← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يعني به هذا السارق، والذي بيَّتَ من القوم أن قال: أرمِي إليهودِي بأنه سارق الدرع، وأحلِفُ أني لم أسرقها، فتقْبل يميني لأني على ديني، ولا تقبل يمين إليهودي. فهذا ما بُيِّتَ من القول واللَّه أعلم. * * * وقوله: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) يعني به من احتج عن هذا السارق. (فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). أي في اليوم الذي يؤخذ فيه بالحقائق، وأمر الدُّنيا يَقوم بالشهادات في الحقوق. وجائز أن تكون الشهادة غير حقيقة، فكأنَّه - واللَّه أعلم - قيل لهم إِن يقم الجدال في الدنيا والتغييب عن أمر هذا السارق، فيوم القيامة لا ينفع فيه جدال ولا شهادة. ومعنى قوله " هَا أَنْتُمْ " ها للتنبيه، وأعيدت في أولاءِ. والمعنى - واللَّه اعلم - هَا أَنْتُمْ الذين جادلتم، لأن " هؤلاءِ " و " هذا " يكونان في الِإشارة للمخاطبين بمنزلة الذين، نحو قول الشاعر: وهذا تحملين طليق أي والذي تحملينه طليق. وأصل المجادلة والجدال في اللغة شدة المخاصمة، والجدْل شدة القَتْل، ورَجُل مجدول، أي كأنَّه قد قُتِلَ، والأجدَل الصقر، يقال له أجدَل لأنه من أشد الطيور قوةً. . وأعلم الله - جلَّ وعزَّ - أن التوبة مبذولة في كل ذنب دُونَ الشرك فقال جلَّ ثناؤه.

стр. 562

(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) أي يسأله المغفرة مع إِقلاع، لأنه إذا كان مقيماً على الإصرار فليس بتائب. * * * وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) ولا يؤخَذُ الإثم بالإثم. وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبِ خَطِيئَة أو إِثماً ثمً يَرمِ به بَرِيئاً). قيل (إثماً) لأن اللَّه قد سَمَّى بعضَ المعاصي خطايا، وسمى بَعْضَهَا آثاماً. فأعلم الله جلَّ وعزَّ أن من كسب خطيئة، ويقع عليها اسم الإثم أو اسم الخطيئة، ثم رَمَى به من لم يعلمه وهو منه بريء. . (فقد احتَمَلَ بُهْتَاناً). و" البهتان " الكذبُ الذي يُتحيرُ من عِظَمِه وبيانه، يقال قد بَهَتَ فلان فلاناً إذا كذب عليه، وقد بُهِت الرجل يُبْهَتُ إذَا تحيَّر قال اللَّه (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ). ويجوز أن يكون - والله أعلم - (ومن يكسب خطيئة أو إثْماً) أي من يقع عليه خَطَأ نحو قَتْلِ الخطإِ الذي يقع فيه القومْ وَلَا إثم فيه. فيكونُ أن يرمي بذلك غيره فقد احتمل بهتاناً. * * * وقوله : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣) هذا خطاب للنبي ﷺ ، والطائِفة هُم طُعمَةُ هذا السارق، لأن بعضهم

стр. 563

قد كان وقف على أنه سارق، وسأل النبي ﷺ أن يَعذِرَهُ. فالتأويل - واللَّه أعلم - لولا فضل اللَّه عليك ورحمتُه بما أوحَى إليك. وأعلمك أمْرَ هذا السارق لهمَّت طائفة أن يضلوك، والمعنى في همَّت طائفة منهم أنْ يُضِلوكَ. أي، فَبِفَضْلِ اللَّه ورحمته صرفَ اللَّه عنك أن تعمل ما هَمَّت به الطائفة. وقال بعضهم معنى " أنْ يُضِلوكَ " أن يُخَطِّئُوكَ في حُكْمِكَ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ). أي لأنهم هم يعملون عمل الضالين. واللَّه يعصم نبيه ﷺ من متابعتهم. والِإضلال راجع عليهم وواقع بهم. وقوله: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ). أي مع عصمة اللَّه إياك، ونصره دينه دين الحق. وقوله: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). أي بين في كتابِه ما فيه الحكمة التي لا يقع لك مَعها ضَلَال. * * * وقوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) النجوي في الكلام ما تنفرِدُ به الجماعة أو الاثنان سِرا كان أو ظاهراً. ومعنى نَجوْتُ الشيءَ في اللغة خَلَّصتُه وألقيتُه، يقال نجوت الجلْدَ إذا ألقيتُه عن البعير وغيره. قال الشاعر:

стр. 564

فقلت انْجُوَا عنها نَجا الجِلْدِ إِنه سَيُرْضِيكما منها سَنامٌ وغارِبُهْ وقد نجوت فلاناً إذا استنكَهْتُه. قال الشاعر: نَجَوْتُ مُجالِداً فوَجَدْتُ منه. . . كريح الكلب ماتَ حَديثَ عَهْدِ ونجوت الوَبَرَ واستنجيته إذا خلصتَه. قال الشاعر: فَتَبازَتْ فَتَبازَخْتُ لهَا. . . جِلْسةَ الأعسرِ يَسْتَنْجِي الوَتَرْ وأصله كله من النجوة، وهُوَ ما ارتفع من الأرض قال الشاعر: فَمَنْ بِنَجْوَتِه كمَنْ بِعَقْوته. . . والمُستَكِنُّ كمَنْ يَمْشِي بقِرواحِ

стр. 565

ويقال: ما أنجى فلان شيئاً وما نجا شيئاً منذ أيام، أيْ لَم يَدْخُل الغائِط. والمعنى واللَّه أعلم: لا خير في كثير من نجواهم، أي مما يدبرونه بينهم من الكلام. (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ). فيجوز أن يكون موضع " مَنْ " خفضاً، المعنى إلا في نجوى من صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - استثناءً ليس من الأول ويكون موضعها نصباً، ويكون على معنى لكن من أمر بصدقة أو معروف ففي نجواه خير. وأعلم الله أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند اللَّه فقال: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). ومعنى (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) طلب مرضاة اللَّه. ونصب (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) لأنه مفعُول له. المعنى ومن يَفْعَل ذلك لابتغاءِ مرضاة اللَّه، وهو راجع إلى تأويل المصدر، كأنه قال: ومن يبتغ ابتغاءَ مرضاة اللَّه، ثم عاد الأمر إلى ذكر طعمة هذا ومن أشبهه فقال: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) لأن طعمة هذا كان قد تبين لصه ما أوْحَى اللَّهُ إلى نبيه في أمرِه، وأظهر مِنْ سَرِقَتِه في الآية ما فيه بَلَاغ، فعَادى النبي ﷺ وصار إلى مكة، وأقام مع المشركين.

