Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)
قيل: السبب في نزول هذه الآية أن النبي ﷺ كان يهاب قريشاً، فأنزل الله ذلك.
فروي: (أن أعرابياً همَّ بقتل النبي ﷺ فسقط السيف من يده فجعل يضرب برأسه حتى انتثر دماغه).
إن قيل: كيف قال: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وذلك كقوله: إن لم تبلغ فما بلغت.
قيل معناه: وإن لم تبلغ كل ما أُنزل إليك يكون في حكم من لم تبلغ شيئاً، تنبيها أن تقصيرك في بعض ما أمرت به يحبط عملك.
وقيل: عنى بقوله: (مَا أُنزِلَ إِلَيكَ) ما ذكره بعد هذه الآية.
وهو قوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ).
وقوله: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) أي يمنعك من أن ينالوك
стр. 1892
بسوء من قتلٍ أو أسرٍ أو قهرٍ. وأصل العَصْمِ: من عصم القِربة أي
شَدِّها، وعصمة الله للعبد حفظ سره بما يَردُ عليه من موارد الشر.
وقيل: معنى يعصمك من الناس أي من بينهم العصمة المختصة بالنبوة ونحو قوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥).
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
ليس يعني أنه لا يبذل لهم فعصمة الله وتوفيقه وتسديده مبذولة
لكل من رغب فيها وترشح لقَبُولها.
ولكن الكفر يمنع منه، فإنه يعانده وينافيه كمنافاة المتضاد.
واستدل بهذه الآية على أن النبي ﷺ لا يكتم شيئاً مما أنزل الله بخلاف ما قالت الرافضة: أنه قد كتم أشياء على سبيل التُّقية.
стр. 1893
قال بعض الصوفية: ما يتعلق به مصالح العباد وأُمر بإطلاعهم عليه، فمنزه عن
كتمانه، وأما ما خص به من الغيب ولم يتعلق به مصالح أمته فله بل عليه
كتمانه.
стр. 1894
قوله : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)
стр. 1895
إن قيل: قوله: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) داخل فيه التوراة والإنجيل إذ كل ذلك منزل من الله، فلم أُفردا؟
قيل: إنه أفردهما بالذكر على سبيل التفصيل وخص ما أُنزل بالقرآن.
فإن قيل كيف أمرهم أن يقيموا الكتب وقد عُلم أن القرآن قد نسخ
التوراة والإنجيل، ولا يصح إقامةُ جميعها؟
قيل: يجوز أنه عنى الإقرار بصحة ثلاثتها، ويجوز أنه أراد أحكام أصولها، فإن ثلاثتها تستوي في ذلك وإنما الاختلاف في الفروع
بسحب مصالح الأزمنة.
وقيل: أراد إقامة هذه الكتب بإظهار ما فيه
من وصف النبي ﷺ وتصديق بعضها بعضاً.
قوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
стр. 1896
إن قيل: كيف قال: (مَن آمَنَ مِنهُم بِاللَّهِ) و (مَن) يدل على ما تقدم، وتقديره: من آمن من المؤمنين ومن الذين هادوا، وذلك خُلْفُ من
الكلام؟
قيل في ذلك وجهان:
أحدهما: أن معنى قولِه: (إِنَّ آلَّذِينَءَامَنُوا): أظهروا الإيمان وأَمِنُوا من القتل والسبي وهم الموصوفون بقوله: (مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ).
وقوله: (مَنءَامَنَ مِنهُم) أي من يحقق الإيمان فبيَّن أن المُظهِر للإيمان، والذين ما داموا فيهم ممن ذكرهم، لا يسقط عنهم الخوف والحَزَن في الدارين ما لم يتحققوا بتصديق الله، والإيمان بالمعاد، والتحري لمصالح الأعمال والثاني مَنْ في قوله: (مَنءَامَنَ بِاَللَّه) راجع إلى قوله: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) دون قوله: (إِنَّ الَّذِينَءَامَنُوا).
