← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قدر الاستحقاق تجاوزه أم لم يتجاوزه، وأصله الطلب، واستعمل في التكبر، لأن المتكبر طالب منزلة ليس لها بأهل، والعمة في البصيرة كالعمي في البصر، وهو التردد في الضلالة، يقال رجل عامة وعمه، فقوله تعالى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يصح أن يتعلق بقوله: نمدهم فيكون ذلك عبارة عن خذلانهم عن توفيقه لهم، لا لبخله عليهم، بل لسدهم طريقه على أنفسهم بإعراضهم عنه، ويصح أن يتعلق بقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾، ومعناه: يمدهم استصلاحاً لهم، وهم مع ذلك يعمهون [في طغيانهم ومثله معنى وتقديراً قوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾] * * * قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ الآية (١٦) - سورة البقرة. المبايعة ضربان: مبايعة سلعة بناض، فيقال لدافع السلعة: بايع، ولدافع الناض مشنري، ومبايعة سلعة بسلعة أو ناض بناض، ويصح أن يقال لكل واحد منهما بائع ومشتري، ولذك بحسب ما يتصور في الثمن والمثمن فأي السلعتين تصورتها بصورة الثمن فأخذه بايع، والآخر مشتري، ولهاذ الشأن صار البائع والمشتري من الأسماء المشتركة المعدودة في باب الأضداد والمشاراة وإن كانت موضوعة لمعاملة في أعيان على وجه مخصوص فقد يتحرز بها في كثير من المعارضات فيقال لمن أفرح عن شيء في يده مخصلاً به غيره قد باعه به، وقد يقال لمن رغب عن شيء طمعاً في غيره. وقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية - ومعناه: أراد منهم أن يبذلوا مهجهم وأموالهم في سبيله، فيجعل لهم بذلك الجنة، فسمي ذلك شري، وقد تقدم أن الهدي يقال على أربعة أوجة: الأول: لما جعله الله للإنسان بالفطرة، والثاني: لما جعله له بالوحي، والثالث: لما يكتسبه الإنسان بالفكر والنظر والعمل والرابع: زيادة الهدي في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة، فكذلك. الضلال على أربعة أوجه مقابل للهداية، فالأول: إضاعة الإنسان ما جعله الله له بالفطرة من العقل الغزيزي، وذلك بأن لا يزكيه كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. والثاني: إضاعته لما أنزل الله تعالى على ألسنة الأنبياء. والثالث: لما يكتسبه الإنسان بالفكر والنظر والعمل. والرابع: أن يترك ما يستحق به زيادة الهدي في الدنيا والثواب في الآخرة، وقد علم من هذا أن من الضلال ما هو

стр. 107

كفر، ومنه ما ذنب صغير، وكذلك الهدي منه ما هو الإسلام، ومنه ما هو الإسلام، ومنه ما هو رفيق الورع، فكل من رغب عن منزلة من الهدى إلى ضدها من الضلال، فقد اشترى ذلك الضلال بما يقابله من الهدي لكن منه ما يستحق به النار كالشرك، وكالكبائر، ومنه ما هو كتجاف عنه كالصغائر، فإذا ثبت ذلك، فقول من قال: عنى به الذين أخلوا بالهدي الذي جعله الله لهم بالفطرة، وقول مجاهد، إنه عنى به الذين آمنوا ثم كفروا، وقول قتادة: استحبوا الضلالة على الهجى، وقول من قال: اشتروا النار بالجنة لا اختلاف بينهم إلا باختلاف النظرات فقط. وكذا قول من قال: من التزم فعلاً من الخيرات ثم أخل به فقد اشترى الضلالة بالهدى، ولما استعمل في ذلك المشاراة قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ والربح والخسران ينسبان مرة إلى صاحب السلعة، ومرة إلى السلعة، ومرة إلى الصفقة، إذ لا اشتباه فيه، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ونفي أنهم كانوا مهتدين أي طالبين للهدى تنبيهاً أنهم لو طلبوع لوجدوه. قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الآية: (١٧) - سورة البقرة. التمثيل: تصوير الخفي بالظاهر، وأصله من مثل إذا انتصب، والتمثال للشيء المصور، وسمي الوصف مثلاً، إذ هو مثال للموصوف يدل عليه كالمثال في دلالته على ما هو مثال له، والمستوقد: طالب الوقود وأخذه، وقد يقال للموقد للمجيب مستجب، والنار حرارة مخصوصة والنور والضياء وأحدهما مشتق من الآخر من حيث إنه قل ما ينفك أحدهما عن الآخر، ولهاذ قال: ﴿نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فاستعمل فيه الاقتباس الذي هو للنار، ويقال: أضاءت الشيء فضاء وأضاء والأظهر في الآية أن يكون متعدياً لإدخال حرف التأنيث فيه والآية مثل ضربه الله لمن آتاه ضرباً من الهداية والمعارف النفسية أو البدنية أو الخارجة، فأضاعه ولم يتوصل به إلى النعيم الأبد فإذا قول من قال ذلك هو فيمن آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة، وقول من قال: هو في الذين آمنوا ثم كفروا، وقول من قال: هو فيمن أظهر الإيمان نفاقاً منه وحقناً لدمه، كل ذلك داخل في عمومه، وكذا قول من قال إنه يعني من لم تصح له أحوال الإرادة، فارتقى منها بالدعوى إلى أحوال المحبة، فأذهب الله عنه ما جعل له من النور عبد الإرادة، فبقي متحيراً في حال الدعوى، وقد نبه تعالى بتشبيههم بمستوقد نار أضيع نورها على حيرتهم أو نكسهم فيما أضاءه من الهدى، وقوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ الأظهر أن يكون ذلك راجعاً إلى المشبه الذي هو في قوله: " مثلهم " دون المشبه به الذي هو

стр. 108

قوله استوقد ناراً، واختصر، ولو بسط الكلام، لقيل: " فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنارهم ذهابه بنورهم وقد قيل: إن ذلك يرجع إلى المشبه به، وأن الذي قد يستعمل في الجميع كاستعماله في الواحد - استدلالاً بقول الشاعر: فإت الذي خانت بفلج دماءهم هم القوم، هم فقال: استوقد رداً إلى لفظ الذي ثم قال بنورهم رداً إلى معنى الجمع، وإنما قال على هذا " بنورهم " ولم يقل " بنارهم "، لأن المراد من النار ههنا النور الذي يضئ لهم الطريق فتركه إياهم في ظلمات إنما هو لتركهم إياه في قبول التوفيق منه، فلما تركوه تركهم كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وإنما قال: في " ظلمات " لأنه عنى ظلمة ضلال لهم، وظلمة همومهم في الدنيا، وظلمة يوم القيامة التي تنزه عنها الموصوفون بقوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾، وقوله ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ والصم صلابة من اكتناز الأجزاء، ومنه قيل: حجر أصم، وصخرة صماء، أو قناة صماء، وقيل لرأس القارورة " الصمام " والبكم: اعتقال اللسان وأصله فيمن يولد أخرس والعمي يقال في عدم البصيرة والبصر، جميعاً، فمن ترك الإصغاء إلى الحكمة وأعرض عن طريق الآخرة واشتغل عن تعرف حالها ولم ينعم تدبرها صح أن يستعمل هذه الألفاظ فيه، فيقال: هو أصم عن سماعه، وأبكم عن تعرفه، وأعمى عن إدراكه، ومالآية مبنية على الآية الأولى، ومفسرة بحسب تفسيرها، وقوله ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي لا يعودون إلى طريقة الرشد، وقيل معناه: " لا يرجعون جواباً " أي لا يردونه. * * * قوله تعالى ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيتان (١٩، ٢٠) - سورة البقرة. الصيب: فيعل من " صاب " يصوب، وذلك يقال للسحاب والمطر وإن كان الصيب في السحاب أكثر، والصوب يقال في المطر، وكأن المطر تسمي صوباً لمجيئه على الصواب إما اعتباراً بالوقت المحتاج إليه فيه، وإما بالقدر المعتدل على حسب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ وعلى طريقه نظر من وصف المطلر بقوله ..

стр. 109

فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى وأصاب السهم إذا توجه نحو الرمية على الصواب، وقد شبه العقل والقرآن بل العلوم كلها بالمطر والماء من حيث أنه سبب الحياة الأبدية، كما أن الماء سبب الحياة الدنيوية والسماء في هذا الموضوع يجوز أن يكون السحاب وأن يكون المطر، من فيه للتبغيض، وقوله " فيه ظلمات " يقتضي معنى اللصطحاب، فلا فرق بين أن يقال: صيب فيه ظلمة ورعد - وأما الكلام في مائية الرعد والبرق فليس يليق بهذا الموضع، والصاعقة يستعمل في كل هائل عظيم من مرئي ومسموع، وإنما قال: " أو كصيب "، لأنه من حيث أنه يدل على أحد الشيئين، ويستعمل في الإباحة والتخيير، وفيه تنبيه على أنه إن شبه بأحدهما فصواب، وإن شبه بهما فصواب، وهذا المعنى في لفظه أو دون الواو، فإن قيل كيف وجه العطف في ذلك وقد قال في الأول ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ ولا يليق أن يقال بعده. " أو كصيب "؟ قيل: قد أجيب عن ذلك بانه أريد أو كاهل صيب من السماء، وقيل: إن ذلك عطف على المعنى وذاك أن التشبيه تارة يؤتي به مطابقاً للمشبه في اللفظ، وتارة يؤتي به على ما يقتضيه المعنى دون اللفظ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ومعناه كحرث قوم ظلموا أنفسهم أصابته ريح، فروعي فيه المعنى دون اللفظ، وعلى ذلك قول الشاعر: فلابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب وتقديره: كعنوان رقشه الكاتب، وهذا النوع من التشبيه يقال له: التشبيه الملقف، والآية تأولت على وجهين: أحدهما أنه شبه حال المتحرين الذين اشتروا الضلالة بالهدى بمن حصل في ليلة مطيرة ومظلمة راعدة بارقة يخاف من أهوالها وصاعقتها ويسد أذنه خوفاً من أن يصعق ويكون هذا في شغل الكلام بالمشبه به ووصفه بما يعظم من غير أن يكون في تفاصيل صفة المشبه به ما يرجع إلى المشبه طريقة العرب على ذلك قول لبيد. أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها

