← Тафсир

Тафсир · id 922

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

الزجاج

Полный текст (2 149 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا) أي عمداً لِقتلِه، كأنه ناسٍ إنَّه محرِم، ومتَعمِّد للقتل، وجائز أن يقصد القتل وهو يعلم أنَّه محرم. وقوله: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ). و (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ) برفع مثل وجرَها، فمن رفَعهُما جميعاً فرفعه على معْنى فعليه جزاء مثل الذِي قَتلَ، فيكون " مِثْل " من نَعْتِ الجزاء، ويكون أن ترفع " جزاءَ " على الابتداءِ ويكون مثل قتَل خبر الابتداءِ، ويكون المعنى فجزاء ذلك الفعل مِثلُ ما قَتَلَ، ومن جرَّ أراد فعليه جزاءُ مِثل ذلك المقتول من النَّعمِ، والنعمً في اللغة هي الِإبل والبقر والغَنَمُ، وإِن انفَردت الِإبل منها قيل لها نَعم وإِن انفردت الغنمُ والبقرُ لم تسَمَّ نعَماً. فكان عليه بحذاءِ حمار الوحش وبقرةِ الوحش بَدَنةً، وعليه بحذاءِ الظباءِ من الغنم شاة. وقوله : (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ). أَي من أَهل ملتكم، فعلى قاتل الصيد أَن يسْألى فقيهيْنِ عَدْلَيْن عن جزاءِ ما قَتَل، ويقولان له: أَقتلتَ صيْداً قبْل هَذَا وأنْتَ مُحرِم فإِن اعْترف بأنه قتل صيداً قبْل ذَلِك لم يَحْكُمَا عليه بشيء، لقول الله : (ومن عاد فيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ). وإِن لم يعترف نَظَرا فيما قتل. فإِن كان كالِإبل حكماً عليه بها (هَدْياَ بَالِغَ الكعْبةِ) وإِن كان كالشاءَ حكما عليه بمثل ذلك. وإِن كانت القيمة لا تبلغ نظرا فقدرا قيمة ذلك، وأطعم بثمن ذلك المساكين، كل مِسكين - قال بعضهم - صاعاً من حِنطة، وقال بعضهم نصف صاع أَوْ صَامَ بعَدْلِ ذلك على ما توجِبُه السُّنَّةُ. ويجوز أَن تكون " أَو " - وهو الَأجود في اللغة - للتخيير، فإن شاءَ أَهدىَ وإن شاتَ قوَّما له الهدْيَ وأَطْعَم بدلَه على ما وصفنا. وجعل مثل ذلك صياماً لَأن " أَو " للتخيير، وقال بعضهم كأَنَّهُ إِن لم يقدر على الِإبلِ والغَنمِ

стр. 667

فينبغِي أن يُطعِم أو يصُومَ، والذي يوجبه اللفظُ التخييرُ، وأهلُ الفِقْهِ أعلمُ بالسنة في ذلك، إِلَّا أَني أختارُ على مذهب اللغة أنَّه مخير. وقوله: (هَدْياً بَالِغَ الكعْبَةِ). منصوب على الحال. المعنى يحكمان به مقَذَراً أن يُهْدَى. و (بالغ الكعبة) لفظُه لفظ مَعْرفة، ومعناه النكرة، المعنى بالغاً الكعبة، إِلا أن التَّنْوِينَ حُذِف استِخفَافاً. ومعنى قوله: (أوعَدْلُ ذلِك). أو مِثل ذلك، قال بعضهم عَدْلُ الشيء مثله من جنسه، وعَدْلُه مثله من غير جنسه - بفتح العين، وقال إِلا أن بعض العرب يغلط فيجعل العَدْل والعِدْل في معنى المثل، وإِن كان من غير جنس الأول. قال البصريون العَدْل والعِدل في معنى المثل، والمعنى واحد كان، لمثل من الجنس أو من غير الجنس، كما أن المثل ما كان من جِنْسِ الشيءِ ومِنْ غير جِنْسِه، مِثْل، ولم يقولوا إِن العرب غلطت، وَلَيْسَ إِذا أخْطا مخطئ يوجب أن تقول أن بعض العرب غلط. وقوله: (صِيَاماً). منصوب على التمييز. المعنى أو مثل ذلك من الصيام. (لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِه). " الوَبَالُ " ثِقْلُ الشيءِ في المكروه، ومنه قولهم طعام وبيل، وماء وبيل، إِذا كانا ثقيلين غيرُ نَامِيَينِ في المَالِ، قال : (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) أَي ثقتيلَاَ شديداً، والوبيلُ خشبةُ القصَّارِ ومن هذا قيل لها وبيل. قال طرفة ابن العبدِ.

стр. 668

عقيلة شيخ كالوبيل يلنْدَدٍ وقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ). الفاءٌ جواب الجزاء والمعنى أنه - واللَّه أعلم - ومن عاد مستَحِلًّا للصيد بعد أنْ حَرمَه الله منه فينتقم اللَّهُ مِنه أي فيعذبه اللَّهُ. وجائز أن يكون: من عاد مستخفًّا بأمر اللَّه فجزاؤُه العذاب كجزاءِ قاتل النفس. * * * وقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) أي أحل لكم صيدَ البحر، وأحل لكم طَعَامَ البحر للسَّيَّارَةِ، فَأمَّا صَيدُه فمعروفٌ، وأمَّا طَعَامُه فقد اختُلِفَ فيه، فقالَ بعضهم: ما نَضَبَ الماءَ عنه فأخِذَ بغَيْر صَيد فهو طعامه، وقال طعامه هو كل ما سقاه الماء فأنبت فهو طعام البحر، لأنه نبت عن ماءِ البحر، فأعلمهم اللَّه أن الذي أحل لهم كثير في البر والبحر، وأن الذي حُرمَ عَليهم إنما هو صيد البر في حال الإِحرام. وسَنَ النبيُّ ﷺ تحريمَ الصيد في الحرم ليكون قد أعْذَر إِليهم من الانتقام ممن عاود ما حرم اللَّه عليه مع كثرة ما أحل اللَّهُ لَهُ. و (مَتَاعاً): منصوب مصدر مؤكد، لأنه لما قال أجل لكم كان دَليلاً على أنه قد مَتَّعَهُمْ به، كما أنه لما قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) كان دليلَاَ على أنه قد كتب عليهم ذلك، فقال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).

стр. 669

وقوله جلَّ وعزَّ: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) قيل إِنما سُمِّيتِ الكعبةَ لتربيع أعلاها. ومعنى (قِياماً للناسِ) أي مما أمِروا بِه أن يقوموا بالفرض فيه. وكذلك: (والشَهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ). فأمَّا مَن قَال إِنه أمن فلأنَّ اللَّه قال: (وَمَنْ دَخَله كَانَ آمِناً) ولم تَزَلْ العرب تترك القتال في الشهر الحرام، وكان يسمى رَجَب الأصَمّ لأنه لا يسمع فيه صوت السلاح. وأما من قال جُعِلت هذه الأشياء ليَقومَ الناس بها فإنما عنى متعبداتهم بالحج وَأسْبَابِه. وقوله: (ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). فيه قولان: أحدهما أن الله لما آمَنَ مِنَ الخوف البلدَ الحَرَامَ، والناسق كان يقتل بعضعهم بعضاً، وجعلَ الشهرَ الحرامَ يُمتَنَع فِيه من القتل، والقوم أهل جاهلية، فدل بذلك أنه يعلم ما في السَّمَاوات ومَا في الأرْض إذْ جَعَل في أعْظمِ الأوْقَاتِ فساداً ما يؤمن به، وفيه قول آخر وهو عندي أبين، وهو أن ذلك مَرْدُود على ما أنبأ اللَّه به على لسان نبيه في هذه السورةِ من قوله: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ). فأخبر بنفاقهم الذي كان مسْتَتَراً عن المسلمين، وما أخبر به أنهم (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ). فأظهر الله ما كانوا أسَروه من قصة الزانيين، ومسألتِهمْ إياه ﷺ وما شَرَحْناه مما كانوا عليه في ذلك. فأظهر الله جلَّ وعزَّ: نبيه والمؤمِنِينَ على جميع ما ستروا عَنْهُمْ.

стр. 670

فالمعنى - واللَّه أعلم - ذلك لتعلموا الغيب الذي أنْبأتُكُمْ به عن اللَّه. يدلكم على إنَّه يعلم ما في السَّمَاوَات وما في الأرض. ودليل هذا القول قوله جلَّ وعزَّ: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩). * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) (تُبْدَ لكم) - تُظْهَر لَكُم، يقال بدا لي الشَيء يبدو إذَا ظَهَر. جاءَ في التفسير أن النبي ﷺ خطب الناس فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم الحج، فقام رجل من بني أسدٍ فقال: يا رسول اللَّه أفي كل عام؟ فأعرض عنه ﷺ فعادَ الرجلُ ثانية، فأعرض عنه، ثم عاد ثالثة فقال ﷺ ما يُؤمنك أن أقول نَعَمْ فَتجبُ فلا تقومون بها فتكفرون. تأويل " تكفرون "، - واللَّه أعلم - ههنا أنكم تَدْفَعُونَ لِثِقَلِهَا وُجُوبَهَا فتكفرون. وقال ﷺ : " اتركوني ما تركْتُكُمْ فإِنما هلك منْ كَانَ قَبلَكم بكثرة اخْتِلَافِهِمْ على أنبيائهم ". وسأله ﷺ رجل كان يتنازعه اثنان يدَّعِيَ كل واحد منهما أنَّه أبوه فأخبر ﷺ بأبيه منهما، فأعلم الله أن السوال عن مثل هذا الجنس لا ينبغي أن يقع. فإنه إِذَا ظهرَ منهُ الجوابُ سَاءَ ذَلِك. وخاصَّةً في وقت سُؤَالِ النبي ﷺ عن جهة تبيين الآيات، فنهى الله عن ذلك، وأعلم أنَّه قد عفا عنها، ولا وجهَ عَن مسألة ما نهى اللَّه عنه، وفيه فضيحة على السائل إِن ظهر.

