← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

قال بعضهم: هو عقدُ المَهر، وقال بعضهم: الميثاق الغليظ قوله: (فإِمسَاك بِمَعرُوفٍ أو تسْرِيحٌ بِإِحْسَان) وقوله (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) والتسريح بإِحسان لا يكون بأن تأخذ منها مهرها. هذا تسريح بإساءَة لا بإِحسَان. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ - (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢) المعنى: لا تنكحُوا كما كان مَن قبلكم يَنكحُ ما نَكَح أبوه، فهذا معنى (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ). (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً). المعنى إِلا ما قد سلف فإِنه كان فاحشةً، أي زناً (وَمَقْتًا). والمقت أشد البُغْض. (وَسَاءَ سَبِيلًا). أي وبئسَ طريقاً. أي ذلك الطريق بئس طريقاً. فالمعنى أنهم أعلموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له مقت، وكان المولود عليه يقال له المَقْتِي. فأعْلِمُوا أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل منكراً في قلوبهم ممقوتاً عندهم. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: جائز أن تكون " كان " زائدة، فالمعنى على هذا: إِنه فاحِشَة ومقت، وأنشد في ذلك قول الشاعر:

стр. 492

فكيف إِذا حللتُ بدار قومٍ. . . وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ قال أبو إسحاق: هذا غلط من أبي العباس، لأنَّ " كان " لو كانت زائدة لم تنصب خبرها. والدليل على هذا البيتُ الذي أنشده: وجيران لنا كانوا كرام ولم يقل: كانوا كراماً. * * * وقوله: - جلَّ وعزَّ -: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) هذا يسمى التحريمَ المبهم، وكثيرٌ من أهل العلم لا يفرق في المبهم وغير المبهم تفريقاً مقنعاً، وإِنما كان يسمى هذا المبهم من المحرمات لأنه لا يحل بوجه ولا سبب، واللاحقُ به (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) والرضاعة قد أدخلت هذه المحرمات في الِإبهام. (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ). قد اختلف الناس في هذه فجعلها بعضهم مبهمة وجعلها بعضهم غير مبهمة. فالذي جعلها مبهمة قال إِنَّ الرجل إِذا تزوج المرأة حرمت عليه أمها دخل بها أو لم يَدخُل بها. واحتج بأن (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) إِنما هو متصل بالربائب. وروي عن ابن عباس أنه قال: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) من المبهمة.

стр. 493

(وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ). قال أبو العباس محمد بن يزيد: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) نعت للنساءِ اللواتي هن أمهات الربائب لا غير، قال: والدليل على ذلك إِجماع الناس أن الربيبة تحل إِذا لم يُدْخل بأمها، وأن من أجاز أن يكون قوله: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) هو لأمهات نسائكم، يكون المعنى على تقديره، وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ. فيخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لأمهات الربائب. والدليل على أن ما قاله أبو العباس هو الصحيح أن الخبرين إِذا اختلفا لم يكن نعتهما واحداً. لا يجيز النحويون: مررت بنسائك وهربت من نساءِ زيد الظريفات، على أن تكون الظريفات نعتاً لهؤُلاءِ النساءِ وهُؤلاءِ النساءِ. والذين قالوا بهذا القول أعني الذين جعلوا أمهات نسائكم بمنزلة قوله: (مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) إِنما يجوز لهم أن يكون منصوباً على " أعني " فيكون المعنى أعني اللاتي دخلتم بِهنَّ، وأن يكون (وأمهاتُ نسائكم) تمام هذه التحريمات المبهمات، ويكون الربائب هن اللاتي يحللن إِذا لم يُدْخل بأمهاتهِنَّ قط دون أمهات نسائكم هو الجَيِّد البالغ. فأمَّا الربيبة فبنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة، لأن الرجل هو يَرُبُّهَا، ويجوز أن تسمى ربيبة لأنه تولى تربيتها، كانت في حجره أو لم تكن تربت في حجره، لأن الرجل إِذا تزوج بأمها سمي ربيبها، والعرب تسمِّي الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم ويوقعونه، فيقولون: هذا مقتول وهذا ذبيح، أي قد وقع بهم ذلك. وهذا قاتل أي قد قتل، وهذه أضْحيًةُ آلِ فلان لما قَد

стр. 494

ضحوْا به، وكذلك هذه قَتُوبَةُ، وهذه حلوبة، أي ما يقتب وُيحْلب. وقوله: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ). جمع حليلة وهي امراة ابن الرجل، لا تحل للأب، وهي من المبهمات وحليلة بمعنى مُحلَّة. مشتق من الحلال. (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ). (أَنْ) في موضع رفع، المعنى حرمت هذه الأشياءُ والجمع بين الأختين. (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ). المعنى سوى ما قد سلف فإِنه مغفور لكم. * * * وقوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) القراءَة بالفتح. قد أجْمَعَ على الفتح في هذه، لأن معناها اللاتي أحْصِنَّ بالأزواج. ولو قرئت والمُحصِناتِ لجاز، لأنهُنَّ يحْصِنَّ فروجهن بأن يتزوجن. وقد قرئت التي سوى هذه " المحْصَنَاتِ " و " والمحصِناتِ ". (إِلا ما ملكتْ أيْمانُكمْ). أي إِنْ ملك الرجلُ محصنة في بلاد الشرك فله أن يطأها، إِلا أن جميع الوطءِ لا يكون في ملك اليمين إِلا عنِ اسْتِبرَاء، وقد قال بعضهم: إِن الرجل إِذا ملك جارية وكانت متزوجة فبيْعُها وملكُها قد أحلَّ فَرْجَها، وإِن لم تكن

стр. 495

أحْصِنَت في بلاد الشرك، والتفسير على ما وصفنا في ذوات الأزواج في الشرك. وقوله: (كِتَابَ اللَّهِ عليْكُم). منصوب على التوكيد محمول على المعنى، لأن معنى قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) كتب الله عليكم هذا كتاباً كما قال الشاعر: ورُضْت فذلًت صعبة أي إِذْلَالٍ لأن معنى رُضْتُ أذللتُ. وقد يجوز أن يكون منصوباً على جهة الأمر، ويكون (عليكُم) مفَسراً له، فيكون المعنى ألزموا كتاب اللَّه. ولا يجوز أن يكون منصوباً ب (عليكُم)، لأن قولك: عَلَيْك زيداً، ليس لهُ ناصِب متَصرف فيجوز تقديمُ منصوبه. وقول الشاعر: يا أيُّها المائحُ دَلْوي دونَكَا. . . إني رأيْتُ الناسَ يَحْمَدونكا يجوز أن يكون " دلوي " في موضع نصب بإضمار خُذْ دَلْوي، ولا يجوز على أن يكون دونك دلوى لما شرحناه.

