إن قيل كيف قال: (عِبَادُكَ) والعبد أكثر ما يقال فيمن عبد لا فيمن ملك، وهم لم يعبدوا الله في الحقيقة، أو قد عبدوا عيسى وأمه؟
قيل: بل العباد يستعمل مع الله فيقال الناس عباد الله، ولا يقال عباد الأمير إلا على التشبيه، والعبيد يقال في الله، وفي غيره، ثم الناس كلهم يعبدون الله تسخيراً وقهراً، وإن لم يعبدوه طوعاً، فإنهم إذا عبدوا غيره على أنه
المنعم عليهم فهم يعبدون الله لأنه هو المنعم وعلى هذا: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣).
وقال تعالى: (وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
فإن قيل لو كانوا يعبدون الله بفعلهم لما داموا؟
قيل: إنما يدمون بقصدهم فيما يفعلونه، لأنهم يقصدون عبادة غير الله والإنسان مثاب ومعاقب بنيته، ولهذا قال: (إنما الأعمال بالنيات).
ولما قال لا يستحق الجمادات ويستحقها ثواباً استحقاق الإنسان والملائكة والجن.
إن قيل: كيف قال: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) وجواب الشرط
إنما يصح فيما يقع بوقوع الشرط، وقد علم أن هؤلاء عباده عذبهم أو لم يعذبهم.
قيل: هذا الكلام فيه إيجاز، وتقديره: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك أي من
أمرتهم بعبادتك، تنبيها أنهم لم يعبدوك فاستحقوا عقابك،
стр. 1997
إن قيل كيف جاز أن نقول وإن تغفر لهم فيُعرّض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه:
(مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)؟
قيل: قال أبو العباس المبرد ﵀: " إن تغفر كذبهم عليّ حيث قالوا: عيسى أمرنا بذلك فإنهم عبادك أي شئت لعلمك بهم فالذي سأله العفو عنهم والغفران لهم فيما هو حق له ".
وقيل: إن هذا السؤال إنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على
كل مايريده وعلى مقتضى حكمه وحكمته.
تنبيه أنه تعالى جمع القدرة والحكمة، فهو قادر على أن يفعل أي المقتضين بإرادته لهذا قال: (أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) تنبيهاً أنه لا امتناع لأحد من عزه ولا اعتراض في حكمته، ولهذا قال أنت العزيز ولم يقل الغفور، وإلى هذا أشار الحسن ﵁ حيث قال: إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم، وإن تغفر لهم فبعزتك ما كان منهم.
فإن قيل: فكيف قال (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فالأليق أن يوضع الغفور قبل العزة هاهنا أولى فهي تنبيه أنك تجمع القدرة والحكمة، ولم يقصد إنزال الغفران للكفرة منهم وإلى نحو هذا قصد الشاعر في قوله:
أذْنَبْت ذَنْباً عَظيماً وأنت للعَفْوِ ... فإن غَفَرْتَ تَفَضَلاً وإن جَزَيْتَهُ
стр. 1998
قوله : (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩)
أي من صدق في الدنيا نفعه صدقه اليوم، ولم يرد أنه ينفعهم ما صدقوا فيه ذاك اليوم، ولم يعن صدق المقال فقط بل عناه والصدق في الأفعال وهو ترك الرياء وإخلاص المسار إليه، يقول النبي ﵊: (إن الله يؤتى يوم القيامة بقارئ القرآن فيقال له ما كنت تفعل؟ فيقول: كنت أقرأ القرآن، فيقول له: كنت تقرأ ليقال إنك قارئ، وقد قيل ذلك فيؤمر به إلى النار) وقرأ (يَومُ) بالرفع، وهو الأكثر، فيكون الإشارة إلى اليوم، فإذا نصب فإشارة إلى ما في اليوم، أي هذا الحكم، وهذا القول الذي ذكرت يكون في يوم ينفع الصادقين صدقهم، والخلود يقتضي اللزوم والدوام، يقال: خلوداً في الديوان، وأخلد
стр. 1999
فلان إلى الأرض كقوله: ركن إليها ولزمها على الدوام، والمعنى اللزوم ولم يصح أن يوصف الله تعالى بالخلود كما وصف بالدوام.
قوله : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
تنبيه على تكذيب النصارى فيما ادعوه من ربوبية عيسى وأمه
﵉، وقد تقدم وجه تكذيبهم نحو هذا الكلام.
стр. 2000
رأيت فيه بحاراً أمواجها تتلاطم
وأفواج فوائدها تتصادم وأذعنت بهم
من دقائق معانيه الفائقة ورقائق ألفاظه الرائقة،
ما أنساني سماع الأغاني من الطربات الغواني (١)
انتهى.
стр. 2001
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف المخلوقات محمد ذي الكمالات، وآله وصحبه ما أشرقت بنور ربها قلوب المؤمنين والمؤمنات
وبعد.
فهذا ما يسره الله وأعانني عليه، ولعلي أكون وقد اطلعت على ألوان مختلفة
ومتباينة في حياة الراغب ومنهجيته في التأليف، وقدرته على السبر والتقسيم
، وتبحره اللغوي والنحوي، الذي يوحي بدراسة لشواهده الشعرية على غرار شواهد القرطبي، وكشفت الستار عن غموض عقيدته، وتأويله بعض صفات الخالق بطرق عقلية وفلسفية، وتأثره بعلماء عصره من أئمة المعتزلة والأشاعرة، مما يستلزم قيام دراسة منهجية لكتابه المفردات وخاصة أنه متداول بين مختلف المراحل التعليمية، كما لا يفوتني الإشارة إلى ميله لآراء الشافعية، ْوبراعته في النقد والتوجيه والإتيان بالحجة والبرهان، وحسبي بهذا العمل الذي اعتبره باكورة عملي في إثراء المكتبة الإسلامية، وحسبي أن أكون قد أرضيت رغبتي العلمية، التي لم آل في إرضائها جهداً، فإن سلم البحث فذلك من فضل الله، وإن كانت الأخرى، فذاك جهد المقل، وطاقة الناشئ الذي لا يزال يرقب من وراء الغيب أملاً فسيحاً.
هذا .. ولا يفوتني أن اعتذر - إلى من قرأ رسالتي - عما يكون في هذا
البحث من أخطاء هينة لا تخفى على فطانة قارئه، ولا تدق عن إدراكه، فإن مرَّ بها فرجائي إليه أن يلتمس لها عذراً، وأن يصححها مشكوراً وتلك شكيمة الكرام أهل الخلق الطاهر، والأدب الحميد، وألا يكون ممن قال فيهم الشاعر:
فإن رأوا زلَّةً طاروا بها فرحاً. . . عني وما وجدوا من صالحٍ دفنوا
والله أسال أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه، وأن يحقق لي
به ما تصبوا إليه نفسي وتسموا إليه همتي، و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.