стр. 671

و (أشياءَ) في موضع جر إلا أنها فتحت لأنها لَا تَنْصرِفُ. وقال الكسائي أشبه آخرُها آخَرَ حَمْرَاءَ، ووزْنُها عندَه أفْعال، وكثر اسْتِعْمَالَهُمْ فلم تُصْرَف. وقد أجمع البصريون وأكثر الكوفيين على أن قول الكسائي خطأ في هذا، وألزموه ألا يصْرفَْ أبناءً وأسماءً. وقال الأخفش - سعيدُ بنُ مسعدة - والْفَراءُ: أصلها أفعلاءَ كما تقول هَيْن وأهوِنَاءَ إلا إنَّه كان الأصلُ أشْيئاءَ على وزْنِ " أشبِعاع، فاجْتَمَعَتْ هَمزتَان بينهما ألف، فحذفت الهمزة الأولى. وهذا غلط أيضاً؛ لأن شيئاً فَعْلٌ، وفَعْل لا يجمع على أفعلا " فأما هَين. فأصله أهيِنُ، فجمع على أفعلاءَ، كما يجمع فعيل على أفعلاء مثل نصيب وأنصباءَ. وقال الخليل: أشياءَ اسم للجميع كان أصله فعلاءَ - شيئاء فاستثقلت الهمزتان فقلبت الأولى إلى أول الكلمة فَجعلَت لفْعاءَ كما قالوا أنْوق فقلبوا أينق، كما قلبوا قووس فقالوا قِسيّ. ويُصَذقُ قولَ الخليل جمعهُم أشياءَ على أشاوى، وأشَايَاه وقول الخليل هو مَذهَب سيبويه وأبِي عُثْمانَ المازني وجميعِ البصريين إِلا الزيادى منهم، فإنه كان يميل إلى قول الأخفش. وذكروا أن المازني ناظر الأخفش في هذا فقطع المازنى الأخْفَشَ. وذلك أنه سأله: كيف تُصغرُ أشياءَ فقال: أشَيَّاء، فاعلم. ولو كانت أفعلاءُ لرُدَّتْ في التصغير إلى واحدها، فقيل شُيَيْئَات، وإِجماع البصريين أن تصغير

стр. 672

أصدقاءَ إذا كان للمَؤنثات صُديِّقَات وإن كان للمذكرين صُدَيِّقُون. * * * وقوله: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) أثبتُ ما رَوينا في تفسير هذه الأسماء عن أهل اللغة ما أذكره ههنا: قال أهل اللغة: الْبَحِيرةُ ناقةٌ كانت إذا نُتجت خمسة أبطُن وكان آخرُها ذكراً، نحروا أذْنَها - أي شَقوهَا - وامتنعوا من ركوبها وذبْحهَا، ولا تطرد عن ماءٍ ولا تمنع مِن مَرْعًى، وإِذا لقِيها المعُيى لم يركبها. والسائبة. كان الرجل إذَا نذَر لقدوم من سَفَر أو بُرءٍ منْ عِلَّة أو ما أشبه ذلك قال ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها وأنْ لَا تُجْلَى عن مَاء ولا تَمْنعُ من مَرْعًى. وكان الرجل إذا أعتَقَ عبداً قال هو سائِبةٌ، فلا عقل بينهما ولا ميراث. وأما الوَصِيلَةُ ففي الغنم، كانت الشاة إِذا ولدت أنثى فهي لهم وإِذا ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وأمَّا الحامِي فالذكر من الإبل. كانت العرب إِذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبْطن، حُمِي ظهرهُ فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماءٍ ولا مرعى. فأعلم اللُّه أنَّه لَمْ يُحَرَمْ من هذه الأشياءِ شيئاً، وأن الذين كفروا افْتروْا على اللَّه. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) معناه إِنما ألزمكم اللَّه أمرَ أنْفُسَكُمْ.

стр. 673

(لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ). أي لا يُؤاخذكم اللَّه بذنوب غيركم، وليس يُوجبُ لفظُ هذه الآيةِ ترك الأمْرِ بالمعروف والنهيِ عَن المنكر، وأعلم أنه لا يضر المْؤمِنَ كفرُ الكافِرِ. فإذا تَركَ المؤْمنُ الأمرَ بالْمَعروفِ وهو مستطيع ذلك فهو ضَال، وليس بِمُهْتَدِ. وَإِعْرًابُ: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) الأجود أن يكون رفعاً ويكون على جهة الخبرِ. المعنى ليس يضُركم مَنْ ضَل إِذَا اهْتَدَيتُم. ويجُوزُ أن يكونَ موضعُهُ جزماً، ويكون الأصل لا يضرُركم إِلا أن الراءَ الأولى أدغِمَتْ في الثانِيَةِ فَضُمَّتِ الثانية لالتقاءِ السَّاكنين، ويجوز في العرَبِيةِ على جهة النهيِ لا يضركم بفتح الراءِ، ولا يَضُركم بكسرها. ولكن القراءَة لا تُخَالَفُ، ولأنَّ الضم أجْوَدُ كان الموضعُ رفعاً أو جَزْماً. فأمَّا من ضَمَّ لالتقاءِ السَّاكنين فأتبع الضمَّ الضمَّ، وأمَّا من كسر فلان أصل التقاءِ السَّاكنين الكسر، وأمَّا من فتح فلخفة الفتح فتح لالتقاءِ السَّاكنين. وهذا النهي للفظ غائب يراد به المخاطبون، إذا قلت: لا يَضْررْكَ كفرُ الكافر، فالمعنى لا تَعُدَّنَ أنت كفْرُه ضَرَراً، كما أنك إِذَا قلتَ لا أرنيك ههنا، فالنهي في اللفظ لنفسك، ومعناه لمخَاطَبِكَ، معناه لا تكونن ههنا. * * * وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) معناه أنَّ الشَهادةَ في وقت الوصية هي للموت ليس أن الموتَ حاضرُه وهو يُوصِي بما يَقُولُ الموصِي، صحيحاً كان أو غَير صحيحٍ: إِذا حَضَرَنِي الموتُ، أو إذَا مِتُ فافعلوا واصْنَعُوا. والشهادة ترتفع من جهتين: أحدهما أن تَرتَفِعَ بالابتداءِ ويكون خبرها " اثنان "، والمعنى شهادة هذه الحال شهادةُ اثنين، فتحذف شهادة ويَقُومُ اثنان مقامها.

стр. 674

ويجوز أن يكون رفع (شهادةُ بينِكم) على قوله وفِيما فرض اللَّه عليكم في شهادتكم أن يشهد اثنان، فيرتفع اثنان بشهادة، والمعنى أن يشهد اثنان فيرتفع اثنان بشهادة، والمعنى أ، يشهد اثنان ذوا عَدْل منكم. معنى " مِنْكُمْ " قيل فيه قولان، قال بعضُهم منكم من أهل دينكم. (أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكمْ) من غير أهْلِ مِلَّتكم. وقال بعضهم: (ذَوَا عَدْل مِنْكم) من أهل الميت، أو آخرَان مِن غَيْركم مِن غَيرِ أهلِ الميِّت، واحتجِ هؤلاءِ بأن قوله: (فَيَقْسِمَان باللَّهِ إِن ارتَبتم لَا نَشْتَرِي بِه ثَمَناً وَلَو كَانَ ذَا قربى) يَدل على أن مِنْكم مِنْ ذَوِي قَراباتِكم. وقال هؤلاءِ إِذا كانوا أيضاً عُدولًا مِنْ قَرَابَاتِ الميِّتِ، فهم أولى لأنهم أعلم بأحوال الأهْل مِن الغرائب، وأعلم بما يُصلِحُهم، واحتجوا أيضاً بأن (ذَوَى عَدْل) لا يكونان من غير أهل ملة الِإسلام لأن الكفر قد باعدَ من العدالة. فأَعلم اللَّه أن الوصيةَ ينبغي أن يكونَ شاهدها عَدلَيْن من أهل الميت أو من غير أهله إِن كان الْموصِي في حضرٍ وكذلك إِن كان في سفر. فقوله: (إِن أَنتمْ ضَرَبتُم في الأرضِ فَأصابَتْكُمْ مصِيبَةُ الْمَوْتِ). ذكر الموت في السفر بعد قوله: إِذا حضر أحدكم الموت حين الوصية، فكان في الآية - واللَّه أعلم - دليلًا على الشهادة في الحضر والسفر. وقد جاءَ في التفسير أن اثنين كانا شَهِدَا في السفر غير مسلمين