стр. 496

ويجوز أن يكون " دلْوي " في موضع رفع، والمعنى هذا دلوي دونكا. ويجوز أن يكون (كتابَ اللَّه علْيكُمْ) رفعاً على معنى هذا فرض اللَّه عليكم، كما قال جلَّ وعزَّ: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ). وقوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ). و (أَحَلَّ) أيضاً يُقرآن جميعاً، ومعنى ما وراءَ ذلكُمْ، ما بعد ذَلِكمْ، أي ما بعد هذه الأشياءِ التي حرمت حلال، على ما شرع اللَّه، إِلا أن السنة قد حرمت تزوُجَ المرأة على عمتها، وكذلك تزوجها على خالتها، ولم يقل اللَّه : لا أحرم عليكم غير هذا. وقال : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ). وأَتَوهَّمُ أن الخالة كالوالدة، وأن العمَّة كالوالد، لأن الوالد في وجوب الحق كالوالدة، وتزوجها على عمتها وخالتها من أعظم العقوق. وقوله : (أنْ تبْتَغوا بأمْوالكُمْ). نصب وإِن شئت رفْع. المعنى أحلَّ لكم أن تبتغوا محْصِنينَ غيرَ مسافِحِين. أَى عاقدين التزويج غير مسافحين. أَي غير زناة، والمسَافِحُ والمسافحةُ الزانيان غير الممْتَنِعَيْن منَ الزَنا، فإِذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن. فحرَّم الله الزنا على الجهات كلها، على السفاح وعلى اتخاذ الصديق. والإحصان إِحصان الفرج وهو إِعْفَافه، يقال امْرأَة حَصان بينة الحُصن،

стр. 497

وفرس حصان بينة (التحصن) والتحصين وبناء حصين بَيّنُ الحصَانة. ولو قيل في كله الحِصانة لكان بإِجماع. والسفاح في الزنا اشتق من قولهم سفحت الشيءَ إِذا صبَبْتُه، وأمر الزنا سفاح لأنه جارٍ على غير عقْدٍ، كأنَّه بمنزلة السفُوحِ الذي لا يحبسه شيء. وقوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). هذه آية قد غلط فيها قوم غلطاً عظيماً جداً لجهلهم باللغة. وذلك أنهم ذهبوا إِلى أن قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) من المتعة التي قد أجمع أهل الفقه أنها حرام. وإِنما معنى قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) أي فما نكحتموه، على الشريطة التي جرت في الآية، آية الإحْصَانِ: (أنْ تَبْتَغُوا بأموالِكُم مُحْصِنينَ)، أَي عاقدين التزويج الذي جرى ذكره. (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). أي مهورهن، فإِن استمتع بالدخول بها أعطى المهر تَامًّا، وإِن استَمْتَع بعقد النكاح آتى نصف المهر. والمَتاعُ في اللغة كل ما انتفع به، فهو متاع. وقوله ، في غير هذا الموضع: (ومتَعُوهُنَّ على المُوسِع قَدَرُه) ليس بمعنى زوجُوهُنَّ المُتَعَ، إِنما المعنى أَعطوهُن ما يَستَمْتِعْنَ به. وكذلك قوله: (للمطلقات متاع بالمعْروف). ومن زَعَم أَن قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) المتعة التي هي الشرط في التمتع الذي تعمله الرافضة فقد أخطأ خطأً عظيماً، لأن الآية واضحة بينة.

стр. 498

وقوله : (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ). أي لَا إِثم عليكم في أن تهب المرأةُ للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب إِلا لمن دخل بها. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). أي عليماً بما يصلح أمر العباد - حكيماً فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي حفظت به الأموال والأنساب. * * * وقوله : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) المحصنات هن الحرائر، وقيل أيضاًَ العفائف، وقد قال بعض أصحابنا: إِنهن الحرائر خاصةً. وزعم من قال إِنهن العفائف: حُرِّم على الناس أن يتزوجوا بغير العفيفة، وليس ينبغي للِإنْسان أن يتزوج بغير عفيفة، واحتج قائل هذا القول بأن قوله : (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣). منسوخ، وأن قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ) يصلح أَن يكون يتزوج الرجل من أحب من النساء. ْوالدليل على أن المحصنات هن العفائف قوله: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) أي أعفَّتْ فرجْها.

стр. 499

والطَوْل: القدرة على المهْر. فقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) أَي من لم يقدر على مهر الحرة، يقال: قد طال فلان على فلات طوْلًا. أي كان له فضل عليه في القدرة، وقد طال الشيء يطول طُولاً، وأَطلته إِطالةُ، وقد طال طِوَلُكَ وطِيْلُكَ، وطيَلُك أي طالت مدتك. قال الشاعر: إِنا محيوك فاسْلَمْ أيها الطلَلُ. . . وإِنْ بَلَغتَ وإِن طَالتْ بكَ الطِّيَلُ والطَوَل الحبل. وقال الشاعر: (تعرضُ المُهْرة بالطَوَل اللام مشددة للقافية. * * * وقوله : (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ). الفتيات المملوكات، العرب تقول للأمة فتاة، وللعبد فتى أي من لم يقدر أن يتزوج الحرة جاز له أن يتزوج المملوكة إِذا خاف على نفسه الفجور. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ). أي اعملوا على ظاهركم في الِإيمان، فإِنكم متعبدون بما ظهر من بعضكم لبعض. وقوله (بعْضُكُم مِن بعْضٍ).

стр. 500

قيل في الحسبِ أَي كلكم ولد آدم، ويجوز أَن يكون قوله: (بعْضُكُمْ من بَعْضٍ) دينكم واحد لأنه ذكر ههنا المؤْمنات من العبيد. وإِنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعيرُ بالهُجْنَة، كانوا يُسمُّون ابن الأمة الهَجِينَ، فأعلم اللَّه أن أَمر العبيد وغيرهم مستوفى الِإيمان، وإِنما كُرِه التزوجُ بالأَمة إِذا وُجِدَ إِلى الحُرَّةِ سبيل، لأن ولد الحر من الأمة يصيرون رقيقاَ، ولأن الأَمة مستخدمة ممتهنة تكثر عِشرَة الرجال، وذلك شاق على الزوج، فلذلك كره تزوًجُ الحر بالأمةِ. فأما المفاخرة بالأحساب والتعيير بالأنساب فمن أمر الجاهلية. يروى عن النبي ﷺ أنَّه قال: ثلاثٌ من أمْر الجاهلية، الطعن في الأنساب، والمفاخرة بالأحساب، والاستسقاءُ بالأنواءِ. ولَن تُتْرَك في الِإسلام. وقوله: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ). أمر الله أن تنكح بإذن مولاها. وقوله: (فَإِذَا أَحْصِنَّ). وتقرأ (أُحْصِنَّ) بضم الألف. (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ). أي عليهن نصف الحد، والحد مائةُ جلدةٍ على الحر والحرة غير المُحَصَنَيْن، وعلى المحصنين الرجم، إِلا أن الرجم قتلٌ، والقتلُ لا نِصْف لهُ، فإِنما عليهن نصف الشيءِ الذي له نصف وهوالجلْدُ.

стр. 501

وقوله : (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ). أَي تَزَوُج الِإماءِ جائز لمن خاف العَنَتَ، والعنَت في اللغَةِ المشقة الشديدةُ. يقال من ذلك: أكمَةٌ عَنوتٌ إِذا كانت شاقة. قال أَبو العباسِ: (العنَت) ههنا الهلاك، وقال غيره: معناه. ذلك لمن خشي أَن تحمِله الشهوةُ على الزنا، فيلقى الِإثم العظيم في الآخرة والحدَّ في الدنيا، وقال بعضهم معناه أن يعشق الأمَة، وليس في الآية عشق، ولكنَّ ذا العشق يلقى عنتاً. وقوله: (وأَنْ تَصبُروا خيْر لَكُمْ). أي الصبْرُ خير لكُمْ لما وصفنا من أن الولَد يصيرون عبيداً. * * * وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) قال الكوفيونَ معنى اللام معنى أن، وأردْتُ، وأمرْت، تطلبان المستقبل، لا يجوز أن تقول: أردت أن قصتُ، ولا أمرت أن قمْتُ، ولم يقولوا لم لا يجوز ذلك. وهذا غلط أن تكون لام الجر تقوم مقام " أن " وتَؤدي معناها، لأن ما كان في معنى أن دخلتْ عليه اللام. تقول: جئتك لكي تفعل كذا وكذا، وجئت لكي تفعل كذا وكذا. وكذلك اللام في قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) كاللَّامِ فِي كَيْ. المعنى: أَراده اللَّه للتبيين لكم. أَنشد أهل اللغة: أردت لكيما لا ترى لي عبْرة. . . ومَنْ ذا الذي يعطي الكمال فيكمل