إن قيل: ما وجه قوله: (وَالصَّابِئُونَ) وقد ذكر النحويون أن المعطوف على اسم (إنَّ) قبل الخبر لا يصح فيه الرفع؟
قيل إن ذلك لا يصح منه الرفع إذا عطف على موضع إنَّ
стр. 1897
ويخبر عنهما بخبر واحد نحو أن يقول: إن زيداً وعمرو منطلقان، فأما إذا جعل الثاني مرتفعاً بالابتداء وجعل خبر أحدهما مضمراً يصح.
كقول الشاعر:
.......... فَإنِّى وَقيَّارٌِ بهَا لَغَرِيبُ
وتقدير الكلام: إن الذين آمنوا لا خوف عليهم، والذين هادوا والصابئون
والنصارى من آمن بالله لا خوف عليهم، واستغنى بخبر أحدهما عن مضمر
الآخر وعلى هذا قول الشاعر:
وإلا فاعْلَمُوا أنا وأنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقينَا فيِ شِقَاقِ
وقيل: قوله: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) معطوف
стр. 1898
على المضمر في قوله: (ءَامَنُو) كأنه قيل: إن الذين آمنوا هم
والذين هادوا والصابئون.
قال الفراء: الرفع يصح بعد إنَّ ويصح في كل معطوف، ولا يتغير فيه الإعراب نحو الذي وإخوانه، وهذا وهذه.
قوله : (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)
قد تقدم حقيقة أخذ الميثاق منهم، وأن ذلك بما ضمن عقولهم على ما دل عليه قوله:
стр. 1899
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) الآية.
وبعضه بما أَنزل إليهم من الآيات، وبعضه بالأيمان المؤكدة وكل ذلك مما ذكره المفسرون، وإنما قال: (فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) فعطف
المستقبل على الماضي تنبيها على أن ذلك عادتهم ماضياً ومستقبلاً،
ونبه بقوله: (بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ) أنهم يتبعون الهوى فيما يتحرونه، فلا
يستحقون جهداً وإنْ طابقو الحق إذ ليس لهم إلا سلوك سبيل الهوى، وأصل
الهوى: والهوا واحد وهو لا مِسَاك له، ومنه: (اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ)، وسُمى الدار هاوية لذلك.
قوله : (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)
الفتنةُ العذاب والبليَّةُ، وأصلها: إدخال الذهب والفضة النار
стр. 1900
للاختيار، ولذلك قال تعالى: (يَومَ هُم عَلَى النَّارِ يُفتَنُونَ)، وتارة يعتبر ما تحمل من العذاب فيستعمل فيه نحو: (وَفَتَنَّاك فُتُونًا).
وقُرأ: (أَلَّا تَكُونُ) بالرفع والنصب. فالرفع على
تقدير أنه لا تكونُ فتنة وذلك أبلغ في ذمهم، وقد تقدم أن الظن والحسبان
يستعملان تارة فيما قوى في النفس وتارة لما ضعف، ومن ذكر بعدهما إن
المشددة والمخففة منهما فقصد إلى تقوية الاعتقاد ومن ذكر بعدهما أن الناصبة
للفعل فلضعف الاعتقاد، وارتفاع قوله: (كَثِيرٌ) على البدل من الضمير في
: (فَعَمُواْ وَصَمُّواْ) وعلى تقدير التفسير: أي العُميُ والصُم كثير منهم ثم
بين أنه تعالى لعلمه كاملاً بما يعملون بالمرصاد يحاربهم.
قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)
стр. 1901
قالوا: إن الله هو المسيح، وذلك حكاية عن اليعقوبية
الذين قالوا إن المسيح ابن مريم هو الله، وبين أن المسيح نهاهم أن
يعتقدوا ذلك حيث قال: اعبدوا الله ربي وربكم وأنه بيَّن أن من يشرك
بالله يمنعه الجنة ويخلده النار فلا يجد ناصراً.
وأصل التحريم جعل الشيء ممنوعا منه إما بالحكم كتحريم الله الخمر وإما بالمنع القهري كتحريم الله الجنة على الكافر.
قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)
أخبر عن النسطورية والمَلَكِية، فهم الذين يقولون أب وابن وروح القدس فيجعلون الله أحد الأقانيم الثلاثة، ومن أن الله هو واحد وهو سبب الموجودات، وهددهم إن لم ينتهوا يعذبون.