стр. 566

ومعنى (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) نَدَعة ومَا اختار لنفسه في الدنيا لأن اللَّه جلَّ وعزَّ وعد بالعذاب في الآخرة، وأعلم تعالى أنه لا يغفر الشرك، وذكر قبل هذه الآية: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠). وأعلم بعدها أن الشرك لا يجوز أن يغفره ما أَقام المشرك عليه، فإن قال قائل فإنما قال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) فإن سُمِّيَ رجل كافراً ولم يشرك مع اللَّه غيره فهو خارج عن قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)؟ فالجواب في هذا أن كل كافر مشرك باللَّه لأن الكافر إِذا كفر بنبِي فقد زعم أن الآيات التي أتى بها ليست من عند اللَّه، فيجعل ما لا يكون إلا للهِ لغير اللَّهِ فيصير مشركاً. فكل كافِرٍ مشرك. فالمعنى أن الله لا يغفر كُفْرَ من كفَر بِه وبنَبيٍّ من أنبيائِه لأن كفره بنبيه كفر به. (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا). لأن جعلَه مع اللَّه غيرَه من أبعد الضلال والعَمَى، وهذا أكثرُ ما جَرَى ههنا من أجل الذين عَبَدوا الأصنَام. والدليل على ذلك قوله بعقب هذا: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) فَأمَّا (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ). ففيها أوجه، يجوز فيها نولهي - بإِثبات الياء، ويجوز نُوَلهو بإِثبات الواو: ويجوز " نولهِ " بكسر الهاءِ، فأما " نولَهْ " - بإِسكان الهاءِ و " نَصْلِه جهنم "، فلا يجوز إسكان الهاءِ لأن الهاءَ حقها أن يكون معها - ياءٌ، وأما حذف الياءِ فضعيف فيها، ولا يجوز حذف الياءِ ولا تُبَقى الكسرة التي تدل عليها.

стр. 567

وقوله: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) إِنْ يدعُونَ تقرأ إلا أُنُثاً، وإلا أُثُنَا - بتقديم الثاءِ، وتأخيرها. فمن قال أناث فهو جمع أنثى وإِناث، ومن قال أُنُث فهو جمع إِنَاث، لأن إِناثاً على وزن مِثال، وإنَاث وأُنث مِثْل مِثَال ومُثُل. ومن قال أُثُنا فإِنه جمع وثَن. والأصل وُثُن، إِلا أنَّ الواو إِذا انْضَمَّتَ يجوز إِبدالها همزة، كقوله تعالى: (وإِذَا الرُّسلُ أُقَتَتْ) الأصل وُقِّتَتْ، ومثال وُثُن في الجمع مثل سُقُف. وجائز - أن يكون اثْن مثل أسد وأسد، وجائز أن يكون اثُن أصلها اثْن، فاتبعت الضمَّةُ الضَمَّةَ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا). يعني به إبليس لأنهم إِذا أطاعوه فيما سَوَّلَ لهم فقد عَبدُوه، وَيدعُونَ في معنى يعبدُونَ، لأنهم إِذَا دَعوْا اللَّهَ مخلصين فقد عبدوه. وكذلك قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) أي اعبدُونِي. والدليل على ذلك قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يستَكْبِرُونَ عنْ عِبادتِي). ومعنى (مَرِيدًا) أي خارج عن الطاعة مُتَمَلِصٌ مِنْهَا، ويُقَال " شجرة مَرْدَاءُ. إِذا تناثر ورقُها، ومن ذلك يسمى من لم تنبت له لحية أمردُ أي أملس موضعِ اللحية، وقد مرَدَ الرجل يمردُ مُروداً إِذا عتا وخرج عن الطاعة. * * * (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) قيل في مفروض إِن معناه مؤقت، وجاءَ في بعض التفسير من كل ألف واحد للَّهِ وسائرهم لإبليس.

стр. 568

ومعنى مفروض - واللَّه أعلم - أي أفترضه على نفسي وأصل الفرض في اللغة القطعُ، والفُرْضَة الثلْمة تكون في النهر، يقال سقاها بالفِرَاضِ وبالفُرَضِ، والفرْض الحز الذي يكون في المسواك يشد فيه الخيط، والفَرْض فِي القَوسِ الحز الذي يشدُّ فيه الوتر، والفَريضَةُ في سائر ما افْتُرِضَ ما أمر الله به العباد فجَعَلهُ أمراً حَتْماً عليهم قاطعاً، وكذلك قوله: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي جعلتم لهُنَّ قطعة من المالِ وقد فرضت الرجُلَ جعلتُ له قطعة من مال الفيءِ. فأما قول الشاعر: إِذا أكلتُ سمكاً وفَرْضا. . . ذهبت طولًا وذهبت عرضا فالفَرضُ ههنا التمر، وإنما سُمي التمر فَرضاً لأنه يؤخذ في فِرَاضِ الصدقة. * * * وقوله: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ). أي أجمع لهم مع الإضْلَال أن أوهِمهم أنهم ينالون من الآخرة حظاً. كَمَا قال: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَيطَانُ أعمَالَهمْ). (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ). كانه - واللَّه أعلم - ولآمُرنَهم بِتَبْتِيكِ آذان الأنعام فليبتكُنَ، أي يشقِقُن، يقال بتكْتُ الشيءَ أبْتِكه بَتْكاً إِذا قطعته، وبِتْكَة وبِتَكُ، مثل قطعة وقطع، وهذا في البَحِيرةِ، كانت الجاهلية إِذا ولدت الناقة خمسة أبطن فكان الخامس ذكَراً شقوا أذن الناقة وأمتنعوا من الانتفاع بها ولم تطرد عن ماءٍ

стр. 569

ولا مرْعًى، وإِذا لقيها المعْي لم يركبها. فهذا تأويل (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ). سَوَّلَ لهم إِبليس أن في تركها لا ينتفع بها قربة إِلى الله. (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ). قيل إِن معناه أن الله خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أَنفسَهِم، وخلق الشمس والقمر والأرض والحجارة سخْرة للناس ينْتَفعون بها فعبدهَا المشرِكون، فغيروا خلق اللَّه، أي دِينَ اللَّه، لأن الله فطر الخلق على الِإسلام، خلقهم من بطن آدَمَ كالذر، وأشهدَهُمْ أنه ربهم فآمنوا، فمن كفر فقد غير فِطْرَة الله التي فَطَرَ الناسَ عليها. فأمَّا قوله: (لاَ تَبديلَ لِخَلق الله)، فإنَّ معناهُ ما خلقه الله هو الصحيح، لا يقْدِر أحد أن يُبَدل معنى صحة الدين. وقال بعضهم: (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) هو الخصاءُ لأن الذي يخصي الفحل قد غير خلق اللَّه. ومعنى (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا). أي ما يعبدون إِلا ما قد سموه باسم الِإناثِ، يعني به المشركون، سَمُّوا الأصنام اللات والعزى ومناة، وما أشبهه، وقيل إِن مَعْنى قوله: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) أى مَوَاتا، والموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث، تقول من ذلك: هذه الأحجار تعجبني، ولا تقول يعجبونني، وكذلك الدراهم تنفعني. وقوله: (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) (وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا).

стр. 570

أي لا يجدون عنها مَعْدِلًا ولا مَلْجأ. يقال حِصْتُ عَن الرجُل أحِيصُ، وروَوْا جِضْتُ عنه أجيضُ بالجيم والضاد المعجمة، بمعنى حِصْتُ، ولا يجوز ذلك في القرآن، وإِن كان المعنى واحداً والخط غير مخالف، لأن القرآن سنة لا تخالف فيه الرواية عن النبي ﷺ وأصحابه والسلف وقراءِ الأمصار بما يجوز في النحو واللُغَة، وما فيه أفْصَحُ ممَّا يَجُوزُ. فالاتباع فيه أولى. يقال حُصْتُ أحُوصُ حوْصاً وحياصاً، إِذا خِطْتُ، قال الأصمَعي: يقال حُصْ عين صَقْرك أي خِطْ عينه، والْحَوصُ في العَيْن ضيقُ مُؤَخرها. والخَوصُ بالخاءِ - مُعْجمة - غُؤورُهَا. * * * وقوله: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) اسم ليس مضمر، المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أمانِي أهل الكتاب، وقد جرى ما يدل على إِضمار الثواب، وهو قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا). أي إِنما يدخل الجنة من آمن وَعَمَل صَالحاً. ليس كما يتمنى أهل الكتاب، لأنهم كانوا يزعمون أنهم أبناءُ الله وأحباؤه. وقالوا: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، فأعلمَ اللَّهُ أن دخول الجنة وثواب الله على الحسنات والسيئات ليس بالأماني ولكنه بالأعمال. ثم ذكر بعض ذلك فقال :