стр. 675

وللإِجماع أن الشهود لا يجب أن يحلفوا. وقد أجاز قوم في السفر شهادة الذِّميين. وقال الله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) وقال: (مِمَّنْ تَرضَونَ منَ الشهَدَاءِ) والشاهد إِذا عُلِمَ أنه كذاب لم تجر أن تقْبَل شهادته، وقد علمنا أن النصارى زعمت أن الله ثالث ثلاثة وأن إليهود قالت إن الْعَزَيرَ ابنَ الله وعَلِمنَا أنهم كَاذِبُونَ، فكيف يجوز أن تُقْبَلَ شهادَة منْ هوَ مقِيمٌ عَلى الْكَذِب؟ ومعنى قوله: (تَحبِسُونَهُمَا من بَعْد الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ). كان الناس بالحجاز يحلفون بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس. وقوله: (إِن ارتَبْتُمْ). إِنْ وَقَعَ في أنفسِكم مِنهم رَيْبٌ، أي ظننتم بهم رِيبَة. وقوله: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) أي فإِن اطلِع على أنهما قَد خَانَا. (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ). وقد قرئت الأولَيْنَ ويجوز (مِن الَّذِينَ اسْتَحَق عَلَيْهِمً الأَوْلَيَانِ) وهذا موضع من أصعب ما في القرآن في الإعراب. فأوليان في قول أكثر البصريين يرتفِعان على البدل مما في (يقومان). المعنى: " فَلْيَقًمْ الأولَيان بالميت مقام هذين الخائنين). (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا).

стр. 676

فإِذا ارتفع الأوليان على البدل، فاللذان في استحق من الضمير معنى الوصية، المعنى فليقم الأوليان من الَّذِينَ استحقت الوصية عليهم، أو استحق الِإيصاء عليهم. وقال بعضهم: مَعْنَى (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) معناه: استُحِق فيهم، وقامت " على " مقام " في " كما قامت " في " مقام " على " في قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) ومعناه: على جذوع النخل. وقال بعضهم معنى على (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) كما قال: (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) أي إِذا اكتالوا من الناس. وقيل أن في " استحق " ذكر الِإثم، لأن قوله : (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) كان المعنى: الذين جَنِيَ الإِثْمُ عَلَيْهِم. وقيل إِن " الأولَيَانِ " جائز أن يرتفعا باستحق، ويكون معناهما الأوليان باليَمِينِ، أي بأن يُحلفا من يشهدُ بعدهما، فإِن جاز شهادة النَّصرانيين كان " الأولَيَانِ " على هذا القول النصرانيين، أو الآخران من غير بيت الميت. وأجود هذه الأقوال أن يكون الأولَيَان بَدَلا، على أن المعنى: لِيَقُمِ الأولَيَانِ من الذين استحق عليهم الوصية. ومن قرأ (الأوَّلينَ) رده على الذين، وكان المعنى من الذين استحق عليهم الإِيصاء الأولين. واحتج من قرا بهذا فقال: أرأيت إِن كان الأولَيَانِ صغيرين؟. * * * وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) أي ذلك أقرب من الإتيان بالشهادة على وجهها، وأقرب إِلى أن يخافوا. * * * وقوله: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)

стр. 677

أَما نَصْبُ " يوم " فمحمول على قوله. . . (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا) أي، وَاتَّقُوا يومَ يجمَع اللَّهُ الرسل، كما قال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا). ومعنى المسألة من الله تعالى للرسل تكون على جهة التوبيخ للذين أرسلوا إِليهم، كما قال : (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩). فَإِنَّمَا تسأل ليوَبَّخ قَاتِلُوهَا، وأمَّا إِجابة الرسل وقولهم: " لَا عِلْم لَنَا " فقد قال الناس في هذا غير قول: جاءَ في بعض التفسير إنَّه عزَبَتْ عنهم أفهامهم لهول يوم القيامة فقالوا: لا علم لنا مع عِلْمِك. وقال بعضهم: لو كانت عزبت أفهامهم لم يقولوا إِنك أنت علام الغيوب. وَقَال بعضهم معنى قول الرسل (لا علم لنا) أي بما غاب عَنا مِمن أرْسِلْنَا إِليه، أنت يا رَبنَا تَعْلم بَاطِنَهم ولَسنَا نعلم غيبهم إِنك أنت علام الغيوب. * * * وقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) أمَّا نعمته على وَالِدَتِه فَإِنه اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساءِ العالمين، وكان رِزْةُها يأتيها من عنده وهي في محرابها. وقوله: (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ). أي أيَّدتك بجبريل، جائز أن يكون قوله به، إِذ حاولت بنو إِسرائيل

стр. 678

قتله، وجائز أن يكون أيَّده به في كل أحواله، لأن في الكلام دليلاً على ذلك. وقوله: (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ). أي أيَّدتُكَ مُكَلِّماً النَّاسَ في المهد (وَكَهْلًا) أي أيدتُكَ كَهْلا، وجائز أن يكون (وَكَهْلًا) محمولاً على تكلم، كان المعنى أيدتك مخاطباً للناس في صغرك ومخاطباً الناس كهلاً، وقرأ بعضهم: " أَأْيَدْتُكَ " على أفْعَلتكَ من الأيد وقرأ بعضهم آيَدْتك على فاعلتك أي عاونتك. وقوله: (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي). الأكمه قال بعضهم: الذي يولد أعمى، قال الخليل هو الذي يولد أعمى، وهو الذي يَعْمَى بعد أن كان بصيراً. * * * وقوله : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) قال بعضهم: (أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) أي أَلْهَمتُهم كما قال: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) أي ألهمها. وقال بعضهم (أوحيت إِلى الحواريين) معناه: أمرهم. وأنشدوا قول الشاعر: الحمد للَّهِ الذي استَهلًَّت. . . بإِذنه السَّماءُ واطمأنَّت أوحَى لها القَرارَ فاسْتَقَرت قالوا معناه: أمرها. وقال بعضهم: معنى (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) أتيْتُهمْ في الوحي

стр. 679

إِليك بالبراهين والآيات التي استدلوا بها على الِإيمان فآمنوا بي. * * * وقوله: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) جائز أن يكون موضع " عيسى " نصباً، كما تقول: يا زيدَ بنْ عَمْرو، لأن ابْناً إِذا أضيف إِلى اسمٍ مَعْروفٍ عَلم أو أضيف إِلى كُنيةٍ معروفة جُعِلَ وما قبله كالشيء الواحد فجميع النحويين يختارون يا زيدَ بنَ عَمْرٍو، وكلهم يجيزون: " يا زيدُ بنَ عَمروٍ. وعلى هذا جائز أن يكونَ موضع عيسى موضِعَ اسم مبني على الضمِّ، قَالوا كلُّهم فَإِنْ قلت يا زيدُ بنَ أخِينا، ويا زيدُ ابنَ الرجلِ الصالحِ فضممت زيداً لا غيْر. لأن النصب إِنما يكون إِذا أضيف ابن إِلي عَلَمٍ كما وصفنا. وقد قُرئ: (هل تَسْتَطِيعُ رَبَّك) و (هل يَستَطيعُ رَبُّك). فمن قرأ (هل تَسْتَطِيعُ رَبَّك). فالمعنى هل تستدعي إِجَابَتَه وطاعَتَه في أن يُنْزِلَ علينا، ومن قراها (هل يَستَطيعُ رَبُّك) كان معناه هل يقدر ربُّك. قال أبو إسحاق: وليس المعنى عندي - واللَّه أعلم - أنهم جهلوا أن اللَّه يقدر على أن ينزل مائدة، ولكن وجه السؤال هل ترينا أنت أن ربَّك يُرينَا ما سَألنَا من أجلِكَ من آياتك التي تدل على نبوتك. فأمَّا المائدة فقال أبو عبيدة: إنها في المعنى مَفعُولة ولفظها فاعلة، قال: وهي مثل عِيشَةٍ راضية، وقال إِن المائدة من العطاءِ، والممتاد المفتَعل المطلوب منه العطاءَ. قال الشاعر: إِنَي أميرُ المؤْمِنين المُمتَاد وَمَادَ زيد عمراً إذا أعطاه. والأصل عندي في مائدة أنها فاعلة من ماد يميدُ إِذَا تحرَّكَ فكأنَّها تميد بما عليها. وقيل في التفسير إِنها أنزلت عليهم في يوم الأحد وكان عليها خبز

стр. 680

وسمك، فالنصارى تجعل الأحد عيدا - فيما قيل - لذلك. وقال بعضهم إِنها لم تنْزَل للتَّهَوُّدِ الذي وقع في الكفر بعد نزولها، والأشبه أن تكون لأن نزولَها قد جَاءَ ذكره في هَذِه القِصةِ. قال اللَّه : (إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ) وقال غير أهل الِإسلام إِنها نزلت، والأخبار أنها انتهت، فالتصديق بها واجب. فأمَّا وجه مَسْألةِ الحواريين عيسى المائدة فيحمل ضربين أحدهما أن يكُونوا ازْدَادُوا تثبيتاً، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى). وجائز أن تكون مسألتهم المائدة قبل علمهم أنه أبرأ الأكمه والأبرص وأنَّه أحيا الموتى. وأما قول عيسى للحواريين: (اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). فإِنَّما أمَرهم ألَّا يقترحوا هم الآيات، وألَّا يقوموا بين يدي الله ورسوله. لأن الله قد أراهم الآيات والبراهين بإحياءِ الموتى وهو أوكد فيما سألوا وطلبوا. * * * وقوله: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) ذكر سيبويه أن (اللَّهُمَّ) كالصوتِ وأنه لَا يُوصَف، وأن (رَبَّنَا) منصوب على نداءٍ آخر، وقد شرحنا هذا قبل شرحاً تاماً. ومعنى قوله: (وآيةً مِنْك).