стр. 110

فشبه الناقة بالوحشية ثم ذكر أنها مسبوعة مخذولة، ولا اختصاص للناقة بهذا الوصف. والثاني: أنه شبه ما أتى الله الإنسان من المعاون التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي فيه خياة كل ذي حياة، وما فيه من المشاق المبهمة والعوارض المشكلة بظلمات، وجمع الظلمات تنبيهاً على كثرة العوارض، وشبه ما فيه من الوعيد بالرعد، وما فيه من الآيات الباهرة بالبرق، ثم ذكر كل واحد من هذه الأشياء فقال: إذا سمعوا وعيداً تصاموا عنه كحال من تهوله الرعد فيخاف من صواعقه، فيسد أذنه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهذا معنى قوله: " الله محيط بالكافرين "، ثم ذكر أنه إذا رأوا لامعاً لهم إما راشد تدركه بصائرهم وإما رفداً ينفعهم اهتزوا له، فمضوا بنوره وذلك قوله " كلما أضاء لهم مشوا فيه "، ثم بين أنه إن اعترض لهم شبهة أو عن لهم مصيبة تحيروا، فوقفوا، وذلك معنى قوله ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ وقوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ تنبيهاً على أنهم يصرفون أسماعهم وأبصارهم عما فيه نجاتهم وتأمل ما فيه صلاحهم وإنما جعل الله لهم السمع والأبصار لينفعهم ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي أنفسهم عليها يسدهما وتعطيلهما، وذلك تنبيه على أنه إنما أعطاهم هذه الآلات لينتفعوا بها. قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية (٢١) - سورة البقرة. قد تقدم أن " الناس " يستعمل على وجهين أحدهما المشار به إلى الصورة المخصوصة، وذلك عام في الصغير والكبير، والعاقل وغير العاقل، والثاني المشار به إلى المختص بقوى العلم والعمل المحكم وهو المستعمل على طريق المدح، ولذلك يقال: فلان أكثر إنسانية من فلان، لاختصاص هذا المعنى بقبول الزيادة والنقصان، وهذا المعنى هو المراد في هذا الموضع، والعبادة نهاية التذلل في الخدمة وبذل الطاعة وذلك في مقابلة أعظم النعم، ولا يستحقها غير الله تعالى، فهو الذي له أعظم النهم، و " العبادة " تقال في ثلاثة أشياء: اعتقاد الحق، وتحري الصدق، وعمل الخير، وعبادة الله قد يكون في فعل المباحات كما يكون في أداء الواجبات وذلك إذا قصد بالفعل وجه الله وتحرى به مرضاته. وقد قال بعض الحكماء: " مباحات أولياء الله كلها واجبات " وواجباتهم نوافل " فقيل كيف يكون ذلك؟ قال: لأنهم لا يقومون على تناول مباح لهم كالأكل والشرب حتى يضطروا إليه، فيصير تناولها متحتماً ويلتزمون من الفرائض فوق ما يلزمهم حتى يصير فرضهم متنفلاً، وبهذا النظر قيل

стр. 111

عن أكل الصالحين تنزل الرحمة تنبيهاً أنه لا يتناول إلا إذا اشتد به الأمر، ووجب عليه الأكل إمساكاً لرمقه. ألا ترى أن كثيراً من المحظورات يصير مباحاً عند الضرورات بل ربما يصير عليه من الواجبات. إن قيل: ما الفرق بين قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وبين قوله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ قيل في قوله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إيجاب العبادة بواسطة رؤية نعمه التي بها تربيتهم وقوامهم، وفي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إيجاب عبادته بمراعاته من غير واسطة وعلى ذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فحيث ذكر الناس ذكر معه الرب، وحيث ذكر الإيمان ذكر الله - لما تقدم وأما الخلق فتقدير الأعراض الجسمانية وإيجادها، وقد يقال مفيداً للتقدير من غير إيجاد نحو قوله الشاعر: وأراك تفري ما خلقت .... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري واستعمل الخلق في الأجسام والخلق في القوى والأفعال، وجعل " خلقت " للتكوين، وأخلقت للإفساد، نحو فريت، وأفريت، وذلك نحو " أخلقت الثوب " فخلق وأخلق، ولما كان الشيء الحلق كثيراً ما يلين قبل حجر أخلق و " الصخرة خلقاء " أي " ملساء "، ومن أجل أن " الخلق لا يستعمل إلا في إيجاد الأجسام وأعراضها امتنع قوم من إطلاق الخلق على القرآن، فراعوا فيه هذا الوجه دون الوجه الآخر، قالوا: ولا يكاد يقال في وصف الكلام مخلوق ومختلق إلا إذا أريد به المنقول المفتعل. وعلى هذا قال تعالى حكاية عن الكفار في وصفه ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ ولا يكاد يستعمل الخالق مطلقاً إلا في وصف الله تعالى. وقيل في الجملة: يستعمل في المتقدم لكن ذلك على أربعة أوجه تقدم بالزمان نحو آدم قبل نوح ﵉، وتقدم بالذات وهو في كل شيئين متى توهمت ارتفاع أحدهما ارتفع معه الآخر، وإذا توهمت ارتفاع الآخر لم يرتفع معه الأول، كالحياة مع العلم، وتقدم بالشرف، نحو تقدم الأمير للحاجب، وبهذا النظر استعمل العتيق في الشريف وإن كان موضوعه لما تقدم زمانه، نحو

стр. 112

قولنا: تمر عتيق. وتقدم بالرتبة الوضيعة نحو قولنا: الواحد قبل الاثنين، وقوله: " الذين " ها هنا يتناول نوع العقلاء وغيرهم من جميع الأشياء. وفي ذلك تنبيه أن الله تعالى خالقنا وخالق كل ما تقدمنا، وكل ما هو سبب في وجودنا وحصولنا من الآباء والأمكنة والأزمنة والسماء والأرض وسائر ما لو توهمناه مرتفعاً لم يحصل، وأخرج الكلام مخرج المقرر عند المخاطبين أنه تعالى خالق الكل ومبدع الجميع، فعلم ذلك عندهم إما موجود وإما ممكن وجوده، ولهذا قال ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولعل ذكر بعضهم أن معنى ما في غاية القرآن، قال: لأن " لعل " للشك، والشك لا يصح على الله تعالى، فكما لا يصح أن يقول أرجو، وأشك وأظن، فكذلك لا يصح منه أن يقول " لعل " و " عسى " بمعنى ذلك فثبت أن معناه إذا أورده معنى ما وهذا تصور بعيد، وذاك أن القائل إذا قال: " إفعل كذا لعلك تفلح يصح أن يكون " لعلك " حال للمخاطب بمعنى أنا طامع راج لفلاحك ويصح أن يكون للمخاطب بمعنى " وأنت طامع في فلاحك "، ولما دلت الدلالة أن الطمع إنما يكون لمن يخفى عليه العواقب، علم أنه لا يصح أن يكون لله تعالى إذا ورد في كلامه، فصار ذلك حال للمخاطب كأنه قال: " اعبدوا ربكم راجين تقاكم "، وإخراج الكلام على ذلك لأن من شرط المكلف أن يكون واقفا بين الرجاء والخوف ولذلك قال في مدح المؤمنين ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وقال: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وكذلك التقوى فقد تقدم أن لها ثلاث منازل: الأولى: ترك الكفر، والثانية: ترك المحارم التي تحظرها الشريعة. والثالث: حفظ الخواطر والنيات، والآخران اللذان رجانا هما الله تعالى ها هنا دون الأولى، إذ لا يصح فعل العبادة مع وجود الكفر، وحقيقة التقوى جعل النفس في وقاية من كل ما يبعد عن الله تعالى ولهذا قال بعض المحققين التقوى أن يتجنب الإنسان بغاية جهده الأخلاق الحيوانية، ويتخصص بالأخلاق الملكية، فلا يكون متكبراً كالنمر، ولا معيناً كالكلب، ولا حقوداً كالجمل، ولا غمراً كالثور، ولا جاهلاً كالحمار - وقد نبه بالآية أن العبادة لله تعالى هي المبلغة بنا إلى نهاية التقوى التي يستحق بها حوار الله تعالى، نحو قوله : ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قوله : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآية (٢٢) - سورة البقرة. جعل: لفظ عام في الافعال كلها، ويتصرف على ثلاثة أوجه: تارة تجري مجرى صار، و " طفق "

