← Тафсир

Тафсир · id 9231

تفسير الراغب الأصفهاني

الراغب الأصفهاني

Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

زيد فضلاً وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمروا أفضل منه، فقال أَجزِم عمروا فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك قوله تعالى: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) وقد عُلِم أن لا خير فيما يشركون بوجه والآية نزلت في يهود احتالوا النبي ﷺ . وقيل: في قريش لما صدوا المسلمين. فأمر الله تعالى المسلمين ألا يتركوا معهم مع ذلك استعمال العدالة. إن قيل: كيف تصور الظلم وقد أُبيح للمسلمين أن يقتلوهم ويسبوهم ويسلبوهم وقيل: كل ذلك أُبيح لهم على وجه دون وجه، متى أُخِل لمراعاة الحكم المسنون في شيء من ذلك، فهو ظلم بل من فعل الإنسان بالكافر مع ما أمر أن يفعل به قصداً إلى التشفي منه تحرياً لأمر الله، ففى ذلك تعدياً فأوجب الله تعالى تحري العدالة مع كل محق، ومبطل وإقامة الشهادة بالحق في كل أمر، وبين الله أنه تعالى عالم بما يتحرونه، ولا يخفى عليه خافية. قوله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) في قوله: (مَغْفِرَةٌ) وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع مفعول وعد الله

стр. 1787

كقول الشاعر: وَجَدْنا الصَّالِحينَ لَهُمْ جَزاءا ... وَجَناتٍ وَعَيْناً سَلْسَبيَلا فجعل قوله: (لهم) جزاء في موضع المفعول به وعطف على موضعه قوله: (جَناتٍ) بالنصب والثاني أن مفعول وعد محذوف، وقوله: (لَهُم مَّغفِرَةٌ) تفسير له وعلى كلا التقديرين لا يختلف المعنى. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) ذلك استئناف كلامهم متضمن للوعيد بتضمن الآية الأولى للوعد. قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)

стр. 1788

قيل عنى قوماً من اليهود هموا بقتل النبي ﷺ وروي: أن يهودياً انتهى إلى النبي ﷺ فسل سيفه وقال من يصونك مني، فقال النبى ﷺ : الله، فشام سيفه وأذعن لى). وذكر نعمة الله لشكره وقد تقدم ذلك ونبه بقوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أنه

стр. 1789

لا يجوز للمؤمن أن يفزع إلى غير الله في شيء من أموره. قوله : (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) النَّقْبُ كالثقْبِ لكن الثقب يقال لما قضى من الجانب الآخر والنَّقْب، قد يقال له ولغيره وباعتباره قيل: النقبة لأول ما يبدأ من الحرب وقيل لضرب من السراويل نقبةٌ، وكلب نقيبٌ مثقوب الحنجرة لئلا يرفع صوته. والمناقب ما ينقب عنه من المفاخر والنقيب كالعريف يقال نقب وعرف وهو الذي عنى أحوال الجيش. قال أبو عبيدة: هو الضامن على القوم. قال قتادة: هو الشاهد، وقيل: هو فعيل في معنى مفعول وهو المختار، وذلك إشارة إلى

стр. 1790

ما قال: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). والمذكور في قوله: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا) وأصل التعزير النصرة إما بأن لا يَظلم أولا يُظلم. كما قال ﵊: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال بعضهم: - أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالماً؟ فقال: تمنعه من الظلم). وتعزير السلطان عى بذلك كما سمي التأديب، وإقراض الله عبارة عن كل إنفاق محمود أوجبه أو ندب إليه، وسمي ذلك قرضاً تلطفاً بعباده وأن

