Полный текст (2 149 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الجماعةَ.
وقرأ عيسى ابن عمر: " وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ".
وكذلك الزانيةَ والزانيَ، وهذه القِراءَةُ وإِن كان القارئ بها مقَدَّماً لا أحب أن يُقرأ بها، لأن الجماعة أولى بالاتباع، إذْ كانتِ القراءَة سنَة.
قال أبو إسحاق: ودلِيلِي أن القراءَةَ الجيدةَ بالرفع في. . والزَانيَةُ والزاني.
في، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) قوله جل ثناؤة: (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما).
وقال غير سيبويه من البصريين. وهو محمد بن يزيد المبرد: اختَارُ أن
يكون (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) رفعاً بالابتداءَ، لأن القصد ليس إِلى واحدٍ بعينه.
فليس هو مثل قولك زيداً فأضربه، إِنما هو كقولك: من سرق فاقطع يده.
ومن زنى فاجْلِدْه، وهذا القول هو المختارُ، وهو مذهب بعض البصريين
والكوفيين.
وقيل " أَيْدِيَهُمَا " يعْني به أَيْمانهُما
. وفي قراءَة ابن مسعود "والسَّارقون والسارقاتُ فاقْطَعُوا أَيْمانَهُمْ."
قال بعض النحويين: إِنما جعلت تثنية ما في الإِنسان منه واحد؛ لأنَّ أكثر
أَعضائه فيه منه اثنان فحمل ما كان فيه الواحد على مثل ذلك.
قال لأن للِإنسان عينين فإِذا ثنيت قلت عيونهما فجعلت قلوبكما وظهورهما في القرآن، وكذلك أيديهما، وهذا خطأ، إِنما ينبغي أن يُفصل بين ما في الشيء منه واحد، وبين ما في الشيء منه اثنان.
стр. 632
وقال قوم: إنَّمَا فَعلْنا ذلِك للفصل بين ما في الشيء منه واحد وبين ما
في الشيءُ منه اثنان فجعل ما في الشيء منه واحد تثنيته جمعاً نحو قول الله
: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا).
قال أبو إسحاق: وحقيقة هذا الباب أن كل ما كان في الشيء منه واحد
لم يُثنَّ، ولفِظَ به على لفظ الجمع، لأن الِإضافة تُبينه، فإِذا قُلْتَ أشْبَعت
بطونهما علم أن للاثنين بطنين فقط، وأصل التثنية الجمعُ لأنك إِذا ثنيت
الواحدَ فقد جمعتَ واحداً إِلى واحِدٍ، وكان الأصل أن يقال اثْنا رِجال، ولكنْ " رجلان " يدل على جنس الشيء وعدده، فالتثنية يحتاج إِليها للاختصار، فإِذا لم يكن اختصار رُدَّ الشيءُ إِلى أصْله، وأصلُهُ الجمع.
فإذا قلت قلوبهما فالتثنية في " هما " قد أغنتك عن تثنية قَلْب فصار الاختصار ههنا ترك تثنية قلب، وإن ثني ما كان في الشيء منه واحد فذلك جائز عند النحويين.
قال الشاعر:
ظهراهما مثل ظهور الترسين.
فجاءَ بالتثنيةِ والجمع في بيت واحد.
وحكى سيبويه أنه قد يجمع المفرد والذي ليس من شيء إِذا أردت به التثنية.
وحُكِيَ عن العرب: " وَضَعَا رِحالهما " يريد رَحْلَيْ راحِلتِهما.
стр. 633
وأجمعت الفقهاء أن السارق يقطع حُرَّا كانَ أو عبداً، وأن السارقة تقطع
حُرَّة كانت أو أمَة، وأجمعوا أن القطع من الرسغ، والرسغ المفصل بين الكف
والساعد، ويقال رُسْغ ورُصْغ والشين أجود
(جَزَاءً بِمَا كَسَبَا).
(جَزَاءً) نصبٌ لأنه مفعول به.
المعنى فاقْطَعوا بجزاءِ فعلهم.
وكذلك (نَكَالًا مِنَ اللَّهِ)، وإِنْ شئتَ كانا منصوبين على المصدر الذي دل عليه فاقطعوا، لأن معنى فاقطعوا جازوهم وَنكِّلُوا بهم.
* * *
وقوله جلَّ وعز: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)
إِن شئت قلت يَحْزُنُك وَيحزَنْكَ بالفتح والضم.
أي لا يحزنك مُسَارَعَتهُمْ في الكفر إِذ كنت موعوداً بالنصر عليهم.
والله أعلم.
وقوله: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ).
أي لا تحزنك المسارعةُ في الكُفْر منَ المنَافِقين ومنَ الذِين هادُوا.
ثم قالَ: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ).
هذا تمام الكلام، ورفع (سَمَّاعُونَ) من جهتين:
إحداهما هم (سَمَّاعُونَ) للكذب أي منافقون، واليهود سماعون للكذب.
و (سَمَّاعُونَ)، فيه وجهان - واللَّه أعلم -
أحدهما أنَّهم مسمعُونَ لِلكَذِبِ، أي قَابُلون للكَذب، لأن الِإنسان يسمع
الحق والبَاطِلَ، ولكن يقال: لا تسمع من فلان قوله أي لا تقبل قوله، ومنه
" سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه "، أَي تَقَبَّل الله حمده، فتأويله أنهم يَقْبَلُونَ الكذِبَ.
والوجه الآخر في (سَمَّاعُونَ) أَن معناه أنهم يسمعون منك لِيَكذِبُوا عليك.
وذلك أَنهم إِذا جالسوه تهيأَ أن يقولوا سَمِعْنَا مِنْهُ كَذَا، وكَذَا.
стр. 634
(سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ).
أي هم مستمعون منك لقوم آخرين " لَمْ يأتُوك " أي هم عُيُون لأولئكَ
الغُيَّبِ ويجوز أن يكون رفع " سماعون " على معنى ومن الذين هادوا
سماعون فيكون الِإخبار أن السَّماعين مِنهم، ويرتفع منهم كما تقول: في
قومك عقلاءُ.
هذا مذهب الأخفش، وزعم سيبويه أن هذا يرتفع بالابتداء.
وقوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)
أي من بعد أن وضَعه
اللَّهُ موضِعَهُ أي فرض فروضَه، وأحلَّ حلاله وحرًم حرامه
وقوله: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا).
(إِنْ أُوتِيتُمْ) هذا الحكمَ المحرَّفَ فخذوه.
(وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) أي احذروا إِن أفتاكم النبي ﷺ بغير ما حدَّدْنَا لكم، فاحذروا أن تَعْمَلوا به.
وكان السبب في هذا فيما رُوِيَ أن الزنَا كثُر في أشراف إليهودِ وخَيْبر.
وكان في التوراة أَن على المحصنين الرجم فزنى رجُل وامْراة، فطمعت إليهودُ
أن يكون نزل على النبي ﷺ الجلد في المحصنين، وكانوا قد حَرَّفُوا وَصَارُوا يَجْلِدُون المحصنيْنِ وَيسُودُونَ وجُوهَهُمَا، فأوحى الله جل ثناؤه أنَّهمْ يستفتونه في أمر هاتين المراتين، وأعلَمَهُ أن اللَّه يأمرهم عن أعلَمِهِمْ بالتوراة، فأعلموه إنَّه ليس بحَاضِرٍ، فقال النبي ﷺ قَدْ علِمتُ، وكان جبريل قد أعلمه مكانه فأمرهم أن يحضروه، فأَحضروه، وأَوحى اللَّه إِلى نبيهِ أن يستحلفهم
стр. 635
ليصْدُقُنَّه، فلما حَضَر عالِمُهم قال له النبي: أسالك بالذي أنزل التوراة على
موسى، ورفع فوقكم الطور، وفلق لكم البحرَ، هل في التوراة أن يُرجمَ
المحصنان إِذا زَنَيَا؟
قال: نَعَمْ. فوثب عليه سفلة إليهود، فقال خفتُ إِن كذبْته
أن ينزل بنا عذابٌ.
ويقال إن الذي سأله النبي ﷺ ابنُ صُورِيَا إليهودي، وكان حديث السِّن، فقال له النبي ﷺ أنت أعلم قومك بالتوراة؟ قال: كذا يقولون.
وكان هو المخبر له بأن الرجم فيها، وأنَّه ساءَل النبي ﷺ عن أشياءَ كان يعرفها من أعلامه فلما أنبأه النبي ﷺ بها قال أشهد أن لا إله إِلا اللَّه وأنك رسول الله الأمي العربى الذي بشَّر به المرسلُونَ.
وهذا الذي ذكرناه من أمر الزانيين مشهور في روايةِ المفسرينِ وهو يُبَينَ
قوله: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا).
