Полный текст (2 149 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
هل أنْشِدَتْ كلمة الحويدرة، يعني قصيدته التي أولها:
بكرت سمية بكرة فتمتعي
ويقال للعدل سواء وسَوَى وسُوًى.
قال زهير بن أبي سلمى:
أروني خطة لا ضيم فيها. . . يسوي بيننا فيها السواءُ
فإن تُرِك السَّوَاءُ فليس بيني. . . وبينكم بني حِصنٍ بناءُ
يريد بالسواءِ العدل كذا يقول أهل اللغة، وهو الحق.
- وهو من استواء الشيءِ، ولو كان في غير القرآن لجاز: سواءً بيننا وبينكم، فمن قاك سواءٍ جعله نعتاً للكلمة يريد ذات سواءٍ، ومن قال سواءً جعله مصدراً في معنى استواءً، كأن قال: استوت استواءً.
وموضع (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ).
موضع " أن " خفض على البدل من كلمة.
المعنى تعالوا إلى أن لا نعبد إلا اللَّه، وجائز أن تكون أن في موضع رفع، كأن
قائلًا قال: ما الكلمة؟
فأجيب فقيل هي ألا نعبد إلا اللَّه، ولو كان أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ولا نشركُ به شيئاً لجاز على أن يكون تفسيراً للقصة في تأويل أي كأنهم
стр. 387
قالوا: أي لا نعبد إلا الله - كما قال : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا) وقَال قَومٌ معنى أن ههنا معنى يقولون امشوا، والمعنى واحد لأن
القول ههنا تفسير لما قصدوا له وكذلك " أي يفسَّر بها، ولوكان
(أَلَّا نَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ) بالجزم لجاز على أن يكون " أن " كما فَسَّرنا في تأويل أي"، ويكون (أَلَّا نَعْبُدْ) على جهَةِ النهْي، والمنْهِي هو الناهِي في الحقيقة
كأنَّهم نهَوْا أنفُسُهُمْ.
ومعنى (وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).
أي نرْجعُ إلى أن معبودنا اللَّه، وأن عيسى بشر، كما أننا بشر فلا نَتخِذْهُ
ومعنى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).
أي مُقِرونَ بالئوحيد مستسلمون لما أتتْنَا بِهِ الأنْبياءُ من قِبل اللَّهِ .
* * *
وقوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)
في هذا يبين حجة على إليهود والنصارى جميعاً، لأن إليهود تدعي أن
إبْرَاهِيمَ كان يهودياً والنصارى تدعي أنَّه كان نصرانياً، وتدفع إليهود عن
دعواهم، وليْسَ يَدفَعُونَ اسمَ صفتِهِ أنهُ كان مُسْلِماً، وأنه لم يَكنِ اسْمُهُ يَهُودِيا ولا نصرانيا ولا مُشْركاً، والتوراةُ والإنجيلُ أنزلَا مِنْ بعْدهِ؛ وليس فيهما اسمه بواحد من أديان إليهود والنصارى والمشركين، واسم الإسلام له في كل الكتب؛ فَدَفْعُ بعضِهِم بعضاً أن يكون مُسمَّى بالاسْماء التي هي غيْر الإسْلام دليل بَينٌ
стр. 388
على نقض قولهم، وبرهان بَين في تبرئة إبراهيم من سائر الأديَان إلا دين
الإسلام.
* * *
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)
ومعنى (حنِيفاً مُسْلِماً).
معنى الحنف في اللغة إقبال صُدُور القَدميْن كل واحدة على أختها إقبالاً
يكون خلقةً لا رجوع فيه أبداً، فمعنى الحنيفية في الإسلام الميل إليه والإقامة على ذلك العقد.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
أي فهم الذين ينبغي لهم أن يقولوا إنا على دين إبراهيم
ولهم ولاية.
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). أي يتولى نصرهم لأن حزبهم هم الغالبون، ويتولى
مجازاتهم بالْحُسْنى.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)
أي وأنتم تشهدون أنها آياتُ اللَّه لأنكم كُنْتُمْ تُخْبرُونَ بأمْر النبي ﷺ قبل مَبْعَثِه، وأصْل (لِمَ تَكْفُرُونَ)، لِمَا تكفرون والمعنى لأي شيءٍ تكفُرون.
وكذلك (لم تَقولونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) وكذلك (عم يتساءَلون)
و (فبم تبشرون) فإِذا وقفت على هذه الحروف وقفت بالهاءِ، فقلت لمهْ، وبمه، لأن الألف حذفت في هذه الأسماءِ التي للاستفهام خاصة فجوز ذلك، ولا يجوز
стр. 389
ذلك في الموصلة لأن الألف فيهن ليست آخر الأسماءِ إنما الألف وسط
وحذفها لأن حروف الجر عوض منها، فحذفت استخفافاً، لأن الفتحة دالة
عليها، ولا يجوز إسكان هذه الحروف.
وزعم الكسائي أن الأصل كان في "كم" كما، قال: وكنت أشتهي أن تكون
مفتوحة لالتقاءِ السَّاكنين في قولهم: " كم المال " - بالكسر -. وهذا غلط من أبي الحسن، ولو كان كما - يقول لكان " كَمَ مالك " كما أنك تقول: (لِمَ فَعَلْتَ).
وليس هذا القول مما يعرج عليه.
* * *
وقوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
أي لم تغطون - الحق بباطلكم وأنتم تعلمون أنه الحق؛ يقال: لبست عليهم
الأمر ألبسه.
قال الله تعالى: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبَسُونَ).
ويقال: لَبِسْتُ الثوب ألْبَسُهُ، وقال الله : (وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا).
ولو قيل: (وتكتموا الحق) لجاز، على قولك: لم تجمعون هذا وذاك.
ولكن الذي في القرآن أجود في الإعراب.
стр. 390
وقوله : (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)
الطائفة الجماعة، وهم إليهود.
(آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ).
أي أولَهُ.
قال الشاعر:
مَنْ كَانَ مَسْروراً بمَقْتَل مالكٍ. . . فليأتِ نِسْوتَنَا بوجْه نَهَارِ
يجد النساءَ قَوائماً يَنْدُبْنَه. . . قد جِئنَ قبْل تَبَلُّج الأسْحارِ
أي في أول النهار. -
وقد قيل في تفسير هذا غير قول، قال بعضهم: معناه، آمنوا بصلاتهم إلى
بيت " المقدس وأكفروا بصلاتهم إلى البيت.
وقيل: إن علماءِ إليهود قال بعضهم لبعض: قد كنا نخبر أصحابنا بأشياء
قد أتى بها محمد ﷺ فإن نحن كفرنا بها كلها اتهمنا أصحابنا ولكن نؤمن ببعض ونكفر ببعض لنوهمهم أننا نصدقه فما يصدق فيه، ونريهم أنا نكذبه فيما ليس عندنا.
стр. 391
وقيل إنهم إتوا النبي ﷺ في صدر النهار فقالوا له: إنك الذي خبرْنا في التوراة بأنك مبعوث، ولكن أنظرنا إلى العشي لننظر في أمرنا، فلما كان بالعشي أتوا الأنصار فقالوا لها: قد كنا أعلمناكم أن محمداً هو النبي الذي هو المكتوب في التوراة، إلا أننا نظرنا في التوراة فإذا هو من (ولد هارون ومحمد من ولد إسماعيل) فليس هو النبي الذي عندنا. -
وإنما فعلوا ذلك لعل من آمن به يرجع فهذا ما قيل في تفسير الآية.
* * *
وقوله : (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)
قيل:. المعنى لا تجعلوا تصديقكم النبي في شيء مما جاءَكم به إِلا
لليهود، فإنكم إن قلتم ذلك للمشركين كان عوناً لهم على تصديقه
وقال أهل اللغة وغيرهم من أهل التفسير: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل
ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، أي لا تصدقوا أن يعطى أحد من علم النبي ﷺ مثل ما أعطيتم (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ).