стр. 113

فلا يتعدى مثل قولك جعل زيد يقول كذا، قال الشاعر: وقد جعلت قلوص بني سهيل .... من الأكوار مرتعها قريب وتارة تجري مجرى " أوجد، فيتعدى إلى مفعول واحد، نحو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وتارة تجري نجرى صير وكون فيتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ وتقول جعلته خارجاً إذا جملته على الخروج وإذا أخبرت عنه بالخروج أو حكمت له سواء كان خارجاً أو لم يكن والفراش والبساط متقاربان وهو كل ما فرش من ثوب أو غيره والبناء لكل مرتفع وحائط وغيره والقصد بالآية إلى ما جعله الله تعالى لنا من الآية الواصلة إلينا من السماء والأرض وما بينهما ودل على ذلك بأظهر الآلاء وأقربها من الحواس وقد بسط ذلك المعنى بأبلغ من هذا في قوله ﴿خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهذا المعنى على مقتضى ظاهر اللفظ. وقد قال بعض المفسرين إن الله تعالى مع إرادته لهذا المعنى جعل ذلك مثلاً فذلك أنه جعل الأرض فراشاً أي مركباً من قوله: " افترشت البعير " إذا ركبته، (والسماء بناء) أي الجنة مقراً أو منزلاً، وجعل ما يصل إلينا من الوحي والعلم ماء، وما يثمره من الأعمال الصالحة التي هي سبب الحياة الأبدية ثمرات، وهذا إذا جعل مثلاً فليس ببعيد، إذ قد علم أن السماء تجعل مثلاً لكل منزلة رفيعة كقول الشاعر: نالوا السماء فأمسكوا بعنانها ... حتى إذا كانوا هناك استمسكوا ولا منزلة أرفع من الجنة، ثم لما كانت الجنة في السماء على ما روي في الخبر صح أن يعبر به عنها وقد جعل الأرض مركباً لنا لما روى في الخبر: " اجعلوا الدنيا مطية تبلغكم إلى الآخرة، واجعلوا الآخرة دار مقركم ومحط رحالكم، وجعل المساء مثلاً للعلم والحكمة حتى قيل في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أنه عنى بالماء القرآن بدلالة أنه علقه بالسماع، وليس الماء مما يسمع، وفي قوله ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أنه عنى به القرآن، فذلك روي عن ابن عباس ﵄، ويروى أن رجلاً قال لابن سيرين:

стр. 114

رأيت في منامي كأن ماء يتبعني وأنا أهرب منه وكنت عطشان "، فقال إنه يعرض عليك علم أنت محتاج إلهي وتأبى أن تتعلمه "، وجعل الثمر مثلاً لما يتحصل من الأفعال الصالحة عن ذلك البيان، وقد جعل الله تعالى الماء والثمر مثلاً في قوله ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية .. ، وجعل بعضهم ذلك مثلاً على وجه آخر، فقال: الأرض مثل للأبدان، والسماء مثل للعقل، والماء مثل لما أفاض الله به علينا من العلوم المكتسبة التي تحصل بواسطة العقل. والثمرات التي جعلها الله رزقاً لنا مثل لما يحصل من الأفعال التي تقتضيها العلوم والله أعلم. وهذا يكون أبلغ في المعنى، لأنه يحصل مع المعنى المحسوس معنى معقول. والله أعلم. قوله : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية: (٢٢) - سورة البقرة. الند والشبه والمساوي والشكل والمثل متقاربة المعنى، لكن بيناه فروق - فند الشيء هو المشارك له في الجوهر وإن خالفه في الكمية والكيفية وشبهه مماثله في الكيفية، وإن خالفه في غيرها ومساويه مماثله في الكمية كلها وإن خالفه في غيرها، وشكله مماثله في القدر والمساحة ويدل على هذا الفرقان إنه إذا قيل ما هذا؟ فيقال: ند كذا، أو يقال كم هذا؟ فيقال مساو لكذا، أو يقال: كيف هذا؟ فيقال: شبه كذا قنع المخاطب متى عرف المشبه به، ولو قال كم هذا؟ فيقال: شبه هذا أو قال كيف هذا؟ فيقال مساو لهذا لم يقنع به، والمثل عام في جميع ذلك، ولهذا لما أراد الله تعالى نفي الشبيه من كل وجه خصه بالذكر، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقال أبو عبيد: الند " هو الضد، وهذا نظر منه إلى بعض الأنداد،

стр. 115

وذلك أن الشيئين قد يشتركان في الجوهر، ثم يختلفان في فصل ما، كالإنسان والفرس فإنهما مشتركان في الحيوانية، ومنفصلان في كثير من المعاني فمن اعتبر في مثل ذلك ما بينهما من الفصل قال: الند: هو الضد أو المخالف لأن أهل اللغة يطلقون الضد على المتقابلين، وعلى المختلفين كثيراً على ما يدل عليه كلامهم في الأضداد، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ عام في النهي عن الشرك المطلق وعن الدقائق المؤدية إلى الشرك المنبأ عنه بقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ولهذا قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في هذه الآية هو قول الرجل: (لولا نباح الكلب لدخل علي اللص) وقيل: هو نهي لقوم كانوا يقولون: إن شاء الله وشاء رسول الله ﵇: " أمثلان أمثلان؟ قولوا إن شاء الله " فأنزل الله هذه الآية. إن قيل: ما وجه قوله: " وأنتم تعلمون "؟ فإن ذلك إن جعلته خبراً مستأنفاً، فلابد له من ذكر معلم يقترن به حتى يحصل به تمام الخبر، إن جعلته حالاً يصير تقديره: " لا تجعلوا له أنداداً في حال علمكم "، وذلك غير صحيح، لأن جعل الأنداد محظور في كل حال، قيل إن ذلك حال للمنتهي، وليس الاتيان به شرطاً لقصر الحكم على هذه الحال، وإنما هو تنبيه على قبح فعلهم، لأن مرتكب القبيح مع علمه بقبحه أعظم جرماً، وإذا قيل: " لا تكفر معانداً " فذلك نهي عن الكفر وعن العناد، فكذلك هذا، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ ثم قوله: (وأنتم تعلمون) عام فيمن حصل له العلم بذلك، وفيمن له التمكن مع العلم به، فقد

стр. 116

يصف من حصل له التمكن من الشيء الترشح له بذلك الشيء كتميتهم العصير خمراً، الصبي ناطقاً، والنائم عالماً قد تقرر في عقل كل عاقل إذا تأمل أدنى نظر أنه لابد للموجودات من موجد لها يخالفها، يصح أن يقال لهم: " أنتم تعلمن " وبهذا الوجه قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ومعلوم أنهم لا يقولون ذلك إلا بأدنى تأمل واعتبار. قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية (٢٣) - سورة البقرة. قد تقدم الكلام في الريب، وأما الفرق بين الشك والمرية، والريب والأرابة، والتخمين والحدس، والوهم والخيال، والحسبان والظن، فإنه يذكرها هنا إذا كانت معرفته نافعة، فنقول: وبالله التوفيق: إن الشك هو وقوف النفس بين الشيئين المتقابلين بحيث لا يترجع أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية هي التردد في المتقابلين، وطلب الإمارة مأخوذ من بري الضرع، أي منحه للدر، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي عليه الظن. والريب أن تتوهم في الشيء أمراً ما، ثم ينكشف عما توهمت فيه، والأرابة أن تتوهمه، فينكشف بخلاف ما توهمت، ولهذا قيل: " القرآن فيه أرابة وليس فيه ريب "، والتخمين توهم لا عن إمارة. والحدس إسراع الحكم بما لا يأتي به الهاجس من غير توقف فيه مأخوذ من حدس في سيره، أي أسرع والوهم صورة تتصورها في نفسك سواء كان لها وجود من خارج كصورة إنسان ما، أم لم يكن له وجود كعنقاء مغرب، وغزائل، والخيال تصور ما أدركه الحاسة في النفس. والحسبان: اعتقاد عن أمارة اعتددت به، سواء كان له وجود في الحقيقة، أو ولم يكن وهو مشتق من حسبت الحساب، والظن: أعم معنى من ذلك كله فإنه اعتقاد عن أمارة ما مما قد ثبت، فمتى كانت تلك الأمارة ضعيفة جرى مجرى " خلت

стр. 117

وحسبت "، ومتى كانت الامارة قوية جرى مجرى " علمت " وكتردده بين هذين. قال أهل اللغة: " ظننت " قد يكون بمعنى: " خلت " وبمعنى: " تيقنت "، ومتى كانت الأمارة قوية، ولحق بباب العلم استعمل معه " أن " الثقيلة والخفيفة منه نحو: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ ومتى كانت ضعيفة، استعمل معه " أن " المختصة بالمعدومين من الفعل، نحو قوله: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ وقد تقدم الكلام في الإنزال والتنزيل وفي معنى العبد. وأما تخصيص إضافة العبد إلى الله في كثير من المواضع، فتنبيه على مدحه في كونه مطيعاً له متصرفاً عن أمره، وأنه غير متعرج على غيره، ولا مؤتمر لسواه كمن سماهم " عبدة الطاغوت "، و " عبد الدرهم والدينار " وتنبيه أنهم ممن وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وتنبيه أنه يجري مجرى الملك الموصوف في قوله ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ثم إضافته بنون الملكية مبالغة في الاختصاص، وكل إضافة إليه تعالى على هذه الوجه، فالمبالغة والسورة المنزلة في نحو: ألم تر أن الله أعطاك سورة ويقال للمحيط بالمدينة " سور " لحياطته بجملتها، وتسمية القطعة من القرآن بذلك لكونه كالمحاط بها إحاطة السور بالمدينة، أو لكونها منزلة ما من القرآن كما تقدم، ومن قال سؤرة بالهمز، فمن: أسارت أي: أبقيت قطعة، فكان ذلك قطعة مفرزة من جملته، وقوله:

стр. 118

" من مثله "، قيل: من مثل القرآن، وقيل: من مثل النبي [﵇] من البشر - تنبيهاً أن مثله ليس في طرق البشر، ومن على الوجه الأول: للتبغيض، وعلى الثاني: للابتداء. قوله : ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. الآية: (٢٣) - سورة البقرة. الشهادة: تبين الشيء الحاضر، فقولهم: " شهد زيد " في المعنى من قولهم: " حضر " وإن كان قد يفسر به، ولما كان تبين الشيء على ضربين: تبين بالبصر، وتنبين بالبصيرة، والحضور على ضربين: حضور بالذات، وحضور بالتصور، صارت الشهادة تستعمل على أوجه بحسب ذلك، فيقال ذلك لحصول قربة ومنزلة، ومنه قليل: استشهد فلان "، " وهو شهيد "، كأنه حضر وتبين ما كان يرجوه، واستعمال ذلك فيه كاستعمال القريب نحو قوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولهذه العنى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وقال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وقالوا: " أنا شاهد لهذا الأمر "، أي عارف به متصور له - إشارة إلي قولهم " لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي ". وقالوا: " شاهده " أي: ناصره، وعلى نحوه قال [تعالى]: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وقالوا: " صحبك الله، وأما الشهادة المتعارفة: فأصلها الحضور بالقلب والتبين، ثم يقال ذلك إذا عبر عنه باللسان، ولذلك متى أطلق لفظ الشهادة على ما يظهر من اللسان دون حصوله في القلب عد كذباً، كقوله تعالى في المنافقين حيث قالوا: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، فكذبهم وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ثم يقال لكل ما يدل على شيء شهادة وإن لم يكن قولاً فقوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قد فسر على ما يقتضيه لفظ

стр. 119

الشهادة، قال ابن عباس ﵄ معناه: أعوانكم، وقال مجاهد: معناه الذين يشهدون لكم، وقال غيرهما: أئمتكم نحو: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾، وكأنما عنى بذلك الكبير الذي لا يبرم أمراً من دونهم كقولهم: " فلان يحضر به النوادي وهو من أهل النجوى " وبضده هجى من قبيل فيه بيت: مخلفون، ويقضي الناس أمرهم ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا وأما الصدق: فإنه يُحد بأنه مطابقة الخبر المخبر عنه، لكن حقيقته وتمامه أن يتطابق في ذلك أشياء، وجود المخبر عنه على ما أخبر عنه، واعتقاد المخبر فيه ذلك عن والاعتقاد وبخلافه، صح أن يوصف بالكذب ... ألا ترى أن الله تعالى كذب المنافقين في إخبارهم " إنك لرسول الله " لما كان اعتقادهم غير مطابق لقولهم؟ وإذا قال لك من أعتقد كون زيد في الدار، ولم يكن فيها صح أن يقال كذب، وإن كان قوله مطابقاً لاعتقاده، ولما كان اللسان ترجمان القلب، صح أن يقال: " صح في اعتقاده أو كذب "، وقد يتجوز أيضاً بذلك في جميع الأفعال، فيقال لكل فعل جميل على ما يجب صدق، ولما كان بخلافه [قيل] كذب، ويقال أيضاً لكل شيء يعتقد فيه اعتقاداً ما فوجد مطابقاً لذلك صدق، وإن وجد بخلافه كذب، ووجه الآية أن الله تعالى تحداهم بأن قال: " ادعوا أعوانكم وأنصاركم " وأستعينوا بكل ناصر لكم غير الله الذي هو مفزع الكل، وانظروا هل فب طوقكم الإتيان بمثله - تنبيهاً على أن ذلك لو أتى به محمد من قبله لقدرتم أنتم مع تظاهركم على الإتيان بمثله، ويحوز أن يكون قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ذماً لهم أي: ادعوا أعوانكم التي من عادتكم الاستعانة بهم الذين هو غير

стр. 120

الله، ويجوز أن يكون معناه (وادعوا شهداءكم الذين لكم من دون الله)، فإن الاستعانة به ليس بكم، وعلقه بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ - تنبيهاًَ أن إقامة الدلالة على الشيء الصدق ليس يقصر، فعجزكم عنه دلالة على أنكم كاذبون في دعواكم. قوله : ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. الآية: (٢٤) - سورة البقرة. لفظ الفعل أعم من معنى سائر أخواته، نحو: العمل، والصنع، والإبداع، والإحداث، والخلق والكسب وذاك أن الإبداع أكثر ما يقال في إيجاد عين عن عدم، وليس حقيقة ذلك إلا الله تعالى، والأحداث يقال في إيجاد الأعيان والأعراض معاً، والعمل لا يقال إلا ما كان عن فكر وروية، ولهذا قرن بالعلم، فقيل: علم وعمل، حتى قال بعض الأدباء: " قلب لفظ " العمل عن لفظ " العلم " تنبيهاً أنه من مقتضاه، والصنع يقال لإيجاد الصورة في المواد كالصياغة والبناء فإن الصائغ يوجد صورة الخاتم والخلخال في الذهب والفضة، والبناء يوجد صورة البناء في الطين، والكسب أكثر ما يقال في اجتلاب المنافع، وقد يقال أيضاً في اجتلاب المضار مقيداً، والخلق قد تقدم القول فيه، وقد أمر الله بالتقوى على ثلاثة أوجه، وخص بكل وجه عصابة من الناس وذلك بحسب اختلاف مراتبهم من العلم ومكانهم من الإيمان، فالأول: حث الإنسان على اتقاء عقوبة الله برؤية ذنوبه، وذلك في قوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ والثاني: حث على

стр. 121

اتقائه بروية آلائه ونعمه لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ والثالث: حث على تقواه برؤية وحدانيته دون الوسائط وذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. وجعلها على ثلاثة مراتب حسب ما سنه تعالى في سياسة الأصناف الثلاثة من الناس الخاصة والعامة، وبهذا الاعتبار قسمهم تعالى ثلاثة أقسام في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وأشرف هذه المنازل " تقوى الله " تعالى من غير رؤية الوسايط بلا مخالفة ولا رجاء، ولذلك عظم ثوابه بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وهم الاتقون المعنيون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ والمعبر عنهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ والوقود: الحطب الذي يوقد به، ولذلك فسر بأنه دقاق الحطب، لأنه الدقاق الذي يوقد به، ولما كانت نار الدنيا محتاجة إلى دقاق توقد به، ونار جهنم مستغنية عن ذلك، بل يكتفي في إيقادها بالناس وبالحجارة التي ليست من عادة النيران المشاهدة أن يتقدبها عظم أمرها ومن قال: أراد بذلك حجارة " الكبريت " فإنما عنى أن الحجارة لتلك النار كحجارة الكبريت لنار الدنيا، وقوله: أعدت أصله في العدد وهو الإحصاء، لكن العد يتجوز به على أوجه فيقال: شيء معدود ومحصور للقليل مقابلة بما لا يحصى كثرة، ويقال على الضد من ذلك، وجيش عديد، وإنهم لذو عدد، أي: كثيرة، وذلك مقابلة بما لا يحتاج إلى حصره وتعداده لقلته، ولهذا قيل: أعددت هذا لكذا، أي جعلته معادا للمعد له، يتناول منه بحسب حاجته إليه وقد ألزمهم الله تعالى بهذه الآية الحجة بأنكم إن أتيتم بمثله، فقد أدخصتم حجته،

стр. 122

وإن لم تأتوا به لزمتكم الحجة، ووجب عليكم أن تتقوا عقابه. وفصل بين الشرط والجزاء بحكم جزم أن لا تأتوا بمثله، وذلك زيادة في إعجازه لوجود مخبره على ما أخبر به وذلك مثل قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية، فإن قيل كيف خص الكافرين بالنار دون الفاسقين؟ قيل: يجوز أن يكون أراد أن هذا الضرب من النار يختص به الكفار، وهي المخصوصة أيضاً بقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ثم إذا قيل: " أعد هذا لزيد " لا يقتضي أن لا يكون معداً لغيره، بل قد يكتفي بأعظم الشيئين عن الآخر نحو قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ لم يذكر معه البرد، فيكون النار على هذا الوجه للجنس، وعلى الأول للنوع ..

стр. 123

قوله ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية: (٢٥) - سورة البقرة. أصل بشرته تلقيته مني ببشرة ووجه طلق، وذاك أن من شأن من أتى بخبر سار أن يكون طلق الوجه، ومن أتى بخبر بخلافه يكون عابس الوجه وقيل معنى بشرته: أطلقت بشرته بما أخبرته فإن من ناله سرور، طار دمه منتشراً في صفحة وجهه، ومن ناله سوء يقيض دمه فاصفر أو اسود وقيل: بشرتهك أظهرت له خبراً دلت بشرته على المسرة به، أي ظاهره فاستعير لظاهر الخبر البشرة وذلك لكثرة ما يدل وجه الشيء على باطنه فإن قيل: فإن كانت البشارة للأخبار السارة، فما وجه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؟ قيل إن مثل ذلك قد يستعمل على سبيل التهكم نحو: " تحية بينهم ضرب وجيع " تنبيهاً أن السار لهم الإخبار بالعذاب الآليم، فما الظن بما وراءه؟ والإيمان لما كان في الأصل للتحقيق والتصديق، قيل: ما ذكره الله تعالى إلا قرن به الأعمال الصالحة، تنبيهاً أن الاعتقاد لا يغني من دون العمل، فالعلم أس والعمل بناء، ولا غناء للأس ما لم يكن بناء كما لا بناء ما لم يكن له أس ولذلك قيل: " لولا العمل لم يطلب علم "، ولولا العلم لم يكن عمل، فإذا حقهما أن يتلازما والجن: أصله المستر عن حس البصر وسمى الجن لاستتاره عنه، ثم اشتق من الجن، فقيل جن فلان، وبنى على فعل نبأ " عامة الأدواء نحو:

стр. 124

" زكم " و " حم " ولقي والجنان: القلب، لكونه مستوراً عن البصر، و " جن الليل " والمجن لذلك وقيل للبستان ذي الأشجار جنة، لاستتاره بها، والجنة قيل: [تسمى تشبيهاً] بجنة الأرض وإن كان بينهما بون، وقيل: سميت بذلك، لأنه ستر في الدنيا حقيقة ما أعد الناس فيها من عظم الآلاء وبذلك أخبر تعالى في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وإنما قال: " جنات " بلفظ الجمع لما قال ابن عباس - - رضي الله تعالى عنهما - " إن الجنان سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، وجنة المأوى، ودار الخلد، ودار السلام، وعليون " والجري: المر السريع، ويقال ذلك في الماء والرياح والسحاب والفرس، ويقال للرسول والوكيل المتحققين في الحال جري، والاتيان: عام في المجيء والذهاب وفيما كان طبعاً وقهرياً، والآتي: يقال للماء الجاري، ولما وقع فيه من خشب ونحوه ولمجرى الماء القريب أيضاً إن قيل: لم قال: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) وقد علم أن الماء في البساتين إذا كان جارياً على وجع الأرض أحسن منها إذا كان جارياً تحتها؟ قيل: عنى أنهاراً جارية تحت الأشجار، لا تحت الأرض، وقد روي عن مسروق ما يدل على ذلك، وهو أن كل أنهار الجنة تجري في غير أخاديد، إن قيل: كيف قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ وما كان من قبل قد فنى وعدم؟ قيل: لفظة " هذا " وأخواته يشار بها إلى العين الموجودة طوراً، وإلى النوع والجنس طوراً. والنوع من حيث ما هو نوع ليس يفنى، وإنما الذي يفنى هو الجزئيات وعلى ذلك تقول في الإشارة إلى نهر جار: " هذا الماء

стр. 125

لا يفنى " وأنت لا تعني بذلك الجزئيات المشاعدة منه، وإنما تعني به النوع المعلوم وقوله: (من قبل) هو للمتقدم، فقيل: عنى بذلك ما أتوا به قبل ذلك في الجنة، وإليه ذهب الحسن ويحيى بن أبي كثير، فقال: " إذا أوتي أحدهم بصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بآخر، فيقول: هذا الذي رزقنا من قبل، فيقول له الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف "، وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - (رزقنا من قبل) أي في الدنيا شبهه. وابن جرير رجح هذا الوجه، وقال: إن قوله: (كلما) عام يقتضي أنهم قالوا ذلك في كل مرة من غير تخصيص، ومتى جعل ذلك الأولى، اقتضى أن يكون مخصوصاً خلاف ما يقتضيه عموم الآية، وقال بعض المفسرين قول ابن عباس -[﵄]- في قوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الدنيا، يعني ثواب ما رزقنا من المعارف كقوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال: ويدل على صحة هذا أن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: " ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء "، والمتشابه: المتماثل في الكيفية، ولهذا يقال فيكا لا يتميز أحدهما عن الآخر متشابه، وكذلك للواقع من الكلام بين معنيين فصاعداً ومتشابه والشبهة في الشيء ما يقع فيه من مشابهة الغير، فقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، قيل: هو تفسير لقوله: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي يشبهه اسماً ولوناً لا طعماً وحقيقة وقيل: عنى به متماثلاً في الكمال وأن لا تقارب، فيه كأطعمة الدنيا، وقال بعض المفسرين: إن الآية مثل لا على الحقيقة، وقد نبه على كونه مثلاً بقوله بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ والأنهار مثل لمجاري الخيرات، كقولك: ينابيع الحكم، وأنهار الفعل والرزق لم يعن به ما يؤكل فقط، وإنما هو كقولك: " رزقت فهماً وعلماً " والثمرة: اسم

стр. 126

لما يتحصل عن الشيء، كقولهم: " ثمرة العلم العمل الصالح، وثمرة العمل الصالح الجنة " ومعناه: كلما اعطوا في الجنة جزاء لما رزقوا من المعارف والأعمال، (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) أي: هذا ثواب الذي وفقنا له في الدنيا. وهذا القول وإن كان لمجازه مساغ في اللغة، فهو ترك لما روي عن السلف في تفسير الآية، وقد طعن في هذه الآية وأمثالها من الآيات قوم من المتفلسفين والطبيعيين، وقالوا: " إن الجنة لا يصح فيها الأكل والشرب، فإن الأكل لا يطيب إلا عن جوع، والجوع مرض وأذى، والأكل مداواة له، ولا مرض ولا أذى بوجه في الجنة، ثم إن الطعام يصير بعضه ثقلاً بعد طبخ المعدة إياه فيخرج من البدن، وبعضه يصير غذاء يزيد في البدن بقدر ما يتحلل منه، وإلا خرج به البدن عن الاعتدال. وكل ذلك لا يصح إلا في دار الكون. والفساد دون دار الخلد والبقاء ". وهذا كلام من نظر إلى الأجساد في الآخرة نظره إليها في هذه الدنيا، وهي مركبة تركيباً معرضاً للاستحالات، ولم يعلم أن الله تعالى [قادر على أن] يعيدها إعادة لا تعتورها الاستحالات، ويجعل لها أطعمة يتلذذ بها، فلا يكون لها ثقل ولا تغير منكر، وقد دل على ذلك تعريضاً وتصريحاً، أما إعادتها على وجه معرى من الاستحالات، فقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وبقوله ﵇ في أهل الجنة: (جرد مرد مكحول)، وأم إن أطعمتها لا يستحيل فبقوله ﵇: (إن أهل الجنة لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك).

стр. 127

ويقول ابن عباس " ﵄ " " ليس في الجنة شيء ما في الدنيا إلا أسماوها "، فإن الله تعالى سمي الماء واللبن والخمر والعسل والسندس والحرير والمسك والزنجبيل، ووصف لكم ما في أيديكم ليحلو عندكم، ولكي تهتدي، إليه قلوبكم، زليس لهذا القول منه وجه إلا التوقيف، إذ لا مدخل للاجتهاد فيه، وروي أن يهودياً سأل النبي ﷺ " أتزعم أن في الجنة نكاحاً وأكلاً وشرباً، ومن أكل وشرب كانت له عذرة؟ فقال النبي ﵇: " والذي نفسي بيده إن فيها أكلاً، وشرباً، ونكاحاً، ويخرج منهم عرق أطيب من ريح المسك "، فقال رجل: صدق رسول الله، خلق الله دوداً يأكل مما تأكلون، ويشرب مما تشربون، فيخلف غسلاً سائغاً " فقال ﵇: " هذا مثل طعام الجنة أهل الجنة " وفي هذا إشارة عجيبة، فإنه إذا أمكن أن يأكل دود أطعمة مستحلية، فتخلف جنساً طيباً يبقى أطول مدة، فلا يلحقه فساد، فكيف ينكر أن يتناول أهل الجنة طعاماً معرى من العفونات والاستحالات، فيخلف منه مسك؟ والذي يستبعده بعض الناس من ذلك هو أنهم يريدون أم يتصوروا أبداناً متناولة لأطعمة لا استحالة فيها ولا تغير لها، ولا يكون منها فضولات، وتصور ذلك محال، وذاك أن التصور: هو إدراك الوهم خيال ما أدركه من الحس وما لا يدرك الحس جزءه ولا كله، كيف يمكنه، تصوره؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور لك، لما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، ولما قال " ﵇ " مخبراً عن الله تعالى: (أعدت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)، وجملة الأمر: يجب أن يكون معلوماً أن النقصانات منفية عن الجنة، لأنها من الأعدام، وليس في الجنة أعدام، إذ الجنة في غاية الكمال والتمام ..

стр. 128

قوله : ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الآية: (٢٥) سورة البقرة. الزوج: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوان المتزواجة، ومن القرينين في غيرهما، كزوج الخف والنعل، ولكل ما معه آخر مقارن له - مماثلاً كان أو مضاداً، مركباً معه أو مفرداً، فقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي. أشكالهم وموافقيهم في الدين، ولم يرج الرجل وحليلته، فقد تكون تحت المؤمن الكافرة وتحت الكافر المؤمنة، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ أي اثنين، إما من حيث الأعداد، أو من حيث التركيب - تنبيهاً أنه تعالى هو الفرد من كل وجه، وما سواه زوج من وجه ما، والزوجية: أي أنثوية يقتضي كونها محدثة، والتطهير يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً، وقيل في قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. أي نفسك نقها من الأوساخ، وذلك مخاطبة لككافة وإن كان لفظه للنبي ﵇ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ومعلوم أنه تعالى لم يرد تطهيراً عن نجاسة في ثوب وبدن، وإنما أراد تطهير النفس الذي يستحق به المدح والخلود والبقاء الدائم وأصله لما يطول مكثه، ومنه قيل للأثافي والأحجار " خوالدٌ "، والخُلْدُ: اسم للجزء يبقى من الإنسان على حالته مادام حياً ...