стр. 571

(مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ). أي لا ينفعه تمنيه. (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) فأعلم الله أن عامل السوءِ لا ينفعه تمنيه، ولا يتولاه فتَوَل ولا ينصره نَاصِرٌ. وقد احتج قومٌ من أصحاب الوعيد بقوله: (وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا). فزعموا أن هذا يدل على أن من عَمِلَ السوءَ جُزِيَ به. وقد أعلم اللَّه أنَّه يَغْفِر ما دُونَ الشركِ لمن يشاء، فعامِل السوءِ - ما لم يكن كافِراً - مرجو له العَفوُ والرحمة، والنبي ﷺ شافِعٌ لأمته يشفع فيهم. ومعنى: (وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا). النقير النقطه في ظهر النواة، وهي مَنْبتِ النخلة، والمعنى: ولا يظلمون مقدار ذلك. * * * (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وقوله: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا). الخليل المحب الذي ليس في محبته خَلَل فجائز أن يكون إِبراهيم سمى خليلَ الله بأنَّه الذِي أحبه الله واصطفاه محبةً تامَّةً كامِلةً. وقيل أيضاً الخليل الفقير، فجائز أن يكون فقير اللَّه، أي الذي لم يَجْعَلْ فقره وفاقته إِلا إِلى الله مخلصاً في ذلك، قال الله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ). ومثل أن إِبراهيم الخليل الفقير إِلى اللَّه قول زهير يمدح هرم بن سنان

стр. 572

وإن أتاه خليل يوم مسغبةِ. . . يقولً لا غائب مالي ولا حَرمُ وجاءَ في التفسير أن إبراهيم كان يضيفُ الضَيفان ويطعِم المساكينَ الطعامَ، وأصاب الناسَ جَدْبٌ فبعث إِلى خليل له كان بمصر يمْتارُ منه. فقال ذلك الخليل لنفسه: لو كان إبراهيم إنما يريد المِيرَةَ لنفسه لوجهَت إِليه بها، ولكنه يريدها للناس فرجع غلمان إِبراهيم بغير ميرة، فاجتازوا ببطحاءَ لَيِّنَةٍ فأخذوا من رَمْل كان فيها وجعلوه في أوعِيتهمْ استحياءً من الناس أن يرجِعوا بغير شيءٍ، فلما رآهم ﵇، سألهم عن الخبر فأعلموه، فحملته عينه فنام مهموماً، وانتبهت امرأته وقد بصرت بالأوعية مملوءَة، فأمرت بأن يخرج منها ويخبز فأخرج منها طعام في غاية الحسْن فاختُبِزَ، وانتبه إبراهيم وشئمَّ رائحة الطعام، فقال: مِن أين هذا؟ فقالت امراته من عد خليلك المصري. فقال إبراهيم هذا من عند خليلي اللَّه . فهذا ما روي في التفسير وهو من آيات الأنبياءً ﵈ غير منكر. والذي فسرنا من الاشتقاق لا يخالف هذا. والخلة الصداقة، والخلة الحاجة. فأمَّا معنى الحاجةِ فإِنه الاختلال الذي يلحق الِإنسان فيما يحتاج إِليه. وأمَّا الخلة الصداقة فمعناها إنَّه يسُد كل محب خَلَلَ صاحبه في المودة وفي الحاجة إليه، والخلل كل فرجة تقع في شيء، والخِلَال الذي يتخلل به. وإنما سمي خلالاً لأنه، يتبع به الخلل بين الأسْنانِ. وقول الشاعر:

стр. 573

ونظرن من خَلَلِ الستور بأعينٍ. . . مرضَى مخالِطها السِّقام صحاح فإن معناه نظرن من الفرجُ التي تقع في الستور. وقوله القائل: " لك خلَّةُ مِن خِلَال " تأويله أني أُخلَى لك من رأيي أو مما عندي عن خلة من خِلَال. وتأويل أَخلِّي إِنما هو أخلل، وجائز أن يكون أخلي منْ الخلوةِ، والخلوةُ والخلل يرجعان إِلى معنى، والخِل الطريق في الرملِ معناه أنه انفرجتْ فِيه فرجة فصارت طريقاً. والخَل الذي يؤكل إنما سمي خلًّا لأنه اختلَّ منه طعم الحلاوةِ. * * * وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) أي إِن إبراهيم الذي اتخذه اللَّه خليلاً هو عبد اللَّه، وهو له وكل ما في السَّمَاوَات والأرض. * * * وقوله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) موضع " ما " رفع. المعنى اللَّه يفتيكم فيهن، وما يتلى عليكم في الكتاب. أيضاً يفتيكم فِيهِن. ويجوز أن يكون " ما " في موضع جر، وهو بعيد جدا، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر، فلذلك اختير الرفع، ولأن معنى الرفع أيضاً أبيَنُ، لأن ما يتلى فِي الكتاب هو الذي بين ما سألوا. فالمعنى: (قل الله يفتيكم فيهن)، وكتابه يفتيكم فيهن. وقوله: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ).

стр. 574

المعنى وترغبون عن أن تنكحوهنَّ. وقوله: (والمسْتضْعَفِينَ مِنَ الولْدَانِ). يعني اليتامى، وموضع " المستضغفين " جر، عطف على قوله: (وما يتلى عليكم فِي الكِتابِ فِي يَتَامَى النَساءِ) المعنى وفي المستضعفين من الولدان والذي يفتِيهم من القرآن قوله : (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) والذي تُلِيَ عليهم في التزويج هو قوله: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ). فالمعنى قل الله يفتيكم فيهنَّ، وهذه الأشْياءُ التي في الكتاب يُفْتيكُم فيهن. وقوله: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) " أن " في موضع جر: المعنى وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط. * * * وقوله: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) النشوز من بعْلِ المرأة أن يسيء عشرتها وأن يمنعها نفسه ونَفَقَتَه واللَّه قال في النساءِ: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقال: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، وقال: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا). فَشدد

стр. 575

الله في العدل في أمر النساء فلَوْ لَمْ يعْلَم أن رضَا المرأةِ مِنْ زوجِهَا بالإقامة على منعها - في كئير من الأوقاتِ - نفَسَه ومَنعِها بعض ما يَحْتَاج إليه لما جاز الإمساك إلا على غاية العدل والمعروف، فجعل الله الصلحَ جائزاً بين الرجلِ وامرأتِهِ إِذا رضِيت منه بإِيثار غيرها عليه. فقال: " لا إثم عليهما في أن يتصالحا بينهما صلحاً. والصلح خير من الفرقة ". وقوله: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ). وهو أن المرأة تشح على مكانها من زوجها، والرجل يشح على المرة بنفسه إن كان غيرها أحب إليه منها. وقوله: (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا). أي إن تحسنوا إليهن، وتحملوا عشرتهن. (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا). أي يخْبُرُ ذلك فيجازيكم عليه. فإِن قال قائل إنما قِيلَ: (وإِن امرأة خافت)، ولم يُقَلْ وإِنْ نَشَزَ رجُلٌ على المرأة لأن الخائف للشيء ليس بمتيقنٍ له؟ فالجواب في هذا إِنْ خَافَتْ الإقامةَ منهُ على النشُوزِ والإعراضِ، وليس أن تخاف الإقامة إِلا وقد بدا منه شيء، فأما التفرقة بين (إن) الجزاء والفعل الماضي فجيد. ولكن " إن " وقعت التفرقة بين " إِنْ " والفعلِ المستقبلِ فذلك قبيح. إن قلتَ: إن امرأة تخاف - فهو قبيح، لأن " إِنْ " لا يفصل بينها وبين ما يُجْزَمُ، وذلك في الشعر جائز في (إنْ) وغيرها. قال عدي بن زيد.