стр. 681

أي فتكون لنا علامة منك. وأمَّا قوله: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) فجائز، أن يكون يُعجِّلُ لهم العذابَ في الدنيا، وجائز أن يكون في الآخرة لقوله: (لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) * * * وقوله: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) فَالمسألة ههنا على وَجْهِ التَوْبيخِ للذين ادَّعَوْا عليه لأنهم مجْمِعونَ أنه صادق الخبر وأنَّه لا يكذبهم وهو الصادق عندَهم فذلك أوكَدُ في الحجةِ عَلَيْهِمْ وأبلَغُ في توبيخهم، والتوبيخ ضَرْبٌ من العقوبة. قال: (سبْحَانَكَ). أي براءٌ أنت من السوءِ. (مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ). وأمَّا قوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). و" الْغُيُوبِ " بالكسر والضم. قال أبو إسحاق: هذا موضع أعني (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) يُلَبِّسُ به أهلُ الِإلحَادِ على مَنْ ضَعُف علمه باللغة ولا تعلم حقيقة هذا إلا من اللغة، قال أهل اللغة: النفس في كلام العرب تجري على ضربين أحدهما قولك خرجت نفس فلان وفي نَفْسِ فلانٍ أن يَفْعَل كذا وكذا. والضرب الآخر معنى النفس فيه معنى جملة الشيء ومعنى حقيقة الشيءِ، قتلَ

стр. 682

فلان نفسه، وأهْلك فلان نفسه، فليس معناه أن الِإهلاك وقع ببعضه، إِنما الِإهلاك وقع بذاته كلها، ووقع بحقيقته، ومعنى تعلم ما في نفسي، أي تعلم ما أضْمره، ولا أعلم ما في نفسك. لا أعلم ما في حقيقتك وما عندي علمه، فالتأويل أنك تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم، ويدل عليه: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). فإِنما هو راجع إِلى الفائدة في المعلوم والتوكيد أن الغيب لا يعلمه إلا اللَّه جلّ ثناؤه. * * * وقوله: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) جائز أن تَكُون في معنى " أي " مُفَسِّرةً، المعنى ما قلت لهم إِلا ما أمرتني به أي اعبدوا، ويجوز أن تكون " أن " في موضع جَر على البَدَل من الهاءِ، وتكون " أن " موصولة ب (اعبدوا الله) ومعناه إِلا مَا أمرْتَني بِهِ بأن يَعبدوا اللَّه. ويجوز أن يكونَ موضعها نصباً على البدل، من (ما). المعنى ما قلت لهم شيئاً إِلا أن اعبدوا اللَّه، أي ما ذكرت لهم إِلا عبادة اللَّه. * * * وقوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)). معنى قول عيسى ﵇ (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) اختلف أهل النظر في تفسير قول عيسى: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ). فَقَال بعضُهم معناه إِن تغفر لَهُمْ كذِبَهُم عليَّ. وقالوا لا يجوز أن يقول عيسى ﵇: إِن الله يجوز أن يغفِرَ الكُفْرَ، وكأنه على هذا القول: إِن تغفر لهم الحكاية فقط، هذا قول أبي العباس محمد بن يزيد،

стр. 683

ولا أدري أشَيءٌ سَمِعَه أم اسْتَخْرجَه، والذي عندي واللَّه أعلم، أن عيسى قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال عيسى في جملتهم. (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) أي إِن تعذبْ من كفر منهم. فإنهم عبادك وأنت العادلُ عليهم لأنك أوضحت لهم الحق وكفروا بعد وجوب الحجة عليهم، وَإنْ تَغْفِرْ لمن أقلعَ منهم وآمن فذلك تفضل منك لأنه قد كان لك ألا تَقْبلهم وألا تغفر لهم بعد عظيم فريتهم، وأنت في مغفرتك لهم عزيز لا يمتنع عليك ما تريد، " حكيم " في ذلك. وقال بعض الناس: جائز أن يكون اللَّه لم يُعْلمْ عِيسى أنَّه لَا يَغْفِرُ الشرك، وهذا قول لا يعرج عليه لأن قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) لا يخص شيئاً من أمَّة محمد ﷺ دون غيرها، لأن هذا خبر والخبر لا ينسخ، وهذا القول دار في المناظرة وليس شيئاً يعتقده أحد يوثق بعلمه. * * * وقوله: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) القراءَة برفع " اليوم " ونصب " اليوم " جميعاً، فأمَّا من رفع اليوم فعلى خبر هذا اليوم، قال الله اليوم ذو منفعة صدق الصادقين ومن نصب فعلى أن يوم منصوب على الظرف، المعنى قال اللَّه: هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم، أي قال اللَّه هذا في يوم القيامة، ويجوز أن يكون قال الله هذه الأشياء وهذا الذي ذكرناه يقع في يوم ينفع الصادقين صدقهم، وزعم بعضهم أن (يوم) منصوب لأنه مضاف إِلى الفعل، وهو في موضع رفع بمنزله يومَئذ

стр. 684

مبني على الفتح في كل حال، وهذا عند البصريين خطأ، لا يجيزون هذا يومَ آتيك يريدون هذا يوم إِتيانك لأن آتيك فعلٌ مضارع، فالإِضافة إِليه لا تزيل الِإعراب عن جهته ولكنهم يجيزون ذلك يومَ نفعَ زيداً صِدْقه، لأن الفعل الماضي غيرُ مضارع، فهي إِضافة إلى غير متمكن وإِلى غير ما ضارع المتمكن، وفيها وجه ثالث. (هذا يومٌ يَنْفَعَ الصادقين) بتنوين " يوم " على إِضمار (هذا يوم ينفع - فيه الصادقين صدقهم)، ويكون كقوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا). ومثله قول الشاعر: وما الدَّهرُ إِلا تارتان فمنهما أموتُ. . . وأخرى أبتغي العَيْشَ أكدَحُ المعنى فمنهما تارة أموت فيها.

стр. 685

سورة الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال أبو إِسحاق: بلغني مِنْ حَيث أثق بِه أن سورةَ الأنعام نزلتْ كلها جملة واحدة، نزل بها سبعون ألف ملك لهم زَجَل بالتسبيح، وأن أكثرها احتجاج على مشركي العرب. على من كذَب بالبعث والنشور، فابتدأ اللَّه بحمده فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) فذكر أعظم الأشياء المخلوقة لأن السماءَ بغير عمد ترونها والأرض غيرُ مائِدةٍ بنا، ثم ذكر الظلُماتِ والنورَ، وذكَر أمرَ الليل والنهار، وهو مما به قِوَامُ الخَلق، فأعلمَ اللَّهُ أن هذه خَلْق له، وأن خالقها لا شيءَ مثْلُه. وأعلم مع ذلك أن الذين كفروا بِرَبهِم يَعدِلونَ، أي يجعلون لِلَّهِ عَدِيلاً. فيعبدون الحجارة المَوَاتَ، وهم يُقرون أنَّ الله خَالِق مَا وَصف، ثم أعلمهم اللَّه أنه خَلَقهم مِنْ طِين، وذكر في غَيرِ هذا المَوْضع أحوالَ المخلوقين في النُطَفِ والعَلَقِ والمُضَغِ المخَلَّقَةِ وَغَيرِ المخَلَّقَةِ، وذلك أن المشركين شَكوا في البعث وقالوا: (مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) فأعلمهم

