Полный текст (2 149 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
هذه على أوجه - نِعِمَّا - بكسر النون والعين وإِدغام الميم في الميم.
وإِن شئت فتحت النون، وإِن شئت أسكنت العين فقلت نَعْمَّا، إلا أن الأحسنَ عندي الِإدْغام مع كسرِ العَيْن فأمَّا من قرأ نِعْم مَا بإسكان العين والميم، فهو شيءٌ ينكره البَصْرِيُون، ويزْغمون أن اجتماع السَّاكنين أعني العين والميم غير جائز، والذي قالوا بَيِّن، وذلك إنَّه غير ممكن في اللفظ، إِنما يحتال فيه بمشقة في اللفظ.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
أي أطيعوا اوُلي الَأمْر مِنكم، فأمر الله بطاعته، فيما فرض.
وطاعة رسوله وتصديقه فيما أدى عن اللَّه.
وأولو الأمر منهم هم أصحابُ رسول الله ﷺ ومن اتبعهم من أهل العلم، وقيل إِنهم همُ الأمراءُ، والأمراءُ إِذا كانوا أولي علم ودينٍ آخذين بما يقوله أهل العلم، فطاعتهم فريضةٌ.
وجُمْلَة أولي الأمر من المسلمين من يقول بشأْنهم في أمر دينهم وجميع
ما أدى إِلى صلاح له.
ويقال: أديت الشيءَ تأدية، والأداءُ اسم مَمْدود وأدوْتُ الرجُل آدو له
أدواً إِذا خَتَلْته.
قال الشاعر:
أدَوْت له لأخْتِله. . .فهيهات الفتى حذرا
وأَدِيَ اللبنُ أَدِيًّا إِذا حمض.
стр. 527
وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)
معنى تنازعتم اختلفتم وتجادلتم وقال كل فريق: القولُ قولي.
واشتقاق المنازعة أن كل واحد منهما ينزع الحجة.
وفي هذه الآية أَمْر مَؤكد يدل على أَن القصد للاختلاف كفْر، وأنَّ
الِإيمان اتباعُ الِإجماع والسُّنةِ.
ولا يخلو قوله : (فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
من أحد أمرين: إِمَّا أنْ تَرُدّوا ما اخْتَلَفْتُم فيه إِلى كتاب الله وسنة
رسوله، أَو تقولوا إِن لم تعلموه: اللَّه ورسوله أَعلم.
(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)
أي إِنَّ رَدَّكم ما اختلفتم فيه إِلى ما أَتى من عند اللَّه وترككم التَحارُب
خير، وأحْسَنُ تأْويلاً لَكُم، أَي أَحسنُ عاقبةً لكم. وجائز أن يكون أحسن
تأويلًا أيأحسن من تاوُلِكم انتُم. دون رَدَكم إِياه إِلى الكتاب والسُثةِ.
وتأْويلًا منصوب على التمييز.
* * *
وقوله: - (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)
يًعْنى به المنافقون.
(أَنَّهُمْ) تنوب عن اسم الزعم وَخبرِه.
وقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ)
إِلى الكاهن والشيطان.
стр. 528
ويروى أن رَجُلاً من المنافقين نازعه رجل من إليهود، فقال إليهودي بيني
وبينك أبو القاسم وقال المنافق بيني وبينك الكاهن، فلم يرض إليهودي
بالكاهن وصار إِلى النبي ﷺ فحكم لليهودي على المنافق فقال المنافق لا أرضى. بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر أيضاً لليهودي، فلم يرض المنافق وقال بيني وبينك عمرُ فصارا إِلى عمرَ فأخبره إليهودي بأن المنافق قد حَكَمَ عليه النبي ﷺ وأبو بكر فلم يرض بحكمهما.
فقال عمر للمنافق: أكذاك؟
قال: نَعَمْ، فقال عمر: اصبروا فإن لي حاجة أدْخُلُ فأقْضِيهَا وأخرج
إليكما فدخل وأخذ سيفه وخرج إِلى المنافق فضربه بالسيف حتى قتله، فجاءَ
أهله فشكوا عُمَرَ إِلي النبي ﷺ فسأله عن قِصتِه فقال عمر: إِنه ردَّ حُكمَك يا رسولَ اللَّه، فقال رسول اللَّه: أنت الفارُوق.
* * *
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)
أي يَصدُّون عن، حُكْمِكَ.
* * *
وقوله: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)
أي فكيف تكون حالُهم إِذا قُتِل صَاحبُهم بما أظهر من الخيانة ورَدَّ
حُكْم النبي ﷺ .
وقوله: (ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا)
أي ما أرَدْنا بمُطَالَبَتِنَا بدمِ صاحِبِنَا إِلا إِحْسَاناً وطلباً لما يوافق الحق.
* * *
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)
اللَّه يعلم ما في قلوب أُولَئِكَ وقلوب غيرهم، إلا أن الفائدة في ذكره
стр. 529
ههنا الذين يعلم الله ما في قلوبهم أي أُولَئِكَ الذين قد علم اللَّه أنهم
منافقون.
والفائدة لنا هي: اعلموا أنهم منافقون.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا)
أي أعلمهم أنهم إن ظهر منهم رَدٌّ لحِكُمكَ وكفر، فالقتل حقُهم.
يقال قَولٌ بليغٌ إِذا كان يبلغ بعبَارةِ لسانه كُنْهَ مَا في قلبه، ويقال أحمَقُ بَلْغ وبلْغ.
وفيه قولان: إنَّه أحمَقُ يبلغ حيث يريد، ويكون " أحمقُ بَلْغ وبلْغ " قد بَلَغَ في
الحماقة. والقولُ الأول قول من يُوثَقُ بعِلْمه، والثاني وجه جَيدٌ.
* * *
وقوله : (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)
إي، أذِنَ في ذلك.
و" مِنْ " دخلت للتوكيد. المعنى وما أرسلنا رسولاً إِلَّا ليطاع بإِذن اللَّه.
وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ)
" أن " في موضع رفِع: المعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم أنفسهم مع
استغفارهم (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).
* * *
وقوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)
يُعنَىِ به المنافقون.
(حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)
أي فيما وقع من الاختلاف بينهم.
(ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ) أي لَا تَضِيقُ صدورُهم من قضيتيكَ.
(وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
стр. 530
أَي يسلمون لما يأتي به من حُكْمِكَ، لا يعارضونه بشيء، وتسليماً
مصدر مَؤكد، والمصادر المؤَكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانياً، كأنك إِذا قلت
سلمت تسليماً فقد قلْت: سَلَّمْتُ سَلَّمْتُ. وحقُّ التوْكِيد أن يكون محقِّقاً لما
تذكره في صَدْرِ كَلَامِك، فإِذا قُلْتَ ضَربتُ ضرباً، فكأنك قُلْتَ أحدَثْتُ ضَرْباً أحَقه ولا أشك فيه، وكذلك (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) أي يسلمون لحكمك تسليماً، لا يُدْخِلون على أنفسهم فيه شَكاً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)
" لو " يُمنَعُ بها الشيء لامتناع غيره. تقول لَوْ جاءَني زيد لَجئْتُه.
المعنى أن مجيئي امتنع لامتناع مَجِيءِ زيْدٍ، فحقها أن يَلِهَا الأفعالُ.
إلَاَ أن (أنَّ) المشدَدةَ تقع بعدها، لأن - " أنَّ " في اللغة تنوب عن الاسم والخبر، تقول ظننت أنك عالم.
وهذا كقولك ظننتك عالماً. والمعنى ظننت علمك.
فالمعنى في " أنَّ " بَعْدَ " لَوْ " أنها نابَتْ عن الفعل والاسم، كما نابت عن الاسم والخبر.
فالمعنى في قوله: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ) كالمعنى في لو كتبنا عليهم.