ومعنى (أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ): أي ليس يكون لأحد حجة عند اللَّه في
الإيمان به لعلم من عنده. إلا من كان مثلكم.
وقد قيل في المعنى: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ).
أي الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
стр. 392
قال بعض النحويين معنى: " أن " ههنا معنى " لا " وإنما المعنى أن لا
يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أي لأن لا تؤتى فحذف " لا " لأن في الكلام دليلًا
عليها، كما قال اللَّه : (يُبَين اللَّهُ لَكُمْ أنْ تَضِلوا) أي لئلا تضلوا.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: " لا " ليست مما يحذف ههنا ولكن
الإضافة ههنا معلومة، فحذفتَ الأول وأقمتَ الثاني مقامه، المعنى يبين الله
لكم كراهة أن تضلوا وكذلك ههنا قال: إن الهدى هدى اللَّه كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم: أي من خالف دين الإسلام، لأن اللَّه لا يهدي من هو كاذب كفار، فهدى الله بعيد من غير المؤمنين.
* * *
وقوله : (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ).
أي نبوته وهداه يؤتيه من يشاءُ.
* * *
وقوله : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)
اتفق أبو عمرو، وعاصم والأعمش وحمزة على إسكان الهاءِ من
(يؤده) وكذلك كل ما أشبه هذا من القرآن اتفقوا على إسكان الهاء فيه، نحو
(نُصْلِهِ جَهَنَّمَ) و (نُؤتهِ مِنْهَا)
وقوله: (مَا تولى) إِلا حرفاً حُكي عن
стр. 393
أبي عمرو.
وحكى أبو عبيدة عن أبي عمرو إنَّه كسر في (أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ)
ولا فصل بين هذا الحرف وسائر الحروف التي جزمها.
أما الحكاية عن أبي عمرو فيه وفي غيره فغلط.
كان أبو عمرو يختلس الكسرة، وهذا كما غلطَ عليه في
(بَارِئْكُمْ) حكى القراء عنه أنه كان يحذفَ الهمزة فى بارئكم.
وحكى سيبويه عنه - وهو في هذا أضبط من غيره - أنه كان يكسر كسراً
خفياً، وأمَّا نافع وقُراءُ أهل المدينة فأشبعوا هذه الحروف فكسروا وأثبتوا
الياءات مثل (يؤده إليك) وهذا الإسكان الذي حكى عنه هُؤلاءِ غلط بين لا
ينبغي أن يقرأ به لأن الهاءَ لا ينبغي أن تجزم ولا تسكن في الوصل إنما تسكن
في الوقف.
وَفي هذه الحُرُوفِ أربعة أوجُهِ، يجوز إثْبات اليَاءِ، وَيجُوز حَذْفهَا
تقول: يؤَده إليك بالكسر، ويجوز: يَؤدِّ هُو إليْكَ بالضم بإثبات الواو بعد
الهاءِ، ويجوز حذف الواو وضم الهاءِ. فأما الوقف فلا وجه له، لأن الهاءَ
حرف خفي بُيِّن في الوصل بالواو في التذكير، قال سيبويه دخلت الواو فِي
التذكير كما دخلت الألف في التأنيث، (نحو) ضربتهو وضربتها، قال
أصْحَابه اختيرت الواو لأنها من طرف الشفتين والهاء من الحلق، فأبَانَتْ الواو
стр. 394
الهاءَ، وإنْمَا، تحذف الياءُ لعلة تقلب الواو إليها، فاذا حذفت الياءُ بقيت
الكسرة فأما في الوقف فلا يجوز ألبتَّة.
وقد أكثر الناس في تفسير القنطار، وقد حكينا ما قال الناس فيه.
ولم يتفقوا على تحديد في مقدار وزنه إلا أنهم قد اتفقوا في أنه الكثير من
المال.
* * *
وقوله : (إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا):
أكثر القراءَة (دُمْتَ) بضم الدال، وقد قرتتْ (دِمْت) فأما دُمْت فمن قولك.
دُمْت أدُوم إدْا بقيت على الشيءِ مثل قمتُ أقوم، وأما دِمْتُ - بالكسر - فعلى قولهم دِمْتَ تَدَام، مثل قولك: خِفْتَ تُخَافُ، ويقال قد ديم بفلان وأديمَ به بمعنى دِيرَ به وأدِير به، وهو الذي، به دُوامْ كقولهم: به دُوَام كقولهم: به دوار. ويقال دام المال إذا سكن يدوم فهو دائم ومنه:
" نهى النبي ﷺ أن يُبَال في الماءِ الدائِم "
أي الساكن، ويقال قد دوَّم الطائر في الجو تدويماً، وهو
يصلح أن يكون من وجهين، من دورانه في طيرانه ويصلح أن يكون من قلة
حركة جناحه، لأنه يرى كأنه ساكن الجناح.
ومعنى: (قائماً) أي إلا بدوامك قائماً على اقتضاء دينك.
* * *
وقوله : (ذلِكَ بِأنَّهمْ قَالُوا).
أي فعلهم ذلك، بقولهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ)
أي ليس علينا طريق في أخذ مَالِهمْ
стр. 395
وصف اللَّه : أكلَهُمُ السحْت وخيانتهم، وقد قيل في التفسير:
إنهم عاملوا قوماً من المشركين فلما انتقلوا إلى الإسلام قالوا ليس علينا لكم
سبيل إنما عاملناكم وأنتم على دينكم ذلك. فأعلم اللَّه أنهم يكذبون، قال
: (ويقُولُونَ على اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يعْلَمُونَ).
أي وهم يعلمون أئهم يَكْذِبُونَ. فرد اللَّه قولهم فقال: ِ (بَلَى): وهو
عندي - واللَّه - أعلم - وقف التمام، ثم استأنف فقال :
(مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)
أي فإن اللَّه يحبه، ويجوز أن يكون استأنف
جملة الكلام بقوله بلى لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح.
كقولهم نحن أهل تقوى في فعلنا هذا - فأعْلَمَ اللَّه أن أهل الوفاءِ بالعهد والتُّقَى يحبهم اللَّه، وأنهم المتقون، أي الذين يتقون الخيانة والكفر بالنبي ﷺ .
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)
(أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ)
هذه الجملة خبر (إِنَّ)، ومعنى الخَلاق النصيب الوافر من الخير.
ومعنى قوله: (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ):
في قوله: (لا يكلمهم الله) وجهان.
أحدهما أن يكون إسْماع الله أولياءَه كلامه بغير سفير، خصوصية يخص اللَّه بها أولياءَه كما كلم موسى فكان ذلك خصوصية له دون البشر أجمعين، وجائز أن يكون (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) تأويله الغضب عليهم، والإعراض عنهم كما تقول: " فلان لا ينظر إلى فلان ولا يكلمه، وتأويله أنه غضبان عليه، وإن كلمه بكلام سوء لم ينقض ذلك.
ومعنى (وَلَا يُزَكيهِمْ): لا يجعلهم طاهرين ولا يثني عليهم خيراً.
ومعنى (عَذَابٌ أَلِيمٌ): أي موجع.
* * *
وقوله : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
هذه اللام في (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا) تؤكد الكلام زيادة على توكيد (إِنَّ) لأن
стр. 396
(إنَّ) معناها توكيد الكلام، ولذلك صار لضم يوصل بها في الإيجاب، تقول:
واللَّه أن زيداً قائِم، وكذلك تصل الضم باللام، فيقول واللَّه لزيد قائم ولا تلي هذه اللام (إن) لا يجوز: " إن لزيداً قائم " بإجماع النحوين كلهم وأهل اللغة.