стр. 576

فمَتى واغِلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّوهُ. . . وتُعْطَفْ عليه كأْسُ الساقي فأما الماضي فـ "إِنْ " غير عَامِلةٍ في لفظه، و " إنْ " أُمُّ حُرُوفِ الجَزْم. فجاز أن تفرق بينها وبينَ الفِعْل، وامراة ارتفعت بفعل مضمرٍ يدل عليه ما بعد الاسم، المعنى إنْ خافَت امْرأة خَافَتْ فأمَّا غير " إِن " فالفصل يقبح فيه مع الماضي والمستقبل جميعاً، لو قلت: " متى زيد جاءَني أكرمته ". كان قبيحاً. ولو قلت إن اللَّهُ أمكنني فعلتُ كان حسناً جميلاً. * * * وقوله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) كان مشركو العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مُقِرينْ بأن اللَّهَ خالقهم. فكان تقربُهم إلى الله إنما هو ليُعْطِيهُمْ من خير الدنيا، ويَصرِفَ عنهم شَرها، فأعلم الله أن خير الدنيا والآخرة عنده. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) القسط والِإقساطُ العدل، يقال أقسط الرجل يُقسِط إقساطاً إِذا عدل وأتى بالقسطِ، ويقال قسط الرجل قُسُوطاً إِذا جَارَ. قال الله جلَّ وعزَّ: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). أي اعدلوا إن الله يُحب العَادِلينَ. وقال جلَّ وعزَّْ: (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا). أي الجائرون، يقال قسط البعيرُ قسْطاً إِذَا يَبِسَتْ يدُه، ويدٌ قَسْطاءُ أي يابسة، فكأن أقسط أقام الشيءَ على حقيقةِ التعديل، وكأنَّ قَسَطَ بمعنى جارَ معناه يَبَّسَ الشيءَ، وأفْسَدَ جِهتَهُ المستقيمةَ. وقوله: (وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)

стр. 577

المعنى قوموا بالعدل وأشهدوا للَّهِ بالحق، وإن كان الحق على نفس الشاهد أو على والديه وأقْر بِيه. (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا). أي إِن يكن المشهود له فقيراً فاللَّه أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه غنياً فاللَّه أولى به، فالتأويل أقيموا الشهادةَ لِلهِ على أنْفسِكمْ وأقاربكم، ولا تميلوا في الشهادة رحمةً للفقير، ولا تَحِيفوا لاحتَفَالِ غِنَى عَنِيٍّ عِندَكم. وقوله: (فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا). أي لا تتبعوا الهوى فتعدلوا. (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا). قرأ عاصِم وأبو عمرو بن العلاءَ وأهلُ المدينَة " تَلْووا " بواوين، وقرأ يَحيى ابنُ وثاب والأعمش وحمزة بواو واحدة " تَلوا "، والأشبه على ما جاءَ في التفسير ومَذْهَبِ أهل المدينة وأبي عمروٍ، لأنه جاءَ في التفسير أن " لَوَى الحاكِم في قضيتِه " أعرَضَ. (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا). يقال لويت فلاناً حقه إِذا دَفَعته به ومطَلْته، ويجوز أن يكون " وأن تَلُو " أصله تَلْوُوا فأبدلوا من الواو المضمومة - همزة فصارت تلووا - بإسكان اللام - ثم طرِحَت الهمزَة وطرِحَتْ حَركتها على اللام فصار تفما كما قيل في أدورٍ اذوَّرٍ ثم طرحت الهمزة فصَارَتْ آدر. ويجوز أن يكونَ وإِنْ تَلُوا من الولاية، وتُعْرِضُوا أي إِن قمتم بالأمر أو أعرضتم عنه، فإِنَ اللَّهَ كان بمَا تَعملون خَبيراً.

стр. 578

وقوله: (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ). قيل كالمحبوسة لا أيِّماً ولا ذات بَعل. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦) قيل فيه قولان: - يا أيها الذين آمنوا أقيموا على الايمان باللَّهِ كما قال (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، أي وَعَدَ مَنْ أقام على الِإيمان من أصحاب النبي ﷺ الذين ذكروا في هذه القصة مغفرة وأجراً عظيماً. وقيل يُعْنَى بهذ! المنافقون الذين أظهروا التصديق وأسروا التكذيب. فقيل: يا أيها الذين أظْهَرُوا الإيمان آمِنُوا باللَّه ورسوله أي أبطنوا مثل ما أظهرتم. والتأويل الأول أشبه واللَّه أعلم. * * * وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) قيل فيه غير قول: قال بعضهم يُعْنَى به إليهودُ لأنَّهم آمنوا بموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بعزيرٍ ثم كفروا بعِيسَى، ثم ازدَادُوا كفْرأ بكفرهم بمحمد ﷺ . وقيل جائز أنْ يكون محاربٌ آمن ثم كَفَر ثم آمَن ثم كَفَر. وقيل جائز أن يكون منافِقٌ أظهر الِإيمان وأبطن الكفرَ ثم آمن بعد ثم كفر وازداد كفراً بإقامته على الكفر.

стр. 579

فإن قال قائل: اللَّه جلَّ وعزَّ لا يغفر كُفْر مرةٍ واحدةٍ فلم قيل ههنا فيمن آمن ثُمَّ كفر ثُمَّ آمن ثُمَّ كفر: (لم يكن اللَّه ليغفر لهم) وما الفائدة في هذا؟ فالجواب في هذا - واللَّه أعلم - أن اللَّه يغفر للكافر إِذا آمن بعد كفره، فإن كفر بعد إيمانه لم يغفر اللَّه له الكفر الأول، لأن اللَّه جلَّ وعزَّْ يقبل التوبة، فإِذا كفر بعد إيمان قبله كفْر فهو مطالب بجميع كفره. ولا يجوز أن يكون إذا آمن بعد ذلك لا يغفر له، لأن اللَّه جل ثناؤُه يغفر لكل مؤمن بعد كفره. والدليل على ذلك قوله جلَّ وعزَّ: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ). وهذا في القرآن كثير، وهو شبيه بالِإجماع أيضاً. ومعنى: (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) أي لا يجعلهم بكفرهم مهتدين بل يضلهم، لأنه جلَّ وعزَّ يضل الفاسقين. * * * وقوله - جلَّ وعزَّ: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) معنى (أليم) موجع. قال " بشر " أي اجعل في مكان بشارتهم " لَهُمْ العَذَابُ " العرب تقول تَحيتكَ الضرْبُ، وعتابك السيف أي لك - بدلًأ من التحية. . . هذا. قال الشاعر: وخيل قد دَلَفْتُ لها بِخيل. . . تحية بينِهم ضربٌ وجيع * * * وقوله جلَّ وعزَّ (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) أي أيبْتَغِي المنافقون عند الكافرين العزة. والعزة المَنْعَة وشدة الغَلَبَةَ وهو مأخوذ من قولهم أرضٌ عَزاز.