стр. 502

وأنشدنا محمد بن يزيد المبرد: أردت لكيما يعلم الناس أنها. . . سراويل قيسر والوفود شهود فأدخل هذه اللام على " كي "، ولو كانت بمعنى أَنْ لم تدخل اللام عليها، وكذلك أرَدْتُ لأن تقوم، وأمِرْتُ لأن أكُون مُطيعاً. وهذا كقوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) أي إِن كنتم عبارتكم للرؤَيا، وكذلك قوله أيضاً: (لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ). أَي الذين هم رهبتهم لربِّهمْ. وقوله: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ). أي يدلكم على طاعتِهِ كما دل الأنبياءَ والذين اتبعوهم من قبلكم. ومعنى (سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، أي طرق الذين من قبلكم، وقد بيَّنَّا ذلك فيما سلف من الكتاب. * * * وقوله: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) أي يدلكم بطاعته على ما يكون سبباً لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم.

стр. 503

(وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا). أي أن تعدلوا عن القصد. وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) أَي يستميله هواه. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) فحرم اللَّه - جلَّ وعزَّ - المالَ إِلَّا أنْ يُوجَدَ على السُّبُل التي ذكَر من الفرائض في المواريث والمهور والتسري والبيع والصدقات التي ذكر وجوهها. (إِلَّا أن تكُونَ تجارَةً). المعنى: إِلا أن تكون الأموالُ تجارة، ومن قرأ إِلا أن تكون تجارةٌ فمعناه إِلا أن تقع تجارة. (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أنفُسَكُمْ). فاعلم أَن التجارة تصح برضا البّيعِ والمشْترى. * * * (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) أي ومن يأكلها ويقتل النفس - لأن قوله: (ولا تَقْتُلُوا أنفُسَكُمْ)، أي لا يَقتُل بعضكم بعضاً، فمن فعل ذلك عدواناً وظلماً: معنى العُدوان أن يعْدُوا ما أمرَ به، والظلم أن يضعَ الشيءَ في غير موضعه. وقوله: (فَسَوْفَ نَصْلِيهِ نَاراً). و (نُصْليه ناراً). وعد اللَّه - جلَّ وعزَّ - على أكلِ الأمْوالِ ظُلماً وعلى القِتالَ النارَ.

стр. 504

(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) أي سهلاً، يقال قد يَسَرَ الشيء فهو يسير إِذا سهل، وقد عَسَر الشيءُ وعَسِرَ إِذا لم يسهل فهو عسير. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) (تَجْتَنِبُوا) تتْركوا نِهائياً، والكبائر حقيقتها أَنها كل ما وعد اللَّه عليه النار نحو القتل والزنا والسَّرقة وأَكلِ مالِ اليتيم. ويروىَ عن ابن عباس: الكبائر إِلى أن تكون سبعين أَقرب منها إِلى أَن تكون سبعاً. قال بعضهم: الكبائر من أَول سورة النساءَ إِلى رأْس الثلاثين. والكبائر ما كبُرَ وعظم من الذنوب. * * * وقوله (وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا). الاسم على أَدْخَلْتُ، ومن قال: " مَدخلا " بفتح الميم، فهو مبني على دخل مدخلًا، يعني به ههنا الجنة. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ - (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) قيل: لا ينْبغي أَن يتمنى الرجل مَالَ غيره ومنْزلَ غيره، فإِن ذلك هو الحسد، ولكن ليقل: اللهم إِني أَسْأَلك من فَضْلِك، وقيل إِنَّ أمَّ سلمةَ قالت: ليْتنا كنا رجالاً فجاهدنا وغزونا وكان لنا ثوابُ الرجال. وقال بعضتهم. قال الرجال: ليتنا فضلنا في الآخرة علَى النسَاء كما فُضلنَا في الدنيا.

стр. 505

وهذا كله يرجع إِلى تمني الِإنسان ما لِغيره. * * * وقوله (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) أَي جعلنا الميراث لمن هو موْلى الميِّتِ، والموْلى كلُّ مَنْ يَليك، وكلُّ من والاكَ فهو مولى لك في المحبِّة. والموْلى مولى نعمةٍ نحو مولى العبْدِ. والمولى العَبدُ إِذا عَتَق. وقوله (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ). هؤُلاء كانوا في الجاهلية. كان الرجلُ الذليلَ يأْتي الرَّجلَ العزيزَ فيعاقدُه، أَي يحالفه، ويقولُ له أَنا ابنُك تَرثُنِي وأرثُكَ؛ حرمَتِي حرْمَتُكَ، ودَمِي دَمُك، وثأْرىِ ثَأْرك، وأَمر اللَّهُ بالوَفاءِ لهم. وقيل إِن ذلك أمِرَ به قبل تسْمِيةِ المَواريث، وقيل أَيضاً أَمَر أَنْ يُوفَّى لهم بعقدهم الذي كان في الجاهلية، ولا يعْقِد المسلمون مِثلَ ذلك. وقال بعضهم الذي يعقد على الموالاة، ويجب أَن يُجْعلَ له نصيب في المال يَذهب إِلى أَنَ ذلك من الثلث الذي هو للميت. وإِجماع الفقهاءِ أنَّه لا ميراث لغير من وُصِفَ من الآباءِ والأبناءِ، وذوي العصبةَ والموالي والأزواج. * * * وقوله : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) الرجُلُ قيِّم على المرأَة فيما يجب لها عليه، فأمَّا غير ذلك فلا، ويقال هذا قيِّمُ المرأَةِ وقِوَامُها قال الشاعر:

стр. 506

اللَّهُ بيني وبيْن قيِّمها. . . يفرُّ مِنِّي بئها وأتَبع جعل اللَّه ذلك للرجال لفضلهم في العلم، والتمييز ولِإنْفاقِهم أموالهم في المهور وأقوات النساءِ. وقوله : (فالصالحَاتُ قَانِتات). أي قيماتُ بحقوق أزواجهم. (بمَا حَفِظَ الله). تأويله - واللَّه أعلم - بالشيءِ الذي يحفظ أمْرَ الله ودين الله ويحتمل أَن يكون على معنى بحفظ اللَّه، أَي بأَن يحفَظْنَ اللَّه، وهو راجع إِلى أَمر اللَّه. * * * وقوله (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ). النشوز كراهة أحدهما صاحبه، يقال نشزت المرأَة تَنْشِزُ وتَنْشُزُ جميعاً وقد قُرئ بهما: (وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزوا. .) انشِزوا وانْشُزوا، فانشزوا، واشتقاقه من النَشزِ وهو المكان المرتفع من الأرض، يقال له: نَشْز ونشَز. * * * وقوله : (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ). أي في النوم معهن، والقرب منهن فإنهن إِن كنَّ يحببن أَزواجهن شقَّ عليهن الهجران في المضاجع وإن كنَّ مُبْغِضَاتٍ وافقهن ذلك فكان دليلاً على النشوز مِنْهنَّ.