والقائل يقول ما تفسير هذا، فلذلك شرحناه، وبالله الحول والقُوةُ.
وقوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ).
قيل فضيحته وقيل أيضاً كفره، ويجوز أن يكون اختباره بما يظْهر به
أمره، يقال فتنت الحديد إِذا أَحْمِيتُه، وفتنت الرجل إِذا أزلته عما كان عليه، ومنه قوله: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) أي وإن كادوا
لَيُزِيلُونَكَ.
وقوله: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ).
أي أن يُهينَهمُ.
(لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ).
стр. 636
قيل لهم في الدنيا فضيحة بما أظهر الله من كذبِهِمْ، وقيل لهم في
الدنيا خزي بأخذ الجزية منهم، وضرب الذَلةِ والمسكَنة عَلَيْهم، ثم عاد
في وصفهم فقال:
(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)
(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)
ويقرأ (لِلسُّحُتِ) جميعاً، تأويله أن الرشَا التي يأكلونها يعاقبهم الله بها أن
يُسْحِتَهمْ بعذَابِ، كما قال جل وعز: (لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ).
ومثل هذا قوله: (إنما يأكلون في بطونهم ناراً). أي يأكلون ما عاقبته
النار، يقال سَحَته وأسْحَتَه إِذا استأصله، وقال بعضهم سَحَتَه: اذْهَبَه قليلاً قليلاً إِلى أن استأْصله ومثل أسحته قول الفرزدق.
وعَضّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ. . . من المالِ إِلاَّ مُسْحَتاً أَو مُجَلَّفُ
ويجوز أن يكون سحتَه وأسْحتَهُ إِذا استأصله، كان ذلك شيئاً بعد شيء.
أَو كان دفعة واحدةً.
وقوله (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ).
أجمعت العلماء على أن هذه الآية تدل على أن النبي ﷺ مُخَيَّر بها في الحكم بين أهل الذَمَّةِ.
وقيل في بعض الأقاويل: إِن التخيير نسخ بقوله:
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله).
وقوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ). أي العَدْل.
стр. 637
وقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)
أي فيها نور أي بيان أن أمْر رَسُول اللَّهِ ﷺ حق، وفيها بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا
أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا
والربانِيون، ويجوز أن يكون " يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا.
أي يحكم النبي ﷺ فيما سألوهُ بما في التَوْراة.
ويجوز أن يكون للذين هادوا للذين تابوا، أي النبيون والربانيون هم العلماءُ والأحبار وهم العلماءُ الخُيارُ يحكمُون للتائبين مِن الكفر.
(بما استُحْفِظُوا مِنْ كتَابِ اللَّهِ).
أي استُوعُوا.
وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
أي من زعم أن حكماً من أحكام اللَّه التي أتَتْ بها الأنبياءُ عليهم
السلام باطل فهو كافر، أجمعت الفقهاءَ أن من قال إِن المحصَنَين لا يجب أن
يرجما إذا زنيا وكانا حُرَّين - كافِرٌ، وإنما كفر من رد حكماً من أَحكام النبي ﷺ لأنه مكذِبٌ له، ومن كذب النبي فهو كافر.
* * *
وقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)
أي في التوراةِ.
(أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ).
وروي أن النبي قرأ والعَينُ بالعَيْنِ والقراءة والعَيْنَ بالعَيْن
(وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
стр. 638
بالرفع والنصب جميعاً لا اختلاف بين أهل العربية في ذلك، فَمَنْ قرأ
العَيْنَ بالعيْنِ أراد أن العيْنَ بالعَيْنِ، ومن قرأ، والعَيْنُ بالعين فَرفْعُهُ على
وجهين، على العطف على موضع النفس بالنفس والعاملِ فيها.
المعنى وكتبنا عليهم النفسُ بالنَفِس، أي قلنا لهم النفس بالنفس، ويجوز كسر إن، ولا أعلم أحداً قرأ بها فلا تقرأنَّ بها إِلا أن تثبت رواية صحيحة.
ويجوز أن تكون العينُ بالعَيْن، ورفعُه على الاستئناف.
وفيها وجه آخر، يجوز أن يكون عطفاً على المضمر في النفس، لأن المضمر في النفس في موضع رفع.
المعنى أن النفس مأخوذة هي بالنفس، والعَيْنُ معطوفة على هي.
وقوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ)
قال بعضهم من تصدق به أي بحقه فهو كفارة للجارحِ إذا ترك
المجروحُ حقَهُ، رفع القصاص عن الجارح.
وقال بعضهم هو كفارة للمجروح
أي يكفر الله عنه بعفوه ما سلف من ذنوبه.
* * *
وقوله: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)
(وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)
رواها بعضهم ومهيمَناً - بفتح الميم الثانية - وهي عربية ولا أحب القراءَة
بها، لأن الِإجماع في القراءَة على كسر الميم في قوله: (المؤمن المهيمِنُ).
واختلف الناس في تفسير قوله: (المؤمنُ المُهَيْمِنُ)، واختلف الناس في
تفسير قوله: (وَمُهَيْمِناً عَلَيْه)
فقال بعضهم: معناه وشاهداً عليه، وقال بعضهم رقيباً عليه، وقال
стр. 639
بعضهم معناه مُؤتَمَناً عليه. وقال بعضهم: المهيمنُ اسم من أسماءِ الله في
الكتب القديمة، وقال بعضهم: مُهيمِن في معنى مؤتمن إلا أن الهاءَ بدل من
الهمزة، والأصْلُ مؤتمناً عليه كما قالوا: هَرَقْتُ الماءَ، وأرقت الماءَ، وكما
قالوا: إِياك وهياك، وهذا قول أبي العباس محمد بن يزيد، وهو على مذهب
العربية حَسَن ومُوافِق لِبعْضِ ما جاءَ في التفسير، لأن معناه مؤتمن.
وقوله: (ولْيَحْكُمْ أهْلُ الإنْجِيلِ).
قرئت بإسكان اللام وجزم الميم على مذهب الأمر، وقرئت ولِيَحْكمَ
بكسر اللام وفتح الميم على معنى ولأن يحكمَ ويجوز كسر اللام مع الجزم
وَلِيَحكُمْ أهل الإنجيل، ولكنه لم يقرأ به فيما علمتُ، والأصل كان كسر
اللام، ولكن الكَسرَةَ حُذِفَت استثقالَاَ. والِإنجيل القراءَة فيه بكسر الهمزة.
ورويت عن الحسن الأنجيل بفتح الهمزة، وهذه قولةٌ ضعيفة، لأن أنجيل
أفعيل، وليس في كلام العرب هذا المثال، وإِنجيل إِفعِيلُ من النجل وهو
الأصل، وللقائل أن يقول إِن إنجيل اسم أعجَمي فلا يُنْكَرُ أن يقع بفتح الهمزة
لأن كثيراً من الأسماء الأعجمية تخالف أمثلة العرب نحو آجرّ وإِبرَاهيم وهَابيل
وقابيل، فلا ينكر أن يجيء إنجيل وإِنما كُرِهَتِ القراءَة بها لأن إِسنادها عن
الحسن لا أدري هل هو من ناحية يوثق بها أم لا.
* * *
وقوله: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
أي تطلب إليهود في حكم الزانيين حكماً لم يأَمر الله به وهو أهل
الكتاب كما تفعل الجاهلية.
وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
стр. 640
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
أي من أيْقَنَ تبيَّن عدلَ اللَّهِ وحكمَهُ.
و (حُكْمًا) منصوب على التفسير.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)
(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).
أي من عاضدهم على المسلمين فإنه من عاضدَه.
* * *
وقوله: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)
والمرض ههنا النفاق في الدِّين، ومعنى يسارعون فيهم، أي في
معاونتهم على المسلمين.
(يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ).
أي نخشى ألَّا يتم الأمر للنبي ﷺ ، ومعنى دائرة أي يدور الأمر عن حاله التي يكون عليها.
وقوله: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ).
أي فعسى اللَّه أن يُظْهِر الْمسلِمين.
و" عَسَى " من الله جلَّ وعزَّ واجبة.
وقوله : (أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ)، أي أو أن يؤمر النبي ﷺ بإظهار أمر المنافعين بقتلهم.
(فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ).
* * *
وقوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)
أي يقول المؤمنون الذين باطنهم وظاهرهم واحد: هُؤلاءِ الذين حَلَفوا
وأكَدوا أيمَانَهم أنهم مْؤمِنُونَ وأنهم معكم أعوانكم على من خالفكم.
(حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ).
стр. 641
أي ذَهَب مَا أظْهروهُ مِنَ الإيمان، وبطل كل خيرٍ عَمِلُوه بكفرهم وصَدهِم.