ومعنى (يلوون ألسنتهم بالكتاب): أي يحرفون الكتاب، أي يعدلونْ عن
القصد، (ويجوز يُلَوُّونَ - بضم الياءِ والتشديد)
(لتَحْسَبْوُه، و - لتْحسِبُوه) - بكسر السين وفتحها - يقال حسِبَ يَحْسَبُ ويَحْسِبُ، جميعاً، ويقال لويت الشيءَ إذا
عَدلته عن القصد ليًّا ولويت الغريم لِيَاناً إذا مَطَلْتُه بدينه
قال الشاعر:
قد كنت داينت بهاحساناً. . . مخافة الإفلاس والليانا
* * *
وقوله (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)
أي أنْ اللَّه لا يصطفى لنبوته الكذبة، ولو فعل ذلك بشر لسلبه اللَّهُ
: آيَات النبوة وعلاماتها
ونصب (ثُمَّ يَقُولَ): على الاشتراك بين أن يْؤتيه
وبين يقول، أي لا يجتمع لنبي إتيان النبوة والقول للناس كونوا عباداً لي.
(وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) والربانيون أرباب العلم. والبيان. أي كونوا أصحاب
علم، وإنما زيدت الألف والنون للمبالغة في النسب، كما قالوا للكبير اللحية لَحياني ولذي الجمة الوافرة جُماني.
وقد قرئَ - (بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ). (تُعَلِّمُونَ) - بضم التاءِ وفتحها.
(وبما كنتم تَدْرُسُونَ) أي بعلمكم ودرْسِكُمْ عَلِّمُوا الناس وبيِّنوا لهم.
وجاءَ في
стр. 397
التفسير (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) أي: علماءَ فقَهاءَ ليس مَعْنَاه كما تعلمون فقط، ولكن ليكن هديكم ونيتكم في التعليم هدى العلماء والحكماء، لأن العالم إنما ينبغي أن يقال له عالم إذا عمل بعلمه، وإلا فليس بعالم، قال اللَّه:
(وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ)
ثم قال: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
أي لو كانوا وَفُّوا العلمَ حقه - وقد فسرنا ما قيل في هذا في
مكانه.
* * *
ومعنى: (وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
أي ولا يأمركم أن تعبدوا الملائكة والنبيين لأن الذين قالوا: إن عيسى
﵇ إله عبدوه وائخذوه ربًّا، وقال قوم من الكفار إن الملائكة أربَابُنَا، ويقال إنهُم الصابئون، ويجوز الرفع في (وَلَا يَأمُركُم) أي لا يأمركم اللَّه.
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١)
موضع (إذ) نصب -
المعنى - واللَّه أعلم - واذكر في أقاصيصك (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) - إلى قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ).
" ما " ههنا على ضربين: - يصلح أن يكون للشرط والجزاءِ وهو أجود الوجهين، لأن الشرط يوجب أن كل ما وقع من أمر الرسل فهذه طريقته، واللام دخلت في ما كما تدخل في " إنْ " التي للجزاءِ إذا كان في جواب القسم، قال اللَّه :
стр. 398
(وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)
وقال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ).
فاللام في "إن " دخلت مؤكدة موطدة للام القسم. ولام القسم هي التي
لليمين لأن قولك: واللَّه لئن جئتني لأكرمنك. . . إنما حلفك على فعلك إلا أن الشرطْ معلق به فلذلك دخلت اللام على الشرط فإذا كانت ما في معنى الجزاءِ فموضعها نصب بقوله (لما آتيتكمْ)
والجزاءُ قوله (لَتومِنن به)
ويجوز أن يكونَ في معنى الذي ويكون موضعها رفعاً.
المعنى أخذ اللَّه ميثاقهم أي استحلفَهم للذي آتيتكم، والمعنى آتيتكموه
(لتومنن به) فتكون ما رفعا بالابتداءِ ويكون خبر الابتداء (لتْؤمنن به)
وحذفت الهاءُ من (لما آتيتكم) لطول الاسم.
فأعلم اللَّه : أنه عهد إلى كل رَسُول أنْ يؤمِنَ بغيره من الرسل فصارَ العهد مشتملاً على الجماعة أن يؤْمن
بعضهم ببعض وأن ينصر بَعْضُهُمْ بعضاً.
ومعنى قوله: (فاشْهَدُوا وَأنَا مَعكُمْ من الشاهِدِينَ)
أي فتبينوا لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي وشهادة اللَّه للنبيين تبيينه أمر نبوتهم بالآياتِ المعجزات.
ويجوز - وقد قرئَ به - (لمَا آتيتكم) فتكون اللام المكسورة معلقة
بقوله أخَذَ المعنى أخذ الميثاق لآتيانِكُمْ الكِتَاب والحكمة.
وقرأ بعضهم (لما آتَيْنَاكم من كتاب وحكمة) أي لما آتيناكم الكتاب والحكمة أخذَ الميثاقَ ويكون الكلام يُؤول إلى الجزاءِ - كما تقول: لما جئْتني أكرمتك.
стр. 399
وقوله : (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)
ذلك إشارة إلى أخذ الميثاق بالمعنى: (فمن تولى) أي أعرض عن الإيمان بعد
أخذ الميثاق على النبيين.
وأخْذُ الميثاق على النبيين مشتمل على الأخذ على
أممهم، أي فمن تولى بعد أخذ الميثاق وظهور آيات النبي ﷺ (فَأولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) أي: الذين خرجوا عن القصد
وعن جملة الإيمان.
ويصلح أن تكون (همْ) ههنا اسماً مبتدأ، و (الفاسقون) خبرهُ
و" هم " " مع " الفاسقون خبر أولئك.
وصلح أن يكون (الفاسقون) مرتفعاً بأولئك " وهم " فصل -
وهو الذي يسميه الكوفيون العماد.
* * *
وقوله : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
أي أفغير دين اللَّه يطلبون، لأنه قد بين أنه دين اللَّه وأنهم كفروا وعاندوا وحسدوا بغياً - كما فعل إِبليس.
وقوله : (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا).
جاءَ في التفسير أنه أسلم من في السَّمَاوَات كلهم طوعاً، وأسلم بعض من في
الأرض طوعاً وبعض كرهاً.
لما كانت السنة فيمن فُرِض قتاله من المشركين أن
يقاتَلَ حتى يسلم سمي ذلك كرهاً، وإن كان يسلم حين يسلم طائعاً، إلا أن
الوصلة كانت إلى ذلك بِكُرهٍ، ونصب (طوعاً) مصدراً، وضع موضع الحال.
كأنه أسلموا طائعين ومكرَهين، كما تقول جءتك ركضاً ومشياً، وجئت راكضاً وماشياً، ويجوز أن يكون واللَّه أعلم - على معنى وله أسلم من في السَّمَاوَات والأرض طوعاً وكرهاً - أي خضعوا من جهة ما فطرهم عليه ودبرهم به،
стр. 400
لا يمتنع ممتنع من جِبِلَّةٍ جبل عليها، ولا يقدرعلى تغييرها أحب تلك الجِبِلَّةَ أو
كرهها.
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ). يدل على تصديق هذا القول.
لأن المعنى إنَّه بدأكم على إرادته شئتم أو أبيتم.
وهو يبعثكم كما بدأكم.
فالتأويل: أتبغون غير الدين الذي هذه صفته.
ثم أمر اللَّه النبي ﷺ وأمته أن يقولوا آمناً باللَّهِ وما أنزل علينا، وأن يقولوا ويعتقدوا إنهم لا يفرقون بين جميع الرسل في الإيمان بهم. لا يكفرون ببعضهم كما فعلت إليهود والنصارى، وأعلم اللَّه أنه لا يقبل ديناً غير دين الإسلام ولا عملاً إلا من أهله.
فقال : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)
(يَبْتَغِ) جزم بمن - وقوله: (فَلَنْ يُقْبَل مِنْهُ) الجواب.