стр. 686

عزَّ وجلَّ أن الذي أنَشَأهمْ وأنشأ العِظَامَ وخلق هذه الأشيَاءَ لَا مِنْ شَيءٍ قادرٌ على أن يخلقَ مِثلَهَا، - وهُويُحيِيهِمْ بَعدَ مَوتهِم، فقال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) أي جعل لحياتكم أجلاً أي وَقْتاً تَحيون فيه. (وأجَلٌ مُسَمًى عنْدَه) يعني أمرَ الساعة والبعث، (ثُمَّ أنتم) بعد هذا البيان. (تَمتَرَوُنَ) أي تَشكونَ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) " في " موصولة في المعنى بما يدل عليه اسم اللَّه، المعنى هو الخالق العالم بما يصلحُ به أمرُ السماءِ والأرضِ، المعنى هوَ المتفرد بالتدبِير في السَّمَاوَات والأرض، ولو قلت هو زيد في البيت والدار لم يجز إِلا أن يكون في الكلام دليلٌ على أن زَيداً يدبر أمر البيت والدار، فيكون المعنى هو المدَبِّر في الدارِ والبيتِ، ولو قلتَ هو المعتَضِد الخليفة في الشرق والغَربِ، أو قلت هو المعتَضِدُ في الشرق والغَربِ جَازَ على هذا. ويجوز أن يكون خَبَراً بعد خبرٍ كأنه قيل إِنه هو اللَّه، وهو في السَّمَاوَات وفي الأرض، ومثل هذا القول الأول - (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ويجوز أن يكون وهو الله في السَّمَاوَات وفي الأرض، أي هو المعبود فيهما، وهذا نحو القول الأَول. قوله : (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (٥) دَل بهذا أنهم كانوا يستهزئُون، وقد ذَكر استهزاؤهم في غير هذا المكان، ومعنى إِتيانه أي تَأوِيله: المعنى سيعلَمُونَ ما يؤول إِليه استهزاؤُهم. * * * وقوله : (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)

стр. 687

موضع " كَم " نصب بـ "أهلكنا " إِلَّا أن هذا الاستفهامَ لا يَعمل فيه مَا قَبلَهُ وَقِيلَ القرنُ ثَمَانُون سنةً وقيل سَبعونَ، والذي يقع عندي - واللَّه أعلم - أن القرن أهلُ مُدةٍ كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم. قَلَّت السنُونَ أو كثرت. والدليل على هذا قول النبي ﷺ خَيركم قَرْنِي، أي أصحَابِي، رحمة اللَّه عليهم ثمَ الذين يَلُونَهم يَعني التابعين، ثم الذين يلونهم يعني الذين أخذُوا عَن التَابِعين. وجائز أن يكون القرن لجملة الأمة وهؤُلاء قُرون فيها. وإِنما اشتقاق القرن من الاقتران، فتأويله أن القرن الذين كانوا مقْتَرِنِينَ في ذلك الوقت، والذين يأتون بعدهم ذوو اقتران آخر. وقوله : (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا). أي ذات غيث كثير، ومِفْعَال من أسماءَ المبالغة يقال دِيمَةُ مِدْرَار، إِذا كان مطرها غَزِيراً دائماً، وهذا كقولهم امرأة مِذْكار، إِذا كانت كثيرة الولادة للذكور، وَكَذَا مِئْنَاثٌ في الإناث. * * * وقوله : (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أعلم الله أنهم قد أصِلُوا في السَّيئ البَاطِل في دفع النبوة. لأنهم قد رَأوا القَمَر انشقً فأعرَضُوا، وقالوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ. وكذلك يقولون في كل ما يَعْجِزُ عنه المخلوقون سحر، هذا عين الدفع

стр. 688

لغاية الحق والنور الساطع المبين، فلو رَأوا الكتاب ينزل من السماءِ لقالوا سِحرْ كما أنهم قالوا في انشقاق القمر سحر. * * * (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) يعنون على النبي ﷺ . (وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ). يعني - واللَّه أعلم - أن الآيات مما لا يَقَعُ مَعَهُ إِنْظَارْ. ومعنى (لَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي لتم بإِهْلَاكِهِمْ. و" قُضِيَ " في اللغة على ضُروبٍ كَلَها يَرجِعُ إِلىٍ معنى انقطاع الشيءِ وتمامه، فمنه قوله تعالى: (ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) معناه ثُمَّ حَتَمَ بعد ذلك فأتمَّه، ومِنْه الأمر وهو قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) معناه أمَرَ إِلا أنَّه أمر قَاطِع حَتْمٌ. ومنه الإعلَامُ وقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) أي أعلمناهم إِعلاماً قاطعاً، ومنه القضاءُ الفَصلُ في الحُكْمِ، وهو قوله: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) ومثل ذلك قولك قَد قَضَى القَاضي بَينَ الخُصُوم، أي قد قطع بينهم في الحكم، ومن ذلك قد قضى فلان دَيْنَه، تأويله قطع ما لغريمه عليه فأدَّاه إِلَيه وَقَطع ما بَينَه وبَينَه. وكل ما أُحكِم فقد قُضِيَ، تقول قد قضيت هذا الثوب، وقد قضَيتُ هَذه الدارَ إِذا عَمِلْتُها وأحكمت عمَلها. قال أبو ذُؤَيب الهذلي: وعليهما مسرودتان قضاهما. . . داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع

стр. 689

وقوله : (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) أي لو أرسلنا إِليهم مَلَكاً لم نرسله إِلا في صورة إِنْسَانٍ، لأن الملَكَ فيمَا قِيلَ لو نَظَرِ إِلَيه نَاظِر على هَيئَتِه لَصَعقِ، وكانت الملائكةُ تأتي الأنبِيَاءَ في صورَةِ الإنْس، فمن ذلك أن جِبرِيلَ كان يأتي النبي ﵇ إذَا نَزَل بِالوَحيِ في صورة دِحْيَةَ الكَلْبِى ومنه نبأ الخَصْم إِذ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، لأنَّهُمَا ورَدَا على دَاودَ وهُما مَلَكانِ في صورَة رَجلَين يَخْتصِمَانِ إِليه. ومنه أنَّ الملائِكةَ أتتْ إبراهيم في صورة الضِّيفان وكذلك أتتْ لوطاً، فلذلك قيل: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا). * * * وقوله : (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ). يقال لبَست الأمْرَ عَلَى القوم ألْبِسه إِذا شَبَّهتُه عَلَيهِم، وأشكَلْتُه عليهم. وكانوا هم يَلْبِسونَ عَلَى ضَعَفَتِهِمْ في أمر النبي ﷺ فيقولون: إِنما هذا بشر مثلكم فقال (ولو أنزلنا ملكاً) فرأوا هُمُ المَلَكَ رَجُلًا لكان يَلْحَقُهُمْ فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم. * * * وقوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١٠) الحَيْقُ في اللغَةِ ما يشتمل على الإِنسان من مكروه فَعَلَهُ. ومنه قوله : (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، أي لا تَرجع عاقبةُ مَكْرُوهِهِ إِلَّا عليهم. ْوقوله : (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) اللَّه تفضل على العباد بأن أمهَلَهُم عِنْدَ كفرهم وَإِقْدَامِهم على

стр. 690

كبائِر مَا نَهاهُم عَنْه بأن أنْظَرهُم وَعَمًرهم وَفَسَح لَهُم ليَتوبُوا، فذلك كَتْبُه الرحمةَ على نفسه، فأما (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فهو احتجاج على المشركين الذين دفعوا البعث، فقال عزَّ وجاق: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي: إِلى اليوم الذي أنكرتموه، كما تقول قد جمعت هُؤلاءِ إِلى هُؤلاءِ، أي ضممت بينهم في الجَمع. وقوله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ). ذكر الأخفش أن " الذين " بدل من الكاف والميم. المعنى ليجمعن هؤُلاءِ المشركين الذين خسروا أنفسهم إِلى هذا اليوم الذي يجحدونه ويكفرون به، والذي عندي أن قوله: (الذين خَسرُوا انفُسَهم). في موضع رفع على الابتداءِ، وخبره (فهم لا يومنون) لأن " لَيَجْمَعنَّكم " مشتمل على سائر الخلق. على الذين خسروا أنفسهم وَغَيْرِهم، وهذه اللام في ليجمعنَّكم لام قسم. فجائز أن يَكون تمامُ الكَلَامِ كَتَبَ ربكُمْ عَلَى نَفْسِه الرحمةَ، ثم استأنف فقال لَيَجْمَعنَّكم، وكأنَّ المعنى: واللَّه ليجمعنكم، وجائز أن - يكون ليجمعنكم بدلاً من الرحمة مُفَسِّراً لها، لأنه لما قال كتب ربكم على نفسه الرحمة فَسَّر ررحمته بأنه يُمْهلهم إِلى يوم القيامة، ويكون في الِإمهال ما فسرنا آنفاً * * * وقوله: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) هذا أيضاً احتجاج على المشركين لأنهم لم يُنْكِرُوا أنَّ مَا استقر في الليل والنَّهَارِ لِلَّهِ، أي هو خالقه وَمُدَبِّره، فالذي هو كذلك قادر على إِحياءِ الموتى، ثم زَادَ في الاحتجاج والبيان فقال : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)

