← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قال ابن عباس: لما قتل أخاه تحير لم يدرِ كيف يفعل به فقيض الله تعالى غرابين تقاتلا فقتل أحدهما الآخر فدفنه، فتنبه قابيل لدفن أخيه، ووجه ذلك أنه ما من صنعة يتعاطاها الإنسان بالتعلم إلا وقد سخر الله لمثل ذلك الصنعة حيوانا يتعاطاه، وجعل الله تعالى ذلك سبباً لتعلم الناس ذلك منه، فمن الحيوان ما يسبح ومنها ما يمشي ومن عادة الغراب دفن الأشياء فلما رأى قابيل ذلك تنبه لما يجب أن يفعل فاستصغر نفسه لقصوره عن معرفة ما اهتدى إليه الغراب، فأخذ يتحسر، ويتولول وندم ندماً لا يثنيه ولا يحد به كما قال الشاعر: - َ .............. ومَا يُغْنِي مِنْ الْحَدَثَانِ لَيْتَ وليست هذه الندامة بندامة التوبة.

стр. 1822

قوله : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) الأجل: قطع الماء والآجل وقت مقطوع يقطع من وقته، والآجل نقيض العاجل وهو الذي جُعل له أجل ما، والأَجَلُ قطيع من الغنم، وذلك لقولهم الصُّرمة والقطعية والفرقة ونحوها مما اشتق من الأسماء المتضمنة لمعنى القطع. وأَجَّل فلان على فلان جنى عليهم جناية. أجله حضر. قوله: (مِن أَجلِ ذَلِكَ) أي من جناية ذلك، وقيل: من سبب ذلك كقولهم من أجله وبَّين بقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أنه كان من أول من سنَّ القتل. وعنده شُرع هذا الحكم، وذلك كقولك من أجل ماعز شرع النبي ﷺ حكم الرجم، أي عنده شرع، وإنما خص بني إسرائيل دون غيرهم لأن كتابهم أول كتاب بيَّن فيه فيه الأحكام.

стр. 1823

وقيل: لأنه كثر منهم القتل، وبيَّن أن الساعي في قتل نفس لم يلزمها قتل ما يقتضي الاقتصاص أو فساد وذلك إلى نحو ما قال ﵊: (كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان). وقوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)

стр. 1824

فإن الناس لما كانوا كجسم واحد ونسبة آحادهم إليه كنسبة أعضاء الجسم الواحد إليه، صار الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاكهم، كما أن الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعى في إهلاك كله، صار قتل الواحد كقتل الناس، ولهذا جاء في التفسير أن المؤمنين خصم للقاتل ولهذا قال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ)، وقال مجاهد: فلو قتل الناس جميعاً لم يرد في جزاءه على جزاء قوله: (وَمَن أَحيَاهَا) أي من نجاها من الهلاك إمَّا بالحماية عليها، وإمَّا بالعفو عنها إذا لزمها قِصاص يستحب منه العفو. قال مجاهد: (مَنْ أَحْيَاهَا) أي من ترك قتلها. قال الحسن: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا) أي من أضله عن طريق الهدى، (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي دعا مشركاً إلى الإيمان فهداه وأرشده

стр. 1825

فكأنما أحيا آدم ﵊ وولده إلى القيامة. قوله : (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ). تنبيه أن الله لم يخلهم من بشير ونذير على عبادته في الأمم. والإسراف: الإبعاد في الخروج عن الحق، وعن الاستقامة التي هي العدالة في كل شيء هذا أصله، وإن تُعورف في الخروج عن العدالة في إنفاق المال، وقد وصف قوم لوط بالإسراف لخروجهم عمَّا أبيح لهم إلى ما حُظر عليهم، فبيَّن تعالى أن كثيراً منهم بعد مجيء رسلهم بالبينات يخلون بالعدالة وما شرع