ومعنى (من الخاسرين) أي ممن خسر عمله، والدليل على ذلك قوله
: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ)
* * *
وقوله : (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)
يقال إنها نزلت في قوم ارتدوا ثم أرادوا الرجوع إلى الإسلام ونيَّتهم
الكفر. فأَعلم اللَّه أنَّه لا جهة لهدايتهم لأنهم قد استحقوا أن يضلوا بكفرهم، لأنهم قد كفروا بعد البينات التي هي دليل على صحة أمر النبي ﷺ ، وقيل إنها نزلت في إليهود لأنهم كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا - قبل مبعثه - مؤمنين.
وكانوا يشهدون بالنبوة لَهُ فلما بعث ﵇ وجاءَهم بالآيات المعجزات وأنبأهم بما في كتبهم مما لا يقدرون على دفعه، وهو - أُمِّيٌّ - كفروا به بغياً وحسداً،
стр. 401
فأَعلم اللَّه أن جزاءَهم اللعنة، فقال:
(أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)
ومعنى لعن الناس (أجمعين) لهم أن بعضهم يوم القيامة يلعن بعضاً
ومن خَالَفهم يلعنهم، وتأويل لعنة اللَّه لهم تبعيده إياهم من رحمته وثنائه
عليهم بكفرهم.
* * *
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)
ومعنى: (خَالِدِينَ فِيهَا أبَدَاً).
أي: فيما توجبُه اللعنة أي في عذاب اللعنة (لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي لا يؤَخرون عن الوقت.
* * *
وقوله : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
أي أظهروا أنهم كانوا على ضلال وأصلحوا ما كانوا أفسدوه وَغرُّوا به مَنْ
اتَبَعَهُمْ ممَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَه (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
أعلم اللَّه أن من سعة رحمته وتفضله أن يغفو لمن اجترأ عليه هذا
الاجتراء لأن هذا ما لا غاية بعده، وهو أنه كفر بعد تبين الحق.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)
يقال في التفسير أن هَؤُلَاءِ هم النفر الذين ارتدوا بعد إِسلامهم ثم أظهروا
стр. 402
أنهم يريدون الرجوع إلى الإسلام، فأظهر اللَّه أمرهم لأنهم كانوا يظهرون أنهم يرجعون إلى الإسلام وعندهم الكفر - والدليل على ذلك - قوله : (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ)
لأنهم لو حققوا في التوبة لكانوا غيرَ معتدين، ويدل على
ذلك قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)
لأن الكافر الذي يعتقد الكفر ويظهر الإيمان عند اللَّه كمظهر الكفر لأن
الإيمان هو التصديق والتصديق لا يكون إلا بالنية.
ومعنى: (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَباً).
أي لو عمل من الخير وقدم ملء الأرض ذهباً يتقرب به إلى اللَّه لم ينفعه
ذلك مع كفره.
قال أبو إسحاق: وكذلك لو افتدى من العذاب بملءِ الأرض ذهباً لم يقبل
منه. فأعلم اللَّه أنه لا يُثيبُهُمْ على أعمالهم بالخير ولا يقبل منهم الفداءَ من العذاب.
وقال بعض النحويين أن الواو مسقطة - قال المعنى فلن يُقبل من أحدهم
ملءُ الأرض ذهباً لو افتدى به - وهذا غلط لأن الفائدة في الواو بينة وليست
الواو مما يلغي.
стр. 403
يقال ملأت الشيء أملؤه مَلئاً، المصدر بالفتح لا غير -
قال سيبويه والخليل: الملءُ - بفتح الميم - الفعل.
وتقول: هذا ملءُ هذا أي مقدار ما يملؤُه.
كما يقال: رَعَيْت رَعْياً والمال في الرعي فهذا فرق بين.
وقال بعض النحويين: يقال مَلأتُ مَلْئاً ومُلْئاً وهذا غلط بين لأن
الموصوف ههنا إنه لو ملك مقدار ما يملأ الأرض ما قبل منه، وليس يقال. إن قدر أن يفعل، أي أن يملأ الأرض، إنما المتقرب به الذهب الذي هو ملءُ
الأرض، لا أن يَملأ:
يقال ملأت الشيء مَلْئاً وقد مَلئَ فلان مَلأً وهو مملوءٌ إذا زكم
والملأ أشراف القوم، وتَقول أنت أملأ بهذا أي أثرى وأوثق، ورجل مَلِيءٌ بين الملاءَة، يا هذا.
فأما ما يكتبه الكتاب، أنت المَلِيُّ بالياءِ فخطأ وهم مجمعون عليه، هذا غلط. والمُلَاءَةُ التي تلبس، ممدود، والمُلَاوَةُ من الدهر القطعة الطويلة، ومن هذا قولهم. أبْلِ جَديداً وتَمَل حَبيباً أي عش مع حبيبك دهراً طويلًا.
و (ذهباً) منصوب على التمييز - قال سيبويه وجميعُ البصريين: إن الاسم المخفوض قد حال بين الذهب وبين الملء أنْ يكون جرًّا
وحقيقة تفْسيره: أن المعنى ما يملؤُهُ من الذهب
وكذلك إذا قلت: عندي عشرون درهماً أي ما يُعادِل هذا المقدارَ من الدراهِم.
وجائز أن يكون - واللَّه أعلم قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠).
стр. 404
يعني إليهود لأنهم كانوا تائبين في وقت إيمانهم بالنبي ﷺ قبل مبعثه، فأعلم اللَّه أن تلك التوبة وذلك
الإيمانَ ليْسَ بمقبُول، لأنهم كفروا بعده وزادوا كفراً، فإن كفرهم بما كان ينزل على النبي ﷺ وقتاً بعد وقت زيادة في الكفر - وكذلك الِإقامة عليه زيادة فيه.
* * *
وقوله : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
قال بعضهم: إِن كل ما يتقرب به إلى اللَّه من عمل خير فهو إنفاق.
وروي عن ابن عمر أنه اشترى جارية كان هَوِيهَا فلمَّا ملكَها أعْتقهَا ولمْ يُصِبْ
منها.
فقيل له: أعْتقْتهَا بعد أن كنتَ هويتَها ولم تصب منها.
فتلا هذه الآية (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا).
وفعل ابن عمر هذا ينبغي أن يقْتَدِيَ به الناس
في أن لا يضنوا بجليل ما يملكونه في التقرب به إلى اللَّه تعالى
* * *
وقوله : (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).
أي فإن اللَّه يجازي عليه لأنه قال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)
فإذا عمله جوزي عليه.
وتأويل (ما) تأويل الشرط والجزاءِ، وموضعها نصب بـ " تنفقوا " المعنى.
وأي شيء تنفقوا فإن اللَّه عليم به والفاء جواب الجزاءِ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)
موضع " ما " نصب، المعنى إلا الطعام الذي حرَّمه إسرائيل على نفسه.
ويروى: أنه وجد وجعاً، وقيل في التفسير: إن ذلك الوجع كِان عرق النساءِ
стр. 405
فنذر إِنْ أبرأه اللَّه أن يترك أحبَّ الطعام والشراب إِليه.
وكان أحب الطعام والشراب إِليه لحومَ الِإبل وألبانَها، فحرم اللَّه ذلك عليهم بمعاصيهم كما قال: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ).
وأعلم الله أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان من قبل أن تنزل
التوراة، وفيه أعظم آية للنبي ﷺ لأنه أنبأهم بأنهم يدعون أن في كتابهم ما ليس فيه، ودعاهم مع ذلك إِلى أن يأتوا بكتابهم فيتلوه لِيُبَينَ لهم كذبهم فأبوا.
فكان إِبَاؤُهم دليلاً على علمهم أن النبي ﷺ قد صدق فيما أنبأهم به، ولو أتَوْا بِها لم يَكونوا يَخْلونَ من أحد أمرين: إما أن يزيدوا فيها ما ليس فيها في ذلك الوقتْ فيعلم بعضهم أنه قد زيد، أو ينزل اللَّه بهم عقوبة تبين أمرهم، أو أن يأتوا بها على جملتها فيعلم بطلان دعواهم منها. فقصتهم في هذه الآية كقصة النصارى في المباهلة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)
أي من بعد ما ذكرنا من ظهور الحجة في افترائه: (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
* * *
وقوله (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)
قيل: إنه أول مسجد وضع للناس، وقيل: إنه أول بيت وضع للحج.