стр. 691

أي خالق السَّمَاوَات والأرض. فإن قال قائل فقوله: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) معناه انشقت فكيف يكون الفَطْرُ في معنى الخَلْق والانفطار في معنى الانشقاق؛ فإِنهما يَرْجِعَان إِلى شِيءٍ واحد، لأن معنى فطرهما خَلقهما خلْقاً قاطعاً، - والانْفِطَار والفُطُورُ تقَطع وتشقق. وقوله: (وَهو يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ). وًيقْرَأ " ولا يَطْعَمُ "، والاختيار عند البصراء بالعربية، وهو يُطْعمُ وَلَا يَطعَمُ بفتح الياء في الثاني. قالوا معناه: وهو يرزق وُيطْعِم ولا يَأْكل لأنه الحي الذي ليس كمثله شيء، ومن قرأ (ولا يُطْعَمْ) فالمعنى أنه المولى الذي يَرْزُق وَلاَ يُرْزَقُ، كما أن بعض الْعَبيد يَرْزُق مولاه. والاختيار في " فاطِر " الجرُ لأنَّه مِن صفة الله جلَّ وعزَّ، والرفع والنصب جائزان على المدح لله جلَّ وعزَّ والثَّناءِ عليه. فمن رفع فعلى إِضمار هو. المعنى هو فاطر السَّمَاوَات والأرض، وهو يُطعِم ولا يُطعم، ومن نصب فعلى معنى اذكر، وأعني بهذا الاحتجاج عليهم، لأن من فطر السَّمَاوَات والأرض وأَنشأَ ما فيهما وأحكم - تدبيرهما وأطعم من فيهما فهو الذي ليس كمثله شيء. * * * وقوله: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) أي من يَصْرِفْ اللَّهُ عنه العذاب يومئذ - يعني يوم القيامة الذي ذكر أنهم يجمعون فيه، وتُقْرأ أيضاً (من يُصرَف عَنْهُ يومئذ فقد رَحمِه)، أَي من يُصْرَف عنه العذابُ يومئذ. * * * وقوله: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)

стр. 692

والشاهد هو الْمُبَيِّن لدَعْوَى المدعِي، فأمر الله جَل ثنَاؤُه نبيه بأن يحتج عَلَيْهم باللَّه الواحِد الذي خلق السموات الأرض وخلق الظلمات والنور. وخلقهم أطواراً على ما بَين في كتابه، وأمر أن يعْلِمهم أن شهادة اللَّه بأنه واحد، وَإِقامة البراهين في توحيده أكبر شهادةً، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له بأنه رسوله فقال: (قل اللَّهُ شهيدٌ بَيْني وَبَيْنَكمْ)، الذي اعترفتم بأنه خالق هذه الأشياء: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ). ففي الِإنذار دليل على نبوته، لأنه لَمْ يَأت أحد بمثله، ولا يأتي بمثله لأن فيه أخبارَ الأمم السالفة، جاءَ بها ﵇. وهو أُمِّيٌّ لا يقرأ الكُتُبَ، وأنبأ بما سيكون، وكان ما أنبأ به حقًا، ثم قال: (واللَّه يَعْصمك من النَّاس) وكان ﷺ مَعْصُوماً منهم. وقال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) فأظهر الله دين الإِسلام على سائر الأديان بالحجة القاطعة. وغَلَبَة المسلمين على أكثر أقطار الأرض وقال في إليهود. وكانوا في وقت مبعثه أعزَ قومٍ وأمتنه: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ)، فَهُمْ أذلَّاءُ إِلى يوم القيامةِ. فأنبأ الله في القرآن بما كان وما يكون، وأتى به مؤَلَّفاً تأْلِيفاً لم يَقْدرْ أحد مِن العرب أن يأْتيَ بسورة مثله، وهو في الوقت الذي قيل لهم ليأْتوا بسورة من مثله، خُطَباءُ شعراءُ لم يكن عندهم أوْجَزَ من الكَلام المنثور. والموزون، فعجزوا عن ذلك. * * * وقوله: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) أي يَعرِفون محمداً ﷺ أنَّه نَبي كما يَعرفُونَ أبنَاءَهُم، وُيروَى عن عمرَ بنِ الخطابِ أنهُ قال

стр. 693

لعَبد اللَّهِ بنِ سَلاَم: يا أبا حمزة: هل عرفت محمداً كما عرفت ابنك؟ قال نَعَم، لأن الله بعث أمِينه في سَمائه إِلى أمِينِه في أرضِه بِنعتِه فعرفْتُه، فأمّا ابني فما أدري ما أحدَثَتْ أُمُّه. فقال صدقت يا حمزة. وقوله: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). رفع على نعت (الذين آتيناهم الكتاب) وجائز أن يكون على الابتداءِ. ويكون (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) خَبَره. والذين خسروا أنفسهم الأشبه أن يكون ههنا يعني بِه أهل الكتاب. وجائز أن - يكون يعني به جملة الكفار من أهل الكتاب وغَيرِهم. * * * وقوله: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) إِنْ شِئْتَ نصبت " فِتْنَتَهم " على خَبرِ يَكنْ، ويكون أن قَالوا هو الاسم وأنث " تكن " وهو (إِلا أن قَالُوا) لأن " أن قالوا " ههنا هو الفتنة. ويجوز أن يكون تأويل " أن قَالوا " إِلا مَقَالَتُهم. ويجوز رفع الفتنة وتأْنيث " تكن " ويكون الخبر (أَنْ قَالُوا) والاسم (فِتْنَتُهُمْ). ويجوز ُ ثم لَم يَكًنْ فتنتَهُم إِلا أن قالوا، فتذكر " يكن " لأنه معلق ب (أَنْ قَالُوا)، ويجوز ثم لم يكن فتنتهم بالياءِ ورفع الفتنة، لأن الفتنة والافتتان في معنَى واحد. وتأويل هذه الآية تأْويل حسن في اللغة لطيف لا يفهمه إِلا من عرف معانيَ الكلام وتَصَرُّفَ العربِ فِي ذلك، واللَّه جلَّ وعزَّ ذَكَرَ في هذه

стр. 694

الأقاصِيصِ التِي جَرتْ في أمر المشْركِينَ وهم مُفْتَتِنُونَ بشِركِهِم. أعلم اللَّهُ أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإِقَامتُهم عليه إِلا أن تَبرأوا مِنه وانْتَفَوا مِنْه، فَحَلَفُوا أنهم ما كانوا مشركين. وَمِثْلُ ذَلِكَ في اللغة أنْ ترى إِنْسَاناً يُحِب غَاوِياً، فإِذا وقع في هَلَكَةٍ تَبرأ منه، فتقول له ما كانت محبتك لفلان إِلا أن انْتَفَيتَ مِنْه. ويجوز (وَاللَّهِ رَبِّنَا) على جر (رَبِّنَا) على النعتِ والثناءِ لقوله (وَاللَّهِ). ويجوز (وَاللَّهِ رَبَّنَا) بنصب (رَبَّنَا)، ويكون النصب على وجهين، على الدعاءِ، قالوا واللَّه يا رَبِّنَا ما كنَا مشركين. ويجوز نصبه على أعني: المعنى أعني (رَبِّنَا). وأذْكر ربنا، ويجوز رفعه على إِضمار هو، ويكون مَرفُوعاً عَلَى المَدحِ. والقراءَةُ الْجَر والنَّصبُ، فأمَّا الرفع فلا أعلَمُ أحداً قرأ به. * * * وَقَوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) (أَكِنَّةً) جمع كِنان وهو الغِطاءُ، مثل عِنَان وأعِنَّة. فأمَّا (أَنْ يَفْقَهُوهُ) فمنصوب على أنه مَفْعولٌ له، والمعنى وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، لكراهة أن يفقهوه فلما حذفت اللام نصبت الكراهة، ولما حذفت الكراهة انتقل نصبها إِلى أنْ. وقوله: (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا). الوقر: ثقل السمع وهو بالفتح، يقال في أذنه وَقْر، وقد وُقِرَتْ الأذن توقَر. قال الشاعر:

стр. 695

وَكَلامٍ سَيِّئ قد وقرت. . . أذُني منه وما بي مِنْ صَمَم والوِقْر - بكسر الواو - أن يحمل البعير أو غيره مقدار ما يطيق، يقال عليه وِقْرٌ، ونَخْلةٌ موقِرٌ وَموقرة بالكسر أكثر، وموقِر مِثْل مرضِع، أَي ذات وقْرِ، كما أن تلك ذات رَضاعٍ، وإِنما فعل بهم ذَلكَ مجازَاة لهم بإِقامتهم على كَفْرِهِم. وليس المعنى أنهم لم يَفْهَموه ولم يَسمَعوه، ولكنهم لَما عَدَلُوا عَنْه وصَرَفُوا فِكْرهم عَما هم علَيه، في سوءِ العاقبة كانوا بمنزلة من لم يعلم ولم يسمع. وقوله: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا). أي: كل علامة تَدلهم على نبوتكَ، ثم أعلم الله مقدارَ احتجاجِهِم وجَدَلِهم وأنهم إِنما يستعملون في الاحتجاج أن يقولوا هذا أساطير الأولين، ويقولون افترى على الله كذباً، فأعلمَ اللَّهُ أنهم ليس يعَارِضُونَ ما احتُج بِه عَلَيهم من الحق، حيث قيل لهم: (فَأْتوا بسورَةٍ مِن مِثلِهِ)، وحَيثُ شَق لهم القمرَ، وحيث أنزل على نبيه ﵇ (واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). فما أتى أحدٌ بسورةٍ ولا قدَرَ على ضَر النبي ﷺ ولا على قَتْلِهِ، وأنبأ بما سيكون في كتابِهِ فَوُجدَ ذلكَ أجمَعُ. فقال اللَّه : (حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). واحدها إِسطار، وأسطُورة. وتأْويل السَّطْر في اللغة أن تَجعَل شيئاً مُمتَدا