стр. 1826

لهم وأبعدوا في التعدي. (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) محاربة الله ورسوله: هو السعي في الأرض بالفساد، وسمي ذلك محاربة الله ومحاربة رسوله تعظيماً، والسعي في الأرض قيل: هو في الصحراء، وقيل: هو في البلد أيضاً، وهو الأصح. قال الحسن: الآية نزلت في المشركين المحاربين والحكم مختص بهم، وقيل: نزلت في العُرَيْنيِّينَ، وذلك أن قوماً من عُرَيْنَة

стр. 1827

أتو المدينة وأسلموا وأقاموا ما شاء الله ثم شكوا إلى النبي ﷺ فاجتووا المدينة واستأذنوه في الخروج إلى لقاح الصدقة ليقيموا فيها إلى أن يَصِحُّوا وأذن لهبم، فنالوا من ألبان اللقاح، وثابت قواهم، ثم ارتدوا، وقتلوا الرُّعاة، وساقوا اللقاح، فبعث رسول الله ﷺ عليهم في طلبهم فأُخذوا وقطعت أيديهم وأرجلهم، وسُمِلَتْ أعينهم، ولم تسلم دمائهم حتى ماتوا. وقيل: الآية في أهل العهد، وأكثر الفقهاء حملوا على المسلمين أيضاً،

стр. 1828

وجعل مالكٌ: الإمام مخيراً فيمن سعى بالفساد من الأحكام الثلاثة، وقد رُوي ذلك عن ابن عباس. وجعل غيره الحكم ترتباً، وقال من قتل وأخذ المال قُتل وصُلب، وقتل فقط قيل لم يصلب. ومن أخذ المال فقط قطع يده ورجله من خلاف يده اليمنى ورجله اليسرى ولم يُقتل ومن لم يأخذ المال وإنما يُخوَّفُ ينفى من الأرض، وذلك بأن يطلب.

стр. 1829

فإن تاب قبل القُدرة عليه عُفي عنه، وإلا أخذ فحبس. وقيل: نفيه: طرده من بلد إلى بلد. روي ذلك عن ابن الزبير وعن ابن عبد العزيز، وقيل: الطلب، وقيل: القتل بعد القتل، ردعاً لغيره، ونبه على تعظيم ما ارتكبه أنه يجمع عليه حد الدنيا، وعقوبة الآخرة. قال : (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) الاستثناء راجع إلى كل من تقدم ذكره، وهو في العذاب

стр. 1830

وفي إقامة الحدود، وقال بعض الفقهاء: كل حق لله مختص بقَاطع الطريق فالتوبة قبل القدرة يُزيل ما عليه إن كان من حقوق الله، وإن كان من حقوق الآدميين فلا يزول إذا طالب به صاحبه. قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) الوسيلة: القربة وهي دون الوصيلة، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خطاب لكل من أظهر الإيمان سواء كان في مبدئه، أو في وسطه، أو في منتهاه. وتقوى الله: - هو الامتناع عن المحارم، وتحري الواجبات، وابتغاء الوسيلة، كما قال عليه الصلاة السلام حكاية عن الله :

стр. 1831

(ما زال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل) الخبر. والمجاهدة في سبيله: هو بذل الجهد فيما تقدم من إقامة الفرائض، وبيَّن أنكم إذا فعلتم ذلك كنتم راجين للفلاح المذكور في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ). والفلاح العام: هو البقاء بلا فناء، والغنى بلا فقر، والقدرة بلا عجز والعزُّ بلا ذل. ونبه باختصاص لفظ الابتغاء على بذل الجهد. قوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) أي لو حصًّل كل واحد ما في الأرض ومثله قاصداً بإحرازه أن يجعل ذلك وقاية لنفسه لم ينفعه، وذلك حثٌّ على المبادرة بالامتناع عن الآثام وترك الاهتمام بالمال في المعاد. وروى أنس عن النبي ﷺ أنه يقال ْ