стр. 507

يقال هجرت الِإنسان والشيءَ أَهجرهُ هَجراً وهِجراناً، وأهجر فلان منصبَهُ يُهجره إِهْجَاراً. . إِذا تكلم بالقبيح، وهجر الرجل هجراً إِذا هذى. وهجرتُ البعير أَهجره هجراَ إِذا جعلت له هِجَاراً. والهجار حبل يُشد في حَقوِ البَعير وفي رسغِه، وهَجَّرتُ تهجيراً إِذا قمت قت الهاجة، وهو انتصافُ النهار. فأَمر اللَّه في النساءِ أَن يبدَأْن بالموعظة أَولًا، ثم بالهجران بعْدُ، وإِن لم ينجعا فيهن فالضربُ، ولكن لا يكون ضرباً مبرحاً فإِن أَطعن فيما يُلتمس مِنهنَّ، فلا يُبْغِي عليهن سبيلاً، أَي لا يُطلُب عَليهن طريق عنتٍ. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). أَي هو متعال أَن يكلف إِلا بالحق ومقدار الطاقة. * * * وقوله جلّ وعزَّ (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) قال بعضهم. . (خِفْتُمْ) ههنا في معنى أَيقنتم وهذا خطأ، لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم يجنح إلى الحكمين. وإنما يخاف الشقاق والشقاق العداوة، واشتقاقه من - المتشاقين - كل صنف منهن في شق، أَي في ناحيةٍ، فأَمر الله تعالى - (إِنْ خِفْتُمْ) وقوع العداوة بين المرء وزوجه - أَن يبْعَثَوا حَكمين، حكم من أهل المرأَة وحكَماً من أَهل الرجل، والحكم القَيِّم بما يسند إِليه. ويروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه اجتمع إليه فئام

стр. 508

من الناس، - أي جمع كثير مع امراة وزوجها، قد وقع بينهما اختلاف فأمر حكمين أن يتَعَرفا أمْرهُمَا، وقال لهما اتدْرِيانِ ما عليكُمَا؟ إِنَّ عليكما إِنْ رأيتُما أَن تُفرقَا فَرقتُمَا، وإِن رَأيتُما أن تجْمعَا جَمَعْتُمَا. وقال بعضهم على الحكمين أن يَعظَا وُيعرِّفا ما على كل واحدٍ من الزوج والمرأَة في مجاوزةِ الحق، فإِن - رأيا أَن يفرقا فرقا، وإن رأيا أن يَجمعَا جمعاً. وحقيقة أَمر الحكمين أنهما يقصِدان للِإصْلاح، وليس لهما طلاق وإِنما عليهمَا أن يُعرفا الِإمامَ حقيقة ما وقفا عليه، فإن رأى الِإمام أن يفرق فرَّق، أو أن يَجمع جَمَعَ، وإِن وكَّلَهُما بتفريق أو بجمع فهما بمنزلة، وما فعلَ على " ﵁ " فهو فِعْلُ للِإمَامِ أنْ يَفَعَلَه، وحَسْبُنا بعلي ﵇ إِمَاماً. فلما قال لهما إِن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإِن رأيتما أن تُفرقا فَرقْتَمَا، كان قد ولَّاهًما ذلك ووكَلهمَا فيه. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا). أي (عَلِيمًا) بما فيه الصلاح للخلق (خَبِيرًا) بذلك. * * * وقوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) أي لا تعبدوا معه غيره، فإِن ذلك يفسد عبادته. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). المعنى أوصاكم الله بعبادته، وأوصاكم بالوالدين إِحساناً، وكذلك قوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). لأن معنى قضى ههنا أمرَ ووَصَّى.

стр. 509

وقال بعض النحويين (إِحْسَاناً) منصوب على وأحسنوا بالوالدين إِحْسَاناً. كما تقول: ضرْباً زيداً، المعنى اضرب زيداً ضرباً. (وَبذي القُرْبَى. .). أمرَ الله بالِإحْسَانِ إِلى ذوي القُرْبَى بَعْدَ الوالدين. و (اليتامَى) في موضع جر. المعنى وباليتامى والمساكين أوصَاكُم أيضاً، وكذلك جميع ما ذكر في هذه الآية، المعنى أحسنوا بهؤلاءِكلهم. (والجَار ذِي القُرْبَى). أي الجار الذي يقاربك وتعرفه وَيعْرفَك. (والجَارِ الجُنُبِ). والجار القريب المتباعد. قال علقمة: فلا تحرِمني نائلاً عَنَ جَنَابةٍ. . . فإِني امرُؤ وَسْطَ القِبَابِ غَرِيب وقوله (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ). قيل هو الصاحب في السفر. (وابْنِ السبِيلَ). الضَيفُ يجب قِراه، وأنْ يَبَلَّغَ حيْثُ يريد. وقوله: (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ). أي وأحسنوا بِمِلْك أيمَانكم، موضع ما عطف على ما قبلها. وكانت وصية النبي ﷺ عند وفاته: " الصلاة وما ملكت أيمانكمْ ".

стр. 510

وقوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا). المختال: الصَّلِفُ التيَّاه الجهولُ. وإِنما ذكر الاختيالُ في هذه القصة. لأن المختال يأنف من ذوي قرابَاتِه إذا كانوا فقراءَ، ومن جيرانه إذا كانوا كذلك، فلا يُحْسنُ عِشْرتَهم. * * * وقوله: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) والبَخْل جَمِيعاً يُقْرَأ انِ. يُعْنَى به إليهودُ. لأنهم يَبخلون بعِلْمِ مَا كان عِندَهُم من مَبْعث النبي ﷺ (وَيَكْتُمونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). أي ما أعطاهم من العلم برسالة النبي ﷺ وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا). أي جعلنا ذلك عَتَاداً لهم، أو مُثْبَتاً لهم. فجائز أن يكون موضع الذين نصباً على البدل، والمعنى: إِنَّ اللَّه لا يحب من كان مختالا فخوراً، أي لا يحب الذين يبخلون. وجائز أن يكونَ رفعُه على الابتداءِ، ويكون الخبر (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)، ويكون (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) عطفاً على (الذين يبخلون). في النصب والرفع. وهُؤلا يُعْنَى بهم المنافِقُون، كانوا يُظهرونَ الِإيمانَ ولا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر. * * * (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) أَي من يكن عمله بما يُسَوِّلُ له الشيطانُ فبئس العملُ عَمَلُه،

стр. 511

(فَسَاءَ قَرِينًا) منصوب على التفسير، كما تقول: زيد نعم رَجُلاً. وكما قال (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا). * * * وقوله: (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) يصلح أَن تكون " مَا " و " ذَا " اسْماً واحداً، المعنى وأيُ شَيءٍ عَلَيْهِمْ. ويجوز أن يكون " ذَا " في معنى الذي، أو تكون " ما " وَحْدَهَا اسْماً. المعنى: وَمَا الَّذِي عَلَيهم (لَوآمَنُوا بِاللَّه وَاليَومِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِما رزَقَهمُ الله). هذا يدل على أن الذين يبخلون (يبخلون) بما عَلِمُوا. (وكان اللَّه بهم عليماً). * * * وقوله جلّ ثناؤُه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) مِثْقَال مِفْعَال من الثِقل، أي ما كان وزنه الذرة وقيل لكل ما يُعمَل " وزْن مِثْقَالٍ " تمثيلًا، لأَن الصلاة والصيام والأعمال لا وَزْن لها. لكنَّ الناسَ خوطبوا فيما في قلوبهم بتمثيل ما يُدْرَكُ بأبصَارِهم، لأَن ذلك - أَعني ما يبصَر - أَبينُ لهم. وقوله (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا). الأصل في " يكن " " تكون " فسقطت الضمةُ للجزم وسقطت الواو لسكونها وسكون النون، فأَما سقوط النون من " تكن " فأكثر الاستعمال جاءَ في القرآن بإثباتها، وإِسقاطِها قليل - قال الله : (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)