стр. 696

مَؤلفاً، فمن ذلك سَطرُ الكتاب، يقال: سَطرٌ وَسُطَر، فمن قال سطر جمعه أَسطار، قَال رُؤبةُ. إِني وأسطارٍ سُطِرنَ سَطْرَا. . . لقائلٌ يا نَصرُ نَصراً نَصْرَا وجمع أسْطَار أسَاطير، فعلى هذا - عِنْدي - أَساطير الأولينَ. ومن قال سَطَر. فجمعه أسطُر، وجمعُ الجمع أساطِرَة، وأساطير قال الشماخ في جمع سَطْر: كما خط عبرانية يمنية. . . بتيماءَ حبَر ثم عرَّض أسطرَا * * * وقوله : (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) أي عن النبي ﷺ أنْ يُتَبعَ، وَينْأونَ عنه، أي يتَبَاعَدونَ عنه، يقال: نأيتُ عن الشيْءِ أنأَى نأْياً، إِذَا بَعُدت عنه، والنُّؤى حاجز يُجعَل حول البيت لَئِلا يَدخُلَهُ الماءُ من خَارِجٍ، تحفَر حَفِيرَة حولَ البَيتِ فيجْعَلُ تُرابُها على شَفِيرِ الحَفِيرةِ. فيمنَغ الترابً الماءَ أن يدخل من خارِجٍ، وهو مأْخوذ مِنَ النَأيِ أَي مباعِذ للماءِمن البيْتِ. وقال بعضهم: إِنه يعنى به بعض أَهل النبي ﷺ ، أي وهم ينهون عن أَذَى النَّبِي ﷺ ويَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ، أَي لا يَتّبعُونَهُ. والكلامُ مُتصِل بذكر جَماعَةِ أَهل الكتاب، والمشركين.

стр. 697

والقول الأول أشْبَهُ بالمعنَى. * * * قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) القراءَة - أكثر ها بالفتْح والتَفْخِيم، والِإمالة حسنة جَيدَةُ، وهي مذهب أبي عمرو. أعني كسر الألف من " النَّارِ "، وإِنما حَسُنَتْ الِإمالة في قوله (كمثل الحِمَارِ يحمل أسفاراً)، وأصحَاب النَّارِ، لأن الراءَ بعد الألف مكسورة، وهي، حرف كأنَّه مكَرر في اللسان، فصارت الكسرة فيه كالكسرتين. ومعنى (وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) يحتمل ثلاثة أوجه - جائز أن يكونوا عَايَنُوها. وجائز أن يكونوا عليها وَهِيَ تَحتَهم، والأجود أن يكون معنى وقفوا على النار أُدخِلوها فَعَرَفوا مقدارَ عَذَابهَا، كما تقول في الكلام: قد وَقَفْتَ على ما عندَ فلانٍ، تريد قد فهمته وتَبَينْتَه. (فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). أكثر القراءِ بالرفع في قوله: (وَلَا نُكَذِّبُ بِآيَاتِ رَبِّنَا)، ويكون المعنى أَنَّهم تمنوا الرد، وضمِنوا أنهم لا يُكَذِّبونَ. المعنى: يا ليتنا نرد، ونحن لاَ نكذب، بآيات ربنا رُدِدنا أم لم نرد، ونكونَ من المؤمنين، أي قَد عَايَنا وَشَاهَدنَا مَا لَا نكَذْب مَعَه أبداً. قال سيبويه مِثله دَعني ولا أعود، أي وأنا لا أعود تَركْتَنِي أو لم تَتْرُكْني. ويجوز الرفع على وجه آخر، على معنى يا ليتَنَا نرد، ويا ليتنا لا نكَذِّبَ بآيات رَبِّنَا، كأنَّهم تَمنَّوا الرد والتوفيق للتصديق، ونَكون منَ المؤمِنينَ الرفع والنصب أيضاً فيه جَائِزَانِ، فأمَّا النَصب فعلى يا ليتنا نرد وتكون يا ليتنا نرد ولا نكذب

стр. 698

على الجواب بالواو في التمني كما تقول ليتك تصير إِلينا ونكرمَكَ، المعنى لَيتَ مَصِيرَكَ يَقَعُ، وَإِكْرَامَنَا، ويكون المعنى: لَيتَ ردَّنا وقع وأن لا نُكذِّبَ. أي إِن رُدِدْنا لم نكذبْ. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) أي بل ظهر للذين اتَبَعُوا الغُوَاةَ ما كان الغواةُ يخفون عنهم من أمر البعث والنشُورِ. لأن المتصِلَ بهذا قولُه : (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ). فأنكروا البعث ليُجرَّئوا عنى المعاصي. (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ). قال بعضهم لَو رُدوا ولم يُعَايِنوا العَذَاب، لعَادُوا، كأنَّه يَذْهب إِلى أنهم لَم يُشَاهِدوا ما يضطرهم إِلى الارتِدَاع، وهذا - عَلَّهُ - بيّنٌ. لأن هذا القول منهم بعد أن بُعِثوا وعَلِمُوا أمرَ القِيَامَةِ وَعَايَنُوا النَّارَ، فالمعنى أن أكثر من عايَنَ مِنَ اليَهودِ والمشركين قَدْ عَلِمَ أن أمر اللَّهِ حَق فرَكَنَ إِلى الرفَاهِيةِ، وأن الشيء متأخر عنه إِلى أمدٍ كما فَعَل إِبليس الذي قد شاهد من بَراهين الله ما لا غاية بعده، فأعلم اللَّه أنهم لَوْ رُدُّوا لعَادُوا لأنهم قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ وُجُوبِ الحُجةِ عَلَيْهم. وقال بعض المفسرين: إن النبي ﷺ سئل فقيل له: ما بال أهْل النار عملوا في عُمْرٍ قصيرٍ بعَمل أهل النار فَخُلِّدُوا في النارِ وأهلُ الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنَّةِ فخلدوا في الجنَّةِ، فقال: إِن الفريقين كان كل واحدٍ مِنهمَا على أنه لو عاش أبداً عَمِل بذلك العَمَل. * * * وقوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)

стр. 699

كل ما جاءَ فُجَاءَة فقد بَغَتَ، يقال قد بَغَتَهُ الأمر يَبْغَتُه بغْتاً وبَغتةً، إذَا أتاه فُجاءَةً. قال الشاعر: ولكنهم ماتوا ولم أخْشَ بغتةً. . . وأفْظَعُ شيء حين يَفْجَؤكَ البَغْت وقوله: (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مافَرطْنَا فِيهَا). إِن قال قائل: ما معنى دُعَاءِ الحَسْرَةِ، وَهِيَ لاَ تعقل ولا تجيب؟ فالجواب عن ذلك أن العربَ إذا اجْتَهدتْ في الإخْبارِ عنْ عَظِيم تقع فيه جعلته نداءً، فلفظه لفظ ما ينبَّه، والمنبَّه غَيرُهُ. مثل قَوله : (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ). وقوله: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ) وقوله: (يَا وْيلنَا من بعثنا من مَرْقَدِنَا هَذَا). . فهذا أبلغ من أن تقول: أنا حَسِرٌ عَلَى العباد، وأبلغ من أن تقول: الحسرة علينا في تفريطنا. قال سيبويه: " إنَّكَ إذا قلت يا عجباه، فكأنك قلت احضُرْ وتعال يا عجبُ فإنه مِنْ أزمَانِكَ، وتأويل " يا حَسْرتَاهُ " انتَبهُوا على أننا قد خسرنا " وهذا مثله في الكلام في أنك أدْخَلْتَ عليه يا للتنبيه، وأنت تريد الناس قولك: لَا أريَنَّكَ هَهنَا، فلفظُك لفْظُ النَاهِي نفسه، ولكنه لمَا علم أن الِإنسان لا يحتاج أن يلفظ بنهي نَفْسِه دَخل المخَاطَبُ في النَهيِ فصار المعنى: لا تكونَنَّ ههنا،

стр. 700

فإِنك إِذَا كنْتَ رأيتُكَ، وكذلك يَا حَسْرتَنَا، قد علم أن الحسْرَةَ لا تُدْعَى، فوقع التنبيه للمخاطبين. ومعنى: (فَرطْنَا فِيها) قَدَّمْنَا العَجْزَ. وقوله: (وَهُمْ يَحْمِلُونَ أوزَارَهُمْ). أي يحملون ثِقل ذُنوبهم، وهذا مَثل. جائز أن يكون جُعِل ما ينالهم من العذاب بمنزلة أثقل ما يُحَمَّل، لأن الثقل قد يستعمل في الوِزْرِ، وفي الحال، فَتقُول في الحال قد ثقل على خطاب فلان، تأويله قد كَرهتُ خِطَابَه كراهةً اشْتَدت عَلَيَّ، فتأويل الوزر الثقل من هذه الجهة، واشتقاقه من الوزر، وهو الجَبَل الذي يَعْتَصِم بِه الملك والنبي، أي يُعينُه. ومنه قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا). سأل مُوسَى رَبَّه أن يجعل أخاه وزيراً له. وكذلك قوله تعالى: (ألَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ). أي بِئس الشّيءُ شيئاً أي يَحْملونه، وقد فسرنا عمل نعم وبئس فيما مضى من الكتاب، وكذلك (سَاءَ مَثَلاً القوْمُ) أي: مثل القوم. * * * وقوله: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) (لَا يُكَذِّبُونَكَ) ولا يُكْذِبُونك، ومعنى كذَبْتُه قُلت لَه كذبْتَ، ومَعْنى أكذبتُهُ ادعيت أن ما أتى به كذِب، وتفسير قوله: (لَا يُكَذِّبُونَكَ)، أي لا يَقْدِرُونَ أن يقولوا لك فيما أنْباتَ به مِما فِي كُتُبِهُمْ كذبت. ووجه آخر: إنهم لا يكذبونك بقلوبهم، أي يَعْلَمُون أنك صادق.

