِ.
* * *
وقوله .: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ)، أي أثابكم بأن غممتم النبي ﷺ أن نَالكُم غَمٌّ - بما عوقبتم به للمخَالفَة
وقال بعضهم (غَمًّا بِغَمٍّ) إشراف خالد بن الوليد عليهم بعد ما نالهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) من غنيمة.
(وَلَا مَا أَصَابَكُمْ).
أي ليكون غمكم بأن خالفتم النبي فقط.
* * *
وقوله جلَّ وعز: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)
(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا).
أي أعقبكم بما نالكم من الرُّعب أن أمنَكم أمْناً تنامون معه، لأن الشديدَ
الخوفِ لا يكادُ ينَامُ.
و (أمنَةً) اسم تقول أمن الرجل أمْناً وَأمَنَةً، إذا لم ينله خوف.
و (نُعَاسًا): منصوب على البدل من (أمَنَةً)، ويقرأ (يغشى) و (تغشى طائفة
منكم) فمن قرأ (يغشى) - بالياء - جعله للنعاس ومن قرأ (تغشى) بالتاء جعله للأمنة.
والأمنة تَؤدي معنى النعاس.
وإن قرئَ يغشى جْاز - وهذه الطائفة هم المؤمنون.
(وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) وهم المُنَافقُونَ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)، أي يظن المنافقون أن أمر
النبي ﷺ مضمحل.
(ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ): أي هم على جاهليتهم في ظنهم هذا والقراءَة.
(وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) - قال سيبويه: المعنى إذ طائفة قد أهمتهم وهذه واو
стр. 441
الحال، ولو قُرئت: (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)، على إضمار فعل (أهم)
الذي ظِهر تفسيره كان جائزاً. المعنى وأهمت طائفة أنفسهم، وجائز أن يرتفع
على أن يكون الخبر - يظنون ويكون قد أهمتهم نعت طائفة، المعنى وطائفة
تهمهم أنفسهم يظنون، أي طائفة يظنون باللَّهِ غير الحق.
وقوله : (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ).
تقرأ (بيُوتكم) بضم الباءَ وكسرها، وروى أبو بكر بن عياش عن عاصم
بكسر الباءِ، قال أبو إسحاق: وقرأناها بإقراء أبي عمرو عن عاصم (بُيوتكم) بضم الباء، والضم الأكثر الأجود -
والذين كسروا (بِيُوت) كسروها لمجيء الياءِ بعد الباء
و" فِعول " ليس بأصل في الكلام، ولا من أمثلة الجمع.
فالاختيار (بُيوت)
مثل قلب وقُلوب وفَلْس وفُلوس.
* * *
وقوله (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ).
معنى (برزوا) صاروا إلى براز، وهو المكان المنكشف أي لأوصلتهم
الأسباب التي عنها يكون القتل إلى مضاجعهم.
* * *
وقوله : (وَليَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكم).
أي يختبره بأعمالكم لأنه علمه غيباً فيعلمه شهادة لأن المجازاة تقع
على ما علم مشاهدة، أعني على ما وقع من عامليه، لا على ما هو معلوم
منهم.
* * *
وقوله : (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ).
فمن نصب فعلي توكيد (الأمر) ومن رفع فعلي الابتداء - و (للَّه) الخبر
ومعنى (الأمر كله لله) أي النصر وما يلقي من الرعب في القلوب للَّهِ.
أي كل ذلك لله.
стр. 442
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)
هذا خطاب للمؤْمنين خاصة.
(إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا).
أي لم يَتَولوا في قتالهم على جهة المعاندة، ولا على الفِرار من الزحف
رغبة في الدنيا خاصة، وإنما أذكرهم الشيطان خطايا كانت لهم فكرهوا لقاءَ
الله. إلا على حال يرضونها، فلذلك عفا عنهم وإلا فأمر الفِرار والتولي في
الجهاد إذا كانت العدة أقل من المثلين، أو كانت العدة مثلين، فالفرار أمر
عظيم.
قال اللَّه : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ)
وهذا يدل أن أمر الوعيد لأهل الصلاة أمر ثابت، وأن التولي في الزحف من أعظم الكبائر. -
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)
(أَوْ كَانُوا غُزًّى).