стр. 129

قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾. الآية (٢٦) سورة البقرة. الحياءُ: عارض للفرع من النقيصة، وذلك بين الوقاحة والخجل، فإن الوقاحة هي الجرأة على الإعال القبيحة من غير مبالاة، والخجل انحصار النفس عن الفعل، والحياء مأخوذة من لفظ (الحياة) التر يراد بها العلم والعقل، ووجه ذلك أن الحياء أسُّ العقل، إذ هو أول أمارة منه تظهر من الصبي، ولهذا قال ﵇: " من لا حياء له لا إيمان له "، لأن الحياء أول منزلة من العقل، والإيمان آخر منزلة له، ومحال أن يحصل آخر المنزلة لمن لم يحصل له الأولى، وأما الحياء الذي هو الفرح، فسمي بذلك لكونه مستحباً من ظهورة، ومن أجل ذلك قيل: " شورتُ لفلان " أي خَجَّلتُهُ خجل من يظهر شوارهُ أي فرحُةُ والضربُ أصله وقع شيء على شيء ثم تجوز به على أنظار مختلفة، ولما قيل: " ضربتُ الدرهم "، و " درهمٌ ضربٌ " أي مصوغ، استعير منه: " ضربت المثل " والكلام في المثل، والمثل قد تقدم، وما في قوله: " مثلاً ما " للمبالغة في التنكير، فإن " ما " في الخبر إما أن تكون معرفة، فتكون موصلة، أو نكرة، وذلك على ثلاثة أوجة: إما موصوفة نحو قوله: رُب ما تجزعُ النُّفوسُ منَ الأمـ .... ـرِ فُرْجةٌ كحلٌ العقال أو مبتدأ بلا صفة وذلك في قولهم: " ما أحسن زيداً " على مذهب " سيبويه "، وإما تابعاً

стр. 130

لاسم منكور - تنبيهاً أنه لم يقصد به معين، نحو: " رأيتُ رجُلاً ما "، وقوله: " فَمَاَ فَوْقها "، قيل معناه: ما دونها، وإنما عنى ما فوقها في الصغر، ففسره بدون، فظن بعض أهل اللغة أن فوق يكون بمعنى " دون " فأخرجه في جملة ما صنف من الأضداد والحق: لفظ عام لصدق المقال وصواب الفعال، يقال: قول حق، كقولك صواب، وقيل: الحق هو الذي لا يزاحمه في ذاته ضد، ولهذا وصف الله تعالى به في قوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ والإرادة منا تقتضي نزوع النفس إلى الشيء مع الحكم بأنه ينبغي أن يفعل وأن لا يفعل وإذا وصف الباري تعالى، فلا يصح أن يكون فيه النزاع، إذ هو منزه عن ذلك، والاختيار أخص من الإرادة، فإن فيه مع الإرادة دلالة من اللفظ على تفضيل أحد الشيئين على الآخر، والإيمان ههنا: الاعتقاد الصادر عن العلم وإن كان في التعارف يقتضي مع الاعتقاد قولاً وعملاً بحسب مقتضاه والكفر ههنا: الاعتقاد الكاذب عن تخمين، ومعنى الآية: أن الكفار لما سمعوا النبي ﷺ وقد تلا عليهم قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ وقوله ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ قالوا: لا يستحي ربك عن ذكر الذباب والعنكبوت؟ فأنزل الله تعالى ذلك - تنبيهاً - أن الاعتبار بالحكمة لا بصغر الجثة وكبرها، إن قيل: من حق مطابقة قوله [تعالى]: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي يقول: (وأما الذين كفروا فلا يعلمون)؟ قيل: لما كان الإيمان صادراً عن العلم، والعلم يقتضي سكون النفس وطمأنينة القلب، وذلك لا يقتضي مراجعة ومساءلة ذكر مقتضاه ولما كان الكفر منبع الجهل التام وتمام الجهل والاعتراض على الحق على

стр. 131

سبيل الإنكار، نبه بإنكارهم لما لا يعرفونه على تمام جهلهم وقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ -[قد تقدم] الكلام في الإضلال والهداية، فأما الفاسق: فهو الخارج عن حجر الإيمان من قولهم: " فسق الرطب عن قشرة "، وكل كفر فسق، وليس كل فسق كفراً، وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم فسق حكم الإسلام وأقر به أو ببعضه ثم أخل به، وإذا قيل للكافر الأصلي فاسق، فلأنه أخل بحكم ما ألزمه العقل واقتضاه الفطرة، وللفاسق في انحلاله عن الإسلام ثلاث درجات: التغابي، والانهماك والجحود فبالتغابي: يرتكب بعض الذنوب مع استقباحه من نفسه، وبالانهاك: يرتكبها غير مبال بها، وبالجحود: يرتكبها مستصوباً لها. [والكبير والكثير يتقاربان، إلا أن الكبير والكثير أكثر ما يقال في أخر الشيء المتصل] فالكثير في الأعداد والمعدودات المنفصلة: إن قيل: كيف قال: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ والكثير والقليل إنما يقالان في شيئين يعتبر أحدهما بالآخر، والناس إذا فرقوا فرقتين فحكمت على إحديهما بالكثير، فالأحرى لا محالة قليلة، فكيف جعلهما كثيرين؟ قيل: إن ذلك باعتبارين، فقوله: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني من حيث العدد، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني من حيث الفضل والشرف. وعلى هذا قول الشاعر: " قليل إذا عدوا كثير إذا شدوا " أو يحكم عليهما بالكثرة - اعتباراً بالإضافة إلى غيرهما -.

стр. 132

قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الآية: (٢٧) - سورة البقرة. النقض: فسخ المبرم، وأصله في طاقات الحبل، والنكث: مثله، لكنه يقال في المتبلد كالأكسية، والأخبية، والعهد: كل أمرٍ شأنه أن يراعي كاليمين، والمشاركة، والمبايعة، ويقال العهد للدار المراعاة بالرجوع إليها، والتاريخ المراعي، وللمطر المتعهد، والميثاق: اسم لما يقع به الوثاقة، والعهد المأمور بحفظه ضربان: عهد مأخوذ بالعقل، وعهد مأخوذ بالرسل، والمأخوذ بالرسل مبني على المأخوذ بالعقل، ولا يصح إلا بعده أو معه، وقد حملت الآية عليهما، وذلك هو المذكور في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ وقد عظم الله تعالى أمر العهد وتوعد على الإخلال به في أي كثيرة، كقوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ وقوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية وقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وأما ذمهم بقطع ما أمر الله به أن يوصل، فذم بقطع الخيرات وتعاطي السيئات، وذلك أن التقاطع بين الناس يحصل من رفض المحبة والعداية ورفضهما سبب كل فساد، فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا وإذا عمروا عمروا وأمروا وبالعكس إذا تباغضوا وظلموا تدابروا وإذا تدابروا تخاذلوا وإذا تخاذلوا، لم يعمل بعضهم لبعض

стр. 133

فهلكوا ولهذا قال ﵇: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله) وقال: (المؤمن مألف، ولا خير فيمن لا يؤلف ولا يألف)، ولذلك حثنا على الاجتماعات في الجماعات والجمعات، لكون ذلك سبباً للألفة، بل لذلك عظم الله تعالى المنة على المؤمنين بإيقاع الألفة بين المؤمنين، فقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وليس ذلك في الإنسان فقط، بل لولا أن الله تعالى الف بين الأركان المتضادة، لما استقام العالم، ولذلك قال ﵇: " بالعدل قامت السماوات والأرض " ومتى تصور هذه الجملة، علم أن الآية في نهاية الذم

стр. 134

لهم، وقول قتادة: " إنه أمر بصلة الأرحام "، وقول غيره: " إنه ذم لهم بقطعهم النبي ﷺ إشارة منهم إلى أبعاض ما يقتضيه عموم الآية، والخاسر في خسر إحدى المقتنيات الثلاثة من المال والبدن والعقل، وكما أن الفاسق بالقول المجمل على ثلاث طبقات بعضها فوق بعض، فكذلك ناقضوا العهد على ثلاث طبقات: ناقض عهده في أوامره المفروضة، وناقض عهده في أوامر النافلة، وناقض عهده في أركان الدين، وذلك أعظم الثلاثة، وكذلك قاطعو ما أمر الله به أن يوصل، قاطع لبعض ما يشير إليه عقله تابعاً لهواه، وقاطع لبعض ما يأمر به العلم وبنوه، وقاطع للعصمة بينه وبين الله، وكذلك الخاسر: خاسر ماله في ابتغائه غير الدار الآخرة، وخاسر بدنه في غير خدمة الله، وخاسر عقله في إهماله عن اقتباس ما يفيده الحياة الأبدية، وذلك أعظم الخسران المنبأ عنه بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. فلكل منزلة من الفسق منزلة من نقض العهد، ومنزلة من القطع، ومنزلة من الخسران تلازمه، فالأول في كل ذلك مخطئ، والثاني فاسق، والثالث كافر، ثم منزل كل واحد منهم يتفاوت.

стр. 135

وقوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الآية: (٢٨) - سورة البقرة. كيف: ههنا استخبار لا استفهام، والفرق بينهما أن الاستخبار قد يكون تنبيهاً للمخاطب وتوبيخاً ولا يقتضي جهل المستخبر، والاستفهام بخلاف ذلك، فكل استفهام استخبار، وليس كل استخبار استفهاماً، والحياة: يستعمل على أوجه، يقال للقوة النامية في النبات والحيوان حياة: ومنه قيل نبات حي إذا كان نامياً، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقوله : ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ والثاني: للقوة الحساسة الحاسة، وبه سمي الحيوان حيواناً، والثالث: للقوة المختصة بالإنسان من العقل والعلم والإيمان، وذلك لكونها سبباً للحياة الأبدية، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ وقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وعلى نحوه قوله: وقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي والموت: يستعمل في فقد كل واحدٍ مما تقدم، وأما وصف الباري - جل ثناؤه - بالحي، فليس يتصور منه مقابله الموت، فإنه تعالى الدائم الباقي الذي به حياة كل حي، ومعنى الآية: قبل " كنتم أمواتاً " أي: تراباً ونطفة، فأحياكم، بأن أنشأكم وخلقكم ثم يميتكم الموت المعروف، ثم يحييكم يوم ينفخ