وجائز أن يكون مضمراً الفعلُ مع (أنَّ) مع وقوع قابلها.
المعنى ولو وقع وكتبْنَا عليهم أنْ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ أو اخرُجُوا من دِيارِكُمْ مَا
فَعَلُوهُ إِلا قَليلُ مِنْهُمْ.
وإِن شئت كسرتها لالتقاء السَّاكنين أعني. . (أَنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ)
وإِن شئت قُلْتَ " أنُ اقتلوا " فضممتها لانضمام التاء. .
стр. 531
وأبو عمرو بن العلاء يختار مع النونات خاصة الكسَرَ ومَعَ سائِر ما في
القرآن - إِذا كان ما بعدها مضموماً - الضَّمَ، إِلا قوله:
(وَقَالَتِ اخْرُج عليهنَّ)، (وَلقَدِ اسْتُهزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ)
ولست أعرف في هذين الحرفين خَاصيةَ أبي عمرو إِياهُمَا بالكَسْرِ إِلا أن
يكونَ رَوَى روايةً فاختار الكسرَ لهذه العِلةِ، أو يكون أرادَ أن الكسرَ جازَ أيْضاً كما جاز الضمُ - وهذا أجْوَد التأويلين.
وللكسر والضم في هَذِهِ الحروف وجهان جيدانِ قد قَرأت القراءُ
بهما.
فأمَّا رفع إلا قَليل. مِنْهم. فعلى البدل من الواو.
المعنى ما فعله إِلا قليل منهم.
والنصب جائز في غير القرآن، على معنى ما فعلوه اسْتَثْنِي قَلِيلاً مِنْهمْ.
وعلى ما فسَّرنَا في نصب الاستثناء، فإن كان في النفْي نوعانِ مختلِفَان
فالاختيار النصبُ، والبدَل جائز، تقول مَا بِالدارِ أحد إِلا حِمَاراً
قال النابغة الذبياني:
وَقَفْتُ فيها أُصَيْلالاً أسائلُها. . . عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحدِ
إلاَّ الأَوارِيَّ لأْياً ما أُبَيِّنُها. . . والنُّؤْيُ كالحَوضِ بالمَظلُومة الجَلَدِ
стр. 532
فقال ما بالربع مِنْ أحدٍ، أي ما بالربعِ أحد إِلَّا أوارِي، لأن الأواري
ليست من الناس.
وقد يجوز الرفع على البدل، وإِن كان ليس من جنس الأول
كما قال الشاعر:
وبَلْدَةٍ ليس بها أنيسُ. . . إلاَّ اليَعافيرُ وإلاَّ العِيْسُ
فجعل اليعافير والعيسَ بدلا من الأنيس.
وجائز أن يكون أنيس ذلك البلد اليعافير والعس.
* * *
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)
وقوله: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).
يعنى النبيين، لأنه قال:
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ) أي المطيعون.
(مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).
أي الأنبياءَ ومن مَعَهمْ حسنوا رفيقاً.
و" رفيقاً " منصوب على التمييز، ينوب عن رفقاء، وقال بعضهم لا ينوب
الواحدُ عن الجماعة إِلا أن يكون من أسماء الفاعلين. فلو كان " حسُنَ القوم
رجُلًا " لم يجز عنده. ولا فرق بين رفيق ورَجل في هذا المعنى لأن الواحد في
стр. 533
التمييز ينوب عن الجماعة، وكذلك في المواضع التي لا تكون إِلا جماعةً
نحو قولك هُوَ أحسن فتى وأجملُه، المعنى هو أحسن الفتيان وأجملهم، وإذا
كان الموضع الذي لا يُلْبِسُ ذِكْرُ الواحد فيه، فهو يُنْبى عن الجماعة
كقول الشاعر:
بها جِيَف الحَسْرى فأمَّا عِظامُها. . . فَبيضٌ وأَمَّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
وقال الآخر:
في حَلْقِكم عَظم وقد شَجينَا
يريد في حلوقكم عِظَام، ولو قلت حسُنَ القوم مجاهداً في سبيل اللَّه.
وحسن القوم رجلاً كان واحداً
وقوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا).
معناه: كَفَى اللَّهٌ عَلِيمًا، والباء مَؤكدة. المعنى اكتفوا باللَّه عليماً.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)
أمر اللَّه أن لا يلْقِيَ المؤمنون بأيديهم إِلى التهلكة وأن يحذروا عدوهم
وأن يجاهدوا في الله حق الجهاد، ليبلو الله الأخيارَ وضمِنَ لهم مع ذلك
النَصْرَ، لأنه لو تولى اللَّه تعالى قتل أَعدائه بغير سبب للآدميين لم يكونوا
مثَابينَ، ولكنه أمر أن يُؤخَذَ الحذَرُ.
وقال: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا)
стр. 534
والثُباتُ الجماعات المتفرقة، واحدها ثُبَة.
قال زهير ابن أبي سلمى:
وقد أَغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ. . . نَشاوى واجِدين لِما نشاءُ
قال سيبويه ثُبة تجمعُ ثُبُون وثُبينَ، في الرفع والنصب والجر وإِنما
جُمِعتْ بالواوِ والنون - وكذلك عِزَة وعِضَة -
كقوله (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) - لأنَّ الواو والنون جُعَلتَا عوضاً من حذف آخر الكلمة.
وَثُبة التي هي الجماعة محذُوف آخرها؛ تُصَغَّرُ ثُبيَّة، وَثُبة الحوض وسطُه حيث
يثوب الماءُ إِليه تُصَغَّر ثُوبَيْةَ، لأن هذا محذوفة منه عين الفِعْل، وإِنما اشتقت
ثبة الجماعة من ثَبيْتُ عَلى الرجُلِ إِذا أثْنَيت عليه في حياته، وتأويله أنك
جمعت ذكر محاسنه، فأما الثبَةُ الجماعة من فرقة. فتأويله انفروا جَماعات
مُتَفَرقة أو انفروا بعضكم إلى بَعْض.
* * *
وقال: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)
أي ممن أظهر الِإيمان لمن يبطى عن القتال، يقال قد ابطا الرجل
وبَطُوءَ بمعنى، أبطأ تأخر، ومعنى بطوءَ ثقل، إِبطاءً، وبُطْئاً.
واللام الأولى التي في " لَمَنْ " لام إِن، واللام التي في ليَبطئَن لام
القَسِمُ، ومَنْ موصولة بالجالب للقَسِمَ، كان هذا لو كان كلاماً لقلْتَ إِن
منكم لمَن أحلِف واللَّه لِيُبطًئن.
والنحويون يجمعون على أن مَنْ ومَا والذي
стр. 535
لا يُوصَلْنَ بالأمر والنهي إِلا بما يُضْمَر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إِذا جاءَت مع هذه الحروف فلفظ القَسمِ وما أشْبَه لفْظَهُ مضمر معها.
وقوله: (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ) هذا المَبطِّئ:
(قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا).
أي لم أشْركهُمْ في مُصِيبَتهم.
(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)
أي ظفِرتم وغَنِمْتُمُ.
(لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ).
(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) جائز أن يكون وقع ههنا معترضاً:
المعنى: ولئن أصابكم فضل من اللَّه ليقولَنَّ.
(يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا)
ويكُونَّ: (إِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا)
(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ).
ومعنى المودَّة ههنا، أي كأنَّه لم يُعاقِدْكُمْ على الإيمان أي كأنَّه لم يُظهر
لكم المودةَ، وجائز أن يكون - واللَّه أعلم - ليقُولَنَّ يا ليتني كنت معهم كأنْ لم تكن بينكم وبينه مَودةً، أي كأنَّه لِم يعاقدكم على أن يجاهِدَ معكم. فلا يكون في العربيَّةِ فيه عيْبٌ ولا ينقص معنَى. . واللَّه أعلم.
(فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا).
(فَأَفُوزَ) منصوب على جواب التمني بالفاء.
وقوله: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)
стр. 536
أي إِنْ كانَتْ بينكم وبينه عقدة أمَان فليقاتل في سبيل الله معكم.
(الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)
أي يبيعون، يقال شريت بمعنى بعت، وشَرَيتُ بمعنى اشتَريْتُ
قال يزيد بن مُفرِغ.
وشَريْتُ بُرداً ليتني. . . من بَعْد بُردٍ كنتُ هامَهْ
بُرْدٌ غلامه، وشريته بعتُه.
* * *
وقوله: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)
" ما " منفصلة. المعنى أَي شيءَ لكم تَارِكِينَ القتالَ. و (لاَ تُقَاتِلُونَ) في
موضعِ نَصْبِ على الحال كقوله (فما لهم عن التَذكِرةِ
مُعْرِضين)
(والمستضعَفِين) في موضع جَرٍّ.
المعنى وما لكم لا تُقَاتِلون في سبيل اللَّه وسبيل المستضعفين.
(مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا).
يعني بالقرية مكة، أي ما لكم لَا تسعون في خلاص هؤلاءِ.
وقوله: (وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا)
أي تَولَّنا بنصرك وخَلِّصْنا من أهْل مكة الظالمِ أهلُهَا.
فهو نعت لقرية، ووحدَ الظالم لأنه صفة تقع موقع الفِعل تقول مررت بالقرية الصالح أهلهَا كقولك التي صَلَحَ أهْلهَا.
стр. 537
قال أبو العباس محمد بن يزيد: (والمستضعفين) في موضع جر: من
وَجْهَين: المعنى ما لكم لا تقاتلون في سبيل اللَّه وفي المستضعفين.
قال وجائز أن يكون عطفاً على اسم اللَّه، أي في سبيل الله وسبيل
المستضعفين، قال: واختار أن يكون على " وفي المستضعفين " لاختلاف
السبِيلين، لأن معنى سبيل المستضعفين كأنه خلاص المستضعفين، وقول أكثر
النحويين كما اخْتار أبو العباس محمد بن يزيد.
والوجه الثاني عِندي أشبه بالمعنى، لأن سبيل المستضعفين هي سبيل اللَّه.
* * *
وقوله جلّ وعر: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ).
الطاغُوتُ في قول النحويين أجمعين يذكَر ويؤنًثُ. وفي القرآن دليل
على تذكيره وتأنيثه، فأما تذكيره فقوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)، وأمَّا تأْنيثه فقوله - جلَّ وعزَّ -: (والذِينَ اجتَنَبوا الطاغوت أن يَعبُدوهَا).
قال أبو عبيدة: الطاغوت ههنا في معنى جماعة.
كما قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)
معناه لحم الخنازير كلها.
والطاغوت الشيطان، وكل معبود من دون اللَّهِ فهو طاغوت.
والدليل على أن الطاغوت الشيطان قوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠).
* * *
وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)
قيل كان المسلمون قبل أن يؤمروا بالقتال قالوا للنبي ﷺ : لو أذنت
стр. 538
لنا أن نعمَلَ مَعَاوِلَ نقاتل بها المشركين، فأمروا بالكف وأداءَ ما افْترِضَ عليهم غير القتال، فلما كتبَ عليهم القتال خشي فريق منهم (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
المعنى هَلَّا أخرْتنَا.
فأَعلم اللَّه أن متاع الدنيا قليل وأن الآخرة لِأهْل التُّقَى.
وأعلمهم أن آجالهم تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون فقال:
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)
لأن مُفَعَّلة، وفعَّل للتكثير، يقال: شاد الرجل بِناءَه يشيده شَيداً إِذا رَفَعَه وإذَا. طَلاَه بالشيد، وهو ما يطلى به البناءُ من الكِلس والجصِّ وغَيرهِ، ويقال أيضاً قد أشَادَ الرجل بِنَاءَهُ.
فأمَّا في الذِكْرِ فأشدت بذكْر فُلانٍ لا غير إِذا رَفَعْتَ من ذِكرِه.
* * *
وقوله : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ).
قيل كانت إليهود - لُعِنَتْ - تَشَاءَمَتْ برسول اللَّه ﷺ عند دخوله المدينة فقالت: منذ دخل المدينة نَقَصَتْ ثمارُنا وغلت أسعارنَا، فأعلمَ اللَّهُ أن الخصْبَ والجَدْبَ من عِندِ اللَّهِ.
* * *
وقوله: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)
فذا خطاب للنبي ﷺ يرادُ به الخلق.
ومخاطبة النبي ﷺ قد تكون للناسِ جميعاً لأنه ﵇ لِسانهم، والدليل على ذلك قوله:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
فنادى النبي ﷺ وحده وصار الخطاب شامِلًا له ولسائر أمَّتِه، فمعنى
стр. 539
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، أي ما أصبتم من غنيمة أو أتاكم من خِصْبٍ فمن تفضلِ اللَّه.
(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) أي من جَدْبِ أو غَلَبةٍ في حرب فمِنْ نَفْسِك، أي أصابَكم ذلك بما كَسَبتُمْ كما قال اللَّه جلَّ وعز (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠).
ومعنى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا).
معنى الرسول ههنا مَؤكدٌ لقوله: (وأرسَلنَاكَ) لأن (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ) تدل
على أنه رَسولٌ.
(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
أَي اللَّه قد شهد أَنه صَادق، وأنه رسوله، و (شَهِيدًا) منصوب على
التمييز، لأنَكَ إِذا قلت كفى الله ولم تبين في أي شيء الكفاية كنت مُبْهِماً.
والفاء دخلت في قوله جل وعز: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) لأن
الكلام في تقدير الجزاء، وهو بمنزلة قولك: إِنْ تصبْكَ حَسَنة فمن اللَّه.
* * *
وقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)
أَي من قبل ما أَتَى به الرسول فإنما قبل ما أمر الله بِه.
وقوله: (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا).
تأْويله - واللَّه أعلم - أنك لا تعلم غيبهم إنما لك ما ظهر منهم، والدليل
على ذلك ما يتلوه وهو قوله:
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)
стр. 540
قال النحويون تقديره: أمْرنا طاعة. وقال بعضهم مِنَّا طاعة.
والمعنى واحد، إلا أن إضمار أمرنا أجمع في القصة وأحسَنُ.
وقوله: (فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ)
يقال لكل أمر قد قضِيَ بِلَيْل قد بيَّتَ.
قال الشاعر:
أتوني فلم أدْرِ مَابَيَّتوا. . . وَكَانوا أتوني لأمْرٍ نكْر
أي فلست حفيظاً عليهم تعلم ما يغيب عنك من شأنِهم، وهذا ونظائره
في كتاب اللَّه من أبين آيات النبي ﷺ ييه، لأنهم ما كانوا يخْفونَ عنه أمْراً إِلا أظهره اللَّه عليه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ).
فيه وجهان، يجوز أن يكون - واللَّه أعلم - ينزله إِليك في كتابه، وجائز أن
يكون يكتب ما يُبَيتون يحفظه عليهم ليُجَازوا به.
وقوله: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ).
أي لَا تسمِّ هؤلاءِ بأعيَانِهم لما أحب الله من ستر أمر المنافقين إلى أن
يستقيم أمْرُ الِإسلام.
فأما قوله: (بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) فذكَّر ولم يقل بيتت، فلأن
стр. 541
كل تأنيث غير حقيقي فتعبيره بلفظ التذكير جائز، تقول: قالت طائفة من أهل الكتاب، وقال طائفة من المسلمين لأن طائفة وفريقاً في معنى واحد، فكذلك قوله : (فَمن جَاءَهُ موعظَةٌ مِنْ رَبِّه).