стр. 1791

ما يطلبه منهم مع كونه في الحقيقة مُلكاً له تعالى، يأخذه ليرد عِوَضًه خيراً منه، وعلى ذلك: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) والقرض: اسم للمقرض كالعطاء في كونه اسم للمُعْطى. وقيل: هو موضوع موضع الإقراض، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) أي ضمن نصرتكم. وقوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) يتصل به قوله: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ). وقوله: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ). جملتان فصل بهما بين الكلامين المتصلين على سبيل الاعتراض المؤكد للكلام، وقال: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ) أي إن أديتم الفرائض ونصرتم الرسل وأنفقتم في سبيل المكارم، تجوفي عن ذنوبكم ومكنتم من الجنة، ومن كفر بعد أخذ الميثاق فقد ضل عن الصراط المستقيم. قوله : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)

стр. 1792

قد تقدم ذكر نقض الميثاق وقلوبهم قاسية هي كقوله: (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً). وقرأ قَسيَّة وقيل هي فعيله منه، وقيل: معناه ليست بخالصة الإيمان من قولهم درهم قسي إذا خالطه غِشية الخائنة. قيل: مصدر كالخيانة، نحو عوفي عافية (والمؤتفكات بالخاطئة)، و (أهلكوا بالطاغية). وقائله: بمعنى قيلولة. وقيل معناه: تطلع على جماعة خائنة، وقيل: على رجل خاص كقوله راوية وداعية ونابغة قال الشاعر:

стр. 1793

حَدَثَتْكَ نَفْسُكَ بِالوفَاءِ وَلمْ تَكُنْ ... للغَدرِخَائِنةَ مُغِل الأصبُعً إن قيل لما قال: (وَنَسُوا حَظًّا) فنكَّر؟ قيل للإنسان حظان: حظ دنيوي، وحظ أخروي، فأشار بقوله (حظًّا) إلى الأخروي. ونبه بقوله: (مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) على أن الله قد ذكرهم ذلك بما وضع فيهم من العقل وبما أنزل عليهم من الكتب فنسوه أي تركوه، واستعارة لفظ النسيان لتركهم إياه مبالغة في ذمهم وتمام القصة عند قوله: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) ثم استأنف على سبيل الذم لهم (وَلَا تَزَالُ تَطَّلعُ) وقوله: (فَاعفُ عَنهُم وَاصفَح) أمر بالعفو عما يضمرونه، وقيل: أمر بالعفو عمن دخل في العهد. وقال قتادة: ذلك منسوخ بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ).

стр. 1794

وقال غيره: بل بقوله: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ). والوجه أن يكون أَمَر بالعفو عن المستبطن وعمن دخل في العهد فلا تكون منسوخة. قوله : (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) ذم النصارى بنقض الميثاق، كما ذم اليهود وجعل عقوبتهم إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وأصل الغِرَا: من أغرا به أي لصق، وكيفية إيقاع الله الجداوة بينهم على ما تقدم من

стр. 1795

نسبته تعالى نحو ذلك الفعل إلى نفسه. قوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) أعاد بما يخفون من الكتاب إلى مثل إخفاء بنبوة النبي ﷺ ، وحكم رجم الزاني، وأخذهم الرشى، وقوله (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) أي يتجافى من إظهار كثير مما يخفونه، وبَّين في هذه الآية النعم الثلاث التي خص بها العباد وهي: - النبوة والعقل والكتاب. وذكر في الآية التانية ثلاث أحكام، يرجع كل واحد إلى نعمه مما تقدم. فقوله: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) راجع إلى

стр. 1796

قوله: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا) أي بهذا البيان إلى طريق السلامة من التبعة ممن تحرى مرضاة الله. قوله تعالى: (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) راجع إلى قوله: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ). وقوله: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) راجع إلى قوله: (وَكِتَابٌ مُبِينٌ). كقوله: (هُدًى لِّلمُتَّقِينَ). والسلام قيل هو: اسم الله تعالى نحو قوله: (السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ). وقيل: هو السلامة نحو الخسار والخسارة والضلال والضلالة. سبل السلام هي المشار إليها بقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ). قوله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وإن قيل: إن أحداً لم يقل الله هو المسيح، وإن قالوا:

стр. 1797

المسيح هو الله، وذلك أن عندهم أن المسيح من لاهوت وناسوت، فيقولون يصح أن يقال: المسيح هو اللاهوت وهو ناسوت، كما يصح أن يقال: الإنسان هو حيوان وهو نبات لما كان مركباً منهما. قالوا ولا يصح أن يقال اللاهوت هو المسيح، كما لا يصح أن يقال الحيوان هو الإنسان. قيل: إنهم قالوا هو المسيح على وجه آخر غير ما ذكرت، وهو ما روي عن عمد بن كعب القرظي: أنه لما رفع عيسى عليه الصلاة السلام اجتمع طائفة من علماء بني إسرائيل فقالوا ما تقولون في عيسى فقال أحدهم: أتعلمون أحداً يحيي الموتى إلا الله فقالوا لا، فقال: أتعلمون أن أحداً يعلم الغيب إلا الله فقالوا: لا. فقال: أتعلمون أن أحداً يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله، قالوا: لا. قال: فما الله إلا مَنْ هذا وصفه أي حقيقة الإلهية فيه. وهذا كذلك. الكريم زيدٌ أي حقيقة الكرم في زيد، وعلى هذا قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. إن قيل: (فا) في قوله: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)

стр. 1798

مما يقتضي تكذيبهم فيما ادعوه قيل: ذكر تعالى بذلك شيئين اقتضيا تكذيبهم. وذلك أنهم مقرون أن الله تعالى هو سبب وجود عيسى وأمه. وأنه تعالى غاية الموجودات وسببها ومالكها ولا شيء هو سبب لوجود الله تعالى وأنه أهو مالك قادر على إهلاك كل ذلك، فنبه تعالى بقوله: (فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أنه لو ارتفع كل ذلك لصح مع بقائه ولو تُوُهِمَ هو تعالى مرتفعاً لما صح وجودهم، وهذا أوضح دلالة أن لا يصح فادعوه في عيسى ثَمَّ. (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تنبيها أن الإنسان يحتاج إلى الابن ليتقوى به أيام حياته ويخلفه بعد وفاته، والله تعالى غني عن ذلك إذ هو مالك السموات والأرض وما بينهما وموجودها. وقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا) أي اعتقدوا اعتقاداً باطلاً عن ظن كاذب لأن هذا هو حقيقة الكفر وقيل معناه جحدوا نعمة الله وهذا على اعتبار معنى الكفر في الأصل.

стр. 1799

قوله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) ادعى كل واحد من اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه وقد رُوي أنهم قالوا ذلك قولاً حذرهم النبي ﵊ نقمة الله، فقالوا: لا تخوفنا فإنا أبناء الله وأحباؤه وزعم اليهود أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن وَلَدَكَ بكري من الولد، وأمَّا النصارى فقد قيل إنهم قالوا ذلك لِمَا حُكِي عن قول المسيح أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم، ورُوي أنهم قالوا: ما اقتضى معناه هذا القول وإن لم يتفوهوا بذلك تفوهاً كقولك: فيمن يدعي تخصصاً بسلطان فلان يقول أنا يد السلطان ولسانه، قيل: وكانوا يقولون إن غضب الله علينا كما يغضب الإنسان على ابنه وحبيبه. فكذبهم الله فيما ادعوه من محبتهم له ومحبته لهم، فإن المحبة تقتضي ترك المخالفة ومن أحب الله لم يخالفه، ولهذا قال الشاعر:

стр. 1800

تَعْصِي الإلَه وَأَنتَ تُظْهِرُ حُبَّه ... هَذا مُحال فِى القِياسِ بَدِيعُ لَوكَانَ حُبُكَ صَادقاً لأطَعْتهُ ... إِن المُحبَ لِمنْ أَحبَّ مُطِيعُ ولو أنه يحبهم لما عذبهم. فقد رُوي أنه إذا أحب الله عبداً تعهده وأحسن إليه. رُوي عنه ﵊: (إن الله قال ما زال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببتهُ كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به). إن قيل: كيف احتج عليهم بهذا ولم يقولوا إنا لا نعذب بل قالوا: إنا لا نعذب إلا أياماً بقدر ما عبدنا فيه العجل؟ قيل: إنه إشارة إلى ما تقدم من تعذيب الله إياهم، فكأنه قيل: فلم عذب من كان قبلكم الذين كانوا أمثالكم ثم قال: (بَل أَنتُم بَشَرٌ ممَّن خَلَق) أي نسبتكم إليه نسبة العبودية كسائر الناس وإنما يَفْضُل من يفضل بالتقوى، كما قال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).

стр. 1801

وكرر مع هذه الآية قوله: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) توكيداً لكونهم مُلكاً له، ونبه بقوله: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) على معنى قوله: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) ونحوه من الآيات. قوله : (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩) قوله: (أَن تَقُولُوا) أي كيلا تقولوا بيَّن الله لكم أن تضلوا. والفَترَة السكون والبطوء يقال فَتَرَ الشيء فُتُوراً.

стр. 1802

وقد تقدم أن بعثة الأنبياء من ضرورات العباد الى لا يسًتًغَني عنها فعامة الناس يجهلون جزئيات مصالحهم وكلياتهم، وخاصتهم يعرفون كلياتها دون جزئياتها، ولا يمكنهم أن يفرقوا الكليات. على التحقيق إلا بعد انقضاء كثير من عمرهم، فسَهَّل الله السبيل على جماعتهم من هدايتهم إلى مصالحهم وعلى ذلك قوله: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) فبين أنه تعالى أزاح علتهم فيمن بعث إليهم من البشير والنذير قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) قيل: ملوكاً أي أحرزوا من رزق المطامع الدنيوية، وروي عن ابن عباس أنه قال: من كان له

стр. 1803

زوجة وخادم ودار فهو ملك. وقيل: من له ما يستغني به عن تكلف الأعمال فهو ملك. وقيل: جعلهم ملوكاً من حيث ملكوا أنفسهم بالتخلص من القبط بعد أن استعبدوهم. وقيل عنى بقوله: (مُّلُوكًا) أي جعلكم بالقوة التي آتاكم مستصلحين لذلك، فإن من له المعرفة بالسياسات الثلاث سياسة لنفسه وسياسة لداره وسياسة لضعفه فهو ملك وإن لم يتولى سياسة غيره. فجعل النبوة فيهم خاصاً وجعل الملوكية فيهم عاماً للمعنى الذي ذكرنا، وقوله: (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) ممن تقدمهم، وإنما قال ذلك بالإضافة إلى الأديان فإن الله خلق الإنسان وجعل لهم ديناً ينشأُ حالاً فحالا، فكل يوم هو في كمال، فدين موسى ﵇ كان أكمل من دين من قبله، ودين عيسى ﵇ أكمل من دين موسى، ودين محمد ﷺ أكمل الأديان إذْ كان به كمل كما

стр. 1804

قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وقيل: أراد آتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين مما عدا الإنسان، فإن قيل: هذا لا يصح لأمرين أحدهما: أن يسقط تخصيص بني إسرائيل، والثاني: أنه لا يقال: لما عدا جنس العقلاء أحد قيل أما كون هذه النعمة على غير بني إسرائيل فليس يقتضي أن لا يخصصوا بالخطاب، فقد يقال لكل واحد ممن يتنبه على نعمة الله عليه أليس قد منَّ الله عليك بأن أعطاك يداً تبطش به، ولساناً تتكلم به، وليس يقتضي مشاركة غيره في هذه النعمة أن لا يكون للمخاطب فائدة، وأما قولنا: وإن كان يختص به جنس العقلاء فقد يقال ذلك لغيره إذا حمع بينه وبين جنس العقلاء كلفظة مَنْ في قوله

стр. 1805

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) فأطلق مَنْ على البهائم لما كان تفضيلاً لجملة منها العقلاء. قوله : (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) الأرض المقدسة: بيت المقدس، وقيل: دمشق، وفلسطين، وبعض الأردن. وقال مجاهد: هي أرض الطور. وقال قتادة: هى الشام.