стр. 512

فاجتمع في النون أنها تشبه حروف اللين، وأنها ساكنة. فحذفت استخفافاً لكثرة الاستعمال كما قالوا - لا أدرِ، وَلا أبَلْ، والأجود لم أبال ولا أدري. و (حَسَنةً) يكون فيها الرفع والنصب، المعنى وإِن تكن فَعْلَتُه حسنةً يضاعِفْهَا، ومن قرأ (وإِن تكن حَسَنَةٌ) بالرفع،، رفع على اسم كان، ولا خبر لها وهي ههنا. في مذهب التمام والمعنى وإِن تحدث حسنة يضاعِفْها. (وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا). (ويؤتِ) بغير ياء. سقطت الياءُ للجزم، معطوف على (يضاعِفْهَا)، ووقعت " لَدُنْ " وهي في موضع جِر، وفيها لغَات. يُقَالُ لَدُ ولَدُنْ، وَلَدُن، وَلَدَى. والمعنى واحد ومعناه مِنْ قِبَلِهِ، إِلا أنها لا تتمكن تمكُنَ عِند، لأَنك تقول: " هَذَا القولً عَنِدي صَوَابٌ " ولا يقال: الوقت لَدَنيَّ صواب، وتقول: عندي مال عظيم والمال غائب عنك، و " لدن " لما يليك. * * * قوله - جلَّ وعزَّ - (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) أي فكيف تكون حال هُؤلاءِ يومَ القيامة، وحذف " تكون حالُهُم " لأنَّ في الكلام دليلًا على ما حذف، و " كيف " لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها معنى التوبيخ. قوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا).

стр. 513

أي نأتي بكل نبي أمَّةٍ يشهدُ عَليها ولها. * * * وقوله: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) الاختيار الضَّمُ في الواوِ في عَصَوْا الرسول، لالتقاءِ السَّاكنين والكسر جائز، وقد فسرناه فيما مضى. وقوله: (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ). وبهِمِ الأرض بضم الميم وكسرها. (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا). أي يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا والأرضَ سواءَ. وقد جاءَ في التفسير أن البهائم يومَ القيامة تصير تراباً. فيودون أنهم يصيرون تراباً. قوله (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا). فيه غير قول، قال بعضهم: وَدوا أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حَدِيثاً، لأن قولهم: (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) قد كَذبوا فيه، وقال بعضهم: (وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا). مستأنف لأن ما عملوه ظاهر عند اللَّه لا يقدرون على كتمه. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) قيل في التفسير: إِنها نزلت قبْل تحريم الخمر، لأن جماعةً مِنْ أصحاب النبي ﷺ اجتمعوا فشربوا الخمر فبل تحريمها، وتقدم رجل منهم

стр. 514

فصلى بهم فقرأ: قُلْ يا أيها الكَافِرُونَ أعبُد ما تعْبدُونَ، وأنتم عابدون ما أعْبدُ، وأنا عابد ما عَبَدْتُمْ فنزلت (لا تقربوا الصلاة وأنتُمْ سُكَارَى). ويروى أن عُمَر بنَ الخطاب قال: اللهم إن الخمر تضُرُّ بالعقولِ. وتذهب بالمال، فأنزِلْ فيها أمرك فنزل في سورة المائدة: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ). وقال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ). والتحريم نص بقوله (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ). فقد حُرمتِ الخمر بأنه قال: إِنَها إِثم كبير. وقد حرًم اللَّه الِإثْمَ، فأَمر اللَّه في ذلك الوقت ألا يَقْرَبَ الصلاةَ السكران وحرم بعْدُ ذَلِك السُّكرَ، لأن إِجماع الأمَّةِ أن السُّكْرَ حرام. وإِنما حُرَّمَ ذُو السُّكُرِ، لأن حقيقة السكر إنَّه لم يزل حراماً وقد بيَّنَّا هذا في سورة البقرة. وقوله: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا). أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنُب، إِلا عابري سبيل، أي إِلا مسَافِرين لأن المسافر يُعْوِزُه الماء، وكذلك المريض الذي يضُر به الغُسْلُ. ويروى أن قوماً غسلوا مجدراً فمات، فقال النبي ﷺ : قتلوه قتَلَهُم اللَّهُ، كان يجزيه التيممَ. وقال قوم: لاتقربوا مَوْضِعَ الصلاة، حقيقتُه: لا تُصلوا إِذا كنتم جُنباً

стр. 515

حتى تغتسلوا، إِلا أنْ لا تقدِرُوا على الماءِ، وإِلا أن تخافوا أنْ يَضرْكم الغسْلُ إِضْراراً شديداً، وذلك لا يكونُ إِلا في حالِ مَرضٍ. (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا). معنى تيمموا أقصِدُوا، والصعيد وجهُ الأرضِ. فعلى الِإنسان في التيممِ أن يضرب بيديْه ضربةً واحِدةً فيمسح بهما جميعاً وجهه، وكذلك يضرب ضربةً واحدةً، فيمسح بهما يديه، والطيبُ هو النظيف الطاهر، ولا يُبَالي أكان في الموضع تراب أم لا، لأَن الصعيد ليس هو التراب، إِنما هو وجه الأرض، تراباً كان أو غيرَه. ولو أن أرضاً كانت كلُها صخراً لا ترابَ عليها ثم ضرب المتيممُ يده على ذلك الصخْرِ لكان ذلك طهُوراً إِذا مسح به وجهه. قال اللَّه : (فتُصْبحَ صَعِيداً زلقاً) فأعلمك أن الصعيد يكون زلَقاً، والصُعُداتُ الطُرُقات. وإِنما سمي صعيداً، لأنَّها نِهايةُ ما يُصْعدُ إِليه من باطن الأرض، لا أعلم بين أهلِ اللغةِ اختلافاً في أن الصعيد وجهُ الَأرض. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا). أي يقبل منكم العفو ويغفرُ لكم، لأَن قبوله التيمُم تسهيل عليكم. * * * وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) قال بعْضُهم: (أَلَمْ تَرَ) أَلَمْ تُخْبر. وقال أهل اللغة أَلم تَعلَمْ، المعنى الم ينته علمك إِلى هُؤلاءِ، ومعناه أعرفْهُم. يُعنَى به علماءُ أَهلِ الكِتَاب، أَعطاهم اللَّه في كِتابِهمْ عِلْمَ نبوةِ النبي ﷺ أنَّه عندهم مكتوبٌ في التوراة والإنجيل يأمرُهم بالمعروف وينهَاهُم عن المنكر.