стр. 580

قال الأصْمَعى: العَزَاز: النفَلُ مِنَ الأرضِ والصُّلب الحجارة، الذي يسرع منه جريُ الماءِ والسيل هذا لفظ الأصْمعي. فتأويل العزة الغَلَبَةُ والشَدة التي لا يتعلق بها إِذلال. قالت الخنساءَ: كأن لم يكونوا حمىً يُتَقَى. . . إِذ الناسُ إِذ ذاك من عزٍّ بزَّا أي من قوى وغلب سلب. ويقال: قد استعِز على المريض إذا اشتد وجَعَه، وكذلك قول الناس: يَعِزُّ علي أن تَفْعل، أي يشتد، فأما قولهم قد عَزَّ الشيء إِذا لم يوجد فتأويله قد اشتد وجوده أي صعب أن يُوجَدَ، والمآب، واحدٌ. وقوله: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) أعلَمَ الله المؤْمنين أن المنافقين يَهْزأونَ بكتاب اللَّه، فأمروا ألا يقعدوا مَعَهمْ حَتَّى يخوضوا في حديث غيره أي في حديت غير القرآن. وقوله: (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ). أي إِنكم إِذا جالستموهم على الخوض في كتاب اللَّه بالهزؤ فأنتم مِثْلُهُمْ.

стр. 581

وقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا يقوله المنافقون إِذا كان للكافرين نصيبٌ قالوا: ألم نستحوِذ عليكم، أي ألم نغلب عليكم بالموالاة لكم، ونمنعكم من المؤْمنين بما كنا نعلمكم مِن أخْبَارِهم. ونَسْتَحوِذ في اللغة: نستولي على الشيءِ، يقال حاذ الحمار آتنَه إِذا استولى عليها وجَمعَها، وكذلك حازها. قال الشَاعر. يحُوذهنَ وله حُوذِيُّ ورَووه أيضاً: يحوزهن وله حُوزيُّ قال النحويون: اسْتَحْوَذَ خرج على أصْله، فمن قال حَاذَ يحوذُ لم يقل إِلا استحاذ يستحيذ، ومن قال أحوَذَ فهو كما قال بعضهم أجْودتَ وأطيَبْت بمعنى أجدْتَ وأطبْتَ، فأخرجه على الأصْل قال: اسْتَحْوَذَ. وقوله: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا). أي إِن اللَّه ناصِرُ المؤمنين بالحجة والغلبة، فلن يجعل للكافرين أبداً على المؤْمنين سَبِيلًا. * * * وقوله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) أي يخادعون النبي ﷺ بإظهارهم له الِإيمان وإِبطانِهم الكفْرِ، فجعل

стр. 582

الله مخادعة النبي ﷺ مخادعة له. كما قال : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ). ومعنى قوله: (وهو خَادِعُهُمْ). فيه غير قول: قال بَعْضهُمْ: مُخادعةُ اللَّه إياهم جزاؤُهم على المخادعة بالعذاب، وكذلك قوله: (ويمكُرونَ ويمْكُرُ اللَّهُ). وقيل وهو خادِعُهُم بأمره بالقبول منهم ما أظهروا، فاللَّه خادعهُمْ بذلك. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) أي لا تجعلوهم بِطَانتَكُمْ وخَاصَّتَكُمْ. (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا). أي حجة ظاهرة، والسلطان في اللغة الحجة، وإِنما قيل للخليفة والأمير سلطان لأن معناه أنه ذو الحجة. والعربُ تُؤَنَث السلطان وتذكره، فتقول: قَضَتْ عليك بهذا السلْطَان، وأمَرَتْكَ به السلطانُ. وزعم قوم من الرواة أن التأنيث فيه أكثر، ولم يُخْتلَفْ في التذكير. وأحسب الذين (رَووْا) لم يَضْبطُوا مَعْنَى الكثرة من القلة. والتذكير (فيه) أكثر، فأمَّا القرآن فلم يأت فيه ذكر السلطان إلا مذكراً، قال الله : (لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ)

стр. 583

وقال: هَلَكَ عَني سُلْطَانِيَهْ)، وقال: (سُلْطَاناً مُبِيناً). فجميع ما في القرآن من ذكر السلطان مذكر، ولو كان التأنيث أكثر لكان في كتاب الله جلَّ وعزَّ. فإن قال قائل إنما رَووْا أن السلطان بين الناس هو المونث قيل إِنما السلطان معناه ذو السلطان. والسلطان الحجة. والاحتجاج والحجة معناهما واحد. فأما التأنيث فصحيح، إِلا أنه أقل من التذكير، فمن قال: قضت به عليك السلطان أراد قضت عليكَ به الحجة، وقضت عليك حجة الوالي، ومن قال قضى به عليك السلطانُ ذهب إلى معنى صاحبُ السلطانِ. وجائز أن يكون ذهب به إِلى البرهَانِ والاحتجاجِ، أي قضى به عليك البرهان. * * * وقوله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) قال أبو عبيدة معمر بن المثَنى: جهنم أدْرَاك، أَي مَنازِل، فكل منزلة منها دَرَك. والقراءَة: الدرَك بفتح الراءَ. والدَّرْكُ بتسكين الراءَ، فأما أهل المدينة وأهل البصرة فيقرأونها. . (الدرَك) بفتح الراءَ وأما أهل الكوفة والأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب، فيقرأون (الدرْك). وقد اختلف فيها عن عاصم، فرواها بعضهم عنه الدرَك ورواها بعضهم الدرْك - بالحركة والسكون جمِيعاً - واللغتان حكاهما جميعاً أهل اللغة، إلا أن الاختيار فتح الراءَ، لِإجماع المَدَنيين والبصرِيين عليها وأن أحداً من المحدثين ما رواها إِلا الدرَك بفتح الراءَ. فلذلك اخترنا الدرَك. * * * وقوله : (وَلَنْ تَجِدَ لَهمْ نَصِيرًا). أي لا يمنعهم مانع من عذاب الله ولا يشْفَعُ لهم شافع.

стр. 584

وقوله َ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) الخط حذفت منه الياءُ في هذا الموضع، وزعم النحويون أن الياء حذفت من الخط كما حذفت في اللفظ، لأن الياء سقطت من اللفظ لسكونها وسكون اللام في " اللَّه " وكذلك قوله: (يَومَ يُنَادِ المُنَادِ) الياء من يناد حذفت في الخط لهذه العلة، وكذلك (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) و (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ) فالواوات حذفت ههنا لالتقاءِ السَّاكنين، فأما قول الله : - (ذلك مَا كُنَّا نَبغِ)، فهو كقوله (يُنَادِ المُنَا). و (يدع الداع)، فهذه الياءاتُ من نحو (نَبْغِ) حذفت لأن الكسرة دلت على الياء فحذفت الياء لثقلها، وليس الوجه عند النحويين حَذْفها. فأمَّا المنادي والداعي فحذفت الياء منها كما حذفت قبل دخُول الألف واللام، لأنك تقول: هذا داع وهذا منادٍ. فأما (وَالليل إِذَا يسرِ). فحذفت الياء لأنها رَأسُ آية، ورُؤُوس الآي الحذف جائز فيها كما يجوز في آخر الأبيات. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) وإلَّا مَنْ ظَلَم، يقرأ بهما جميعاً. فالمعنى أن المظلوم جائز أن يظهر بظُلَامَته تَشكياً، والظالم يجهر بالسوءِ من القول ظلماً واعتداءً، وموضع " مَنْ " نصبٌ بالوجهين جميعاً، لأنه استثناء ليس من الأول