стр. 1806

إن قيل كيف قال: (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) ثم قال: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) قيل: قال بعضهم: وهب الله ذلك لهم ثم حرمها عليهم لَمَّا تلقوا نعمته بالرد والكفران. وقيل: كتب لهم أنهم إن دخلوها فهي لهم. وقيل: معنى (كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي أوجبها عليكم. إن قيل: فقد كان يجب أن يقول كتب الله عليكم على هذا؟ قيل: إنما ذكر لكم معنى لطيف وهو أنه نبه أنه أوجب عليهم وجوباً يستحقون به ثواباً يحصل لهم. وذلك كقولك لمن يرى تأذياً بشيء أوجب فيقال: هذا لك لا عليك، تنبيهاً على الغاية التي هي الثواب. وإذا قيل كتب عليه فليس اللفظ يقتضي على الغاية التي هي الثواب بل يقتضي مجرد الإيجاب فذكر أنهم امتنعوا من دخولها لكون قوم جبارين فيها، واشترطوا أن لا يدخلوها إلا أن يُخلُّوا لهم. وقولهم (وَإِنَّا لَن نَّدخُلَهَا) فقد قال بعضهم: إن ذلك ليس

стр. 1807

بعصيان منهم بل بإظهار العجز عن دخولها، ورُوي أن هؤلاء الجبارين كانوا قوماً لهم بسطة في الجسم حتى أن رجلين من النقباء ذهبا يتجسسان فرآهما رجل منهم في بستانه فجعلهما في الكم من الفواكه ونثرهما بين يدي ملكهم فقال: أنتم تريدون قتالنا، ارجعا إلى قومكم فأخبراهم بخبرنا. وقال بعض الناس: الأرض المقدسة، عبارة عن الدين الحق الذي رشحه الله لهم فامتنعوا من تحريه تفادياً من قوم كانوا على ذلك الدين، كانوا يُسْتحقَرُون. وهذا بعيد على ما يقتضيه رد الكلام. قوله : (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)

стр. 1808

قال قتادة: يعني رجلين من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم. وقيل: من الذين كانوا يخافون من الجبارين فأنعم الله عليهما بالإسلام فَأَمِنَهُماَ، وقيل: كان يوشع بن نون وكالوب بن يوقنا وكانا من النقباء. وبيَّنَا أن الله تعالى يُنزل النُّصرة بقدر الجُهد، وأنكم إذا بذلتم من أنفسكم الاجتهاد في الدخول عليهم الباب وجدتم من الله النصرة، ويجعل الغلبة لكم وأمراهم بالتوكل، فكأنه قال: إن كنتم متوكلين على الله يكفكم على ما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).

стр. 1809

قوله : (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) ذكر جهلهم وقلة معرفتهم بالله، وأنهم ما قدروا الله حق قدره حيث أُمروه أن يستصحبه إلى الجواب استصحاب الأشخاص وبكَّتَهم بامتناعهم من الدخول إماً جُبناً وإما قصداً إلى العصيان، وأيهما كان فمذموم. إن قيل: ما فائدة الجمع بين قوله: (أَبَدًا) وقوله: (مَّا دَامُوا فِيهَا)؟ قيل: إن امتناعهم من دخولها لكون هؤلاء فيها، وإن اعتبار ذلك ليس في وقت دون وقت بل كل وقت، ما يدخلونها من كونهم فيها وروي أن المقداد قال للنبي ﷺ : (أما والله ما نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نُقْتل حيث شئت).