стр. 701

(وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ). لأنهم إِنما جحدوا براهين الله جلَّ وعزَّ وجائز أن يكون فإِنَّهم لا يُكذبونك، أي أنت عندهم صادق، لأنه ﷺ كان يُسمَّى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم يكذبهم فيه. ثم عَزَّى الله نبيه وصَبرهُ بأن أخبره أن الرسلَ قبلَه قد كَذبتهم أمم فقال: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) أي إِذ قال الله لرسوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وإِذ قال: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) فَلا مبدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ أي لا يخلف الله وعده ولا يغلب أولياءَه أحَدٌ. ثم أعلم الله رسُوله أنه يأتي من الآيات بما أحب، وأنه ﷺ بشر لا يقدر على الِإتيان بآية إلا بما شاءَ الله من الآيات فقال: (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) أي إِن كان عَظمَ عليك أن أعْرضوا إِذ طَلبوا منك أنْ تُنزِّلَ عليهم ملَكاً. لأنهم قالوا: (لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك) ثم أعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أنهم لو نزلتْ عليهم الملائِكة وأتاهم عظيم من الآيات ما آمَنُوا. وقوله: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ).

стр. 702

والنفق الطريق النافذ في الأرض، والنافقاءُ ممدود أحَدُ جِحَرَةِ اليَرْبُوع يَخْرِقُهُ من باطن الأرْض إلى جلدَة الأرض فإِذا بَلَغَ الجلدة أرَقها حتى إن رابَة دَبِيب رفع برأسه هذا المكان وخرج منه. ومن هذا سُمِّيَ المنافق منافقاً، لأنه أبطن غير ما أظهر، كالنافقاءِ الذي ظاهرهُ غَيْرُ بَينٍ، وباطنه حَفْر في الأرْض. وقوله: (أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ). والسُّلَّم مشتق من السَّلامَةِ، وهو الشيءُ الذي يسلمك إِلى مصعدك. المعنى فإِن استطعت هذا فافعل، وليس في القرآن فَافعَل لأنه قد يحذف ما في الكلام دليل عليه، ومثل ذلك قولك: إن رأيت أن تمضي معنا إلى فلان. ولا تذكر فافعل. فأعلمَ اللَّهُ نبيه ﷺ أنَّه لا يستطيع أن يأْتي بآية إلا بإِذن اللَّه. وإِعلامه النبي هذا هو إِعْلام الخلق أنهم إنما اقترحوا هم الآيات وأعلم الله جلَّ وعزَّ أنَّه قادر على أن يُنزلَ آية آية، وأنَّه لو أُنزلت الملائكة وكلمهم الموتى ما كانوا ليُؤمنوا إلا أن يشاء اللَّه. وقوله: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى). فيه غير قوْل، فأحدُها أنه لو شاءَ الله أن يَطْبَعَهُم عَلى الهدى لفعل ذلك، وقول آخر: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) أي: لو شاءَ لأنْزَل عليهم آية تَضْطرهم إِلى الِإيمان كقوله جلَّ وعزَّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤).

стр. 703

فإِنما أنْزَل الله الآيات التي يُفكر الناس مَعها، فيْؤجَرُ ذو البَصَر، ويثاب على الِإيمان بالآيات، ولو كانَتْ نَارٌ تنزل على من يكفر أو يُرْمَى بحَجَرِ من السَّماءِ لانَ كل واحد. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) أي الذين يسمعون سَماعَ قَابِلِينَ، وجَعَلَ من لم يَقْبَل بِمَنْزلَة الأصم. قال الشاعر: أصَمَّ عَمَّا سَاءَه سَميعُ (والمَوتَى يَبعَثُهم اللَّهُ). أي يحييهم (ثم إِليه يُرْجَعُون). * * * وقوله: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً) أي آية تجمعهم على الهُدَى. * * * وقوله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) يجوز ولا طائر بالرفع على العطف على موضع دابَّة. التأْويل وما دابَّة في الأرض ولا طائر، والجر أجود وأكبر على معنى وما من دابة وَلاَ طَائرٍ. وقال (يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) على جهة التوكيد لأنك قد تقول للرجل: طِرْ في حاجتي أي أسرع، وجميع ما خلق اللَّه فليس يخلو من هاتين المنزلتين، إِما أنْ يَدِبَّ أَو يَطيرَ. (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ). أَي: في الخلق والموت والبعث.

стр. 704

وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) الساعة اسم للوقت الذي يُصْعَقُ فيه العباد، واسم للوقت الذي يُبْعَثُ فيه العباد، والمعنى إن أتتكم الساعة التي وُعِدْتُم فيها بالبَعْثِ والفناءِ، لأنَّ قبلَ البعث موتَ الخلق كله. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ). أي أتدعون هذه الأصنَام والحجارةَ التي عبدتموها من دون اللَّه، فاحتج اللَّه عليهم بما لا يَدْفَعُونَه، لأنهم كانوا إذا مَسَّهُمُ الضر دعوا اللَّه. وقال النحويون في هذه الكاف التي في قوله: (أَرَأَيْتَكُمْ) غَيرَ قَولٍ: قال الفراء لفظها لفظ نصبٍ، وتأويلها تأْويل رفع، قال: ومثلها الكاف في قوله: دُونَك زيداً، قال: الكاف في موضع خفض، وتأويلها تأْويل الرفع، لأن المعنى خذ زيداً. وهذا لم يقله من تقدَّم من النحويين، وهو خطأٌ لأن قولك أرأيتكَ زيداً ما شأنُه! تصير " أرأيت " قد تعدت إلى الكاف وإِلى زيد. فيصير لـ " رأيتَ " اسمان، فيصير المعنى أرأيت نفسك زيداً ما حاله. وهذا محال. والذي يذهب إِليه النحويون الموثوقُ بعلمهم أن الكاف لا موضع لها. وإنما المعنى أرأيت زيداً ما حاله. وإِنما الكاف زيادة في بيان الخطاب. وهي المعتمد عليها في الخطاب، اعلم أنك تقول إِذا كانت الكاف زائدة للخطاب، للواحد الذكر: أرأيتكَ زيداً ما حَالُه بفتح التاءِ والكاف، وتقول للمؤَنث أرَأيتَكِ زيداً ما حاله يا امرأة، وتفتح على أصل خِطابِ الذكر، وتكسر الكاف لأنها قد صارت آخر ما في الكلمة والمبيّنة عن الخطاب، وتقول

стр. 705

للاثنين أرأيتَكُما زيداً مَا حَالُه وأرأيتَكُم زيداً ما حاله - للجماعة، فَتُوحد التاءُ، فكما وجب أن توحدَها في الشية والجمع وجب أن تذكرها مع المؤنث، فإذا سَألْتَ النسوة قلت أرَأيتَكُن زيداً ما حَالُه. وتثنية المؤنث كتثنية المذكر في كل شيء، فإنْ عديتَ الفاعِل إلى المفعول في هذا الباب، صارت الكاف مَفْعُولَه، تَقُولُ: رَأيتُنِي عالماً بِفُلاَنٍ، فإذا سألت عن هذا الشرطِ قُلْتَ للرجل: أرأيتَكَ عَالِماً بِفُلَانٍ، وتقول للاثنين على هذا: أرأيتاكما عالمين بفلانٍ. وللجميع أرأَيتموكم عَالِمينَ بفلان، لأن هذا في تأويل أرأيتم أنفُسَكم. وتقول للمرأة: أرأيتكِ عالمة بفلَانٍ - بكسر التاءِ والكاف - وتقول للاثنين أرأيتُما كما عالمين بفلان وللجماعة أرأيْتَكُن عالمات بفلان فعلى هذا قياس هذين البابين. * * * وقوله: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) (بل) استدراك، وإيجاب بَعد نفي، تقول: مَا جَاءَ زَيدٌ بل عَمْرو فأعلمهم الله جلَّ وعزَّ أنهم لا يدعون في حال الشدائد إلا إياهُ، وفي ذلك أعظم الحجة عليهم، لأنهم قد عبدوا الأصنام. وقوله: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ). المعنى فيكشف الضر الذي من أجله دَعَوْتُمْ، وهذا على اتساع الكلام. مثل سَل القَريَةَ: المعنى سَلْ أهْلَ القرية. * * * وقوله جلَّ وعزَّ: (وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). " وتنسون " ههنا على ضربين: جائز أن يكون تَنْسَوْنَ تَتْرُكُونَ، وجائز أن يكون المعنى إنكم في ترككم دعاءَهم بمنزلة من يَسْهُونَ.
следующие страницы →