стр. 585

المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوءِ من القول لكن المظلوم يظهر بظلامته تشكياً، ولكن الظالم يجهر بذلك ظلماً. ويجوز أن يكون موضع " مَنْ " رفعاً على معنى لا يحب اللَّه أن يجهر بالسوءِ من القول إِلَّا من ظلم فيكون " من " بَدلًا من معنى أحدٍ، المعنى: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوءِ من القول إلا المظلوم. وفيها وجه آخر لا أعلم النحويين ذكروه، وهو أن يكونَ " إِلا مُنْ ظَلَمَ " على معنى لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول، وهذا بَعْدُ استثناء ليس من الأول. وهو وجه حَسَنٌ، وموضعه نَصْبٌ. وقد روي أن هذا ورد في الضيف إِذا أُسِيءَ إِليه، فله أن يشكو لك. وحقيقته ما قلناه. واللَّه أعلم. * * * وقوله: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وهذا حين قالوا للنبي ﷺ : (وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ). أي فقد سألوا موسى بعد أن جاءَهم بالآيات، فقالوا: (أرنَا الله جَهْرَةً). وقال أهل اللغة في (جَهْرَةً) قولين: قال أبو عبيدة: قالوا جهرةً أرنَا اللَّه، لأنهم إِذا رأوا الله فالسر جهرة، فإِنما جَهْرةٌ صفة لقولهم. وقال بعضهم (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)، إِنما معناه أرنا رؤْيةً بينةً منكشفةً ظاهرة لأن من علِم الله فقد زَادَ عِلْماً، ولكن سألوه رؤْية يُدْرِكونها بأبصَارِهم.

стр. 586

ودليل هذا القول قوله : (وَإذْ قُلْتُم يا مُوسى لَنْ نُومِنَ لَكَ حَتى نَرَى الله جَهرةً). وهذا عندي هو القول البين إنْ شَاءَ اللَّه. * * * وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ) " ما " لغْوُ في اللفظ، المعنى فبنقضهم ميثاقهم حقًّا، فكما أن حقًّا لتوكيد الأمر فكذلك " ما " دخلت للتوكيد. وتأْويل نَقْضِهم مِيثَاقَهم أن اللَّه أخذ عليهم الميثاق في أن يُبَينُوا ما أنْزل عليهم من ذكْر النبي ﷺ وغيره. قال اللَّه : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ). والجالب للباءَ والعامل فيها قوله : (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ). المعنى بنقضهم ميثاقهم، والأشياء التي ذكرت بعدَه. وقوله " فبظلم " بدل من قوله: فبما نقضِهم. وقوله: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي أوعية للعلم. (بَلْ طَبعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكفْرِهِمْ). وإِن شئت أدغمت اللام في الطاء، وكذلك: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) يُدْغَمُ فتقول: بَـ طبَعَ، وبـ تُؤثُرنَ، جعل اللَّه مجَازاتهمْ على كفرهم أن طبع على قلوبهِم. وقوله: (وَقوْلهم علَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظيماً).

стр. 587

البهتان الكذب الذي يُحيِّر من شِذتِه وعِظَمِه، وذلك أنَّ إليهود - لعنها اللَّه - رمت مريم، وهي صفوة الله على نساءِ العالمين، بأمْرٍ عظِيمٍ. وقوله: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ). أي باعترافهم بقتلهم إياه. (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ). فإنما عُذِّبوا أو يُعَذبون عذابَ من قتل، أو كان شُبِّهَ لَهم لأنهم قد أتوا الأمر على أنَّه قتل نبي. وجاءَ في التفسير أن عيسى لما أراد اللَّه جل ثناؤه رفعه إِليه وتطهيره منهم، قال لأصحابه؛ أيكُم يرْضَى أن يُلْقَى عليه شبهي فَيُقْتلَ ويُصلَب ويدخل الجنة، فقال رجل منهم أنا فألقى عليه شبهه فقتل. ورفع الله عيسى إِليه، وهذا كله غير ممتنع، لأنا لا نشك في أنه شُبِّه لَهُمْ. وقوله: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ). أي الذين اختلفوا في قتله شاكون، لأن بعضهم زعم أنَّه إِله، وما قُتِلَ. وبَعضهم ذكر إنَّه قُتِلَ، وهم في ذلك شَاكُون. (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ). (اتِّبَاعَ) منصوب بالاستثناء، وهو استثناء ليس من الأول. المعنى ما لهم به من علم لكنهم يتبعون الظن. وإِن رُفعَ جاز على أن يُجْعَلَ عليهم اتباعُ الظن. كما تقول العرب: تحيتك الضربُ وعتابُكَ السيفُ. قال الشاعر: وخيل قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ. . . تحية بينهم ضربٌ وجيعُ * * * وقوله : (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا).

стр. 588

قال بعضهم: الهاء للعلم. المعنى وما قتلوا علمهم يقيناً، كما تقول: أنا أقتل الشيءَ علماً، تأويله إني أعلمه علماً تامًّا. وقال بعضهم: (وما قتلوه) الهاء لعيسى كما قال: وما قتلوه وما صلبوه. وكلا القولين جائز. * * * وقوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) إدغام اللام في الراء هو الكلام وعليه القراءَة، لأن اللام قريبة من مخرج الراء، والراء متمكنة، وفيها كالتكرير، فلذلك اختير الإدغام فيها، وإنْ لَمْ تُدْغم لأنه مِنْ كلمتين جاز. * * * وقوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) المعنى: ومَا مهم من أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، وكذلك قوله: (وَإنْ مِنكُمْ إلا وَارِدُهَا). المعنى ما منكم أحد إلا واردها، وكذلك (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) المعنى وما منا أحد إلا له مَقَام مَعْلوم. ومثله قول الشاعر: لو قلت ما في قومها لَمْ تِيثَم. . . يفضلها في حَسَب وميسمِ المعنى ما في قومها أحد يَفضلها. فالمعنى (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)، فالهَاء في " موته " راجعة على

стр. 589

كافرٍ في بعض الأقاويل، وقد قيل: ما من أحد إلا لَيُؤْمِنَنَّ بعيسى ممن كفر به قبل مَوْته، لأن الميت قبل موته يعاين عمله فيعلم صالحه من طالحه، وكل كافر إِذا عَاينَ آمَنَ بكل نبي كَفرَ به قبل مَوْته. وقالوا في الهاء في قوله: (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) أي بعيسى. وقال بعضهم بمحمد ﷺ . والقولان واحد، لأن من كفر بنبي عَاينَ قبل موته أنه كان على ضلال، وآمن حيث لا ينفعه الِإيمانُ. وقال بعضهم: (إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) أي سيؤْمن بعيسى إِذا نزل لقتل المسيح الدجَّال، وهذا بعيدُ في اللغَةٍ، لأنه قال: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ). والذين يبقون إِلى ذلك الوقت إنما هم شرذمة منهم، ولكنه يحتمل أنهم كلهم يقولون إن عيسى الذي ينزل لقتل الدجال. نحن نؤمن، فيجوز على هذا. واللَّه أعلم بحقيقته. * * * وقوله: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) يُعْنَى بالراسخين الثابتون في العلم من أهل الكتاب أنهم لِعِلْمِهمْ آمنوا بالنبي ﷺ وسائر الأنبياء ﵈. (والمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ). نسق عَلى " ما " المعنى يُؤمنون بما أنزل إِليك وبالمقيمين الصلاة أي ويُؤمنون بالنبيين المقيمين الصلاة. وقال بعضهم " المقيمين " عطف على الهاء والميم، المعنى: لكن