стр. 1810

قولًهً : (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) أظهر موسى شرَّ ما به وبيَّن عذره في غيره وأن ذلك لقلة انقيادهم له. إن قيل: كيف يصح أن يقول لا أملك إلا نفسي، والإنسان في الحقيقة لا يملك نفسه وأخاه، إذا الملك هو التصرف في الشيء بالبيع والشراء؟ قيل: هذا سؤال من هو بعيد عن متصرفات كلامهم، بل عن معرفة حقائق الأشياء، فإن الإنسان إذا انقاد له قواه فيما يَسُومُها من فعل الخير، يقال: هو مالك لنفسه وإذا امتنعت عليه قواه، يقال: هو غير مالك لها، وليس تصرف المِلِك والمَالك على وجه واحد. وإعراب قوله: (وَأَخِى) محتمل له أربعة أوجه: الأول الرفع عطف على

стр. 1811

موضع (إنَّي). الثاني: على الضمير في أملك، الثالث: نصب على المضمر في (إنَّي)، الرابع: نصب على قوله: (نفسِى). وقوله: (فَافْرُقْ بَيْنَنَا) أي بين مسكننا في الدنيا. وقيل: بين منزلينا في الآخرة، ولم يقل بيننا وبينهم بل قال: (وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ليكون دعاؤه أبلغ وأقرب إلى استعمال الأدب في مخاطبة الله تعالى، ولأنه من يجوز أن يصلح منهم بعضهم، فيجب أن لا يعين، بل يذكر الوصف الذي هوالفسق فيتعلق به الحكم، وذكر الفسق دون الكفر إذ

стр. 1812

هو أعم منه. قوله : (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦) قال الربيع: حرم عليهم أربعين سنة، وقال الحسن وقتادة: بل حُرم عليهم على التأبيد، وإنما كانوا يتيهون أربعين سنة. فقوله: (أَربَعِينَ سَنَةً) يتعلق بقوله: (يَتِيهُونَ) على هذا، وتحريم ذلك عليهم قيل: إنه كان

стр. 1813

تحريم تعبد فإنهم أمروا أن لا يدخلوها. وقيل: منعوا منها من جهة إضلالهم عنها فإنهم كانوا إذا أمسوا ردهم الله بقوة إلهية إلى حيث ما ارتحلوا عنه فقوله: (مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ) كقوله: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ) وأنهم ما خرجوا من التيه حتى مات هؤلاء وانتقل أمرهم إلى أبنائهم. وروي أن قدر الأرض التي تاهوا فيها ستة فراسخ. وقد قيل: لم يكن موسى وهارون معهم في التيه، لأن ذلك

стр. 1814

كان عذاباً عليهم دونهما. ومن لفظ التيه اشتق تَاه فلان وتَوَّهه. (فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) قيل: هو خطاب للنبي ﷺ خاصة تسلية له بأن المخالفة على الأنبياء عادة الفسقة في كل زمان. وقيل: بل هو من حملة ما خوطب به موسى وإن كان فيه تسلية للنبي ﷺ . قوله : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) القربان اختص في المتعارف، بالذبيحة المتقرب بها. وإن كان في الأصل عاماً في كل ما يتقرب، فهو فعلان كالعدوان

стр. 1815

والشكران والكفران. قيل: ابنا آدم كانا هابيل وقابيل، وكانا من قصتهما أن حواء ولدت مع كل واحد منهما بنتاً فالتي ولدت مع قابيل سميت إقليميا والتي مع هابيل لبوخ، ثم إن حواء قالت ليتزوج كل واحد منكما أخته المولودة مع أخيه وكانت إقليميا أحسن من لبوخ فقال هابيل سمعت وأطعت، وقال قابيل لا أرضى بل أريد إقليميا التي ولدت معي، وكان غرضه جمالها، فلما اختلفا قال لهما ليقرب كل واحد منكما قربان فمن قبل الله قربانه يتزوج إقليميا، وكان هابيل صاحب غنم وعَهِدَ إلى كبش أنتج فذبحه، وكان قابيل صاحب زرع وعَهِدَ إلى سيء من الفوم رديء فقربه فنزلت نار من السماء وأخذت الكبش وكان ذلك علامة قبول القربان. ورد في الخبر: أن هذا الكبش حصنه الله في الجنة إلى أن فُدي به ذبيح إبراهيم ﵊. وقيل: رعى في الجنة ثمانين خريفاً. وقيل: أربعين، وقيل إن ذلك في