стр. 1832

للكافر يوم القيامة، أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهَبا لكنت مفتدياً به، فيقول: - نعم، فيقال له: كذبت، قد سئلت ما هو أهون من ذلك فأبيت) (١). وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ) الواو عطف، أو يكون بما بعد حال. قوله : (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) أي يسألون أن يخرجوا منها، وذلك هو المذكور في قوله: (أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا)، والمقيم الذي لا يزول ولا يتحول، قال ابن عباس: كل شىء من أمر الدنيا يبلى ويفنى،

стр. 1833

وكل شيء من أمر الآخرة يبقى ويتجدد. قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا) نبه بذلك على أنهم يحتالون لذلك ولا ينفعهم. قوله : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) السارق: المتناول مال غيره مستتراً، وقد يقال: للخائن سارق على التشبيه. وقول ﷺ : (أسوأ الناس سرقة، الذي يسرق من صلاته) فعلى التشبيه. واختلف في الآية، فمنهم من قال: هو مجمل كقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) وإجماله

стр. 1834

من حيث يحتاج إلى شرائط لا يُنبئ الظاهر عنها. ومنهم من قال: هو غير مجمل من حيث إنه يتناول لكل سارق، وما لم يُرِد منه فهو مخصص، وقال بعضهم: الألف واللام في (السارق والسارقة) للعهد. والآية واردة في سارق المِجَن، وامرأة سرقت، لكن الحكم عام من حيث إنه قد ثبت أن حكم الشريعة في الواحد حكمها في الجماعة من شرطهم شرطه. وقال بعضهم: هو للجنس، وبعضهم جعلها بمعنى الذي، وذلك يتضمن معنى الشرط ويكون مفيداً للعموم.

стр. 1835

وقراءة عامة القراء (السارقُ) بالرفع، وكان عيسى ينصب نحو قولهم زيداً فاضربه، والوجه الرفع؛ لأن النَّصب مختار حيث لا معنى للشرط، نحو زيداً فاضربه، فأما كل لفظ متضمن لمعنى الشرط فالرفعُ نحو قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي)، ونحو: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ). إن قيل: لم قدم المذكر في قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)

стр. 1836

وأَخَّر في قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي)؟ قيل: لأن السرقة أكثر ما يوجد بالرجال، والزنا أكثر ما يوجد سببه من النساء، بل توهمنا امتناع انقياد المرأة أصل وجود الزنا. وبيَّن أن الله تعالى عزيز في انتقامه، حكيم في حكمه. واختلف في قدر ما يقطع به، فروي عن عمر وعلي أنه يقطع في خمسة، وعن أبي سعيد الخدري في أربعة، وعن أبي بكر في ثلاثة، وعن ابن عباس في عشرة، وعن عائشة في ربع دينار، وإليه ذهب الشافعى، ومالك والحسن في

стр. 1837

ثلاثة، وقال أبو حنيفة: لا يقطع من يسرق طعاما يسرع إليه الفساد، أو ثياباً أوحديدا، أو قصباً، أو زرنيجاً، ونَوْرَةَ، وقد روى: (ولا يقطع في ثمر ولا كثر)،

стр. 1838

وقال الشافعي: ما لم يُحَّرز فأمّا إذا أحرز وبلغ قيمتُه ما يُقطع فيه قُطِعَ، وأما قدر القطع من اليد فعند الخوارج من المنكب وعند غيرهم من الرسغ. وقد روى أبو هريرة: (أن النبي ﷺ قطع سارقاً من الكوع).

стр. 1839

ولأن المقصد بقطعه أن لا يبطش، ولا يتناول بها، وبذلك يحصل الغرض، ولا يقطع إلا يمينها بدلالة قراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) فذلك يؤخذ به حكماً، وإن لم يؤخذ به تلاوة. وإنما ذكر الأيدي بلفظ الجمع، وتارة بلفظ الاثنين، وتارة بلفظ الواحد كقول الشاعر: -

