Полный текст (2 001 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
أن له أن يكفر إذا حلف قبل أن يحنث، ولم يقل إذا حنثتم.
وقوله: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) أي أقلوا منها ولا تبذلوها لا للغوها، ولا ما يؤخذ بيمين اللغو، وإن لم يؤخذ به فقد يُودي بالإنسان إلى أن يتعود إكثار اليمين، وقيل معناه: إذا حلفتم فلا تنقضوها،
كقوله: (وَأَوفُواْ بِعَهدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّم) وقوله: (أَوفُواْ بِالعُقُودِ)
والصحيح أن الآية تتناول الأمرين - جميعاً
وعلى هذا قول الشاعر:
قَلِيلُ الأَلاَيا حافظٌ ليمِينِه ... وإن سَبَقَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّت!
وجملة الأمر أن الإنسان مندوب إلى أن لا يحلف، ومن حلف على أن
стр. 1927
لا يفعل فعلاً يجب أو يستحب أن يفعل فحقه عليه أن لا يحنث،
ومن حلف على ما يجب أن لا يفعل أو يستحب أن يحنث في يمينه ويكفر،
ومن حلف على ما يجب أن لا يفعل أو يستحب أن يفعل، فاستوى فعله وتركه، فإن شاء حنث وكفَّر، وإن شاء حَفِظ اليمين.
وقوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي أعلام دينه، أحكامه الدنيوي والأخروي، رجاء أن يعرفوه حق المعرفة، فإذا عرفتموه وفعلتم ما أمرتم يكونون أقرب إلى أن توفوا حق شكره.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)
النجس والرجس والرجز متقارب، لكن النجس يقال فيما يستقذر بالطبع، والرجس أكثر ما يقال فيما يستقذر بالفعل ولهذا فُسر بالإثم والسخط. والخمر بالاتفاق: عصير العنب المشتد، وقد يسمى نقيع البُسر والتمر خمراً،
стр. 1928
قال ابن عباس: نزل تحريم الخمر وهي الفضيح، وروى النعمان بن
بشير عن النبي ﷺ (إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً)
وهذا يدل على خلاف ما قال أبو حنيفة.
وقوله ﵊: (الخمر هاتين الثسجرتين من
النخل والعنب) فإنه لا يقتضي أن لا يكون من غيرهما، وقوله عليه الصلاة
والسلام: (كلُ مسْكرٍ حرام)، يقتضي تحريم ذلك جميعاً، سواء أسكر
ومن شأنه أن يسكر؛ لأن اسم الفاعل حقيقة في الماضى والحال والمستقبل، وقد تقدم الكلام في تحريم الخمر في سورة البقرة.
الميسر الضرب
стр. 1929
بالقداح على الجَزور، وسمي بذلك اعتقادهم أنه سبب يسار الفقر لما ينالهم من لحمه، وقال أمير المؤمنين: - الشطرنج من الميسر، وقيل:
القمار كله منه أي حكمه حكمُه.
والأنصاب ما نصب للعبادة من الأوثان،
وقيل كان حجرا بين يدي الصنم يذبح عليه،
وعلى هذا قال الشاعر:
...... وَمَا هُرِيقَ عَلى الأَنْصابِ مِنْ جَسَدِ
والأزلام: قداح يكتب على بعضها افعل، وعلى بعضها لا تفعل،
أو يكتب عليها حسن أو مذموم، فكانوا إذا أرادوا أمراً ضربوه
واعتمدوه فيما يفعلونه،
وقوله: (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) أي من تربيته.
قوله : (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)
стр. 1930
لما كان هذان يتولد منهما العدواة خصهما بإعادة ذكرهما،
فأمَّا الأنصاب فإنها سبب الكفر المحض، وهذه العلة في الخمر تقتضي
مشاركة البُنية إياها.
إن قيل: الذي يصد عن ذكر الله هو شرب الكثير دون
القليل، فحسبه أن يكون هو المحرم؟
قيل: بل ذلك منهما فإن القليل داعٍ مَن شربه إلى الكثير، وشرب الكثير داعٍ إلى ذلك بلا واسطة.