стр. 1816

رجلين من بني إسرائيل يقال لهما ابنا آدم فإن إحلال الله للقرابين في زمن إسرائيل، واستدل هذا القائل بقوله: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ)، والأول أصح، فقد روى مسروق عن عبد الله، عن النبي ﵊: (لا تُقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم كفل من دمها). والذي لم يُقبل منه القربان إما لكونه، على

стр. 1817

غير الوجه الذي كان يجب أن يكون عليه ما لكون صاحبه مقصراً في سائر عباداته ولما قال أخوه حسداً (لَأَقتُلَنَّكَ) قال: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) حثاً له على التقوى، أي لا تقتلني فإنه إنما لم يقبل منك لأنك لست بمتق، والله يتقبل من المتقين. وفي الآية تعظيم أمر الحسد، وأنه يحمل الإنسان على أعظم الكبائر، وقد قيل: أثاني الشرور ثالثه الحرص والكبر والحسد فآدم (أولى) من الحرص وإبليس من الكبر وقابيل من الحسد. قوله : (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) قال ابن عباس: يعني إن بدأتني بالقتل لم أبدأ بقتلك، ولم يعنِ أني لا أمنعك عني، فمنع الإنسان القائل عن نفسه بقدر وسعه واجب. وقيل: إن من تعرض لقتله فله أن يدفع عن

стр. 1818

نفسه وله أن يستسلم. وعن أيوب قال: أول من أخذ بهذه الآية في هذه الأمة عثمان، وقيل: قد كان حِينئذٍ يجب أن لا يدفع أحد عن نفسه، كما روي أن عيسى ﵊ قال لأصحابه: (من لطم من ناحية يمينه فليُمكن من ناحية شماله)، وذلك عن الحسن ومجاهد. قوله : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) أي بإثم قتلي وإثمك الذي كان منك فلم يتقبل لأجله قربانك. إن قيل كيف جاز أن يريد لغيره أن يفعل الشر، وأن يكون من أصحاب النار؟ قيل: أراد ذلك بشرط القتل أي أريد إن قتلتني أن تبوء بإثمي وإثمك وأن تكون من أصحاب النار، وهذه الإرادة ليست بقبيحه.

стр. 1819

والبًوًاءُ الرجوع، والمباءُ المنزل الذي يَنزلُ فيه الإنسان، وهم في هذا الأمر بوأ أي سواء يرجع إليه كل واحد مثل رجوع الآخر ومنه فلان بوأ فلان في القود. قوله : (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) قوله (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ) كقولهم أسمحت قرينته وانقادت نفسه، وسولت، يقال: طاعت نفسه، وطوعت وتطوعت، والنفس توصف تارة بأنها طوعت فيما أمرت من الشر كهذه الآية، وتارة بأنها أمرت بالشر كقوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)، ونبه بقوله: (فَقَتَلَهُ) أنه تبع

стр. 1820

شيطانه الداعي إلى ذلك تنبيها أن متابعة الشيطان والهوى سبب كل شَر ولهذا قال: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ)، وقال: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ). وقوله: (فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) إشارة إلى نحو قوله: (خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ). قال ابن عباس: أما في الدنيا فأسخط والديه وبقي بلا أخ، وأما في الآخرة فأسخط ربه تعالى، وأمر به إلى النار. قال قوله: (رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ). قال يُريهم من الإنس قابيل ومن الجن إبليس، فقد روى: أنه لم يكن يدري قابيل كيف يقتل أخاه فأخذ يطعن رأسه فجاء إبليس فقال خذ هذه الصخرة فأشدخه بها. قوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)