وقوله: (يَا أئها النَّاسُ قَد جَاءَتْكُمْ مَوعِظَة مِن رَبِّكُم).
يعني الوعظ إِذا قلت فمن جاءَه موعظة.
وقرأ القراءُ (بيتْ طائفةٌ) على إسكان التاءِ وإدْغامها في الطاء.
وروي عن الكسائي أن ذلك إِذا كان في فعل فهو قبيح، ولا فرق في الإدغام ههنا فِي فعل كان أو في اسم لو قلت بَيَّتُ طائفةً وهذا بَيْتُ طائفة - وأنت تريد بيتُ طائفةً كان واحداً.
وإنما جاز الإدغام لأن التاءَ والطَاءَ مِن مَخْرج واحدٍ.
* * *
وقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)
يُعْنَى به المنافقون، أي لو كان ما يخبِرونَ به مما بيتُوا، وما يُسِرُونَ
وُيوحَى إلى النبي ﷺ . . لولا أنه من عند الله لما كان الإِخبار به غير مختلف.
لأن الغيب لا يعلمه إِلا الله. وهذا من آيات النبي ﷺ البينَةِ.
ومعنى تدَبَرتُ الشيءَ، نظرتُ في عَاقبته، وقولهم في الخبر: لا تَدَابَروا.
أي لا تكونوا أعداءَ، أي لا يُوَلَى بعضُكم دُبُرهَ، يقال قد دَبَر القومُ يَدبُرون
دبَاراً إذَا هَلكُوا، وأدْبَرُوا إذا وَلَّى أمرُهم، وإنما تأويله أنه تقضى أنهم إِلى
آخره فلم يبق منهم باقية، والدبْرُ النحلُ سُمِّيَ دَبْراً لأنه يُعْقب ما ينتفع به.
والدِّبرُ المال الكثير سمِّيَ دِبْرا لكثرته، ولأنه يبقى للأعْقابِ والأدْبارِ،
стр. 542
وقوله: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)
ْأي أَظهروه ونادَوْا به في الناس، قال الشاعر:
أذاع به في الناس حتى كأنه. . . بعلْياءَ نارٌ أوقِدَتْ بثقُوب
وكان إِذا علم النبي ﷺ أنَّه ظاهر على قوم أمِن مِنهم، أو أعْلمَ تجَمع قوم يخاف من جمع مِثلِهم، أذاع المنافقون ذلك ليحذَر مَنْ يحذر من الكفار، ويقوَى قلب من ينبغي أن يَقْوَى قلبه لما أذاعوا وكان ضَعَفَةُ المُسْلِمين يُشِيعُونَ ذلكَ معهمْ من غير علم بالضرَرِ في ذلك، فقال ولو ردوا ذلك إِلى أن يأخذوه من قِبَلِ الرسول ومن قبل أولي الأمْرِ منهم، أي من قِبَلِ ذوي العلم والرأي منهم.
وقوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)
أي. لعلمه هؤلاءِ الذين أذاعوا به من ضَعَفِة المسلمين من النبي ﷺ
وذوي العلم، وكانوا يعلمون مع ذلك هَلْ ينبغي أن يُذَاع أو لا يُذَاعَ.
ومعنى (يَسْتَنْبِطُونَهُ) في اللغة يستخرجونه، وأصله من النبط وهو الماء
الذي يخرج من البئر في أول ما يحفر، يقال من ذلك: قد أنبط فلان في
غضراء، أي استنبط الماءَ من طينٍ حُر. والنبط إنما سمُّوا نبطاً
لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين.
وقوله: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا).
стр. 543
قال بعضهم: لولا ما أنزله اللَّه عليكم من القرآن، وبين لكم من الآيات
على لسان نبيه لاتَبعْتُم الشيطانَ إِلَّا قَلِيلًا، أي كان أولكم بجوار الكفر.
وهذا ليس قولُ أحد من أهل اللغة، قال أهل اللغة كلُّهم:
المعنى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) إِنما هو استثناء من قوله (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) إِلَّا قَلِيلًا).
وقال النحويون: المعنى أذاعوا به إِلا قليلًا.
وقالوا أن يكون الاستثناء من أذاعوا به إلا قليلًا أجود، لأن مَا عُلِمَ
بالاستنباط فليس الأكثر يعرفه، إِنما يستنبط القليل، لأن الفضائل
والاستنباط، والاستخراج في القليل من الناس.
وهذا في هذا الموضع غلط من النحويين، لأن هذا الاستنباط ليس بشيء يستخرج بنظر وتفكر، إنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر، إذا خُبِرَ بِه، وإِنما القليل المبالِغُ في البلادة لا يَعْلَمُ ما يُخْبرُ بِه، والقول الأول مع هذين القولين جائزة كلها. والله أعلم.
لأن القرآن قبل أن ينزل والنبي قبل أن يبعث قد كان في الناس القليلُ
ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي ﷺ مَؤمناً.
وقد يجوز أن يقول القائل إِن من كان قبل هذا مَؤمناً فبفضل اللَّه وبرحمته آمَنَ، فالفضل والرحمة لا يخلو منهما من نال ثواب الله جلَّ وعزَّ
إلا أن المقصود به في هذا الموضع النبي ﷺ
والقرآن.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)
هذه الفاءَ جواب قوله جلَّ وعزَّ: (وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤).
стр. 544
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
ويجوز أن يكون متصلاً بقوله: (وما لكم لا تقاتلون في سَبِيل اللَّهِ) أي
أيُّ شي لكم في ترك القتال (فقاتل في سبيل الله). فأمره الله بالقتال ولو أنه
قاتل وحده، لأنه قد ضمن له النصر.
ويروى عن أبي بكر ﵀ أنه قال في الردةِ، لو خالفتني يميني
جاهدتها بشمالي.
وقوله: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا).
البأس الشدة في كل شيءٍ.
* * *
وقوله: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)
الكفل في اللغة النصيب، أخِذَ من قولهم أكفَلْتَ البعيرَ إِذا أدَرْتَ على
سِنَامه أو على موضع من ظهره كساءً، وركبت عليه وإِنما قيل له كفْل، واكْتُفِلَ البَعِيرُ؛ لأنه لم يُسْتَعْمَلْ الظهْرَ كله، إِنما اسْتُعْمِل نَصيب من الظهر، ولم يستعمل كله.
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا).
قال بعضهم: المقيت القدير، وقال بعضهم: المقيت الحفيظ، وهو
عندي - واللَّه أعلم - بالحفيظ أشبه، لأنه من القُوتِ مشْتَق، يقال: قتَ الرجلَ أقُوتهُ قوتاً إِذا حفظتُ عليه نفسه بما يقوته.
والقوتُ اسم ذلك الشيء الذي يحفظ نفسه، ولا فضل فيه على قدرة الحِفْظ، فمعنى المقيت - واللَّه أعلم -
الحفيظ الذي يعطي الشيءَ قدر الحاجة من الحفظ
قال الشاعر:
стр. 545
ألِيَ الفضْل أمْ عَلَيَّ إذا. . . حُوسِبت إني عَلى الحِسَابِ مُقِيتُ
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)
قال النحويون: " أحسن " ههنا صفة لا تنصرف لأنه على وزن أفْعَل وهوِ
والمعنى فحيوا بتحية أحسن منها، وقيل في التفسير: التحية هنا
السلام، وهي تفعله - من حييْت.
ومعنى (حَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا): إِذا قيل لكم " السلام عليكم " فقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله "، فالتحية التي هي أحسن
منها هي وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ".
ويقال لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام كلمة وبركاته.