القراءَة وما ثبت في المصحف على القصر وفُعَّل جمع فاعل نحو
стр. 443
ضارب، وضُرَّب، وشاهد وشُهدُ، ويقع على فُعَّال نحو حارب وحُراب.
وضارب وضُرَّاب. وغُزَّاء. يجوز إلا أنه لا يكون في القراءَة لأنه ممدود.
* * *
وقوله : (لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ)
أي: ليجعل ظنهم أنهم لو لم يحضروا - وإذا لم يحضروا الحرب اندفع
عنهم ما كتب عليهم. فحسرتهم فيما ينالهم أشد.
(وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ).
أي ليس الإنسان يمنعه تحرزه من إتيان أجله على ما سبق في علم
الله.
* * *
وقوله : (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)
(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ).
" ما " بإجماع النحويين ههنا صلة لا تمنع الباءَ من عملها فيما عملت.
المعنى فبرحمة من اللَّه لنت لهم. إلا أن " ما " قد أحدثَتْ بدخُولها توكيد
المعنى، ولو قرئت فبما رحمة من اللَّه جاز، المعنى فبما هو رحمة كما
أجازوِا. . . (مثلاً مَا بَعُوضَةٌ) ولا تقرأنَّ بها، فإن القراءَة سنة ولا يَجُوز أنْ
بقْرأ قارئٌ بِمَا لم يقرأ به الصحابة أو التابعون أو من كانَ من قُرَّاءِ الأمصار
المشهورين في القراءَة.
والمعنى أن ليَّنك لهم مما يُوجب دخولهم في الدين لأنك تأتيهم
بالحجج والبراهين مع لين وخلق عظيم.
(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).
стр. 444
الفَط: الغليظُ الجانب السيئ الخُلُقُ، يقال فظَظْتَ تَفِظُّ فظاظة.
وفظَظاً، إلا أن فظاظة أكْثَرُ لثقل التضعيف، وما كان من الأسماءِ على (فَعَل)
في المضاعف فغير مدغم نحو المدَدُ والشرَر، وما كان على (فَعْل) فمدغم
على كل حال نحو رجل صب، وأصله صَببٌ وكذلك فظ وأصله فظَظ، ومثله من غير المضاعف. قد فرَقْتَ تفرق، فرَقاً، وأنتَ فَرِق، " وإذا اضطر شاعر رد فَعْلاً إلى أصله في المضاعف
قال الشاعر:
مهلا أعاذل قد جربت من خلقي. . . أني أجود لأقوام وقد ضَنِنُوا
والفظ ماء الكرش، والفرث وِسمي فظاً لغلظ مشربه.
* * *
وقوله : (وَشاوِرْهُمْ فِي الأمْر).
أي شاورهم فيما لم يكن عندك فيه وحي، فأما مَا فيه أمر من الله جلَّ
وعزِّ ووحي فاشتراك الأراءِ فيه ساقط.
وإنما أراد اللَّه بذلك السنة في المشاورة، وأن يكرم أصحابَه
بمشاورته إياهم، ثم أمر بعد الإجماع على الرأي بالتوكل على اللَّه -
قال: (فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوكل عَلَى اللَّهِ).
أي لَا تَظن أنك تنال مَنَالاً تحبه إلَّا باللَّهِ جلَّ وعزَّ.
* * *
قوله : (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)
(وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) و (أن يُغَل) قرئتا جميعاً.
فمن قرأ (أَنْ يَغُلَّ) فالمعنى: وما كان لنبي أن يخونَ أمَّتَه وتفسير ذلك أن
стр. 445
النبي ﷺ جمع الغنائم في غزاة، فجاءه جماعة من المسلمين فقالوا: ألا تقْسم بيْننا غنائمنا فقال ﷺ لو أن لكم عندي مثل أحُد ذهباً ما منعْتكم درهماً أترونني
أغُلكم مغْنَمكمُ، ويروى عن النبي ﷺ أنَّه قال:
" ألاَ لا أعرفَنَّ رجُلاً يأتي يوم القِيامة ومعه شاة قد غَلَّهَا لها ثغاء، ألا لا أعرفنَّ رجلاً يأتي يوم القيامة ومعه بعيرٌ قد غلَّه له رُغَاء، ألا لا أعرفَنَّ رجلا يأتي يوم القيامة ومعه فرس قد غلَّه له حَمْحَمة ".
