Полный текст (2 001 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
للصب عن القربة ونحوها، والسن يقاربه، لكن استعير السن في إماهة الحديد، وعنه بني المس والشن استعمل في الغارة، وفي لبس الدرع، وذلك لتشبيه الدرع بالماء، وأجزاء الكتيبة بأجزاء السيل، وأما التسبيح فأصله السبح أي سرعة الذهاب في الماء، واستعير لمر النجوم في الفلك، ولجري الفرس، قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ أي: سعة ذهاب.
وسبحته عن كذا: أي نزهته، وتسبيح الله: تنزيهه بالقول والحكم و " سبحان " مصدر، ككفران، وجعل السبحة للتسبيح، وسمى الصلاة بها لكونها تسبيحاً والحرزات: سمى سبحة، ومعنى: (نسبح بحمدك) أي: نسبحك والحمد لك، أو نسبحك بأن نحمدك والتقديس: التطهير، وقوله: (نقدس لك) قيل معناه نطهر أنفسنا لك - إشارة إلى نحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ وليس ذلك إظهاراً للمنة، بل هو على حسب ما نقول مجتهد محب أن يفوض صاحبه إليه خدمة ما، فيقول: أتستعين بغيري وأنا مجتهد في خدمتك؟ وعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ولي قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على سبيل الاستشارة، فالاستشار استمداد علم من المستشار، والله تعالى منزه عن ذلك، وإنما ذلك إعلام، كإعلامه إيانا كثيراً من الكائنات لمصلحة ما،
إن قيل: فمن أين حكمت الملائكة على الإنسان بالإفساد في الأرض وسفك الدماء، وذلك إما ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين، وهم منزهون عن ذلك؟ قيل: قد قيل إنهم قاسوهم على من كان يسكن الأرض قبل من الجان، فأفسدوا فيها، وقيل: وهو أصح أن الله تعالى كان قد أخبرهم بذلك، لكن لم يقص علينا فيما حكى عنهم تنبيهاً عليه بما ذكر في الجواب وذلك عادة القرآن في كثير من الأقاصيص المذكورة، كقوله تعالى في قصو يوسف ﵇: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ ليس بانكار إنما هو استخبار مجرد ليعرفهم ما تسكن نفوسهم إليه ويرشدهم إلى ما يزيل شبهتهم وليسألوا عن ذلك ألا وقد أذن لهم في السؤال
стр. 142
أما جملة وتفصيلاً، إن قيل كيف أدخل عليهم الشبهة حتى سألوا عن ذلك واستنكروه؟ قيل: إن الله تعالى لما خلق الإنسان جسمانياً وروحانياً وجعله مركباً من قوى ثلاث، قوة شهوية، وقوة غضبية وقوة ملكية فبقوته الشهوية يفسد في الأرض، وبقوته الغضبية يسفك الدماء متى لم تكونا مهذبتين ويتولى خلافة الله تعالى بقوته الملكية التي هي العقل، وعلى ذلك دل النبي ﵇ بقوله " لما خلق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك أخذ، وبك أعطي "، فلما سمعت الملائكة أن الإنسان مركب من هذا التركيب ورأوا القوة التي بها تصلح لخلافته القوة التي خصوا بها ونظروا إلى رذيلة القوتين الأخريين ولم يعرفوا فضيلتهما استنكروا فراجعوا الله تعالى وقالوا: أما العبادة التي هي التسبيح والتقديس المختصة بالقوة الملكية، فنحن نقيمها، فما معنى الإنسان المركب تركيباً لا ينفك من فساد وقتل؟ فقال تعالى في جوابهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعرض ولم يصرح ها هنا ليريهم فضيلة الإنسان وما خصوا به من العلم والعمل اللذين يفضلان الملك عنهما عياناً ومشاهدة والإجمال في هذه الآية بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هم المبين بما بعده من الآية التي [تليها] ..
стр. 143
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
الآيات: (٣١، ٣٢، ٣٣) سورة البقرة.
الإنباء: إخبار فيه إعلام، وهو متضمن لهما ولذلك كل إنباء أخبار، وليس كل إخبار إنباء، وكل نبأ علماً وليس كل علم نبأ ولكونه متضمناً لهما، ومشتملاً عليهما أجري مجرى كل واحد منهما فقيل أنبأته بكذا كقولك أخبرته وأنبأته بكذا، كقولك أعلمته كذا، ولا يقال: " نبأ " إلا لكل خبر يقتضي العلم كالمتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر الأنبياء [﵈] وما جرى مجراها، وسمى النبي لكونه منبئاً بما تسكن نفسه إليه، ومنبأ بما سكن المؤمنون إليه فهو أصح من أن يكون فعيلاً بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، أما بمعنى الفاعل، فلقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقوله ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ وأما بمعنى المفعول فلقوله: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وشرح هذه الآية لابد أن يبين فيه كيف كان تعليم الله آدم الأسماء، وهل فيه دلالة على أن اللغات توقيف أو أوائلها إصطلاح؟ وأنه هل علمه الأسماء دون المعاني؟ أو علمه إياها جميعاً؟ وما في ذلك مما تنبه الملائكة على خطئهم فيما توهموه وقالوه حتى رجعوا عن دعواهم واعتقادهم وأذعنوا للاستسلام؟ فنقول وبالله التوفيق: إن الناس اختلفوا في اللغات، فذهب بعض المتكلمين إلى أن أوائلها اصطلاح، والباقي يصح أن يكون توقيفاً، واستدل على ذلك بأنه لا سبيل إلى معرفة مراد الله تعالى إلا بالخطاب، ولا يصح أن يكون العلم بمراده ضرورة والعلم بذاته مكتسباً لأن ذلك مؤد إلى أن تعلمه ضرورة أن العلم بمراده فرع على العلم بذاته فلا يصح أن يكون العلم الخفي ضرورياً والجلي
стр. 144
مكتسباً، وذلك فاسد، هذا ما قاله، والصحيح - إن شاء الله - ما ذهب إليه الجمهور إنه توقيف وقيل: الدلالة على المسألة إن تعليم الله عباده على أي وجه يكون، فذلك يسهل الكلام في المسألة، والقول في ذلك - إن شاء الله تعالى - قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فذكر أن مكالمته للبشر على أحد هذه الوجوه الثلاثة، وأشرفها ما كان بإرسال رسول يرى ذاته، ويسمع كلامه كحال النبي ﷺ مع جبرائيل ﵇ والثاني: ما كان بإلقاء الكلام في السمع من غير رؤية، كحال موسى ﵇ في ابتداء أمره، والثالث: ما كان بوحي والوحي - ههنا - مخصوص بالإلقاء في الروع، والإلهام، والتسخير، والمنامات فتعليم الله تعالى آدم [﵇] الأسماء على أحد هذه الوجوه، ومحال أن يكون الاصطلاح على الألفاظ متقدماً على التعليم فإن الاصطلاح لابد له من كلام يتواطؤون عليه، وذلك يؤدي إلى أن لا يكون اصطلاح ولا لغة،
فإن قيل: فما ينكر أن يتواضعوا بإشارات وتصويت، فإن الأخرس يقدر على ذلك، وله مخارج الحروف، لأنا نجد الذين لا يتكلمون يفهمون ويفهمون ولا لغة لهم! قيل: الإشارات يفهم عنها بالاستدلال كسائر الاستدلالات التي لو توهمنا الكلام مرتفعاً لصح حصوله وليس للأخرس إلا الاستدلال فقط، ولا قدرة له على الألفاظ يؤلفها، وإنما صوته كصوت الطفل الذي لم يتلقن الألفاظ واللغة إنما تكون لغة بحصول تركيب المفردات الثلاث ولو كان إلى ذلك سبيل من غير تعليم، لكان من شرط البكم أن يتواضعوا فيما بينهم كلاماً لأن آفة البكم من السمع، وإنما عجز عن الكلام لعجزه عن التلقن بالسمع، فثبت أن ابتداء تعليم الكلام لا يكون إلا من معلم، وذلك قد كان من الله تعالى لآدم بأحد هذه الوجوه المتقدمة
إن قيل: كيف علمه الأسامي كلها وقد علمنا أنه ما من زمن إلا وبنوه يضعون
стр. 145
أسامي لمعاني وأعيان إما مخترعة وإما منقولاً إليها عن غيرها؟ قيل: قد قال بعض الناس: " إن كل تلك بجزئيات علمها الله تعالى آدم ﵇ وإن ظهر في بعض الأزمنة من بعض أهله والصحيح: أن العلم في الحقيقة يتعلق بمعرفة الأصول المشتملة على الفروع، والمعاني الكلية المنطوية على الأجزاء كمعرفة جوهر الإنسان والفرس والقوانين التي يعرف بها حقيقة الشيء مثل أصول الضرب في الحساب، وأحوال الأبعاد والمقادير في الهندسة، والأصول المبني عليها المسائل الكثيرة في الفقه والكلام والنحو.