ويروى أنَّ دَاخِلًا دخل إِلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته، فقال النبي ﷺ وعليك، ودخل آخر فقال: السلام عليكم فقال النبي ﷺ وعليكم السلام ورحمة اللَّه، ودخل رجل آخر فقال: السلام عليكم
ورحمة اللَّه، فقال النبي ﷺ وعليكم السلام ورحمة اللَّه وبركاته فقام الداخل الأول فقال: يا رسول الله سلمت فلم تَزِدْ على
" وعليك " وقام هذا فقال السلام عليكم فزدته، وقام هذا فقال: السلام عليكم ورحمة اللَّه فزدته، فقال النبي ﷺ إنك لم تترك من السلام شيئاً، فرددت عليك، وهذان تركا منه شيئاً
فزدتهما.
وهذا دليل أنَّ آخر ما في السنة من السلام كلمة وبركاته.
стр. 546
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا).
أي يعطي كل شي من العلم والحفظ والجزاءَ مقدار ما يحسبه، أي
يكفيه، تقول حسبك بهذا أي اكتف بهذا.
وقوله تعالى: (عَطاءَ حِساباً) أي كافياً، وإنما سُمِّيَ الحساب في المعاملات حساباً لأنه يعلم ما فيه كفاية
ليس فيها زيادة على المقدار ولا نقصان.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)
(لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
هذه لام القسم كقولك: واللَّه ليجمعنكم، ومعنى القيامة في اللغة - والله
أعلم - على ضربين، جائز أن تكون سميت القيامة لأن الناس يقومون من
قبورهم، قال الله جلَّ وعزَّ: (يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧).
وجائز أن تكون سُمِّيتْ القيامةَ لأن الناس يقومون للحساب.
قال الله : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)).
ومعنى (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) - واللَّه أعلم - أي يجمعكم في الموت وفي قبوركم.
* * *
وقوله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)
هذا خطاب للمسلمين، وذلك أن قوماً من المنافقين قالوا للنبي ﷺ قد اجتوينا المدينة، فلو أذنت لنا فخرجنا إِلى البدو، فلما خرجوا لم يزالوا يرحلون مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فقال قوم من المسلمين هم كفَار هم كفار، وقال قوم: هُم مسلِمُونَ حتى نعلم أنهم بدَّلوا، فأمر اللَّه بأن يتفق المسلمون على تكفير من احتال على النبي ﷺ وخالفه فقال :
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ).
стр. 547
أي أيُّ شيء لكم في الاختلاف في أمرهم (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا).
وتأويل " أركسهم " في اللغة نَكسَهُم وردَّهم، يقال أرْكَسه ورَكَسَهُ.
ومعنى (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي ردَّهم إلى حُكم الكفار.
وقوله: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ).
أي أتقولون أن هُؤلاءِ مهتدون واللَّه قد أضَلَّهم.
(وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا).
أي طريقاً إلى الحجة، وقال النحوَيون في نصب " فئتين " إنها منصوبة على
الحال، وقال سيبويه: إذا قلت مالك قائماً فإنما معناه لِمَ قُمْتَ ونصب على
تأويل أي شيء يستقر لك في هذه الحال، قال غيره إِن " قائماً " ههنا منصوبٌ على جهة فِعل " مَالَ " ويجيز مالك قائماً، ومالك القائمَ يا هذا، ومالك القائمَ خطأ، لأن القائم معرفة فلا يجوز أن تقع حالا، و " ما " حرف من حروف الاستفهام لا تعمل عمل كان، ولو جاز مَالَك القَائِمَ يا هذا، جاز أن يقول ما عندكَ القائمَ، وما بِكَ القَائِمَ، وبالإجماع أن ما عندك القائمَ خطأ، فمالك القائمَ مثله لا فرق في ذلك.
* * *
وقوله : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)
(فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
أي لا تتخذوا من هُؤلاءِ الذين احتالوا على النبي ﷺ حتى فارقوه أولياءَ.
أي لا تقولوا إنهم مؤمنون حتى يهاجروا في سبيل اللَّه، أي حتى يرجعوا إِلى
النبي ﷺ .
وقوله: (فَإِنْ تَوَلَّوْا)
أي تولوا عن أن يهاجروا، ولزموا الإِقامة على ما هم عليه (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا).
стр. 548
وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)
أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق.
ويروى أن هؤُلاءِ اتصلوا ببني مُدْلج وكانوا صلحاً للنبي ﷺ .
وقوله: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ).
معناه ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم.
وقال النحوُيون إن (حَصِرَتْ صُدُورُهُم) معناه أو جاءُوكم قد حَصِرَت صُدورُهم، لأن حَصِرَتْ لا يَكونُ حالاً إلا بقد، وقال بعضهم حصرت صدورهم خبر بعد خبر، كأنه قال: أو جاءُوكم، ثم أخبرَ فقال: (حَصِرتْ صُدُورُهُم أن يُقاتلوكم).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّْ: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي ضيقَ
صُدورِهم عن قتالكم إِنما هو لقذف اللَّه الرعبَ في صدورهم.
وقرأ بعضهم
" حصِرةً صُدُورُهُم " على الحال.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)
ستجدون من يظهر لكم الصلح ليأمنكم، وإذا سنحت فتنة كانوا مع
أهلها عليكم.
وقوله: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا).
أي انتكسوا عن عهدهم الذي عقدوه.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ).
أي فإِن لم يعتزلوا قتالكم ولم يعاونوا عليكم.
стр. 549
(وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ).
أي المقادة والاستسلام.
(وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ) أي، عن الحرب.
(فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا).
أي حجة بَينَةً بأنهم غَدَرَة، لا يَفُونَ بما يفارقونكم عليه من الهدنة
والصلح.
* * *
وقوله: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)
المعنى ما كان لمؤمن ألبتَّة.
و (إِلَّا خَطَأً) استثناء ليس من الَأول.
المعنى إِلا أن يخطئ المؤمن فكفَارةُ خَطئِه ما ذكر بَعْدُ.
وقال بعض أهل العلم: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً) على معنى
أن دم المسلم إِنما يصفح عن أن يؤخذ به القَاتِلُ في الخطأ فقد عفى له عن
قتل الخطأ، إِلا أن الله جل ثناؤه فرض في كتابه على القاتل خطأ تحريرَ رقبة
وديةً مسلمةً إِلى أولياء المقتول، وبين رسول الله ﷺ دية الخطأ على العاقِلة، وعلى القاتل أَن يَؤدِّي في ذلك لقوله :
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ).
ويحتمل أن يكون الصّيَامُ بدَلًا مَن الرقَبةِ وبدلاً مما ينبغي أن يَؤدَّى في
الدّيةِ.
فَإِنْ قتَل المؤمِنُ خَطَأ رَجُلًا مؤمِناً من قَوْمٍ كفَرةً فعليه تحرير رقبة،
стр. 550
ولا مال للكفار الذين هم حَربٌ، لأن الدية في الخطأ إنما جعلت - واللَّه أعلم - لِيحَذَرَ الناس حذراً شديداً من أن يخطئوا خطأ يُؤَدي إِلى القَتْل، لتَذْهَبَ الضًغَائنُ بينهُمْ. .
(وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ).
وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين عَهْدٌ فتحرير رقبة وتسليم الديةِ
إِلى ذوي الميثاق لئلا تقع ضغينة بين أهل الميثاق والمؤمنين.
ونَصْبُ (تَوْبةً مِنَ اللَّه) على جهةِ نصب فعلْتُ ذلك حذار الشر.
المعنى فعليه صيام شهرين وعليه دية إِذَا وَجَدَ توبةً من اللَّه، أي فعل ذلك توبة من اللَّه.
فأمَّا قتل النفس فجزاؤه كما قال اللَّه النَّفْس بِالنَّفْسِ في الدنيا، وفي الآخرة جهنم.
* * *
قال اللَّه جلَّ وعزَّ: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)
وهذا وعيد شديد في القتل حظَرَ اللَّه به الدِّماءَ.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)
و (فَتَثَبَّتُوا) بالثاء والتاء.