стр. 1902
إن قيل: لم قال: (لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)،
وذلك يقتضي أن يكون بعضٌ منهم كافرين.
وقد قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا) فحكم بكفر جميعهم قيل: إنما قال الذين كفروا منهم تنبيها أن العذاب يتوجه على من دام به الكفر ولم يقلع، ولهذا عقبه بقوله: (أَفَلَا يَتُوبُونَ).
إن قيل: لم قال: (لَيَمَسَّنَّ) فذكر المس، وذلك يقتضي بتقليل العذاب.
قيل: بل المس يقتضي مبالغة في وصف عذابهم، لأن المس يقتضي اللمس، وذلك أعم الحواس وأكثرها وجوداً إذ لا حيوان إلا وله اللمس، ولأنه أعرف الحواس عند الخاص والعام.
قوله : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)
الصديقة الكثيرة الصدق، فقد قيل: إنها لم تكذب قط،
وقيل: لتصديقها جبريل لما قال:
стр. 1903
(إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩).
الخلو: تعرِّي الزمان أو المكان مما فيه، أو تعرى الشيء من زمان ومكان. وإذا قيل: لا يخلوا الأمر من كذا، فمعناه لا يتعرى ولا ينفك،
احتج تعالى على من ادعى الربوبية لعيسى بما يزيل الشبهة في ذلك، وهو أن غاية ما لعيسى ﷺ كونه رسولا، ذا معجزات قد شاركه في مثلها غيره من الأنبياء كإبراهيم حيث أُلقي في النار فسلم منها، وموسى حيث أَلقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، وفلق البحر له في تسع آيات، وأنه في كونه من غير أب لم يكن بأعجب من آدم الذي
كان من غير أب ولا أم، ونبه على قصوره عن آدم بكونه من أم، وأن كونها
صديقه لا يقتضي لها ولا لابنها الربوبية بل أكثر ما في ذلك أن يكونا من جملة
الصديقين، ثم نبه على بعضهما بافتقارهما إلى الطعام المقتضي لبعض الحاجة فكنى تعالى عن ذلك بأحسن كناية ثم عجب منهم بقوله: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) وإذا كان حالُهما لا يخفَى ومع
ذلك ينصرفون عن الحق وتفهمه.
قيل معنى: (يُؤْفَكُونَ): يصرفون
стр. 1904
كاذبون فيما يدعونه.
قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)
إن قيل لم قال: (مَا لَا يَملِكُ) ولم يقل (مَن)، وقد قصد بذلك نفيُ إلاهية
عيسى، وكيف قال: (يَملِكُ لَهُم ضَرًّا وَلَا نَفعًا) وقد كان عيسى
يملك ذلك وإن كان بتخليق الله إياه، ولمَ قدم الضر على النفع، ولم أتبع ذلك قوله: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وقد كان من حق المقابلة أن يُقال
والله هو الضار النافع؟
قيل: أما ذكر (مَا) فلكونه للجنس والنوع المقتضين لمعنى عام يقصد بذكره وأن ذلك يقتضي المشاركةَ والمشابهةَ، وتنزه الإلهية عن ذلك فأنكر تعالى بذكر ما ادعوه كل ما اقتضى مشابهةً ما، وإنما قال:
(لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) لأنه لما كانت الإشارة على ثلاثة
стр. 1905
أضرب: عن مالك الضر والنفع بوجه، ومالك لبعض ذلك بتمليك كالإنسان، ومالك لهما لا تمليك وهو الله تعالى صار مالكاً، لذلك بالتمليك في الحكم من لا يملك من هذا الوجه.
قال المسلمون: لا يملك أحدٌ شيئاً غيرُ الله، وقالوا:
الأشياءُ في يد الناس عاريةٌ مستردة. وأما تقديم الضر على النفع؛ فلأن الإنسان يخدم غيره إما لدفع الضرر أو لجر النفع، والناس يراعون دفع الضرر قبل جر النفع، ولذلك كان الاحتراز من المَضَارةِ كلها واجباً وليس طلب المنافع كلها واجباً، فلذلك قدم هاهنا الضرر.