ويقال: إنه البيت المعمور وأن الملائكة كانت تحجه من قبل آدم، وإنه البيت
العتيق. فأما بناؤُه فلا شك أن إبراهيم بناه.
قال اللَّه تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) أي يَقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا.
стр. 406
فأما المقْدِس فسليمان بناه. وخبر (إِنَّ) هو (لَلَّذِي بِبَكَّةَ).
وهذه لام التوكيد، وقيل: إن بكة موضع البيت وسائر ما حوله مكة. والإجماع أن بكة ومكة الموضع الذي يحج الناس إِليه، وهي البلدة، قال اللَّه : ((بِبَطْنِ مَكةَ) وقال: (لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا).
فأما اشتقاقه في اللغة: فيصلح أن يكون الاسم اشتق من إلَبك، وهوبك
الناس بعضُهم بعضاً في الطواف أي دفع بعضهم بعضاً، وقيل: إنما سميت
ببكة لأنها تبك أعناق الجبابرة.
ونصب (مُبَارَكًا) على الحال.
المعنى: الذي بمكة في حال بركته.
(وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) يجوز أن يكون هُدًى لِلْعَالَمِينَ في موضع رفع.
المعنى: وهو هدى للعالمين.
فأماَ مكة - بالميم فتصلح أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة والميم تبدل
من الباءِ، يقال: ضربة لازب ولازم، ويصلح أن يكون الاشتقاق من قولهم: " امْتَكَّ الفصيل " ما في ضرع الناقة إذا مص مصاً شديداً حتى لا يُبْقِي فيه
شيئاً. فتكون سميت بذلك لشدة الازدحام فيها -
والقول الأول أعني البدل أحسن.
ومعنى (أَوَّلَ) في اللغة - على الحقيقة ابتداءُ الشيءِ فجائز أن يكون
المبتدأ له آخر، وجائز أن لا يكون له آخر فالواحد أول العدد والعدد غير متناه، ونعيم الجنة أول وهو غير منقطع، وقولك: هذا أول مال كسبته جائز ألا يكون
стр. 407
بعده كسب، ولكن إرادتك: (هذا ابتداءُ كسبي).
ولو قال قائل: أولُ عبد أملِكُه فهو حرٌّ، فملك عبداً أعتق ذلك العبد، لأنه قد ابتدأ الملك فجائز أن يكون (أَوَّلَ بيتٍ) هو البيت الذي لم يكن الحج إلى غيره.
* * *
وقوله : (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
قد رويت عن ابن عباس أنَّه قرأ (آية بينة مَقَامُ إبْرَاهِيمَ) جعل مقام
إبراهيم هو الآية، والذي عليه الناس: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ)
والمعنى: فيه آيات بينات: تلك الآيات مقام إبراهيم، ومن الآيات أيضاً: أمنُ من دخله، لأن معنى (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) يدل على أن الأمن فيه.
فأما رفع (مَقَامُ إبْرَاهِيمَ) فعلى أن يكون على إضمار هي مقام إِبراهيم.
قال النحويون: المعنى فيها مقام إبراهيم وهذا كما شرحنا، ومعنى أمنِ من
دخله: أن إبراهيم ﵇ سأل اللَّه أن يؤمِّن سكان مكة فقال:
(رب اجعل هذا بلداً آمناً). . فجعل اللَّه أمن مكة آية لإبراهيم وكان الناس يتخطفون حول مكة، قال اللَّه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) فكان الجبار إدْا أراد مكة قصمه اللَّهُ.
قال اللَّهُ : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)
وكانت فارس قد سبت أهل بيت المقدس فأمَّا أهل مكة فلم يطمع فيهم جبار.
ويقال: قد أمن الرجل يأمن أمْناً وأماناً.
وقد رويت إمناً، والأكثر الأفصح: (أمْن) بفتح الألف قال اللَّه (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا).
стр. 408
وقوله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ).
يقرأ بفتح الحاءِ وكسر الحاءِ والأصل الفتح: يقال: حججت الشيءَ
أحْجه حَجا إذا قصدته. .
والحِج اسم العمل - بكسر الحاءِ.
* * *
وقوله : (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
موضع مَنْ خفض على البدل من " الناس " المعنى: وللَّهِ على من
استطاع من الناس حج البيت أن يحج.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).
قيل فيه غير قول: قال بعضهم من كفر: من قال إن الحج غير مفترض.
وقال بعضهم: من أمكنه الحج فأخره إلى أن يموت. وهو قادر عليه فقد
كفر. وقيل: إِنها إنما قيلت لليهود لأنهم قالوا: أن القصد إلى مكة غير واجب في حج أو صلاة.
فأما الأول فمجمع عليه. ليسِ بين الأمة اختلاف في أن من
قال: إن الحج غير واجب على من قدر عليه كافر.
* * *
وقوله : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)
أي تبغون لها العوج، يقال في الأمر والدين عوج وفي كل شيءٍ مائل
عوج، والعرب تقول: ابغني كذا وكذا، أي أطلبه لي، وتقول: أبَغِنِي كذا
وكذا بفتح الألف تريد أعني على طلبه أي أطلبه معي كما تقول:
أعْكِمْنِي وأحْلِبْني أي أعِنَي على العَكْمِ والحَلْبِ.
ومعنى: (وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ) أي وأنتم تشهدون بما قد ثبت في نفوسكم أن
أمر النبي حق واللَّه غير غافل عن عملكم.
стр. 409
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)
يعني بالفريق الصنف، الذين كفروا، أي إن قلدتموهم ردوكم كافرين، أي
وإن كنتم على غير دينهم وكنتم في عقدكم ذلك كافرين فكذلك إن أطعتموهم او اتبعتوهم فأنتم كافرون.
* * *
وقوله : (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
أي على أي حال يقع منكم الكفر وآيات اللَّه التي أتى بها النبي ﷺ دالة على توحيد اللَّه ونبوة
النبي ﷺ تتلى عليكم وفيكم رسوله يبين لكم هذه الآيات، وجائز أن يقال فيكم رسوله والنبي شاهد، وجائز أن يقال لنا الأن فيكم رسول اللَّه لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أتى به فينا وهو من الآيات العظام.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ باللَّهِ).
أي من يمتنع باللَّه، ويستمسك بحبل اللَّه (فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
و" يعتصم " جزم بمن. والجواب: (فَقَدْ هُدِيَ)، ومعنى اعتصمت بكذا وكذا في اللغة: استمسكت وامتنعت به من غيره
وكذلك (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ)
ومعنى: (سَآوِي إلَى جَبلٍ يَعْصِمُنِي من الماءِ) أي يمنعني من الماءِ أي
لاذا عِصمة ولاذا امتناع من اللَّه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)
أي اتقوه فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه.
قال بعضهم (حَقَّ تُقَاتِهِ): أن يطاع
стр. 410
فلا يعصي وأن يذكر فلا ينسى، ومعنى يذكر فلا ينسى: أن يذكر عند ما يجب من أمره فلا يتجاوز أمره.
وقال بعضهم هذه الآية منسوخة نسخها قوله جلَّ وعزَّ:
(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).
وتقاة: أصلها وقاة وهي من وقيت إلا أن الواو لم تأت في هذا المثال
على أصلها، ولم يقل في هذا المثال شيءُ إِلا والتاء فيه مبدلة من الواو وكذلك قالوا تخمة إِنما هي من الوخامة، وكذلك قالوا: في فُعال نحو التراث والتجاه، وتجاه في معنى المواجهة.