ومعنى ضربتم سِرْتم في الأرض وغزوتُم.
وقوله: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).
стр. 551
قرئت السلام بالألف، وقرئت السَّلمَ. فأما السلام فيجوز أن يكون من
التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى السِّلِمْ، وهو الاستسلام، وإلقاء المقادة إِلى
إِرادَةِ المسلمين.
ويروى في التفسير أن سبب هذا أن رجلًا انحاز وأظهر الإسلام فقتله
رجل من المسلمين وأخذ سَلبَه.
فأعلمَ اللَّهُ أن حق من ألقى السلمَ أن يُتَبين أمرُه.
ومن قرأ (فتثبتوا) فحقه أن يُتَثَبَّتَ في أمره، وأعلم الله - جلَّ وعزَّ - أن
كل من أسلم مِمن كان كافِراً فبمنزلة الذي تعوذ بالإِسلام، فقال : (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ).
ْأي مَنَّ عليكم بالإِسلام، وبأنْ قبل ذلك منكم على ما أظهرْتُمْ ثم كرر
الأمر بالتبيين فقال : (فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
* * *
(لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)
قرئت (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بالرفع و (غيْرَ) بالنصب، فأما الرفع فمن جهتين.
إِحداهما أن يكون " غير " صفةً للقاعدين، وإِن كان أصلها أن تكون صِفةً
للنكرة.
المعنى لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولى الضرر، أَي لا يستوي
القاعدون الأصحاءُ والمجاهدون وإِن كانوا كلهم مؤمنين.
ويجوز أن يكون " غَيْرُ " رفعاً على جهة الاستثناء.
المعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدونَ
стр. 552
إِلَّا أَولو الضَرر، فإنهم يساوونَ المجاهدين، لأن الذي أقعدهم عن الجهاد
الضرر، والضرر أن يكون ضريراً أو أعمى أو زَمِناً أو مريضاً.
ويروى أن ابن أم مكتوم قال للنبي ﷺ أعلََّ جهادٌ؟ فقال النبي ﷺ :
(انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا)، فإِما أن تكون من الخِفَافِ أو من الثقال فأنزل اللَّه:
(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ).
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)
أي وَعَدَ الجنَّة.
(وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا).
ويجوز أن يكون (غيرَ أولي الضرر) نصباً على الاستثناء من (القاعدين).
المعنى: لا يستوي القاعدون إِلَّا أولي الضرر.
على أصل الاستثناء النَّصْبُ.
ويجوز أن يكون " غَيْرَ " منصوباً على الحال.
المعنى: لا يستوي القاعدون في حال صحتهم والمجاهدون.
كما تقول: جاءَني زيد غيرَ مريض، أي جاءَني زيد صحيحاً.
ويجوز جَرُّ " غيرِ " على الصفة للمؤْمنين، أي لا يستوي القاعدون من
المؤْمنين الأصحاءِ والمجاهدونَ.
أما الرفع والنصبُ فالقراءَة بهما كثيرة.
والجرُّ وجهٌ جيدٌ إِلا أن أهل الأمصَار لَم يقرأوا به وإِن كان وجهاً.
لأن القراءة سنة متبعة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)
" درجات " في موضع نصب بدلًا من قوله. . أَجْرًا عَظِيمًا)
وهو مُفسِّرٌ للآخر.
المعنى فَضَّل اللَّه المجاهدين درجاتٍ ومغفرةً ورحمةً.
وجائز أن يكون
стр. 553
منصوباً على التوكيد لـ (أجراً عظيماً) لأن الأجر العظيم هو رفع الدرجات من اللَّه جلَّ وعزَّ والمغفرة والرحمة، كما تقول لك على ألف درهم، لأن قولك على ألف درهم هو اعتراف فكأنك قلت أعرفْها عُرفاً، وكأنه قيل: غفر اللَّه لهُمْ مغفرة، وأجَرهم أجراً عظيماً، لأن قوله (أجراً عظيماً) فيه معنى غَفَر ورَحِمَ وفَضَّل.
ويجوز الرفع في قوله (دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً)، ولو قيل:
" دَرَجَاتٌ منه ومغفرةٌ ورحمةٌ "
كان جائز جائزاً على إِضمار تلك درجات منه ومغفرة كما قال جل ثناؤُه: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ) أي ذلك بلاغ.
* * *
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)
يُعنَى به المشركون الذين تخلفوا عن الهجرة إِلى النبي ﷺ .
فـ (توفاهم)، إِن شئت كان لفظها ماضياً على معنى إِن الذين توفتهم
الملائكة وذُكِّرَ الفعلُ لأنه فعل صحيح، ويجوز أن يكون على معنى
الاستقبال على معنى أَن الذين تتوفاهم الملائكة، وحذفت التاءُ الثانية لاجتماع تاءَيْن، وقد شرحنا ذلك فيما تقدم من هذا الكتاب.
وقوله: (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ): نصب على الحال.
المعنى تتوفاهم في حال ظلمهم أنْفُسَهُم، والأصل ظالمين أنْفُسَهم إِلا أن النون حذفت استخفافاً.
والمعنى معنى ثبوتها، كما قال جلَّ وعزَّ (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ).
والمعنى معنى ثبوت التنوين. معنى بالِغاً الكعبةَ.
وقوله: (قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ).
стр. 554
هذء الواو للملائكة أي قال الملائكة للمشركين فيم كنتم أي أكنتم في
المشركين أم في أصحاب محمد ﷺ وهذا سؤَال توبيخ قد مر نظراؤُه مما قد استقصينا شرحه.
وقوله: (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ)
فأَعلم اللَّه أَنهم كانوا مستضعفين عن الهجرة. فقالت لهم
الملائكة:
(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ)
ْ (المستضعفين) نصب على الاستثناءِ من قوله: (مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ. . . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ)، أي إِلا مَنْ صَدَق أنَّه مستضعَف غيرُ مستطيع حيلةً ولا مهتدٍ
سَبيلاً، فأعلم الله أن هؤُلاءِ راجون العَفوَ، كما يرجو المؤْمِنُونَ فقال:
(فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)
و" عَسَى " ترج، وما أمر اللَّه به أن يرجى مِن رحمته فبمنزلة الواقع كذلك
الظن بأرحِم الراحمين.
وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا).
تأْريل (كَانَ) في هذا الموضع قد اختلف فيه الناس.
فقال الحسن البصري: كان غفوراً لعباده، عن عباده قبل أن يخلقهم.
وقال النحويون البصريون: كأنَّ القوم شاهدوا من الله رحمة فأعلموا أن ذلك ليس بحادثِ، وأنَّ الله لم يزل كذلك.
وقال قوم " من النحويين:. . " كان "
стр. 555
و " فعَلَ " من اللَّه بمنزلة ما في الحال، فالمعنى - والله أعلم - والله عفو غفور.
والذي قاله الحسن وغيره أدخل في اللغة، وأشبه بكلام العرب.
وأما القول الثالث فمعناه يُؤول إِلى ما قاله الحسن وسيبويه، إِلا أن يكون الماضي بمعنى الحال يقِل.
وصاحب هذا القول له من الحجة قولنا " غفر الله لفُلَانٍ "
بمعنى ليغفر اللَّه له فلما كان في الحال دليل على الاستقبال وقع الماضي
مَؤدياً عنها استخفافاً، لأن اختلاف ألفاظ الأفعال إِنما وقع لاختلاف الأوقات، فإِذا أُعْلِمت الأحوال والأوقات استُغني بلفظ بعض الأفعال عن لفظ بعض.
الدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ:
(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثَالِهَا)
وقوله: (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإنَهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَاباً)
معناه من يَتُبْ ومن يجئ بالحسنة يعط عشْر أمثالها.