فإن قيل: فقد قاله: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)
فقدم ذكر النفع؟
قيل: تقدم النفع في هذا المكان أولى لأنه لما ذكر تحريهم عن أنفسهم فيما يجرون لها.
والإنسان يتحرى لنفسه النفع لا الضر، بيَّن أنهم لا يملكون ما يحبون
فلأنفسهم، بل لا يملكون أيضاً في حقيقة الضر فضلاً عن النفع.
وأما إتباعه بقوله: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) فهو أنه لما لم ينكروا أن الله مالك الضر والنفع، ولا أنه قادر على مجازاة من استحق المجازاة، بل أشركوا بينه وبين غيره عَقَّبه بما اقتضى معنى ملكه للضر والنفع، وقدرته على المجازاة وذكر أنه هو المجازي
стр. 1906
فإن قوله: (السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) اقتضى أنه يجازي بما يسمعه
ويعلمُه، وإدخال هو في قوله: (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) اقتضى أن هذا الحكم خاص له لا يشاركه فيه غيره، صار مقتضى الكلام أنه يملك النفع والضر وأنه يجازي كل أحد باستحقاقه.
قوله : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)
الغلو: تجاوز الحد من قولهم غلا السهم وغلا السعر ويستعمل في الإفراط
دون التفريط، والخطاب قيل هو للنصارى حيث تجاوز القصد في عيسى
﵊ فادعوا له الربوبية.
وقيل: هو خطاب لهم ولليهود، فالنصارى غلوا في رفعه،
واليهود في وضعة،
وقوله: (غَيْرَ الْحَقِّ) انتصب بإضمار: (وَلَا تَقُولُواْ) كقوله: (وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)، وبيَّن أن الذي عليه قومهم هو من مقتضى الهوى فنهاهم عن اتباعهم فيه.
стр. 1907
كما قال تعالى: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)
وإنما جمع الهوى تنبيهاً أنهم متفاوتون، والمراد في باطلهم،
إن قيل: لم كرر قوله: (ضَلُّوا)؟
قيل في ذلك أوجه: الأول: أنه أراد قد ضلوا عن سواء السبيل،
فلما فصل بينه وبين ما يتعلق به أُعيد ذكره، كقوله: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ).
أعاد قوله: (فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ).
الثاني: أنه أريد ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، ضلوا كون ذلك تبيناً لما ضلوا عنه،
والثالث: أن الاشارة بقوله: (ضَلُّواْ مِن قَبلُ) إلى ضلالهم في شريعتهم قبل إتيان نبينا ﷺ ،
стр. 1908
وبقوله: (وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ) إلى ما أتى به النبي ﷺ .
والرابع: أن الإنسان قد يعتقد أن يُضل غيره وهو ضال بذلك، فبيَّن الله تعالى أن هؤلاء ضلوا في أنفسهم وضلوا بإضلالهم غيرهم إشارة إلى نحو قوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
والخامس: أن الله تعالى أرسل هاديين العقل والرسول، والعقل متقَدِّم على
الرسول من حيث أنه بالعقل يهتدي إلى معرفة الرسول، فقوله: (ضَلُّواْ)
إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل وضلوا عن سواء السبيل إلى ما أتى به النبي ﷺ .
قوله : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)
الاعتداء والتعدي والعدوان خروج عما حَدَّ ورسم،
إن قيل: على أي وجه لعنوا على ألسنتهما؟
قيل في ذلك أوجه: الأول: أنهم فعلوا ما استحقوا به اللعن
فلعناهم بأسمائهم، وذلك راجع إلى آبائهم، فقد روي أن
стр. 1909
داوود بلغه أن قوماً اجتمعوا على منكر فقصدهم ليعظهم فاستفتحهم الباب فلم يفتحوا وقالوا: نحن قردة، فقال: كونوها فمسخهم قردة، وإن قوماً آذَوْا عيسى ﵊ فلعنهم،
الثاني: أنهما قالا: من لم يفعل كذا فلعنة اللَّهِ عليه، فعصو، فصاروا ملعونين من هذا الوجه.
الثالث: أن الله تعالى لما أنزل على كل واحد منهما كتاباً اقتضى أن من خالفه فهو ملعون، فخالف هؤلاء، فصاروا من هذا الوجه ملعونين.