وقوله: (فَهَل أَنتُم مُّنتَهُونَ) نهاية الردع والزجر.
стр. 1931
وقوله : (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)
روى أنه لما نزلت الآية الأولى قال: قد مات منا عدة، يشربون الخمر فما حالهم؟ فأنزل الله هذه الآية،
روى أنها نزلت: في قوم كانوا قد حرموا على أنفسهم المباحات،
وروى أن قدامة ابن مظعون شرب الخمر فأراد عمر أن
стр. 1932
يجلده، فتلا قدامة هذه الآية، فقال عمر: أخطأت التأويل، إذا أيقنت واجتَنبتَ ما حرم الله عليك.
إن قيل ما الفرق بين الإيمان والتقوى والحسنى؟
قيل: الإيمان: - هو الإذعان للحق على سببيل التصديق له بالتبيين.
هذا وإن كان في المتعارف صار اسماً للتخصيص بشريعة نبينا ﷺ .
وبالتقوى: - جعل اليقين وقاية من السخط بالانتهاء عما نهى، والإتيان بما أمر.
والإحسان: تحري الأفعال الجميلة في الإيمان والتقوى، ولهذا قال ﵊: لما قيل له: ما الإحسان؟ فقال: (أن تحبد الله كأنك تراه) وثالثهما مرتبة وإن كان لكل واحد مراتب.
إن قيل ظاهر الآية يقتضى أن المؤمن المتقي المحسن يجوز له أن يتناول ما يريد تناوله والجناح عنه مرفوع، قيل: رفع الجناح عنه، لا لأنه
стр. 1933
أبيح له ما حظر على غيره، بل لأنه أَمِنَ أن يأتي بما هو محظور، وهذا كقَولك: لن أمنت أن يتعدى طوره لا بأس عليك فيما صنعته، ولا حجر عليك
فيما أردته وارتكبته، يعني أنك مأمون الغاية أن يتعدى طورك،
فبين بالآية أن من صار بهذه المنزلة من الإيمان أحجم عن المحظور وعفي عنه، وعلى هذا قوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) الآية.
إن قيل: ما وجه تكرير ذكر الإيمان والتقوى؟
قيل في ذلك أوجه:
الأول: ليس من آمن واتقى فيما كان قد حرم عليه وقت إباحة الخمر وأدام الإيمان واستعمل التقوى، إلا أن في ترك شربه. ثم النهي في غير ذلك واستعمل الحسنى جناح فيما شربه من الخمر، وتعاطاه من الميسر، قبل أن يحرم ذلك.
الثاني: لا جناح في تناول المباح من آمن واتقى فيما مضى، وفي الحال وفي المستقبل، فأما من ترك ذلك في أحد الحالين، ولم يقلع بتوبة فله الإثم.
الثالث: أنه أراد استعمال الإنسان الإيمان والتقوى فيما بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الناس، وبينه وبين الله.
стр. 1934
الرابع: أن للإيمان والتقوى على القول المجمل ثلاثة منازل:
إما أن يكون الإنسان في أوله وأوسطه أو في منتهاه، وكذا الفسق ثلاث
منازل، كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) فبيَّن أن الإنسان إذا استوعب المنازل الثلاث فقد كمل
وصار بحيث لا يتناول إلا المباح فلا جناح عليه لذلك فيما طعم.