وهذا المثال فيه أوجه: إِذا بنيت فُعْلَة من وقيت قلت تقاة وهو الذي يختاره
النحويون، ولم يأتِ في اللغة على هذا المثال شيءٌ إِلا وقد أبدلت التاء من واوه.
ويجوز أن يقال وقاة، وأَقاه لأن الواو إِذا انضمت وكانت أولا فأنت في
البدل منها بالخيار، إِن شئت أبدلت منها همزة، وإن شئت أقررتها على هيئتها، وإن شئت في هذا المثال خاصة أبدلت منها التاءَ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
لفظ النهي واقع على الموت والمعنى: واقع على الأمر بالِإقامة على
الِإسلام.
المعنى: كونوا على الإسلام فإِذا ورد عليكم الموت صادفكم على ذلك.
وِإنما جاز هذا لأنه ليس في الكلام لبس، لأنه يعلم منه أنهم لا ينهون عما لا
يفعلون، ومثله في الكلام، " لَا أريَنكَ هَهُنَا " فالنهي واقع في اللفظ على المخاطبة والمعنى: لا تكونن ههنا فإن من كان هِهنا رأيته ولكن الكلام قصد به إِلى الِإيجاز والاختصار إِذ لم يكن فيه نقص معنى.
* * *
(وقوله جلَّ وعزَّ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)
стр. 411
(جَمِيعًا) منصوب على الحال المعنى: كونوا مجتمعين على الإعتصام به.
وتفسير (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ)، أي استمسكوا بعهد اللَّهِ.
والحبل في لغة العرب: العهد.
قال اَلأعشى.
وإِذا أجوز بها حبال قبيلة. . . أخذت من الأخرى إليك حَبالها
ومعنى (وَلَا تَفَرَّقُوا): أي تناصروا على دين الله وأصل تفرقوا تتفرقوا
إلا أن التاءَ حذفت لاجتماع حرفين من جنس واحد في كلمة، والمحذوفة الثانية لأن الأولى دالة على الاستقبال فلا يجوز حذف الحرف الذي يدل على
الاستقبال وهو مجؤوم بالنهي، الأصل ولا تتفرقون فحذفت النون لتدل على
الجزم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
ذكَّرهم اللَّه بعظيم النعمة عليهم في الإسلام لأنهم كانوا في جاهليتهم
يقتل بعضهم بعضاً، ويستبيح كل غالب منهم من غلبه فحظر عليهم الإِسلام
الأنفس والأموال إلا بحقها، فعرفهم اللَّه ما لهم من الحظ في العاجل في الدخول في الإسلام.
стр. 412
وقيل نزلت في الأوس والخزرج. لأنهم كانت بينهم في الجاهلية حروب
دائمة قد أتت عليها السنون الكثيرة، فأزال الإسلام تلك الحروب وصاروا
إخواناً في الإسلام متوادين على ذلك، وأصل الأخ في اللغة أن الأخ مقصدُه
مقصد أخيه، وكذلك هويْ الصداقة أن تكون إرادة. كل واحد من الأحخوين موافقة لما يريد صاحبه والعرب تقول: فلان يتوخى مسار فلان أي يقصد ما يسره.
وقوله جل وعلا: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ).
أي كنتم قد أشرفتم على النار وشفا الشيءُ، حرفه مقصور يكتب
بالألف، وثثنيته شفوان، وقال - (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا)، ولم يقل منه لأن المقصود في الخبر النار. أي فأنقذكم منها بالنبي ﷺ .
وقوله جل وعلا - (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ).
الكاف في موضع نصب. المعنى مثل البيان الذي يتلى عليكم يبين الله
لكم آياته.
ومعنى (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
أي لتكونوا على رجاءِ هدايته.
* * *
وقوله جل وعلا: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)
اللام مسكنة وأصلها الكسر، الأصل ولتَكن منكم ولكن الكسرة حذفت
لأن الواو صارت مع الكلمة كحرف واحد وألزمت الحذف، وإِن قرئت
стр. 413
ولتكن - بالكسر - فجيد على الأصل، ولكن التخفيف أجود وأكثر في كلام العرب.
ومعنى - (ولتكن منكم أمَّةٌ) - واللَّه أعلم - ولتكونوا كلكم أمَّة تدعون إلى
الخير وتأمرون بالمعروف، ولكن " مِن " تدخل ههنا لتخص المخاطبين من سائر الأجناس وهي مؤَكدة أن الأمر للمخاطبين ومثل هذا من كتاب اللَّه
(فاجتنبوا الرجس من الأوثان) ليس يأمرهم باجتناب بعض الأوثان، ولكن
المعنى اجتنبوا الأوثان فإِنها رجس ومثله من الشعر قول الشاعر:
أخو رغاتب يعطيها ويُسْالُها. . . يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
أي هو النوفل الزفر، لأنه قد وصفه بإعطاءِ الرغائب، والنوفل الكثير
الِإعطاءِ للنوافل، والزفر الذي يحمل الأثقال.
والدليل على أنهم أمروا كلهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوله جل
وعلا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
ويجوز أن تكون أمرت منهم فرقة، لأن قوله (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) ذكر الدعاة إِلى الِإيمان، والدعاة ينبغى أن يكونوا علماءَ بما يدعون إِليه
стр. 414
وليس الخلق كلهم علماءَ والعلم ينوب فيه بعض الناس عن بعض، وكذلك
الجهاد.
وقوله جل وعلا: (وَأولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ).
أي والذين ذكرناهم المفلحون، والمفلح الفائز بما يغتبط به.
و (هم) جائز أن يكون ابتداءً و (المفلحون) خبر أولئك و (هم) فصل، وهو الذي يسميه الكوفيون العماد.
* * *
وقوله جل ثناؤُه: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)
أي لا تكونوا كأهل الكتاب، يعني به إليهود والنصارى وكتابهم جميعاً
التوراة، وهم مختلفون، كل فرقة منهم - وإن اتفقت في باب النصرانية أو
اليهودية - مختلفة أيضاً، كالنصارى الذين هم نسطورية ويعقوبية وملكانية، فأمر اللَّه بالاجتماع على كتابه، وأعلم أن التفرق فيه يخرج أهله إلى مثل ما خرج إليه أهل الكتاب في كفرهم، فأعلم الله أن لهم عذاباً عظيماً، فقال: (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
ثم أخبر بوقت ذلك العذاب فقال:
(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)
أي يثبت لهم العذاب ذلك اليوم، وابيضاضها إشراقها وإسفارها، قال
الله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩).
أسفرت واستبشرت لما تصير إِليه من ثواب الله ورحمته، وتَسْوَدُ وُجُوهٌ اسودادها لما تصير إِليه من العذاب، قال اللَّه: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠).
стр. 415
والكلام. تسود وتبيض بفتح التاءِ - الأصل " تسودد " و " تبيَضِض إلا
أن الحرفين إذا اجتمعا وتحركا أدغم الأول في الثاني.
وكثير من العرب تكسر هذه التاء من تسود وتبيض والقراءَة بالفتح والكسر قليل إلا أن كئيراً من العرب يكسر هذه التاءَ ليُبيِّن أنها من قولك أبيض وأسود فكأن الكسرة دليل على أنه كذلك في الماضي.
وقرأ بعضهم " تَسْواد وتَبْياض " وهو جيِّد في العربية إلا أن المصحف ليست
فيه ألف فأنا أكرهها لخلافه على أنهُ قد تحذف ألفات في القرآن نحو ألف إبراهيم وإسماعيل ونحو ألف الرحمن؛ ولكن الإجماع على إثبات هذه الألفات المحذوفة فى الكتاب في اللفظ، وتبيَض وتسود إجماع بغير ألف فلا ينبغي أن يقرأ بإثبات الألف.
وقوله جل وعلا: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ).
تدل على أن القراءَة تسود، ومن قرأ بالألف تسواد وتبياض وجب أن
يقْرأ: فأما الذين اسوادت وجُوههم.