стр. 1840

ظَهْرَاهُما مِثلَ ظُهُور التَرْسينِ فذكر في موضع مثنى، وفي موضع مجموعاً، وقال: كلوا في بعض بطنكم تصحوا فأتى بلفظ المفرد، ومتى كان شيئاً لاثنين يصح اشتراكهما في أحدهما لا يصح أن يذكر إلا بلفظ التثنية، لئلا يشتبه نحو رأيت عبداكما، ولا يصح إذا أردت الاثنين أن يقول: عبدكما أو عبيدكما. قوله : (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) قيل: إن تاب في الدنيا قبل القدرة عليه، وأصلح سقط عنه الحد، ورُجىَ له الغفران، وإن تاب بعد القدرة عليه رُجيَّ له الغفران، ولم يسقط عنه الحد بدلالة ماروي ابن عمر: (أن امرأة سرقت على عهد رسول ﷺ ، فأمر بقطعها، فقال قومها: نحن نفديها خمسمائة دينار، فقال: اقطعوها، فقطعوا يمناها، فقالت المرأة: - هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: نعم، أنت اليوم في خطيئتك كيوم ولدتك أمك).

стр. 1841

فأنزل الله (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ)، ولم يقل: بعد سرقته، ليكون عاماً في هذا الحكم، وفي غيره، واشترط إصلاح العمل تنبيها أن التوبة باللفظ غير مُغنية ما لم يضامها ما يحققها من الفعل، وجعل علة قَبُول توبته كونه تعالى غفوراً رحيماً. قوله : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) لما أمر بالتقوى، وابتغاء الوسيلة إليه بالجهاد في سبيله، ودعاهم إلى الفلاح وبيَّن قبلُ ما يلزم المحاربين، وبعدُ ما يلزم السُرَّاق، وذكر قبول توبتها، ذكر قدرته على تعذيب من يشاء، وغفران لمن يشاء في الدنيا بما شرعه، وفي الآخرة بما قدره. وقال ابن عباس: فيعذب من يشاء على الذنب الصغير، ويغفر لمن يشاء على الذنب الكبير،

стр. 1842

وفي هذا النحو قال الشاعر: يعفوا الملوك عن الكبير ... من الذنوب بفضلها ولقدتُعاقِب في الصغير ... وليس ذاك بجهلها إلاليُعرف فضلها ... ويخاف شدة ملكها وإنما قال يعذب من يشاء فقدم ذكر العقوبة على الغفران، لأن القصد بما تقدم الردع عن ارتكاب ما يقتضى عقوبة الدارين فكان تقديم ما يقتضي ذلك أولى. قوله : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)

стр. 1843

قيل: نزلت في أبي لبابة حيث بعثه رسول الله ﷺ إلى السيِّدين، سيد الأوس وسيد الخزرج، سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فاستشار قريظة أبا لبابة أننزل على حكم محمد؟ فأشار إليهم بأنه الذبح، قال أبو لبابة: فما زلت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، والآية عني بها أبو لبابة والمنافقون الذين وصفهم في قوله:

стр. 1844

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١). وقوله: (يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) يكتسبونه عاجلاً شيئاً بعد شيء، على خلاف ما قال فيه: (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ). وقوله: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ). وقوله: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ) أي قائلون له، وقيل: سمَّاعون كلامك لأجل أن يكذبوا عليك، ويسمعون ذلك لأجل قوم آخرين. وقوله: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) أي كلام النبي ﷺ ، والقرآن، ويكذبون عليه.

стр. 1845

وقيل: يحرفون حكم التوراة، وذلك كقوله في البقرة: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) إلى قوله: (وَهُم يَعلَمُونَ) وقوله في آل عمران: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ). وقوله: (هَذَا) أي الحكم الذي قلناه، وقيل: الدِّية. وقوله: (مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) أي من بعد أن وضعه الله موضعه، وبيَّن أحكامه.

стр. 1846

وقوله: (وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) أي أمركم محمد بغير ذلك فاحذروه. وقوله: (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ) قال الحسن: عذابه كقوله: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ). وقال السدي: ضلالة. وقال الزجاج: فضحيته وقوله: (لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) أي من الكفر عقوبة لهم، وقيل: لم يحكم بطهارة قلوبهم. والقولان مرادان على نحو ما تقدم من أمثال هذه الآية. وذلك بخلاف من وصفهم بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣).