فأما معرفة الجزئيات متعرية عن الأصول، فليس بعلم، ولا يقال للعارف بها عالم على الإطلاق، وإنما هو في معرفتها محاك محاكاة الببغاء للألفاظ وإذا كان كذلك، فتعليم الله تعالى آدم الأسماء كلها إعلامه القوانين والأصول المشتملة على الجزئيات والفروع وقد علم أن تعليم الكليات أعظم في الأعجوبة وأشبه بالأمور الإلاهية من تعليمنا الصبي الحرف بعد الحرف وقوله: (الأسماء كلها) أراد بها الألفاظ والمعاني ومفرداتها، ومركباتها وحقائقها وذوات الأشياء في أنفسها، وبيان ذلك أن الاسم يستعمل على ضربين: أحدهما بحسب الوضع الاصطلاحي، وذلك هو للمخبر عنه، نحو: " رجل وفرس " والثاني: بحسب الوضع الأول، وذلك يقال للأنواع الثلاثة التي هي المخبر عنه، والخبر والرابط بينهما، وهي المعبر عنها بالاسم والفعل والحرف، وهذا هو المراد ههنا، فإنه - تعالى - لم يرد بقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ تعليمه رجلاً وفرساً دون ذهب وخرج ومن وعن ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارفاً بمسماه إذا عرض عليه إلا أن يعرف المسمى، ألا ترى أنا لو علمناه أسامي [بالهندية] أو بلغة مجهولة، ولم يعرف صورة ما له تلك الأسماء لم يكن عارفاً بها إذا شاهدناها وكنا عارفين بأصوات مجردة، فثبت أن معرفة الاسم لا تحصل إلا بمعرفة المسمى في نفسه وحصول صورته في الضمير، ثم المعلومات قد تكون جواهر وأعراضاً من
стр. 146
كميات وكيفيات، وإضافات وسائر ذلك من الأعراض، ويجعل للشيء الواحد أسامي بحسب هذه النظرات، فلابد أن يكون الإنسان عارفاً بهذه المعاني مجتمعة ومفترقة حتى يكون عارفاً بالأسماء التي يجعل [ذلك] لها بحسبها، مثال ذلك: أنه يقال للشخص الواحد " فلان " - اعتباراً بلقبه، و " رجل " اعتباراً بالآلة المولدة، [و " ابن " اعتباراً بوالده، و " أب " اعتباراً بولده] و " أخ " اعتباراً بمن ضمه وإياه نسب، وقرشي وأصبهاني اعتباراً بقبيلته وبلده إلى غير ذلك من الأسماء [التي يكثر تعدادها، فإذا حقيقة قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ متضمنة لما ذكرناه،
فإن قيل: فأي شيء في تعليم آدم الأسماء من تنبيه الملائكة على ما سئلوا عنه؟ قيل: إن الله تعالى لما خلق الإنسان من أمشاج مختلفة وقوى متفاوته وجعله جسمانياً روحانياً، وحصل له بحسب القوى المختلفة معارف مختلفة وأفعال متفاوته، فإن له بحسب الحواس الخمس معارفاً خمساً، وبحسب العقل معارف معقولة وبحسب الوهم والخيال معارف موهومة متخيلة وحصل له بحسب التراكيب البدنية وبسائطها أفعال متباينة ومهن متفاوتة كالتجارة، والصياغة، وسائر الصناعات.
وجل ذلك معدوم في الملك لعدم كثافة الجسم المركب من الأمشاج، ولاستغنائها عن ذلك، فبين الله تعالى بتعليمه آدم ﵇ هذه الأسماء كلها والمعاني وعرضها على الملائكة، وأنبأ آدم ﵇ بها وبحقائقها.
ومعرفة تعاطي الصناعات المختصة بالإنسان عجز الملائكة، وأن الإنسان مستصلح لعلوم وأعمال ليس للملك سبيل إليها [بوجه] فإن المحسوس لا يدركه محسوساً إلا ذو الحاسة، والمهن لا يتعاطاها إلا من ركب تركيب الإنسان من القوى المتفاوته التي منها القوتان اللتان كانوا يرونهما مفسدتين.
أعني القوة
стр. 147
الشهوية والقوة والغضبية، ونبههم أن ذلك وإن كان فيه مفسدة ما، ففيها مصالح كثيرة، وأن الخلافة التي رشح لها الإنسان في الأرض لا يصلح لها إلا هذا التركيب، فحينئذ قال لهم: (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).
إن قيل: ما وجه قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهل كان لهم في ذلك التشكك حتى احتاجوا إلى أن يقال لهم ذلك؟ قيل له: ليس مخرج هذا الكلام على الوجه الذي توهمته، بل هو تنبيه لهم بما عملوه مجملاً على ما اشتبه عليهم مفصلاً، وتقدير ذلك: كأنه قيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن علم غيب السماوات والأرض علم ما تبدون وما تكتمون.
ومن علم ذلك علم ما لا تعلمون.
إن قيل: فما [تلك] الفضائل التي اختص الإنسان بها واستصلح لها مما لم يكن للملائكة؟ قيل له: إن ذلك هو تعاطي العفة التي هي مختصة بالقوة الشهوية، والنجدة المختصة بالقوة الغضبية، والإنصاف في المعاملات، وسياسة الإنسان نفسه، ومجاهدة هواه وسياسة ذويه وأبناء جنسه، فإن كل ذلك فضائل ليست إلا للإنسان المختص بقوته الشهوية والغضبية، فأما الملك المعرى عن مقاسات عارية " بطنه وفرجه " فليس بمحتاج إلى سياسة البدن وسياسة أبناء جنسه في مراعاة ذلك منهم، [وهذا ظاهر]
إن قيل: في وجه قوله: (أنبئوني بأسماء هؤلاء) وذلك تكليف لهم ما لا تعلمون وتكليف إيراد ما لا يعلم تكليف ما لا يطاق، وما وجه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ والصدق إنما يتعلق بالخبر، وهم إنما استخبروا ولم يخبروا فكيف يصح أن يصدقوا أو يكذبوا قيل: أما قوله: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ فليس بتكليف وإنما هو تنبيه على عجزهم عن الخلافة التي رشح الإنسان لها، وقد علم أن لفظة " افعل " تجيء على أوجه، منها: التبكيف والتعجيز، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فالصدق وإن كان لا يدخل الاستخبار والأمر والنهي بالقصد
стр. 148
الأول، ومن حيث مقتضى اللفظ، فإنه قد يدخلها بالقصد الثاني، ومن حيث المعاني فإن السائل إذا قال مستفهما: أزيد في الدار؟ أو قال: أعطني شيئاً، فكأنه بالأول ينبه على جهله يكون زيد في الدار، وبالثاني على حاجة وافتقار، فمن هذا الوجه صح أن يقال: " هو صادق أو كاذب " على أن هذا حكم على قولهم: (من يفسد فيها ويسفك الدماء) فإنهم استفهموا بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ ويصح أن يكون ذلك راجعاً إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ تنبيهاً لهم على أنه ليس كل تسبيح وتقديس بما يقولونه، بل من التسبيحات والتقديسات ما يصلح له غيركم، وهو ما تقدم ذكره.
إن قيل: ما وجه قوله: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وهو عالم بما علمهم وعالم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم؟ قيل: القصد بذلك إظهار أن ليس سؤالهم على وجه الاعتراض، بل على سبيل الاستفادة وإظهار العجز، وأنه قد بدا لهم ما كان خفي عليهم من فضيلة الإنسان وإظهار الشكر لنعمته وتعظيم منته بما عرفهم وفيه تنبيه على استعمال [حسن] الأدب عند سؤال المعلم بتفويض العلم إليه وتنبيه على أعظم التواضع، فقد قيل لبعض الحكماء: ما أعظم التواضح؟ فقال: الاعتراف بالجهل للعالم، وفيه تنبيه على العلم بما جهلوه، وذلك إحدى فضيلتي الإنسان، وقال بعض المحققين: الافتخار مدرجة للسقوط، انظر كيف اضطر الله الملائكة لما قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ إلى أن اعترفوا بعدم العلم، فمن استكثر لله طاعة واستكبر له خدمة فالجهل موطنه واستدل بعضهم بهذه الآية على أن العلم أفضل من العبادة، فإن الملائكة أذعنوا لآدم [﵇] لما أفيد من العلم، والحكيم أصله لمن له الفعل المحكم، لكن لما يصح حصول الففعل المحكم إلا بالعلم [المتقن] صارت الحكمة متناولة للعلم والعمل معاً.
فالحكمة منتهى العلم.
والعلم مبدأ الحكمة، ولا يتم أحدهما إلا بالآخر.
فلهذا جمع بينهما.