стр. 1821

قال ابن عباس: لما قتل أخاه تحير لم يدرِ كيف يفعل به فقيض الله تعالى غرابين تقاتلا فقتل أحدهما الآخر فدفنه، فتنبه قابيل لدفن أخيه، ووجه ذلك أنه ما من صنعة يتعاطاها الإنسان بالتعلم إلا وقد سخر الله لمثل ذلك الصنعة حيوانا يتعاطاه، وجعل الله تعالى ذلك سبباً لتعلم الناس ذلك منه، فمن الحيوان ما يسبح ومنها ما يمشي ومن عادة الغراب دفن الأشياء فلما رأى قابيل ذلك تنبه لما يجب أن يفعل فاستصغر نفسه لقصوره عن معرفة ما اهتدى إليه الغراب، فأخذ يتحسر، ويتولول وندم ندماً لا يثنيه ولا يحد به كما قال الشاعر: - َ .............. ومَا يُغْنِي مِنْ الْحَدَثَانِ لَيْتَ وليست هذه الندامة بندامة التوبة.

стр. 1822

قوله : (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) الأجل: قطع الماء والآجل وقت مقطوع يقطع من وقته، والآجل نقيض العاجل وهو الذي جُعل له أجل ما، والأَجَلُ قطيع من الغنم، وذلك لقولهم الصُّرمة والقطعية والفرقة ونحوها مما اشتق من الأسماء المتضمنة لمعنى القطع. وأَجَّل فلان على فلان جنى عليهم جناية. أجله حضر. قوله: (مِن أَجلِ ذَلِكَ) أي من جناية ذلك، وقيل: من سبب ذلك كقولهم من أجله وبَّين بقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أنه كان من أول من سنَّ القتل. وعنده شُرع هذا الحكم، وذلك كقولك من أجل ماعز شرع النبي ﷺ حكم الرجم، أي عنده شرع، وإنما خص بني إسرائيل دون غيرهم لأن كتابهم أول كتاب بيَّن فيه فيه الأحكام.

стр. 1823

وقيل: لأنه كثر منهم القتل، وبيَّن أن الساعي في قتل نفس لم يلزمها قتل ما يقتضي الاقتصاص أو فساد وذلك إلى نحو ما قال ﵊: (كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان). وقوله: (فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)

стр. 1824

فإن الناس لما كانوا كجسم واحد ونسبة آحادهم إليه كنسبة أعضاء الجسم الواحد إليه، صار الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعي في إهلاكهم، كما أن الساعي في إهلاك بعض الجسم كالساعى في إهلاك كله، صار قتل الواحد كقتل الناس، ولهذا جاء في التفسير أن المؤمنين خصم للقاتل ولهذا قال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ)، وقال مجاهد: فلو قتل الناس جميعاً لم يرد في جزاءه على جزاء قوله: (وَمَن أَحيَاهَا) أي من نجاها من الهلاك إمَّا بالحماية عليها، وإمَّا بالعفو عنها إذا لزمها قِصاص يستحب منه العفو. قال مجاهد: (مَنْ أَحْيَاهَا) أي من ترك قتلها. قال الحسن: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا) أي من أضله عن طريق الهدى، (وَمَنْ أَحْيَاهَا) أي دعا مشركاً إلى الإيمان فهداه وأرشده

стр. 1825

فكأنما أحيا آدم ﵊ وولده إلى القيامة. قوله : (وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ). تنبيه أن الله لم يخلهم من بشير ونذير على عبادته في الأمم. والإسراف: الإبعاد في الخروج عن الحق، وعن الاستقامة التي هي العدالة في كل شيء هذا أصله، وإن تُعورف في الخروج عن العدالة في إنفاق المال، وقد وصف قوم لوط بالإسراف لخروجهم عمَّا أبيح لهم إلى ما حُظر عليهم، فبيَّن تعالى أن كثيراً منهم بعد مجيء رسلهم بالبينات يخلون بالعدالة وما شرع
следующие страницы →