стр. 136

في الصور، " ثم إليه ترجعون أي تردون إلى دار الثواب والعقاب، وذلك نحو قوله: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ ونبه بمثل هذه الآيات على أن القادر على الابداء، قادر على الإعادة، كما قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقال بعض أهل الحقائق: الآية خطاب للمؤمنين، ولا على الإنكار بل على تعظيم المنة عليهم وتبعيد الكفر منهم بعد تحققهم بالإيمان، فقد قيل: " ما رجع من رجع إلا من الطريق، أي: لا ينكر الله أحد بعد تخصصه بالمعرفة الحقيقية، وإنما يرتد ويتشكك من لم يبلغها، فمحال أن يصير العارف جاهلاً، وليس بمحال أن يصير الجاهل عالماً، فيقول: " كنتم أمواتاً " أي جهالاً فأحياكم بما أفادكم من العقل ورشحكم له من العلم، كما قال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ وهذا أعظم أعجوبة، وأولى بالاعتبار به والتنبيه عليه لمن ألقى السمع وهو شهيد، ثم قال: (يميتكم) الموت المعروف الذي لا يجب أن يتكادكم ثم يحييكم الحياة الحقيقية، ثم تثابون الثواب الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الآية (٢٩) - سورة البقرة. الاستواء: طلب السواء، أي المساواة، وسمي وسط الشيء سواء، لتساوي مساحة الجوانب كلها إليه، وقيل للعدل سواء لكونه وسطأً للظلم والانظلام، إن قيل: قوله تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) يقتضي أن كل ما في الأرض خلق لأجل الإنسان، والانتفاع به، ومعلوم أن في الأرض كثيراً مما لا ينفع للإنسان فيه، بل فيه المضار كالحيات والعقارب، (والسموم) والأشرار من الناس، قيل: الأشياء الضارة في الظاهر لكل نوع منها خاصة فيها نفع للإنسان أو نفع لما فيه نفع للإنسان،

стр. 137

فأجزاء العالم إذا تأملتها إما أن تكون قراراً للإنسان، أو غذاء له، أو غذاء لما هو غذاء له، أو دواء له، أو ما ينتفع به نفعاً نا على وجه. وذلك بين في أنواع الأشياء وأجناسها. فأما نفع جزيئاتها في أن يقال: ما نفع هذه الحية بعينها فلا سبيل لنا إليه، وأجزاء العالم شيء ضار بالإضلاق، وإنما الضار بالاعتبار إلى جزيئاته، إن قيل: كيف ذكر ههنا أنه خلق ما في الأرض قبل السماء وقد قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، معلوم أن ما في الأرض محال وجوده قبل وجودها؟ قيل: قد ذكر في هذا جوابان: أحدهما: أنه تعالى خلق جوهر الأرض، ثم دحاها وبسطها بعد خلق السماء، والثاني: أنه خلق السماء بعد خلق الأرض ووجودها، وإنما وقعت الشبهة من قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، لأن بعض الناس تصور له من جهة القرآن قوله: (بعد ذلك) ظرف لقوله: (دَحَاهَا) واعتبر في (بعد) الزمان وليس كذلك، فإن تقدير الآية: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾، ثم قال: ﴿دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾. كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ ثم قال: ﴿بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾، وليس " بناها " وصفاً للسماء، بل تقديره: (أم السماء أشد خلقاً)، ثم استوؤنف فقيل: بناها - تنبيهاً أن من قدر على ذلك [فهو على] إعادتكم قادر، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي الأرض بعد السماء أشد خلقاً من إعادة خلقكم، وذلك لأن السماء بما فيها من عجائب الصنعة أعظم خلقاً من الأرض، ثم الأرض أعظم من الإنسان، وليس يريد بقوله بعد التوقيت، وإنما يريد الترتيب في الشرف والرفعة، فإن قيل: ولم نصب الأرض ولم يرفعها كما رفع السماء؟

стр. 138

قيل: لأن القول استحبار، وقوله: " والأرض " ليس بداخل في الاستخبار، لأنه لو كان استخباراً لقال: أم الأرض، لكنه استأنفه، فأضمر له فعلاً نحو: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ﴾، ذلك الفعل ما دل عليه (أنتم أشد) من التعرف، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فالاستواء وإن كان في الأصل للإقبال الدال على الانتقال، فقد يراد به التوفر على إصلاح الشيء، وهو المراد ههنا، وعلى ذلك الاتيان في نحو قوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، ويكون اللفظ متجوزاً [به] ههنا، قال بعضهم: معناه: استولى وقال الحسن: أقبل على خلقه، وقال ابن عباس ﵄ استوى أمره عليه، وقيل معنى: (سَوَّاهُنَّ) أي تحرى السواء، أي العدالة وذلك لما جعل فيها من التركيب المتعادل المشار إليه بقول النبي ﷺ : " بالعدل قامت السماوات "، إن قيل: لم ذكر السماء ثم قال: (فَسوَاهُنَّ). قيل: لما عنى بالسماء السموات رد الضمير إلى المعنى، ومجاز ذلك أن الأسماء على ضربين: اسم موضوع لأجزاء الرجل والمرأة متشابهة، نحو: الدم، واللحم، والماء، والأرض، واسم موضوع لأجزاء غير متشابهة، نحو: اليد، والرجل، فما كان من الأول، فإنه يقع على بعضه اسم كله، فلا فرق بين أن يذكر بلفظ واحد، أو بلفظ الجمع. والسماء من هذا الباب، لأنه يقال لأقطاع اللحم لحم، ولكل قطعة منها منفصلة كانت أو متصلة لحم كذلك السماء، والله أعلم.

стр. 139

قوله : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٣٠) - سورة البقرة. إذ: يتعلق بمضمر في موضع المفعول به، لأن تقديره: اذكر لا أذكر فيه، وقول أبي عبيد: إن " إذ " في مثل هذه المواضع زائدة، فإنه تقصير منه في النظر، والملك أصله " ملاك " مقلوباً عن مالك، والألوك: الرسالة المحفوظة في الفم من " ألك الفرس اللجام "، إذ لاكه، وروي أن الملائكة على أضرب خواص يتميزن تمييزاً مبانياً في الفضيلة، منهم وأدون ألو أجنحة، وجماعة يقال لهم الجن، وهم أقرب إلى النسا، وقد يقال للصالح من الناس " مَلَك " على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وقال الشاعر: فلَسْتَ لإ نسى ولكن لملاك والخليفة والخلف يتقاربان من قولك: خلف فلان فلاناً إذا قام مقامه، والخلف والسلف يتناقضان كخلف وقدام، فإن قيل: ما وجه استخلاف الله تعالى، والخلافة إنما تكون للنيابة عن الغري؟ إما لغيبته أو موته أو عجزه، وذلك لا يجوز على الله تعالى قيل: بل قد يكون على غير ذلك، وهو أن يستخلف المستخلف غيره امتحاناً للمستخلف، أو تهذيباً له، أو يستخلفه لقصور المستخلف عليع من قبول التأثير من المستخلف لا لعجز المستخلف وذلك ظاهر في الأشياء المهينة والطبيعية، فإن السلطان

стр. 140

جعل الوزير بينه وبين رعيته، إذ هو يقبلون من الواعظ ماله قرب إلى قبولهم منه، وكذا الواعظ جعل بين العامة والحكماء، فإن العامة لا يقبلونه من الحكيم، وليس ذلك لعجز الحكيم، بل لعجز العامة عن القبول منه، وعلى هذا اللحم والعظم لما تباعد ما بينهما عجز العظم عن قبول الغذاء من اللحم، فجعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضاريف التي بينهما، ولها مناسبة إليهما لتأخذ ذلك من اللحم وتعطيه العظم، وكذلك جعل تعالى الرسل بين الملك الذي هو من قبله تعالى وبين العباد لفضل قوة أعطاهو ليأخذوا منه الحكمة ويوصلوها إلى الناس، وبهذا الوجه قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، والخليفة يقال للواحد والجمع، وهاهنا [هو] جمع، فإن الخليفة لم يرد به آدم ﵇ فقط، بل أريد هو وصالحو أولاده، فهم خلفاؤه وحزبه لقوله تعالى: ﴿حزب الله﴾، وأنصاره لقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾، وعباده لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وعمارة في الأرض لقوله: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، والمقصود واحد بهذه العبارات وإن اختلفت بحسب الاعتبارات، وقيل سماهم خليفة لكونهم بعد جان سكنوا الأرض، فإن كل من تولى شيئاً بعد آخر يقال له هو خليفة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وقوله تعال: ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾، وأما السفك، والسبك، والسفح، والسن، والشن، والصب، فمتقاربة، وبينهما فروق، فالصب: أعم من هذه الألفاظ، السفك: يقال في الدم والدمع، والسبك يقال للجواهر المذابة، والسفح: في الصب من أعلى، كسفح الجبل، وعنه استعير السفاح، والشن للصب عن القربة ونحوها، والسن يقاربه، لكن استعير السن في إماهة الحديد، وعنه بني المس والشن