الخامس: أن للتقوى ثلاث منازل:
الأول: ترك المحرمات،
الثاني: ترك الشبهات،
الثالث: ترك بعض المحللات تهذيباً لنفسه، لا تحريماً ومن بلغ هذا
المبلغ فلا جناح عليه فيما يتناوله بعد ذلك،
وبيَّن بقوله: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) أن من فعل ذلك فقد صار محسناً،
وإذا صار محسناً صار لله محبوباً فإن الله يحب المحسنين.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤)
стр. 1935
الابتلاء: - استخراج ما عند الإنسان من البلاء، أي الفعل كالاختيار في كونه استخراج خبر الإنسان،
وقوله: (بِشىَءٍ منَ الصَّيدِ) قيل: - (مِن) للجنس أي بصيد البر دون البحر وصيد الإحلال دون الإحرام،
وقيل للتبيين لقوله: (فَاجتَنِبُواْ الرِّجسَ مِنَ الأَوثَانِ)،
وقيل: للتبعيض أي من أجر الصيد ما يمكن اصطياده،
وقوله: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ) أي ما كان مستأنساً منه،
وقيل: فراخ الطيور، وصغار الوحش والبيض،
فقد روي: (أنه أتى النبى ﷺ بيضتان
стр. 1936
فامتنع منهما، وقال: (مُحْرِمون)، وقضى ﵊ في بيض
نعام أصابها محرم ثمنه، وما تناله، وما حكمه هي الممتنعات، ولم يعن الرماح فقط بل عناها وسائر الأسلحة، أي جعل تعالى ذلك ليكون ذريعة إلى ظهور أفعالكم وما يستحقون به الجزاء،
وقيل: إن قوله: (لَيَبلُوَنَّكمُ) أي يوجب الله تعالى ذلك عليكم لترضوا به
أنفسكم، وتتوصلوا إلى الامتناع عن محارمه الخفية، ليعلم بذلك كيف تضبطوا أنفسكم حتى لا يطلع عليكم غيركم وإنما يطلع عليه رب العزة، وذلك إشارة إلى خفيات القلوب والسرائر.
وقوله: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ) أي من تعدى في هذه الظواهر بعدما حظر عليه فيما ولا يراعي أمره فأولئك هم الذين يتعدون ويستحقون العذاب الأليم.
стр. 1937
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)
ذكر لفظ القتل دون الذبح والذكوة لأمرين:
أحدُهما: - أنه أعم الألفاظ في ذلك،
والثاني تنبيه أن ما يصيبه غير مذكي والصيد هاهنا
مخصوص في كل متوحش يؤكل لحمه عند أكثر الفقهاء،
بدلالة قول النبي ﵊: (خمس يقتلهن المحرم في الحل والحرم، الحيَّةُ والفأرة والعقرب والكلب العقور)،
وفي خبر آخر: (الذئب والفأرة والغراب والحدأة)،
стр. 1938
وقيل نبه بقوله العقور على ما يؤذي.
واختلف في الصيد بتذكية المحرم هل يأكله حلال؟
فأجراه بعضهم: مجرى ذبح المجوسي والوثني،
وأجراه بعضهم: مجرى ذبح الشاة المغصوبة، والذبح بالسكين المغصوب،
(وَأَنتُم حُرُمٌ)، أي مُحرمون - بحج أو غيره، أو داخلون
في الحرم، وأجمعوا أنه لم يرد أنهم في الشهر الحرام، وإن كان اللفظ
يحتمله، وقوله: (وَمَن قَتَلَهُ ومِنكُم مُّتَعَمِّدًا) فيه ثلاثة أقوال: -
стр. 1939
الأول: ما روي عن ابن عباس: أن الكفارة لا تلزم المخطئ لتخصيص العمْد.
الثاني: ما روي عن مجاهد أنه إذا كان عامداً لقتله ناسياً لإحرامه فعليه
الجزاء، وإن كان ذاكراً لإحرامه عامداً لقتله فلا جزاء عليه.
الثالث: وهو الأكثر أن عليه الكفارة، على كل حال وتخصيص العمْد بالذكر لقوله: (وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ) وذلك تخصيص بالعامد دون المخطئ، وأكد ذلك بأن الأصول تقتضي المساواة بين العمْد والخطأ فيما يختص بإتلاف المال.
стр. 1940
وقوله: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ).
قد تقدم أن المثل يقع على الند الذي هو مماثلة في الجنس،
وعلى الشبه الذي مماثلة في الكيفية، وعلى المساواة التي هي
المماثلة في الكمية، وعلى المشاكلة التي هي المماثلة في الهيئة،
فلما كانت المماثلة لا تختص، صار اللفظ مشتركاً.