وقدم " العليم " [هاهنا] على " الحكيم " فقال: (إنك أنت العليم الحكيم).
стр. 149
قوله :
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
الآبة: (٣٤) سورو البقرة.
الخضوع والخشوع والخنوع والسجود والركوع تتقارب، وبينهما فروق، فالخضوع ضراعة بالقلب، والخشوع بالجوارح، ولذلك قيل: إذا تواضع القلب خشعت الجوارح، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، والخشوع ضراعة لمن دونه رغبة في عرض في يده، وكذلك أكثر ما يجئ في الدم، والركوع تذلل مع التطأطؤ.
والسجود مع خفض الرأس.
وسجود الملائكة إن أريد به المتعارف في الشرع.
فليس بعبادة لآدم -[﵇]، فعبادة غير الله تعالى لا تجوز بوجة، وإن كان على حسب المتعارف للخدمة، فقد قيل: إن ذلك كان مباحاً قبل شرعنا، وعلى ذلك ما روي في قصة يوسف ﵇ ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، وقد قيل: أريد به التذلل كقوله تعالى: يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.
وقول الشاعر:
ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وإبليس: لفظة أعجمية، فلا يصح أن تكون مشتقة من العربية.
стр. 150
وقول ابن عباس ﵄ " إبليس أبلس من رحمة الله، إلى ذكر الحكم لا إلى معنى اللفظ، ويصح أن يجعل " إبليس " مشتقاً منه بعد الانتقال إلى العربية، وعلى ذلك كثير من الأعلام أعجمياً كان أو عربياً يتصورون منه معنى ما، ويشتقون منه نحو قولهم: " تفرعن فلان " إذا فعل فعل فرعون في العتو وتشيطن إذا فَعَلَ فِعْلَ الشيطان، وتمرد: فعل فعل المردة، فعلى هذا تصوروا من إبليس يأسه من رحمة الله، فاشتقوا منه، فقالوا " أبلس فلان " أي: " أجرى مجرى إبليس " في يأسه من الرحمة وإبعاده من الخير، وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: يائسون من الخير يأس إبليس منه، وأيضاً قد تتطابق لغة العرب والعجم في لفظة نحو: " أيوب وإسحف "، فإنهمت قد يكونان فيعولاً، وإفعالاً من أب وسحق، ويكونان أعجمين، وآدم ﵇ قيل: سمي بذلك لكونه مخلوقاً من أديم الأرض على ما روي أن الله تعالى قبض قبضة من جميع الأرض - سهلها وجبلها، فخلق منها آدم ﵇ فلذلك يأتي بنوه أخيافاً، قال قطرب: لا يكون من ـديم الأرض، لأنه لو كان كذلك، لانصرف نحو: " طابع، وخاتم " وطابق وليس كما قال، فإن " آدم " أفعل منه، وأصله: أأدم، فقلبت الهمزة ألفاًَ، وقيل: هو أفعل من الأدمة: أي اختلاط البياض بالسواد، " وأدمت بين الشيئين "، أي خلطت ومنه: الأدم، وطعام مأدوم أي مخلوط، وقال: وسمي بذلك، لأنه خلق من الأركان الأربعة، ومن الأمزجة المتفاوتة والقوى المتباينة، والإباء: الامتناع من الشيء مع
стр. 151
الإرادة، فكل إباء امتناع، وليس كل امتناع إباء، قال الله تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وقيل: " أبيت اللعن "، وهي أبوأ، إذا تسلط عليها داء، فصار مانعاً لها من الشراب والتكبر: أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره فضلاً، والاستكبار: طلب ذلك بالشبع والكبر، والتيه، والبغي، والزهو، والاستطالة، والخيلاء، والصلف تتقارب، وبينها فرق، فالتيه: التحير في معرفة قدر النفس، والبغي: طلب منزلة فوق ما يستحقه، والزهو: سرعة الحكم لنفسه بالفضل، من: " زهاه كذى " إذا استحقه، والاستطالة: إظهار طول، أي فضل على الغير.
والخيلاء: ظن بالنفس كاذب، من قولهم: خلت، والصلف: قلة التلفت إلى الغير من قولهم: صلف: إذا اشتكى صليفه، واعتباراً بهذا المعنى قال الشاعر:
إن الكريم من تلفت حوله ...
فإن اللئيم الطرف أقود
* واختلف في إبليس هل كان من الملائكة؟ فقال قوم: كان منهم، بدلالة استثنائه من الملائكة المأمورين للسجود لآدم، وقال قوم: لم يكن منهم اعتباراً بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، وروى عن ابن عباس ﵄ أن الملائكةعلى ثلاثة أضرب على ما تقدم آنفاً، وضرب منهم يقال لهم الجن، ومنهم إبليس، ولهم توالد، ولهذا قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، وقيل: إن الجن كانوا مأمورين مع الملائكة بالسجود له، لكن لم يحتج إلى ذكرهم، فالسلطان إذا أمر أماثل رعيته بالخضوع لإنسان، فمعلوم أن أصاغرهم مأمورين بذلك، ألا ترى أن
стр. 152
قوله تعالى لموسى ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ معلوم أنه لم يبعث، إليه وحده، وبعض الناس اعتبر لفظ " كان "، وروي أن إبليس كان من الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم، وحاربهم الملائكة، وسبوا إبليس، فصار بالحكم من الملائكة، فمولى القوم منهم، وبالنسبة من الجن، فصار بصدق عليه القولان، ويجوز أن يكون عنى أنه كان من الجن فعلاً، ومن الملائكة نوعاً، وباعتبار الفعل قال تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
إن قيل: كيف يصح أن يكون من الملائكة نوعاً والله قد وصفهم بأنهم ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾؟ قيل: إن ذلك في وصف خزنة جهنم، وليس كون بعضهم على هذه الصفة مقتضيا أن يكون كلهم كذلك، و (كان من الجن): قيل معناه: صار ههنا، وليس ذلك بشيء، فإن (كان) استعمل (ههنا) على أحد وجهين: إما لاعتبار وقت العصيان بوقت الاختبار، ويكون بالإضافة إليه ماضياً فيجب أن يقال: كان، وإما أنه قال: ﴿كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ - تبيهاً أن ما تقدم من طاعته غير معتد به، وأن حكمه من قبل حكم الكافرين، فمن شرط الطاعة أن لا تحبط ومن حكم الإيمان أن يمتد ويتصل،
إن قيل: كيف أمر الملائكة بالسجود لآدم ومنزلتهم فوق منزلته بدلالة أن إبليس مناه أن يكون إياهم بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ وبعيد أن يؤمر الفاضل بالتخضع للمفضل؟ قيل: الخضوع لآدم كان خضوعاً لله تعالى من أجل الائتمار له فيما أمرهم به، وظاهر في العادات أن التذلل لخادم كبير خضوع لذلك الكبير، وأيضاً: فإن الإنسان في باب الفضائل التي ذكرناها آنفاً أفضل من الملك وإن كان الملك أفضل منه من وجوه أخر، والشيئان قد يكون كل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه ووجه، وإنما المنكران بفضل كل واحد منها الآخر من وجه واحد، وفي الآية تنبيه على وجوب الائتمار لمن له الخلق والأمر، ومجانبة عصيانه، وارتكاب التكبر والحسد، وإنها قد يفضيان براكبهما إلى الكفر، كما روى في الخبر: " أن أول ما عصي به الله في السماء والأرض الكبر والحسد " وحث على ترك الدخول في سره والاعتراض على حكمه.
стр. 153
قوله :
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الآية: (٣٥) - سورة البقرة.
قيل: ما الفرق بين أن يقال: افعل أنت وقومك كذا وبين أن يقال: افعلوا كذا، قيل: الأول تنبيه أن المقصود هو المخاطب، وغيره تبع له، وأنه لولاه لما كانوا مأمورين بذلك، وعلى نحوه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ وليس كذلك إذا قال: افعلوا، وقال بعضهم: إنما قال: اسكن فاستعمل السكن تنبيهاً أنه يعرض النقل، عنها وأنه لا يجب أن يركن إليها.
إن قيل: ما الفرق بين الإرادة والمشيئة؟ قيل: الإرادة قد تكون بحسب القوة التسخيرية، والفكرية والحسية ولذلك تستعمل في الجماد، نحو: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ وفي الحيوان وفي العقلاء والمشيئة لا تكون إلا مع اختيار ولذلك لا يقال إلا للعالم والمتفكر، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فالقصد بالنهي عن قرب الشيء تأكيد للحظر والمبالغة في النهي، وذاك أن القرب من الشيء مقتض الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء كما قيل: " حبك الشيء يعمي ويصم، والعمى عن القبيح والصم عن النهي عنهما الموقعان فيه، والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الداعي إلى الخير مأمور به، وعلى ذلك قال ﵇: (العينان تزنيان) لما كان النظر داعياً إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك
стр. 154
مقتض لارتكابه، فصار النظر مبدأ للزنا، وعلى هذا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، و ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وعلى هذا قال في الخمر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ وبهذا النظر قال ﵊: " الحلال بين، والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، وسأضرب مثلاً، إن لله حماً، وإن حمى الله محارمه، ومن رتع حول الحما أوشك أن يقع فيه ".