عن سبيل اللَّه كما قال: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).
المعنى ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت، أي في وقتٍ يظهر اللَّه
نفاقهم فيه.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)
فيها من العربية ثلاثة أوجه، مَنْ يَرتدِدْ، ومن يَرْتَد بفتح الدال وَمَنْ يَرْتَد
مِنْكُم، بكسر الدال. ولا يجوز في القراءَة الكسر لأنه لم يُرْوَ أنه قرئ به.
وأمَّا (مَنْ يَرتدِدْ) فهو الأصل، لأن التضعيف إِذا سَكَنَ الثانِي من المضَعَفَيْنِ
ظَهرَ التضعيف، نحو قوله: (إِنْ يمسَسكُم قرحٌ) ولو قرئت إن يمسكم
قرح كان صواباً، ولكن لا تَقْرَأن بِهِ لمخالفتِه المصحفَ، ولأن القراءَة سُنَّة.
وقد ثبت عن نافع وأهل الشام يرتدِدْ بدالَيْنِ، وموضع يرتد جزم، والأصل كما قُلْنَا يرتدد، وأدغمت الدال الأولى في الثانية، وحركت الثانية بالفتح لالتقاءِ السَّاكنين، قال أبو عبيدٍ: إنهم كَرِهوا اجتماعَ حَرْفَيْن متحركين وأحسبه غلِطَ، لأن اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد أكثر في الكلام من أنْ يحصَى نحو شَرَرٍ وَمَددٍ، وَقِدَدٍ، وخدَدٍ، والكسر في قوله من يرتَد يجوز لالتقاءِ السَّاكنين لأنه أصل.
والفاءُ جواب للجزاءَ، أي إِن ارتد أحدٌ عن دينه، أي الذي هو الِإيمان.
стр. 642
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
أي بقوم مؤمنين غير منافقين.
(أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ).
أي جانبهم ليِّنٌ على المؤمنين، ليس أنهم أذلاء مهَانون.
(أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).
أي جانبهم غليظ على الكافرين.
وقوله: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ).
لأن المنافقين كانوا يراقبون الكفارَ ويظَاهِرونَهم، ويخَافونَ لَوْمَهُم.
فأعلم اللَّه أن الصحيحَ الإيمانِ لا يخاف في نصرة الدين بِيدِه ولا
لِسَانِه لَوْمَةَ لَائِم.
ثم أعلم الله أن ذلك لا يكون إلا بتسديده
وتوفيقه فقال : (ذَلِكَ فَضلُ اللَّهِ يؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ).
أي محبتهم لِلَّهِ ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين فضل
من اللَّه عليهم، لا توفيق لهم إِلا به .
* * *
وقوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥)
بيَّن من هم المؤمنون فقال: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ).
وإِقامتها تمامها بجميع فَرْضِها، وأولُ فروضها صحة الِإيمان بِها وهذا
كقولك: فلان قائم بِعِلْمِه الذِي وَليَه، تأويله إنَّه يوَفَي العَمَلَ حقوقه، ومعنى
стр. 643
" يُقِيمُونَ " من قولك هذا قِوام الأمر، فأما قوله: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). فمخفوض على نعتِ قوم، وإن شئت كانت نصباً على وجهين أحدهما الحال، على معنى يحبهم ويحبونة في حال تذللهم على المؤمنين وتعززِهِم عَلى الكافرين، ويجوز أن يكون نصباً على المدح.
* * *
فأما قوله : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ).
أي قفينا على آثَارِ الرسل بعيسَى أي جعلناه يقفوهم.
وقوله: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ).
أي لما تَقَدًم من التوراة، ونصب " مُصَدِّقًا " على الحال وهو جائز أن
يكون من صفَةِ الِإنجيل فهو منصوب بقوله: " آتيناه "
المعنى. آتيناه الإنجيل مُستقِراً فيه هدًى ونورٌ ومصدقاً.
ويجُوزُ أن يكونَ حالًا من عيسى.
المعنى وآتيناه الإنجيل هَادِياً ومُصَدِّقًا، لأنَّهُ إِذا قيل آتيناه الِإنجيل فيه هدى، فالذي أتى بالهدى هو هادٍ والأحسَنُ أنْ يكونَ على معنى وقَفَيْنَا بِعِيسَى آتِياً بالِإنْجيل وهادياً ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، والدليل على أنه من صفة عيسى قوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ).
* * *
وقوله: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).
قال بعضهم: الشَرعَةُ الدينُ والمنهاج الطريق، وقيل: الشرعة والمنهاج
جميعاً الطريق، والطريق ههنا الدين، ولكن اللفظ إِذا اختلف أتِي مِنْهُ بألفاظ
تُؤَكدُ بِها القصة والأمر
نحو قول الشاعر:
стр. 644
حُيِّيتَ مِن طللٍ تقادم عهدُه. . . أقوى وأقفر بَعْدَ أمِّ الْهَيْثَم
فإِن معنى أقوى وأقفر يدل على الْخَلْوَةِ، إِلا أن اللفظين أوكد في الخُلوِّ
من لفط واحد.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد: (شرعة) معناها ابتداءُ الطريق.
والمنهاج الطريق المستَمِر، قال: وهذه الألفاظ إِذا تكررت في مثل هذا
فللزيادة في الفائدة، قال وكذلك قول الحطيئة:
ألا حَبَذَا هِنْدٌ وَأرْضٌ بها هندُ. . . وَهِنْدُ أتى مِنْ دونها النَّأْيُ والبُعْدُ
قال: النَّأْيُ لكل ما قل بعده منك أوْ كثرَ، كأنَّه يقول:
النأي المفارقة قلَّت أو كثرتْ، والبُعْدُ إِنَّمَا يسْتَعْمَلُ في الشيءِ البعيد
ومعنى البعيدِ عندَه ما كَثرتْ مسافةُ مُفَارقَتِه، وكانَّهُ يقُول لِمَا قرب منه هو ناءٍ عني، وكذلك لما بعُدَ عنه، والنأْي عنده المفارقة.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)
هُزءَاً فيه لغات، إِن شئت قلت هُزُؤا بضم الزاي وتحقيق الهمزة، وهو
الأصل والأجْودُ، وإِن شئت قلت هُزُواً وَأبدَلتَ من الهمزة واواً، لانضمام ما قبلها وأنها مفتوحة، وإِنْ شئتَ قلت: هُزْءاً بإسكان الزاي وتحقيقِ الهمزة.
فهذه الأوجه الثلاثةُ جَيدَة يُقْرأ بِهِنَّ.
وفيها وجه آخر. ولا تجوز القراءَة به لأنه لم يقرأ به، وهو أن يقول هُزَاً مثل هُدًى وذلك يجوز إِذا أردت تخفيفَ همزة
стр. 645
هُزءٍ فيمن أسكن الزاي أن يقول هُزَاً. تطرح حركتها على الزاي كما تقول
رَأيْتَ خَباً تُريدُ خَبْئاً.
* * *
وقوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ).
النصب فيه على العطف على قوله: (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا) أي، ولَا تَتخِذُوا الكُفَّار أوْلياءَ، ويجوز والكفارِ أولياءَ على العطف
على الَّذِينَ أوتوا الكتاب، المعنى من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وَمِن الكفارِ أولياءَ.
* * *
وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)
يقال: نقَمْتُ على الرجُلِ أنقِمُ، ونقِمْتُ عليه أنقَم.
والأجْودُ نقَمْتُ أنقِمُ، وكذلك الأكثر في القراءَة: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
وأنشد بيت ابن قيس الرقيات.
مَا نَقِمُوا مِنْ أُميَّة إِلَّا. . . أنهمْ يحْلُمُون إِن غَضِبُوا
بالفتح والكسر، نقَمُوا ونقِمُوا، ومعنى نقمت بالغت في كراهة الشَيءِ.
وقوله: (وأنَّ أكْثَرَكُمْ فَاسِقونَ).
المعنى: هل تكرهون منا إِلا إِيماننا وفِسْقَكُمْ، أي إِنما كرهتم إِيماننا
стр. 646
وأنتم تعلمون أنا على حق لأنكم فَسَقْتُمْ، بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم
الرياسة، وكسبكم بها الأموالَ.
فإِن قال قائل: وكيف يعلم عالِمٌ أن دِيناً من الأدْيانِ حق فيْؤثر الباطِل على الْحق؟
فالجواب في هذا أن أكثر ما نشاهده كذلك. مِنْ ذلِكَ أنَّ الإنسانَ يعْلَمُ أن الْقَتْل يُورِدُ النار فَيقْتُلُ، إِما إِيثَاراً لِشِفَاءِ غيظه أو لأخْذِ مال.