ومنِ قرأ (أن يُغلَّ) فهو جائز على ضربين: أي ما كان لنبي أن يغُلَّه
أصحابه، أي يخَوِّنُوه - وجاءَ عن النبي ﷺ
" لا يَحْبِسْ أحدكم خيطاً ولا مخيطاً ".
وأجاز أهل اللغة أن يُغَل أن يُخَوَّنَ، ويقال: أغْلَلْتُ الجلد إذا سلخته
فأبقيت فيه شيئاً من الشحم، وقد غل الرجل يَغُلُّ إذا خان لأنه أخذ شيئاً في
خفاء، فكل ما كان من هذا الباب فهو راجع إلى هذا، من ذلك الغال وهو
الوادي الذي ينبت الشجر وجمعه غُلَّان، ومن ذلك الغِل وهو الحقد، وتقول
قد أغلَّت الضيْعَة فهي مُغِلَّة إذا أتَتْ بِشيء وأصلها باق - قال زهير -:
فَتُغْلِلْ لكم ما لا تُغِل لأهلها. . . قرى بالعراق من قَفِيزٍ ودرهم
والغلَالةُ: الثوبُ الذي يُلْبَسُ " تحت الثياب " والذي يلبس تحت
الدرع - درع الحديد - غِلَالَة، وَتَغَلَّلْت بالغالية " وتغليت " إِنما هو جعلها في
стр. 446
أصول الشعر. والغل الماء الذي يجري في أصول الشجر.
ومعنى (وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى).
معنى (إذا) ههنا ينوب عما مضى من الزمان وما يستقبل جميعاً والأصل
في (إذ) الدلالة على ما مضى، تَقولُ أتيتك إذْ قُمتَ وآتَيك إذا جئتني.
ولم يقل ههنا " إذ ضربوا في الأرض " لأنه يريد شأنهم هذا أبداً، ومثل ذلك في الكلام: فلان إذَا حدث صدق، وإذا ضُرِبَ صبر.
(فإذا) لِمَا يُستقبل، إلا أنه لم يحكم له بهذا المستقبل إلا بما خبر منه فيما مضى.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَشَاوِرْهُمْ في الأمْرِ).
يقال شاورت الرجل مْشاوَرةً وشَوارا، وما يكون من ذلك فاسمه
المَشُورَة، وبعضهم يقول المشورة. يقال فلان حسن الصورة والمشورة
أي حسن الهيئة واللباس وإنهُ لَشئر (صثن) وحسن الشارة والشوار متاعَ البيت.
ومعنى شاورت فلان أظهرت في الرأي ما عندي وما عنده، وشُرْت الدابة
أشوُرها إذا امتحنتها فعرفت هيئتها في سيرها.
ويقال شُرْتُ العسلَ وأشَرْتُ العَسلَ إذا أخذته من مواضع النحل وعسل مشور.
قال الأعشى.
كأَنَّ القَرنْفُلَ والزَّنْجَبِيلَ. . . باتا بِفيها وأَرْياً مَشُورا
والأرْيُ العسلُ، ويقال عسل مُشَار.
قال الشاعر:
وغناء يأذَنَ الشيخُ لَه. . . وحديث مثل مَاذِيٍّ مُشَار
стр. 447
قوله جلَّ وعزَّ:. (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)
يقرأ رضوان بكسر الراءِ، ورضوان بضم الراءِ، وقد رويتا جميعاً عن
عاصم.
(كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ).
يروى أن النبي ﷺ حين أرمر المسلمين في أحد باتباعه، اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من المنافقين، فأعلم الله جلَّ وعزَّ: - أن من اتبع النبي ﷺ
فقد اتبع رضوان اللَّه، ومن تخلف عنه فقد باءَ بسخط من الله.