стр. 516

وقوله: (يشترونَ الضلاَلَةَ). أي يؤثرون التكذيب بأمر النبي ﷺ ليأخذوا على ذلكَ الرشَا وَيثْبُتَ لهم رياسَة. وقوله: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ). أي تَضِلُّوا طريق الهُدى، لأن السبيل في اللغة الطريق. * * * وقوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) أي هو أعرف بهم فهو يُعْلِمُكمْ ما هم علَيْه. (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا). أي اللَّه ناصركم عليهم. ومعنى الباء التوكيد. المعنى وكفى الله ولياً وكفى اللَّه نصيراً، إِلا أن الباء دخلت في اسم الفاعل، لأن معنى الكلام الأمر، المعنى اكتفوا بالله. وقوله (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) فيها قولان: جائز أن تكون مِنْ صلةِ الذين أوتوا الكتاب. والمعنى: ألم تر إِلى الذين أوتوا نصيباً مِن الكتاب من الذين هادوا. وَيجوز ُ أن يكون من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. ويكون (يحرفون) صفةً، والموصوف محذوف. أنشد سيبويه في مثل هذا قول الشاعر:

стр. 517

وما الدَّهرُ إِلا تارتان فمنهما أموتُ. . . وأخرى أبتغي العَيْشَ أكدَحُ المعنى منهما تارة أموت فيها. وقال بعض النحويين المعنى: مَنْ الذين هادوا من يحرفونه فجعل يحرفون صلة من. وهذا لا يجوز. لأنه لا يحذف الموصول وتبقى صلته. وكذلك قول الشاعر: لو قلت ما في قومها لَمْ تِيثَم. . . يفضلها في حَسَب وميسمِ المعنى ما في قومها أحد يفضلها. وزعم النحويون أن هذا إِنما يجوز مع " من " و " في ". وهو جائز إِذا كان " فيما بقي دليل على ما أُلْقَى. لو قلت: ما فيهم يقول ذاك أو ما عندهم يقول ذاك جازَا جميعاً جوازاً واحداً. والمعنى ما عندهم أحد يقول ذاك. * * * وقوله : (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ). كانت إليهود - لُعِنَتْ - تقول للنبي ﷺ : اسمَعْ، وتقول في أنفسها لا أسْمِعتَ. وقيل غَيرَ مسمَعٍ، غير مجاب إِلى ما تدعو إِليه وقوله: (وَرَاعِنَا). هذه كلمة كانت تجري بينهم على حد السُّخرى والهزؤ. وقال بعضهم: كانوا يَسبُّون النبي ﷺ بهذه الكلمة. وقال بعضهم: كانوا يقولونها

стр. 518

كِبْراً، كأنَّهم يقولون: ارعِنَا سمعَكَ أي اجعل كلامَك لسَمِعْنَا مَرْعًى. وهذا مما لا تخاطب به الأنبياءُ - (صلوات الله عليهم) - إِنما يخاطبون بالِإجلال والإعظام. وقوله: (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ). أي يفعلون ذلك مُعَانَدةً للحق وطغياناً في الدين. وأصل " لَيا " لَوياً ولكن الواو أدغمت في الياء لسبقها بالسكون. وقوله: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا). أي فلا يُؤمنون إِلَّا إِيماناً قليلاً، لا يجب به أن يُسَمُّوْا المؤْمنين. وقال بعضهم: (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) أي إِلا قليلاً منهم، فإنهم آمنوا. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) فيها ثلاثة أقوال. قال بعضهم نجعل وجوههم كأقفائهم. وقال بعضهم نَجَعَلُ وجوههم مَنَابت للشعرُ كأقفائهم. وقال بعضهم " الوجوه " ههنا تمثيل بأمر الدين. المعنى قبل أن نُضِلَّهُمْ مجازاةً لما هم عليه من المعاندة، فنُضِلَّهُمْ ضلالًا لا يؤمنون معه أبداً. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ - (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أجمع المسلمون أن ما دون الكَبَائِر مغفور، واختلفوا في الكبائر فقال بعضهم: الكبائر التي وعد الله عليها النار لا تُغْفَرُ، وقال المشيخةُ من أهل

стр. 519

الفقه والْعِلْمِ: جَائِزٌ أن يَغْفِر كل ما دونَ ذَلِكَ بالتَوبة، وبالتَوبةِ يُغفر الشرك وغيره. (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا). افترى اختلق وكذب، إِثْماً عظيماً: أي غير مغْفًور. * * * وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) (أَلَمْ تَرَ): ألم تخبر في قول بعضهم. وقال أهل اللغة ألم تعلم وتأويله سؤال فيه معنى الِإعلام. تأويله أعلم قصَتهُم، وعلى مجرى اللغة ألم ينته علمك إِلى هؤلاءِ، ومعنى يزكون انفُسَهم أي تزعمون أنهم أزكياء. وتأويل قولنا: زكاءُ الشَيْءِ: في اللغة نماؤُه في الصلاح. وهذا أيضاً يعني به إليهًودُ. وكانوا جاؤوا إِلى النبي ﷺ بأطفَالِهمْ فقالوا: يا محمد أعلى هؤلاءِ ذنوبٌ؟ فقال النبي ﷺ لا، فقالوا كذا نحن، ما نعمل بالليْلِ يغْفَر بالليْلِ، وما نعمل بالنهار يُغْفَر بالنهار. قال اللَّه : (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ). أي يجعل من يشاء زاكياً. (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا). تأويله ولا يظلمون مِقْدارَ فَتِيلٍ. قال بعضهم: الفتيل ما تَفْتُلُه بين إِصْبَعَيْكَ من الوسخ،. قال بَعضهم: الفتيل ما كان في باطن النَّواةِ من لِحائِها. وقالوا في التفسير: ماكان في ظهرها وهو الذي تَنْبتُ منه النخلة. والقِطْمِير جملة ما التفَّ عليها من لحائها. * * * وقوله - جلَّ وعزًَّ -: (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)

стр. 520

أي يفعلونه ويختلقونه. ويقال: قد فَرَى الرجلُ يَفْرِي إِذا عمِلَ، وإِذا قَطَع زمن هذا: فرَيْتُ جِلدَه. فتأويله أن هذا القولَ أعني تزكيتَهمْ أنفُسَهُم فِرْيةٌ منهم. (وكَفَى بِهِ إثماً مبيناً). أي كفى هو إِثماً. مَنصوب عَلَى التمييز، أَي كفى به في الآثام. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) يعني به علماءُ إليهود. أي أعطوا علم أمْرِ النًبيَ ﷺ فكتموه. (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ). قال أهل اللغة: كل مَعْبُودٍ من دون اللَّه فَهُو جِبْت وطاغوت. وقيل: الجبتُ والطاغوتُ الكهنةُ والشياطينُ. وقيل في بعض التفسير: الجبت والطاغوت ههنا. حُيي بَنُ أخْطَب، وكعب بنُ الأشرف إليهوديان وهذا غير خارج عما قال أهل اللغة، لأنه إِذَا اتَبَعوا أمْرَهمَا فقد أطاعوهما من دون اللَّه . وقوله: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا). وهذا برهانٌ ودليلٌ على معاندة إليهود لأنهم زعموا إن الذين لم يُصدقُوا بشيء من الكتب وعِبادةَ الأصنام، أهدى طريقاً من الذين يُجَامِعُونَهم على كثير مما يصَدقونَ بِه، وهذا عِنادٌ بين. وقوله جلَّ وعزَّ: (سَبِيلًا)

стр. 521

منصوب على التمييز، كما تقول: هذا أحسن منك وجهاً وهذا أجود منك ثَوباً. لأنك في قولك: " هذا أجودُ منك " قد أبهَمْتَ الشيءَ الذي فَضلتَه به، إِلا أَنْ تريد أنَّ جُمْلته أجْوَدُ مِنْ جملتك فتقول: هذا أجود منك. وتمسك. وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أي الذِين بَاعَدَهُم مِنْ رَحْمَتِه. وقد بيَّنَّا أن اللعنة هي المباعدة في جميع اللغة. شقوله: (وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا). أي من يباعِد الله من رحمته فهو مخذول في دعواه وحجته ومغلوب. واليهود خاصةً أبيَنُ خِذْلاناً في أنهم غُلِبُوا من بين جميع سائر أهل الأديان. لأنهم كانوا أكثر عناداً، وأنهم كتموا الحق وهم يعلمونه. * * * وقوله: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) المعنى بل ألهم نصيب من المُلْكِ. (فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا) قال بعضهم: إِنما معناه أنهم لو أعْطُوا الملك، ما أعطوْا الناس نقيراً، وذكر النقير ههنا تمثيل، المعنى لضنَّوا بِالقليل. وأما رفع " يُؤْتُونَ" فعلى " فلا يؤتون الناس نقيراً إِذنْ " ومن نصب فقال: " فإِذا لا يؤتوا الناسَ " جاز له ذلك في غير القراءة فأَما المصحف فلا يخالف.