ومنها أنَّ إِبْلِيسَ قَدْ علِم أنَّ الله يُدْخِلُه النَّارُ بِمعْصِيتِهِ فآثر
هواه على قُرْبه من اللَّه، وعمِل على دُخول النارِ وهذا بابٌ بينٌ.
* * *
وقوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)
أي: بِشَرٍّ مما نَقَمْتُمْ مِن إِيماننا ثواباً، و " مَثُوبَةً" منصوب على التمييز.
وقوله: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ).
وضع " منْ " إِن شئت كان رفعاً، وإِن شئت كان جراً فأما من جر فيجعله
بدلًا مِنْ شَر. المعنى أؤنبئُكُمْ بمن لعنه اللَّه، ومَن رفع فبإِضمار هو، كأن
قائلًا قال: منْ ذلك؟ فقيل هو من لعنه اللَّه، كما قال جلَّ ثناؤه:
(قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ) كأنه فال: هي النار.
وقوله: (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ).
الطاغُوتُ هو الشيطان، وتأويل وَعَبَدَ الطاغوتَ: أطاعه فيما سَوَّلَ لَه
وأغراهُ به، وقَدْ قُرئَتْ: (وعَبْدَ الطَاغوتِ).
والذي أختارُ (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)
وروي عن ابن مسعودٍ وعَبَدوا الطَاغوتَ، وهذا يقوي (وَعَبَدَ الطَاغُوتَ)، ومن قال وعَبُدَ الطاغوتِ. فَضم الباءَ وجَر الطاغوت، فإِنه عند بعض أهل
العربيةِ ليس بالوجه من جهتين إِحداهما، أن عَبُد على فَعُلٍ، وليس هذا
стр. 647
من أمثلة الجمع، لأنهم فسروه خَدَمُ الطاغوتِ والثاني أن يكونَ محمولاً
على وجعل منهم عَبُدَ الطاغوتِ. فأما من قرأ " وَعُبُدَ الطاغُوتِ " فهو جمع
عبيد وَعُبُد، مثلُ رغِيفٍ ورغُفُ وسَرِيرٍ وسُررٍ، ويكون على معنى وجعل منهم عُبُدَ الطاغوتِ على جعلت زيداً أخاك، أي نَسَبْتُه إِليكَ، ووجه وعَبُد
الطاغوت - بفتح العين وضم الباء - أن الاسم يبنى على فَعُل كما قالوا
عَلُمٌ زيد. وكما أقول رَجُل حَذُر، تأويل حَذرٍ أنَّه مبالغ في الحَذَرِ، فتأويل عَبُد أنهُ بلغ الغاية في طاعة الشيطان، وكان اللفظَ لفظُ واحدٍ يَدُل على الجمع.
كما تقول للقوم: منكم عَبُدُ العصا، تريد منكم عَبِيدُ العَصَا.
ويجوز بعد هذه الثَلَاثَةِ الأوْجُهِ الرفعُ في قوله وعَبُدَ الطاغوتِ، فيقول وعَبُدُ الطاغوتِ، وكذلك وعُبُدُ الطَاغُوتِ بالرفع، ولا تقرأن بِهذين الوجهين وإِن كانا جائزين، لأن القراءَة لا تبتدع على وجه يجوز، وإِنما سبيل القراءَة اتباع مَنْ تَقَدَّم، فيجوز رفع، وعَبُدُ الطَاغُوتِ، وعُبُدْ الطاغوت، على معنى الذًمً، والمعنى وهم عُبُد الطاغوت، كأنَّه لما قال: (مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيهِ وجَعَلَ مِنْهمُ القِرَدَةَ والخنازيرَ)، دَل الكلامُ على اتبَاعِهم الشَيَاطينَ، فقيل وهم عُبُدُ الطاغوتِ.
ويجوز أن يكون بدلًا من " مَنْ " في رَفع " مَنْ " كَأنه لما قِيل منهم من
لعَنَهُ اللَّه، وغضِبَ عليه، قيلَ هم عَبُدُ الطاغوت وعُبُدُ الطاغُوتِ، ويجوز في
الكلام أيضاً، وعَبْدَ الطاغوت - بإسكان الباء - وفتح الدال.
ويكون على وجهين، أحدهما أن يكونَ مخفَفاً من عَبُد -
كما يُقَال في عَضدٍ عَضْد.
وجائز أن يكون " عَبْد " اسْماً واحداً يدل على الجنس، وكذلك يجوز في عبد الرفع
стр. 648
والنصب من جهتين كما وصفنا في عبد، ويجوز أن يكون النصبُ من جهتين: إِحداهما على وجعل منهم عَبْدَ الطاغوتِ ويجوز أن يكون منصوباً عاد الذم، على أعني عبدَ الطاغوت،. ويجوز في وعَبْد وعَبُد وعُبُد الجر على البَدَل من " من " ويكون المعنى: هل أُنَبِّئُكُمْ بمَنْ لعنه الله وعَبدِ الطاغوت.
ولا يجوز القراءَة بشيء من هذه الأوجه إِلا بالثلاثة التي رُوَيتْ وقرأ بها القراء وهي عَبَدَ الطَاغُوتَ. وهي أجودها، ثم وعَبُدَ الطاغُوتِ ثم وعُبُدَ الطاغوتِ.
وقوله: (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).
أي هُؤلاءِ الذين هذه صَفْتهم (شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).
أي عن قصد السبيل، و " مكاناً " منصوب على التفسير.
* * *
وقوله: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)
وهم علَماؤهم ورؤساؤهم.
والحَبْر " العالِمُ، والحِبْرُ المِدَادُ بالكسرِ، فأعلم اللَّه أن رؤساءَهم وسِفْلتَهمْ
مُشْترِكون في الكفر.
ومعنى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ): هلَّا ينهاهم، ثم أخبَرَ بعظيم
فِريتهم فقال:
(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)
أَي: قالوا يده مُمْسِكة عن الاتساع علينَا. كما قال الله جَلَّ وعزَّ
(وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) تَأويله لا تمسِكها عنِ الِإنفاق
قال بعضهم: معنى (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) نعْمَتُه مقبوضة عَنَّا، وهذا القول خطأ ينقضُه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ).
فيكون المعنى: بلْ نِعْمَتَاهُ مبسُوطتانِ، نِعَمُ اللَّهِ أكثرُ مِن أن تُحصى.
стр. 649
وقال بعضهم: وقالوا يَدُ اللَّهِ مغْلُولة عَنْ أعدائنا، أي لا يُعذَبُنا.
وقال بعض اهل اللغة إنَّما أجِيبُوا على قَدْرِ كَلَامِهِمْ. كما قالُوا يدُ الله مغْلُولة، يريدون به تبخيل اللَّه.
فقيل: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ). أي هو جَوَاد (يُنْفِق كَيْفَ يشَاءُ) ومعنى (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) أي جُعِلُوا بُخَلَاءَ. فهُم أبخَلُ قَوْم
وَقيلَ (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ) أي غُلتْ فِي نَارِ
جُهَنم.
وقوله: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا).
أي كلما نزل عليك شيء من القرآن كفروا به فيزِيدُ كفرهم والطغيان
الغُلو والكفر هَهُنَاكَ.
وقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) جعلهم اللَّه
مختلفين في دينهم متباغضين، كما قال: (تحسَبُهم جميعاً وقُلُوبُهُمْ شتَّى)
فألقى اللَّهُ بينهم العداوة، وهي أحدُ الأسباب التي أذهب الله بها جَدَّهم
وشَوْكَتَهُمْ.
وقوله: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ).
هذا مثل أي كلما جمعوا على النبي والمسلمين وأعدوا لحِربِهم فرق
اللَّه جمعهم وأفْسد ذات بينِهمْ.
وقوله: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا).
стр. 650
اي يجتهدون في دفع الِإسلام ومحو ذكر النبي ﷺ من كُتُبِهِمْ.
* * *
وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)
أي لَوْعَمِلُوا بِمَا فِيهِمَا، ولم يكتُمُوا ما علموا من ذكر النبي ﷺ فيهمَا.
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ).
وهو - واللَّه اعلَم - القرآن. أي لو عَمِلُوا بما في هذه الكتب من ذكر
النبي ﷺ ، وأظهروا أمره.
(لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ).
قيل إِنه كان أصابهم جَدْبٌ، فأعلمَ اللَّهُ أنَّهم لو اتَقوا لأوسع عليهم في
رِزقِهِمْ، ودَلَّ بهذا على ما أصابَهُم من الجدب فيما عاقبَهمْ بِه.
ومعنى (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ).
أي لأكلوا من قطر السماءِ.
(وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ).