ومعنى باءَ لذنبه: احتمله، وصار المذنب مأوى الذنب، ولذلك بوأت فلاناً منزلًا أي جعلته ذا منزل.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣)
أي المؤمنون ذوو درجة رفيعة، - والكافرون ذوو درجة عند اللَّه وضيعة
ومعنى (هُمْ دَرَجَاتٌ): هم ذوو درجات، لأن الإنسان غير الدرجة
كما تقول: الناس طبقات أي ذوو طبقات؛
وأنشد سيبويه. -
أنْصب للمنية تعتريهم. . . رجال أم همُو درج السيول
стр. 448
أي همْ ذوو درج، ويجوز أم همو درجَ السيول على الظرف.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)
بعث اللَّه محمداً ﷺ رسولاً وهو رجل من الأميين لا يتلو كتاباً ولا يخطه بيمينه، وبعثه بين قوم يَخْبُرونه ويعْرفونه بالصَدق والأمانة وأنه لم يقرأ كتاباً ولا لُقِّنَه فتلا عليهم أقاصيص الأمم السالفة، والأنبياء الماضية لا يدفع أخباره كتاب من كتبِ مخالفته، فأَعلم اللَّه أنه مَنَّ على المؤمنين برساله من قد عُرِفَ أمرُه، فكان تناول الحجة والبرهان وقبول الأخبار والأقاصيص سهلا من قِبَلِه.
وفي ذلك أعظم المنة.
وقد جاءَ في التفسير إنَّه يراد رسول من العرب ولو كان القصد في ذلك
- واللَّه أعلم - أن أمره إنما كانت فيه المنة أنه من العرب لكان العجم لا حجة عليهم فيه.
ولكن الأمر - واللَّه أعلم - أن المنَّة فيه أنه قد خُبِرَ أمْرهُ وشَأنهُ وعَلِمَ
صدقهُ، وأتى بالبراهين بعد أن قد علموا إنَّه كان واحداً منهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)
هذه الواو واو النسق، دخلت عليها ألف الاستفهام فبقيت مفتوحة على
هيئتها قبل دخولها، ومثل ذلك في الكلام قول القائل: تكلم فلان بكذا وكذا، قيقول قائل مجيباً له أوَ هو ممن يقول ذلك.
وقيل في التفسير إن هذه المصيبة عنى بها ما نزل بهم يوم أُحُد،
стр. 449
و (أصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) أصبتم في يوم أحد مثلها وأصبتم يوم بدر مثلها، فأصبتم مثلَيْ ما أصابكم.
(قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) أي من أين أصابنا هذا.
(قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) أي أصابكم بمعصيتكم النبي ﷺ وما من قوم أطاعوا نبيهم في حربهم إلا نُصِرُوا، لأنهم إذا أطاعوا فهم حزب اللَّه، وحزب الله هم الغالبون.
* * *
وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦)
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَبِإذنَ اللَّهِ) أي ما أصابكمْ كان بعلم اللَّه.
وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا)
أي ليظهر إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم، ويظهر نفاق المنافقين
بفشلهم وقلة الصبر على ما ينزل بهم في ذات اللَّه.
* * *
وقوله : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)
ْالقراءَة بالرفع (بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) ولو قرئت بل أحياءَ عند ربهم لجاز
المعنى أحسَبْهُمْ أحْياءَ وقيل في هذا غير قول: قال بعضهم لا تحسبهم أمواتاً
في دينهم بل هم أحياء في دينهم، كما قال اللَّه تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ).
وقال بعضهم: لا تحسبهم كما يقول الكفار إنهم لا يبعثون بل يبعثون.
(بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).
وقيل إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلذ بنعيمها، فهم أحياء عند ربهم.
قال بعضهم: أرواحهم في حواصل طير خضر تسرح في الجنة، ثم تصير إلى
قناديل تحت العرش.
стр. 450
وقوله جل ثناؤُه: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)
أي لم يلحقوا بهم في الفضل إلا أن لهم فضلاً عظيماً بتصديقهم
وإيمانهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فَمَوضع. " أنْ " خفض: المعنى يستبشرون بأن لا خوف عليهم ولا هم
يحزنون.
* * *
وقوله : (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)
(وأن اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المؤْمِنينَ).
(أنَّ) في موضع خفض.