قوله : (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)
التناهى: أن ينهى بعضهم بعضاً، والانتهاء الانزجار، وهو أبلغ من الانتهاء
стр. 1910
والمعنى لم يكونوا ينتهون، ولا يتناهون عن القبح الذي أناطوه، ثم ذم فعلهم.
قوله : (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)
أى ترى كثيراً من الذين لعنوا موالين للكفار في محاداة الرسول ﷺ وذلك يجر إليهم سخطَ الله ويدخره لهم وبئس المدخر سخطه تعالى وما يثمر لهم الخلود في العذاب ونحو قوله: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ).
قوله : (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)
النبي يجوز أن يكون إشارة إلى نبينا ﵊
ويجوز أن يكون إشارة إلى نبيهم، ونبه أنهم لو آمنوا بمن ادعوا الإيمان به
لما فعلوا ما فعلوا، فإن دينهم لا يقتضي ما يرتكبونه ويفعلونه،
ويجوز أن يكون النبي إشارة إلى الجنس، أي الإيمان بالله وبالنبوة والكتاب، لا يقتضي ما يتحرونه من مولاة الكفار.
стр. 1911
إن قيل: فكيف قال: (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) بل كافرون؟
قيل الإشارة: (وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ) أي أحبارهم وعلمائهم
وأماثلهم، فيشير إلى أن فسق هؤلاء هو الذي اقتضى أن يرتكب
جماعتهم ما يرتكبونه وذلك لما أنبا بقوله: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ).
قوله : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢)
أصل العدواة المباعدة ومنه يعدي والعدا للمكان المتفاوت.
والقس والقسيس: العابد الكثير الذكر.
والرهبان جمع راهب كالركبان والفرسان جمع راكب وفارس،
بيَّن أنه كما بَيْن الأخيار تفاوت كذلك بين الأشرار تفاوت،
وكما أن من أتى من
стр. 1912
الطاعة ما هو أدنى كان ثوابه أدنى، كذلك من أتى من المعصية أكثر كان
عقابه أكثر، ولهذا جعل في الجنة درجات، وفي النار دركات، فالله لا يبخس عاملاً عمله. فلا يساوي بين من جحده وبين من يؤمن به ولا يكفر بأنبيائه، ولا بين من يجحد جميع أنبيائه، وبين من يجحد بعض أنبيائه فالمشركون به أبعد من الله من اليهود، واليهود أبعد من النصارى وإن أبعد الناس عن الإسلام اليهودُ والمشركون، أما اليهود فلأنهم بَعدُوا عن المسلمين بدرجتين إذ قد كفروا بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
وأما المشركون فلأنهم بعُدوا بدرجات إذ قد جحدوا التوحيد والنبوات.
إن قيل فلم قدم ذكر اليهود والمشركون شرٌ منهم؟
قيل: لأن الآية المتقدمة في ذكرهم، والقصد كان إليهم، فكان
تقديمه لذلك أولى.
وبين أن أقرب الناس إليهم قوم ادعوا التنصر ليس ذلك إشارة إلى جماعة النصارى بل قوم منهم.
ولهذا قال: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى).
ويدل على ذلك ما روي في التفسير
стр. 1913
أن ذلك إشارة إلى النجاشى، وأصحابه الذين آمنوا من بعد. ثَمً بيَّن أن
منهم القسيسين والرهبان وأنهم يتحرون الحق ولا يستكبرون عن قبوله والضمير في (أنهم) راجع إلى القسيسين والرهبان، وقيل: راجع إلى المعنيين بالدين كلهم.
قوله : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)
الفيض سيلان عن امتلاء وأفضا لسيلانه وفاضته دمعة إذا امتلأت العين ثم سالت، وعنه اسستعير خبر مستفيض، وأفاض القوم من عرفه، فذكر تعالى أنهم يبكون ويؤمنون بالنبي ﵊، ويتضرعون إلى الله أن يجعلهم من جملة من وصفهم بقوله:
стр. 1914
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
ومعنى (فَاكْتُبْنَا) أي اجعلنا منهم وثبتنا في جملتهم.