مِن نَبَات الأرضِ. وقيل قد يكون هذا من جهة التوسِعَةِ كما تقول فلان
في خير من قرنِه إِلى قدمِه، وقد أعلم الله جل وعَزَّ أن التُّقى سعة في
الرزق فقال: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا).
وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) وقال في قصة نوح: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ) وهي البساتين. فوعدهم الله أتم الغنى على الِإيمان
والاستغفار.
وقوله: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ).
стр. 651
أي من أهل الكتاب، قال بعضهم يعنى بهذا مَنْ آمَن مِنْهُمْ وقيل يعنى
به طائفة لم تُناصِب النبى ﷺ مناصبة هؤلاءِ، والذي أظُنُّه - واللَّه أعلم - أنَّه لا يسمي اللَّه من كان على شيءٍ من الكفر مُقْتصِداً.
(وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ).
المعنى بئس شيئاً عَمَلُهم.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)
وتقرأ رسالاته. والمعنى بلغ جميع ما أنزل إِليْكَ مِنْ رَبك، وإِن تركت
منه شيئاً فما بلغتَ، أي لا تراقبن أحداً ولا تتركن شيئاً من ذلك خوفاً مِنْ أن
ينالك مكروه.
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
أي يحُول بَيْنَهُمْ وبيَن أن ينَالكَ منهم مَكْروهٌ، فَأَعْلَمَه الله جلَّ وعزَّ أنه
يَسْلَمْ مِنهمْ.
وفي هذا آية للنبي ﷺ بَيِّنَة.
* * *
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
اختلف أهل العربية في تفسير رفع الصابئين، فَقَالَ بعضهم نَصْبُ " إِنَّ "
ضَعُفَ فنسقَ بـ (الصَّابِئُونَ) على " الَّذِينَ " لأَن الأصل فيهم الرفع.
وهو قول الكسائي، وقال الفراءُ مثل ذلك إِلا أَنه ذكر أَن هذا يجوز في النسق على مثل " الذين " وعلى المضمر، يجوز إِني وزيد قائمان، وأنه لا يجيز إِنَّ زيداً وعمرو قائمان.
وهذا التفسير إِقدام عظيم على كتاب اللَّه وذلك أَنهم زعموا أن نَصْبَ
стр. 652
" إِنَّ " ضعيف لأنها إِنما تغيِّرُ الاسم ولا تغير الخبرَ، وهذا غلط لأن " إنَّ " عملت عَملَيْن النَصْبَ، والرفع، ولَيْسَ في العربية ناصب ليس معه مرفُوع لأن كل منصوب مشبه بالمفعول، والمفعول لا يكون بغير فاعل إِلا فيما لم يسم فاعله، وكيف يكون نصب " إِنَّ " ضعيفاً وهي تتخطى الظروف فتنصب ما بعدها.
نحو قوله: " (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) ونَصْبً إِنَّ مِنْ أقْوَى
المنْصوبَاتِ.
وقال سيبويه والخليلً، وجميع البصريين إِن قوله: (وَالصَّابِئُونَ) محمول.
على التأخير، ومرفوع بالابتداءِ. المعنى إِن الذين آمنوا والذين هادوا مَنْ آمن باللَّهِ واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم، والصابئون والنصارى كذلك أَيْضاً، أي من آمن باللَّه واليوم الآخر فلا خوف عليهم، وأنشدوا في ذلك قول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم. . . بغاة ما بقينا في شقاق
المعنى وإِلا فاعلموا أنَّا بغَاة ما بقينا في شقاق، وأنتم أيضاً كذلك.
وزعم سيبويه أن قوماً من العرب يغْلِطونَ فيقولون إِنهم أجمعونَ
ذاهبون، وإِنك وزيد ذاهبان. فجعل سيبويه هذا غلطاً وجعله كقول
الشاعر:
стр. 653
بدا لي أنى لسْتُ مدرِك مَا مَضى. . . ولا سَابِقٌ شيئاً إِذا كان جائياً
فأما (مَن آمَنَ بِاللَّهِ) وقد ذكر الذين آمنوا، فإنما يعني الذين آمنوا هَهنا
المنافقين الذين أظهروا الِإيمان بألْسنتهم، ودل على أن المعنى هنا مَا تقدَّم
من قوله: (لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ).
ومعنى الصابئ الخارج عن جملة الأدْيان لأنهم لا يدينون بالكتُب.
والعرب تقول قد صبأ نَابُ البعير، وصبأ سِنُّ الصَّبِيِّ إِذا خرج.
فأمَّا قولهم ضبأت بالضادِ المعجمة فمعناه اختبأت في الأرض.
ومنه اشتُق اسم ضابئ.
وقال الكسائي، الصابئون نسق على ما في هادوا، كأنه قال هادوا هم
والصابئون. وهذا القول خطأ من جهتين، إِحداهما أن الصابى يشارك إليهودِي في إليهودية وَإِن ذَكَرَ أن هادوا في معنى تابوا فهذا خطأٌ في هذا الموضع أيضاً لأن معنى الذين آمنوا ههنا إِنما هو إِيمان بأفواههم، لأنه يُعْنَى بِه المنَافِقُونَ، ألا ترى اأه قال من آمَنَ باللَّه، فلو كانوا مؤمنين لم يحتج أن يقال إِنْ آمنوا فلهم أجرهم.
وقوله: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)
المعنى كلًمَا جَاءَهُم رسُولٌ كذبوا فريقاً وقَتَلوا فريقاً.
أمَّا التَكْذيبُ فاليهودُ والنصارى مشتركة فيه، وأمَّا القتل فكانَتْ إليهود خاصَّة - دون
стр. 654
النَّصَارى - يَقْتُلون الأنبياءَ، وكانت الرسل على ضربين، رسل تأتي بالشرائع والكتب نحو موسى وعيسى وإبراهيم ومحمد - صلى الله عليهم وسلم -، فهؤُلاءْ معصومون من الخلق، لم يوصل إِلى قتل واحدٍ منهم، ورُسُل تأتي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحث على التمسك بالدين نحو يحيى وزكريا - صلى الله عليهما وسلم.
* * *
وقوله: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)
تقرأ (أَلَّا تَكُونَ) بالنصْب، و (أَلَّا تَكُونُ) بالرفْع.
فمن قرأ بالرفع فالمعنى أنه لا تكون فتنة، أي حسبوا فعلهم غير فَاتنٍ لهم وذلك أنهم كانوا يقولون إِنهم أبناءُ اللَّه وأحباؤه.
(فَعَمُوا وَصَمُّوا).
هَذا مثل، تأويله أنهم لم يعملوا بما سمعوا ولا بما رَأوْا من الآيات.
فصاروا كالعُمْى الصُّمِّ.
(ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ).
أي أرسل إِليهم محمداً ﷺ يعلمهم أن اللَّه جلَّ وعزَّ
قد تاب عليهم إِن آمنوا وصَدَّقوا، فلِم يُؤمنوا أكثرهم، فقال : (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ).
أي بعد أن ازداد لهم الأمر وضوحاً بالنبي ﵇. كثير منهم يرتفع
من ثلاثة أوجه، أحدها أن تكون بدلًا من الواو، كأنه لما قال
(عَمُوا وَصَمُّوا) أبدل الكثير منهم، أي عمي وصم كثير منهم كما تقول: جاءَني قومُك أكثرهُمْ، وجائز أن يكون جُمعَ الفعلُ مُقَدَّماً كما حكى أَهل اللغة أكلوني
стр. 655
البراغيث، والوجه أن يكون كثير منهم خبر ابتداءٍ محذوف، المعنى ذوو
العمى والصمم كثير مِنهم.
* * *
وقوله: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)
معناه أنهم قالوا الله أحد ثلاثة آلهة، أو وَاحِد من ثلاثة آلهة، ولا يجوز
في ثلاثة إِلا الجر، لأن المعنى أحد ثلاثة، فإن قلت زيد ثالث اثنين أو رابع
ثلاثة جاز الجر والنَّصْبُ، فأما النصب فعلى قولك كان القوم ثلاثة فَرَبَعَهُم.
وأنا رابعهم غداً، أو رابع الثلاثة غداً، ومن جر فعلى حذف التنوين، كما
قال : (هَدْيَاً بالغَ الكَعْبَة).
وقوله: (ومَا مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ).
دخلت " من " مَؤكدة، والمعنى ما إِله إِلا إِله واحد.
وقوله: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
معنى الذين كفروا منهم. الذين أقاموا على هذا الدين وهذا القول.
* * *
وقوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)
أي إِبراؤُه الأكمه والأبرص وإتيانه بالآيات المعجزات ليس بأنه إِله، إِنما
أتى بالآيات كما أتى موسى بالآيات، وكما أتى إِبراهيم بالآيات.
(وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ).