والشجرة: قيل: كانت الحنطة، وقيل: الكرم، وقيل: التين، وقوله: (فتكونا): الأظهر: أنه جواب النهي، وقد قيل: يصح أن يكون عطفاً، لأنك تقول: " لا تجب والدك فتعص ربك كما تقول: فتعصي ربك، والظلم في الحقيقة: الإخلال بما يقتضيه داعياً الله: " العقل والشرع " وهو الخروج عن الحظر ولهذا قيل: هو وضع الشيء في غير موضعه، وقد تقدم أن الظلم ضربان: ظلم النفس، وظلم الغير، وظلم الغير لا ينفك من ظلم النفس، وظلم النفس قد ينفك من ظلم الغير، ولأجل أن الظلم خروج عن الحق، وأن الحق يجري مجرى النقطة من الدائرة، ومجرى القرطاس من الهدف، صار من تعداه يصح أن يقال: " هو ظالم " وإن كان بين الظالم والظالم بون ولذلك قد يطلق " الظالم " على من ارتكب صغيرة وعلى من ارتكب كبيرة، إن قيل كيف جاز أن ينهي عن الشجرة ثم يتناولها وقد أنكرتم أن يرتكب الأنبياء الكبائر؟ قيل: قد أجيب عن ذلك بأن آدم [﵇] أشير له إلى شجرة، فقيل له: " لا تقربا هذه الشجرة " وأريد به الجنس لا العين نحو ما روي أن النبي - عليه
стр. 155
السلام - خرج وفي إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى حرير، فقال: " هذا حرام على ذكور أمتي حل لإناثها.
ولم يرد به العين، وإنما أراد به الجنس، فحمل آدم متأولاً الإشارة إلى العين دون الجنس، فوقع عليه السهو من هذا الوجه، وقيل: أنه حمل النهي على الندب دون الحتم، ونسي الوعيد المقرون به، ولذلك قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ أي: " نسي الوعيد ".
واختلف في الجنة التي أسكنها آدم ﵇ فقال بعض المتكلمين: كان بستاناً جعله الله تعالى له امتحاناً ولم يكن جنة المأوى فإن تلك لم تخلق بعد، إذ هي للخلود، وقد ثبت أن الله تعالى يفني الأشياء كلها حتى لا يبقى إلا وجهه ولو كانت مخلوقة الآن لم يصح أن يخص بهذه الصفة، وقال أكثر الناس: كانت جنة المأوى، وتسميتها بجنة الخلد اعتباراً بدوامها بعد أن يدخلها المثابون.
والشيء الواحد قد يسمى بأسماء كثيرة - اعتباراً بمعان متفاوته، ألا ترى إلى ما حكي عن الحسن أنه قال: " خلقنا للأبد، ولكنا ننقل من دار إلى دار " وذلك اعتباراً بحال الإعادة، ومن قال: لم تكن تلك جنة الخلد، لأنه لا تكليف في الجنة، وآدم [﵇] كان مكلفاً، [فقد قيل في جوابه: إنما لا يكون دار التكليف في الآخرة، ولا يمتنع أن يكون في وقت دار تكليف، ولا يكون في وقت كذلك، كما أن الإنسان يكون] مكلفاً في وقت دون وقت، وقال بعض الناس: " إن الله تعالى لما خلق الإنسان لاستخلافه في أرضه واستعماره فيها كما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقال ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ وأراد أن يوصله بذلك إلى جنة المأوى وعلم بسابق علمه أنه لسوء تدبيره
стр. 156
قد يختار العاجل الخسيس على الأجل النفيس لعجلته كما وصفه بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ وأنه قد تتبع هواه كما قال: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ وعلم ما يكون منه أدخله الجنة ليعرف النعيم الذي أعد له عياناً، فيكون إليه أشوق، ويتذوق طعم المخالفة فيكون منها أخوف، فمعلوم من حال الإنسان أن المحنة تهذبه، والاشتياق إلى ما عاينه من الخيرات يرغبه، فصار ما جرى [على آدم] من الأحوال من تمام النعمة عليه، والله أعلم بوجوه المصالح، وفي الآية حث على قبول قول من هو أعلم منك وتحري نصحك والمصلحة، وإن الإنسان إذا حفظ في دنياه قرناءه المتصلة به من قواه الشهوية والغضبية، وقرناءه المتصلة به من قواه الشهوية والغضبية وقرناءه المنفصلة عنه من أهله وولده وساس نفسه وأهله، ورعى من الله أوامره، وتجنب زواجره كان في الجنة عاجلاً وأجلاً، وإلا صار معاونة عليه ومنافعه راجعة بالمضرة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
стр. 157
قوله
﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ الآية: (٣٦) - سورة البقرة.
زل، وزال يتقاربان، إلا أن زل يقتضي عثرة مع الزوال، يقال: زلت رجله في المشي ولسانه بالقول، وسمي الأسد إذلالاً اعتباراً من الفاعل استقلاله حتى يعده عثرة، وقول النبي ﵊: " من أزلت إليه نعمة فليشكرها " أي من أسدى إليه نعمه، وإن كانت طفيفة، وإزلال إبليس لآدم ﵇ قوله له ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ وقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ ومقاسمته إياها بقوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فمن الناس من حمل هذه الأحوال على مفاوضة ومجاراة بالمشاهدة وقيل: إن ذلك كان بوسوسته كما قال: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ وما روى عن ابن عباس ﵄ أن إبليس عرض نفسه على دواب الأرض أن تحمله فتدخله الجنة ليكلم آدم وزوجته، فأبت عليه الدواب كلها حتى كلم الحية وقال: أمنعك من بني آدم إن أنت أدخلتني الجنة، فجعلته بين نابين من أنيابها، فأدخلته الجنة وكلمها من فيها، قال: فلذلك أمر الإنسان بقتلها أينما وجدها فإن بعض الناس حمل ذلك على سبيل المثل، وقال: هذا إشارة، فقوله: عرض نفسه على
стр. 158
دواب الأرض، أي استعان بقوى الإنسان، ونظر من أي جهة يمكنه أن يأتيه، فلم يجد قوة مستصلحة يستعين بها حتى أتى الحية، أي الشهوة، وكنى بالحية عنها، فإنها حية لا يبرا سليمها [يقال لمن لسعته الحية والعقرب سليم تفاؤلاً كما تقال المفازة لمحل الخطر والهلاك] وذاك أن الشيطان لا يأتي الإنسان إلا من قبل هواه، فجعلته بين نابيها كناية عن الأكل، إذ هو أعظم شهوة يتمكن الشيطان به من الإنسان، ولهذا قيل في الخبر:
(من حفظ بطنه فقد سد على الشيطان بابه ومن شبع ونام قسا قلبه وتمكن منه الشيطان) ويكون الهوى أعظم سلاح للشيطان، صار لا فرق بين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ في أن المقصد واحد في كونهما نهياً عن ارتكاب الذنوب وقوله، فلذلك أمر الإنسان بقتلها، أي أمر أن يقهر الشهوة [ويذللها] حيثما تراءت له، وطالبته بما بنافي الإيمان، وهذا الذي ذكره هذا القائل وإن كان صحيحاً من حيث المعنى، ففي صرف الخبر إليه ترك للظاهر وفتح باب من التأويلات عظيم الضرر.
والله أعلم بحقائق ما يخبرنا به من الغيوب ..