فاختلف فيه فاعتبر ابن عباس: المماثلة في الخِلْقَة،
وإليه ذهب سعيد بن جبير وقتادة ومالك والشافعي،
واعتبر عطاء ومجاهد المماثلة في القيمة،
وإليه ذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف.
وقالوا: إن شاء اشترى بها طعاماً، فأعطى كل مسكين مُداً، وإن شاء صام عن كل نصف صاع يوماً.
стр. 1941
واللفظ بالأول أليق لقوله: (مِنَ النَّعَمِ)
وفي الآية قراءتان: (فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) بالتنوين، (وجَزَآءُ مثلِ)
بالإضافة، فإذا قرأ بالتنوين فلأنه يجعل الجزاء اسماً لا يجازى به مثل أي مماثل
لما قتل.
وقوله: (مِنَ النَّعَمِ) في موضع الوصف للجزاء.
قيل: هو أجود من الإضافة فإن الواجب هو جزاء المقتول من الصيد، لا جزاء مثل المقتول،
فإن قيل: المقتول ليس بمقتول فيكون له جزاء، وإذا أضيف جزاء إلى مثل، فذكر المثل هاهنا كما من نحو أنا أكرم مثلك وجعلنا أكرمك،
وقوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ) أي يجب أن يحكم بذلك عدلان،
وروى قبيصة بن جابر قال:
стр. 1942
ابتدرت أنا وصاحب لي ظبياً فأصبته فأتيت عمر بن الخطاب فذكرت ذلَك له
فأقبل على رجل إلى جنبه فنظرا في ذلك فأتيت صاحبي وقلت إن عمر لم يدر لم يحكم حتى جمع صاحباً له، فسمع ذلك عمر، فأقبل علىَّ ضرباً بالدِّرة، وقال أما سمعت (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ) وهذا ابن عوف وأنا ابن الخطاب.
وقوله: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا)
قال الشافعي عنى عدل الهدي، وذاك أنه يقوِّم الهدي،
وقال أبو حنيفة: عنى عدل الصيد فإنه يُقوِّم الصيد،
وقوله (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) إخبار أنه لا يجوز نحر الهدي إلا في الحرم
، واختلف في الطعام، هل يجوز غير في الحرم؟
وقوله: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ)
стр. 1943
أي عن قتل المحرم، وقيل: عن المرة الأولى،
وقوله: (وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ)
روي عن جماعة أنهم كانوا لا يحكمون على المحرم إذا أعاد
إلى القتل الصيد وكان إذا استفتوا يقولون: هل جنيت شيئاً قبل فإن قال:
نعم، لم يحكموا عليه، وإن قال: لا، حكموا عليه،
وقول فقهاء الأمصار أنه يحكم عليه بكل حال.
стр. 1944
قوله : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
البحر: يتناول كلًّا مالحاً كان أو عذباً، في جدول كان أو في نهر.
قال تعالى: (وَمَا يَستَوِي البَحرَانِ هَذَا عَذبٌ فُرَاتٌ)،
وقوله: (وَطَعَامُهُ) أي ما قذف به البحر ميتاً،
وعلى ذلك قوله ﵊ في البحر:
(هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
стр. 1945
والصيد هاهنا قيل: هو المصيد، وقيل: هو المصدر.
فعلى الأول قال بعض العلماء: أكل المصيد على كل حال غير محظور.
стр. 1946
واستدل بما روى أبو قتادة (أني أصبت حمار وحش فقَلت:
يا رسول الله: أصبت حمار وحش وعندي فضله، فقال كلوا فنحن
حرم)،
وعلى الثاني قال بعضهم: الاصطياد محرم، فأما أكل ما يصيد غيره
فيجوز، واستدل على ذلك ما روي أنه قال ﵊:
(وقد سئل عن الصيد فقال: (حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوا أو يُصاد لكم).