стр. 141

للصب عن القربة ونحوها، والسن يقاربه، لكن استعير السن في إماهة الحديد، وعنه بني المس والشن استعمل في الغارة، وفي لبس الدرع، وذلك لتشبيه الدرع بالماء، وأجزاء الكتيبة بأجزاء السيل، وأما التسبيح فأصله السبح أي سرعة الذهاب في الماء، واستعير لمر النجوم في الفلك، ولجري الفرس، قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أي: سعة ذهاب. وسبحته عن كذا: أي نزهته، وتسبيح الله: تنزيهه بالقول والحكم و " سبحان " مصدر، ككفران، وجعل السبحة للتسبيح، وسمى الصلاة بها لكونها تسبيحاً والحرزات: سمى سبحة، ومعنى: (نسبح بحمدك) أي: نسبحك والحمد لك، أو نسبحك بأن نحمدك والتقديس: التطهير، وقوله: (نقدس لك) قيل معناه نطهر أنفسنا لك - إشارة إلى نحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وليس ذلك إظهاراً للمنة، بل هو على حسب ما نقول مجتهد محب أن يفوض صاحبه إليه خدمة ما، فيقول: أتستعين بغيري وأنا مجتهد في خدمتك؟ وعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ولي قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على سبيل الاستشارة، فالاستشار استمداد علم من المستشار، والله تعالى منزه عن ذلك، وإنما ذلك إعلام، كإعلامه إيانا كثيراً من الكائنات لمصلحة ما، إن قيل: فمن أين حكمت الملائكة على الإنسان بالإفساد في الأرض وسفك الدماء، وذلك إما ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين، وهم منزهون عن ذلك؟ قيل: قد قيل إنهم قاسوهم على من كان يسكن الأرض قبل من الجان، فأفسدوا فيها، وقيل: وهو أصح أن الله تعالى كان قد أخبرهم بذلك، لكن لم يقص علينا فيما حكى عنهم تنبيهاً عليه بما ذكر في الجواب وذلك عادة القرآن في كثير من الأقاصيص المذكورة، كقوله تعالى في قصو يوسف ﵇: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ ليس بانكار إنما هو استخبار مجرد ليعرفهم ما تسكن نفوسهم إليه ويرشدهم إلى ما يزيل شبهتهم وليسألوا عن ذلك ألا وقد أذن لهم في السؤال

стр. 142

أما جملة وتفصيلاً، إن قيل كيف أدخل عليهم الشبهة حتى سألوا عن ذلك واستنكروه؟ قيل: إن الله تعالى لما خلق الإنسان جسمانياً وروحانياً وجعله مركباً من قوى ثلاث، قوة شهوية، وقوة غضبية وقوة ملكية فبقوته الشهوية يفسد في الأرض، وبقوته الغضبية يسفك الدماء متى لم تكونا مهذبتين ويتولى خلافة الله تعالى بقوته الملكية التي هي العقل، وعلى ذلك دل النبي ﵇ بقوله " لما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك أخذ، وبك أعطي "، فلما سمعت الملائكة أن الإنسان مركب من هذا التركيب ورأوا القوة التي بها تصلح لخلافته القوة التي خصوا بها ونظروا إلى رذيلة القوتين الأخريين ولم يعرفوا فضيلتهما استنكروا فراجعوا الله تعالى وقالوا: أما العبادة التي هي التسبيح والتقديس المختصة بالقوة الملكية، فنحن نقيمها، فما معنى الإنسان المركب تركيباً لا ينفك من فساد وقتل؟ فقال تعالى في جوابهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعرض ولم يصرح ها هنا ليريهم فضيلة الإنسان وما خصوا به من العلم والعمل اللذين يفضلان الملك عنهما عياناً ومشاهدة والإجمال في هذه الآية بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هم المبين بما بعده من الآية التي [تليها] ..

стр. 143

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ الآيات: (٣١، ٣٢، ٣٣) سورة البقرة. الإنباء: إخبار فيه إعلام، وهو متضمن لهما ولذلك كل إنباء أخبار، وليس كل إخبار إنباء، وكل نبأ علماً وليس كل علم نبأ ولكونه متضمناً لهما، ومشتملاً عليهما أجري مجرى كل واحد منهما فقيل أنبأته بكذا كقولك أخبرته وأنبأته بكذا، كقولك أعلمته كذا، ولا يقال: " نبأ " إلا لكل خبر يقتضي العلم كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الأنبياء [﵈] وما جرى مجراها، وسمى النبي لكونه منبئاً بما تسكن نفسه إليه، ومنبأ بما سكن المؤمنون إليه فهو أصح من أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، أما بمعنى الفاعل، فلقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقوله ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ وأما بمعنى المفعول فلقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وشرح هذه الآية لابد أن يبين فيه كيف كان تعليم الله آدم الأسماء، وهل فيه دلالة على أن اللغات توقيف أو أوائلها إصطلاح؟ وأنه هل علمه الأسماء دون المعاني؟ أو علمه إياها جميعاً؟ وما في ذلك مما تنبه الملائكة على خطئهم فيما توهموه وقالوه حتى رجعوا عن دعواهم واعتقادهم وأذعنوا للاستسلام؟ فنقول وبالله التوفيق: إن الناس اختلفوا في اللغات، فذهب بعض المتكلمين إلى أن أوائلها اصطلاح، والباقي يصح أن يكون توقيفاً، واستدل على ذلك بأنه لا سبيل إلى معرفة مراد الله تعالى إلا بالخطاب، ولا يصح أن يكون العلم بمراده ضرورة والعلم بذاته مكتسباً لأن ذلك مؤد إلى أن تعلمه ضرورة أن العلم بمراده فرع على العلم بذاته فلا يصح أن يكون العلم الخفي ضرورياً والجلي

стр. 144

مكتسباً، وذلك فاسد، هذا ما قاله، والصحيح - إن شاء الله - ما ذهب إليه الجمهور إنه توقيف وقيل: الدلالة على المسألة إن تعليم الله عباده على أي وجه يكون، فذلك يسهل الكلام في المسألة، والقول في ذلك - إن شاء الله تعالى - قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فذكر أن مكالمته للبشر على أحد هذه الوجوه الثلاثة، وأشرفها ما كان بإرسال رسول يرى ذاته، ويسمع كلامه كحال النبي ﷺ مع جبرائيل ﵇ والثاني: ما كان بإلقاء الكلام في السمع من غير رؤية، كحال موسى ﵇ في ابتداء أمره، والثالث: ما كان بوحي والوحي - ههنا - مخصوص بالإلقاء في الروع، والإلهام، والتسخير، والمنامات فتعليم الله تعالى آدم [﵇] الأسماء على أحد هذه الوجوه، ومحال أن يكون الاصطلاح على الألفاظ متقدماً على التعليم فإن الاصطلاح لابد له من كلام يتواطؤون عليه، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون اصطلاح ولا لغة، فإن قيل: فما ينكر أن يتواضعوا بإشارات وتصويت، فإن الأخرس يقدر على ذلك، وله مخارج الحروف، لأنا نجد الذين لا يتكلمون يفهمون ويفهمون ولا لغة لهم! قيل: الإشارات يفهم عنها بالاستدلال كسائر الاستدلالات التي لو توهمنا الكلام مرتفعاً لصح حصوله وليس للأخرس إلا الاستدلال فقط، ولا قدرة له على الألفاظ يؤلفها، وإنما صوته كصوت الطفل الذي لم يتلقن الألفاظ واللغة إنما تكون لغة بحصول تركيب المفردات الثلاث ولو كان إلى ذلك سبيل من غير تعليم، لكان من شرط البكم أن يتواضعوا فيما بينهم كلاماً لأن آفة البكم من السمع، وإنما عجز عن الكلام لعجزه عن التلقن بالسمع، فثبت أن ابتداء تعليم الكلام لا يكون إلا من معلم، وذلك قد كان من الله تعالى لآدم بأحد هذه الوجوه المتقدمة إن قيل: كيف علمه الأسامي كلها وقد علمنا أنه ما من زمن إلا وبنوه يضعون

стр. 145

أسامي لمعاني وأعيان إما مخترعة وإما منقولاً إليها عن غيرها؟ قيل: قد قال بعض الناس: " إن كل تلك بجزئيات علمها الله تعالى آدم ﵇ وإن ظهر في بعض الأزمنة من بعض أهله والصحيح: أن العلم في الحقيقة يتعلق بمعرفة الأصول المشتملة على الفروع، والمعاني الكلية المنطوية على الأجزاء كمعرفة جوهر الإنسان والفرس والقوانين التي يعرف بها حقيقة الشيء مثل أصول الضرب في الحساب، وأحوال الأبعاد والمقادير في الهندسة، والأصول المبني عليها المسائل الكثيرة في الفقه والكلام والنحو. فأما معرفة الجزئيات متعرية عن الأصول، فليس بعلم، ولا يقال للعارف بها عالم على الإطلاق، وإنما هو في معرفتها محاك محاكاة الببغاء للألفاظ وإذا كان كذلك، فتعليم الله تعالى آدم الأسماء كلها إعلامه القوانين والأصول المشتملة على الجزئيات والفروع وقد علم أن تعليم الكليات أعظم في الأعجوبة وأشبه بالأمور الإلاهية من تعليمنا الصبي الحرف بعد الحرف وقوله: (الأسماء كلها) أراد بها الألفاظ والمعاني ومفرداتها، ومركباتها وحقائقها وذوات الأشياء في أنفسها، وبيان ذلك أن الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما بحسب الوضع الاصطلاحي، وذلك هو للمخبر عنه، نحو: " رجل وفرس " والثاني: بحسب الوضع الأول، وذلك يقال للأنواع الثلاثة التي هي المخبر عنه، والخبر والرابط بينهما، وهي المعبر عنها بالاسم والفعل والحرف، وهذا هو المراد ههنا، فإنه - تعالى - لم يرد بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ تعليمه رجلاً وفرساً دون ذهب وخرج ومن وعن ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارفاً بمسماه إذا عرض عليه إلا أن يعرف المسمى، ألا ترى أنا لو علمناه أسامي [بالهندية] أو بلغة مجهولة، ولم يعرف صورة ما له تلك الأسماء لم يكن عارفاً بها إذا شاهدناها وكنا عارفين بأصوات مجردة، فثبت أن معرفة الاسم لا تحصل إلا بمعرفة المسمى في نفسه وحصول صورته في الضمير، ثم المعلومات قد تكون جواهر وأعراضاً من
следующие страницы →