وجواب أما محذوف مع القول.
المعنى فيقال لهم: (أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ).
وحُذفَ القولُ لأن في الكلام دليلاً عليه وهذا كثير في القرآن، كقوله
: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
المعنى يقولون:
стр. 416
(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
وكذلك قوله: (وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) المعنى يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا -
هذه الألف لفظها لفظ الاستفهام ومعناها التقرير والتوبيخ.
وإنَّما قيل لهم (أكفرتم بعد إيمانكم) لأنهم كفروا بالنبي ﷺ ، وقد كانوا به مؤمنين قبل مبعثه.
وهذا خطاب لأهل الكتاب:
وقوله جلّ وعلا: (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)
(فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
أي في الثواب - الذي أصارهم اللَّه إليه برحمة - خالدون.
أعْلَمَ أنَّه إِنما يدخل الجنة برحمته وإن اجتهد المجتهد في طاعة اللَّه لأن نعم
اللَّه دون الجنة لا يكافئها اجتهاد الآدميين.
وقال (فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) وهو يريد ثواب رحمة اللَّه كما فال: (واسأل القريةْ)
المعنى أهل القرية، كما تقول العرب بنو فلان يطؤُهم الطريق، المعنى يطؤُهم مارة الطريق.
وذكر (فيها) ثانية على جهة التوكيد.
* * *
وقوله جل وعلا: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)
أي تلك التي قد جرى ذكرها حُجَجُ اللَّه وعلاماته نتلوها عليك أي
نعرفك إياها وما اللَّه يريد ظلماً للعالمين أي من أعلم اللَّه أنه يعذبه فباستحقاق
يعذبه.
وقوله جل وعلا: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)
(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
ولو كانت " وإليه ترْجِعُ الأمور " لكان حسناً ولكن إعادة اسم الله أفخم
وأوكد، والعرب إذا جرى ذكر شيء مفخم أعادوا لفظه مظهراً غير مضمر، أنشد النحويون قول الشاعر:
стр. 417
لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ. . . نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقيرا
فأعادوا ذكر الموت لفخامة في نفوسهم.
* * *
وقوله جل وعلا: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)
يعني به أمة محمد ﷺ وقيل في معنى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ) كنتم عند الله في اللوح المحفوظ - وقيل كنتم منذ آمنتم خير أمة وقال بعضهم معنى (كنتم خير أمة) هذا الخطاب أصله إنَّه خوطب به أصحاب النبي ﷺ وهو يعم سائر أمَّة
محمد، والشريطة في الخيرية ما هو في الكلام وهو قوله :
(تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
أي توحدون اللَّه بالإيمان برسوله لأن من كفر بالنبي ﷺ لم يوحد اللَّه، وذلك أنه يزعم أن الآيات المعجزات التي أتى بها النبي ﷺ من ذات نفسه.
فجعل غير الله يفعل فعل اللَّه.
وآيات الأنبياءِ، لا يقدر عليها إلا اللَّه .
ويدل على أن قوله: (وتؤْمنون باللَّه): تقرون أن محمداً ﷺ نبي اللَّه.
قوله : (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
فأهل الكتاب كفروا بالنبي ﷺ فصاروا كفاراً باللَّه فأعلم اللَّه أن بعضهم وهو القليل منهم آمن باللَّه فقال:
(مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).
والفاسق الذي خرج عن أمر اللَّه.
стр. 418
ووعد اللَّه النبي ﷺ والمؤمنين في أهل الكتاب أنهم منصورون عليهم، وأنه لا ينالهم من أهل الكتاب اصطلام ولا غلبة فقال: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)
أي يْؤذونكم بالبهت والتحريف، فأمَّا العاقبة فتكون للمؤمنين.
قال اللَّه : (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢). يعني به أهل الكتاب؛ وأعلمهم في هذه الآية أنهم إن قاتلوهم ولوهم الأدبار وسلبوا النصر وكذلك كان أمر إليهود.
* * *
وقوله جل وعلا: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)
والحبل العهد. فأَعلم اللَّه أنهم بعد عزٍّ كانوا فيه يبلغون في الذلة ما لا
يبلغه أهل مكة، وكانوا ذوي منعة ويسار، فأعلم اللَّه أنهم يذلون أبداً إلا أن
يعزوا بالذمة التي يعطونها في الإسلام. وما بعد الاستثناءِ، ليس من الأول
أنهم أذلاءُ إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه.
وأعلم اللَّه أنهم جعلتْ عقوبتهم هذه العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة
لتغليظ ما ركبوه فقال - جل وعلا: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).
وضع ذلك رفع بالابتداءِ المعنى أمرهم ذلك وحقهم ذلك بكفرهم.
وقتلهم الأنبياءَ وأعاد ذكر ذلك ثانية فقال: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يعْتَدُون).
стр. 419
الاعتداءُ المجاوزةْ في كل شيءٍ - مجاوزة القدر - المعنى حقها بكفرهم -
فأعلم. الله أنهم غير متساوين فقال:
(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)
(لَيْسُوا سَوَاءً)
وهذا وقف التمام.
أي ليس الذين ذكرنا من أهل الكتاب سواءً.
قال أبو عبيدة: (ليسوا سواء) جمع ليس، وهو متقدم كما قال القائل:
أكلوني البراغيث وكما قال: عموا وصَمُّوا كثير منهم.
وهذا ليس كما قال لأن ذكر أهل الكتاب قد جرى، فأخبر اللَّه أنهم غير متساوين فقال (ليسوا سواءً).
ثم أنبأ بافتراقهم فقال: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ).
قال أهل اللغة معنى قائمة مستقيمة، ولم يبينوا حقيقة هذا وذكر الأخفش
المعنى أمة قائمة، أي ذو أمةٍ قائمة والأمة الطريقة من أممت الشيءِ إذا قصدته.
فالمعنى واللَّه أعلم: من أهل الكتاب أمَّة قائمة، أي ذوو طريقة قائمة.
قال النابغة الذبياني:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة. . . وهل يأتمن ذو أمة وهو طائع
أي هل يأتمن ذو طريقة من طرائق الدين وهو طائع.
فإنما المعنى إنَّه لا يستوي الذين قتلوا الأنبياءَ بغير حق والذين يتلون آيات اللَّه آناءَ الليل وهم ذوو طريقة مستقيمة.
стр. 420
ومعنى (آناءَ الليل) ساعات الليل، قال أهل اللغة واحد آناءِ الليل إنْي وآناءَ
مثل، نِحْى وأنْحاءِ وأنشد أهل اللغة في ذلك قول الشاعر:
حُلوٌ وَمُرٌّ كطعم القدح مِرتهُ. . . بكل إنْي حداه الليلُ يَنْتَعِل
قالوا واحدها إِني مثل مِعْي وأمعاء، وحكى الأخفش (إنْوُ).
* * *
وقوله : (وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
معناه وهم يصلون لأن التلاوة ليست في السجود، وإنما ذكرت الصلاة
بالسجود لأن السجود نهاية ما فيها من التواضع والخشوع والتضرع.
ومعنى (يَتْلُونَ) فيَ اللغة يُتْبِعُونَ بعض الشيءِ بعضاً، وقد اسْتَتْلَاكَ الشيءَ إذا
جعلك تَتْبَعَهُ
قال الشاعر:.
قد جعلت دلوى تستليني. . . ولا أحب تبع القرين
إن لم يُرد سماحتي وَليني
وقال بعض أهل اللغة: المعنى منهم أمة قائمة وامة على غير ذلك، وأنشد
في ذلك قول الشاعر:
عصائي إليها القلب أني لأمره. . . سميع فيما أدري أرشد طلابها
ولم يقل أم هو في غَي لأن في الكلام دليلاً عليه، قال: والعرب تضمر
هذا إذا عرفت مثل هذا - عرفت المعنى.