قوله : (وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)
كأنه قيل لهم: لِمَ آمنتم به؟ فقالوا: ولم لا نؤمن أي نصدق بالله وبالحق الذي جاءنا.
وقوله: (وَنَطمَعُ) من جملة قوله: (وَمَا لَنَا)،
ويجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون في موضع الحال،
أي لما لا نؤمن طامعين في أن يجعلنا ربنا من الصالحين
وذلك إشارة إلى قوله: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩).
стр. 1915
قوله : (فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦).
قد تقدم ما هو تفسير لهذا ودلَّ قوله: (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) أنهم محسنون واستحقوا ذلك تنبيهاً أن ذلك .... (١).
فإن قيل: فمن المحسنين من لا يجزى فهو الذي إساءته أكثر؟
قيل: المحسن المطلق هو الذي لا يستحق أن يوصف بضده ويكون وصفه بالحسن مطلقاً، ووصفه بالإساءة مقيداً، فأما من إساءته مُوَفيةٌ على إحسانه فلا يطلق عليه اسم الحسن.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)
لما ذكر حال الذين قالوا: - إنا نصارى، وذكر أن منهم قسيسين ورهباناً فمدحهم بذلك، وكانت الرهبانية قد حرموا على أنفسهم طيبات قد أحلَّها الله стр. 1916
لهم، ورأى تعالى قوما سوقوا إلى حالهم وهموا أن يقتدوا بهم حتى رأوا أنَّ قوَماً من أصحابه عليه الصلاة والسملام همُّو بإخصائهم، همُّوا أن يفعلوا فعلهم، وبيَّن ما دل على ما قال: (بعثت بالحنيفية السهلة)،
وقوله: (وَلَا تَعْتَدُوا)
стр. 1917
يجوز أن يكون حكماً لما دل عليه قوله: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ) وأن
لا تعتدوا إلى تناول المحظورات، وتكون الآية نهياً عن الطرفين في التفريط والإفراط وحملاً على القصر المذكور في قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا). ونحو ذلك من الآيات، وبيَّن أنه لا يحب المعتدين، أي
الاعتداء منافٍ لمرضاة الله،
فإن قيل: ولِمَ لمْ يقل والله يبغض المعتدين ليكون أبلغ؟
قيل: بل قوله: (لَا يُحِبُّ) أبلغ من وجه؛ لأن من المعتدين من
لا يوصف بأن الله يبغضه ويوصف بأنه لا يحبه، وهو من لم يكن اعتداءه كبيرة، وكل مبغض غير محبوب، وليس كل من لا يكون محبوباً علته مبغضاً. قال بعضهم: معنى (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ) أي لا تخلطوا مالكم من الحلال
بمغصوب، ولا تفعلوا فيه فعلاً يصير به حراماً، فتكونوا قد جعلتم الحلال
حراماً.
قوله تعالى: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)
الرزق: يقال لما جعل غِذَا، ويقال
стр. 1918
للعطية جميعاً، وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) أي ما يتغذى به، (وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ) أي مما أعطيناهم، ولتردد هذه اللفظة بين المعنيين اختلفوا أن ما رزق الله العبد هل يصح أن يكون حراماً؟
قال بعضهم هذه الآية يقتضي أن الرزق يقع على الحرام
أيضاً لأنه خص فقال: (مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) فلولا أنه يتناولهما
لما كان لتخصيصه فائدة، وقال مُخالفة قوله: (حَلَالًا طَيِّبًا) انتصابه على أنه
حال مؤكدة كأنه قيل: كلوا مما رزقكم الله فهو حلال طيب،
وبيَّن أن الله الذي آمنتم به حثكم أن تتقوه فتمام الإيمان التقوى.
قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
стр. 1919
اللغو واللغي: ما لا يعتد به من المقال والفعال ومن هذا قيل: لصوت العصافير اللغو، وقيل أُلغيت كذا أي طرحته لقلة الاعتداد به.
واللغو في اليمين، روت عائشة أن رسول الله ﷺ
قال: (هو قول الرجل لا والله وبلى والله) موقوفاً عليها.