أي مبالغة في الصدق والتصديق، وإِنما وقع عليها صِدِّيقَةٌ لأنه أرسل
إِليها جبريل، فقال الله : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ)،
стр. 656
وصِدِّيق فِعيلٌ من أبنية المبالغة كما تقول فلان سِكيت أي مبالغ في السكوت.
وقوله: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ).
هذا احتجاج بين، أي إِنما يعيشان بالغذاءِ كما يعيش سائر الآدميين.
فكيف يَكُون إِلَهاً من لا يقيمه إِلا أكل الطعام.
وقوله: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ).
أي العلامات الواضحة.
(ثُمَّ انْظُرْ) أي انظر بعد البيان.
(أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
أي من أين يصرَفُونَ عَن الحق الواضح.
وكل شيءٍ صرفته عن شيءٍ وقَلَبْتَه عَنْه، تقول أفَكْتُه آفِكه إفْكاً، والِإفك
الكذب إِنما سمِّيَ لأنه صرف عن الحق، والمؤْتفكات الرياح التي تأتي من
جهات على غير قصد واحد.
وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)
أهواءَ جمع هوى، وهَوَى النفْسِ مقمبورٌ لأنه مثل الفَرقَ وفَعل جمعه
أفْعال، وتأويله لا تتبعوا شَهَواتِهمْ لأنهم آثروا الشهوات على البيان والبرهان.
وما في القرآن مِن ذكر اتباع الهَوَى مَذْمُوم نحو قوله:
(وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)
وقوله: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) وقوله: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى).
стр. 657
ومعنى (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا) الكثير اتبعوهم.
(وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).
أي ضلوا بإضلالهم عن قصد السبيل.
* * *
وقوله: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)
تأويل لعِنوا بُوعِدُوا من رحمة اللَّه.
(عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)
جاءَ في التفسير أن قوماً اجتمعوا على منْكرٍ، فأتاهم داود ﵇
ينهاهم عنه، فاستأذن عليهم فقالوا نحن قرودٌ وما نفقه ما تقول، فقال كونوا
قِردَةً، فمسخهم الله قِردَةً، وأن قوماً اجتمعوا على عيسى يَسُبُّونه في أُمِّه
وًيرْجمونَه فسأل الله أن يجعلهم خنازير فصاروا خنازير، وذلك لعنهم على
لسان داودَ وعيسَى.
وجائز أن يكون داود وعيسى أعْلِمَا أن محمداً ﷺ نَبيُ وأنهُما لعنا مَنْ كَفَرَ بِه.
وقوله؛ (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
أي ذلك اللعْن بمعصيتهم واعتدائهم.
و" ذلك " الكاف فيه للمخاطبة، واللام في ذَلِك كسرتْ لالتقاء السَّاكنين.
ولم يذكر الكوفيون كسر هذه اللام في شيءٍ من كُتبهم ولا عَرفُوه، وهذه من الأشياءِ التي كان ينبغي أن يتكلموا فيها، إِذ كان " ذلك " إِشارة إِلى كل
متراخ عنك، إِلا أن تركهم الكلام أعودُ علَيْهم مِنْ تَكلُّمِهمْ إذ كان أول ما
نطقوا به في فَعِلَ قد نقض سائر العربية، وقد بيَّنَّا ذلك قديماً.
стр. 658
وقوله: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)
أي لبئس سْيئاً فعِلهم، واللام دَخَلَتْ للقَسم والتوكِيد وقد بيَّنَّا لِم
فُتِحت، وسائر الحروف التي جاءَت يعْني لم فتِحتْ وكسرت ولم يبين
الكوفيون شيئاً من ذلك.
وقوله: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)
(أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)
(أنْ) يجوز أن يكون نصباً على تأويل بئس الشيءُ ذلك لأنْ سخط اللَّه
عَلَيْهم، أي لأن أكسبهم السَّخْطةَ، ويجوز أن يكون " أنْ " في موضع رفع
على إضمار هو، كأنَّه قيل هو أن سَخط اللَّهُ عَليهمْ، كما تقول نِعْمَ الرجُلُ.
* * *
وقوله: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)
وذلك أن اليَهودَ ظاهَروا المشركين على المؤْمنين، والمؤْمنون يُؤمنون
بموسى والتوراة التي أتى بها، وكان ينبغي أن يكونُوا إلى من وافقهم في
الِإيمان بنَبيهمْ وكتابهم أقرب، فظاهروا المشركين حَسَداً للنبي ﷺ .
وقوله: (لَتَجِدَنَّ) هذه اللام لام القسم، والنون دَخَلَتْ تَفْصِلُ بينَ الحال
والاسْتقْبَالِ، هذا مذهب الخليل وسيبويه، ومن يُوثق بعِلْمِه.
وقوله: (عَدَاوَةً) مَنْصُوب على التمييز.
(وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى).
في هذه غير وجه، جاءَ في التفسير أن نيفاً وثلاثين من الْحَبَشِ من
стр. 659
النصارى جاءُوا وجماعةً معهم، فأسلموا لمَّا تلا عليهم النبي ﷺ (القرآن).
وجائز أن يكون يُعْنَى بِه النَصارَى لأنهم كانوا أقَل مظاهرة للمشركِينَ من
اليهود، ويكون قوله: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ).
على معنى (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا)، ومنهم قوم إِذَا سَمِعُوا ما
أُنْزلَ إلى الرسولِ، يعني به ههنا مؤمنيهم، والقُسُّ والقِيس من رؤَساءِ
النصَارَى، فأمَّا القَس في اللُغَة فهي النميمة ونشر الحديث، يقال: قس
فلان الحديث قسًّا.
ومعنى (فَاكتُبْنَا مَعَ الشًاهِدينَ).
أي مع من شهد من أنْبِيائك ﵈ ومؤمِني عِبَادك بأنَكَ لا إِله
غيْرك.
* * *
وقوله: (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)
موْضع (لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ) نصب على الحال، المعنى أي شيء لنا تاركين
للإيمان، أي في حال تركنا للإِيمان، وذلك أن قومهم عنفوهم على إيمَانِهم
فأجابُوهم بأن قالوا ما لنا لا نؤمن بالله.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
الجَحِيم النَّار الشديدة الوَقُود، وقد جَحِمَ فلان النار إذا شدَّد وقودَها، -
وُيقال لِعَيْن الأسَد جَحْمة لشدة توقدها، ويقال لوقود الحرب، وهو شدة القتال فيها: جَاحِم.
قال الشاعر:
=
стр. 660
والخيل لا يبقى لجاحمها التخيل والمراحُ
إِلا الفتى الصّبَّارُ في النَجَداتِ والفرس الوَقَاحُ
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)
هذه قيل نزلت لأن َ جماعةً من أصحاب النبي كانوا هَمُّوا بأن يرفضوا
الدنيا ويجتنبوا الطيبات ويخْصُوا أنفسهم، فأعلم الله أن شريعة نبيه عليه
السلام غير ذلك، والطيبات لا ينبغي أن تجتنب ألبتَّة، وسمي الخصاءُ اعتداءً، فقال : (ولا تعتدوا)، أي لا تَجُبُّوا أنفسكم فإِن ذلك اعتداء.
* * *
وقوله: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
اللغو في كلام العرب ما اطرح ولم يعقد عليه أمر، ويسمَّى ما ليس
مُعتَدًّا به - وإِن كان مَوجُوداً - لغواً.
قال الشاعر:
أو مِائةً تجعل أولَادَها. . . لَغْواً وعُرْضُ المائةِ الجَلْمَدُ
(الذي يعارضها في قوة الجلمد)، يعني بذلك نوقاً، يقول: مائة لا
تجعل أولادها من عددها.
أعلم اللَّه أن اليمين التي يُؤاخَذُ بها العَبْدُ وتجب في بعضها
стр. 661
الكفارَةُ ما جرى على عقدٍ، ومعنى فكفارته إطعامُ عَشَرةِ مَسَاكين، أي فكفارة المُؤَاخَذَةِ فيه إِذا حَنَثَ أن يُطْعَم عَشَرَة مساكين إِن كانوا ذكوراً أو إِناثاً وذكوراً أجزأه ذلك، ولكن وقع لفظ التذكير لأنه المُغَلَّبُ في الكلام.
ومعنى (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ).
قال بعضهم أعدله كما قال جلَّ وعزَّ: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)
أي عَدْلاً، و (أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) على ضربين أحدهما أوسطه في
القدر والقيمة، والآخر أوسَطه في الشبع لا يكون المأكول يفرط في أكله فيؤكل منه فوق القصدِ وقدر الحاجة، ولا يكون دون المعنى عن الجوع.
(أَوْ كِسْوَتُهُم).
والكسوة أن يكسوهم نحو الِإزَار والعِمَامة أو ما أشبه ذلك.