стр. 421
وهذا الذي قال خطأ فاحش في مثل هذا المكان، لأن ذكر أهل الكتاب
قد جرى في هذه القصة بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللَّه، ويقتلون الأنبياءَ بغير
حق، فأعلمَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ أن منهم المؤْمنين الذين هم أمَّة قائمة، فما الحاجة
إلى أن يقال غير قائمة وإنما المبدوءُ به ههنا ما كان من فعل أكثرهم من الكفر
والمشاقة للنبي ﷺ فذكر من كان مبايناً هُؤلاءِ وذكر في التفسير أن هذا يعني به عبد اللَّه بن سلام وأصحابه:
* * *
(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)
ومعنى (ويأمرون بالمعروف) ههنا أي يأمرون باتباع النبي ﷺ
(وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): عن الِإقامة على مشاقته ﷺ .
* * *
وقوله : (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
قرئت بالياءِ والتاءِ وكلاهما صواب - كما قال اللَّه : (فمن يعمل
مثقال ذرة خيراً يره) - فالخطاب لسائر الخلق
ومن قال (فلن تُكْفَروه) فهو لهُؤلاءِ المذكورين وسائر الخلق داخل معهم في ذلك.
وموضع (يفعلوا) جزم بالشرط، وهو (ما) والجواب (فلن يكفروه).
* * *
قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)
أي لا تمنعهم أولادهم مما هو نازل بهم، لأنهم مالوا إلى الأموال في
معاندتهم النبي ﷺ لأن الرياسة إنما قامت لهم - أعني - رؤَساءَ إليهود - بمعاندتهم النبي ﷺ .
стр. 422
والدليل على أنهم كسبوا بذلك قوله جلَّ وعزَّ: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩).
ثم أعلم اللَّه أن مثل ما ينفقونه في تظاهرهم على النبي ﷺ في الضرر لهم:
(كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
والصر البرد الشديد.
(أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ) - أي زرع قوم ظلموا أنفسهم.
فعاقبهم اللَّه بإذهاب زرعهم - فأهلكته.
فأعلم أن ضرر نفقتهم عليهم كضرر هذه الريح في هذا الزرع وقيل إنَّه يعني
به أهل مكة حين تعاونوا وأنفقوا الأموال على التظاهر على النبي ﷺ
وقال بعضهم: (مثل ما ينفقون)، أي مثل أعمالهم في شِرْكِهِم كمثل هذه الريح.
وجعل فيها صر أي صوت، وهذا يخرج في اللغة.
وإنما جعل فيها صوتاً لأنه جعل فيها ناراً كأنَّها نار أحرقت الزرع - فالصر
على هذا القول صوت لهيب النار، وهذا كله غير مُمْتَنع.
وجملته أن ما أنفق في التظاهر على عداوة الدِّين مضر مهلك أهله في العاجل والأجل.
* * *
قوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)
" البطانة " الدخلاءِ الذين يستبطنون ويتبسط إليهم، يقال فلان بِطانة
لفلان أي مداخل له ومُؤانس، فالمعنى أن المؤمنين أمِروا ألا يداخلوا
المنافقين ولا إليهود، وذلك أنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على
стр. 423
المؤمنين. فأمروا بألا يداخلوهم لئلا يفسدوا عليهم دينهم.
وأخبر اللَّهُ المؤْمنين بأنهم لا يألونهم خبالا، أي لا يُبْقُون غاية في إلقائهم فيما يضرهم.
وأصل الخبال في اللغة ذَهاب الشيءِ
قال الشاعر:.
ابني سليمي لستم ليد. . . إلايدا مخبولة العضد
أي قد ذهبت عضدها.
(وَدُّوا مَا عَنِتمْ).
أي ودوا عَنَتْكُمْ، ومعنى العنت إدخال المشقة على الإنسان، يقال فلان
متعنت فلاناً، أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه، ويقال قد عِنتَ العظم
يَعْنَتُ عَنَتَا إذا أصابه شيء بعد الجبر، وأصل هذا كله مرق قولهم: (اكَمَة
عُنُوت) إذا كانْت طويلة شاقة المسلك، فتأويل أعنتُّ فلاناً، حَمَلْتُه على
المشَقًةِ.
* * *
قوله : (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩)
خطاب للمؤمنين، أعلموا فيه أن منافقي أهل الكتاب لا يحبونهم وأنهم
هم يصحبون هؤُلاءِ المنافقين بالبر والنصيحة التي يفعلها المحب وأن
المنافقين على ضد ذلك.
فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ المؤْمنين ما يُسِرُّه المنافقون وهذا من آيات
النبي ﷺ .
قال بعض التحويين: العرب إذا جاءَت إلى اسم مكنى قد وصف
(بهذا) جعلته بين (ها) و (ذا)، فيقول القائل أين أنت فيقول المجيب: هأنذا،
стр. 424
قال وذلك إذا أرادوا جهة التقريب، قال فإنما فعلوا ذلك ليفصلوا بين التقريب وغيره.
ومعنى التقريب عنده أنك لا تقصد الخبر عن هذا الاسم فتقول هذا
زيد.
والقول في هذا عندنا أن الاستعمال في المضمر أكثر فقط، أعني أن
يفصل بين " ها " و " ذا" لأن التنبيه أنْ يَليَ المضْمَرَ أبْيَنُ.
فإن قال قائل: ها زيد ذا، وهذا زيد، جاز، لا اختلاَفَ بين الناس في ذلك، وهذا عندنا على ضربين: - جائز أن يكون " أولا " في معنى الذين كأنه قيل: هأنتم الذين تحبونهم ولا يحبونكم، وجائز أن يكون (تحبونهم) منصوبة على الحال و (أنتم) ابتداء، و (أولاءِ) الخبر.
المعنى: انظروا إلى أنفسكم محبين لهم.
نهوا في حال محبتهم إياهم.
ولم يشرحوا لم كسرت (أولاءِ)، وألاءِ أصلها السكون لأنها للإشارة.
ولكن الهمزة كسرت لسكونها وسكون الألف
(وتؤمنون) عطف على تحبون.
ومعنى (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ).
أي تصدقون بكتب الله كلها. -
(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا). أي نافقوكم.
(وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ).
فأنبأ اللَّه بنفقاتهم ههنا كما أنبأ به في قوله تعالى:
стр. 425
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ).
ويقال عَضَضْتُ أعَضُّ، ويقال رجل عِضٌِ إذا كان ملازم خصم، أي
يُصِر على المخاصمة، والفعل منه عَضَضْتُ. والعُضُّ علف الأمصار الذي.
تعلفه الإبل نحو النوى والقت والكسب، وإنما قيل له عض لأنه أكثر لبثاً في
المال وأبقى شحماً.
والأنامل واحدها أنمُلَة وهي أطراف الأصابع ولم يأت
على هذا المثال بغير هاء ما يعني غَيْرَ الواحد إلا قولهم قد بلغ أشدهُ.
أما الجمع فكثير فيه أو نحو أكعب وأفلس وأيمن وأشمل.
* * *
قوله : (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)
أي إِن تظفروا وَتُخْصِبُوا ساءَهم ذلك.
(وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).
أي: إِن نالكم ضد ذلك فرحوا، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا).
ضمن اللَّه - جلَّ وعزَّ - للمؤمنيِن النصر إِن صبروا وأعلمهم أن عدوانهم
وكيدهم غير ضار لهم.
و (لَا يَضُرُّكُمْ) الأجود فيه الضم لالتقاءِ الساكنين
الأصل لا يضرركم، ولكن كثيراً من القراءِ والعرب يدغم في موضع الجزم.
وأهل الحجاز يظهرون التضعيف
وهذه الآية جاءَت فيها اللغتان جميعاً -
فقوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ) على لغة أهل الحجاز، وقوله: (لَا يَضُرُّكُمْ)
следующие страницы →