стр. 1920
وقال ابن عباس: - هو أن يحلف على أمر يراه كذلك وليس على ما يراه، وروي عنهْ أنه قال: هو أن تحلف البتَّ على شيء وأنت غضبان،
وقال بعضهم: - هو أن يحلف الرجل على معصيته بأن يفعلها فينبغي أن لا يفعلها قال وهذا لا كفارة فيه، لقوله ﵊:
(من حلف على يمين فرأى أن غيرها خيراً منها فليركها، فإن تركها كفارتها) وقيل: بل لا إثم في تركها وعليه الكفارة، لقوله ﵊:
(من حلف على شيء فرأى غيره خيراً فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) القَسَمُ ضربان: قسم على ماضي، وقسم على مستقبل،
فالماضي: إما لغو وإما غموس، ولا كفارة فيها عند أبي حنيفة.
وأما عند الشافعي ففي الغموس الكفارة دون اللغو.
стр. 1921
قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، يعني عند الشافعي: مؤاخذة
الآخرة أي العقاب، والمؤاخذة بالكفارة عند أبي حنيفة مؤاخذة العقاب دون
الكفارة، واختلف في الكفارة على أوجه، أما في الإطعام فقد اختلف فيه:
هل الأولى أن يجمعوا على إطعامهم أو يدفع إليهم، فإذا جُمعوا عليه فهل يُطعَمون وجبه أو يطعمون غداءً وعشاء، وإذا أعطوا كم يعطون؟
قال الحسن: يعطي كل مسكين نصف صاع من بر.
وقال بعضهم: نصف صاع بر، وصاع من تمر.
стр. 1922
وقال ابن عباس وابن عمر رضى الله عنه الله عنهما: بل مدٌّ من بُر وهو
قول مالك والشافعي، وقال سعيد بن جبير: مُدان، مدٌّ لطعامه، ومدٌّ
لإدامه، ولا خلاف أنْ الذكر والأنثى في ذلك سواء، وذُكِّر اللفظ (عَشَرَةَ)
تغليباً للمذكر،
وقوله: (مِن أَوسَطِ مَا تُطعِمُونَ أَهلِيكُم)
قيل: هو راجع إلى مرات الإطعام، وقيل: هو راجع إلى جنس الطعام، وقيل: راجع إلى قدر ما يطعمون إن أطعم أهله مُداً فمداً، وإن أطعمهم صاعاً فصاعا.
стр. 1923
وأمَّا الكسوةُ: فقد قيل: لكل مسكين ثوب إزار ورداء،
وقال مالَكْ: - يكسوا الرجل ثوباً والمرأة درعاً وخماراً، فذلك أقل ما يجزي فيه الصلاة.
قال الشافعي: يجزي منها قطعة من سراويل وعمامة ومُقْنَعَه.
وأما تحرير الرقبة
стр. 1924
فإيقاع الحرَّية عليه، وتخصيص لفظ الرقبة، فقد قيل: ذلك لأنهم كانوا إذا
أسروا أسيرا شدَّقه إلى عنقه فإذا خُلِّيَ قيل: حرر رقبته، فصار ذلك عبارة عن العتق، وحقُّ المعتَق أن لا يكون به عيب يضر بعمله كالعمى والشلل.
فأما العور فإنه لا يضر، وقيل: يكره عتق المختل، ولا يجوز عتق الصبي
الصغير، قال سليمان بن موسى: الرقبة لا تقع إلا على الكبير، فأما الصغير
فيقال له النَسمَة، وقال إبراهيم: كل موضع في الشرع ذكر فيه رقبة
стр. 1925
مؤمنة فإنه لا يجزئ إلا الذي صام وصلى، أي بلغ.
وقوله: (فَمَن لَّم يَجِد) أي لم يجد فضلاً عن قوت عياله في يومه وليلته، فإن له أن يكفر بالصيام.
وقال قوم: إذا لم يكن عنده مائتا درهم.
وأما الصوم فقد قيل: متتابعات، ولذا قرأ أُبيٌّ ﵁
(فصيام ثلاثة أيام متتابعات)، واعتبر ذلك أبو حنيفة في الحكم،
وإن كانت التلاوة منسوخة.
وقال بعض الشافعية: قواه ذلك كفارة الحكم.