стр. 1847

وقوله: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣). وقد قال: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ). وقوله تعالى: (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) أي يستحي منه من السبي والقتل والجلاء. قوله : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) السحت والمحق متقاربان معنى، لتقارب لفظيهما. لكن السحت أبلغ إذ هو الاستئصال شيئاً فشيئاً يقال: سحته

стр. 1848

فأسحته، وسمي الحرام والمستقبح من الكسب والوخيم العاقبة منه سحتاً، كما سمي الحرام ناراً في قوله: (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)، وفسر السحت هاهنا بالرَّشوة تفسير العام بالخاص. وقد قال ﵊: (هدايا الآمراء من السحت). والمقصود من الآية مثل ما قاله: (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا). وقيل: عنى بالسحت الربا، المذكور في قوله:

стр. 1849

(فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ). واختلف في قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ)، فقال: ابن عباس: - نُسِخَ بقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) فجعل حكم التخيير منسوخاً بإيجاب الحكم بينهم. وقال الشعبي: بل حكمه ثابت. وقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) حث على استعمال العدالة عند تولي

стр. 1850

الحكم لا إيجاب وعلى هذا قال الحسن: خلُّوْا بين أهل الكتاب وحاكمهم وإذا ترافعوا إليكم فاحكموا بينهم بما في كتابكم. وقال بعضهم: التخيير قبل أن (يعقد) لهم الديَّة والجزية، والإيجاب (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ) بعد عقد الدية لهم بالجزية. وقد روي ذلك عن ابن عباس قال: ويدل أن الآية نزلت في بني قريظة والنَّضير ولم يكن لهم ذمه. قوله : (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) أنكر الله تعالى تحكيمهم للنبي ﷺ وهم لا يؤمنون به وعندهم الحكم في التوراة، والمعنى هاتين الحالتين

стр. 1851

مستنكر بتحكيمهم إياك، وقوله (وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) أي لا يصدقونك فيما تحكم به، والواو واو حال. وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) الهدى والنور إشارة إلى معنى واحد، لكن الهدى يقال اعتباراً بالأدلة المنصوبة، والنور اعتباراً بما يعين على معرفة الأدلة، تشبيهاً بنور البصر، ونور الشمس. وقيل: الهدى إشارة إلى ما فيه من الحكم الشرعي، والنور إشارة إلى ما فيه من الحكم العقلي، وقد يُسمى كل واحد من المعقول والمشروع تارة نوراً وتارة هدى. إن قيل: ما معنى قوله: (النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا) والنبي لا يكون غير مسلم؟ قيل: الإسلام هاهنا الإخلاص لله في التوكل عليه وتفويض الأمر إليه، نحو قوله:

стр. 1852

(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١). وقوله: (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ). وقوله حكاية عن إبراهيم وإسماعيل: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ). وقوله: (اَلَّذِينَ أَسلَمُوا) صفة لهم على سبيل المدح لا على سبيل التخصيص، أو بدل من قوله: (النَّبِيُّونَ)، واللام في قوله: (لِلَّذِينَ هَادُوا) متعلق بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ) ... للذين هادوا. وقيل: متعلق بقوله: (فِيهَا هُدًى) ومعنى هادوا: أي تابوا

стр. 1853

من قوله: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ). وقيل تقديره: يحكم بها النبيُّون الذين هادوا، والمعنى يحكم لهم وعليهم، لكن المعنى تذكيرهم عن داعيهم وعلى هذا قال بعضهم: يحكم فيهم، لأن قولك فيهم يتضمن معنى وعليهم، وقوله: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا) قيل: متعلق بالأحبار، أي العلماء بما استحفظوا، وقيل: متعلق بقوله: (يحكُمُ بِهَا) لأجل ما استحفظوا أي لما استُودِعوا، وقوله: (وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) أي هم من جملة من قال فيهم: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) يتعلق به الخوارج، وزعموا أن التارك