وقوله: (اهبطوا): الهبوط ضد الصعود، وليس يراد به الانحدار عن رفعة مكانية
стр. 159
فقط، بل يراد به مع ذلك سقوط المنزلة، فقد كثر في كلامهم استعمال الرفعة والضعة في المراتب حتى قيل: شريف ووضيع على طريق الاستعارة، وعلى ذلك قول الشاعر:
بلغنا السماء بأحسابنا
وقال:
وصاعد في هضاب المجد يطلعها
وأما المعاداة: ففقدان الملاءمة والموافقة، ومنه قيل: " هو مكان ذو عدوى "، والتعدي والعدوان والاعتداء، والعدوى منها، وقوم عدى للأعداء أو الغرباء، لما بينهم من فقدان الملاءمة، وقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ ليس يريد المهارشة فقط، وإنما يعني فقدان الالتئام، أما بين الشيطان والإنسان فظاهر، وبين الرجل والمرأة كثير في الخلق والخلق، حتى إن عامة ما يحمد من أخلاق الرجل يذم من المرأة، ثم بين قوى الإنسان في نفسه تفاوت، فحذرنا الله تعالى الذي خلقنا منها ليتنبه للاحتراز مما ينافينا في بلوغ السعادة، ونسوس منها ما يمكن سياسته، وندفع منها ما يجب مدافعته، والمستقر: المكان الذي يحصل فيه القرار، والقرار هو السكون عن برودة ولما كان من شأن البرودة السكون كما أن من شأن الحرارة الحركة قيل في الساكن برد، وفي المتحرك: اشتعل، والتهب، وحتى شبه السريع بنار متقدة، والساكن بماء جامد، وقوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ كقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ وقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ قيل معنى المستقر القبور، والآية محمولة عليها، فقد قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ والمتاع: انتفاع
стр. 160
ممتد الوقت، ومنه قيل: متعه الله بكذا، ومنه: متعة الحج، ومتعة المطلقة، ومتاع البيت، ومن قال: عنى به الحياة، فلأنه عمد إلى أشرف نوع من المتاع، ففسره به، ولحين وقت بلوغ الشيء ويتخصص بالمضاف إليه، ولما كان أحيان الأشياء يختلف، نظر بعض المفسرين إلى المضاف إليه لفظ الحين ففسره به، وقال: إنه يجئ على أوجه، فالحين: الأجل، لقوله: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ والسنة، لقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ والساعة لقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ والزمان لقوله.
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ واختلاف ذلك لاختلاف المضاف إليه، وفي الآية تحذير من الشيطان كما قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الآية والتحذير من كل غرور ومن الركون إلى الدنيا، والتنبيه على أنها دار ممر، وأن الآخرة دار مقر.
[وبالله التوفيق]
стр. 161
قوله :
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآية: (٣٧) سورة البقرة.
التلقي كالتلقن، إلا أن التلقي يقتضي استقبال الكلام وتصوره، والتلقن يقتضي الحذق في تناوله، والتلقف يقاربه، لكن يقتضي الاحتيال في التناول، الكلم: التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر، فالكلام مدرك بحاسة السمع فكلمته: جرحته جراحة بأن أثرها ولاجتماعهما في ذلك قال الشاعر:
والكلم الأصيل كأرغب الكلم
وقال:
وجرح اللسان كجرح اليد.
والكلمات التي تلقاها آدم من ربه قيل: هي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقال الحسن: هو قوله: " ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسكنني جنتك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ فقال تعالى له: بلى، قال: أرايت إن تبت تبت علي وأعدتني
стр. 162
إلى الجنة؟ قال: نعم، فهذا يعني قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وقيل: إنه قال تعالى له: من أذنب ذنبا ثم تاب قبلت منه، وهذا يقارب الأول، وقيل: (إنها قبول الأمانة المعروضة على السماوات والأرض المذكور في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الآية، وقيل: هو حروف التهجي وما تركب منها من الأسماء التي كانت قد علمها وما انتتج منها من العلوم الحقيقة والأعمال الفاضلة، فإن أصل الإيمان العلوم الصادقة والأعمال الصالحة، فمن الحروف تتركب مفردات الألفاظ، نحو: زيد، عمرو، وذهب، خرج، من، عن ومن المفردات تركب المقدمات المفردة، نحوك زيد خارج وعمرو ذاهب ومن المقدمات تتركب الأدلة والأخبار المؤلفة، ومن الأدلة المفردة الصادقة يتوصل إلى حقائق العلوم وبحقائق العلوم يتوصل إلى الأعمال الصالحة، وبمجموعها يحصل الإيمان الذي يتحققه، ويصير الإنسان تام التوبة متطهراً من النقيصة، محبوباً لرب العزة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ والمتحقق بذلك لا محالة يتوب الله عليه، وقيل: إن هذه الكلمات هي التي ذكرها الله تعالى في قصة إبراهيم ﵇ قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ وهي خصال مذكورة في ثلاثة مواضع من القرآن ..
أحدها في سورة التوبة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والثاني في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ والآيات إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
стр. 163
والثالث: في سورة " سأل سائل " وهو قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ الآيات إلى قوله ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ فهذه الخصال الثلاث فرق من الناس العلماء والحكماء والكبراء المعنيين بقول النبي ﷺ سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء ولكل فرقة مقامات معدودة يترتب بعضها على بعض، وهذه مسألة كثيرة قد أحكمتها في كتاب (شرف التصرف) وبينت تخصيص كل مقام وهذا القول والذي تقدمه يتقاربان عند الحقيقة، غير أن الأول نظر إلى المبدأ والثاني إلى الغاية، وذلك مذكور هناك، ثم التوبة: ترك الذنب على أحد الوجوه، وهو ضرب من الاعتذار فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه إما أن يقول المعتذر: لم أفعل كذا، ويقول: فعلت لأجل كذا، أو يقول: فعلت وأسأت وقد أقلعت، ولا رابع لذلك وهذا الأخير هو التوبة، فإذا: التوبة ضرب من الاعتذار.
والتوبة والأوبة والاستغفار متقاربة وبحسب ما اختلفت فيها الاعتبارات اختلفت عليها العبارات، (الإنابة) الرجوع عن طريق الضلال إلى الهدى، والأوبة: رجوع القلب إلى الحق والوقوف عليه، والاستغفار: طلب الغفران قولانً وفعلاً، أي: تعاطي ما يغفر ما تقدم من الذنب، والتوبة التامة المعتد بها: ترك الذنب، والندم عليه، وهو العزم على أن لا يعود إليه، وتدارك ما تقدم وهو رد المظالم " مظلمة الخلق، ومظلمة الخالق " ومظلمة الخالق: هي إعادة ما ترك من العبادات وإذابة ما استفاد جسمه من الحرمات، ألا ترى إلى قوله [﵇] " كل لحم نبت من سحت النار أولى به " والتواب: يقال في العبد، وفي الرب، لكن العبد تائب إلى الله والله تائب على عبده، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ جمع بين الوصفين - تنبيهاً على أنه مع ترك ذنبه، عليه لا يخليه من
стр. 164
الإحسان إليه، ولم يقل: تاب عليهما لما تقدم أنه جعلها تابعة له، لا مقصوده في نفسها.
وفي الآية تنبيه يعني هو أنه متى تلقينا منه ما أنعم به علينا من العلوم، واستعملناه واعترفنا بذنبنا وطلبنا منه التجاوز عنه ونحن في مهلة من الحياة تاب علينا وأحسن إلينا.
قوله :
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
الآية (٣٨) - سورة البقرة.
والمجيء والإقبال والإتيان متقاربة غير أن المجيء عام والإقبال مجيء من ناحية القبل والإتيان مجيء عن بعد ومنه قيل: الآتي " للغريب وللسبيل " الجائي " من بعيد، و " أتيته " أي: " أعطيته " منقول عن أتيته و " اتوته " وهما لغتان، والاتباع والإتلاء والاحتذاء والاقتداء تتقارب فالإتلاء: مجيء بعد أخر فاصل بينهما من جنسهما، والاحتذاء منقول من حذو الفعل بالفعل والاقتداء: اتباع على مدى، أي على قدر المتبع بلا تجاوز ولا تأخر، والاتباع عام في كل ذلك، ومنه قيل في الرعية " أتباع " و " سمي العجل التابع لامه تبيع، والخوف والفزع والحذر والرهبة والهيبة والخشية والوجل والشفقة تتقارب فالخوف توقع مكروه عن أمارة وذلك للمذنب ولهذا قال أمير المؤمنين علي ﵁: " لا يخافن امرؤ إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه " والفزع: اضطراب عن وهم، كمن يسمع هدة فاضطرب، والحذر: خوف مع احتراز، والرهبة خوف مع اضطراب واحتراز والهيبة: رهبة مع استشعار تعظيم، والشفقة: خوف مع محبة، ولذلك قيل: الخوف والحذر للمذنب والرهبة للعابد والخشية للعالم، والهيبة للعارف والحزن خشونة تعتري النفس، مشتق من حزونة الأرض
стр. 165
ولذلك يقال: خشنت بصدره، وقيل: الحزن والغضب من جنس واحد، وقد تقدم الكلام فيه.
والفائدة على تكرير قوله: (اهبطوا) لتكرير الشرط المقرون به، فإن الأول فرن بحال العداوة الثانية بينهم وسكونهم في الأرض إلى مدة متناهية، والثاني: بين به أنهم وإن اشتركوا في الهبوط، فهم متبانيون في الحكم فإن من اتبع هدايته فهو على سبيل الخلاص،
إن قيل: لم لم يقل: فمن تبعه فيستغنى بالضمير عن التكرير، فقد استقبح في باب البلاغة تكرير اللفظة الواحدة في الجملة الواحدة حتى استرذل قول الشاعر:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ....