المعنى ويَسْتَبْشِرُونَ بأن اللَّه لا يضيع
ويجوز (وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) على معنى واللَّه لا يضيع أجر المؤمنين، وكذلك هي في قراءَة عبد اللَّه (واللَّه لا يُضيع).
فهذا يقوى (وَإِنَّ) بالكسر.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)
أي من بعد ما أصابهم الجرح، ومن قرأ القُرح فمعناه ألم الجرح.
(الذين) جائز أن يكون في موضع خفض على النعت للمؤمنين، والأحسن
أنْ يكون في موضع رفع بالابتداءِ ويكون خبر الابتداء (للذين أحسنوا منهم
واتقوا أجر عظيم).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)
يقال في التفسير إن قائِل هذا نعيم بنُ مسعود الأشجعي بعثه أبو
سفيان وأصْحابه يُثَبًطُونَ النبي ﷺ وأصحابه عن لُقِيِّهِمْ، وكان بين المسلمين وبين المشركين في يوم أحد موعد للقاء ببدر الصغرى، فلم يلتفت المسلمون
стр. 451
إلى تخويف نعيم وعزموا على لقاء القوم وأجابوه بأن قالوا: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
وتأويل حسبنا اللَّه أي: الذي يكفينا أمَرهُمْ اللَّهُ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا).
أي زادهم ذلك التخويف ثبوتاً في دينهم وإقامة على نصرة نبيهم.
وصاروا إلى بدر الصغرى، وألقى اللَّه في قلوب المشركين الرعب فلم
تغفلوهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)
المعنى فلم يخافوا ما خافوا، وصاروا إلى الموعد الذي وعدوا فيه.
فانقلبوا بنعمة، أي انقلبوا مؤمنين قد هرب منهم عدوهم.
وقيل في التفسير إنهم أقاموا ثلاثاً واشتروا أدْماً وزَبِيباً رَبِحُوا فيه.
وكل ذلك جائز، إلا أن إنقلابهم بالنعمة هي نعمة الإيمان والنصر على عدوهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)
أي ذلك التخويف الذي كان فعل الشيطان.
أي هو قوله للمخوفين، يخوف أولياءَه.
قال أهل العربية: معناه يخوفكم أولياءه، أي من أوليائه.
والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ:
(فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
أي كنتم مصدقين فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم فقد سقط عنكم
الخوف، وقال بعضهم يخوف أولياءه، أي إنما يخاف المنافقون، ومن لا
حقيقة لإيمانه.
(فَلَا تَخَافُوهُمْ)، أي. لا تخافوا المشركين.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)
стр. 452
قرئث (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ)
وقد قرلْت (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّمَا نُمْلِي)
معني (نُمْلِي لَهُمْ) نؤَخرهم - وهؤُلاء قوم أعلم اللَّه النبي ﷺ أنهم لا يؤْمنون أبداً، وأن بقاءَهم يزيدهم كفراً وإثماً.
وأما الإعراب - فقال أبو العباس محمد بن يزيد: إن من قرأ بالياء
(يَحْسَبَنَّ) فتح أن، وكانت تنوب عن الاسم والخبر تقول حسبت أن زيدا
منطلق، ويصح الكسر مع الياءِ - بفتح (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي
لهم) بكسر إنَّ. وهو جائز على قبحه، لأن الحسبان ليس بفعل حقيقي فهو
يبطل عمله مع أن، كما يبطل مع اللام، تقول حسبت لَعَبْدُ اللَّه منطلق.
وكذلك قد يجوز على بعد: حسبت أن عبد اللَّه منطِلق.
ومن قرأ (ولا تحسبن الذين كفروا) لم يجز له، عند البصريين إلا كسر
(إن)
المعنى: لا تحسبن الذين كفروا، إملاؤُنا خير لهم ودخلت أن مؤَكدة.
اذا فتحت (أن) صار المعنى ولا تحسبن الذين كفروا إملائا
قال أبو إسحاق وهو عندي في هذا الموضع يجوز على البدل من الذين.
المعنى لا نحسبن إملاءَنا للذين كفروا خيراً لهم وقد قرأ بها خلق كثير.