стр. 1854

لحكم الله على كل حال كافر، وقال غيرهم: ومن لم يحكم بما أنزله جاحدا فهو كافر، وقيل معناه: من لم يحكم بأن ذلك عامداً له فهو كافر، وقيل: الكافر هاهنا جاحد للنعمة من الكفران لا من الكفر، وقيل: الكفر يقال على ضربين: كفركبير، وهو المذكور في قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ) الآية. وكفر صغير وهو المذكور في قوله ﵊: (من ترك الصلوات فقد كفر)، وعلى هذا قال ابن جريج: كُفر دون كُفر،

стр. 1855

وظُلم دون ظُلم، وفِسق دون فِسق، قال الحسن: إن الله تعالى أوجب على الحكام ثلاثا، أن لا تتبعوا الهوى، وأن تَخْشوْهُ ولا تَخْشوا الناس، وأن لا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، قال وعلى هذا قوله: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ). وقد استدل بهذه الآية أن النبي ﷺ متعبد بأحكام من قبله.

стр. 1856

قوله : (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) أخبر تعالى بما أوجب عليه من القِصَاص. واتفق الفقهاء: أن ذلك واجب علينا لوجوبه عليهم، لكن منهم من قال: لم يكن في شريعتهم الدِّية، وقد جعلها في شريعتنا تخفيفاً على هذه الأمة، وقوله: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) يقتضي القَوَدُ فيه فقاءاً كان أو إذهاباً بضوئها. ومن قال لا يُفعل من ذلك إلا الفقاء فليس بشىء، فالعين ليست بالعين في الحقيقة إذا لم تكن مبصرة بل بالأعضاء كلها إذا بطلت منفعتها خرجت عن أن تكون في

стр. 1857

الحقيقة إياه إلا اعتبار الصورة التخطيطية، وذلك غير معتدٍ به ما لم يكن فيه النفع. واختلف الصحابة في عين الأعور، وهل يلزم فيه القَودُ ودِّية كاملة. فمنهم من أوجب ذلك فيها لكونها سادَّة مسدَّ العينين. والأنف يلزم فيها القصاص بالقطع. وقال أبو حنيفة: إذا قطع الأنف من أصله فلا قصاص لأنه لا يمكن اسشيفاؤه فيه كما لو قطع يده من نصف الساعد. وقوله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) إيجاب للقصاص في سائر الجراحات، وقرئ: (وَالعَينُ بِالعَينِ) بالرفع كقولك: إن زيداً منطلق، وعمروا ذاهب.

стр. 1858

وقوله: (وَالْجُرُوحَ) إذا قُرئ بالنصب فعلى العطف، وإذا قُرئ بالرفع فعلى الاستئناف، وقوله: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ) خطاب لولي القتيل وللجروح حثٌّ له على العفو، وذكر لفظ التصدق تنبيهاً على أن عفوه جار مجرى صدقةٍ يستحق بها ثواب، وتصير كفارةً له، وذكر هاهنا أن تارك الحكم بما أنزله ظالم، والظلم أعم من الكفر، لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا.

стр. 1859

ولذلك قال: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وقوله : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) قفيناه: بعثناه خلفه، يقفوه: أي يتبع قفاه، ومنه قافية الشعر، والقفي: الضيف الذي يبعث خلفه تكرمه له، والأثر: ما يظهر للحاسة، والإثار الاختيار، واستثاره اختاره لنفسه، والهدى: يقال لما يستدل به، والموعظة لما يوعظ به، والفسق أعظم

стр. 1860

من الكفر والظلم، وأصله الخروج إلى حظر الله، من قوله: فسقت الرطبة إذا خرجت عن طلعها. إن قيل: لم كرر قوله: (مُصَدِّقًا لِّمَا بَين يَدَيه مِنَ التَّورَاةِ)؟ قيل: يجوز أنه أراد بالأول مصدقاً لما بين يدي التوراة، وبالثاني نفس التوراة، فبين أن عيسى ﵊ أتى بما يُصدق به موسى، وكتابه أتى بما يصدق كتاب موسى. قوله : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)
следующие страницы →