* * *
وقوله: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)
معنى مراغم معنى مهاجرُ، المعنى يجد في الأرض مُهاجراً، لأن
المهاجر لقومه والمراغم بمنزلة واحدة، وإن اختلف اللفظان
وقال الشاعر:
إِلى بلد غير داني المحل. . . بعيد المراغَمِ وَالمُضْطَرَب
وقيل المراغَم ههنا المضطرب، وليس المراغم ههنا إِلا المضطرب في
حال هجرة، وإِن كان مشتقاً من الرغام، والرغام التُراب وتأويل قولك رَاغَمْتُ
стр. 556
فلاناً أي هجرته وَعَاديته، ولم أبالِ رَغْمَ أنفِهِ، أي وإِن لصق أنفه بالتراب.
والرغام والرغائم ما يسيل من الأنف، والأنف يوصف بالرغم فيضرب مثلاً لكل ذليل فيقال على رَغْم أنفه.
وقوله: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)
(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ)
هذه الهاءُ والميم يعودان على المؤْمنين. أي وإِذا كنت أيها النبي في
المؤمنين في غزواتهم وخوفهم.
(فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا).
أي فإذا سجدت الطائفة التي قامت معك.
(فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ).
جائز أن يكون - واللَّه أعلم - ولتأخذ الجماعة حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ.
ويجوز أن يكون الذين هم وُجَاه العَدُو يأْخذون أَسْلِحَتَهُمْ، لأن من في
الصلاة غير مقاتل، وجائز أن تكون الجماعة أمرت بحمل السلاح وإِن كان
بعضًها لا يقاتل لأنه أرهَب للعَدو وأحرى ألا يقدم علَى الحذِرين المتيقظين
المتاهبين للحربِ في كل حال.
وقد اختلف الناس في صلاة الخوف فزعم مالك بن أنس أن أحب ما
رُوي فيها إِليه أن النبي ﷺ قام يصلي وقامت خلفه طائفة من المؤْمنين وطائفة
وُجَاهَ العَدو، فصلى بالطائِفة التي خلفه ركعة وقام فأتمت الطائفة بركعة أخرى وسلَّمت، وهو ﷺ واقف، ثم انصرفت وقامت وجاه العدو، والنبى ﷺ واقف
стр. 557
في الصلاة، وأتت الطائفة التي كانت وُجاه العدو، فَصَلَّى بِهِمْ ركعة ثانية له، وهِي الأولى لهذه الطائفة الأخرى - وجلس النبي ﷺ وقاموا فصلوا ركعة ثانية وحدهم وهو ﷺ قاعد، وقعدوا في الثانية فسلم وسلمُوا بتسليمه، فصلت كل
طائفة منهم ركعتين، وصَلَّى النبي ﷺ ركعتين.
وقال مالك: هذا أحب ما روي في صلاة الخوف إِليَّ.
وأمَّا أَسلحة فجمع سلاح مثل حمار وأحمرة. وسلاح اسم لجملة ما
يدفع الناس به عن أنفسهم في الحروب مما يقاتل به خاصَّة، لا يقال للدواب
وما أشبهها سلاح.
فأمَّا (وَلْيَأْخُذُوا) فالقراءَة على سكون اللام -. . (وَلْيَأْخُذُوا)
و (وَلِيَأْخُذُوا) هو الأصل بالكسر إِلا أن الكسر استثقل فيحْذفُ استخفافاً.
وحكى الفراء أن لام الأمر قد فتحها بعض العرب في قولك ليجلِس.
فقالوا لنجْلِسْ ففتحوا، وهذا خطأ،. لا يجوز فتح لام الأمر لئلا تشبه لام
التوكيد.
وقد حكى بعض البصريين فتح لام الجر نحو قولك: المال لِزَيْدٍ.
تقول: المال لَزَيدٍ وهذه الحكاية في الشذوذ كالأولى، لأن الإِجماع والروايات
الصحيحة كسر لام الجر ولام الأمر، ولا يلتفت إِلى الشذوذ، خاصة إِذا لم
يروه النحويون القدَمَاءُ الذين هم أصل الرواية، وجميع من ذكرنا من الذين
روَوا هذا الشاذ عندنا صادقون في الرواية، إِلا أن الذي سمع منهم مخطئ.
وقوله: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ).
стр. 558
الجناح الِإثم، وتأويله من جنحت إذا عدَلْتُ عن المكان أي أخَذْتُ جانباً
عن القَصْد، فتأويل لا جناح عليكم أي لا تَعدلون عن الحق إن وضَعَتم
أسْلِحتكم.
(إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ).
و (أَذًى) مقصورة، تقول أذى يأذى أذًى، مثل فزِعَ يفزعُ فزَعاً.
وموضع (أن تضعوا) نصْبٌ. أي لا إثم عليكم في أن تضعوا، فلما سقطت " في " عمل ما قبل (أنْ) فيها، ويجوز أن يكون مَوْضعُها جرا بمعنى في.
* * *
وقوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)
يعني به صلاة الخوف هذه.
(فَاذْكرُوا الله قِيَاماً وَقُعُوداً).
أي أذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه، وكل ما يمكن أن يتقرب به منه.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ).
أي إِذا سكنت قلوبكم، ويقال اطمأن الشيء إذا سكن وطَامنْتُه وطَمأنته
إذا سكنته، وقد روي " اطبان " بالباء ولكن لا تقرأ بها لأن المصحف لا يخالف ألبتَّة.
وقوله: (فَأقِيمُوا الصَّلَاةَ).
أي فأتموا، لأنهم جُعِلَ لهم في الخوف قصرها، وأمروا في الأمن
بإتمامها.
وقوله: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)
أي مفروضاً مؤَقتاً فرضه:
стр. 559
وقوله: (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)
هذا خطاب للمؤمنين، والقوم ههنا الكفار الذين هم حربُ المؤمنين.
وتأويل: (لَا تَهِنُوا) في اللغة لا تضعفوا، يقال وَهَن الرجل يهِنُ إذَا ضعف
فهو وهِن. ومعنى (ابتغاءِ القوم): طلب القوم بالحرب.
وقوله: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ).
أي إن تكونوا توجَعُون فإنهم يجدون من الوجع بما يَنَالهم من الجراح
والتَعَبَ كما تجدون، وأنتم مع ذلك (تُرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يرجُونَ).
أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله به، وإظهار دينكم على سائر
أديانِ أهل الملل المخالفة لأهل الإسلام وترجُونَ مع ذلك الجنة، وهم - أعني
المشركينَ - لايرجون الجنة لأنهم كانوا غير مقرين بالبعث فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون.
قال بعض أهل التفسير: معنى " ترجون " ههنا تَخَافون، وأجمَعَ أهل اللغة
الموثوق بعلمهم: أن الرجاءَ ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف.
وقال بعضهم: الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إِلا مع الجحدِ.
قال الشاعر.
لا تُرْتَجى حِينَ تُلاقي الذَّائِدا. . . أَسَبْعةً لاقَتْ مَعاً أَمْ واحِداً
معناه لا تخاف.
وكذلك قوله : (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣).
أي لا تخافون للَّه عظمة ولا عظَةً.
وإِنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاءَ أمل قد يخاف ألَّا
يَتِمَّ.
стр. 560
وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)
أي بالحق الذي أعْلَمَكَهُ اللَّه .
وقوله: (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا):
أي لا تكن مخاصماً ولا دَافِعاً عن خَائِن.