ومثل هذه القراءَة من الشعر
قول الشاعر:
فما كان قيسٌ هُلْكُه هلك واحد. . . ولكنه بنيانُ قوم تهدَّما
стр. 453
جعل هلكه بدلاً من قيس، المعنى فما كان هلكُ - قيس هلك واحد.
* * *
وقوله : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩)
يروى في التفسير أن الكفار قالوا للنبي ﷺ تخبرنا بأن الإنسان في النار حتى إذا صار مِنْ أهل مِلَّتك قلت إنه من أهل الجنة.
فأَعلم اللَّه أن حُكمَ من كفر أن يقال له: إنه من أهل النار، ومن آمن فهو - ما آمن وأقام على إيمانه وأدَّى ما افتُرض عليه - من أهل الجنة، أعلم أن المؤمنين وهم (الطيِّب) مُمَيزَّون من الخبيث أي مخلَّصُون.
* * *
وقوله : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ).
أي ما كان اللَّه ليعلمكم من " يصير منكم مؤمناً بعد كفره، لأن الغيب
إنما يطلع عليه الرسُل لإقَامة البُرهَان، لأنهم رسل وأن ما أتَوا بِه من عند اللَّه، وقد قيل في التفسير: ما با لُنا نحن لا نكون أنبياء، فأَعلم اللَّه أن ذلك إليه، وأنه يختار لرسالاته منْ يشاءُ.
* * *
وقوله : (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)
هذا يعني به علماءَ إليهود الذين بخلوا بما آتاهم اللَّه مِنْ عِلْمِ نبوة
النبي ﷺ ومشاقته وعداوته
وقد قيل إنهم الذين يبخلون بالمال فيمنعون الزكاة.
قال أهل العربية: المعنى، لا يحسبن الذين يبخلون البخل هو خيراً لهم.
ودل (يبخلون) على البخل. و (هو) ههنا فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون العماد، وقد فسرناه إلا أنا أغفلنا فيه شَيئاً نذكره ههنا:
стр. 454
زعم سيبويه أن هو، وهما، وهم، وأنا، وأنت، ونحن - وهي، وسائر هذه الأشياءِ إنما تكون فصولاً مع الأفعال التي تختاج إلى اسم وخبر ولم
يذكر سيبويه الفصل مع المبتدأ والخبر، ولو تأول متأول أن ذكره الفصل ههنا يدل على أنه جائز في المبتدأ أو الخبر كان ذلك غير ممتنع.
قال أبو إسحاق والذي أرى أنا في هذه، (ولا يحسبن الذين يَبْخلون) بالياء.
ويكون الاسم محذوفاً.
وقد يجوز (ولا تَحسبن الذين يبخلون) على معنى
ولا تحسبن بُخل الذين يبخلون، ولكن حذف البخل من ههنا فيه قبح، إلا أن حذفه مِن قولك: (ولا يحسبن الذين يبخلون) قد دل يبخلون فيه على البخل، كما تقول: من كذب كان شرًّا له، والقراءَة بالتاءِ عندي لا تمنع، فيكون مثل (وأسأل القرية) أي أهل القرية، فكذلك يكون معنى هذا:
لَا تَحْسبَن بُخْل الباخلين خيراً لهم.
وقوله : (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
أي اللَّه يغني أهلهما فيغنيان بما فيهما، ليس لأحد فيهما ملك فخوطب
القوم بما يعقلون، لأنهم يجعلون ما رجع إلى الإنسان ميراثاً إذا كان ملكاً له.
* * *
وقوله : (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)
هؤلاءِ رؤَساء أهل الكتاب لما نَزَلَت (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً).
стр. 455
قالوا نرى أنَّ إله محمد يستَقْرض مِنا فنحن إذن أغنياء. وهو فقير، وقالوا هذا تَلْبيساً على ضَعَفَتهمْ، وهم يعلمون أن الله : لا يستقرض من عَوَزٍ، ولكنه يبْلو الأخيار فهم يعلمون أن اللَّه سمَّى
الإعطاءَ والصَّدَقة قَرضاً، يؤَكد به - أن أضعافه ترجع إلى أهله، وهو يقْبض ويبسُط أىِ يوسع ويُقَتر.