стр. 590

الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة يُؤمنون بما أنزل إليْك، وهذا عند النحويين رَدِيء، أعني العطف على الهاء والميم لأنه لا يعطف بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إِلا في شعْرٍ، وذهب بعضهم أن هذا وهْمٌ من الكاتب. وقال بعضهم: في كتاب اللَّه أشياء ستصلحها العرب بألسنتها، وهذا القول عند أهل اللغة بعيد جداً، لأن الذين جمعوا القرآن أصحاب رسول الله ﷺ وهم أهل اللغة وهم القدوة وهم قريبو العهد بالِإسلام فكيف يتركون في كتاب اللَّه شيئاً يصلحه غيرهم، وهم الذين أخذوه عن رسول الله ﷺ وجمعوه، وهذا ساقط عَمَّنْ لا يَعْلَم بَعْدَهُمْ وساقط عمن يعْلَمُ، لأنهم يُقْتَدى بهمْ فهذا مما لا ينبغي أن يُنسب إِليهم رحمةُ الله عليهم. والقرآن محكَم لا لحن فيه، ولا تَتكلم العرب بأجود منه في الِإعراب، كما قال (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، وقال: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ). ولسيبويه والخليل وجميع النحويين في هذا باب يسمونه باب المدحِ قد بَينوا فيه صحةَ هذا وجَوْدتهَ. وقال النحويون: إِذا قلتَ مَرَرْت بزيدِ الكريم. وأنتَ تريد أن تخلص زيداً من غيره فالجر هو الكلام حتى يُعْرَفَ زيد الكريمُ من زيد غير الكريمِ، وإذا أردت المدح والثناءَ فإن شئت نصبت فقلت مررت بزيد الكريمَ كأنك قُلتَ أذكُر الكريمَ، وإن شئت قلت بزيد الكريمُ على تقدير هو الكريم، وجاءني قومكَ المطعمينَ في المحل، والمغيثون في الشدائد، على معنى أذكر المطعمينَ، وهم المُغيثُون في الشدَائد، وعلى هذا الآية، لأنه لما قال: (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) عُلمَ أَنَّهُمْ

стр. 591

يُقِيمون الصًلاَة ويؤتُون الزكاةَ. فقال: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، على معنى، أذكُر المُقِيمينَ الصلاةَ، وهم المْؤتوْنَ الزكاة، وأنشدوا بيت الخزنق بنت بدر بن هفان: لا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذين هُمُو. . . سُمُّ العُداة وآفَة ُ الجُزرِ النازلين بكل معترك. . . والطيبون معاقد الأزُر على معنى اذكر النازلين، رفعه ونصبه على المدح. وبعضهم يرفع النازلين وينصب الطيبين، وكله واحد جائز حسن. فعلى هذه الآية. فأما من قال إنه وهم فقد بيَّنَّا ما فيه كفاية. والذي ذكرناه من الاحتجاج في ذلك مذهب أصحابنا البصريين. * * * وقوله: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) هذا جواب لهم حين سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماءِ، وقد جرى ذكر ذلك قبل هذه الآية. وهو قوله: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ) فأَعلم اللَّه نبيه أن شأنه في الوحي كشأْن الأنبياءِ الذين سلفوا قبله، وهذا احتجاج عليهم، فقال: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) وسائر الأنبياءُ الذين ذكروا في هذه الآية. وقوله: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا). القراءَة فيه بفتح الزاي وضمها، وأكثر القراء على فتح الزاي. وقد قرأت جماعة زُبُوراً بضم الزاي، منهم الأعمش وحمزة، فمن قرأ زَبُوراً، بفتح الزاي فمعناه كتاباً، وهذا الوجه عند أهل اللغة، لأن الآثار كذا جاءَت زَبُور دَاوُدَ، كما جاءَ تَوْراةُ موسَى وإِنْجِيل عِيسى.

стр. 592

ومن قرأ زُبوراً بضم الزاي فمعناه وآتيناه كُتُباً، جمع زَبْر وزُبُور ويقال زبرت الكتاب أزْبرُه زَبْراً إذا كتبتَ، وزَبَرتُ أزْبُر زَبْراً، وأزْبِرُ إِذا قرأت. والزَبْرُ في اللغة إِحكام العمل قي البئر خاصة، تقول: بئر مزبورة إذا كانت مطوية بالحجارة، والزبر إِحكام الكتاب. وقول الشاعر: هَوْ جَاءُ لَيْسَ لِلُبها زَبْرُ يصف ريحاً، جعل هذا مثلاً لَهَا، كأنه قال ليس لشأنها قوة في الاستواءِ. وقوله جلَّ وعزَّ: (آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ) واحدها زُبْرَة، وهي قطع الحديد. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) " رسلًا " منصوب من جهتين، أجودهما أن يكون منصوباً بفعل مضمَرِ. الذي ظهر يفسِرهُ، المعنى وقد قصصنا رسلاً عليك قد قصَصْناهم، كما تقول رأيت زيداً وعمراً أكرمته، المعنى وأكرمت عمراً أكرمته. وجائز أن يحمل (وَرُسُلًا) على معنى (إِنَا أوحينا إِليك)، لأن معناه إِنا أرسلنا إِليك: موحين إليك، وأرسلنا رُسُلًا قد قصصناهم عليك. * * * وقوله : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا). أخْبَرَ الله بتخصيص نَبِي مِمن ذكر، فأعلم أن موسى كُلِمَّ بغير وَحي، وأكد ذلك بقوله تكليماً، فهو كلام كما يعقلُ الكلام لا شك في ذلك.

стр. 593

وقوله - جلَّ وعزَّ -: (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) القراءَة الرفع مع تخفيف " لكن "، والنصب جائز " لَكِنَّ الله يَشهَدُ، إِلا أنه لا يقرأ بما يجوز في العربية إلا أن يَثْبُتَ به رواية عن الصحابة وقراء الأمصار. ومعنى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ) يبين، لأن الشاهِدَ هو المبين لما يشهَدُ به. فاللَّه جلَّ وعزَّ يبينه ويعلم مع إبانتهِ أنه حق. (وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) معناه: وكفى الله شهيداً، والباءُ دخلت مَؤكدة، المعنى اكتفوا باللَّه في شهادته، ومعنى (أنْزَلَهُ بعِلْمِه) أي أنزل القرآن الذي فيه علْمُه. وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) (فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ). اختلف أهل العربية في تفسير نصب " خير "، فقال الكسائي: انتصب لخروجه من الكلام، قال: وهذا تقوله العرب في الكلام التام نحو قولك لتقومَنَّ خيراً لك، فإِذا كان الكلام ناقصاً رفعوا فقالوا: إِن تنته خير لك. وقال الفَراءُ: انتصب هذا وقوله (خَيْرًا لَكُمْ) لأنه متصل بالأمر وهو من صفته، ألا ترى أنك تقول انته هو خير لك فلما سقطت هو اتصل بما قبله، وهو معرفة فانتصب، ولم يقل هُو ولَا الكسائِي من أي المنصوبات هو، ولا شرحوه بأكثر من هذا. وقال الخليل وجميع البصريين: إِنَّ هذا محمول على معنا، لأنك إِذا قلت: انْتَه خيْراً فأنت تدفعه عن أمر وتدخِله في غيره، كأنك قلت انْتَهِ وائتِ خيرٌ لك وادخُلْ فيما هوخير لك. وأنشد الخليل وسيبويه قول عمر بن أبي ربيعة:

стр. 594

فَواعِديهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ. . . أَو الرُّبى بينهما أَسْهَلا كأنه قال إِيتي مكاناً أسْهلا. * * * وقوله: : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ). معنى سبحانه تبرئته من أن يكون له ولد، وهذا قول أهل العربية. وجاءَ عن النبي ﷺ أن معنى " سبحان الله " تبرئة الله من السوءِ، وتفسير أهل العربية موافق لما جاءَ عن النبي ﷺ . * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا) الرفع لا غير، ورفعه بإضمار لا تقولوا آلِهتنَا ثَلَاثَةٌ. (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) أي ما هو إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ. وقوله: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ) أي، فكيف يكون إِلهاً وهو ابن مريم، وكيف يكون إِلهاً وأمه قبله واللَّه القديم الذي لم يَزل. (لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ). الغلو مجاوز القدرِ في الظلم. * * * وقوله: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) أي ليس يستنكف الذي تزعمون أنه إِله أن يكون عبداً للَّهِ. (ولا الْملائِكَةُ الْمُقَربُونَ)