(أَوْ تَحرِيرُ رَقَبةٍ).
فخير الحالف أحدَ هذه الثلاثة، وأفضلها عند الله أكثَرُها نَفْعاً، وأحسنُها
موقعاً من المساكين، أو من المعتق، فإِن كان الناس في جَدْب لا يقدرون
على المأْكول إِلا بما هو أشد تكلفاً من الكسوة أو الِإعتاق، فالِإطعام أفضل.
لأن به قِوَامَ الحياةِ وإِلا فالِإعتاق أو الكسوة أفضل.
(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ).
أَي من كان لا يقدر على شيء مما حُذدَّ في الكفارة، فعليه صيام ثلاثة
أيامٍ، وصيام ثلاثة مرتفع بالابتداءِ، وخبره كفارته أَو فكفارته صيام ثلاثة
أيام.
ويجوز فصيامٌ ثلاثةَ أَيامٍ كما قال : (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤).
стр. 662
(أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا).
(ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).
أي ذلك الذي يغطي على آثامكم، يقال كَفَرْتُ الشيءَ إِذا غطَّيتُه، ومنه
قوله : (أعجب الكفَارَ نباتُه)، والكفار الذين يغطون الزرع
ويصلحونه، والكافر إِنما سمي كافراً، لأنه ستر بكفره الِإيمان.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)
فالخمر معروف وهو ما خامر العقل، وقد فسرناه، والميسرُ القَمارُ
كله، وأصله إنَّه كان قماراً في الجزور، وكانوا يقسمون الجَزورَ في قول
الأصمعي على ثمانية وعشرين جزءاً، وفي قول أبي عمرو الشيباني على عشرة
أجزاء، وقال أبو عبيدة لا أعرف عَدَدَ الأجزاء، وكانوا يضربون عليها بالقداح وهي سهامُ خَشبٍ. لها أسماء نبينها على حقيقتها في كتابنا إِن شاءَ اللَّه، فيحصل كل رجل من ذلك القمار على قدر إِمكانه، فهذَا أصْل الميْسرِ، والقمار كلُّه كالميْسر وقد بيَّنَّا الأنصاب والأزلام في أول السورة.
فأعلمَ اللَّهُ أن القِمارَ والخَمرَ والاسْتِقْسَامَ بالأزْلامِ وعبادةَ الَأوثان رجسٌ.
والرجس في اللغة اسم لكل ما استُقْذِرَ من عمل، فبالغ الله في ذَمَ هذه
الأشياء، وسماها رجْساً، وأعلم أَن الشيطان يُسَوِّلُ ذلك لِبَني آدم، يقال رَجِسَ الرجلً يَرْجَسُ، ورجَسَ يَرْجُسُ، إِذَا عمل عملاً قبيحاً، والرجْسُ بفتح الراء
стр. 663
شِدَّةُ الصوْتِ، فكان الرجس العمل الذي يقبح ذكره، ويرتفع في القبح.
ويقال سحاب ورَعْد رجَّاسٌ إِذا كان شديد الصوت.
قال الشاعر:
وكل رَجَّاسٍ يَسُوقَ الرُّجَّسَا
وأمَّا الرجز بالزاي فالعذابُ، أو العمل الذي يَؤدي إِلى العذاب.
قال اللَّه: (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) أي كشفت عنا العذاب، وقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قالوا عبادة الأوثان.
وأصل الرجْز في اللغة تتابع الحركات، فمِنْ ذلك قولهم رجزاءَ إِذا كانت ترتعد قوائمها عند قيامها.
ومن هذا رَجَزُ الشَعر لأنه أقْصَر أبيَاتِ الشَعْرِ، والانتقال فيه من بيت إلى بيت سريع نحو قوله:
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
ونحو قولهم:
صَبْراً بَنِي عَبْدِ الدارِ
ونحو قولهم:
ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا
стр. 664
وزعم الخليل أن الرجَزَ ليس بشعر، وإِنما هو أنصاف أبْيَات أو أَثلاث.
ودليل الخليل في ذلك ماروي عن النبي ﷺ :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا وتأتيك من لم تزوَّدْ بالأخبار.
قال الخليل: لوكان نصف البيت شعراً ما جرى على لسان النبي ﷺ
سَتُبدِي لك الأيَّامُ مَا كَنْتَ جَاهِلاً
وجاءَ النصف الثاني على غير تأْليف الشعر، لأن نصف البيت لا يقال له
شِعرٌ ولا بَيتٌ، ولو جاز أن يقال لنصف البيت شعر لقيلَ لِجُزْءٍ منه شعر.
وجرى على لسان النبي ﷺ فيما روَى:
أَنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
قال بعضهم: إِنما هوَ لا كذِبَ أنا ابن عبد المطلب، بفتح الباءِ على
الوصل.
قال الخليل: فلو كان شعراً لم يجر على لسان النبي ﷺ ، قال اللَّه: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ)، أي ما يَسَفَل له.
قال الأخفش كان قول الخليل إِن هذه الأشياءَ شعرٌ، وأنا أقول: إِنها ليست بشعر، وذكر أنه ألْزَم الخليلَ أن الخليل اعتقده.
ومعنى الرجز العذاب المُقَلْقِلُ لشدتِه قلْقَلةً شَدِيدَةً متتابعة.
ومعنى فاجتَنِبُوهَ: أَي اتركوه.
стр. 665
واشتقاقه في اللغة كونوا جانباً منه أي في ناحية.
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)
هذه اللام لامُ القَسَمِ، واللام مفتوحة لالتقاءِ السَّاكنين في قول بعضهم اغزُوَنَ يا رَجُل، فأمَّا لام لَتُبْلَوُن، فزعم سيبويه أنها مبنية على الفتح.
وقد أَحكمنا شرحَ هذا قبل هذا الموضِع.
ومعنى: " ليبلونكم ": ليختبرنَّ طاعتكم من معصيتكم.
ميه بِشيءٍ مِنَ الصيدِ).
فَقال بشيءٍ من الصيْدِ فبَّعض، وهو يحتمل وَجْهَيْن
أَحدهما أنه على صيد البَر دُونَ صَيْدِ البَحْر، والثاني أَنه لَمَّا عَنى الصَّيدَ ما داموا في الإحرام كان ذلك بعضَ الصََّيْدِ. وجائز أن يكون على وجه ثالث، ويكون " مِنْ " هذه تبين جنساً من الأَجناس، تقول: لأمتحننك بشيءٍ من الوَرِق، أي لامتحننك بالجنس الذي هو ورق، كما قال جلّ ثناؤُه: (وفَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) والأَوثان كلها رجس.
المعنى فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن.
ومعنى قوله: (تَنالُه أَيدِيكمْ ورماحُكُمْ).
الذي تناله الأيدي نحو بيض النَعام وفراخِه وما كان صغيراً ينهض من
مجْثمِهِ مِن غَيرِ النعام وسائر ما يفوق اليد بحركته من سائر الوحش.
فحرم جميع صيد البر الجراد وكل ما يصطاد فحرام صيده ما داموا حرماً. وبيَّن رسول اللَّه ﷺ أَنَّ كل ما اصْطِيد في الحرم حرام، كانوا محرمين أَو غير محرمين.
وقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)
стр. 666
(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا)
أي عمداً لِقتلِه، كأنه ناسٍ إنَّه محرِم، ومتَعمِّد للقتل، وجائز أن يقصد
القتل وهو يعلم أنَّه محرم.
وقوله: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ).
و (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ) برفع مثل وجرَها، فمن رفَعهُما جميعاً فرفعه على
معْنى فعليه جزاء مثل الذِي قَتلَ، فيكون " مِثْل " من نَعْتِ الجزاء، ويكون أن ترفع " جزاءَ " على الابتداءِ ويكون مثل قتَل خبر الابتداءِ، ويكون المعنى فجزاء ذلك الفعل مِثلُ ما قَتَلَ، ومن جرَّ أراد فعليه جزاءُ مِثل ذلك المقتول من النَّعمِ، والنعمً في اللغة هي الِإبل والبقر والغَنَمُ، وإِن انفَردت الِإبل منها قيل لها نَعم وإِن انفردت الغنمُ والبقرُ لم تسَمَّ نعَماً.
فكان عليه بحذاءِ حمار الوحش وبقرةِ الوحش بَدَنةً، وعليه بحذاءِ الظباءِ
من الغنم شاة.
وقوله : (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ).
أَي من أَهل ملتكم، فعلى قاتل الصيد أَن يسْألى فقيهيْنِ عَدْلَيْن عن جزاءِ
ما قَتَل، ويقولان له: أَقتلتَ صيْداً قبْل هَذَا وأنْتَ مُحرِم فإِن اعْترف بأنه قتل صيداً قبْل ذَلِك لم يَحْكُمَا عليه بشيء، لقول الله :
(ومن عاد فيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ).