فأعلم اللَّه أنه قد سمِع مقالتهم، وأعلم أن ذَلك مُثْبت عليهم.
وأنهم إليه يرْجعونَ فيجازيهِمْ على ذلك وأنه خبير بعملهم.
* * *
وقوله : (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).
ومعنى (عَذَابَ الْحَرِيقِ) أي عذابٌ مُحْرِق - بالنار، لأن العذاب يكون بِغَيْر
النار.
فأعلم أن مجازاة هؤُلاء هذا العذاب.
وقوله (ذوقوا) هذه كلمة تقال للشيء يوئس من العَفْو يقال ذق ما أنت فيه
أي لَسْت بمتَخَلِّص منه.
* * *
وقوله جل ذكره: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣)
هذا من نعت (العبيد) الذين قالوا (حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ)
أي عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى تكون آيتُه هذه الآية.
فأَعلم اللَّه أنَّ أسلافهم قَد أتتهم الرسل بالبينات وبالذي طلبوا. فقتلوهم. فقال: (فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ).
стр. 456
وهم لم يكونُوا تَوَلَّوْا القتل، ولكن رضوا بقتل أولئك الأنبياءِ فشركوهم في
القتل.
* * *
وقوله : (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)
الزُّبُر: جمع زبور والزبور كل كتاب ذو حكمة.
ويقال زبرت إذا كتبت. وزبرت إذا قرأت.
* * *
وقوله : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)
(وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
ولا يجوز "أجُورُكم" علَى رفع الأجور وجعل ما في معنى الذي، لأن يوم
القيامة يصير من صلة (توفون)، وتوفون من صلة (ما) فلا يأتي (ما) في الصلة بعد (أُجُوركُمْ) و (أُجُوركُمْ) خبر.
وقوله ": (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ).
أي نُحِّيَ وأزيلَ (فقَدْ فَاز) يقال لكل من نجا من هلكة وكل من لقي ما
يغبط به: قد فاز، وتأويله تباعد من المكروه ولقي ما يحب
ومعنى قول الناس مفازة إنما هي من مهلكة، ولكنهم تفاءَلوا بأن سموا
المهلكة مفازة.
والمفازة المنجاة، كما تفاءَلوا بأن سمُّوا اللديغ السليم، وكما سمُّوا
الأعمى بالبصير.
* * *
وقوله : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)
معناه: لتُخْتَبَرُن أي تقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن من غيره، وهذه
стр. 457
النون دخلت مؤَكدة مع لام القسم وضُمَّت الواوُ لسكونها وسكون النون. ويقال للواحد من المذكرين: لتبلَينَ يا رجل، وللاثنين لتبليَان يا رجلان، ولجماعة الرجال: لتبْلَوُنَّ.
وتُفتَح الياءُ من لَتَبْلَينَ في قول سيبويه لسكونها وسكون النون.
وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها كما يبنى ما قبل هاءِ
التأنيث، ويقال للمرأة تُبْلَين يا امرأة، وللمرأتين لتبليَان يا امرأتان ولجماعة
النساءِ لتُبْلَيْنَانِّ يا نِسْوة، زيدت الألف لاجتماع النونات.
* * *
وقوله : (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا).
روي أن أبا بكر الصديق ﵁ سمع رجلا من إليهود يقول:
" إن اللْه فقير ونحنُ أغنياءُ " فلطمه أبو بكر ﵁ فشكا إليهودي ذلك إلى النبي ﷺ فسأله النبي:
" ما أراد بلطمك؟
فقال أبو بكر سمعت منه كلمة ما ملكت نفسي معها أن لطمتُه.
فأنزل اللَّه : (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا).
وأذى مقصور يكتب بالياء يقال قد أَذِيَ فلان يأذى أذى.
إذا سمع ما يسوءُه. .
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)
(لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ).
وليبيننه، بالياءِ والتاءِ، فمن قال ليبيننه بالياءِ، فلأنهم غَيبٌ، ومن قال
بالتاءِ حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق، والمعنى أن اللَّه أخذ منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي ﷺ .
(فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ).
стр. 458
معنى (نبذوه) رمَوْا بهِ يقال للذي يطرح الشيء ولا يعْبأ به: قد جعلت
هذا الشيء بظهر، وقد رميته بظهر.