تغص الموت ذا الغنا والفقيرا
وقول آخر مع جودة معناه
بجهل كجهل السيف والسيف منتضي ...
وحلم كحلم السيف والسيف مغمد
قيل: إن ذلك يستقبح إذا لم يحصل في الثاني معنى غير المعنى الأول كالبيت.
والآية بخلاف ذلك، فإن الهدى من الله ضربان، ضرب بالعقل، وضرب بقول الرسل، وأراد تعالى بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ ما يأتي على ألسنة الرسل ﵈، ويقوله: هداي ما على لسانهم، وما كان من جهة العقل فنبه أن من أتاه رسول ورعاه مع رعايته لمقتضى العقل فهم الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
إن قيل: كيف نفى الخوف عن الأولياء في مواضع نحو قوله:
стр. 166
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ومدحهم بذلك في مواضع نحو قوله: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ وقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ قيل أما نفي الخوف والحزن عنهم فقد قيل: لفظه الخبر، ومعناه: النهي كقوله: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ وقيل هو خبر لكن مدحهم بها في الدنيا وحثهم عليها وأمنهم منها في الآخرة كما روى: " من خاف الله في الدنيا أمنه الله في الآخرة " وعلى ذلك حكى عنهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أيضا: فإن الخوف الذي مدح به المؤمنين، وحثوا عليه ليس يراد به استشعار الرعب المترقب مضرته، وإنما يراد به فعل الخيرات المأمور بها المذكور في قوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، والكف عن المعاضي، منهي النفس عن الهوى المذكور في قوله:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾
والخوف والحزن المنفيان عنهم استشعار الغم الذي يكون من ذوي العدوان، وكذلك روي: (لا يرجون امرؤ إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه)
وأيضاً فالحزن إنما يكون لفوت محبوب، الخوف يكون لفقد مطلوب، والمتبع لهدي الله هو المؤمن الحكيم، الذي لا يقتنيي لنفسه فضولاً من الأعراض، وما اقتناه لضروراته علم إنه يعرض الأعراض وأنه عارية مستردة، فلا يحزن على استرداها، ولا يطلب المستغني عنه، وما طلبه بعد وجوبه عليه طلبه عالماً أن الله لا يبسط لأحد دنيا إلا اغتراراً واختباراً، فإذا منح قام يحقوقه شاكراً، وإذا منع استغنى عنه صابراً، فهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في دنياهم.
стр. 167
قوله- :
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ " الأية (٣٩) - سورة البقرة "
الاصطحاب، والاجتماع، والاقتران تتقارب، فالاجتماع أعم معنى، الاصطحاب: اجتماع مع طول لبث، والاقتران يقتضي شداً ما، إما صنعة، كاقتران بعير ببعير وإما حكمة، كاقتران الصديقين واصحب الرجل إدا صار ذا صاحب، ولما كان الأصحاب مقتضياً للانقياد، فسره أهل اللغة به، والتكذيب بالآيات بعض الكفر وتمامه، فإن فيه مع تعاطي الكفر بالفعل جحودآ باللسان
وتخصيصه بعده نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في أن عمل الصالحات بعض الإيمان وتمامه، وليس يعني بالآيات القران فقط، بل يراد بها مع دلك الآيات التي في السماوات والأرض الدالة على الوحدانية المستحث على اعتبارها، بنحو قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾،
إن قيل: لم قال ههنا: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقال في الحج: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ قيل: الاسم الموصول، والنكرة الموصوفة حتى ضمنتا معنى الشرط قد تدخل " الفاء " في خبرها تنبيها على معنى الشرط، ويجوز ترك ذلك منه بقول: والذي يأتيني له درهم، والذي يأتيني فله درهم "،
стр. 168
قوله :
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
الآية: (٤٠) - سورة البقرة.
الابن: من البناء، وسمي بذلك لكونه كالمبنى لأبيه، وكل مصنوع ينسب إلى صانعه وآلته، فيقال هو ابنه، وللصانع يقال: هو أبوه، وعلى هذا يقال: فلان ابن الحرب، وأبو الحرب، وبتسمية الصانع أباً للمصنوع، والمصنوع ابناً للصانع أطلق على ما جكى في شريعة من تقدمنا " أبناء الله "، ثم تصور ذلك الجهلة والأغبياء معنى الولادة، فحظر إطلاق ذلك حتى صار التفوه به يعد كفراً، والوفاء مراعة العهد، والغدر تضييعه، كما أن الإنجاز مراعاة الوعد، والإخلاف تضييعه، الوفاء والإنجاز في الفعل كالصدق في المقال.
والعذر والاخلاف كالكذب فيه، وقيل: وفي وأوفى بمعنى، والصحيح أن أوفى أبلغ من وفي، كما أن: أسقى " أبلغ من " سقى "، والخطاب وإن كان لبني إسرائيل لقولهم مقصودين بالتبكيت لنسيانهم نعم الله تعالى وكون نعمته عليهم أظهر، فالناس طراً يشاركونهم في وجوب ذكر نعمة عليهم، وقد تقدم ذكر تفاصيل النعم، وإن قيل: ما فائدة تقييد النعمة بقوله: أنعمت عليكم؟ قيل: نظر الإنسان إلى نعم الله ضربان، أحدهما: نظره إلى نهمة الله تعالى التي [تختص به من نفسه دون ما اختص به غيره] وذلك يفيده رضاً عن النعم وشكراً له ومعرفة ما على غيره من النعم، والثاني: نظره إلى نعمة الله على غيره ونسيان ما قد خص به في نفسه، وذلك يجلب إليه سخطاً على ربه، وكفراناً لآلائه، وحسداً على عباده، ولهذا قيل:
" انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فذلك أجدر أن لا تزرى بنعمة ربك ".
стр. 169
وعهود الله كثيرة، بعضها مرتب على البعض، والوفاء بكل واحد مقابلة، فأول منزلته إظهار الشهادتين ويقابله من الله تعالى حقن الدماء والأموال كما قال ﵇ " من قال: لا إلله إلا الله فقد عصم مني ماله ودمه ".
وآخره ما كان من أولياء الله في حفظ النظرات والخطرات، ويقابله من الله تعالى: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، وبينهما وسائط كثيرة لها من الله تعالى مقابلات، ولما كان من مبدئه إلى منتهاه عرضاً كثيراً نظر كل واحد من المفسرين للآية نظراً ما صارت به أقوالهم مختلفة في الظاهر بحسب اختلاف نظراتهم، فروي عن ابن عباس ﵄ أن الإشارة بذلك إلى قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾
وروي عنه " أوفوا بعهدي " في اتباع محمد أوفِ بعهدكم في رفع الإصر والأغلال التي في أعناقكم "
وقيل: أوفوا بعهدي في ترك الكبائر أوفِ بعهدكم في غفران الصغائر، وقيل: أوفوا بعهدي في أداء الفرائض أوفِ بعهدكم في الإثابة عليها)، وقيل: (أوفوا بعهدي في الاهتداء إلى طريق الاستقامة أوفِ بعهدكم في الزيادة في الاهتداء وإيتاء الاتقاء - إشارة إلى ما قال:
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، وهذه الأوقايل اختلفت إما بحسب اختلاف النظرات، أو بحسب اختلاف العبارات، وفيما بين من الأصل معرفة نظر الكل، وإن عامة أقوالهم لا
стр. 170
تخرج عن الصواب - إن شاء الله -.
وقال تعالى لهذه الأمة: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فقال بعض المحققين في اعتبار الآيتين دلالة على تشريف هذه الأمة في أنه لما خصهم بفضل فهم وعقل، أمرهم بذكره بلا واسطة، وأمر بني إسرائيل أن يجعلوا ذكر الآية وصلة إلى ذكره، وذلك فصل قد أحكم في كتاب: (شرف التصوف)، وقوله: " فارهبون "، تقديره: ارهبوني، فحذف الياء لدلالة الكثرة عليه، وكون الفواصل كالقوافي، وفائدة تكرير الضمير توكيد للحث على رهبته، وأنها لا يجوز أن تكون إلا منه تعالى دون غيره، ومثله في تذكيرهم نعمة الله تعالى ما حكاه تعالى عن موسى قال لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾
قوله
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾
" الآية: (٤١) - سورة البقرة ".