стр. 1947
فقال بعض العلماء: (وَطَعَامُهُ) أي ما يصاد له، قال: وهذا يدل على
أن ما اصطاد المحرم أو صيد له من صيد البحر غير محرم عليه،
قال الحسن (وَطَعَامُهُ) يعني البُر والشعير ونحوهما مما يتغذى بالماء،
وقيل: عنى ما مات فيه.
وعليه دل قوله ﵊ في البحر:
(الطهور ماؤه الحل ميتته).
وقيل: يتناول ذلك كل ما في البحر إلا ما استثناه السنة.
стр. 1948
وقال بعضهم: - بل ذلك يتناول السمك فقط.
وقوله: (مَتَاعًا) مصدر مؤكد، كقوله: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)
بعد قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ).
قوله : (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)
الكعبة: بيت مَرْبَع شبيهاً مكَعب ومنه قيل: كَعْبُ ثدي المرأة.
وقوله: (البَيتَ الحَرَامَ) يصح أن يكون بدلاً من قوله:
стр. 1949
(الْكَعْبَةَ)، وقوله: (قِيامًا) في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً
ثانياً، ويصح أن يجعل (البَيتَ الحَرَامَ) مفعولاً ثانياً، ويجعل (قِيامًا)
حالاً، والقيام، والقوام ما يُقوم به الأمر في معاشهم وصلاح أبدانهم،
ونقاء نفوسهم، ونبه تعالى أن الإنسان إذا تفكر فيها بيَّن الله لهم من يعظِّم
الكعبة أ. والشهر الحرام والهدي والقلائد.
فنبهه بذلك أن الله تعالى لإحاطة علمه بالأشياء قبل كونها ومعرفته لمصالح العباد جعل ذلك سبباً لعبادتهم لله تعالى،
قال الأصم: (قِيامًا لِّلنَّاسِ) أي: دائماً لهم لا يُنْسخ حكمه،
وقال الحسن: يعني بالشهر الحرام: الأشهر الحرم فأخرج اللفظ
مخرج الواحد،
فإن قيل ما فائدة قوله: (وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) بعد
قوله: (مَا فِى السَّموَات وَمَا فِى الأَرضِ)؟
قيل: إن لفظ قوله: يعلم إخبار عن المستقبل (وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)
أن ليس علمه مقصور على ما تقدم، بل هو عالم الغيب والشهادة،
إن قيل: كيف جعل قياماً علة لعلمنا أن الله يعلم ما في السموات والأرض؟
стр. 1950
قيل: ليس هذا متعلق بل هو متعلق به وبما قبله.
ونبه أنه تعالى قيض إما باعث من خارج أو باعث من داخل على تحريم
القتال في الشهر الحرام، ولتعظيم الكعبة ليكون ذلك سبباً لمصالح الناس التي من تفكر فيها علم أن الله فعلَه لعلمه بالخفيات.
قوله : (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)
نبه بذلك أنه تعالى حيث سخر هذه الأمور وبينها دل ذلك أنه فعل ذلك لما أراده من عباده ليثيب المحسن ويعاقب المسىء، وذلك يقتضي أن يعلموا أنه يعاقب قوماً ويرحي قوماً كيفما تقتضيه حكمته.
قوله تعالى: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)
الرسول المبعوث في أمر وأصله السائر على رِسْلٍ، ومنه تَرَسَل في القراءة إذا أمر فيه بلا تكلف، والرِّسْلُ اللبن، وكأنه اسم
للمرسل من الضرع كقولهم البعض، والبعث، والبَلاَغُ: وصول المعنى
إلى المقصود به، والبَلاَغَةُ رابع يتصل به المعنى إلى النفس وفي هذا بَلاَغٌ كفاية يبلغ بها مقدار الحاجة، أي الرسول قد بلغ ما أمر وليس عليه أكثر من ذلك في أمر الرسالة ثم الله يتولى السرائر، كما قال ﵊: (إنما أقضي بينكم بالظاهر ويتولى الله السرائر).