(إِذَا حَلَفتُم) يدل على
стр. 1926
أن له أن يكفر إذا حلف قبل أن يحنث، ولم يقل إذا حنثتم.
وقوله: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) أي أقلوا منها ولا تبذلوها لا للغوها، ولا ما يؤخذ بيمين اللغو، وإن لم يؤخذ به فقد يُودي بالإنسان إلى أن يتعود إكثار اليمين، وقيل معناه: إذا حلفتم فلا تنقضوها،
كقوله: (وَأَوفُواْ بِعَهدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّم) وقوله: (أَوفُواْ بِالعُقُودِ)
والصحيح أن الآية تتناول الأمرين - جميعاً
وعلى هذا قول الشاعر:
قَلِيلُ الأَلاَيا حافظٌ ليمِينِه ... وإن سَبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّت!
وجملة الأمر أن الإنسان مندوب إلى أن لا يحلف، ومن حلف على أن
стр. 1927
لا يفعل فعلاً يجب أو يستحب أن يفعل فحقه عليه أن لا يحنث،
ومن حلف على ما يجب أن لا يفعل أو يستحب أن يحنث في يمينه ويكفر،
ومن حلف على ما يجب أن لا يفعل أو يستحب أن يفعل، فاستوى فعله وتركه، فإن شاء حنث وكفَّر، وإن شاء حَفِظ اليمين.
وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي أعلام دينه، أحكامه الدنيوي والأخروي، رجاء أن يعرفوه حق المعرفة، فإذا عرفتموه وفعلتم ما أمرتم يكونون أقرب إلى أن توفوا حق شكره.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)
النجس والرجس والرجز متقارب، لكن النجس يقال فيما يستقذر بالطبع، والرجس أكثر ما يقال فيما يستقذر بالفعل ولهذا فُسر بالإثم والسخط. والخمر بالاتفاق: عصير العنب المشتد، وقد يسمى نقيع البُسر والتمر خمراً،
стр. 1928
قال ابن عباس: نزل تحريم الخمر وهي الفضيح، وروى النعمان بن
بشير عن النبي ﷺ (إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً)
وهذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة.
وقوله ﵊: (الخمر هاتين الثسجرتين من
النخل والعنب) فإنه لا يقتضي أن لا يكون من غيرهما، وقوله عليه الصلاة
والسلام: (كلُ مسْكرٍ حرام)، يقتضي تحريم ذلك جميعاً، سواء أسكر
ومن شأنه أن يسكر؛ لأن اسم الفاعل حقيقة في الماضى والحال والمستقبل، وقد تقدم الكلام في تحريم الخمر في سورة البقرة.
الميسر الضرب
стр. 1929
بالقداح على الجَزور، وسمي بذلك اعتقادهم أنه سبب يسار الفقر لما ينالهم من لحمه، وقال أمير المؤمنين: - الشطرنج من الميسر، وقيل:
القمار كله منه أي حكمه حكمُه.
والأنصاب ما نصب للعبادة من الأوثان،
وقيل كان حجرا بين يدي الصنم يذبح عليه،
وعلى هذا قال الشاعر:
...... وَمَا هُرِيقَ عَلى الأَنْصابِ مِنْ جَسَدِ
والأزلام: قداح يكتب على بعضها افعل، وعلى بعضها لا تفعل،
أو يكتب عليها حسن أو مذموم، فكانوا إذا أرادوا أمراً ضربوه
واعتمدوه فيما يفعلونه،
وقوله: (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) أي من تربيته.
قوله : (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)
стр. 1930
لما كان هذان يتولد منهما العدواة خصهما بإعادة ذكرهما،
فأمَّا الأنصاب فإنها سبب الكفر المحض، وهذه العلة في الخمر تقتضي
مشاركة البُنية إياها.
إن قيل: الذي يصد عن ذكر الله هو شرب الكثير دون
القليل، فحسبه أن يكون هو المحرم؟
قيل: بل ذلك منهما فإن القليل داعٍ مَن شربه إلى الكثير، وشرب الكثير داعٍ إلى ذلك بلا واسطة.
وقوله: (فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ) نهاية الردع والزجر.
следующие страницы →