قد تقدم أن الإيمان مقتض للعلم اليقيني، ففي ضمن قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ حث على استفادة العلم، إذ لا يحصل الإيمان الحقيقي من دونه، ونبه بقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أن لا منافاة بين ما أتى به الأنبياء من أصول العبادات، وأنهم كنفس واحدة من حيث يتساوى دعاؤهم إلى التوحيد والأركان الثلاث من الشرائع التي هي العبادات الخمس وأحكام الحلال والحرام والمزاجر، وإنما الاختلاف بينهم في جزئيات الأحكام وفروعها كيفما تقتضيه مصلحة قوم وزمان، فكل مصدق للآخر فيما أتى به من أن كليات شرائعهم متساوية، وأن فروعها حق بحسب الإضافة إلى زمان كل واحد منهم، وأمته حتى لو كان أحدهم في زمن الآخر لم ير المصلحة إلا فيما أتى به الآخر، ولذلك قال ﵇: " لو نشر موسى بن عمران لما وسعه إلا اتباعي "، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي لا تكونوا أئمة في الكفر، فيقتدي بكم تباعكم، فتكونوا لأوزاركم وأوزارهم، كما قال تعالى
стр. 171
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وذلك إشارة إلى ما قاله ﵇ " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها، من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها " وقيل: معنى " أول " المتقدم بالشرف كقولهم: " حاتم أول الأسخياء، وما رد أول اللئام، والمعنى: لا تكونوا أرفع كافر منزلة في الكفر، وذاك أن محمداً: ﵇ لما كان أخر الأنبياء، وكان متمماً لشرائع من تقدمه، كما روي عنه ﵇ أنه قال: " إنما مثلي ومثل الأنبياء كرجل بني بنياياً وأكملها، وترك موضع لبنة، فأنا كنت موضع اللبنة "، فصار الكافر به كالكافر بجميعهم، فإن من شرط من الإيمان بهم أن يضامه الإيمان به، وإلا لم يعتد بإيمانه بهم، والهاء في قوله تعالى: " به " ضمير " ما أونزلت "، وقيل: هو ضمير " ما معكم "،
إن قيل: لم قال: " ولا تكونوا أول كافر به " وأنت لا تقول " كونوا أول رجل " وإنما تقول " رجال "؟ قيل: إن ذلك معناه: " أول كافر أو خرب مما لفظه المفرد، ومعناه الجمع على ذلك قول الشاعر:
فإذا هم طمعوا فالأم طاعم ....
وإذا هم جاعوا فشر جياع
وقد أجاز بعضهم إخوتك أول رجل، أي أول الرجال إذا كانوا رجلاً رجلاً، والقليل والكثير من الأسماء المتضايقة، ويعتبران بالغير، وليس استعمال القلة في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لأجل اعتبار ثمنين من أعراض الدنيا، كما تصوره بعض الناس فاعترض على الآية: وقال: ذلك
стр. 172
يقتضي جواز اشتراء الثمن الكثير بآيات الله، بل جعل الاعتبار ههنا بمنافع الدنيا والآخرة، وقد علمنا أن منفعة الدنيا طفيفة، إذا اعتبرت بمنفعة الآخرة، وإذا كان كذلك، فمن اشترى بآيات الله منافع الدنيا، وترك منافع الآخرة، فقد خسر خسراناً مبيناً، كما حكي عن " المنصور " لما حضرته الوفاة: قال: أف لنا، بعنا نعيم الآخرة بنومة، وقال الشاعر:
وإن امرءاً يبتاع دنيا بدينه ...
لمنقلب منها بصفقة خاسر
وعلى هذا قوله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
الآية: (٧٩) - سورة البقرة.
وإنما ذكر في الآية الأولى.
(فارهبون) وفي الآية الآخرى (فاتقون)، لأن الرهبة دون التقوى، فحينما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم، وحثهم على ذكر نعمة التي يشركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي مبادئ التقوى، وحينما خاطب العلماء منهم، وحثهم على مراعاة آياته والتنبه لما يأتي به أولوا العزم من الرسل، أمرهم بالتوقى التي هي منتهى الطاعة ...
قوله
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية (٤٢) - سورة البقرة.
اللبس والستر، والتغطية، والتعمية، والتموية، والكتمان، والإخفاء يتقارب، فالستر أعم الألفاظ، لأنه يقال في المحسوس والمعقول " سترت كذا بثوبي "، وسترته في نفسي، والتغطية في الأعيان فقط، واللبس أصله في الثوب، ثم يقال في المعنى أيضاً، وذلك أن يخلط حق بباطل، وصدق بكذب، والتعمية: ما جعل الإنسان عن إدراكه كالأعمى، والتموية: ما جعل على وجهه مواهة، والكتمان: يقال في الحديث ونحوه، وقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ أخص من قوله: ﴿تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، لأن اللبس هو الخلط بغيره، والكتمان إخفاؤه جملة، والأجود أن يكون قوله: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ جواباً بالواو منصوباً.
وإن صح أن يكون عطفاً مجزماً، فيكون أمراً بخصوص بعد عموم، وقراءة أُبيَّ:
стр. 173
(ولا تكونوا أول كافر به وتشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وتكتموت الحق)، ونحو ذلك في احتمال الجواب والعطف ..
قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعظيم لارتكاب الذنب، فإنه مع العلم بقبحة لأعظم عقوبة، ولهذا قال بعض الحكماء:
(لأن أدع الحق جهلاً به، أحب إلى من أن أدعه زهداً فيه، ولأن أترك جميع الخير جهلاً به أحب إلى من أفعل أقل الشر، بعد المعرفة بقبحه).
وقد تقدم الكلام في الحق، فأما الباطل: فالإثبات له عند الفحص عنه، والحق يناقضه، وذلك عام في الاعتقاد والمقال والفعال.
ولذلك قال الشاعر:
لقد نظقت بطلاً على الأقارع.
فاستعمله في القول، وفي الآية حث على تجنب الشر والنهي عن كل تلبيس وتمويه وإن كانت الآية واردة فيمن آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا بالبعض، وجحدوا صفة النبي ﷺ وقول ابن عباس ﵄: [لا تخطلوا الصدق بالكذب وقول بن زيد] لا تخلطوا الحق الذي هو التوارة بالباطل الذي كتبتموه بأيديكم، فإشارة إلى بعض ما يقتضيه عموم الآية.
стр. 174
قوله تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ " الآية (٤٣) - سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في إقامة الصلاة، فأما الزكاة، فأصلها من: " زكا الزرع، فهي بالنظر، العامي: تثمير المال باستجلاب تركه الله ، وبالنظر الخاصي: تتميز النفس، وهو تطهيرها بإخراج الحقوق من المال.
والتزكية قد تقال في المقال، نحو: " زكيت فلاناً، وعلى ذلك قوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وذلك نهي عن الثناء على النفس، فإنه من المستقبح بالعقل والششرع، ولذلك قيل لحكيم:
ما الذي لا يجسن وإن كان حقاً؟ فقال: مدح الرجل نفسه.
وقد تقال التزكية في الفعال، وهي ما يقتضي تظهير النفس المدعو إليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
وقلما حث الله تعالى على إقامة الصلاة، أو مدح بها، إلا قرن بها إيتاء الزكاة، فبهما يتم الإيمان، وعليها دل قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، وقوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ حث على الخضوع وتذرع الخشوع، ويصح أن يكون مع ذلك - حثاً على مراعاة الجماعات في الصوات والاجتماع مع المؤمنين في كل مأمور به نحو قوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ولذلك قال: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾
стр. 175
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
الآية (٤٤) - سورة البقرة.
البر: التوسع في أفعال الخير، بدلالة ما قاله ﵇ وقد سأله أبو ذر عن البر، فتلا عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
فذكر جملة أفعال الخير، فرائضها، ونوافلها، ومكارم الأخلاق كلها.
فالبر في ثلاث:
بر في معاملة الله تعالى وعبادته، وبر في معاملة الأقارب ومراعاة حقوقهم، وبر في معاملة الأجانب وإنصافهم.
واشتقاقه من البر هو الفضاء والسعة، ولهذا وصف المؤمن بسعة الصدر، والكافر بضده، نحو قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ..
الآية، فسمي براً ...
وقد وصف الله تعالى بالبر كما وصف به العبد، يقال " بر العبد ربه "، أي أطاعه، على ذلك قول الشاعر:
يبرك الناس ويفخرونكا
والله بر عبده، أي وسع عليه إحساناً، ويقال: أبر فلان على فلان أي تقدمه ببر،
стр. 176
أي سعة من المكان، وعلى هذا قالوا: بينهما بون، وقال الشاعر:
فثم الفتى كل الفتى كان بينه ...
وبين المراجي نفنف متباعد
والنسيان: زوال الشيء عن الحفظ، فهو ضربان:
انفعال بغير فعل من صاحبه، وهو المعفو عنه بقوله ﵇ " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ".