ويروى أن رجلا من الأنصار كان يقال له أبو طُعْمة أو طِعْمة سرق درعاً
وجعله في غِرارَةِ دقيق، وكان فيها خَرْقٌ، فانتثر الدقيق من مكان سرقته إلى
منزله فظُنَّ به أنه سارق الدرع وحيص في أمره، فمضى بالدرع إلى رجل
من إليهود فَأودعها إياه ثم صار إلى قومه فأعلمه أنه لما اتهم بالدَرع اتبع أثرها
فعلم أنها عند إليهودِي، وأن إليهودي سارقها، فجاءَ قومه أي طُعْمة أو طِعْمة إلى النبي ﷺ فسألوه أن يَعْذِرَهُ عند الناس، وأعلموه أن إليهودي صاحب الدرع، وكان بعضهم قد علم أن أبَا طِعْمةَ قد رمَى إليهودي وهو بريءٌ من الدرع، فهَمَّ النبي ﷺ أن يَعْذِرَهُ، فأوحى اللَّه إليه وعرفه قصته أي طعمة
وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن يحكم
بما أنزل اللَّه في كتابه، فقال:
(وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)
يعني أبا طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق.
ويروى أن أبا طعمة هذا هرب إلى مكة وارتد عن الِإسلام، وأنه نقب حائطاً بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله.
* * *
وقوله: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)
(إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)
كل ما فُكِّرَ فِيه أوخِيض فيه بليل فقد بُيِّتَ.
стр. 561
يعني به هذا السارق، والذي بيَّتَ من القوم أن قال: أرمِي إليهودِي بأنه
سارق الدرع، وأحلِفُ أني لم أسرقها، فتقْبل يميني لأني على ديني، ولا تقبل
يمين إليهودي. فهذا ما بُيِّتَ من القول واللَّه أعلم.
* * *
وقوله: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)
يعني به من احتج عن هذا السارق.
(فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
أي في اليوم الذي يؤخذ فيه بالحقائق، وأمر الدُّنيا يَقوم بالشهادات في
الحقوق.
وجائز أن تكون الشهادة غير حقيقة، فكأنَّه - واللَّه أعلم - قيل لهم
إِن يقم الجدال في الدنيا والتغييب عن أمر هذا السارق، فيوم القيامة لا ينفع
فيه جدال ولا شهادة.
ومعنى قوله " هَا أَنْتُمْ " ها للتنبيه، وأعيدت في أولاءِ. والمعنى - واللَّه
اعلم - هَا أَنْتُمْ الذين جادلتم، لأن " هؤلاءِ " و " هذا " يكونان في الِإشارة
للمخاطبين بمنزلة الذين، نحو قول الشاعر:
وهذا تحملين طليق
أي والذي تحملينه طليق.
وأصل المجادلة والجدال في اللغة شدة المخاصمة، والجدْل شدة
القَتْل، ورَجُل مجدول، أي كأنَّه قد قُتِلَ، والأجدَل الصقر، يقال له أجدَل لأنه من أشد الطيور قوةً. .
وأعلم الله - جلَّ وعزَّ - أن التوبة مبذولة في كل ذنب دُونَ الشرك فقال جلَّ ثناؤه.
стр. 562
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)
أي يسأله المغفرة مع إِقلاع، لأنه إذا كان مقيماً على الإصرار فليس
بتائب.
* * *
وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)
ولا يؤخَذُ الإثم بالإثم.
وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبِ خَطِيئَة أو إِثماً ثمً يَرمِ به بَرِيئاً).
قيل (إثماً) لأن اللَّه قد سَمَّى بعضَ المعاصي خطايا، وسمى بَعْضَهَا آثاماً.
فأعلم الله جلَّ وعزَّ أن من كسب خطيئة، ويقع عليها اسم الإثم أو اسم
الخطيئة، ثم رَمَى به من لم يعلمه وهو منه بريء. .
(فقد احتَمَلَ بُهْتَاناً).
و" البهتان " الكذبُ الذي يُتحيرُ من عِظَمِه وبيانه، يقال قد بَهَتَ فلان فلاناً
إذا كذب عليه، وقد بُهِت الرجل يُبْهَتُ إذَا تحيَّر
قال اللَّه (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ).
ويجوز أن يكون - والله أعلم - (ومن يكسب خطيئة أو إثْماً)
أي من يقع عليه خَطَأ نحو قَتْلِ الخطإِ الذي يقع فيه القومْ وَلَا إثم فيه.
فيكونُ أن يرمي بذلك غيره فقد احتمل بهتاناً.
* * *
وقوله : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)
هذا خطاب للنبي ﷺ ، والطائِفة هُم طُعمَةُ هذا السارق، لأن بعضهم
стр. 563
قد كان وقف على أنه سارق، وسأل النبي ﷺ أن يَعذِرَهُ.
فالتأويل - واللَّه أعلم - لولا فضل اللَّه عليك ورحمتُه بما أوحَى إليك.
وأعلمك أمْرَ هذا السارق لهمَّت طائفة أن يضلوك، والمعنى في همَّت طائفة
منهم أنْ يُضِلوكَ. أي، فَبِفَضْلِ اللَّه ورحمته صرفَ اللَّه عنك أن تعمل ما
هَمَّت به الطائفة.
وقال بعضهم معنى " أنْ يُضِلوكَ " أن يُخَطِّئُوكَ في حُكْمِكَ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ).
أي لأنهم هم يعملون عمل الضالين.
واللَّه يعصم نبيه ﷺ من متابعتهم.
والِإضلال راجع عليهم وواقع بهم.
وقوله: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ).
أي مع عصمة اللَّه إياك، ونصره دينه دين الحق.
وقوله: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
أي بين في كتابِه ما فيه الحكمة التي لا يقع لك مَعها ضَلَال.
* * *
وقوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)
النجوي في الكلام ما تنفرِدُ به الجماعة أو الاثنان سِرا كان أو ظاهراً.
ومعنى نَجوْتُ الشيءَ في اللغة خَلَّصتُه وألقيتُه، يقال نجوت الجلْدَ إذا
ألقيتُه عن البعير وغيره.
قال الشاعر:
стр. 564
فقلت انْجُوَا عنها نَجا الجِلْدِ إِنه سَيُرْضِيكما منها سَنامٌ وغارِبُهْ
وقد نجوت فلاناً إذا استنكَهْتُه.
قال الشاعر:
نَجَوْتُ مُجالِداً فوَجَدْتُ منه. . . كريح الكلب ماتَ حَديثَ عَهْدِ
ونجوت الوَبَرَ واستنجيته إذا خلصتَه.
قال الشاعر:
فَتَبازَتْ فَتَبازَخْتُ لهَا. . . جِلْسةَ الأعسرِ يَسْتَنْجِي الوَتَرْ
وأصله كله من النجوة، وهُوَ ما ارتفع من الأرض
قال الشاعر:
فَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته. . . والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِرواحِ
стр. 565
ويقال: ما أنجى فلان شيئاً وما نجا شيئاً منذ أيام، أيْ لَم يَدْخُل
الغائِط.
والمعنى واللَّه أعلم: لا خير في كثير من نجواهم، أي مما يدبرونه
بينهم من الكلام.
(إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ).
فيجوز أن يكون موضع " مَنْ " خفضاً، المعنى إلا في نجوى من صدقة
أو معروف أو إصلاح بين الناس، ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - استثناءً ليس من الأول ويكون موضعها نصباً، ويكون على معنى لكن من أمر بصدقة أو معروف ففي نجواه خير. وأعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند اللَّه فقال:
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
ومعنى (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) طلب مرضاة اللَّه.
ونصب (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) لأنه مفعُول له.
المعنى ومن يَفْعَل ذلك لابتغاءِ مرضاة اللَّه، وهو راجع إلى
تأويل المصدر، كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاءَ مرضاة اللَّه، ثم عاد الأمر إلى ذكر طعمة هذا ومن أشبهه فقال:
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)
لأن طعمة هذا كان قد تبين لصه ما أوْحَى اللَّهُ إلى نبيه في أمرِه، وأظهر
مِنْ سَرِقَتِه في الآية ما فيه بَلَاغ، فعَادى النبي ﷺ وصار إلى مكة، وأقام مع المشركين.
следующие страницы →