وإِن لم يعترف نَظَرا فيما قتل. فإِن كان كالِإبل حكماً عليه بها
(هَدْياَ بَالِغَ الكعْبةِ) وإِن كان كالشاءَ حكما عليه بمثل ذلك.
وإِن كانت القيمة لا تبلغ نظرا فقدرا قيمة ذلك، وأطعم بثمن ذلك المساكين، كل مِسكين - قال بعضهم - صاعاً من حِنطة، وقال بعضهم نصف صاع أَوْ صَامَ بعَدْلِ ذلك على ما توجِبُه السُّنَّةُ.
ويجوز أَن تكون " أَو " - وهو الَأجود في اللغة - للتخيير، فإن
شاءَ أَهدىَ وإن شاتَ قوَّما له الهدْيَ وأَطْعَم بدلَه على ما وصفنا.
وجعل مثل ذلك صياماً لَأن " أَو " للتخيير، وقال بعضهم كأَنَّهُ إِن لم يقدر على الِإبلِ والغَنمِ
стр. 667
فينبغِي أن يُطعِم أو يصُومَ، والذي يوجبه اللفظُ التخييرُ، وأهلُ الفِقْهِ أعلمُ
بالسنة في ذلك، إِلَّا أَني أختارُ على مذهب اللغة أنَّه مخير.
وقوله: (هَدْياً بَالِغَ الكعْبَةِ).
منصوب على الحال. المعنى يحكمان به مقَذَراً أن يُهْدَى.
و (بالغ الكعبة) لفظُه لفظ مَعْرفة، ومعناه النكرة، المعنى بالغاً الكعبة، إِلا أن التَّنْوِينَ حُذِف استِخفَافاً.
ومعنى قوله: (أوعَدْلُ ذلِك).
أو مِثل ذلك، قال بعضهم عَدْلُ الشيء مثله من جنسه، وعَدْلُه مثله من
غير جنسه - بفتح العين، وقال إِلا أن بعض العرب يغلط فيجعل العَدْل والعِدْل في معنى المثل، وإِن كان من غير جنس الأول.
قال البصريون العَدْل والعِدل في معنى المثل، والمعنى واحد كان، لمثل من الجنس أو من غير الجنس، كما أن المثل ما كان من جِنْسِ الشيءِ ومِنْ غير جِنْسِه، مِثْل، ولم يقولوا إِن العرب غلطت، وَلَيْسَ إِذا أخْطا مخطئ يوجب أن تقول أن بعض العرب غلط.
وقوله: (صِيَاماً).
منصوب على التمييز. المعنى أو مثل ذلك من الصيام.
(لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِه).
" الوَبَالُ " ثِقْلُ الشيءِ في المكروه، ومنه قولهم طعام وبيل، وماء وبيل، إِذا
كانا ثقيلين غيرُ نَامِيَينِ في المَالِ، قال : (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا)
أَي ثقتيلَاَ شديداً، والوبيلُ خشبةُ القصَّارِ ومن هذا قيل لها وبيل.
قال طرفة ابن العبدِ.
стр. 668
عقيلة شيخ كالوبيل يلنْدَدٍ
وقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ).
الفاءٌ جواب الجزاء والمعنى أنه - واللَّه أعلم - ومن عاد مستَحِلًّا للصيد
بعد أنْ حَرمَه الله منه فينتقم اللَّهُ مِنه أي فيعذبه اللَّهُ.
وجائز أن يكون: من عاد مستخفًّا بأمر اللَّه فجزاؤُه العذاب كجزاءِ قاتل النفس.
* * *
وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
أي أحل لكم صيدَ البحر، وأحل لكم طَعَامَ البحر للسَّيَّارَةِ، فَأمَّا صَيدُه
فمعروفٌ، وأمَّا طَعَامُه فقد اختُلِفَ فيه، فقالَ بعضهم: ما نَضَبَ الماءَ عنه
فأخِذَ بغَيْر صَيد فهو طعامه، وقال طعامه هو كل ما سقاه الماء فأنبت فهو طعام البحر، لأنه نبت عن ماءِ البحر، فأعلمهم اللَّه أن الذي أحل لهم كثير في البر والبحر، وأن الذي حُرمَ عَليهم إنما هو صيد البر في حال الإِحرام. وسَنَ النبيُّ ﷺ تحريمَ الصيد في الحرم ليكون قد أعْذَر إِليهم من الانتقام ممن عاود ما حرم اللَّه عليه مع كثرة ما أحل اللَّهُ لَهُ.
و (مَتَاعاً): منصوب مصدر مؤكد، لأنه لما قال أجل لكم كان دَليلاً على أنه
قد مَتَّعَهُمْ به، كما أنه لما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)
كان دليلَاَ على أنه قد كتب عليهم ذلك، فقال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
стр. 669
وقوله جلَّ وعزَّ: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)
قيل إِنما سُمِّيتِ الكعبةَ لتربيع أعلاها.
ومعنى (قِياماً للناسِ) أي مما أمِروا بِه أن يقوموا بالفرض فيه.
وكذلك: (والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ).
فأمَّا مَن قَال إِنه أمن فلأنَّ اللَّه قال: (وَمَنْ دَخَله كَانَ آمِناً) ولم تَزَلْ
العرب تترك القتال في الشهر الحرام، وكان يسمى رَجَب الأصَمّ لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح.
وأما من قال جُعِلت هذه الأشياء ليَقومَ الناس بها فإنما عنى
متعبداتهم بالحج وَأسْبَابِه.
وقوله: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ).
فيه قولان: أحدهما أن الله لما آمَنَ مِنَ الخوف البلدَ الحَرَامَ، والناسق
كان يقتل بعضعهم بعضاً، وجعلَ الشهرَ الحرامَ يُمتَنَع فِيه من القتل، والقوم
أهل جاهلية، فدل بذلك أنه يعلم ما في السَّمَاوات ومَا في الأرْض إذْ جَعَل في
أعْظمِ الأوْقَاتِ فساداً ما يؤمن به، وفيه قول آخر وهو عندي أبين، وهو أن
ذلك مَرْدُود على ما أنبأ اللَّه به على لسان نبيه في هذه السورةِ من قوله: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ).
فأخبر بنفاقهم الذي كان مسْتَتَراً عن المسلمين، وما أخبر به أنهم
(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ).
فأظهر الله ما كانوا أسَروه من قصة الزانيين، ومسألتِهمْ إياه ﷺ وما شَرَحْناه مما كانوا عليه في ذلك.
فأظهر الله جلَّ وعزَّ: نبيه والمؤمِنِينَ على جميع ما ستروا عَنْهُمْ.
стр. 670
فالمعنى - واللَّه أعلم - ذلك لتعلموا الغيب الذي أنْبأتُكُمْ به عن اللَّه.
يدلكم على إنَّه يعلم ما في السَّمَاوَات وما في الأرض.
ودليل هذا القول قوله جلَّ وعزَّ:
(مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩).
* * *
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)
(تُبْدَ لكم) - تُظْهَر لَكُم، يقال بدا لي الشَيء يبدو إذَا ظَهَر.
جاءَ في التفسير أن النبي ﷺ خطب الناس فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم الحج، فقام رجل من بني أسدٍ فقال: يا رسول اللَّه أفي كل عام؟
فأعرض عنه ﷺ فعادَ الرجلُ ثانية، فأعرض عنه، ثم عاد ثالثة فقال ﷺ
ما يُؤمنك أن أقول نَعَمْ فَتجبُ فلا تقومون بها فتكفرون.
تأويل " تكفرون "، - واللَّه أعلم - ههنا أنكم تَدْفَعُونَ لِثِقَلِهَا وُجُوبَهَا
فتكفرون.
وقال ﷺ : " اتركوني ما تركْتُكُمْ فإِنما هلك منْ كَانَ قَبلَكم بكثرة اخْتِلَافِهِمْ على أنبيائهم ".
وسأله ﷺ رجل كان يتنازعه اثنان يدَّعِيَ
كل واحد منهما أنَّه أبوه فأخبر ﷺ بأبيه منهما، فأعلم الله أن السوال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع.
فإنه إِذَا ظهرَ منهُ الجوابُ سَاءَ ذَلِك. وخاصَّةً في وقت سُؤَالِ النبي ﷺ عن جهة تبيين الآيات، فنهى الله عن ذلك، وأعلم أنَّه قد عفا عنها، ولا وجهَ عَن مسألة ما نهى اللَّه عنه، وفيه فضيحة على السائل إِن ظهر.
следующие страницы →