وأنه قال بفعل من صاحبه، وهو أ، يترك مراعاة المحفوظ حتى يذهب عنه، وهو المذموم بقوله تعالى:
﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، وقال ﵇:
" من حفظ القرآن، ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم "، ولما ورد هذا الخبر عن النبي ﵇ كره ابن مسعود ﵁ أن يقول القائل: " نسيت آية كيت وكيت "، والق:
لتقل: " أنسيت، ومن جعل الإنسان من ذلك، فأصله عنده: " أنسيان "، بدلالة: " أنيسيان " في تصغيره، ومعنى تلاه: تبعه، والتلاوة في القرآن إتباع اللفظ اللفظ، أة: إتباع اللفظ بتدبر المعنى، وهو المراد بقوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، والعقل: أصله المنع الشديد، ومنه: عقل البعير "، " والعاقول ": الدواء، يمسك البطن، والعقلية للنفس الممنوع عن الإخراج، والمعقلة، والعقال، واعتقل لسانه.
وقد ذكر الله تعالى " العقل " بأربعو أسماء: " العقل، والنهي، والحجر، واللب " وذلك بأنظار مختلفة -، فأكثرها ذكر العقل، وذلك لعقله عما يقبح وعلى ما يحسن، والنهي: لكونه ناهياً عن القبائح، والحجر: لجعل صاحبه في حجر عما لا يحسن، واللب: لكون ذلك الجزء من الإنسان، بالإضافة إلى
стр. 177
سائر أجزائه، كَلُبَّ الشيء إلى أجزائه، وهو أشرف أسمائه، وقد ذمهم الله تعالى في هذه الآية بغاية ما يذم به المتصدي للوعظ بغير الحق، وذاك أن الواعظ من الموعوظ يجري مجرى المظلة من الظل، والطابع والمطبوع، ومحال أن تعوج المظلة، ويستوي ظلها، أو يمكن للطابع أن يوجد في مطبوعة أحسن ما في طبعه.
ولهذا قيل: " كفى بالمرء تهزياً أن يعظ غيره وينسى نفسه، ولأن المدعي لمصلحة هو يتجنبها إما كاذب في دعواه، و‘ما خبيث النفس، وكلاهما لا يقبل قوله، فإذا " حق الإنسان أن يبدأ بنفسه فيما يعظ به غيره، حتى يكون واعظاً بفعله كوعظة بقوله.
وروي أن رجلاً أتى ابن عباس [رضي الله تعالى عنهما] فقال: " إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى فافْعل.
قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وقول شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، وقد اتبع الله ذمهم بحكمين حقق غيهم أحدهما، قوله: ﴿وانتم تتلون) أي: تتدبرون التوراة، والثاني: قوله: (أفلا تعلقون) - تنبيهاً - أن الجامع للعقل ومتبع الكتاب ليس من حقه أن يأمر الغير بما لا يفعله، فذلك منبئ عن الجهل، فصارت الآية بما عقبت أبلغ من معنى قول الشاعر:
لاتنه عن خُلُق وتأتي بمثلُه ....
عار عليك إذا فعلت عظيم
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ مثل هذه الآية في حث الإنسان على (العناية بالنفس) قبل العناية بغيره، لا نهياً عن الوعظ كما تصوره بعض الناس، حتى قال هذه الآية منسوخة ..
стр. 178
قوله :
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: الآية (٤٥) - سورة البقرة.
أصل الصبر: الإمساك في ضيق، ومنه: دابة مصبورة، والصبرة من الطعام للجمعة منه، وفي التعارف: إمساك النفس على ما يقتضيه العقل وعما يقتضيه، وذلك ضربان: صبر عن المشتهى، وهو العفة، وصبر على المكروه وهو الشجاعة، وقيل الصبر: الصوم، لقوله ﵇: (صيام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يذهب كثيراً من وحر الصدر)، وتسميته بالصبر، لكونه بعضه، إذ هو إمساك الشهوة، ولهذا قال ﵇:
" الصوم نصف الصبر "، والصلاة أرفع منزلة من الصبر، لأنها تجمع ضروباً من الصبر، إذ هي حبس الحواس على العبادة، وحبس الخواطر والإفكار على الطاعة، ولهذا قال:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وخصها برد الضمير إليها دون الصبر، وأما الصلاة التي تخفف على غير الخاشع، فإنها مسماة باسمها، وليس هي في حكمها، بدلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، ومثلها، وقل ما ترى صلاة غير الخاشع تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ومثلها في رد الضمير على أحد المذكورين لاختصاص العناية به، قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، فأعيد الضمير إلى التجارة - لما كانت سبب انفضاض الذين نزلت الآية فيهم، ولأنه قد تشغل التجارة عن العبادة من لا تشغله اللهو، وعلى ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لما كان حبس الفضة عن الناس أعظم ضرراً، إذ كانت
стр. 179
الحاجة إليها أمس، ومنعها للمضرة أجلب، [خُصا بالضمير]، وقوله: (كَبِيرَةٌ) اي: كبيرة القدر، أو ثقيلة على النفس، بالإضافة إلى غيرها من العبادات وزائدة عليها، فإنها لا تصح إلا ببذل مال ما جار مجرى الزكاة فيما يستر به العورة، ويطهر به البدن، وإمتساك في مكان مخصوص يجري مجرى الاعتكاف، وتوجه إلى الكعبة يجري مجرى الحج، وذكر لله ولرسوله يجري مجرى إظهار الشاهدتين للإيمان، ومجاهدة في مدافعة الشيطان سارية مجرى الجهاد، ومساندة عن الأطيبين جار مجرى العموم، وفيها ما ليس في العبادات الآخر من وجوب القراءة، وإظهار الخشوع، والركوع والسجود، وغير ذلك، ولهذا عظم النبي ﷺ أمرها، فكان آخر ما أوصى به عند وفاته: " الصلاة، وما ملكت إيمانكم "، وجعل بقولها وما يفيض بها لسانه.
قوله :
﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ...
الآية (٤٦) سورة البقرة.
قد تقدم الكلام في الظن، وأنه أعم ألفاظ الشك واليقين، وأنه اسم لما تحصل عن أمارة متى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت حداً لم يتجاوز حد الوهم، [وأنه متى قوي استعمل معه أن المشدةة، و " أنْ " المخففة منها]، ومتى ضعفت استعمل معه " أن " المختصة بالمعدومين من الفعل نجو " ظننت أن خرج، وأن يخرج " فالظن إذا كان بالمعنى الأول فمحمود، وإذا كانت بالمعنى الثاني: فمذموم، والآية من المعنى الأول والمعنى الثاني كقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وعنى بلقاء الله " الموت " وبالرجوع إليه " الثواب والعقاب "، وتخصيص ذكر الظن ها هنا إعلام بأنهم في كل حال لا يأمنون الموت، ولو كان بدله العلم، [لم يصح على الوجه] الذي يصح فيه الظن، لأنك تقول: " أظن أني أموت في كل حال، وأما قوله ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾، فهو نهاية في الذم، ومعناه: ألا تحصل لهم أمارة تنبههم على التفكر في ذلك - تنبيهاً
стр. 180
أن هذا لا محالة مما تبين أمارته للإنسان إذا تأمل، أدني تأمل، وخاطب بالآيات عماء بني إسرائيل الآميرن غيرهم بالبر، الناسين أنفسهم بأن استعينوا في مدافعه هذه الحال بالصبر والتوصل به إلى الصلاة، فبها يصير الإنسان خاشغاً ملتزماً للحق ممن ظهر منه.
وقوله :
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
الآية (٤٧) سورة البقرة.
الفضل: كالزيادة، إلا أنه أخص منها، وهو من الأسماء المتضايقة، كالكثير، والقليل، والكبير، والصغير، ويستعمل على اعتبارين: أحدهما: اعتباراً بالطرف الذي هو النقص، وذلك يستعمل على سبيل المدح، والثاني: اعتباراً بالوسط الذي هو العدل والسواء، ويستعمل ذلك على وجهين: أحدهما: الزائد على العدالة على سبيل الاستظهار، وهو السماحة والإسماح ببعض ما لا يجب عليه، أو بترك بعض ما لا يجب له، وذلك هو المعنى بالإحسان: في قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وبالزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وإياه عنى بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، والثاني: الإفراط الجاري في الذم مجرى التفريط، كالإسراف والتبذير المنهي عنه بقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، والمعبر عنه بقول العامة: " الزيادى على الكفاية نقصان "، وأكثر ما يعبر عنه بالفضلة والفضالة فالزيادة على الاعتبار الأول فضيلة، وهو استظهار في العدالة، وعلى الاعتبار الثاني رذيلة، وهو ترك العدالة، والتفضيل: يستعمل على وجهين: إما بمنحة خص المفضل بها نحو قوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، فإن ذلك أمور خص بها بنو آدم ابتداء، وأما الحكم للمفضل بالفضل الحاصل منه، نحو قوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، فالأول: يجب على العبد به الشكر، إذا هو مدح له، نوليس له به حمد، والثاني: يجب له به حمد، ويستحق به الثواب، وأما العالمون: فقد تقدم الكلام فيه، وأنه تارة يقال لجميع ما أوجده الله تعالى من الفلك، وما يحويه عالم بلفظ الإفراد، وتارة
следующие страницы →