стр. 1951
قوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)
الخَبِيثُ: هو الباطل في الاعتقاد. والكذب هو المقال الطالح في الفعال، وأصله الرَّدِيءُ الدَّخْلَةِ الذي تظهر ردأته في الاختيار ولهذا
قال الشاعر:
سَبَكْنَاهُ ونَحْسِبُهُ لُجَيْنَاِ ... فَأبْدَى الكِيرُ عن خَبَثِ
ومتى اعتبر الطيب بالخبيث فهو كالدائرة من النقطة، بل كالشيء الذي
لا قدرة له بالمرأى، فبين الله تعالى الطيب وإن استقللتموه فخير من الخبيث، وإن استكثر قوة حتى يعجبكم كثرة، ونبه أن الاعتبار في الأشياء ليس بالقلة والكثرة وإنما ذلك بالجودة والرداءة، فالمحمود القليل خير من الذميم الكثير، ولهذا قيل: أقلل وأطب.
стр. 1952
إن قيل: كيف جعل الخبيث هاهنا كثيراً، وقد قال: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ) فجعله قليلاً،
وقال: (قُل مَتَعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ)؟
قيل: استكثاره للخبيث هو على نظر المغترين بالدنيا،
واستقلاله هو على ما عليه حقيقة الأمر.
وقوله: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ) ليس بخطاب للنبي ﷺ فقط بل هو خطاب لكل معتبر.
كقول الشاعر:
تَرَاهُ إذا مَاحَييتَهُ سَهْلاً ... كَأنكَ تُعْطِيهِ الذي أَنت قَائِلُهُ
ولأجل أن الخطاب عام من حيث المعنى قال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) بلفظ الجمع والمعنى استعملوا التقوى راجين أن تبلغوا الفلاح، تنبيهاً
أن التقوى هى التي تُبَلِّغ.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)
стр. 1953
البُدُوّ في القول: يقال تارة لظهوره، وتارة يقال لظهور تأويله وحقيقته. والعفو: يقال تارة لما يفضل عن الكفاية، كقوله: (مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ العَفوَ)
أي ما فضل عن القوت، وتارة يقال لترك الشيء، قبل وجوبه كقوله عليه
الصلاة والسلام: (عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق).
وتارة يقال لترك
стр. 1954
ما لزم فتجوفي عنه نحو (فَاعف عَنهُم وَاصفَح)،
وروي عن النبي ﵊ أنه خرج يوماً غضبان وجلس على المنبر فقال: (لا أُسأل عن شيء إلا أجبت، فقام رجل فقال أين أنا؟
فقال: في النار، وقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: حذافة، فقام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً، والله يعلم من آباؤنا)، فنزلت هذه الآية.
وقيل: إنه كان في الحج لما قال سراقة بن جعشم له ﵊: - أفي كل عام فقال ﵊: (لو قلت نعم لوجبت) الخبر.
стр. 1955
وقيل: كان سؤالان في مجلس، وعلى هذا قال تعالى: - حكاية: (فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا)، وهذا في سؤال
دون سؤال، وقوله: (أَشيَاَءَ) عند الكسائي بناها أفعال، قال: ولم
يصرف تشبيهاً بحمراء، وهذا يلزمه أن لا يصرف أنباء، وعند الأخفش
والفراء أنها أفعلاء، ويلزمهما أن يصغر على شيئان وقد امتنع من ذلك، وعند
стр. 1956
الخليل أنها فعلاء قلبوها، كما قلبوا أينق عن أنيق، وقِسِيّ عن قُووس
قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنها) أي عن الأشياء المسؤول عنها، وقيل عن
المسألة، والقولان في التحقيق واحد.