стр. 522

قال سيبويه: " إِذاً " في عوامل الأفعال بمنزلة " أَظن " في عوامل الأسماءِ، فإِذا ابتدأت إِذَنْ وأنت تريد الاستقبال نصبت لا غير، تقول: إِذَنْ أكرمَكَ، وإِن جعلتها معترضة ألغيتها فقلت: أنا إِذَنْ أكرمُكَ، أي أنا أكرفك إِذَنْ. فإن أتيت بها مع الواو والفاء قلتَ فإِذاً أكرمُك، وإِن شئت فإذَنْ أكرمَكَ. فمن قال فَإِذَنْ أكرمك نصَب بها وجعل الفاء ملصقة بها في اللفظ والمعنى، ومن قال: فإِذن أكرمَك جعل إِذاً لغواً، وجَعَل الفاء في المعنى معلقةً بأكرِمكَ والمعنى فأكرمُكَ إِذَنْ. وتأويل " إِذن ": إِن كان الأمر كما ذكرتَ، أو كما جرى، يقول القائل: زيد يصير إليكَ فتجيب فتقول إِذن أكرمه. تأويله إِنْ كان الأمر على ما تصِفُ وقع إكرامه فَأنْ مع أكرمه مقدرة بعدَ إِذَنْ. المعنى إِكرامك واقع أن كان الأمر كما قلت. قال سيبويه: حكى بعض أصحاب الخليل عن الخليل أن " أنْ " هي العاملة في باب إِذَنْ. فأمَّا سيبويه فالذي يذهب إِليه ونحكيه عنه أن إِذن نفسها الناصبة، وذلك أن (إِذَنْ) لما يستقبل لا غير في حال النسبِ، فجعَلَها بمنزلة أنْ في العمل كما جُعِلَتْ " لكنَّ " نظيرة " إِنَّ " فِي العَمَل في الأسماءَ. وكلا القولين حسن جميل إِلا أن العامِل - عندي - النصْبَ في سائر الأفعال، (أن)، وذلك أجود، إِما أن تقع ظاهرة أو مضمرة. لأن رفع المستقبل بالمضارعة فيجب أن يكون نصبه في مضارعه ما ينصب في باب الأسماء، تقول أظنُّ أنكَ

стр. 523

منطلق، فالمعنى أظن انطلاقكَ. وتقول أرجُو أن تذهب أي أرجو ذَهَابَك. فَ أن الخفيفة مع المستقبل كالمصدر. كما أن (أن) الشديدة مع اسمها وخبرها كالمصدر، وهو وجه المضارعة. * * * وقوله : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) معناه بَلْ أيَحْسُدُونَ النَّاسَ. وهنا يعني به النبي ﷺ كانت إليهود قد حسدته على ما آتاه اللَّه من النبوة، وهم قد علموا أن النبَوةَ في آل إِبراهيم ﵇، فقيل لهم: أتحسدون النبي ﷺ وقد كانت النبوة في آله وهم آل إبراهيم ﵉. وقيل في التفسير إِن إليهود قالت: إِن النبي ﷺ شأْنه النساء، حسداً لما أحلَّ لَه مِنهنَّ، فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن آل إِبراهيم قد أوتوا ملْكاً عظيماً. وَقَالَ بعضهم نالوا من النساءِ أكثر مما نال محمد ﷺ كان لداود مائة امرأة، وكان لسليمانَ ألف ما بين حُرَّةٍ ومملُوكَةٍ. فما بالهم حسدوا النبي ﷺ . * * * وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) أي من آمن بالنبي ﷺ . (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ)

стр. 524

وقيل منهم مَنْ آمن به أي بهذا الخبر عن سليمان وداود فيما أعْطِيَا مِن النَسَاء. وقوله: (وكفى بجهنم سعيراً) المعنى كفت جهنم شدةَ توقدٍ. * * * وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا) أي نَشْويهم في نار. ويروى أن يهودية أهدت إِلى النبي ﷺ شاة مَصْلِيَّة أي مشويَّةً. وقوله: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) الأحسَنُ إِظهار التاءَ ههنا مع الجيم. لئلا تكثر الجيمات، وإِن شئت أَدغم التاء في الجيم؛ لأن الجيم من وسط اللسان والتاء من طرفه، والتاء حرف مهموس فأدغمته في الجيم. فإن قال قائِل بدل الجلد الذى عَصَى بالجلد الذي غير العاصي، فذلك غلط من القَول. لأن العاصي والآلم هو الِإنسان لا الجلد. وجَائز أَنْ يكونَ بُدلَ الجلْدُ النَضِجُ. وأُعيد كَمَا كانَ جلدُه الأول، كما تقول: قد صغت من خاتَمِي خاتَماً آخر فأنت وإِن غيرت الصوغ فالفضة أصل وَاحِد. وقد كان الجلدُ بلِيَ بَعدَ البَعْتَ، فإنشاؤه بعد النضج كإِنشائه بعد البعث. وقوله: (ليَذُوقوا العَذَابَ) أي ليُبْلِغَ في أَلَمِهِمْ. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)

стр. 525

العزيز البالغ إِرادَتَه، الذي لا يَغْلبُه شي " وهو مع ذلك حكيم فيما يدبر، لأن ّ الملْحدين ربما سَألوا عن العذَابِ كيف وقع فأعلم الله أن جميع مَا فعله بحكمةٍ. * * * وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧) المعنى تجري من تحتها مياه الأنهار، لأن الجاري على الحقيقة الماء. وقوله: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) معنى ظليل يُظل من الريح والحر، وليس كل ظل كذلك. أعلم الله أن ظِل أهل الجنَّة ظليل لا حَرَّ مَعَه ولا بَرْدَ. وكذلك قوله: (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) لأن ليس كل ظلٍّ مَمْدُوداً. * * * وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) هذا أمر عَامٌّ للنبي ﷺ وجميع أُمَّتِه. ويروى في التفسير أن العباسَ عمَّ النبي ﷺ سأل النبي ﷺ أن يجعلَ له السقَاية والسِّدَانَةَ وهي الحِجبة. وهو أَن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإِغلاقَه، فنازعه شيبةُ بن عثمان فقال يا رسول الله اردُدْ عليً ما أخذْت مِنِّي يعني مفتاح الكعبة، فرده ﷺ على شَيْبَة. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ)