قال الفرزدق:
تَمِيمُ بنَ قَيْسٍ لا تَكونَنَّ حاجَتِي. . . بظَهْرٍ فلا يَعْيا عَليَّ جَوابُها
أي لا تتركنها لا يُعْبَأ بها.
وأنبأ اللَّه عما حمل إليهود الذين كانوا رؤساءَ على كتمان أمر النبي ﷺ فقال: (وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا)
أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم رياسة اكتسبوا بها، فذلك حملهُمْ
على الكفر بما يخفونه.
* * *
وقوله : (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)
هؤلاءِ قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي ﷺ وخرجوا من عنده فذكروا لمن كان رآهم في ذلك الوقت أن النبي ﷺ قد أتاهم بأشياءَ قد عرفوها.
فحمِدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأبطنوا خلاف ما أظهروا وأقاموا بعد ذلك على الكفر، فأَعلم اللَّه النبي ﷺ أمرهم وأعْلمه أنهم ليْسوا بِمَفازة منَ العذَاب أي ليسوا ببعد من العذاب.
стр. 459
ووقعت (فَلَا تَحْسَبنهم) - مكررة لطول القصة.
والعرب تعيدُ إذا طالت القصة في حسبت وما أشبهها، إعلاماً أن الذي جرى متصل بالأول، وتوكيداً للأول، فنقول: لا تظنَن زيداً إذا جاءَك وكلمك بكذا وكذا - فلا تظننه صادقاً، تعيد - فلا تظنن توكيداً - ولو قلت لا تظن زيداً إذا جاءَك وحدثك بكذا وكذا صادقاً جاز، ولكن التكرير أوكد وأوضح للقصة.
* * *
وقوله : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)
أي هو خالقهما، ودليل ذلك قوله : (خالق كل شيء)
و (خلق السَّمَاوَات والأرض) وأعلم أن في خلقهما واختلافِ الليل والنهارِ
آياتٍ لأولى الآلباب " أي ذَوي العقول.
والآيات العلامات، أي من العلامات فيهما دليل على أن خالقَهما واحد ليس كمثله شيء.
* * *
وقوله : (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ)
هذا من نعت (أولي الألباب)، أي فهُؤلاءِ يستدلون على توحيد اللَّه -
بخلق السَّمَاوَات والأرض وأنهم يذكرون اللَّه في جميع أحوالهم (قِيَاماً وقُعُوداً وعلَى جُنُوبهِم)
معناه ومضطجعين، وصلح في اللغة أن يعطف (بعلى)
على - (قياماً وقعوداً) لأنْ معناه ينبئُ عن حال في أحوال تصرف الإنسان، تقول: أنا أسير
стр. 460
الى زيد مماشياً وعلى الخيل. المعنى ماشياً وراكباً. فهؤُلاءِ المستدلون على حقيقة توحيد الله يذكرون - اللَّه في سائر هذه الأحوال.
وقد قال بعضهم: (يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ).
أي يُصَلونَ على جميع هذه الأحوال على قدر إمكانهم في صحتهم وسَقَمِهم.
وحقيقته عندي - واللَّه أعلم - أنهم موحدون اللَّه في كل حال.
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
فيكون ذلك أزيدَ في بصيرتهم، لأن فكرتهم تُرِيهُمْ عظيم شأنهما.
فيكون تمظيمهم للَّهِ على حسب ما يقفون عليه من آثار رحمته.
* * *
وقوله : (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا).
معناه يقولون (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا) أي خلقته دليلاً عليك، وعلى
صدق ما أتَتْ به أنبياؤُكَ. لأن الأنبياءَ تأتي بما يَعْجِز عنه المخْلُوتُونَ.
فهو كالسماوات والأرض في الدليل على توحيد اللَّه.
(سُبْحَانَكَ): معناه براءَة لك من السوءِ وتنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما
باطلًا. .
(فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
أي فقد صدقنا رسلك وأن لَكَ جَنةً ونَاراً فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
* * *
(رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)
معناه والله أعلم - على ألسُنِ رُسلِكَ.
وقوله : (وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
следующие страницы →