إن قيل ما موضع قوله: (عَفَا اللَّهُ عَنهَا) وما فائدة الإتيان بذلك؟
قيل هو وصف لقوله: (أَشيَاَءَ) كأنه قيل لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها، أي لم يكلفكم السؤال عنها، كقوله ﵊: (عفوت لكم عن صدقة الخيل) أي لم أوجبها، وذاك لأن الأشياء في البحث عنها وسؤالها ثلاثة أضرب: ضربٌ يجب السؤال عنه:
стр. 1957
وهو ما كُلف به الإنسان، وفيه أمر وإياه توجه أن أفتي لجريج بالاغتَسال
فقال: (قتلتموه، هلا سألتم عنه، شفاء العيي السؤال)،
وضربٌ يكره أو يحظر السؤال عنه، إياه توجه قوله ﵊: (اتركوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم الأنبياء)، وضرب يحبون السؤال عنه والسكوت عنه، وهو ما يحب أن يحمدوا
لا يؤخذ به
стр. 1958
الإنسان إن بحث عنه واستكشف.
ثم قال: (وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) أًي غفور عنكم ما سبق منكم حليم لا يبطش بكم فيما ارتكبتم.
قوله : (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)
والطلب والسؤال والاستخبار والاستفهام والاستعلام متقاربة
ومترتب بعضها على بعض، فالطلب أعمها، لأنه قد يقال فيما تسأله من غيرك، وفيما تطلبه بنفسك.
والسؤال لا يقال إلا فيما تطلبه من غيرك،
فكل سؤال طلب، وليس كل طلب سؤالاً،
والسؤال يقال في الاستعطاف، فيقال سألت فلاناً كذا.
ويقال في الاستخبار، فيقال سألته عن كذا،
وأما الاستخبار فاستدعاء الخبر،
وذلك أخص من السؤال، وكل استخبار سؤال،
وليس كل سؤال استخباراً.
والاستفهام طلب الإفهام وهو أخص من الاستخبار.
فإن قول الله تعالى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) استخبار، وليس استفهام وكل استفهام استخبار، وليس كل استخبار استفهاماً.
والاستعلام: طلب العلم فهو أخص من الاستفهام،
إذ ليس كل ما يفهم يعلم بل قد يظن، ويحتمل أن كل استعلام استفهام وليس كل استفهام استعلاما.
стр. 1959
وقوله: (قَد سَأَلَهَا) نبه على وجهين:
أحدهما: أنه استخبار، إشارة إلى نحو قوله لأصحاب البقرة حيث سألوا عن أوصافها، فعلى هذا لا فرق بين قوله: (قَد سَأَلَهَا) وبين قوله: قد سأل عنها.
والثاني: أنه استعطاف إشارة إلى نحو المستنزلين للمائدة من عيسى ﵊، والسائلين من صالح ﵊ الناقة، فعلى هذا لا يصح أن يقال سأل عنها،
وقوله: (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) أي كفروا ولم يعترفوا،
أو يعني كفروا تشبيها.
قوله : (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)
الجُعْلُ عام فيما يكون قولاً وحكماً، وفيما يكون عملاً وصنعاً،
ويكون تارة بمعنى صار، ولا يتعدى كقولك جعل فلان يقول كذا،
وتارة بمعنى صيَّر، ويتعدى إلى مفعولين كقولك: - جعلتُ الطين خزفاً، وجعلت زيداً عدلا، أي حكمت بذلك،
وتارة بمعنى فعل، ويتعدى إلى مفعول واحد، وعلى ذلك هذه الآية،
وجعل بالجُعْل هو الحكم لإيجاد العين، فإن الله تعالى موجد هذه الأعيان، ولكنه غير حاكم فيها
стр. 1960
بأحكامهم. فبين أن الله تعالى ما حكم بهذه الأحكام، ولكن الذين كفروا
حكموا بذلك، وحكمهم بذلك لافترائهم على الله، وافترائهم على الله من حيث أن أكثرهم لا يعقلون، فجعل علة حكمهم بذلك افتراءهم على الله، وجعل علة افترائهم على الله كون أكثرهم لا يعقلون.
إن قيل لما خص أكثرهم أنهم لا يعقلون؟
قيل: إنه إشارة بذلك إلى ديانتهم المقلدة دون الذين علموا بطلان
فعلهم لكن يمنعهم لرئاستهم أن يقلعوا عن ذلك مع معرفتهم ببطلانه.
ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى أماثلهم الذين يتبعون العقل وإن كانوا يعلمون ببطلان ما يفعلون.
البحيرة: - الناقة المشقوقة الأُذن، وهي كل ناقة نتجت خمسة
أبطن من كانت الخلقة أنثى شقوا أذفا فلا يُجَزُّ لها وبر، ولا يذكر اسم الله
عليها إن ذكيت، وحُرم على النساء لبنها، وإن ماتت اشتركت الرجال والنسل في أكلها.
والسائبة: المسيبة وكان أحدهم ينذر، لأنه يخلص بناقته
стр. 1961
شبيهاً، والوصيلة: الأنثى من الغنم إذا ولدت مع ذكر يقال: وصلت
أخاها، فيذبحونه لآلهتهم.
والحامي: الفحل الذي ينتج من صلبه عشرة أبطن، وكان يقال حمى ظهره، فيسيب ولا يركب.
قوله : - (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)
قال أهل اللغة: أصل تعالي دعا إلى العلو، ثم استعمل في
كل مكان علوا كان أو سفلاً، وقيل: إن ذلك يقال اعتباراً بالعلو الذي هو
المرتبة الرفيعة، فإذا قيل تعالي كأنه قيل اطلب بفعلك هذا علواً وشرفاً كقولك لمن دعوته تفضل أي اطلب بذلك الفضل وانعم ونحو ذلك،
ثم كثُر وصار كأنه موضوع المجرد.
والمعنى إذا دعوا إلى الكتاب والسنة أعرضوا وزعموا أنهم
مكتفون بما شاهدوا عليه آبائهم كقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).
стр. 1962
وقوله: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ)
الألف دخل للتعجب من جهلهم أي أو يكفهم ذلك، وإن كان آباوُهم
لا يعلمون، فيفعلون ما يقتضيه علمهم ولا يهتدون بمن له علم،
وأشير بأنهم من جملة الفرقة الثالثة الذين وصفوا فيما رُوي:
(الناس عالم، وتعلم، وحائر نافر لا يطيع مرشداً).
وقال على ﵁: (الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم
على سبيل نحاه ونهج رعاع وأتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجاؤا إلى ركن وثيق فيمتنعوا).
стр. 1963
وقوله: (لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) إشارة إلى أنهم هم الرعاع أتباع.
قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
قيل لا يضّركم ولا يَضِيركم من ضَارَه يُضِيَره يَضُورُه
وجُعِل جواباً.
ولا يضُّركم الأجود أن يكون رفعاً لا جواباً وإن جاز أن
يكون في موضع الجزم على الجواب على معنى أنكم إن أصلحتم أنفسكم، ولم يتحروا ما فيه فسادكم وإفساد غيركم، لم يضركم فلا يكونا كمن قبلهم
стр. 1964
ليحملوا أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم، وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ)
وليس في الآية حثٌّ على ترك النهي عن المنكر كما نقله قوم، فقد تقدم حث الله على ذلك في آيات كثيرة نحو قوله:
(وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).
وقال حاكياً عن لقمان: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧).
ومدح القائلين بذلك فقال: (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ).
وقال ﵊: ((من رأى منكم منكراً واستطاع أن يغيره بيده
فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)،
ويدلك على
стр. 1965
ذلك أنه قال: (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ).
ومن الاهتداء إنكار المنكر.
وقال أبو بكر ﵁: (إني أراكم تتناولون هذه الآية:
(عَلَيكُم أَنفُسَكُم) وقد عهدنا رسول الله ﷺ علمنا هذا على هذه الأمور وهو يقول: إن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمهم الله بعقابه)، وما بينكم وبين أن يعمهم بعقابه إلا أن تناولوا هذه الآية على غير تأويلها، وإنما المعنى لا تعتدوا بآبائكم واحفظوا أنفسكم أن تزِّل كما زلَّ غيركم، وإذا اهتديتم فليس عليكم من ضلال من خالفكم شيء. كقوله: (لَّيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم)،
следующие страницы →