стр. 526

هذه على أوجه - نِعِمَّا - بكسر النون والعين وإِدغام الميم في الميم. وإِن شئت فتحت النون، وإِن شئت أسكنت العين فقلت نَعْمَّا، إلا أن الأحسنَ عندي الِإدْغام مع كسرِ العَيْن فأمَّا من قرأ نِعْم مَا بإسكان العين والميم، فهو شيءٌ ينكره البَصْرِيُون، ويزْغمون أن اجتماع السَّاكنين أعني العين والميم غير جائز، والذي قالوا بَيِّن، وذلك إنَّه غير ممكن في اللفظ، إِنما يحتال فيه بمشقة في اللفظ. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أي أطيعوا اوُلي الَأمْر مِنكم، فأمر الله بطاعته، فيما فرض. وطاعة رسوله وتصديقه فيما أدى عن اللَّه. وأولو الأمر منهم هم أصحابُ رسول الله ﷺ ومن اتبعهم من أهل العلم، وقيل إِنهم همُ الأمراءُ، والأمراءُ إِذا كانوا أولي علم ودينٍ آخذين بما يقوله أهل العلم، فطاعتهم فريضةٌ. وجُمْلَة أولي الأمر من المسلمين من يقول بشأْنهم في أمر دينهم وجميع ما أدى إِلى صلاح له. ويقال: أديت الشيءَ تأدية، والأداءُ اسم مَمْدود وأدوْتُ الرجُل آدو له أدواً إِذا خَتَلْته. قال الشاعر: أدَوْت له لأخْتِله. . .فهيهات الفتى حذرا وأَدِيَ اللبنُ أَدِيًّا إِذا حمض.

стр. 527

وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) معنى تنازعتم اختلفتم وتجادلتم وقال كل فريق: القولُ قولي. واشتقاق المنازعة أن كل واحد منهما ينزع الحجة. وفي هذه الآية أَمْر مَؤكد يدل على أَن القصد للاختلاف كفْر، وأنَّ الِإيمان اتباعُ الِإجماع والسُّنةِ. ولا يخلو قوله : (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). من أحد أمرين: إِمَّا أنْ تَرُدّوا ما اخْتَلَفْتُم فيه إِلى كتاب الله وسنة رسوله، أَو تقولوا إِن لم تعلموه: اللَّه ورسوله أَعلم. (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي إِنَّ رَدَّكم ما اختلفتم فيه إِلى ما أَتى من عند اللَّه وترككم التَحارُب خير، وأحْسَنُ تأْويلاً لَكُم، أَي أَحسنُ عاقبةً لكم. وجائز أن يكون أحسن تأويلًا أيأحسن من تاوُلِكم انتُم. دون رَدَكم إِياه إِلى الكتاب والسُثةِ. وتأْويلًا منصوب على التمييز. * * * وقوله: - (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) يًعْنى به المنافقون. (أَنَّهُمْ) تنوب عن اسم الزعم وَخبرِه. وقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) إِلى الكاهن والشيطان.

стр. 528

ويروى أن رَجُلاً من المنافقين نازعه رجل من إليهود، فقال إليهودي بيني وبينك أبو القاسم وقال المنافق بيني وبينك الكاهن، فلم يرض إليهودي بالكاهن وصار إِلى النبي ﷺ فحكم لليهودي على المنافق فقال المنافق لا أرضى. بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر أيضاً لليهودي، فلم يرض المنافق وقال بيني وبينك عمرُ فصارا إِلى عمرَ فأخبره إليهودي بأن المنافق قد حَكَمَ عليه النبي ﷺ وأبو بكر فلم يرض بحكمهما. فقال عمر للمنافق: أكذاك؟ قال: نَعَمْ، فقال عمر: اصبروا فإن لي حاجة أدْخُلُ فأقْضِيهَا وأخرج إليكما فدخل وأخذ سيفه وخرج إِلى المنافق فضربه بالسيف حتى قتله، فجاءَ أهله فشكوا عُمَرَ إِلي النبي ﷺ فسأله عن قِصتِه فقال عمر: إِنه ردَّ حُكمَك يا رسولَ اللَّه، فقال رسول اللَّه: أنت الفارُوق. * * * وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) أي يَصدُّون عن، حُكْمِكَ. * * * وقوله: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أي فكيف تكون حالُهم إِذا قُتِل صَاحبُهم بما أظهر من الخيانة ورَدَّ حُكْم النبي ﷺ . وقوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) أي ما أرَدْنا بمُطَالَبَتِنَا بدمِ صاحِبِنَا إِلا إِحْسَاناً وطلباً لما يوافق الحق. * * * (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) اللَّه يعلم ما في قلوب أُولَئِكَ وقلوب غيرهم، إلا أن الفائدة في ذكره

стр. 529

ههنا الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي أُولَئِكَ الذين قد علم اللَّه أنهم منافقون. والفائدة لنا هي: اعلموا أنهم منافقون. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) أي أعلمهم أنهم إن ظهر منهم رَدٌّ لحِكُمكَ وكفر، فالقتل حقُهم. يقال قَولٌ بليغٌ إِذا كان يبلغ بعبَارةِ لسانه كُنْهَ مَا في قلبه، ويقال أحمَقُ بَلْغ وبلْغ. وفيه قولان: إنَّه أحمَقُ يبلغ حيث يريد، ويكون " أحمقُ بَلْغ وبلْغ " قد بَلَغَ في الحماقة. والقولُ الأول قول من يُوثَقُ بعِلْمه، والثاني وجه جَيدٌ. * * * وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) إي، أذِنَ في ذلك. و" مِنْ " دخلت للتوكيد. المعنى وما أرسلنا رسولاً إِلَّا ليطاع بإِذن اللَّه. وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) " أن " في موضع رفِع: المعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع استغفارهم (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا). * * * وقوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) يُعنَىِ به المنافقون. (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) أي فيما وقع من الاختلاف بينهم. (ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) أي لَا تَضِيقُ صدورُهم من قضيتيكَ. (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)

стр. 530

أَي يسلمون لما يأتي به من حُكْمِكَ، لا يعارضونه بشيء، وتسليماً مصدر مَؤكد، والمصادر المؤَكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانياً، كأنك إِذا قلت سلمت تسليماً فقد قلْت: سَلَّمْتُ سَلَّمْتُ. وحقُّ التوْكِيد أن يكون محقِّقاً لما تذكره في صَدْرِ كَلَامِك، فإِذا قُلْتَ ضَربتُ ضرباً، فكأنك قُلْتَ أحدَثْتُ ضَرْباً أحَقه ولا أشك فيه، وكذلك (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أي يسلمون لحكمك تسليماً، لا يُدْخِلون على أنفسهم فيه شَكاً. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) " لو " يُمنَعُ بها الشيء لامتناع غيره. تقول لَوْ جاءَني زيد لَجئْتُه. المعنى أن مجيئي امتنع لامتناع مَجِيءِ زيْدٍ، فحقها أن يَلِهَا الأفعالُ. إلَاَ أن (أنَّ) المشدَدةَ تقع بعدها، لأن - " أنَّ " في اللغة تنوب عن الاسم والخبر، تقول ظننت أنك عالم. وهذا كقولك ظننتك عالماً. والمعنى ظننت علمك. فالمعنى في " أنَّ " بَعْدَ " لَوْ " أنها نابَتْ عن الفعل والاسم، كما نابت عن الاسم والخبر. فالمعنى في قوله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ) كالمعنى في لو كتبنا عليهم. وجائز أن يكون مضمراً الفعلُ مع (أنَّ) مع وقوع قابلها. المعنى ولو وقع وكتبْنَا عليهم أنْ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ أو اخرُجُوا من دِيارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَليلُ مِنْهُمْ. وإِن شئت كسرتها لالتقاء السَّاكنين أعني. . (أَنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ) وإِن شئت قُلْتَ " أنُ اقتلوا " فضممتها لانضمام التاء. .
следующие страницы →