стр. 595

والملائكة - واللَّه أعلم - أكرم من النبيين، ألا ترى أن نُوحاً ﵇ قال: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ)، فقال : (لن يستنكف المسيح) من العبودةِ للَّهِ. ومعنى يستنكف أي لن يأْنف، وأصله في اللغة من نَكَفْتُ الدَّمْعَ إِذا نحيته بإِصبعك من خدك. قال الشاعر: فبانوا فلولا ما تذكر منهم. . . من الخُلفِ لم يُنْكَفْ لعَينيكَ مَدمعُ فتأويل لَنْ يستنكف لن ينقبض، ولن يمتنع من عبودَةِ اللَّه. * * * وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا). يُعنَى به - واللَّه أعلم - القرآن، لأن النور هو الذي يُبَينُ الأشياءَ حتى تُرَى. وَمثَّلَ اللَّه ما يَعْلم بالقلب عِلْماً واضِحاً لما يرى بالعَيْن رُؤْيَة منكشفة بَينَة. والكلَالَةَ قد بَيَّناها أول السورة. وقوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ). جاز مع " إن " تقديم الاسم قبل الفعل، لأن " إِنْ " لا تعمل في الماضي. ولأنها أُمُّ الجزاءِ. والنحويون يذهبون إِلى أن مَعَها فعلاً مضمراً، الذي ظهر يفسره، والمعنى إِن هلك امرؤ هلك. وقوله: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا). قيل فيها قولان، قال بعضُهم: المعنى يبين اللَّه لكم أن لَا تضلوا

стр. 596

فأضمرت لا،. وقال البصريون إِن " لا " لا تضمر، وإِن المعنى: يبيِّن الله لكم كراهة أن تضلوا، ولكن حذفت " كراهة "، لأن في الكلام دليلاً عليها، وإِنما جاز الحذف عندهم على أحد، قوله: (وَاسْألِ القَرْيةَ) والمعنى واسأل أهل القرية، فحذف الأول جائز، ويبقى المضاف يدل على المحذوف، قالوا فأما حذف " لا " وهي حرف جاءَ لمعنى النفي فلا يجوز، ولكن " لا " تدخل في الكلام مَؤكدة، وهي لغو كقوله: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ). ومثله قول الشاعر: وما ألوم البيض ألَّا تسخرَا. . . لما رأين الشمط القَفَنْدَرا المعنى وما ألوم البيض أن تسخر. ومثل دخول " لا " توكيداً قوله : (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ). و (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ). فإن قال قائل: أفيجوز أن تَقول لا أحلف عليك، تريد أحلف عليك؟. قيل " لا " لأن لا، إنما تلغى إِذا مضى صدر الكلام على غير النَفي، فإِذا بنيت الكلام على النفي فقد نقضت الِإيجاب، وإِنما جاز أن تلغى " لا " في أول السورة، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ألا ترى أن جواب الشيء قد

стр. 597

يقع وبينهما سُورٌ كما قال جلَّ وعزَّ جواباً لقوله: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦). فقال: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢). ومثله في القرآن كثير.

стр. 598

سورة المائدة ومن سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله جلَّ وعزَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) خاطب اللَّه جلَّ وعزَّ جميع المؤْمنين بالوفاءِ بالعقود التي عقدها اللَّه عليهم، والعقود التي يعقدها بعضهم على بعضٍ على ما يوجبه الدين، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي يا أيها الذين صدقوا النبي ﷺ أوْفوا بالعُقود، والعقود العهود، يقال: وفيت بالعهْدِ وأوفيتُ. والعقود واحذها عَقْد، وهي - أوكد العهودِ يقال: عهدت إلى فلان في كذا وكذا، تأويله ألزَمتُه ذلك. فإنما قلت عاقدته أو عَقَدت عليه، فتأويله أنك ألْزمْته ذلك باستيثاق. وقال بعضهم أوفوا بالعقودِ أي كان عقد بعضُكم على بعض في الجاهلية، نحو الموالاة، ونحو قوله: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) والمواريث تنسخ العقودَ في باب المواريث. يقال عقدت الحبلَ والعهد فهو معْقود. قال الحطيئة: قَوْمٌ إِذا عَقَدوا عَقْداً لجارِهمُ. . . شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَه الكَرَبَا

стр. 599

تأويله أنهم يوفون عهودَهم بالوفاءِ بها، ويقال أعقَدْتُ العسَل ونحوه فهو مُعقدَ وعَقِيدٌ، وروى بعضهم: عقدت العسل والكلام أعقَدْت. قال الشاعِر: وكأَنَّ رُبّاً أَو كحِيلاً مُعْقَداً حَشَّ القيانُ به جوانِبَ قُمْقُمِ * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ). قال بعضهم: بهيمة الأنعام: الظباءُ والبقر الوحْشِيةُ والحُمْرُ الوحشيةُ. والأنعام في اللغة تشتمل على الِإبل والبقر والغنم. فالتأويل - واللَّه أعلم - أحلت لكم بهيمة الأنعام، أي أحلت لكم الِإبل والبقرُ والغنمُ والوحْشُ. والدليل على أن الأنعام مشتملة على ما وصفنا قوله : (وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وفَرْشاً) فالحمولة الإِبل التي تُحَمَّلُ والفرْشُ صغار الِإبل، قال (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ) ثم قال: (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ) وهذا مردود على قوله:

стр. 600

(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ)، وأنشأ (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا). ثم ذكر ثمانية أزواج بدلاً من قوله: (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا). والسورَة تدعَى سورة الأنعام، فبهيمة الأنعام هذه، وإِنما قيل لها بهيمة الأَنعام لأن كل حي لا يميز فهو بهيمة، وإِنما قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أي يميز، فأعلم اللَّه أن الذي أحِل لنا مما أبهِم هذه الأشياءُ. وقوله: (إِلَّا مَا يُتْلَى عَليْكُم). موضع ما نصب بـ (إِلَّا)، وتأويله أُحلَّت لكم بهيمة الأنعام (إِلا ما يتلى عليكم) من الميتةِ والدم والموقُوذَةِ والمُتَرَديَةِ والنطِيحَة (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) أي أُحلَّتْ لكم هذه لا مُحِلينَ الصيْدَ (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ). وقال أبو الحسن الأخفش: انتصب (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) على قوله: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، كأنَّه قيل: أوفوا بالعُقودِ غير مُحِلَى الصيْدِ. وقال بعضهم يجوز أن تكون " ما " في موضع رفع على أَنه يذهب إِلى أنه يجوز جاءَ إخوتك إِلَّا زيدٌ، وهذا عند البصريين باطل لأَن المعنى عند هذا القائل: جاءَ إخوتك وزيد. كأنَّه يعطف بها كما يعطف بلا، ويجوز عند البصريين جاءَ الرجال إلا زيد على معنى جاءَ الرجال غَيرُ زيد، على أن تكون صفة للنكرة أو مَا قَاربَ النكرةَ من الأجناسِ. وقوله: (وَأَنْتُمْ حُرُمٌ). أي مُحرمونَ. وأَحَدُ الخرُم حرام، - يقال رجل حَرامٌ وقوم حُرُم. قال الشاعر:
следующие страницы →